← Книги сунны

Книги сунны · id 30195

الطوالات - لأبي موسى المديني

أبو موسى المديني

Полный текст (962 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

وقد فسر الأصمعي (١) هذا الحديث، فقال: (المُمَغَط) الذَّاهِبُ طُولًا، قال: وسمِعْتُ أعرابيًا يقول في كلامه: فمَغَط في نِشَابَتِهِ (٢)، أي: مدَّها مدًا شديدًا، فعلى تفسير الأصمعي: هذا اللَّفْظُ على وزنِ فَعَلَ، وفسره (٣) غيره على أنه: انفعلَ فَأُدْغِمَ، قالوا: يقال: مغطتُه فامَّغَطَ وامْتَغَطَ، أي: امتد، والغَيْنُ المعجمة أكثر فيه، وبالعَيْن أيضًا في معناه (٤). قال: وأما (المُتَردّد) فالداخل بعضُه في بعض قصرًا. وأما (المُطَهَّم) فالبادِنُ، الكثيرُ اللَّحْم. وأما (المُكَلْتَم) فالمُدَوَّرُ الوَجْهِ، كذا ذكره الأصمعي. وقال شَمِرُ: المُكَلْثَمُ من الوجوه القصير الحنَكِ، الداني الجَبْهة، المستديرُ الوَجْهِ، ولا يكون إلا مع كثرة اللحم. وقال أبو عبيد: يقال: كان أسيلًا، ولم يكُن مُستدير الوجه (٥). فقد قال الأزدي: لم يصح حديثه، ثم إنه لم يدرك عمر. انظر «اللسان» ٥: ٤٥٧ (٥٢٥٨).

стр. 177

وهذا الاختلاف إذا لم يَكُنْ بعده قوله: (وكان في الوَجْهِ تَدْوير) بل الوَجْهُ أَنْ يُقال: لم يَكُنْ بالأسيل جِدًّا، ولا المُدوَّرِ مع إفراط التدوير، كان بين المُدَوَّر والأسيل، كان أحسن ما يكونُ؛ إذ كلُّ شيءٍ مِنْ خَلْقِه كان معتدلًا، والإفراط غير مستحب في شيء. قال الأصمعي: وأما المُشْرَبُ: فالذي في بياضه حمرةٌ. والأَدْعَجُ: الشَّدِيدُ سوادِ العَيْن. والأَهْدَبُ: الطويل الأشفار. و (الكتد) مُجْتَمَعُ الكتفين، وهو الكاهل. والعِشْرةُ: الصُّحْبة. والبديهة: المفاجأة. وباقي الحديث قد تقدم تفسيره. وفي الحديث الآخر: (هدب الأشفار) وهو بمعنى الأهدب كما يقال: أَزْعَرُ وزَعِرُ، وَأَمْعَرُ ومَعِرُ (١). وقوله (مُشْرَب العينين بِحُمْرةٍ) أي: كان في بياضها (٢) عروق حُمْر، وهو الشكلة، وقد وُصِفَ بأنه كان ﷺ أشكل، وهو مُسْتَحَبُّ، أما السَّوادُ منه: فكما في الحديث الثاني (٣): كان (أسود الحدقة). والصُّعُد: مِثْلُ الصَّبَب.

стр. 178

وقوله (إذا جاء مع القوم غمَرَهُم) أي: كان فوق كلّ من معه. والأَغَرُّ: الأبيض. والأبلج: ضِدُّ الأقرن. و (أصدقُ النّاس لهجة) أي: كلامًا ولسانًا. والعريكة: الطبيعة. * * * ٢٧ - أخبرنا إسماعيل بن الفضلِ السَّرَّاجُ ﵀ قراءة عليه، قال: أخبرنا إبراهيم بن منصور إجازة، قال: أخبرنا أبو بكرٍ بنُ المُقْرِئ، قال: أخبرنا أبو يَعْلَى المَوْصِليُّ، قال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا شَرِيك، عن عبد الملك بن عُمَيرٍ، عن نافع بن جُبَيرِ بنِ مُطْعِمٍ، عن علي ﵁ أنه وصف النبي ﷺ فقال: كان عظيم الهامة، أبيض مُشْرَبًا حُمْرةً، عظيمَ اللَّحْيَةِ، ضَخْمَ الكراديس، شَثْنَ الكفَّيْنِ والقدمَيْنِ، طويلَ المَسْرُبةِ، كثير شعرِ الرَّأْسِ رَجِلًا، يَتَكَفَّا (١) في مشيته كأنما يَنْحَدِرُ في صَبَب، لا طويل ولا قصير، لم أَرَ مِثْلَه قبله ولا بعده ﷺ (٢).

стр. 179

رواه المسعودي، عن عثمان بن مسلم بن هُرْمُز، عن نافع (١). وقوله (عظيم اللحية) بمعنى (كَثَّ اللحية) كما تقدَّم (٢). ٢٨ - وبهذا الإسناد، قال: أخبرنا أبو يَعْلَى، قال: حدثنا زكريا بن يحيى الواسطي، قال: حدثنا عَبَّادُ بنُ العَوَّامِ، قال: حدثنا الحجاج - يعني: ابن أَرْطَاةَ، - عن سالم المكي، عن ابن الحنفية، عن علي ﵁ أنَّه سُئِلَ عن صِفَةِ النَّبيِّ ﷺ قال: كان لا قصيرًا ولا طويلًا، حسَنَ الشَّعَرِ رَجِلَهُ، مُشْرَبًا وَجْهُه حُمْرةً، ضَخْمَ الكراديسِ، شَتْنَ الكفَّيْنِ والقدمين عظيمَ الرَّأْسِ، طويل المَسْرُبةِ، لم أَرَ قَبْلَه ولا بعده مِثْلَه، إذا مشى تكَفًَّا كأَنَّما يَنْزِلُ مِنْ صَبَبٍ (٣). رواه الحسن بن عرفة، عن عَبَّادٍ مِثْلَه (٤). ٢٩ - ذكر أبو بكر الإسماعيلي الجُرْجاني، قال: أخبرني إبراهيم بن عبد الله المُخَرِّمِيُّ، قال: حدثنا سعيد - هو الجَرْمِيُّ، - قال: حدثنا محمدُ بنُ عُبَيد الطنافسي، قال: حدثنا مُجَمِّعُ بن يحيى الأنصاري، عن عبد الله بن عمران، عن رجل من الأنصار قال: أَتَيْتُ عَلِيًّا ﵁ وهو مُحْتَبٍ بِحَمائل سيفه، فسأَلْتُه عن صِفَةِ النَّبِيِّ ﷺ ، فقال: كان رسول الله ﷺ أبيضَ اللَّوْنِ مُشْرَبًا

