← Книги сунны

Книги сунны · id 30195

الطوالات - لأبي موسى المديني

أبو موسى المديني

Полный текст (962 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

قال: فيَنْطَلِقُ به جبريلُ، فَيَخِرُّ ساجدًا قَدْرَ جُمُعَةٍ، فيقول الله : يا محمَّد، اِرْفَعْ رأسك، فَقُلْ يُسْمَعْ، واشْفَعْ تُشَفَّعْ، قال: فرفع رأسه، فإذا نظر إلى ربه و خر ساجدًا قَدْرَ جمُعَةٍ أُخْرى، فيقولُ الله : ارْفَعْ رأسك، وقُلْ يُسْمَعْ، واشْفَعْ تُشَفَّعْ، قال: فَيَذْهَبُ لِيَقعَ ساجدًا فيَأْخُذُ جبريلُ بِضَبْعَيْهِ، فيَفْتَحُ الله عليه مِنْ الدُّعاءِ شيئًا لم يَفْتَحْهُ على بشر قط، فيقول: أي ربِّ، جعَلْتَني سيد ولد آدم ولا فخر، وأوَّلَ مَنْ تَنشق عنه الأرض يوم القيامة ولا فخر، حتى إِنَّه لَيَرِدُ عليَّ الحَوْضَ أكثر مما بين صنعاء وأَيْلةَ (١). ثم يُقال: أدعوا الصدّيقين، فيُشَفَعون، ثم يقال: ادْعُوا الأنبياء، قال: فيجيء النَّبِيُّ معه العصابة، والنَّبيُّ معه الخمسةُ والسِّتَّةُ، والنَّبيُّ ليس معه أحد، ثم يقال: ادْعُوا الشُّهداء، فيَشْفَعون لمن أرادوا، فإذا فعلت الشهداء ذلك، قال: يقول الله ﵎: أنا أرحمُ الرّاحمين، أَدْخِلُوا جنَّتِي مَنْ كَانَ لا يُشْرِكُ بي شيئًا، قال: فيدخلون الجنَّةَ» إلى هن ا رواية ابن أبي عاصم. قال: «ثم يقول الله : انْظُروا في النَّارِ، هل تَلْقَوْنَ فِيهَا مِنْ أَحَدٍ عَمِلَ خيرًا قط؟ قال: فيجدون في النَّارِ رجُلًا، فيقول: هل عمِلْتَ خيرًا قط؟ فيقول: لا، غير أني كُنْتُ أُسامحُ النَّاسَ في البيع، فيقولُ الله : اِسْمَحُوا لعبدي كإسماحه إلى عبادي. ثم يُخْرِجون مِنْ النَّارِ رجُلًا، فيُقال له: هل عَمِلْتَ خيرًا قطُّ، فيقول: لا، غير أني قد أمَرْتُ ولدي إذا مِتُّ: فاحْرِقُوني بالنَّار، ثم اطحنوني، حتى إذا كُنْتُ مِثْلَ الكُحْلِ فَاذْهَبُوا بي إلى البحر فاذْرُوني في الرِّيح، فو الله لا يَقْدِرُ عليَّ رب العالمين أبدًا، قال: فيقول الله له: لمَ فَعَلْتَ ذاك؟ قال: مِنْ مخافتك، قال: فيقول الله - تعالى -: أنْظُرْ إلى مُلْكِ أعظم مَلِكِ فَإِنَّ لكَ مِثْلَه وعشرة أمثاله، قال: فيقول له: لمَ تَسْخَرُ بي وأنت المَلِك؟ قال: فذلك الذي ضَحِكْتُ منه مِنَ الضُّحَى».

стр. 72

زاد ابن مندويه عن أبي نُعَيمٍ في روايته عَقِيب قوله «وأنت الملك» قال: «فضَحِكَ الله ﵎»، وكذلك ذكر هذه اللفظة محمودُ بنُ غَيْلان، وخَلَّادُ بنُ أسلم، غيرَ النَّظَرِ (١). قال الإمام - حرسه الله -: لفظ الحديث لأتمهم سياقًا، وألفاظهم مُتقاربة. أخبرنا الفقيه أبو سَعْدٍ محمَّد بن محمَّد المُطَرِّزُ إِذْنًا، قال: حدثنا أبو نُعَيمِ الحافظُ سنة سبع عشرةَ، قال: حدثنا أبو أحمد محمد بن أحمد الغطريفي الجرجاني بها، قال: حدثنا أبو محمَّدٍ عبد الله بنُ شِيرُويَه، قال: حدثنا أبو يعقوب إسحاق بن إبراهيم الحنظلي، قال: حَدَّثَنَا النَّضْرُ بنُ شُمَيل (٢)، به بتمامه.

стр. 73

مِثْلَه - ولم يَذْكُرِ الزِّيادة التي زادَها محمودُ بنُ غَيْلَانَ ومَنْ معه - ثم قال أبو يعقوب: وهذا مِنْ أشراف الحديث، وقد روى هذا الحديثَ عِدَّةٌ مِنْ أصحاب النَّبِيِّ ﷺ نحو هذا، منهم: حُذَيْفَةُ بنُ اليَمانِ، وأبو مسعود الأنصاري، وعُقْبةُ بنُ عامر الجهني، وأبو هريرة، وغيرهم ﵃ (١). قال الإمام - حفظه الله -: هذا حديثٌ حسن شريف، كما قاله إمام أهل المشرق (٢) و (أبو نعامة) هو العَدَوِيُّ، اسمه: عَمْرُو بنُ عيسى (٣) و (والان) هو ابن بَيْهَس، ويقال: ابن قِرْفَة (٤)، لا يُعْرَفُ إلا بهذا الحديث. وهو، و (أبو هُنَيْدة) (٥)، و (أبو نَعامةَ) بَصْرِيُّون، وثَّق يحيى بن مَعِين ثلاثتهم. وتابع النَّضْرَ على روايته: رَوْحٌ (٦)، والحَسَنُ بنُ عَمْرِو بنِ

стр. 74

سيف (١)، وغيرهما، ولا يُعرَفُ هذا الحديث على هذا النَّسَقِ بهذه الألفاظ إلا من هذه الرواية. ورواه الجريري عن أبي هُنَيْدَةَ، فقال: عن حذيفة، عن النبي ﷺ ، ولم يذكر أبا بكر ﵁ (٢). و (هدية) (٣) بفتح الهاء، وكسرِ الدَّال، وتشديد الياء المنقوطة باثنتين مِنْ تحتها، مَرْوزِيٌّ، يَشْتبه بهدْبَة. وقوله (فَفَظِعَ الناسُ بذلك) كأنه من المقلوب، أي: ففَظِعَ ذلك على النَّاس، يقال: فَظِعَ الشيءُ وأَفْظَعَ، إذا اشتَدَّ وثَقُلَ (٤)، وفي حديث آخر: «لما أُسْرِيَ بي وأصبَحْتُ بِمَكَّةَ فَظِعْتُ بِأَمْرِي» (٥). وقوله (والعرَقُ يَكادُ يُلْجِمُهم) أي: سالَ منهم العرق واجتمع، حتى حصلوا فيه إلى قريب من رؤوسهم (٦). وقوله (ليس ذاكم عندي) أي: لا تجدون عندي أن أشفع لكم، و (كُمْ) للمخاطبين، أي: ليس هذا الذي تطلبونه مِنِّي عندي. وقوله (فَلْيَشفَعْ لكم إلى ربّكم) لو رُوِي: فليشفع لكم، كان جائزًا.

стр. 75

والضَّبْع: العَضُدُ إلى الإبط. والإسماح: كالسماح، قال الشاعر: فلما تنازَعْنا الحديث وأسمَحَتْ (١) أي: أسهَلَتْ وانقادت (٢). وقوله (ادْعُوا الصِّدِّيقين، فيُشَفَعون) روايته هكذا بالتشديد وضم الياء أَوْلى؛ لأنَّ التَّشْفيع يدلُّ على الشَّفاعة، ولو رُوِي: فيَشْفَعون، لاحتاج إلى لفظ التشفيع، وفي اللفظ الآخر: (فيَشْفَعون لمن أرادوا) ها هنا بهذا اللفظ أولى؛ لما تبعه من قوله: (لمن أرادوا). وقوله (لا يَقْدِرُ عليَّ) ذكر بعضُ الأَئِمَّةِ (٣) أنَّ معناه: ولا يُضَيِّقُ عليه في الحساب، ولا يُناقِشُنيه، كأنَّه من قول الله - تعالى -: ﴿فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ﴾ [الفجر: ١٦] ومعناه: أنه حين لم يعمل خيرًا قط ظنَّ أنَّ هذه الوصيَّةَ في حق نفسه تُكَفِّرُ تفريطه في حال حياته، يَدُلُّ عليه قوله حين سُئِل: (هل عَمِلْتَ خيرًا قط؟ (٤) فقال: لا، غير أني أمَرْتُ ولدي) وليس كما يقولُ بعض الناس: إنه لم يُوقِن (٥) بالبعث بعد الموت، بل من إيمانه بالبعث وخوفه على نفسه يوم القيامة أمر ولده بهذا. ولَفْظةُ الضَّحِكِ قد ثبتت بروايات شتى في الصحاح، تُجْرَى على ظاهرها، فإِيَّاكَ أَنْ تَسْتقبلها بإنكار أو تأويل؛ إذ لنا في هؤلاء الأئمة الذين رووها أُسْوة، والله أعلم. * * *

