← Книги сунны

Книги сунны · id 30195

الطوالات - لأبي موسى المديني

أبو موسى المديني

Полный текст (962 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

هذا حديثٌ حَسَنٌ، رُواتُه ثِقاتٌ مَشاهير، وإسناده عال، وقع لنا عاليًا من حديث عبد الرَّزَّاق بنِ هَمّام، وأبي حذيفة عن عكرمة، وأبو زُميل اسمه: سماك، من رجال الصحيح. وقيل: إِنَّ أهلَ حَرُوراء اجتمعوا إلى زيد بن حِصْن (١)، فعرضوا عليه أمرَهُم لِيَخْرُجَ معهم، فأبى عليهم، فذهبوا إلى يزيد بن عاصم المُحاربي (٢) لِيُؤمروه عليهم، فأبى ذلك، فأَتَوْا عبد الله بنَ وَهْبِ الرَّاسِبي (٣)، واجْتَمَعُوا إليه

стр. 142

بِقُرْبِ النَّهْرَوان (١)، فخرج معهم. وقيل: كانوا اثني عشر ألفًا، فرجع أكثرهم، وبقي خمسة آلاف، ومع أمير المؤمنين عليِّ ﵁ جَمِيعَةٌ، فقتَلُوا مِنْ الخوارج مقتلة عظيمةً، فقال عليٌّ ﵁ اطْلُبوا المُخْدَجَ (٢)، فطلبوه فإذا هم برجُلٍ إحدى يدَيْهِ كثَدْي، وقيل: على إحدى يديه كثَدْيِ فيه شعرات، إذا مُدَّ امْتَدَّ، واذا تُرِكَ قَلَصَ، وقيل: كان اسمه نافعًا، وقيل: مالكًا. وروى أبو مريم، عن عليٍّ ﵁ أنَّ المُخْدَجَ ذا الثَّدَيَّةِ كان من الجِنِّ، وكان له أخوان، هو أكبرُهم، وأنَّ رسول الله ﷺ أخبره بذلك (٣)، وأنه كان آيةً للقوم الذين قتلهم: أنَّه على الحقِّ في قَتْلِهم، وهم على الباطل، فلذلك كان يُعْنَى بطلبه، وذلك كله في سنة سبع وثلاثين (٤). * * * ١٩ - أخبرنا الإمام قِوامُ السُّنَّةِ أبو القاسم إسماعيل بن محمَّدِ بنِ الفَضْلِ الحافظ الله قال: أخبرنا عمر بن أحمد بن عُمر، ح. وأخبرنا الحافظ أبو بكر محمد بن أبي نَصْرِ اللَّفْتُوانِيُّ (٥) تحله قال:

стр. 143

أخبرنا أبو بكر بن سُليم (١)، وأحمدُ بنُ عبدِ الغَفَّارِ (٢). قالوا: أخبرنا محمد بن أبي عليّ (٣)، قال: حدثنا سليمان بن أحمد أبو القاسم، ح. وأخبرنا غير واحد من مشايخي ﵏ فيما أذنوا لي، أنَّ أبا بكر بن رِيْنَه أجاز لهم، وقُرِئ عليه: أخبرَكُم أبو القاسم الطبراني قراءةً عليه وإجازة منه، قال: حدثنا أحمد بن زكريا شاذان، قال: حدثنا عبد الله بن خُبَيْقِ الأَنْطَاكِيُّ، ح. وأخبرنا أبو علي الحَدَّادُ ﵀ قال: حدثنا أبو نُعيم الحافظ، قال: حدثنا إبراهيم بن محمد بن يحيى (٤)، والحُسَينُ بنُ محمَّدٍ أبو يَعْلَى الزُّبَيري، قالا: حدثنا محمدُ بنُ المُسَيَّبِ الأَنْطاكِيُّ، قال: حدثنا عبد الله بن خُبَيْقٍ، قال: حدثنا يوسف بن أسباط، قال: حدثنا أبو خالد الواسطي، عن زيد بن علي بن حُسَين بن علي، عن أبيه، عن جده، عن علي ﵁ قال: صلى بنا رسول الله ﷺ الفجر بغَلَسٍ، وكان كثيرًا ما يُغَلِّسُ ويُسْفِرُ، ويقول: «فيما بينهما وَقْتُ». إلى هنا رواية أبي علي، وفي رواية الطبراني: ثم التفت إلينا، فقال: «أفيكم مَنْ رأى رُؤْيا في هذه الليلة؟» قلنا: لا. قال (٥): «لكني رأيت كأنما أتاني ملكان فأَخَذا بضَبْعَيَّ (٦) فانطلقا في السماء، فإذا أنا بملك ومعه آدمي، بيد الملكِ صخرة يضرب بها هامة الآدمي، فيقعُ دِماغه جانبًا والصَّخرة جانبًا، قلت: من هذا؟ قال: اِمْضِه.

стр. 144

فمضينا، فإذا أنا بملك أمامه آدمي، بيد الملك كَلُّوبُ حديد، يُدْخِلُه في شقه - كذا في النسخة، وفي غير هذه الرواية: «في شِدْقِه» - الأيمن، فَيَشُقُّه حتى يَبْلُغَ به أُذنه، ثم يَصْعَدُ في الأيسر - وفي غير هذه الرواية: «ثم يَضَعُه في الأيسر» - فيَلْتَئِمُ الأيمن، قلتُ: ما هذا؟! قال: اِمْضِه. فمضينا، فإذا أنا بنهَرِ دمٍ يَفُورُ كَفَوْرِ المِرْجَلِ، فيه قومٌ عُراة، على حافتي النَّهَرِ ملائكة بأيديهم فِدَرٌ مِنْ نَّارٍ، كلَّما طَلَعَ منهم طالع قذفه ملَك بِفِدْرَةٍ، فَتَقَعُ في فيه، فيَسْتَفِلُ إلى أسفل ذلك - يعني: النَّهَر -، قلت: ما هذا؟! قال: اِمْضِه. فمضينا، فإذا بيت أسفله أضيقُ مِنْ أعلاه، فيه قومٌ عُراةٌ، تُوقَدُ مِنْ تحتهم النَّارُ، وأمسكتُ على أَنْفي من نتَنِ ما أَجِدُ مِنْ رِيحِهم، قلت: من هذا؟! قالا لي: اِمْضِه. فمضَيْنا، فإذا أنا بتل أسودَ عليه قومٌ مُجَبُّون، يُنْفَخُ في أدبارهم بالنار، فتَخْرُجُ مِنْ أفواههم ومَناخِرهم وأعيُنِهم وآذانِهم، قلت: ما هذا؟! قال لي: امْضِه. فمضَيْنا، فإذا أنا بنارٍ مُطْبِقَةٍ، عليها ملَكُ مُؤكَلُ بها، لا يخرج منها أحدٌ إلا اتَّبعه حتى يُعِيدَه فيها، قلت: ما هذا؟! قالا لي: امْضِه. فمضينا، فإذا أنا بروضة خضراء، وشيخ جميل لا شيخ أجمل منه، حوله ولدان، قلت: من هذا؟! قالا لي: اِمْضِه. فمضَيْتُ، فإذا أنا بشجرة، وإذا أنا بمنازلَ لا مَنازِلَ أحسن منها: مِنْ دُرِّ وياقوت وزبَرْجَدٍ، قلت: ما هذا؟! قال لي: اِمْضِه. فمضينا، فإذا أنا بنهر يطَّرِدُ، عليه جسران من ذهب وفضَّةٍ، وفيه أباريق تطَّرِدُ على حافَتَيْ النَّهَرِ، وعلى النَّهَرِ منازل لا منازل أحسن منها: من دُرَّةٍ جوفاء، وزَبَرْجَدَةٍ خضراء، قلت: ما هذا؟! (١) قال (٢) لي: اِنْزِلْ، فَنَزَلْتُ،

стр. 145

فضربت بيدي إلى إناء منها فشَرِبْتُ، فإذا هي أحلى من العسل، وألين من الزُّبْدِ، وأَشَدُّ بَرْدًا وبياضًا مِنْ الثَّلْج. قالا لي: الملك الذي رأيت كان بيده صخرة، فإنَّ أولئك قوم كانوا ينامون عن صلاه العشاء، ويُصَلُّون الصَّلواتِ لغير مواقيتها، فذاك عذابهم حتى يَصِلُوا إلى النَّار، وأما الذي بيده كَلُّوبٌ مِنْ حديد، فأولئك القتاتون الذين كانوا يَمْشُون بالنَّمِيمة لِيُفْسِدوا بين المسلمين، فذلك عذابهم حتى يصلوا إلى النار، وأما التَّلُّ الأسود، فأولئك الذين يعملون عمل قوم لُوطٍ، يُفْعَلُ ذلك بالفاعل والمفعول به، فذلك عذابهم حتى يَصِلُوا إلى النَّارَ، وأَمَّا النَّارُ المُطْبقة التي رأيت عليها ملكًا مُوْكَلًا بها، فتلك جهنَّمُ، وأمَّا الرَّوْضةُ الخضراء، فتلك الجنَّة، وأمَّا الشَّيْخُ الجميل، فذاك أبوك آدم - وفي غير هذه الرواية: «إبراهيم» -، وهم ذُرِّيَّتُه، وأما المنازل التي أَصْعَدْتَ فيها، فهُمْ أَهلُ عِلِّيِّين من النَّبيِّين والصِّدِّيقين والشُّهداء والصَّالحين، وحَسُنَ أولئك رفيقًا، وأما النَّهَرُ فهو نهرُكَ الكوثر الذي أعطاك الله - تعالى -، وهذه مَنازِلُك ومَنازِلُ أهل بيتِكَ. ثم نُودِيتُ مِنْ فوق: يا محمَّد سَلْ تُعْطَهُ، فَرجَفَ فؤادي، واضطرب كلُّ عُضو مِنِّي، ولم أستطعْ أَنْ أَحِيرَ جوابًا، فوضعَ ملَكٌ منهم يده على صدري بين ثَدْيَيَّ، ووضع الآخَرُ يدَه على ظهري بين كتفي، فسكن ما بي. ثم نُودِيتُ مِنْ فوقي: يا محمَّد سَلْ تُعْطَهُ، قلتُ: اللهم إني أسألُك أَنْ تُثْبِتَ شفاعتي، وأَنْ تُلْحِقَ بي أهل بيتي، وأن ألقاك ولا ذَنْبَ لي، فأنزل الله ﵎ عليَّ: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (٢)﴾ [الفتح: ١ - ٢] فكما أُعْطِيتَ هذا يا محمد تُعطى الذي سأَلْتَ» هكذا رواه الطبراني مخرومًا لم يُفَسِّر أشياء منه. ورواه أبو بكر الإسماعيلي الجُرْجاني الإمامُ، عن الحسن بن سفيان، عن المُسَيَّبِ بنِ واضح، عن يوسف بن أسباط، فزاد فيه أشياء، من ذلك: «قال: وأمَّا النَّهَرُ الذي رأيتَ يَفُور كَفَوْرِ المَرْجَلِ، فيه قومُ عُراة، على حافةِ النَّهَرِ

стр. 146

ملائكة، بأيديهم فِدَرٌ من نارٍ، كلَّما طَلَعَ طالع قذفوه بفدرة، فتقع في فيه، فَيَسْتَفِلُ إلى أسفل ذلك النَّهَرِ، فأولئك أكَلَةُ الرِّبا، فهم يُعذَّبون (١) حتى يصيروا إلى النار، وأما البيت الذي رأيتَ أسفله أضيقُ مِنْ أعلاه، فيه قومٌ عُراةٌ تُوقَدُ من تحتهِمُ النّارُ، أمسَكتَ على أنفِكَ مِنْ نَتَنِ مما تَجِدُ مِنْ ريحهم، فأولئك الزناة، وذلك نتن فروجهم، فهم يُعَذِّبُون بهذا حتى يصيروا إلى النار» (٢). وهذا الحديث غريب من هذا الوجه فيه زيادات ليست في غيره، تفرد به كذلك أبو خالد الواسطي، واسمه: عَمْرُو بنُ، خالد كان يكون بالكوفة، فلما عُثر على تخليطه تحوّل إلى واسط، غيره أوثق منه (٣). والفدرة: القطعة، وأكثر ما تستعمل في اللَّحْم، والفِدَر: جَمْعُها. والتَّجْبِيةُ: أن يقعَ الرَّجلُ كهيئة الساجد، أو يقوم كهيئة الراكع. والفَوْرُ: الغليان. و (أباريق تطرد) أي: مصفوفة بعضُها في إِثْرِ بعض. والإضعاد: إنما يستعمل في الذهاب في الأرض، فأما الارتقاء إلى عُلْمٍ فإنَّما يقال: صَعِد صعودًا. وقوله (لم أستطعْ أَنْ أَحِيرَ جوابًا) أي لم أَقْدِرْ على أَنْ أُجِيبَه.

стр. 147

وأصل هذا الحديث ثابت مشهور من رواية سَمُرَةَ بن جُنْدُبٍ (١)، وعبدِ الرَّحمنِ بنِ سَمُرَةَ (٢)، وليس بابنه ﵄. * * *

стр. 148

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 149

٢٠ - أخبرنا أبو علي الحَسنُ بن أحمد الحداد ﵀ في ذي الحجة من سنة ست وخمس مئة، قال: حدثنا أبو نُعَيم أحمد بن عبد الله الحافظ، قال: حدثنا سليمان بن أحمد إملاء. وأخبرنا أبو غالب أحمد بن العبَّاسِ الكُوشِيذي ﵀ يوم الثلاثاء، ثاني المُحرَّم، سنة خمس وخمس مئةٍ، قال: أخبرنا أبو بكر محمَّدُ بنُ عبدِ الله بن ريده، قال: أخبرنا أبو القاسم الطبراني، قال: حدثنا علي بن عبد العزيز، قال: حدثنا أبو غسَّانَ مالك بن إسماعيلَ النَّهْدِيُّ، قال: حدثنا جُمَيعُ بْنُ عُمرَ بنِ عبدِ الرَّحمنِ العِجْلي، قال: حدثني رجلٌ بمكة عن ابن لأبي هالة التميمي، عن الحسن بن علي ﵄. وأخبرنا الإمام أبو الرجاء أحمدُ بنُ محمَّدِ بنِ عبد العزيز القارئ، بقراءة والدي عليه رحمهما الله قال: أخبرنا أبو الفضل عبد الرحمن بن أحمد بن الحسن الإمام المقرئ، قال: أخبرنا أبو القاسم جعفر بن عبد الله بن يعقوب بن فَنَّاكي سنة ثمانين وثلاث مئة، قال: حدثنا أبو بكرٍ محمَّد بن هارون الروياني إملاء، قال: حدثنا سفيان بن وكيع، قال: حدثنا جُمَيعُ بْنُ عُمَرَ العِجْلي، عن رجلٍ من بني تميم من ولد أبي هالةَ سَمَّاه، عن عَمْرِو بن يزيد بن عُمر، عن أبيه، عن الحسن بن علي ﵄. وأخبرنا الأديب أبو الطَّيِّبُ طلحة بن الحسين بن أبي ذَرٍّ

стр. 150

الصالحاني (١) ﵀ سنةَ عَشْرٍ، قال: أخبرنا جَدِّي أبو ذَرٍّ، قال: أخبرنا عبد الله بن محمد أبو الشَّيْخِ، قال: حدثنا محمَّدُ بنُ العَبَّاسِ بنِ أَيُّوبَ (٢)، قال: حدثنا عُبَيدُ بنُ إسماعيل الهباري من كتابه. قال أبو الشيخ: وحدثنا إسحاق بن جميل، قال: حدثنا سفيان بن وكيع. قالا: حدثنا جميع بن عمر العِجْلي، قال: حدثني رجل من بني تميم من ولد أبي هالة زوج خديجة، عن ابن أبي هالة، عن الحسن بن علي ﵄ قال: سألت خالي هند بن أبي هالة التَّمِيمي - ﵁، وكان وصافًا للنَّبِيِّ ﷺ عن حِلْيَةِ النَّبيِّ ﷺ ، وأنا أشتهي أَنْ يَصِفَ لي منها شيئًا، لَعَلِّي أَتعلَّق به. فقال: كان رسول الله ﷺ فَحْمًا مُفَخَّمًا، يَتلألأ وجهه تَلَالُو القَمَرِ ليلةَ البَدْرِ، أَطُولَ مِنْ المربوع، وأَقْصَرَ مِنْ المُشَذَّبِ، عظيم الهامةِ، رَجِلَ الشَّعرِ، إِنْ انفَرَقَتْ عَقِيصَتُه فَرَقَ، وإلا فلا يُجاوِزُ شعرُه شَحْمةَ أُذنيه إذا هو وفره، أزهر اللُّون، واسِعَ الجَبِين، أزَجَّ الحواجب، سوابغ في غيرِ قرنٍ، بينهما عِرْقٌ يُدِرُّه الغضَبُ، أَقْنَى العِرْنين، له نورٌ يَعْلُوه، يَحْسَبُه مَنْ لم يَتَأَمَّلْه أَشَمَّ، كَنَّ اللّحْيَةِ، سَهْلَ الخَدَّين، ضَلِيعَ الفَم، أَشْنَبَ مُفَلَّجَ الأسنان، دقيق المَسْرُبةِ، كَأَنَّ عُنُقَه جِيْدُ دُمْيةٍ في صَفَاءِ الفِضَّة، مُعْتَدِلَ الخَلْقِ، بادِنا مُتماسكًا، سواء البطن والصَّدْر، عَرِيضَ الصَّدْر، بعيد ما بين المَنْكِبَين ضَخْمَ الكراديس، أنور المُتَجرِّدِ، موصول ما بينَ اللَّيَّةِ والسُّرَّةِ بشَعرٍ يجري كالخط، عارِيَ الثَّدْيَيْنِ والبطن مما سوى ذلك، أَشْعَرَ الذِّراعَيْنِ والمَنْكِبَينِ وأعالي الصَّدْر، طويل الزَّنْدَيْنِ، رَحْبَ الرَّاحِةِ، سَبْطَ القَصَبِ، شَتْنَ الكَفَّيْنِ والقدمين، سائل الأطراف، خُمْصانَ الأَخْمَصَيْنِ، مَسِيحَ القدمَيْن يَنْبو عنهما الماء، إذا زال زال قَلْعًا، يَخْطُو تَكَفَّيًا، ويَمْشِي هَوْنًا، ذَرِيع المِشْية، إذا مشى كأَنَّما يَنْحَطُ مِنْ