стр. 76

٥ - أخبرنا أبو علي الحسَنُ بن أحمد الحداد ﵀ سنة خمس وخمس مئة، قال: حدثنا أبو نُعَيم أحمد بن عبد الله الحافظ، قال: حدثنا أبو علي محمد بن أحمد الصَّوَّافُ، ح. وأخبرنا هبة الله بن محمد بنِ الحُصَيْنِ الشَّيْباني ببغداد ﵀، قال: أخبرنا أبو علي الحسَنُ بنُ عليّ بنُ المُذْهِبِ (١) الواعظ، قال: أخبرنا أبو بكر أحمد بن جعفر بن مالك. قالا: حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، قال: حدثني أبي ﵀، قال: حدَّثنا عَمْرُو بنُ محمد أبو سعيد، قال: حدثني إسرائيل، ح. وأخبرنا أبو علي - أيضًا -، قال: حدثنا أبو نعيم، قال: حدثنا عبد الرحمن بن العباس، قال: حدَّثنا محمَّد بن يونُسَ الكُدَيْمِيُّ، قال: حَدَّثنا عبد الله بن رجاء، ح. وأخبرنا إسماعيل بن الفضل بن أحمد، قال: أخبرنا أبو طاهر محمَّدُ بنُ أحمد بن عبد الرحيم، قال: أخبرنا محمَّد بن إبراهيم بن علي، قال: حدثنا أحمد بن علي بن المثنى قال: حدثنا أبو خَيْثمة، قال: حدثنا عثمانُ بنُ عُمَرَ. قالا: حدثنا إسرائيل - واللَّفْظُ لرواية أحمد -، عن أبي إسحاق، عن البراء بن عازب - ﵄ - لا قال: اشترى أبو بكر ﵁ من عازبِ سَرْجًا - وفي رواية غير أحمد (٢): رَحْلًا - بثلاثة عشَرَ دِرْهَمًا، قال: فقال أبو بكر ﵁ العازب: مُر البَراءَ فَلْيَحْمِلْه إلى منزلي، فقال: لا، حتى تُحدِّثنا كيف صنَعْتَ حيثُ (٣) خرج رسول الله ﷺ وأنت معه - وفي رواية عثمان (٤): من مكة إلى المدينة -

стр. 77

قال: فقال أبو بكر ﵁: خَرَجْنا فادَّلَجْنَا (١)، فَأَحْثَثْنا يومنا وليلتنا، حتى أَظْهَرْنا وقام قائم الظهيرة - إلى هنا رواية عبد الله بن رجاء -. فضرَبْتُ بِبَصَري، هل أرى ظلًا نَأْوي إليه، فإذا أنا بصَخْرَةٍ، فَأَهْوَيْتُ إليها، فإذا بقيَّةُ ظِلّها، فَسَوَّيْتُه لرسول الله ﷺ ، وفرَشْتُ له فَرْوةً، وقُلْتُ: اِضْطَجِعْ يا رسول الله، فاضطَجَع - إلى هنا رواية أبي يعلى -. قال: ثم خرَجْتُ أنظُرُ، هل أرى أحدًا من الطَّلَبِ، فإذا أنا براعي غنم، فقلت: لمن أنت يا غلام؟ فقال: لرجل من قريش، فَسَمَّاه فعرَفْتُه، فقُلْت: هل في غنَمِكَ مِنْ لَبَنٍ؟ قال: نعم، قلت: هل أنت حالب لي؟ قال: نعم، فأمَرْتُه فاعتقل شاةً منها، ثم أمَرْتُه فنفَضَ ضَرْعَها مِنْ الغُبار، ثم أمَرْتُه فَنَفَضَ كَفَّيْهِ مِنْ الغُبار، ومعي (٢) إدارة على فمها خِرْقَةٌ، فحلَبَ لي كُتبةً مِنْ اللَّبَن، فَصَبَبْتُ - يعني الماء - على القدح حتى بَرَدَ أسفله، ثم أتَيْتُ رسول الله ﷺ ، فوافيْتُه وقد استيقظ، فقلت: اشْرَبْ يا رسول الله، فشَرِبَ حتى رَضِيتُ، ثم قلت: هل أنى للرحيل؟. قال: فارتحلنا، والقومُ يَطْلُبوننا، فلم يُدْرِكْنا أحد منهم إلا سراقة بن مالكِ بن جُعْشُم على فرس له، فقلت: يا رسول الله، هذا الطَّلَبُ قد لَحِقَنا، قال: ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ الله معنا﴾، حتى إذا دَنا مِنَّا، فكان بيننا وبينه قَدْرُ رُمْحٍ أو رمحين أو ثلاثة، قال: قلت: يا رسول الله، هذا الطَّلَبُ قد لَحِقَنا، وبكَيْتُ، قال: «لم تبكي؟» قال: قلت: أما والله ما على نفسي أبكي، ولكني أبكي عليك، قال: فدعا عليه رسول الله ﷺ فقال: «اللهم اكفناه بما شِئْتَ»، فساخت فرسه إلى بطنها في أرضِ صَلْدٍ، ووثَبَ عنها، وقال: يا محمد، قد

стр. 78

عَلِمْتُ أَنَّ هذا عَمَلُكَ، فَادْعُ الله - تعالى - أَنْ يُنْجِيني مما أنا فيه، فوالله لأُعَمِّيَنَّ على من ورائي مِنَ الطَّلَبِ، وهذه كِنانتي فخُذْ منها سَهْمًا، فإِنكَ سَتَمُرُّ بإبلي وغنمي في موضع كذا وكذا، فخُذْ منها حاجتك، قال: فقال رسول الله ﷺ : «لا حاجة لي فيها»، قال: ودعا له رسول الله ﷺ ، فأُطْلِقَ، ورجع إلى أصحابه. ومضى رسول الله ﷺ وأنا معه حتى قدمنا المدينة، فتلقاه الناسُ، فخرجوا في الطُّرُقِ وعلى الأناجير، فاشتَدَّ الخدَمُ والصبيان في الطُّرُقِ - يعني - وقالوا: الله أكبر، جاء رسول الله، جاء محمد. قال: وتنازع القوم أيُّهم يَنْزِلُ عليه، قال: فقال رسول الله ﷺ : «أُنْزِلُ الليلةَ على بني النَّجَّارِ أخوالِ عبدِ المُطَّلِب؛ أُكْرِمُهم بذلك»، فلما أصبح غدا حيث أُمر. قال: فقال البراء بن عازب ﵄: أَوَّلُ مَنْ كان قَدِم علينا من المهاجرين: مُصْعَبُ بنُ عُمَير أخو بني عبد الدار، ثم قدم علينا ابن أم مكتوم الأعمى أخو بني فهر، ثم قدم علينا عمر بن الخطاب في عشرين راكبًا ﵃، فقلنا: ما فعل رسول الله ﷺ ؟، فقال: هو على أثري، ثم قدم رسول الله ﷺ وأبو بكر ﵁ معه. قال البراء: ولم يَقْدَمْ رسولُ الله ﷺ حتى قرَأْتُ سُوَرًا مِنْ المُفصَّل. قال إسرائيل: وكان البَراءُ ﵁ مِنَ الأنصارِ مِنْ بني حارثة (١).

стр. 79

أخبرنا بهذا الحديث أبو علي الحداد - فيما أُرَى ـ، قال: أخبرنا أبو نعيم إجازة. وأجازه لي الفقيه أبو سَعْدٍ محمَّدُ بنُ أبي عبد الله المُطرِّزُ (١)، قال: حدثنا أبو نُعَيم، قال: حدثنا أبو أحمد الغطريفيُّ الجُرْجاني بها، قال: حدثنا عبد الله بن محمد بنِ شِيرُويَه، قال: حدَّثنا إسحاق بن إبراهيم، قال: أخبرنا النَّضْرُ بنُ شُمَيل، قال: حدثنا إسرائيل. وقال إسحاق: أخبرنا عَمْرُو بنُ محمَّدٍ القُرَشِيُّ أبو سعيد، قال: حدثنا إسرائيل، وقال: رَحْلًا، أو: سَرْجًا - بالشَّكِّ - وذكر معنى هذا الحديث، أو قريبًا منه. ثم قال إسحاق: وجَدْتُ عن محمَّد بن إسحاق قال: فلما انطلق سراقة ﵁ اليه راجعًا مِنْ طَلَبِ النَّبيِّ ﷺ وطلب أبي بكر ﵁، جَعَلَ يَذْكُر ما رَأَى مِنَ الفَرَسِ، ويَذْكرُ ما أصابَه مِنْ الجَهْدِ في طلبهما، فسمع به أبو جهل، فخَشِي أَنْ يُسْلِمَ حين رأى، فقال في ذلك شعرًا (٢): بني مُدْلِج إني إخالُ سفيهَكُم (٣) … سُراقةَ يَسْتَغْوِي لِنَصْرِ محمد عليكم به أَنْ لا يُفارِقَ جمعَكُم … فيُصبِحَ شتَّى بعد عِزّ وسُؤْدَدِ يظُنُّ سفيه الحيّ أَنْ جَا بشُبهةٍ … على واضح مِنْ سُنَّةِ الحقِّ مهتد فأنى يكون الحقُّ ما قال إذ غدا … ولم يأت بالحقِّ المُبِين [المُسَدَّد] (٤)

стр. 80

ولكنه ولى غريبًا لِسَخْطةٍ … إلى يثرب مِنَّا فيا بُعْدَ مولدِ ولو أنه لم يأتِ يثرب هاربًا … لأشجاه وَقْعَ المَشْرَفِيِّ المُهَنَّدِ فأجابه سُراقة ﵁ فيما قال: أبا حكم، والله لو كُنْتَ شاهدًا … لِأَمْرِ جوادي إِذْ تَسِيخُ قوائمه عجبت ولم تَشْكُك بأنَّ محمدًا … أتانا ببُرهان، فمن ذا يُكاتِمُه عليك بكف القوم عنه، فإنَّني … أرى أمره يومًا سيبدو معالمُهْ بأمرٍ يَوَدُّ النَّصْرُ فيه بإِلْبِها (١) … لوَ انَّ جميعَ النَّاسِ طُرًّا يُسالِمُهُ قال الإمام - حرسه الله -: هذا الحديث دون الشَّعْرِ صحيح، له طرق شتى في الصحاح عن أبي إسحاق، لا طريق له إلا عليه، رواه عن أبي إسحاق سوى إسرائيل: شُعْبَةُ بنُ الحَجّاج، وزهيرُ بنُ مُعاوية، وأخوه: حُدَيجُ بْنُ معاوية، ويوسف بن أبي إسحاق (٢). وأبو إسحاق اسمه: عَمْرُو بنُ عبدِ الله بن أبي شَعِيرَةَ السَّبِيعِيُّ الهَمْداني (٣). وعَمْرُو بنُ محمَّد، هو العَنْقَنِيُّ (٤). وبعض هذه القِصَّةِ يُرْوَى عن سراقة نفسه (٥). ولا أعلم أحدًا قال في هذا الحديث (سَرْجًا) إلا عَمْرو بن محمد (٦). والرَّحْل: أكثر ما يُستعمل في آلة البعير (٧)، كما يُستعمَلُ السَّرْجُ في آلة الفرس.