стр. 151

صبَب، وإذا التفت التفت جميعًا، خافِضَ الطَّرْفِ، نظره إلى الأرض أطول من نظَرِه إلى السماء، جُلُّ نظَرِه الملاحظةُ، يَسُوقُ أصحابه، ويبدأُ مَنْ لَقِيَه بالسلام. قلت: صف لي مَنْطِقَه. قال: كان رسول الله ﷺ مُتواصِلَ الأحزان، دائم الفكرة، ليست له راحة، طويل السَّكْتِ، لا يتكلم في غير حاجةٍ، يَفتَتِحُ الكلامَ ويَخْتِمُه بأشداقه، ويتكلم بجوامع الكَلِم، فَصْلٌ لا فُضول ولا تقصير، دَمِةٌ ليس بالجافي ولا المُهين، يُعَظَّمُ النِّعْمَةَ وإِنْ دقَّتْ، لا يَذُمُّ منها شيئًا، غير أنَّه لم يكن يَذُمُّ ذَوَاقًا ولا يَمدَحُه، ولا تُغْضِبُه الدُّنْيا ولا ما كان لها، فإذا تُعُوطِيَ الحقُّ لم يَعْرِفُه أحدٌ ولم يَقُمْ (١) لِغَضَبِه شيءٌ حتى يَنْتَصَر له، لا يَغْضَبُ لِنَفْسِه ولا يَنْتَصِرُ لها، إذا أشار أشار بكَفِّه كلّها، وإذا تعجب قلبها، وإذا تحدث اتَّصل بها، فيَضْرِبُ بباطن راحته اليُمنى باطن إبهامه اليُسرى، فإذا غَضِبَ أَعْرضَ وأشاحَ، وإذا فَرِح عَضَ طَرْفَه، جُلُّ ضَحِكِهِ التَّبَسُّمُ، وَيَفْتَرُّ عن مِثْلِ حَبِّ الغمام. قال الحسن ﵁: فكتمْتُها الحُسين زمانًا، ثم حدَّثْتُه فوجَدْتُه قد سبقني إليه، فسأله عما سألته، ووجَدْتُه قد سأل أباه عن مَدْخَلِه وَمَخْرَجِه وشَكْلِه، فلم يدع منها شيئًا. إلى هنا لم يَكُنْ في رواية أبي الشَّيْخِ، ومن هنا اتَّفَقُوا عليه: قال الحُسَين: سأَلْتُ أبي ﵄ عن دخول رسول الله ﷺ ؟ فقال: كان دخوله لِنَفْسِه مَأذونًا له في ذلك، فكان إذا أوى إلى منزله جزًا دخوله ثلاثة أجزاء، فجزء لله ، وجُزْءٌ لأهله، وجُزْءٌ لنَفْسِه، ثم جزًا جُزْأَه بينه وبين النَّاس، فيَرُدُّ ذلك على العامَّةِ بالخاصَّةِ، ولا يَدَّخِرُ عنهم شيئًا، وكان

стр. 152

من سيرته في جُزْءِ الأُمَّةِ إيثارُ أهلِ الفَضْل بإِذْنِه، وقَسْمُه على قَدْرِ فَضْلِهم في الدين، فمنهم ذو الحاجة، ومنهم ذو الحاجتين، ومنهم ذو الحوائج فيتَشاغَلُ بهم، ويَشْغَلُهم فيما أصلَحَهُم، والأُمَّةَ من مسألتهم عنه (١)، وإخبارهم بالذي ينبغي لهم (٢)، ويقول (٣): «لِيُبلغ الشاهد الغائب، وأبلغوني حاجةَ مَنْ لا يستطيع إبلاغي حاجته، فإنه من أبلغ سلطانًا حاجة (٤) مَنْ لا يستطيع إبلاغها إياه، ثبَّتَ الله - تعالى - قدميه يوم القيامة» لا يُذْكَرُ عنده إلا ذلك، ولا يَقْبَلُ من أحد غيره، يدخلون عليه رُوَّادًا، ولا يفترقون إلا عن ذواق، ويخرجون أَدِلَّة. قال: فسألته عن مَخْرَجِه، كيف يصنع فيه؟ فقال: كان رسول الله ﷺ يَخْزُن لسانه إلا مما يَعْنِيه أو يَعْنيهم، ويُؤلِّفُهم ولا يُنفّرُهم، ويُكْرِمُ كريم كلِّ قومٍ ويُوَلِّيه عليهم، ويَحْذَرُ النَّاسَ وَيَحْتَرِسُ منهم، مِنْ غيرِ أَنْ يَطْوِيَ عن أحَدٍ بِشْرَه ولا خلُقَه، يَتفَقَّدُ أصحابه ويسألُ النَّاسَ عما في الناس، ويُحسّنُ الحَسَنَ ويُقوِّيه، ويُقَبِّحُ القبيح ويُوَهِّنُه، مُعْتَدِلَ الأمر غير مختلف، لا يَغْفُل مخافة أن يَغْفُلُوا أو يَمِيلوا، لكلِّ حالٍ عنده عتاد، ولا يُقَصِّرُ عن الحَقِّ ولا يَجُوزُه، الذين يلونه من الناس خيارهم، أفضلهم عنده أعمهم نصيحة، وأعظَمُهم عنده منزلةً أحسنهم مواساة ومؤازرة. قال: فسألته عن مجلسه؟ فقال: كان رسول الله ﷺ لله لا يجلس ولا يقوم إلا على ذِكْرِ ، لا يُوَطِّنُ الأماكن (٥)، وينهى عن إيطانها، وإذا انتهى إلى قوم جلس حيث ينتهي به المجلس، ويأمر بذلك، يُغطي كلَّ جُلسائه بنصيبه، لا يَحْسَبُ أَحدٌ من جُلَسَائِه

стр. 153

أنَّ أحدًا أكرم عليه منهم، مَنْ جالسه أو قاومه في حاجة صابره حتى يكون هو المنصرف، ومن سأله حاجةً لم يَرُدَّه إلا بها أو بميسور من القَوْل، قد وَسِعَ النَّاسَ منه خُلُقُه وبَسْطُه، فصار لهم أبًا، وصاروا في الحقِّ عنده سواء، مجلسه مجلس حلم وحياء وصبر وأمانة، لا تُرْفَعُ فيه الأصواتُ، ولا تُؤْبَنُ فيه الحُرَمُ، ولا تُنْثَى فَلَتاتُه، مُتعادلين، يتواصَوْن فيه التَّقوى، متواضعين، يُوقِّرون فيهم الكبير، ويرحمون فيه الصغير، ويُؤْثِرون ذا الحاجة، ويحفظون الغريب. قلت: كيف كان سيرته في جلسائه؟ فقال: كان رسول الله ﷺ دائم البشر، سَهْلَ الخُلُق، لَيِّنَ الجانب، ليس بفَظٍّ ولا غليظ، ولا سَخَّابِ في الأسواق، ولا فَحَّاشٍ ولا عَيَّابٍ، ولا مَدَّاح، يتغافل عما لا يشتهي، فلا يُؤْيِسُ منه ولا يُجيب فيه، قد ترك نفسه من ثلاث: المراء، والإكثار، وما لا يعنيه، وترك غيره من ثلاث: كان لا يَذُمُّ أحدًا، ولا يُعَيِّرُه، ولا يَطْلُب عورته، لا يتكلَّمُ إلا فيما رَجا ثوابه، إذا تكلم أطرق جُلساؤُه كأنَّما على رؤوسهم الطير، فإذا سكت تكلَّمُوا، ولا يتنازعون عنده الحديث، من تكلّم أنصتوا له حتى يَفْرُغَ، حديثهم عنده حديثُ أوليتهم، يضحك مما يضحكون منه، ويَتعجَّبُ مما يتعجبون منه، ويصبر للغريب على الجفوة في منطقه ومسألته، حتى إن كان أصحابُه لَيَسْتَجْلِبونهم، ويقول: «إذا رأيتم طالب الحاجة يَطْلبُها فأَرْشِدوه» ولا يَقْبَلُ الثَّناءَ إِلا مِنْ مُكافئ، ولا يَقْطَعُ على أحدٍ حديثه حتى يَجُوزَه، فيقطعه بنهي أو قيام. قال: فسألته كيف كان سكوته؟ فقال: كان سكوتُ رسول الله ﷺ على أربع: على الحلم، والحذر، والتقدير، والتفكير، فأما تقديره: ففي تسوية النظر والاستماع من الناس، وأما تفكيره: ففيما (١) يَفْنَى ويَبْقَى، وجُمِعَ له الحلم في الصَّبر، فكان لا يُغْضِبُه شيء ولا يَسْتَفِرُّه، وجُمع له الحذَرُ في أربع: أَخْذِه بالحسنى لِيُقْتَدى به، وتَرْكِه القبيح