стр. 81

و (ادَّلَجْنا) - بتشديد الدَّال - أي: سِرْنا مِنْ آخر الليل، وأَدْلَجَ: يقال في سير الليل كله (١). و (أحثثنا) أي: أسرعنا السير. وقوله (فضرَبْتُ بِبَصَري) استعارة، وهو من صحيح الكلام، وفي بعض الروايات: «فرمَيْتُ بِبَصَري» (٢)، ومعناهما واحد. وقوله (فإذا بقيَّةُ ظلّها) فيه مُضْمَرٌ أو محذوف تقديره: فإذا بقية ظلها باقية، أو: بقيت بقيَّة ظلها، أو نحو ذلك. و (الطَّلَبُ): مصدر، بمعنى الطالبين. وقوله (فاعتقل شاةً) أي: أمسكها بين ساقيه وفخِذَيْه؛ لئلا تَعْدُوَ مِنْ بين يديه حتى يَحْلُبَها، وهكذا يفعل الحالب. و (الكُثْبَةُ): القليل من اللَّبَنِ وغيره. و (أَنَى) أي: حانَ، ومُسْتَقبَلُه: يَأْني، مِنْ قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحديد: ١٦]، وفي بعض الرِّوايات: «آنَ الرَّحِيلُ» (٣)، ومعناهما واحد. وفي بعض الروايات: أنَّ البراء قال: سمعْتُ منه -يعني: من الصديق ﵁ كلمة، والله ما سمِعْتُها مِنْ أَحَدٍ قط (٤)، يعني: (فشَرِبَ حتى رَضِيتُ)، وذلك يدلُّ على خُلوص محبَّةِ الصِّدِّيق ﵁ للنبي ﷺ ، وأن خليلًا لم يُخْلِص لخليل خُلوصه له، كما أنَّ البراء ﵁ لم يسمعه مِنْ غيرِه. وقوله (فساخَتْ فرسه) أي: دخلَتْ قوائمها في الأرض وانخسَفَتْ بها، يقال: ساخَ يَسوخُ، ويَسِيخُ لغةٌ فيه، ومِنْ هذا قال في شعره: (إذ تَسِيخُ قوائمه). والأرضُ الصَّلْدُ: الصلبة.

стр. 82

وقوله (لأُعَمِّيَنَّ) أي: لأُخْفِيَنَّ وأُلبِّسَنَّ، يقال: عمى عن الشيء، وعماه على غيره. و (الأناجير) في بعض النسخ: (الأجاجير)، فمَنْ روى (الأناجير) فهو جمع إنجار، ومَن روى (الأجاجير) فجمعُ إِجَّار، وهما لغتان في السطح، والله أعلم. * * * ٦ - أخبرنا أبو غالب أحمد بن العبَّاسِ الكُوشِيذي ﵀، قال: أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله الثاني، قال: أخبرنا أبو القاسم سليمان بن أحمد الطبراني، قال: حدثنا علي بن عبد العزيز، قال: حدثنا عُبَيْدُ بْنُ يَعِيشَ، ح. وأخبرنا أبو الفتح إسماعيل بنُ الفَضْلِ السَّرَّاجُ (١) - واللفظ له - قال: أخبرنا أبو طاهر محمَّد بن أحمد بنِ عبدِ الرَّحيم، قال: أخبرنا أبو بكر محمد بن إبراهيم بن علي، قال: أخبرنا أبو يعلى أحمد بن علي بن المثنى، قال: حدثنا أبو هشام الرفاعي محمد بن يزيد. قالا: حدثنا المحاربي - وهو عبد الرحمن بن محمد - قال: حدثني يحيى بنُ عُبَيدِ الله، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁ قال: حدثني أبو بكر الصِّدِّيقُ ﵁ قال: فاتني العشاء ذاتَ ليلةٍ، فأتَيْتُ أهلي فقُلْتُ: هل عندكم عشاء؟ (٢) قالوا: لا والله ما عندنا عَشاء، فاضطَجَعْتُ على فراشي، فلم يَأْتِني النَّومُ مِنْ الجُوع، فقُلْتُ: لو خَرَجْتُ إلى المسجدِ فصلَّيْتُ وتعلَّلْتُ حتى أُصْبِحَ، فخرَجْتُ إلى المسجد فصلَّيْتُ ما شاء الله ، ثم تسانَدْتُ إلى ناحية المسجد كذلك إِذْ طلع عليَّ عُمر بن الخطاب ﵁، فقال: مَنْ هذا؟ فقلت: أبو بكر، فقال: ما أخرجك هذه الساعة؟! فقصَصْتُ عليه القِصَّة، فقال: والله ما أخرجني إلا الذي أخرجك، فجلس إلى جَنْبي، فبينا نحن كذلك إذ خرج علينا

стр. 83

رسول الله ﷺ فأنكرنا، فقال: «من هذا؟»، فبدَرَني عمر فقال: هذا أبو بكر وعمر، فقال: «ما أخرجَكُما هذه الساعة؟! فقال عمر ﵁: خَرَجْتُ فَدَخَلْتُ المسجد فرأَيْتُ سواد أبي بكرٍ، فقُلْتُ: مَنْ هذا؟ فقال أبو بكر، فقُلْتُ: ما أخرجك هذه الساعة؟! فذكر الذي كان، فقُلْتُ: وأنا والله ما أخرجني إلا الذي أخرجك، فقال النَّبِيُّ ﷺ : وأنا والله ما أخرجني إلا الذي أخرجكما، انْطَلِقوا بنا إلى الواقفي - أو: الواقِمي - أبي الهيثم بن التيهان - وفي رواية الطبراني: «الواقِمي» بالميم، ولم يُسَمِّه - فَلَعلَّنا نَجِدُ عَندَه شيئًا يُطْعِمُنا». فخرجنا نمشي، فانتهينا إلى الحائط في القمر، فقرعْنا الباب، فقالت المرأةُ: من هذا؟ فقال عمر ﵁: هذا رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر، ففتحَتْ لنا، فدخَلْنا، فقال رسول الله ﷺ : «أين زوجكِ؟» قالت: ذهب يَسْتَعْذِبُ لنا من الماء مِنْ بئر (١) بني حارثة، الآن يأتيكم. قال: فجاء يحمل قربته (٢)، حتى أتى بها نخلةً، فعلَّقَها على كُرْنافةٍ مِنْ كرانيفها، ثم أقبل علينا فقال: مرحبًا وأهلًا، ما زارَ النَّاسَ أَحدٌ قَطُّ مِثْلُ مَنْ زاروني (٣)، ثم قطع لنا عِذْقًا، فأتانا - يعني: به ـ، فجَعَلْنا نَنْتَقِي منه في القمر فنأكل، ثم أخذَ الشَّفْرة فجالَ في الغنَمِ، فقال له رسول الله ﷺ : «إِيَّاكَ والحَلُوبَ» أو قال: «إِيَّاكَ وذاتَ الدَّرِّ». فأخذ شاةً فذبحها وسَلَخَها، وقال لامرأته، فطبخَتْ وخبَزَتْ، وجعل يُقَطِّعُ (٤) في القِدْرِ مِنْ اللَّحْمِ، فَأَوْقد تحتَها حتى بلغَ اللَّحْمُ والخُبْزُ، فَتَرَدَ، ثم غرف عليه من المرقِ واللَّحْمِ، ثم أتانا به فوضعه بين أيدينا، فأكلنا حتى شبعنا.

стр. 84

ثم قام إلى القربة وقد سقفتها (١) الريح فبرد، فصبت في الإناء، ثم ناول رسول الله ﷺ فشرب، ثم ناول أبا بكر ﵁ فشرب، ثم ناول عمر ﵁ فشرب، فقال رسول الله ﷺ : «الحمد لله، خَرَجْنا لم يخرجنا إلا الجوع، ثم رَجَعْنا وقد أَصَبْنا (٢) هذا، لتُسألن عن هذا يوم القيمة، هذا من النعيم». ثم قال للواقِمي: «أما لك خادمٌ يَسْقيك من الماء؟»، قال: لا، يا رسول الله، قال: «إذا أتانا سَبْيٌ فأْتِنا حتى نَأمرَ لك بخادم»، فلم يلبث إلا يسيرًا حتى أتاه سَبيٌ، فأتاه الواقِمي، فقال: «ما جاء بك؟»، قال: يا رسول الله، موعدك الذي وَعَدتني، قال: «هذا سَبْيٌ فخذ (٣) فاخْتَرْ منهم»، قال: كُنْ أنت الذي يختار لي، قال: «خُذْ هذا الغلام، وأحسن إليه». قال: فأخذه، وانطلق به إلى امرأته، فقالت: ما هذا؟ فَقَصَّ عليها القصة، فقالت: فأي شيء قلت له؟ قال: قلت له: كُنْ أنت الذي يختار لي، قالت: أحسنت، وقد قال لك: «أحسن إليه» فأحسن إليه، قال: ما الإحسان إليه؟ قالت: أن تُعتِقَه، قال: فهو حُرٌّ لوجه الله - تعالى - (٤).

стр. 85

قال الإمام - حرسه الله -: هذا حديثٌ حَسَنٌ، له طرق، لا أعلم روى هذا الطريق عن يحيى بن عُبيد الله غير المُحاربي. ورواه أيضًا عبد الله بن عمر بن أبان وغيره، عن المحاربي (١). ولم يصرح برواية أبي هريرة عن الصديق ﵄ فيه إلا يحيى بنُ عُبَيدِ الله. ورواه عبد الملك بن عُمَيرٍ، واختُلِفَ عليه فيه: قيل: عنه، عن أبي سلَمةَ، عن أبي هريرة قال: خرج رسول الله ﷺ ، القِصَّةَ (٢). ورواه شَرِيك، عن عبد الملك، عن أبي سلمة، عن أم سلمة، نحوه (٣). ورواه يَزِيدُ بنُ كَيْسانَ، وبَشِيرٌ أبو إسماعيل (٤)، عن أبي حازم، عن أبي هريرة ﵁، كذلك (٥). ورواه عبد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عُمر ﵁ قال: خرج رسول الله ﷺ ، نحوه (٦). ورواه يونس بن عُبيد، وعبد الله بنُ كَيْسان، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄، بهذِهِ القِصَّةِ (٧).

стр. 86

إلا أنَّ في رواية عبد الله بن كَيْسانَ ذكَرَ أَنَّ المُضِيفَ أبو أيُّوبَ الأنصاري، بدل أبي الهيثم، وفيه: أنَّ رسول الله ﷺ أَخذَ من اللَّحْمِ فوضعَهُ على رغيف، وقال: «أَبْلِغْ بهذا فاطمة» (١). ورواه عبد العزيز بن أبي حازم، عن أبيه، عن رجُلٍ. وقيل: عن ابن أبي الهيثم، عن أبي الهيثم. ورواه محمد بن بشَّارٍ، عن داود بن أبي عبد الله، عن عبدِ الرَّحمنِ بنِ محمد بن زيد، عن جدته، عن أبي الهيثم. وأبو الهيثم: اسمه مالك بنُ التَّيْهان بنِ عَمْرِو بن الحارث، مِنَ الأنصار، ثم مِنَ الأَوْسِ، حليف بني عبد الأشهل. وقيل: ابن التيهان بن مالك بن عَتِيكِ بنِ عَمْرِو بنِ عبدِ الأعلم مِنْ الخَزْرج، أوَّلُ مَنْ بايع رسول الله ﷺ يومَ العقبة الأَوَّلِ، مِنَ النُّقَباءِ، وقيل: مِنْ أهل العقبة الثانية أيضًا (٢). وقوله (فأنكرنا) أي: لم يَعْرِفْنَا لِظُلْمَةِ اللَّيل. وقوله (وتعلَّلْتُ) أي: اشتغَلْتُ بالصَّلاةِ لِكَيْ أَنْسَى الجُوعَ. وقوله (فرأَيْتُ سَوادَ أبي بكرٍ) أي: شَخْصَه، وجمعُه: أَسْوِدةٌ. وقد شك الراوي في الواقفي والواقمي؟ والواقفيون: بطن من الأنصار، منهم: البَصِيرُ (٣) الذي كان يَزُوره

стр. 87

رسول الله ﷺ ، وهم من بني كعب بن سالم، وسالم هو واقف، ولا أظن أبا الهيثم منهم. وواقم - بالميم -: من أطام المدينة، تُنْسَبُ إليه حَرَّةُ واقم (١)، ولعله كان يَنْزِلُ به. وقوله (في القمر) أي: في ضَوْءِ القَمَرِ، حَذَفَ المُضافَ. وقولُها (يَسْتَعْذِبُ لنا) أي: يَطلُبُ لنا الماءَ العَذْبَ؛ لأنَّ أكثر مياه المدينة مالحة. وفي حديث آخر: أنَّ رسول الله ﷺ كان يُسْتَعْذَبُ له الماء (٢). وفي حديث: أنَّ الجماعة الذين كانوا يُسَمَّوْنَ القُرَّاءَ كانوا يَسْتَعْذِبُونَ بالأسحار الماء لرسول الله ﷺ ، فيَحْمِلونه على ظهورهم إلى مَنْزِله (٣). وفي رواية أخرى في هذا الحديث: من حِسْيِ (٤) بني حارثة، وهي حُفَيرةٌ

стр. 88

قَرِيبةُ القَعْرِ، لا تكون إلا في أرض أسفلها حجارة وأعلاها رَمْل، فإذا مُطِرَتْ نشَفَتْه الرِّمالُ، فإذا انتهى إلى الحجارة أمسكته، فإذا جاء وقتَ الحَرِّ نُبِشَ عنه الرَّمْلُ، واسْتُقِيَ منه الماءُ العَذْبُ. و (الكُرْنافةُ) (١): أصلُ السَّعَفةِ الملتزقة بجِذْعِ النَّخْلَةِ (٢). وقوله (مِثْلُ مَنْ زاروني) لفظة (مَنْ) يُعبَّرُ بها عن الواحد والجَمْعِ، والمذكر والمؤنَّثِ. و (العِذْقُ) - هاهنا -: بكسر العين يريد به الكباسة، وبالفتح: يكون النَّخْلةَ، وفي غير هذه الرواية قال: «إنما قطعته لِتَأْكُلُوا مِنْ رُطَبِهِ وبُسْرِه وتَذْنُوبِه» (٣) وقوله (أَمَا لكَ خَادِمٌ يَسْقِيكَ مِنْ الماء؟) أي: يَسْتَعْذِبُ لك الماء، ويَحْمِلُه إلى منزلك. وقوله (سفقتها الريحُ) أي: ضربتها، ورُبَّما تجيء هذه اللفظة بالصَّادِ، وقد تُبْدَلُ السِّينُ مِنْ الصَّاد إذا كان في الكلمة قاف أو حرفُ آخَرُ مِنْ جِنْسِه، سواء كان قبله أو بعده، مُتَّصِلًا به أو مُنْفَصِلًا عنه، بعد أن يكونا في كلمة واحدة (٤)

стр. 89

وقيل: إِنَّ السُّنَّةَ في ترتيب الإطعام هذا أَنْ يُبدأ بالفاكهة، ثم بالخُبز واللحم، ثم بالشَّرابِ (١)، والله أعلم. * * *

стр. 90

ومن مسانيد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ ٧ - أخبرنا أبو علي الحداد سنة خمس وخمس مئة، قال: حدثنا أبو نعيم الحافظ قال: حدثنا أبو علي محمد بن أحمد بن الحسن الصَّوَّافُ، ح. وأخبرنا الرئيس أبو القاسم هبة الله بن محمد بن عبد الواحد بن الحصين ﵁ ببغداد، قال: أخبرنا أبو علي الحسَنُ بنُ عليّ بنُ المُذْهِبِ الواعظ التميمي، قال: أخبرنا أبو بكر أحمد بن جعفر بن مالك. قالا: حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، قال: حدثني أبي ﵀، ح. وأخبرنا أبو علي الحداد (١) بقراءة والدي عليه رحمهما الله سنة ست، قال: أخبرنا أبو نعيم إجازة، قال: أخبرنا أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الله بن إسحاق الأصبهاني بنيسابور بقراءتي عليه سنة إحدى وسبعين وثلاث مئة، قال: أخبرنا أبو العباس أحمدُ بنُ محمدِ بنِ الحُسَينِ الماسَرْجِسيُّ، قال: حدثنا أبو يعقوب إسحاق بنُ إبراهيمَ الحَنْظلي، قال: أخبرنا - وقال أحمد: حدثنا - عبدُ الرَّزَّاق، قال: أخبرنا مَعْمَرٌ - وقال إسحاق: حدثنا مَعْمَرٌ، عن الزُّهْرِيِّ، عن عُبَيدِ الله بن عبد الله بن أبي ثَوْرٍ، عن ابن عباس ﵄ قال: لم أزل حريصًا أن أسأل عمر بن الخطاب ﵁ عن المرأتين من أزواج النَّبِيِّ ﷺ اللَّتَيْنِ قال الله : ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤] حتى حج عمر وحجَجْتُ معه، فلما كُنَّا ببعض الطريق عدَلَ عمرُ وعدَلْتُ معه بالإدارة، فتبرَّزَ، ثم أتاني فَسَكَبْتُ على يديه فتوضأ. فقلت: يا أمير المؤمنين، من المرأتان اللتان قال الله - تعالى -: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤]؟.

стр. 91

فقال عمر: واعجبًا لك يا ابن عباس! - قال الزهري: كره - والله - ما سأله عنه، ولم يكتمه. قال: ابنتي حفصة وعائشة ﵄. قال: ثم أخذ يسوق الحديث، قال: كنا معشر قريش قومًا نغلب النساء، فلما قدمنا المدينة وجدنا قومًا تغلبهم نساؤهم، فطفق نساؤنا يتعلمون من نسائهم. قال: وكان منزلي في أمية بن زيد بالعوالي، قال: فتغضبت يومًا على امرأتي، فإذا هي تراجعني، فأنكرت أن تراجعني! فقالت: ما تُنكر أن أراجعك، فوالله إن أزواج النبي ﷺ ليراجعنه، ويهجر إحداهن - وفي رواية إسحاق: وتهجره إحداهن - اليوم إلى الليل. فانطلقت، فدخلت على حفصة، فقلت: أتراجعين رسول الله ﷺ ؟ قالت: نعم، فقلت: أيهجر إحداكن - وفي رواية إسحاق: وتهجره إحداكن - اليوم إلى الليل؟ قالت: نعم، قلت: قد خاب من فعل ذلك وخسر، أفتأمن إحداكن أن يغضب الله ﷻ عليها لغضب رسوله ﷺ ؟ فإذا هي قد هلكت، لا تراجعي رسول الله ﷺ ، ولا تسأليه شيئًا، وسليني ما بدا لك، ولا يغرنَّك - وفي رواية أحمد: ولا يَغُرَّنَّك (١) - أن كانت جارتك هي أوسم وأحب إلى رسول الله ﷺ منك - يريد عائشة ﵂. قال: وكان لي جار من الأنصار، فكنا نتناوب النزول إلى رسول الله ﷺ ، فكان ينزل يومًا وأنزل يومًا، فيأتيني بخبر الوحي وغيره، وآتيه بمثل ذلك. قال: وكنا (٢) نتحدث أن غسان تنعل الخيل لتغزونا، فنزل صاحبي يومًا،