стр. 154

ليتناهى عنه، واجتهاده الرَّأي فيما أَصْلَح أُمَّتَه، والقيام فيما جمَعَ لهم خير الدنيا والآخرة (١).

стр. 155

أخبرنا بهذا الحديث نازلًا الإمام أبو القاسم (١) إسماعيل بن محمد الحافظ حمدلله كتابةً، ومحمَّدُ بنُ رَجاء قراءةً، قالا: أخبرنا محمد بن أحمدَ بنِ علي، أخبرنا عثمان بن أحمد بن إسحاق البُرْجِيُّ، حدثنا محمدُ بنُ عمر الجُورْجِيري، حدثنا أبو جعفرٍ أحمدُ بنُ محمَّدِ بنِ الحسن بن حفص، حدثنا أبو غسَّانَ، به سواء. فكأَنِّي سَمِعْتُه مع شيخي من شيخهما. ورواه الإمام أبو عبد الله بن منده، عن علي بن الحسن بن علي، عن أبي إسماعيل الترمذي، عن سفيان بن وكيع. وكأني سمعته من أصحابه. وكذلك رواه أبو عبد الله، عن الهيثم بن كليب، عن عبد الله بن مسلم بن قتيبة،، عن محمد بن عُبيد، عن أبي غسَّانَ. فكأني روَيْتُه عن أبي عبد الله. والحديثُ يُعْرَفُ بهند؛ لكونه لا حديث عنه سواه، إلا أنَّ الأكثر منه عن علي ﵁، وما رُوي ها هنا عن هند، رُوِي مِنْ غير هذا الوجه عن علي ﵁ أيضًا، على ما سَنُورِدُه. وهذا الطريقُ عَزيزٌ لأَجْلِ رواية الأخ الأكبر: الحسن بن علي، عن الأصغر: الحسين ﵃.

стр. 156

يُعْرَفُ بِجُمَيعِ، وهو ابن عمر بن عبد الرحمن، يُكْنى أبا بكر، ويقال: أبو جعفر، كوفي، يُعْرَف بهذا الحديث، وبحديث آخر. وله سَمِيٌّ في التابعين اسمُه: جُميع بن عمير، أكثر من هذا حديثًا وأشهر (١). وقد قيل في هذا الحديث: عن جميع، عن يزيد بن عمرو، عن أبيه، عن الحسن، والأشهر: عن جميع، عن يزيد بن عُمرَ - بضم العين (٢) عن ابن أبي هالة. وعبيد بن إسماعيل الهَبَّارِيُّ: يقال له: عبد الله، عُبَيدٌ: لقبه (٣). ورواه سَعْدُ بنُ طَرِيفٍ، عن الأصبغ بن نباتة (٤)، عن الحسن، عن هند. وروي عن ابن عباس، عن هند: ﵃: ٢١ - أخبرنا به أبو علي الحداد ﵀ قال: حدثنا أبو نُعَيم الحافظ، قال: حدثنا محمد بن أحمد بن الحسن قال: حدثنا بِشْرُ بن موسى، حدثنا إسماعيل بنُ مَسْلَمةَ بنِ قَعْنَبٍ، قال: حدثنا إسحاق بن صالح، عن يعقوب التَّيْمي، عن ابن عباس ﵄ أنه قال لهند بن أبي هالة - وكان ربيبًا لرسول الله ﷺ : صف لنا رسول الله ﷺ ، فلَعَلَّكَ أَنْ تكون أثبتنا به معرفةً،

стр. 157

قال: كان - بأبي وأمي هو - طويل الصَّمْتِ، دائم الفِكْرةِ، فَذَكَرَ نَحْوَه (١). ورواه أبو بكرٍ محمَّدُ بنُ أحمدَ بنِ عبدِ الرَّحمنِ الصَّفَّارُ الأصبهاني، عن أبي الحسين العُصْفُرِيِّ، قال: حدثنا أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن عَمْرِو بن تميم بن زيد بن هالة بن أبي هالة بمِصْرَ، قال: حدثني أبي، عن أبيه محمد، عن أبيه عمرو، عن أبيه تميم، عن أبيه زيد وأخيه هند ابني أبي هالة أنهما قالا في صِفَةِ النَّبِيِّ ﷺ (٢). وهذا الطَّرِيقُ إِنْ صَحَ (٣) فَغَرِيبٌ غريبٌ. وروي من طريق أهل البيت، عن الحسن، عن علي ﵁: ٢٢ - أخبرنا به قوامُ السُّنَّة أبو القاسم إسماعيل بن محمَّدِ بنِ الفَضْلِ الحافظ ﵀ قال: أخبرنا عمر بن أحمد بن عمر، ح. وأخبرنا الحافظ أبو بكر محمد بن أبي نَصْرٍ ﵀ قال: أخبرنا أبو بكر بن سليم، وأحمدُ بنُ عبدِ الغَفَّار.

стр. 158

قالوا: أخبرنا محمد بن أحمد المُزَكِّي، قال: أخبرنا سليمان بن أحمد، قال: حدثنا عبد الله بن محمَّدٍ البَغَوِيُّ، قال: حدثنا إسماعيل بن محمَّدِ بنِ إسحاق بن جعفر بن محمَّدِ بنِ عليِّ بنِ حُسين بن علي، قال: حدثني عَمِّي علي بن جعفر، عن موسى بن جعفر، عن أبيه جعفر بن محمد، عن أبيه، عن علي بن الحسين قال: قال الحسن بن علي ﵄: سُئل أبي عن دخول رسول الله ﷺ ، فذكره (١). وأما المعنى: فقد أشار أبو عُبَيدٍ وغيره ﵏ إلى تفسير بعض ألفاظه المُشْكِلة، وإنما الشَّأنُ في معرفة المعاني، فنَذكر ما وقع لنا من ذلك، فإن كان صوابًا فمن الله ، وإن كان خطأ فمنّي، وأستغفر الله. فأما قوله (فَحْمًا مُفَخَّمًا) أي: كان جميلًا مَهِيبًا عند الناس، مع تمام كل ما في الوجه، من غير ضخامةٍ ولا نُقصان، جمَعَ مع الجمال مهابة وملاحةً، إِذْ رُبَّ جميل لا تُحِبُّه القلوبُ؛ لِعَدم المَلاحةِ في جَمالِه. وقوله (ليلةَ البَدْرِ) قيل: سُمِّيَتْ به لأنَّ القمر فيها كأنَّه يُبادِرُ بطلوعه غروب الشَّمْس، وقيل: بل سُمِّيَتْ به لكمال القمر فيها وتمامه، من قولهم: عَيْنٌ حَدْرَةٌ بَدْرَةٌ، إذا كانت ممتلئةً، ومنه سُمِّيَت البَدْرة من الدراهم؛ لامتلائها. و (المربوع) الذي ليس بالطويل ولا القصير، بل يكون وسطًا بينهما. و (المُشَذَّب) المُفْرِطُ الطُّول، وأَصْلُه في النَّخْلة إذا شُذِّبَتْ أغصانها، أي:

стр. 159

قُطِعَتْ، وجُرِّدَتْ عن جَرِيدِها، كانت أفحش في الطول، وإنما يقال المُشَذَّب في طولٍ لا عَرْضَ معه، أي: ليس بنَحِيفٍ طويل، بل طولُه يَلِيقُ بِعَرْضِه على أَتَمَّ صِفَةٍ تُسْتَحْسَنُ. وقوله (عظيم الهامة) قال بعضهم: أي: تام الرَّأْسِ في تَدْويرِه، ليس بِصَعْلٍ، ولا مُصَفّحٍ، ولا مُفَأَسٍ (١). والرَّجِل: بين القَطَطِ والسَّبْط، أي: ليس شعره بالجَعْد الشَّديد الجعودة كشعرِ الزنوج، ولا بالسَّبْط الذي لا تكثر فيه أصلًا. والعَقِيصة: فَعِيلة بمعنى مفعولة، وهي: الشَّعرُ المجموع كهيئة المضفور، كأنه يريد: إِنْ تَفرَّق شعره (٢) بعد ما جمعه وعقصه فرَقَ شعره - بتخفيف الرَّاء -، وترَكَ كلَّ شيءٍ منه في مَنْبِته، وإلا إن بَقِي مَعْقوصًا كان موضِعُه الذي يجمَعُه فيه حِذاءَ أَذُنَيْه، ويُرْسِلُه هناك. وذكر القُتَبِيُّ (٣) وغيره (٤) أنَّ هذا كان في أوَّلِ الإسلام يَفْعَلُه كَفِعْلِ أَهلِ الكتاب، ثم فرَقَ بعد (٥)، وهذا الفَرْقُ هو الذي يُعَدُّ في الخصال العَشْرِ

стр. 160

من الفطرة (١). والقُتَبِيُّ وغيرُه يَرْوُونه (عقيقته) بقافين، ولا وجه للعقيقة في هذا الموضع؛ لأن العقيقة هي الشَّعرُ الذي على رأس الصبي حين يولد، وأظنُّه صحفه بعضُهم؛ فإنَّ الصَّادَ إذا لم تُحَقَّق في الكتبة رُبَّما تَشْتَبِه بالقاف (٢). والأزهر: الأبيضُ الأنورُ المُشْرِق، ولا يدلُّ على شِدَّة البياض. وقوله (أَزَجَ الحواجب) أي: طويلهما مع سبوغ ودِقَّةٍ وتقوس فيهما، قاله أبو عُبَيد (٣)، ولا يعني بالطَّوِيل طول شعرهما، إنما يعني امتدادهما إلى مُؤخَّرِ

стр. 161

العينين، وقد تفعله النِّسَاءُ تَكَلُّفًا بِأَنْ يَنْتِفْنَ منهما، ويَجْعَلْنَ الكُحْلَ فيهما حتَّى يصيرا كذلك، وهو منهي عنه. وإنما جَمَعَ الحواجب وَإِنْ كان لكلِّ شخصٍ حاجبان، لأحد معنيين: إما أن يكون جَعَلَ التَّثْنِيَةَ جَمْعًا؛ لأنَّ كلَّ اثنين فما فوقهما جَمْعُ، وورد به حدث (١)، وقد قال الله ﵎: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ﴾ [النساء: ١١] وحَمَلُوه على الأَخَوَيْن، وكذلك قال ﵎: ﴿وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ﴾ [الأنبياء: ٧٨] يعني: حُكْمَ داود وسليمان. والمعنى الثاني: إنما جَمَعَ لأنَّ كلَّ قطعة منهما حاجب، فجمع لذلك. وقوله (في غير قَرْنٍ) أي: من غير أن يلتقي طرفاهما، ويتَّصِلَ أَحَدُ الجانبين بالآخر، وفي حديث أم مَعْبَدٍ ﵂ في صِفَتِهِ ﷺ : «أَزَجُّ أَقْرَنُ» (٢). ذهب جماعة إلى إثبات أحد الحديثين ونَفْيِ الآخَرِ، وتكلَّمُوا فِي إسنادَيْهِما؛ لأنَّ ذاك خلافُ هذا، وليس بينهما خلافٌ، بل يمكن أنه لم يَكُنْ بالأَقْرَنِ حقيقةً ولا الأَبْلَج، بل كان بين حاجِبَيْه فُرْجةٌ دقيقة لا تتبيَّنُ لِكُلِّ أحدٍ إلا لمن تأمل النظر فيه، ويدلُّ عليه قوله فيما بعد: (يَحْسَبُه مَنْ لم يتَأَمَّلْه

стр. 162

أشَمُّ)، ويقال: إنَّ العربَ تَسْتَحِبُّ البَلَج، وتكره القَرَن (١). وقوله (يُدِرُّه الغضَبُ) أي: عندَ الغضَبِ يَمْتَلِئ هذا العِرْقُ دمًا ويَغْلُظُ ويَرْتَفِعُ. والعرنين: الأنف، وقوله (أَقْنَى العِرْنِين) القنا: طول في الأنف مع دقة الأرنبة وارتفاع وحدب في وسط قصبته، وهي عَظْمُ الأنف. والأشَمُّ: الدَّقِيقُ الأنف، مُرْتَفِعُه، بل يكون مستويًا. أي: القنا الذي فيه، ليس بفاحش مُفْرِط، لا يُعْلَمُ به حتى يُتَأَمَّلَ فيه. والكثُ: نحو الكثيف، من غير طول فيها ولا دِقَّةٍ. وقوله (سَهْل الخدَّيْن) يجوز أن يُرِيدَ به: ليس في خديه (٢) نُتُوء؛ لأنَّ السَّهْلَ ضِدُّ الحَزْن، وذكر بعضُهم أنه يُرِيدُ به: أَسِيلَ الخدين، لم يَكْثُر لحمه، ولم تَغْلُظ جِلْدتُه (٣). والضليع: قال أبو عُبَيد: أَحْسَبُه يعني جِلَّةً في الشفتين وغلظةً فيهما (٤)، وذكر غيره أنه يعني به سعَةَ الفَمِ (٥)، وأنَّ العرب تمدح بذلك، وتذمُّ بصغره (٦)، واستشهد عليه بقوله (يَفْتَتِحُ الكلامَ ويَخْتِمُه بأَشْداقه)، واستدل بأبيات (٧).

стр. 163

وذكر غيرهما (١) أنَّ الفم يريد به الأسنان، فقد يُكنى بالفم عنها؛ لقوله ﷺ : «لا يَفْضُضِ اللهُ فاكَ» (٢)، أي: كان تام الأسنان شديدها في تراصف. وأحدُ القولين الأوَّلَيْن أشبه؛ لأنه قد وصَفَ الأسنان فيما بعد. والشَّنَبِ: تَحدُّدُ أطراف الأسنان، ودِقَّتُها، وقيل: هو البَرْدُ، والعذوبة في الأسنان. ويقال: إِنَّ رُؤْبة بنَ العَجَّاجِ (٣) سُئِل عن الشَّنَبِ، فأخذَ حَبَّةَ رُمَّانٍ، فقال: هذا (٤).

стр. 164

وَالمُفَلَّج: الذي بين أسنانه تفرُّقٌ وفُرَجٌ. و (المَسْرُبةُ) الشَّعرُ المُسْتَدِقُ طولًا، ما بين اللبةِ إلى السُّرَّةِ. والجيد: العنق. والدمية: الصُّورةُ المُصَوَّرَةُ. وقوله (مُعْتَدِلَ الخَلْقِ) أي: كلُّ شيءٍ مِنْ بدنِه يَلِيقُ بما يَلِيهِ في الحُسْنِ والتمام. والبادِن: التَّامُ اللَّحْمِ. والمتماسك: المُمْتَلِيءُ لحمًا غيرَ مُسْتَرْخ (١). وقوله (سواء البطن والصَّدْر) أي: ليس بطنه ناتئًا، ولكنه مُسَاوِ لِصَدْرِه. و (الكراديس) رؤوسُ العِظام، وقيل: كلُّ عَظم عليه لحم، وفي حديث آخر (٢): «جليلُ المُشَاش» وهو قريبٌ مِنْ معناه، وهو مِثْلُ الرُّكْبتين والمرفقين والقدمين، أي: كلُّ منه تام من غير إفراط فيه. و (المتجرد) المواضع التي تُسْتَر بالثياب، فيُتَجرَّد عنها في بعض الأحيان، يَصِفُها بشدَّةِ البياض. وقد ورد في حديث آخر: أنه كان أسمر (٣)، وفي حديث آخر: أنه كان أبيض مُشْرَبًا (٤)، وفي هذا الحديث: أنه كان أزهرَ اللَّوْن.

стр. 165

ووجه الجمع بينها (١): أن السُّمْرةَ كانت فيما يَبْرُز للشَّمْسِ مِنْ بَدَنِه، والبياض فيما واراه الثّيابُ (٢)، وقوله (أزهر) يُحملُ على إشراق اللَّوْن ونُصوعه، لا على البياض. وقيل: إن المُشْرَبَ إِذا أُشْبِعَتْ حَكَتْ سُمْرة (٣)، فإذًا ليس بينها اختلاف. وفي حديث: لم يَكُنْ بالأبيضِ الأَمْهَقِ (٤)، وهو الذي يُشْبِهُ بياض الجص. والأنور: وُضِعَ مَوْضِعَ النَّيّر، كقوله تعالى: ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧] (٥) وكقولهم: الله أكبر (٦). والزندان: العظمان اللذان يَلِيانِ الكَفَّ مِنْ الذِّراع، رَأْسُ أَحَدِهما يلي الإبهام، ورأسُ الآخَرِ يلي الخِنْصِرَ. وقوله (رَحْب الراحة) يَكْنُون به عن السَّخاء والكرَمِ، وَيَسْتَدِلُّون بهذه الخلقة على الكرم (٧).

стр. 166

و (القَصَبُ) جمع القصبة، وهي: كلُّ عَظْمِ أجوف، فيه مُخٌّ. والسَّبْطُ: المُمْتَدُّ في استواء، ليس فيه تعقد ولا نتوء. والشَّتْنُ: الغليظ، ولغة بعضهم: شَثْل - باللام (١). وقوله (سائل الأطراف) كذلك يرويه بعضُهم: سائن - بالنون - أي: طويلها على قَدْرٍ، وقد أبدلوا النُّونَ باللام في كلماتٍ لِقُرْبِ مخرجَيْهِما وتجانسهما (٢). والأَخْمَصُ: ما يتجافى عن الأرض من باطن القدم، أي: هو شديد الارتفاع والتجافي. وقوله (مسيح القدمين) أي: ظهر قدميه ممسوح أملس، لا يَقِفُ عليه الماء لملاستِه. وقوله (زال قَلْعًا) قد كان أهلُ اللُّغةِ يَرْجِعون في مِثْلِ هذه الألفاظ إلى أصحاب الحديث، فقد ارتفع هذا الشَّأنُ! فَإِنْ رُوِيَ (قَلْعًا) بفتح القاف، كان مصدرًا بمعنى الفاعل، أي: يزول قالعًا لرِجْلِه من الأرض، وذكره بعض أهل اللُّغةِ بضم القاف، وسكون اللام، وحكى أبو عُبَيد الهروي (٣) أنه وجده بخط الأزهري بفتح القاف، وكسر اللام (٤)، غير أنَّ المعنى منه ما ذكرناه، وأنه كان ﵇ لا يجرُّ قدمه في الأرض. وقوله (يَخْطُو تَكَفَّيًا) أي: يَتثَبَّتُ في مِشْيتِه، حتى كأنه يَمِيدُ كما يَمِيدُ الغُصْنُ إذا هبَّتْ به الرِّيحُ، أو السَّفينة، وبعضهم يرويه: (تَكَفُؤًا) وهو أصل هذه

стр. 167

الكلمة؛ لأنَّ تفعل في الصحيح يَجِيءُ مصدره على تفعل، كالتدفؤ، والتكفل، فأما إذا اعتل انكسر عينه لأَجْلِ حرفِ العِلَّة، كقولهم: تحفّى تَحفّيًا، فإذا أُسْقِطَ من هذه الكلمة الهمز التحقت بالمعتل. والهَوْن: بفتح الهاء، وهو الرِّفْقُ والتثبت، كما تقدم. والذريع: السريع، وربما يُظَنُّ هذا اللَّفْظُ ضِدًّا للأول (١)، ولا تضاد فيه؛ لأنَّ معناه أنه كان ﵇ مع تثبته في المشي، يُتابع بين الخطوات، ويَسْبِقُ غيره، كما ورد في حديث آخر: أنه كان يمشي على هيئته، وأصحابه يُسْرِعون في المشي فلا يُدْرِكونه، أو ما هذا معناه (٢)، ويجوز أن يُرِيدَ به نَفْيَ التَّبَخْتُرِ في مِشْيَتِه. والصَّبَب: الحُدورُ (٣). و (نظره إلى الأرض أطولُ) تفسير لـ (خافض الطرف). و (الملاحظة) النَّظَرُ باللحاظ وقوله (يَسُوقُ أصحابه) أي: يُقدِّمُهم أمامَه ويَمْشي خلفهم، والقائد: الذي يمشي قُدَّامَك، والسَّائقُ: الذي يَمْشي خلفك، وفي حديث آخر أنه كان

стр. 168

يقول: «اتْرُكوا خلف ظهري للملائكة» (١). وقوله (يَفْتَتِحُ الكلامَ ويَخْتِمُه بأَشْداقِه) قيل: أي: كان لا يَتشَدَّقُ في الكلام، بأن يفتح فاه كله، ويتقعَّرَ في الكلام، كما يَفْعَلُه المُتَشدِّقون الثرثارون. وجوامع الكلم: الكلمات اليسيرة مع كثرة معانيها. والفَضْل: المُحْكَمُ الذي لا يُعابُ قَائِله. والدَّمِث: اللَّيِّن السَّهْلُ الخُلُق. و (المُهين) بضم الميم: الذي يُهين النَّاسَ، وهو شبه الجافي، ومن رواه بفتح الميم فيعني به الضعيف، أي: لا يَجْفُو النَّاسَ ولا يَجْفونه. وقوله (إذا تحدَّثَ اتَّصل بها) تفسيره: (فَيَضْرِبُ بباطن راحته اليُمْنى باطن إبهامه) أي: يُشِيرُ بِكفّه إلى حديثه. و (أشاح) له تأويلان، أحدهما: بمعنى أَعْرضَ أيضًا، والآخَرُ: بمعنى جَدَّ وانكمش. وغَضُّ الطَّرْف عند الفرح دليل على نَفْيِ البطر والأشر. وقوله (يَفْتَرُّ) أي: يَكْشِفُ عند التَّبسُّمِ عن أسنان كأَنَّها حَبُّ الغَمام، وهو البرد. والشَّكْلُ ها هنا: بفَتْحِ الشَّين، النَّحْوُ والسِّيرة، يقال: هو حَسَنُ الشَّكل، وأيُّ شَكْلٍ هذا! والشَّكْلُ بالكسر: الدَّلُّ.

стр. 169

وقوله (فَيَرُدُّ ذلك على العامَّةِ بالخاصَّةِ) ذكر ابن الأنباري (١) فيه ثلاثة أقوال (٢). أحدها: أنَّ الخاصَّةَ تَصِلُ إليه فتَسْتفيد منه، ثم يَرُدُّون ذلك على العامَّةِ ويُؤَدُّون إليهم ما استفادوا، يدلُّ عليه قوله فيما بعد: (يدخلون روادًا، ويخرجون أَدِلَّةً). والقول الثاني: أنَّ الباء فيه بمعنى (من) أي: يرُدُّ على العامَّةِ مِنْ جُزْءِ الخاصة. والثالثُ: أي يَجْعَلُ العامَّةَ مكان الخاصَّةِ، فَيَرُدُّ ذلك على العامة بدلًا من الخاصة. وقوله (وقَسْمُه) برفع الميم، عطف على الإيثار. والرواد: جمع الرائد، أي: يدخلون [طالبي] (٣) حاجات لأنفسهم ولغيرهم. والأدلَّة: قد ذكرناه بالدال المهملة، وبالذال المعجمة، أي: يَخْرُجون مُتَّعِظين فيما وُعِظوا، مُتواضعين من قوله تعالى: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ٥٤] وهو حسَنُ إِنْ ساعدته (٤) الرّواية.

стр. 170

وقوله (يَحْذَرُ النَّاس) أكثَرُ الرُّواةِ على فتح الياء والذال والتخفيف، على أَنْ يكون معناه معنى: (وَيَحْتَرِسُ منهم)، وإِنْ رُوِي بضم الياء وتشديدِ الذَّالِ وكَسْرِها، فيكونُ مُتعَدِّيًا إلى مفعولين، أرجو أن لا يكونَ به بَأْسٌ؛ لأنه مهما أمكن حَمْلُ كلّ لفظ على معنى مُفْرَدٍ كان أَوْلَى، فيكون معناه أنه كان يُحذِّرُ بعض الناس من بعض، ويَأْمُرُهم بالحَزْم، ويَحْذَرُ هو أيضًا منهم. والعتاد: العُدَّةُ، وما يَصْلُحُ لِكُلِّ ما يَقَعُ، أي: يَعْرِفُ طريق كلّ أمرٍ، وصلاح كل شيء. والمواساة: الإحسان إلى الغير. والمؤازرة: المعاونة. وقوله (لا يُوَطِّنُ الأماكن) أي: لا يَتَّخِذُ لِنَفْسِه مجلسًا يُعْرَفُ به، فلا يجلس إلا فيه، وقد فسره بما بعده. وقوله (قاومه) أي: قامَ معه حتى يَقْضِيَ حاجته. والميسورُ مِنْ القول: ما لا تَبِعةَ فيه على قائله، ولا جفاءَ على مُسْتَمِعيه. وقوله (لا تُؤْبَنُ) أي: لا تُوصَفُ بِشَرٌ. و (الحُرَمُ) النساء. (ولا تُنْثَى) أي: لا تُذْكَرُ، ولا تُشاع. والفلتات: جمع فلتة، وهي: ما يَبْدُر مِنْ الرَّجُل مِنْ سَقْطة، والهاء فيه راجعة إلى المجلس الذي تقدَّم السُّؤالُ عنه، أي: إِنْ سقَطَ مِنْ أَحَدٍ مِنْ جُلَسَائِه سَقْطَةٌ، سُتِرَتْ عليه، فلم تُحْكَ عنه. وقوله (لا يتنازعون عنده الحديثَ) أي: إذا تكلم أحد منهم أَمْسَكوا حتى يَفْرُغَ، ثم يتكَلَّمُ الآخَرُ. وقوله (لَيَسْتجلبونَهُم) أي: يَجِيئون معهم بالغُرباء إلى مجلسه مِنْ كَثْرَةِ احتماله عنهم، وصبره على ما يكون منهم في سؤالهم إيَّاه وغير ذلك؛ لأنَّ