стр. 92

ثم أتاني عِشاءً فضرب بابي، ثم ناداني فخرجت إليه، فقال: حدث أمر عظيم! فقلت: وماذا؟ أجاءَتْ غسّانُ؟ قال: لا، بل أعظم من ذلك وأطول، طلق الرسول ﷺ نساءَه، فقُلْتُ: قد خابَتْ حفصة وخسِرَتْ، قد كُنْتُ أَظُنُّ هذا كائنًا. حتى إذا صلَّيْتُ الصُّبْحَ شَدَدْتُ عليَّ ثيابي ثم نزَلْتُ، فدخَلْتُ على حفصة وهي تبكي، فَقُلْتُ: أَطلَّقَكُنَّ رسول الله ﷺ ؟ قالت: لا أدري، هو هذا مُعْتَزِلُ في هذه المَشْرُبةِ، فأتَيْتُ غلامًا له أسودَ فَقُلْتُ: اِسْتَأْذِنْ لِعُمرَ؟ فدخل الغلامُ ثم خرج إلي فقال: قد ذكَرْتُكَ له، فصمَتَ. فانطلَقْتُ حتى أتيتُ المنبر، فإذا عنده رهْطُ جلوس يبكي بعضُهم، فجَلَسْتُ قليلًا، ثم غلبني ما أَجِد، فأتَيْتُ الغلامَ فَقُلْتُ: اِسْتَأْذِنْ لِعُمَرَ، فدخل ثم خرج علي فقال: قد ذكَرْتُك له، فصمَتَ. - زاد أحمد في روايته: فخرَجْتُ، فَجَلَسْتُ إلى المنبر، فغلبني ما أَجِدُ، فأتَيْتُ الغلامَ فَقُلْتُ: اِسْتَأْذِنْ لِعُمرَ، فدخل ثم خرج إليَّ، فقال: قد ذكَرْتُك له فصمت، ثم اتَّفَقا. فولَّيْتُ مُدْبِرًا، فإذا الغلامُ يَدْعوني، فقال: ادْخُلْ فقد أَذِنَ لك، فدخَلْتُ فسلَّمْتُ على رسول الله ﷺ ، فإذا هو مُتَّكِى على رَمْلِ حصير - زاد أحمد: وحدثنا يعقوب في حديث صالح قال: رُمال حصير، ثم اتَّفَقا - قد أثر في جنبه. فقُلْتُ: أَطلَّقْتَ يا رسول الله نساءك؟ فرفع رأسه إليَّ، وقال: «لا»، فقُلْتُ: الله أكبر، لو رأيتنا - يا رسول الله - وكُنَّا معشرَ قُرَيْشٍ قومًا نَغْلِبُ النِّساء، فلما قدمنا المدينةَ وجَدْنا قومًا تَغْلِبُهم نِساؤُهم، فَطَفِقَ نِسَاؤُنَا يَتعلَّمْنَ من نسائهم، فتَغضَّبْتُ على امرأتي يومًا فإذا هي تُراجِعُني، فأنكَرْتُ أَنْ تُراجِعَني، فقالَتْ: ما تُنْكِرُ أَنْ أُراجِعَك، فوالله إن أزواج رسول الله ﷺ لَيُراجِعْنَه، وتَهْجُرُه إحداهُنَّ اليومَ إلى اللَّيل، فقلتُ: قد خابَ مَنْ فعل ذلك

стр. 93

وخَسِر، أفتَأْمَنُ إحداهُنَّ أَنْ يَغْضَبَ اللهُ عليها لِغَضب رسوله ﷺ ، فإذا هي قد هلكت؟ فتبسم رسول الله ﷺ . فقُلْتُ: يا رسول الله، فدخَلْتُ - وفي رواية أحمد: قد دخَلْتُ على حَفْصَةَ - فَقُلْتُ: لا يَغُرَّنَّكِ - وفي رواية أحمد: لا يَغُرُّكِ - أَنْ كانت جارَتُكِ هي أَوْسَمَ وأحب إلى رسول الله ﷺ منك، فتبسم أخرى. فقُلْتُ: أَسْتَأْنِسُ يا رسول الله؟ قال: «نعم». فجَلَسْتُ، فرفَعْتُ رأسي إلى البيت، فوالله ما رأَيْتُ (١) فيه شيئًا يَرُدُّ البصر إلا أُهبًا ثلاثةً، فَقُلْتُ: اُدْعُ الله - تعالى - يا رسول الله، أَنْ يُوسِّعَ على أُمَّتِكَ، فقد وسَّعَ على فارس والرُّومِ وهم لا يَعْبُدُونَ الله - تعالى -، فاستوى جالسًا، ثم قال: «أو في شكّ أنت يا ابنَ الخَطَّاب؟! أولئك قومٌ عُجِّلَتْ لهم طيباتهم في الحياة الدُّنيا»، فقُلْتُ: اسْتَغْفِرْ لي يا رسول الله. وكان أقسمَ أَنْ لا يَدْخُلَ عليهِنَّ شهرًا مِنْ شِدَّةِ مَوْجِدَتِهِ عليهِنَّ، حتى عاتبه الله . - وقال أحمد: عاتبهُنَّ الله - انتهى رواية أحمد. زاد إسحاق: قال الزهري: فأخبرني عُرْوةُ عن عائشة ﵂ قالت: لما مضَتْ تِسْعٌ وعِشرون ليلةً دخل علي رسول الله ﷺ بدأ بي، فقُلْتُ: يا رسول الله، إِنَّكَ أَقْسَمْتَ أَنْ لا تَدْخُلَ علينا شهرًا، وإنك دخَلْتَ مِنْ تسع وعِشْرِين أَعُدُّهنَّ؟ فقال: «إِنَّ الشَّهَرَ تِسْعُ وعشرون». ثم قال: يا عائشة، إني ذاكر لكِ أمرًا، فلا عليكِ أَنْ لا تَعْجَلي فيه حتى تَسْتَأْمِري أبوَيْكِ ثم قرأ عليَّ الآية: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ﴾ حتى بلغ: ﴿أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (٢).

стр. 94

قالت عائشة: قد عَلِمَ - والله - أنَّ أبوي لم يكونا يَأْمُراني بفراقه. قالت: فقُلْتُ: أو في هذا أَسْتَأْمِرُ أبوَي؟!، فإِنِّي أريد الله ورسوله والدار الآخرة. قال: فأخبرني مَعْمَرٌ، عن أيُّوبَ، أَنَّ عائشةَ ﵂ قالت: لا تُخْبِرْ نِساءَكَ أني اخْتَرْتُكَ، فقال لها النَّبِيُّ ﷺ : «أرسلني مُبلِّغًا، ولم يُرْسِلْنِي مُتَعنّتًا». قال قتادة: وقوله - تعالى - ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤]: مالت قلوبكما (١). قال الإمام - حرسه الله -: هذا حديث صحيح كبير. أخرجه البخاري في عِدَّةِ مواضع من طرق عن الزُّهْرِيِّ. ورواه مسلم هكذا عن إسحاق هذا. ورواه عن ابن عباس: عُبَيدُ بنُ حُنَين، وسماك أبو زُمَيلٍ، وغيرُ واحد (٢). ورواه مرزوق بن أبي الهذيل عن الزُّهْرِيِّ، فقال: عُبيد الله بن عبد الله بن عُتْبَةَ، وَهِمَ فيه (٣). وقوله (تغضَبْتُ) أي: غَضِبْتُ. والمراجعة: المجاوبة.

стр. 95

وقوله (أن كانت جارَتُكِ) بنَصْبِ الهمزة، أي: لأن كانت، ويريد بالجارة: الضَّرَّةَ. و (أوسم) أحسن من الوسامة، وهي الحُسن. ويُريدُ بالنزول: المجيءَ مِنْ العوالي - وهي رَساتيق (١) المدينة - إلى المدينة، من عند القبيلة التي نزل فيهم: بني أُمية بن زيد (٢). و (نَتَناوَبُ) أي: يجيء هو يومًا، وأنا يومًا. و (غَسَّان): قبيلة بالشام. وإنعال الخيل: من إصلاح شأن الحرب. و (المَشْرُبة) الغرفة. واسم الغلام: رباح في حديث آخر (٣). والرَّملُ - بفتح الميم وسكونها -: المَرْمول، وهو المنسوج (٤) بالشريط، وكثيرًا ما تُرْمَلُ الأَسِرَّةُ بتلك الناحية، والرُّمَال - بضم الراء - بمعنى الرميل، فَعِيل بمعنى مفعول، كالعُجَاب والعَجِيب، وبكسر الراء كجَمْعِ رَمْل، ومعنى الجميع واحد. وقوله (أَسْتأْنِسُ يا رسول الله) صارَ يَستأذِنُه في الجلوس عنده والتَّحدُّثِ معه. والأهب - بفتح الهمزة والهاء، وبضمها (٥) -: جمع إهاب، وهو الجِلْدُ

стр. 96

الذي يُدْبَغُ (١). وقوله (يَرُدُّ البصر) مِنْ عادة الناظر إلى الشَّيءِ الطالب له، أَنْ يُردِّد بصره ونظره في الموضع هل يرى شيئًا، فإذا رأى شيئًا كف بصره، أي: لم يكُن في البيت غيره، والله أعلم. * * * ٨ - أخبرنا أبو الخير المُفضَّلُ بنُ أبي غالب بن محمد بن طاهر بن سَلَّة (٢)، والأديب أبو منصورٍ أحمدُ بنُ المُظفّرِ بن زياد التميمي الشروطي الشاعر بقراءةِ والدي على كلِّ واحد منهما ﵏ سنة سبع وخمس مئة، قالا: أخبرنا أبو العباس أحمد بن محمد بن النعمان الفَضاض، ح. وأخبرنا إسماعيل بن الفضل أبو الفتح، قال: أخبرنا أبو طاهر بن عبد الرحيم. قالا: أخبرنا أبو بكرٍ محمَّدُ بنُ إبراهيم بن عليّ، قال أخبرنا أبو يَعْلَى أحمد بن علي بن المثنى، قال: حدثنا أبو خَيْثمة - هو زهير بن حرب -، قال: حدثنا عمر بن يونُسَ، قال: حدثنا عِكْرِمةُ بنُ عَمَّارٍ، عن سماك - هو أبو زُمَيْلٍ الحنفي -، قال: حدثني عبد الله بن عبَّاسٍ قال: حدثني عمر بن الخَطَّابِ ﵃ قال: لما اعتزل النَّبِيُّ ﷺ نِساءَه دخَلْتُ المسجد، فإذا النَّاسُ يَنْكُتونَ بالحَصى ويقولون: طلَّقَ رسول الله ﷺ نِساءَه، وذلك قبل أَنْ يُؤْمَرَ بالحجاب. قال عمر: لأَعْلَمَنَّ ذلك اليوم، قال: فدخَلْتُ على عائشة ﵂، فَقُلْتُ: يا ابنة أبي بكرٍ، أَقَدْ بلغَ مِنْ شأنِكِ أَنْ تُؤْذِي رسول الله ﷺ ؟! قالت:

стр. 97

ما لي ولك يا ابنَ الخَطَّابِ، عليكَ بعَيْبَتِكَ، فدخَلْتُ على حفصة بنت عُمرَ، فقُلْتُ: يا حفصة، أقَدْ بلغَ مِنْ شأنِكِ أَنْ تُؤْذِي رسول الله ﷺ ؟! والله -قد علِمْتُ أَنَّ رسول الله ﷺ لا يُحِبُّكِ، ولولا أنا لَطلَّقكِ رسول الله ﷺ ، قال: فبكت أشَدَّ البكاء، فقلتُ لها: أينَ رسول الله ﷺ ؟ قالت: هو في خزانته، في المَشْرُبة، فدخَلْتُ فإذا أنا برباحٍ غلام رسول الله ﷺ قاعدًا على أُسْكُفَّةِ المَشْرُبَةِ (١)، مُدَلَّ رِجْلَيْه على نقيرٍ مِنْ خشَبٍ - وهو جِذْعُ يَرْتَقي عليه رسول الله ﷺ فنادَيْتُ فَقُلْتُ: يا رَباحُ، اِسْتَأْذِنْ لي عندك على رسول الله ﷺ ، فنظر رباح إلى الغُرْفة، ثم نظر إليَّ فلم يَقُلْ شيئًا، فقُلْتُ (٢): يا رَباحُ، اِسْتَأْذِنْ لي عندك على رسول الله ﷺ ، فنظر رباح إلى الغُرْفَةِ، ثم نظر إليَّ فلم يَقُلْ شيئًا، ثم رفَعْتُ صَوْتِي فَقُلْتُ: يا رَباحُ، اِسْتَأْذِنْ لي عندك على رسول الله ﷺ فإني أَظُنُّ رسول الله ﷺ ظَنَّ أَنِّي جِئْتُ مِنْ أجل حفصة، واللهِ لَئِنْ أمرني بِضَرْبٍ عُنُقِها لَأَضْرِبَنَّ عَنُقَها، فأَوْمًا إِليَّ أن ادْنُه (٣) - أو قال: ارْقَهُ -. فدخَلْتُ على رسول الله ﷺ وهو مُضْطَجِعُ على حصيرٍ، فَجَلَسْتُ، فإذا عليه إزار وليس عليه غيره، وإذا الحصير قد أثر في جَنْبِه، فنظَرْتُ بِبَصَرِي في خزانة رسول الله ﷺ فإذا أنا بِقَبْضَةٍ مِنْ شعير نَحْو الصَّاعِ، ومِثْلِها قَرَظًَا في ناحية الغُرْفَةِ، وإذا أَفِيقٌ مُعلَّقٌ، قال: فابْتَدَرَتْ عَيْناي، فقال: «ما يُبْكِيكَ يا ابنَ الخطاب؟» فَقُلْتُ: يا نبي الله، وما لي لا أبكي، وهذا الحصير قد أثّر في جَنْبِك، وهذه خزانتك لا أرى فيها إلا ما أَرَى؟! وذاكَ قَيْصَرُ وكِسْرى في الثّمار والأنهار، وأنت رسول الله وصَفُوتُه، وهذه خزانتك؟! فقال: «يا ابنَ الخطاب، ألا تَرْضَى أنْ تكونَ لنا الآخِرة، ولهم الدُّنْيا؟» قلت: بلى. قال: ودخَلْتُ عليه حين دخَلْتُ وأنا أرى في وجهه الغضَبَ، فَقُلْتُ: يا

стр. 98

رسول الله، ما يَشُقُّ عليكَ مِنْ شأنِ النِّساءِ؟، فإِنْ كُنْتَ طَلَّقْتَهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ معك وملائكته وجبريل وميكائيل، وأنا وأبو بكر والمؤمنون معك، وقلّما تكلَّمْتُ - وأَحْمَدُ الله تعالى - بكلام، إلا رَجَوْتُ أَنْ يكونَ اللهُ يُصدِّقُ قَوْلي الذي أقولُ. قال: ونزلَتْ هذه الآية، آيةُ التَّخيير: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ﴾ [التحريم: ٥] ﴿وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ [التحريم: ٤] وكانت عائشة بنت أبي بكرٍ وحفصة تظاهران على سائر نساء النَّبِيِّ ﷺ (١). فقُلْتُ: يا رسول الله، إني دخَلْتُ المسجد والمسلمون ينكتون بالحصى، ويقولون: طلَّقَ رسول الله ﷺ نساءَه، فَأَنْزِلُ فَأُخْبِرُهم أَنَّك لم تُطلِّقْهُنَّ؟ قال: «نعَمْ إِنْ شِئْتَ». فلم أزَلْ أُحَدِّثُه حتى تَحسَّرَ الغَضَبُ عن وجهه، وحتى كشَرَ وضَحِكَ، وكان مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ ثَغْرًا، - يعني (٢) - ثم نزلَ رسولُ الله ﷺ وَنَزَلْتُ، فَنَزَلْتُ أَتشَبَّتُ بالجِذْعِ، ونزل رسول الله ﷺ كأنما يمشي على الأرض ما يمسُّه بيده. فقُلْتُ له: يا رسول الله، إِنَّما كُنْتَ في الغُرْفَةِ تسعة وعشرين يومًا؟ قال: «إِنَّ الشَّهْرَ يكونُ (٣) تِسْعًا وعِشْرين» فقُمْتُ على باب المسجد فنادَيْتُ بأَعْلَى صوتي: لم يُطَلِّقُ نِساءَه - يعني: رسول الله ﷺ . قال: ونزلَتْ هذه الآية: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ٨٣] فَكُنْتُ أنا الذي استَنْبَطتُ ذاك الأمر، فأنزل الله آية التخيير (٤).

стр. 99

قال الإمام - حرسه الله -: وهذا أيضًا صحيح؛ أخرجه مسلم عن زُهَيْرٍ هذا (١). * * * ٩ - أخبرنا غانم بن أبي نَصْرٍ البُرْجِيُّ، وأبو علي الحَدَّادُ -رحمهما الله- قالا: حدثنا أبو نعيم الحافظ، ح. وأخبرنا غانم هذا قال: أخبرنا أبو عبد الله الجَمَّالُ إجازة. قالا: حدثنا عبد الله بن جعفر قال: حدثنا يونسُ بنُ حَبِيبٍ، قال: حدثنا أبو داود، قال: حدثنا حَمَّادُ بنُ سَلَمةَ، قال: حدثنا يحيى بن سعيد، ح. وأخبرنا أبو منصور بنُ مَنْدُويَة، قال: حدثنا أبو نعيم، قال: حدثنا أبو بكرٍ بنُ خَلَّادٍ، قال: حدثنا الحارث بن أبي أسامة، قال: حدثنا سليمانُ بنُ حرب، قال: حدثنا حماد بن زيد، عن يحيى بنِ سَعِيدٍ، عن عُبَيْدِ بنِ حُنَين، عن ابن عباس ﵄ قال: أَقْبَلْنا مع عُمرَ ﵁ حتى انتهينا إلى مر الظهران، فدخل عمرُ الأراكَ يَقْضي حاجته، وقَعَدْتُ له، حتى خرجَ فَقُلْتُ: يا أمير المؤمنين، أُرِيدُ أن أسألك عن حديث منذ سنة، فمنعتني هَيْبَتُكَ أَنْ أسألك، فقال: لا تَفْعَلْ، إِذا عَلِمْتَ أَنَّ عِنْدِي عِلْمًا فَسَلْني، قال: قُلْتُ أسألك عن حديث المرأتين، وذكر الحديث بمعنى حديث عُبَيدِ الله بن عبد الله بن أبي ثَوْرٍ أو قريبًا منه، إلا أنه زاد فيه دخول عُمر على أم سلمة (٢). قال الإمام - حرسه الله -: وهذا أيضًا صحيحٌ مُتَّفَقٌ عليه مِنْ حديث

стр. 100

يحيى بن سعيد، أخرجه البخاري من طريق حَمَّاد بن زيد وغيره، ومسلم من طريق حَمَّاد بن سلمة وغيرِه، عن يحيى، منهم من اختصره، ومنهم مَنْ طوله. ورُوِيَ عن الحسن، عن أنس ﵁، أنَّ النبيَّ ﷺ دخل عليه عمر ﵁ وهو على حَصِيرٍ قد أثر بجَنْبِه، فذكر قِصَّةَ كِسْرى وقَيْصَرَ، هذا القَدْرُ فحسب (١). والنَّكْتُ: طَرْحُ الشَّيء، أي: يَضْرِبون بالحصى على الأرض، ونَحْو هذا الفِعْل يَفْعَلُه المُهْتَمُّ الحَزِينُ المُتفكِّرُ في الشَّيْءِ. وقوله (أن تُؤْذِي رسول الله) لا يجوز إلا بسكون الياء؛ لأنَّ أصله كان: تؤذين، سقطتْ النُّون بأن. والعيبة: الخاصة، أي: اشتَغِلْ بِأَهْلِكَ، ودَعْ غيرهم. والنقير - هاهنا -: جِذْعُ يُنْقَرُ حتى يَصِيرَ شِبْهَ سُلَّم، ويكونَ دَرَجَاتُه مِنْ نَفْسِه. وقوله (استَأْذِنْ لي عندك) أي: كما أنت جالس في مكانك استأذن لي. والهاء في (ادْنُهُ) و (ارْقَه) (٢) للوقف. والقَرَ: شيء يُدْبَعُ به. والأفيق: الجِلْدُ الذي يُدْبَغُ ولم يُفْرَغْ منه بعد (٣).

стр. 101

وقوله (فَابْتَدَرَتْ عيناي) أي: بالدُّموع. وقوله (حتى تحسر الغضَبُ) أي: ذهب. والكَشْرُ: شِبْهُ التَّبَسُّمِ. والتشبث: الإمساك باليد، يعني: أنَّ رسول الله ﷺ كان أدربَ بالنزول منه مني (١). وقوله (وأحمد الله) كلام اعترض بين الفعل والمفعول، أي: أحمد الله على ذلك. * * * ١٠ - أخبرنا القاضي أبو منصورٍ محمَّدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ مَنْدُويَهُ ﵀، قال: حدثنا أبو نعيم الحافظ، قال: حدثنا أبو بكر بن خَلَّادٍ، قال: حدثنا الحارث بن أبي أسامة، قال: حدثنا الحكم بن موسى، قال: حدثنا عبَّاد بنُ عبَّادٍ، عن مَعْمَرٍ، عن الزُّهْرِيِّ، ح. وأخبرنا هبة الله بن محمَّدِ بنِ الحُصَين ببغداد، قال: أخبرنا الحسنُ بنُ علي التميمي الواعظ قال: أخبرنا أبو بكر أحمد بن جعفر بن حَمْدان، قال: حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، قال: حدثني أبي، قال: حدثنا إسحاق بن عيسى الطَّباعُ، قال: حدَّثنا مالك بن أنس، قال: حدثني ابنُ شهاب، ح. وأخبرنا إسماعيل بن الفضل بن أحمد، قال: أخبرنا أبو طاهر بن (٢) عبد الرحيم قراءةً، أو (٣) إبراهيم بن منصورٍ إجازة، قالا: أخبرنا أبو بكر بن (٤)

стр. 102

المقرئ قال: أخبرنا أبو يعلى، قال: حدَّثني سُرَيحُ بن يونس أبو الحارث، وحدثنا الصَّلْتُ بنُ مسعود، قالا: حدَّثنا هشيم بنُ بَشِيرِ السُّلَمِيُّ قال: سَمِعْتُ الزُّهْرِيَّ، ح (١). وأخبرنا أبو علي الحداد - فيما أُرَى - قال: أخبرنا (٢) أبو نُعيم الحافظ في كتابه، قال: أخبرنا أبو أحمد الغطريفي، قال: أخبرنا أبو محمد عبد الله بن محمدِ بنِ شِيرُويَه، قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا مَعْمَرٌ، عن الزُّهْرِيِّ - واللفظ لرواية مالك ـ، عن عُبَيْدِ الله بن عبد الله بن عُتْبَةَ بنِ مسعودٍ، أَنَّ ابن عباس ﵄ أخبره، أنَّ عبد الرحمن بن عَوْفٍ ﵁ رجع إلى رَحْلِه، قال ابنُ عَبَّاسٍ: فَكُنْتُ أُقْرِئُ عبد الرحمن بنَ عَوْف، فوجدني وأنا أنتظرُ ذلك بمنى في آخر حجَّةٍ حجَّها عمر بن الخَطَّابِ ﵁. قال عبد الرحمن: إنَّ رجلًا أتى عُمرَ بنَ الخَطَّابِ ﵁ فقال: إِنَّ فلانًا يقول: لو قد ماتَ عُمر بايَعْتُ فلانًا، فقال عمر ﵁: إني قائم العَشِيَّةَ فِي النَّاسِ فمُحَدِّرُهم هؤلاءِ الرَّهْط الذين يُرِيدون أَنْ يَغْصِبوهم أَمْرَهم، فقال عبد الرحمن ﵁: فَقُلْتُ: يا أمير المؤمنين، لا تَفْعَلْ؛ فَإِنَّ المَوْسِمَ يَجْمَعُ رَعاعَ النَّاسِ وغَوْغاءَهُم، وإنهم الذين يَغْلِبون على مجلسِكَ، إِذا قُمْتَ فِي النَّاسِ فأَخْشَى أَنْ تقول مقالةً يَطيرُ بها أولئك فلا يَعُوها، ولا يَضَعُوها على مواضعها ولكن حتى تَقْدَمَ المدينة؛ فإنَّها دارُ الهِجْرةِ والسُّنَّة، وتَخْلُصَ بِعُلَماءِ النَّاسِ وأَشْرافِهم، فتقول ما قُلْتَ مُتَمَكِّنًا، فَيَعُونَ (٣) مقالتك، ويَضَعُونها مَواضِعَها. قال عمر ﵁: لَئِنْ قَدِمْتُ المدينة صالحًا لأُكَلِّمَنَّ النَّاسَ في أَوَّلِ مُقامٍ أقومه.

стр. 103

فلما قَدِمْنا المدينة في عقب ذي الحِجَّةِ - وكان يومَ جُمُعَةٍ - عجَّلْتُ الرواحَ فَكَّةَ الأعمى. كذا في النسخة: بالفاء (١)، قُلْتُ لمالك: ما فَكَّةُ الأعمى؟ قال: إنه لا يُبالي أي ساعةٍ خرجَ، لا يَعْرِف الحر ولا البَرْدَ نحو هذا. فوجَدْتُ سعيد بن زيد ﵁ عند رُكْنِ المنبر الأيمن قد سبقني، فجَلَسْتُ حذاءَه، تحكُّ رُكبتي رُكْبَتَه، فلم أَنْشَبْ أَنْ طَلَعَ عمر ﵁، فلما رأيته قلتُ: لَيَقُولَنَّ العَشِيَّةَ على هذا المنبر مقالةً ما قالها عليه أحد قبله، قال: فأنكر سعيد بن زيد ذلك، وقال: ما عسى أن يقول ما لم يَقُلْ أحد؟!. فجلس عمر ﵁ على المنبر، فلما سكت المؤذِّنُ، قام فأثنى على الله بما هو أهله، ثم قال: أما بعد، أيُّها النَّاس، فإني قائل مقالة قد قُدِّرَ لي أن أقولها، لا أدري لعلها بين يدي أجَلي، فمَنْ وعاها وعقَلَها فَلْيُحدِّث بها حيثُ انتهت به راحِلَتُه، ومَنْ لم يَعِها فلا أُحِلُّ له أن يَكْذِبَ عليَّ. إنَّ الله بعث محمَّدًا بالحقِّ، وأَنْزِلَ عليه الكتاب، وكان فيما أنزل آية الرَّجْم، فقرأناها ووعَيْناها، ورجم رسول الله ﷺ ورجَمْنا بعدَه، فَأَخْشَى إِنْ طال بالناس زمان أن يقول قائل: لا نَجِدُ آيةَ الرَّجْم في كتاب الله، فَيَضِلُّوا بترك فريضة قد أنزلها الله ، والرَّجْمُ في كتاب الله حق على مَنْ زَنَى إِذا أُحْصِنَ مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ، إذا قامَتْ البيِّنةُ، أو الحبَلُ، أو الاعتراف. ألا وإنَّا قد كُنَّا نَقْرأُ: لا تَرْغَبُوا عن آبائكم؛ فإنه كُفْرٌ بكم أَنْ تَرْغَبُوا عن آبائكم. ألا وإنَّ رسول الله ﷺ قال: «لا تُظروني كما أُطْرِيَ عيسى ابنُ مريم ﵍، فإنما أنا عبد الله، فقولوا: عبد الله ورسوله». وقد بلغني أن قائلًا منكم يقول: لو قد مات عمر بايَعْتُ فلانًا، فلا يَغْتَرنَّ

стр. 104

امرؤ أن يقول: إنَّ بيعة أبي بكر ﵁ كانت فَلْتةً، ألا وإنها كانت كذلك، إلا أنَّ الله - تعالى - وقى شرها، وليس فيكُمُ اليومَ مَنْ تُقْطَعُ إليه الأعناقُ مِثْلُ أبي بكر ﵁. ألا وإنه كان من خبرنا حينَ تُوفِّيَ رسول الله ﷺ أن عليًا والزبير ﵄ ومَنْ كان - يعني - معهما تَخلَّفوا في بيت فاطمة ﵂ ابنتِ رسول الله ﷺ ، وتخلَّفَ عنها (١) الأنصارُ بأَجْمَعِها في سَقِيفَةِ (٢) بني ساعدة، واجتمع المهاجرون لله إلى أبي بكر ﵁. فقلت له: يا أبا بكر، اِنْطَلِقْ بنا إلى إخواننا من الأنصار، فانطَلَقْنا نَؤُمُّهم حتى لقينا رجلان صالحان، فذكرا لنا الذي صنع القوم، قالا: أين تريدون يا معشر المهاجرين؟ فقلت: نُرِيدُ إخواننا هؤلاء من الأنصار، فقالا: عليكم (٣) أَنْ لا تَقْرَبُوهم، واقْضُوا أمرَكُم يا معشر المهاجرين، فقلت: والله -نأتينَّهُم. فانطلقنا حتى جئناهم في سَقِيفة بني ساعِدة ﵁، فإذا هم مجتمعون، وإذا بين ظهرانيْهِم مُزَمَّلٌ (٤)، فقلت: مَنْ هذا؟ فقالوا: سَعدُ بنُ عبادة ﵁، فقلت: ما له؟ قالوا: وَجِعٌ. فلما جلسنا قام خَطِيبُهم فأثنى على الله بما هو أهله، وقال: أما بعد، فنحن أنصار الله - تعالى -، وكتيبة الإسلام، وأنتم يا معشر المهاجرين رَهْطُ مِنَّا، وقد دفَتْ دافَةٌ منكم يريدون أن يختزلونا مِنْ أَصْلِنا، ويَحْضُنونا مِنْ الأمر، فلما سكتَ أرَدْتُ أَنْ أَتكلَّم، وكنت قد زوَّرْتُ مَقالة أعجبتني، أُرِيد أَنْ أقولها بين يدي أبي بكر ﵁، وقد كنتُ أداري منه بعض الحد، وهو كان أحلم مني وأوقرَ، فقال أبو بكر ﵁: على رِسْلِك، فكرِهْتُ أَنْ