стр. 171

أصحابه كانوا ممنوعين من سؤاله (١). وقوله (لا يَقْبَلُ الثَّناءَ إلا مِنْ مُكافئ) قد تكلموا فيه، والذي يَقَعُ لي: أي: إنه لا يَقْبَلُه ولا يرضاه إلا من مسلم، من قوله ﵇: «المسلمون تتكافأ دماؤهم» (٢)، ولا يرضاه ممَّنْ لا يَثِقُ بإسلامه، ولهذا قال ﵇ في الهَدِيَّة: «إِنَّا لا نَقْبَلُ زَبْدَ المشركين» (٣). وقوله (لا يَسْتَفِرُّه) أي: لا يَسْتَخِفُه. وقوله (لا يتَفَرَّقون (٤) إلا عن ذواق) الأصل فيه في الطعام، كما تقدم في الحديث (٥): أنه كان لا يَذُمُّ ذَواقًا، إلا أنَّ المُفسّرين كلهم حملوه على العِلم والخير؛ لأنَّ الذَّوْقَ قد يُستعار، كما في القرآن: ﴿فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ﴾ [النَّحْل: ١١٢] (٦) أي: قطُّ لا يقومون من عنده إلا وقد استفادوا عِلْمًا وخيرًا.

стр. 172

اقتصرنا على تفسير هذا القَدْر، ولو استوعَبْنا الألفاظ بالشَّرْح لطالَ، وأولى ما يُعْنَى به صاحب الحديث معرفةُ صِفاتِ رسول الله ﷺ ، وفَهْمُ معانيها، فأقبح به إذا سُئِل عن شيءٍ جَهِلَه، أو عُرِضَ عليه لم يَعْرِفُه. فَلْتَذْكُرْ مَا رُوِيَ مِنْ هذا النَّوْعِ عن علي بن أبي طالب ﵁ خاصة، وإن لم يكُنْ مِنَ الطُّوالات؛ ليقف طالبه على أكثر ذلك، فمنه: ٢٣ - ما أخبرنا أبو محمَّدٍ حَمْدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ حَمْدِ الخَبَّازُ البَصْرِيُّ الله سنةَ سَبْعَ عَشْرَةَ، قال: أخبرنا أبو طاهر أحمد بن محمود الثَّقَفِيُّ، قال: أخبرنا أبو عليّ الحُسَينُ بنُ محمَّدِ بن إبراهيم بن شَرِيكِ. وأخبرنا حَمْدٌ هذا قال: أخبرتنا فاطمة بنت أحمد بن عبد الله بنِ نَصْرٍ، قالت: أخبرنا أبو عُمر بن عبدِ الوَهَّاب. قالا: أخبرنا أبو الحسن أحمدُ بنُ محمَّدِ بنِ عُمر بن أبان، قال: حدثنا إسماعيل بن إسحاق بن إسماعيل القاضي، قال: حدثنا حَجَّاجُ بْنُ المِنْهالِ، قال: حدَّثنا حَمَّادُ بنُ سَلَمةَ، عن عبد الله بن محمَّدِ بنِ عَقِيلٍ، عن محمَّدِ بنِ عليِّ بنِ أبي طالب، عن أبيه ﵁ قال: كان النبي ﷺ ضَخْمَ الرَّأْسِ، عظيمَ العَيْنين، هَدِبَ الأشفار، مُشْرَبَ العينين بِحُمْرةٍ، كَنَّ اللّحْية، أزهرَ اللَّوْن، شَثْنَ الكَفَّيْن والقدمين، إذا مشى تكَفًَّا كأنَّما يمشي في صُعُدٍ، وإذا التفت التفت جميعًا. رواه جماعة عن حماد (١).

стр. 173

٢٤ - وبه قال: حدثنا إسماعيل قال: حدثنا مُسدَّدٌ، قال: حدثنا خالد بن عبد الله، قال: حدثنا عُبَيدُ الله بن محمَّدِ بنِ عُمر بن علي، عن أبيه، عن جده ﵁ قال: قالوا: يا أبا حسن، اِنْعَتْ لنا رسول الله ﷺ ، قال: كان أبيض مُشْرَبًا بياضه حُمْرةً، أَهْدِبَ الأشفار، أسود الحدقة، لا قصير ولا طويل، وهو إلى الطُّول أقربُ، لا جَعْدٌ ولا سَبْطٌ، عظيم المناكب، في صَدْرِه مَسْرُبَةٌ، شَثْنَ الكَفِّ والقدَمِ، كأَنَّ عَرَقَه اللُّؤلؤ، إذا مشى تكَفًَّا كأنه يمشي في صُعُدٍ، لم أَرَ قبله ولا بعده مثله ﷺ (١). عبيد الله بن محمد: هو أخو عبد الله (٢) * * * ٢٥ - وبه، قال: حدثنا إسماعيل، قال: حدثنا محمد بن أبي بكر، ونَصْرُ بنُ عليّ، قالا: حدثنا نوح بن قيس، عن خالد بن خالد، عن يوسف بن مازن أنَّ رجلًا سأل عليًا ﵁ فقال: يا أمير المؤمنين، اِنْعَتْ لنا النبي ﷺ صفه لنا، قال (٣): ليس بالذاهبِ طُولًا، وفوق الربعةِ، إذا جاء مع

стр. 174

القوم غمَرَهُم، أبيضُ، ضَخْمُ الهامِ، أَغَرُّ، أَبْلَجُ، هَدِبُ الأَشْفَار، شَئْنُ الكَفَّيْن والقدمين، إذا مشى تقَلَّع كأَنَّما يَنْحَدِرُ مِنْ صَبَب، كأَنَّ العَرَقَ في وجهه اللؤلؤ، لم أر قبله ولا بعده مثله، بأبي هو وأمي ﷺ (١). ٢٦ - أخبرنا أبو محمَّدٍ حَمْدُ بنُ محمَّدِ بنِ حَمْدِ الخَبَّازُ المعروف بالبصري ﵀ قال: أخبرنا أبو طاهر أحمدُ بنُ محمود الأديب، قال: أخبرنا أبو علي الحُسَينُ بنُ محمَّد بن إبراهيم بن شَرِيكِ. قال حَمْدٌ: وأخبرتنا فاطمة بنت أحمد بن عبد الله بنِ نَصْرٍ، قالت: أخبرنا عبد الله بن محمَّدٍ السُّلَمِيُّ المُقْرِئُ. قالا: أخبرنا أبو الحسن أحمد بن محمَّدٍ العَبْدِيُّ الدُّنْباني، قال: حدثنا إسماعيل بن إسحاق بن إسماعيلَ بنِ حَمَّادِ بن زيد، قال: حدثنا محمد بن أبي بكر - يعني: المُقدَّمي -، قال: حدثنا عيسى بن يونس، قال: حدثنا عمر بن

стр. 175

عبد الله مولى غُفْرة، قال: حدثني إبراهيم بن محمَّدٍ من ولد علي، قال: كان علي ﵁ إذا نعت رسول الله ﷺ قال: لم يكُن بالطويل المُمَغَطِ، ولا القصير المُتردِّدِ، كان رَبْعةً مِنْ القوم، ولم يَكُنْ بالجَعْدِ القَطَطِ ولا السَّبْطِ، كان جَعْدًا رَجِلًا، ولم يَكُنْ بالمُطَهَّم ولا المُكَلِّثَم، وكان في الوَجْهِ تَدْويرٌ، أَبيضُ مُشْرَبٌ، أَدْعَجُ العينين، أَهْدَبُ الأشفار، جَلِيلُ المُشاشِ والكَتَدِ، أَجْرُدُ، شَثْنُ الكَفَّيْنِ والقدمين، إذا مشى تَقلَّعَ كأنَّما يمشي في صَبَب، وإذا التفت التفت معًا، بين كتِفَيْه خاتَمُ النُّبوَّة، وهو خاتَمُ النَّبيِّين، أجودُ النّاس كفًّا، وأرحَبُ النَّاسِ صَدْرًا، وأصدقُ النَّاسِ لهجةً، وأَوْفَى النَّاسِ بِذِمَّةٍ وأَلْينُهم عَرِيكة، وأكرمهم عِشْرةً، مَنْ رآه بَدِيهةً هابَهُ، ومَن خالطه معرفةً أحبَّهُ، يقول ناعِتُه: لم أرَ قبله ولا بعده مثله ﷺ (١). هذا حديث مشهور بهذا الإسناد، رواه النَّاسُ عن عيسى بن يونس مع الانقطاع الذي فيه. ورواه أبو بكر الإسماعيلي، عن علي بن العباس، عن محمَّدِ بنِ عبد الملك الهمداني، عن عُقْبَةَ بنِ يونُسَ، عن عُمر (٢).