стр. 105

أَعْصِيَه (١)، ووالله ما ترك من كلمةٍ أعجبتني في تزويري إلا قالها في بديهته وأفضل، حتى سكت. فقال: أما بعد، فما ذكَرْتُم مِنْ خير فأنتم أهله، ولن تَعْرِفَ العربُ هذا الأمر إلا لهذا الحي من قريش، أوسط العرب نسَبًا ودارًا، وقد رَضِيتُ لكم أحد هذين الرجلين، أيهما شِئْتُم - وأخذ بيدي وبيد أبي عبيدة بن الجراح - فلم أكره مما قال غيرها، وكان - والله - أَنْ أُقَدَّمَ فَتُضْرَبَ عنقي، لا يُقرِّبُني ذلك إلى إثم، أحَبُّ إليَّ مِنْ أنْ أتأمَّرَ على قومٍ فيهم أبو بكر ﵁، إلا أَنْ تُفْتَنَ (٢) نفسي عند الموت، فقال قائل من الأنصار: أنا جُذَيْلُها المُحَكَّكُ، وعُذَيْقُها المُرَجَّبُ، مِنَّا أمير، ومنكم أمير، يا معشر قريش. فقُلْتُ لمالك (٣): ما معنى: أنا جُذَيْلُها المُحَكَّكُ، وعُذَيْقُها المُرَجَّبُ؟ قال: كأنه يقول: أنا داهيتها. قال: فكَثُرَ اللَّغَطُ، وارتفعَتْ الأصواتُ، حتى خَشِيتُ الاختلاف، فقلت: أبسط يدك يا أبا بكر، فبسط يده فبايَعْتُه، وبايعه المهاجرون، ثم بايعه الأنصار، ونزَوْنا على سَعْد بنِ عُبادة، فقال قائل منهم: قَتَلْتُم سَعْدًا، فَقُلْتُ: قتَلَ الله سَعْدًا. وقال عمر ﵁: إنا (٤) والله ما وجَدْنا فيما حضرنا أمرًا هو أقوى من مُبايعة أبي بكر ﵁، خَشِينا إن فارَقْنا القوم ولم تكن (٥) بيعةٌ أَنْ يُحْدِثوا بعدنا بيعة، فإما أن نُبايعهم (٦) على ما لا نَرْضَى، وإما أن نُخالِفهُم فيكون فيه فساد،

стр. 106

فمن بايع أميرًا عن غيرِ مَشُورةِ المسلمين، فلا بيعةَ لِلَّذي بايعه (١)، تَغِرَّةَ أن يُقْتَلا. قال مالك: وأخبرني ابن شهاب، عن عُروة بن الزبير: أَنَّ الرَّجُلين اللَّذَيْنِ لَقِياهم: عُوَيم بن ساعدة ومَعْنُ بنُ عَدِيٌّ. قال ابن شهاب: وأخبرني سعيد بن المُسيَّب: أنَّ الذي قال: أنا جُذَيْلُها المُحَكَّك، وعُذَيْقُها المُرَجَّبُ: الحُباب بن المنذر ﵁ (٢). أخبرنا إسماعيل السَّراج، قال: أخبرنا أبو طاهر بن عبد الرحيم قراءةً، أو: إبراهيم بن منصورٍ كتابةً، قال: أخبرنا أبو بكر المقرئ، قال: أخبرنا أبو يَعْلَى، قال: حدثنا عبد الله بن محمد بن أسماء، قال: حدثنا جُوَيْرِيةُ، عن مالك، عن الزهري، عن عُبَيْدِ الله بْنِ عَبْدِ الله بنِ عُتْبَةَ بنِ مسعود، أخبره أنَّ عبد الله بن عباس ﵄ أخبره بهذا الحديث، على معنى ما تقدم، وزاد عَقِيب قوله: واجتمع المهاجرون إلى أبي بكر ﵁: قال: فبينا نحن في منزل رسول الله ﷺ ، إذ جاء رجلٌ يُنادي من وراء الجدار: اخْرُجْ إِليَّ يا ابن الخطاب، فقلتُ: إليكَ عَنِّي؛ فإنَّا عنك مشاغيلُ، فقال: إنه قد حدث أمر لا بُدَّ منك فيه، إنَّ الأنصار قد اجتمعوا في سَقِيفة بني ساعدة، فأدْرِكوهم قبل أَنْ يُحْدِثوا أمرًا يكون بينكم وبينهم فيه حرب، فقُلْتُ لأبي بكر ﵁: انْطَلِق بنا. وقال فيه أيضًا: فقال قائل من الأنصار: قَتَلْتُم سَعْدًا، قال عمر ﵁: فقُلْتُ - وأنا مُغْضَبٌ -: قتلَ الله سَعْدًا؛ فإنه صاحب فتنة وشَرِّ (٣).

стр. 107

هذا حديث صحيح ثابت. أخرجه البخاري مُطوَّلًا ومختصرًا في مواضعَ مِنْ طرق عن الزُّهْرِي (١). وتابع الزُّهْري على روايته هكذا: سعد بن إبراهيم، عن عبيد الله، من رواية شعبة، عن سعد (٢). ومنهم من قال فيه: عن ابن عباس، عن عبدِ الرَّحْمنِ بنِ عَوْف (٣). ورواه سعيد بن أبي هند، عن عُبَيد الله، أَنَّ عُمر ﵁ خطب، ولم يذكر فيه ابن عباس، ولا عبد الرحمن (٤). وقوله (يَغْصِبوهم أَمْرَهم) يعني: أمر الخلافة. والرعاع: السَّفَلة. و (الموسم): الموضع الذي يجتمع فيه الناس. وقوله (يَطير بها) (٥) أي: يُبلغونه من وراءهم بسرعة. وقولُه (وتَخْلُص بعُلَماءِ النَّاس) أي: تَخْلُص إليهم، وتَصِلُ إلى حضرتهم، قد ذهب السَّفَلةُ من بينهم.

стр. 108

وقوله (في أوَّلِ مُقام) بضم الميم، أي: أول إقامة على المنبر (١) للخطبة، والمقام - بالفتح -: الموضع. وقوله (في عقب ذي الحِجَّةِ) أي: بعد ما مضى. وقوله (فَكَّة الأعمى) كذا في نسختي، وأظُنُّه تصحيفًا (٢) من الكاتب، والمشهور: صَكَّة الأعمى - بالصَّاد (٣)، ويقال: صَكَّة عُمَي (٤)، وهي كنايةٌ عن وقت الهاجرةِ وشِدَّة الحَرِّ، ويحتمل أن يكون هذا المثل جرى على أعمى مُعيَّن كان يخرج في هذا الوقت، فيَصُلُّ مَنْ يَسْتقبِلُه لِعَماه، ولا يُبْصِرُه فَيَحِيدَ عنه؛ إذ ليس كلُّ العُميان يخرجون في وقت الهاجرة (٥) و (لم أَنْشَبْ) أي: لم أَلْبَثْ، ولم أَمْكُثُ. وقوله (ما عسَى أَنْ يقول) أي: أيَّ شيءٍ يمكن أن يقول، أي: لا يقول ما لم يقله غيره.

стр. 109

و (الحبل) الحَمْل، يريد المرأةَ الأَيّمَ إذا كانت حاملًا فهي علامة زناها. وقوله (كُفْرٌ بكم) لا يريد الكُفْرَ الذي هو ضِدُّ الإيمان؛ إذ قد يكون كُفْرٌ دون كفر، أي: من فعل هذا فقد كفَرَ به خاصَّةً، وجَحَدَ هذا الحقَّ. والإطراء: المدح فوق ما هو به. والفلتة: ما فُعِل من غير تَمكُث ورَوِيَّة (١). وقوله: (وقى الله شرّها)، إشارة إلى قوله ﷺ : «مَنْ عَجِلَ أخطأ، أو كاد» (٢)، يعني: أنَّ بيعة أبي بكر ﵁ وإن عَجِلْنا بها كانت صوابًا، مع ما أنها كادَتْ أَنْ يكون منها شَرٌّ، فَوَقَى اللهُ شَرَّها. وقوله (تُقْطَعُ إليه الأعناق) في بعض هذه الروايات: تُقَطَّعُ عليه، أي: تتقطع أعناقُ مُسابِقِيه على فِعْلِه وسَبْقِه، فلا يُدْرِكُون شَأْوَه. و (نَؤُمُّهم) نَقْصِدُهم، من قوله تعالى: ﴿وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾ [المائدة: ٢]. والسقيفة: شبه الصفة. والمُزَمَّل: الملفوف، أي: لُنَّ في ثوب كما يُفْعَل بالمحموم. وقوله (دفت دافةٌ) أي: سارَتْ جماعةٌ، والدَّفِيف: سَيْرٌ ليس بالسريع. و (يَختزلونا) أي: يَقْتَطِعونا ويَذْهَبوا بنا، وفي بعض الروايات: (من أرضنا)، وفي هذه الرواية: (مِنْ أَصْلِنا) ومعناهما سواء.

стр. 110

و (يَحْضُنونا) أي: يَحْجُبونا ويَمْنَعونا مِنْ هذا الأمر، ويقطعوه دوننا من غير مَشُورةٍ ولا رأي مِنَّا. و (زوَّرْتُ) أي: هَيَّأْتُ، ورَوَّاتُ فيه (١). وقوله (على رِسْلِكَ) أي: اتَّئِد. والجذيل: تصغير الجذل (٢). و (المُرَجَّبُ) المُعَظَّم، وقيل: المُدَعَّم، وأَصْلُه: النَّخْلةُ إذا كانت عظيمةً كريمةً يُخَاف عليها، تُدْعَمُ بدَعائِمَ من حواليها لئلا تسقط. والعذيق: تصغير العذق، بالفتح. ومِثْلُ هذه النَّخْلَة تَحتَكُ الإِبلُ الجَرْباءُ به، فتَجِدُ لذلك راحةً. أي: إنّي في قبيلة الأنصارِ مِمَّنْ يُسْتَشار، ويُرْجَع إلى رَأْيِه، ويُسْتَشْفَى بِمَشُورته، ورأيي أنْ يكونَ من الأنصار (٣) أمير، ومن المهاجرين آخر. و (اللغط) الجَلَبة. و (نزونا) أي: حملنا عليه، ووَطناه بأقدامنا من الزحام. والتَّغِرَّة: التغرير، أي: لا يَغُرَّنَّ مَنْ فعل ذلك بَيْعة أبي بكر، فرُبَّما يُقْتَل الأمير والمأمور معًا إذا تبايعا عن غير مشورة. وقوله في سَعْدٍ (٤): كأنه يُشير به إلى ما وقع بينه وبين سعد بن معاذ في قصة الإفك (٥)، والله أعلم.
следующие страницы →