стр. 176

وقد فسر الأصمعي (١) هذا الحديث، فقال: (المُمَغَط) الذَّاهِبُ طُولًا، قال: وسمِعْتُ أعرابيًا يقول في كلامه: فمَغَط في نِشَابَتِهِ (٢)، أي: مدَّها مدًا شديدًا، فعلى تفسير الأصمعي: هذا اللَّفْظُ على وزنِ فَعَلَ، وفسره (٣) غيره على أنه: انفعلَ فَأُدْغِمَ، قالوا: يقال: مغطتُه فامَّغَطَ وامْتَغَطَ، أي: امتد، والغَيْنُ المعجمة أكثر فيه، وبالعَيْن أيضًا في معناه (٤). قال: وأما (المُتَردّد) فالداخل بعضُه في بعض قصرًا. وأما (المُطَهَّم) فالبادِنُ، الكثيرُ اللَّحْم. وأما (المُكَلْتَم) فالمُدَوَّرُ الوَجْهِ، كذا ذكره الأصمعي. وقال شَمِرُ: المُكَلْثَمُ من الوجوه القصير الحنَكِ، الداني الجَبْهة، المستديرُ الوَجْهِ، ولا يكون إلا مع كثرة اللحم. وقال أبو عبيد: يقال: كان أسيلًا، ولم يكُن مُستدير الوجه (٥). فقد قال الأزدي: لم يصح حديثه، ثم إنه لم يدرك عمر. انظر «اللسان» ٥: ٤٥٧ (٥٢٥٨).

стр. 177

وهذا الاختلاف إذا لم يَكُنْ بعده قوله: (وكان في الوَجْهِ تَدْوير) بل الوَجْهُ أَنْ يُقال: لم يَكُنْ بالأسيل جِدًّا، ولا المُدوَّرِ مع إفراط التدوير، كان بين المُدَوَّر والأسيل، كان أحسن ما يكونُ؛ إذ كلُّ شيءٍ مِنْ خَلْقِه كان معتدلًا، والإفراط غير مستحب في شيء. قال الأصمعي: وأما المُشْرَبُ: فالذي في بياضه حمرةٌ. والأَدْعَجُ: الشَّدِيدُ سوادِ العَيْن. والأَهْدَبُ: الطويل الأشفار. و (الكتد) مُجْتَمَعُ الكتفين، وهو الكاهل. والعِشْرةُ: الصُّحْبة. والبديهة: المفاجأة. وباقي الحديث قد تقدم تفسيره. وفي الحديث الآخر: (هدب الأشفار) وهو بمعنى الأهدب كما يقال: أَزْعَرُ وزَعِرُ، وَأَمْعَرُ ومَعِرُ (١). وقوله (مُشْرَب العينين بِحُمْرةٍ) أي: كان في بياضها (٢) عروق حُمْر، وهو الشكلة، وقد وُصِفَ بأنه كان ﷺ أشكل، وهو مُسْتَحَبُّ، أما السَّوادُ منه: فكما في الحديث الثاني (٣): كان (أسود الحدقة). والصُّعُد: مِثْلُ الصَّبَب.

стр. 178

وقوله (إذا جاء مع القوم غمَرَهُم) أي: كان فوق كلّ من معه. والأَغَرُّ: الأبيض. والأبلج: ضِدُّ الأقرن. و (أصدقُ النّاس لهجة) أي: كلامًا ولسانًا. والعريكة: الطبيعة. * * * ٢٧ - أخبرنا إسماعيل بن الفضلِ السَّرَّاجُ ﵀ قراءة عليه، قال: أخبرنا إبراهيم بن منصور إجازة، قال: أخبرنا أبو بكرٍ بنُ المُقْرِئ، قال: أخبرنا أبو يَعْلَى المَوْصِليُّ، قال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا شَرِيك، عن عبد الملك بن عُمَيرٍ، عن نافع بن جُبَيرِ بنِ مُطْعِمٍ، عن علي ﵁ أنه وصف النبي ﷺ فقال: كان عظيم الهامة، أبيض مُشْرَبًا حُمْرةً، عظيمَ اللَّحْيَةِ، ضَخْمَ الكراديس، شَثْنَ الكفَّيْنِ والقدمَيْنِ، طويلَ المَسْرُبةِ، كثير شعرِ الرَّأْسِ رَجِلًا، يَتَكَفَّا (١) في مشيته كأنما يَنْحَدِرُ في صَبَب، لا طويل ولا قصير، لم أَرَ مِثْلَه قبله ولا بعده ﷺ (٢).

стр. 179

رواه المسعودي، عن عثمان بن مسلم بن هُرْمُز، عن نافع (١). وقوله (عظيم اللحية) بمعنى (كَثَّ اللحية) كما تقدَّم (٢). ٢٨ - وبهذا الإسناد، قال: أخبرنا أبو يَعْلَى، قال: حدثنا زكريا بن يحيى الواسطي، قال: حدثنا عَبَّادُ بنُ العَوَّامِ، قال: حدثنا الحجاج - يعني: ابن أَرْطَاةَ، - عن سالم المكي، عن ابن الحنفية، عن علي ﵁ أنَّه سُئِلَ عن صِفَةِ النَّبيِّ ﷺ قال: كان لا قصيرًا ولا طويلًا، حسَنَ الشَّعَرِ رَجِلَهُ، مُشْرَبًا وَجْهُه حُمْرةً، ضَخْمَ الكراديسِ، شَتْنَ الكفَّيْنِ والقدمين عظيمَ الرَّأْسِ، طويل المَسْرُبةِ، لم أَرَ قَبْلَه ولا بعده مِثْلَه، إذا مشى تكَفًَّا كأَنَّما يَنْزِلُ مِنْ صَبَبٍ (٣). رواه الحسن بن عرفة، عن عَبَّادٍ مِثْلَه (٤). ٢٩ - ذكر أبو بكر الإسماعيلي الجُرْجاني، قال: أخبرني إبراهيم بن عبد الله المُخَرِّمِيُّ، قال: حدثنا سعيد - هو الجَرْمِيُّ، - قال: حدثنا محمدُ بنُ عُبَيد الطنافسي، قال: حدثنا مُجَمِّعُ بن يحيى الأنصاري، عن عبد الله بن عمران، عن رجل من الأنصار قال: أَتَيْتُ عَلِيًّا ﵁ وهو مُحْتَبٍ بِحَمائل سيفه، فسأَلْتُه عن صِفَةِ النَّبِيِّ ﷺ ، فقال: كان رسول الله ﷺ أبيضَ اللَّوْنِ مُشْرَبًا

стр. 180

حُمْرةً، أَدْعَجَ العينين، سَبْطَ الشَّعر، دقيق المَسْرُبة، كَنَّ اللَّحْية، ذو وَفْرةٍ، كَأَنَّ عنقه إبريقُ فِضَّةٍ، كان له شعرٌ مِنْ لَبَّتِه إِلى سُرَّتِه يجري كالقضيب، لم يكُن في صَدْرِه ولا بَطْنِه شعرٌ غيرُها، شَثْنَ الكَفِّ والقدم، إذا مشى كأَنَّما يَنْحَدِرُ مِنْ صَبَب، وإذا مشى كأَنَّما يَتقلَّعُ مِنْ صَخْرٍ، وإذا التفت التفت جميعًا، ليس بالقصير ولا بالطويل، ولا العاجز ولا اللئيم (١)، كأَنَّ عَرَقَه في وجهه اللُّؤْلُؤُ، ورِيحُ عَرَقِه أَطْيَبُ مِنْ المِسْكِ الأَذْفَرِ، لم أر قبله ولا بعده مِثْلَه (٢). رواه المُحاربي عن مُجَمِّع، فقال: عن عبد الله بنِ عُمَرَ (٣).
следующие страницы →