стр. 180

حُمْرةً، أَدْعَجَ العينين، سَبْطَ الشَّعر، دقيق المَسْرُبة، كَنَّ اللَّحْية، ذو وَفْرةٍ، كَأَنَّ عنقه إبريقُ فِضَّةٍ، كان له شعرٌ مِنْ لَبَّتِه إِلى سُرَّتِه يجري كالقضيب، لم يكُن في صَدْرِه ولا بَطْنِه شعرٌ غيرُها، شَثْنَ الكَفِّ والقدم، إذا مشى كأَنَّما يَنْحَدِرُ مِنْ صَبَب، وإذا مشى كأَنَّما يَتقلَّعُ مِنْ صَخْرٍ، وإذا التفت التفت جميعًا، ليس بالقصير ولا بالطويل، ولا العاجز ولا اللئيم (١)، كأَنَّ عَرَقَه في وجهه اللُّؤْلُؤُ، ورِيحُ عَرَقِه أَطْيَبُ مِنْ المِسْكِ الأَذْفَرِ، لم أر قبله ولا بعده مِثْلَه (٢). رواه المُحاربي عن مُجَمِّع، فقال: عن عبد الله بنِ عُمَرَ (٣).

стр. 181

ورواه عُبيد الله بن موسى وغيره، عن مجمع (١). ورواه أبو جناب، عن زُبَيدٍ - يعني: اليامي - عن أبيه قال: جاء رجلٌ إلى علي ﵁ فذكر نحوه (٢). ورُوي عن إبراهيم بن طهمان قال: بلغني أنهم قالوا لعلي ﵁ صف لنا (٣) نبينا ﷺ كأننا نراه، فإنا مُشتاقون إليه، وذكر نحوه (٤). وروي عن علي ﵁ قال (٥): بعثني النَّبيُّ ﷺ إلى اليمن، فإني لأخطب يومًا على النَّاس، وحَبْرٌ مِنْ أحبار اليهود واقفٌ في يده سفر ينظر فيه، فناداني فقال: إليَّ، صِف لنا أبا القاسم ﷺ ، فقال علي ﵁: ليس بالطويل البائن، وذكر نحوه إلى آخره، ثم سكت. فقال الحَبْرُ: ثم ماذا؟ فقال علي ﵁: هذا ما يَحْضُرني. فقال الحبر: في عينيه حُمْرةٌ، حَسَنُ اللحية، حسَنُ الفَمِ، تامُ الأُذُنَيْن. فقال علي ﵁: هذا - والله - صفَتُه.

стр. 182

فقال الحبر: هذا نَجِدُه في سِفْر آبائي، فإني أَشْهدُ أنه نبي، وأنه رسول الله إلى الناس كافةً، فعلى ذلك أحيا، وعليه أموت وعليه أُبْعَثُ إن شاء الله. وكان عليٌّ ﵁ يُعلِّمُه القرآن، ويُخْبِرُه بشرائع الإسلام، حتى مات في خلافة أبي بكر ﵁ (١). ٣٠ - أخبرنا أبو الفتح محمَّدُ بنُ عبدِ الله الخرقي العطار وغيره ﵏ إذنًا، أنَّ أبا نُعيم أحمد بن عبد الله أجاز لهم، قال: حدثنا أبو محمد عبد الله بن محمد بن جعفر أبو الشَّيْخِ، قال: حدثنا أبو العَبَّاسِ الفَضْلُ بن أحمد، ح. وأخبرنا أبو علي الحَدَّادُ ﵁ إجازةً، قال: أخبرنا أبو سعيد الحسَنُ بنُ عبد الله بنِ حَسْنُويَه الطَّحَّانُ إِذْنًا، قال: حدثنا أحمد بن جعفرِ بنِ مَعْبَدٍ السمسار، قال: حدثنا عُبَيدُ بنُ الحَسَنِ - هو الغَزَّال -. قالا: حدثنا إسماعيل بنُ عَمْرِو - وهو البَجَليُّ -، قال: أخبرنا طلق - يعني: ابنَ غَنَّامٍ -، عن شَرِيكٍ، عن سَعْدِ بن طَرِيفِ، قال: حدثنا أبو جعفر محمد بن عليّ، عن أبيه، عن جده قال: جاء أعرابي من بني عامر بن صعصعة إلى مكة، فسأل عن رسول الله ﷺ . - من هنا (٢) إلى البلاغ: من رواية ابن حَسْنُويَه وحده .. فقال: أين محمد؟ فقالوا له: ما أجفاك! ألا تقول: أين رسول الله؟ قال (٣): لو آمَنْتُ لَقُلْتُ كما قُلْتُم، ولكن لِيَقُمْ منكم رجلٌ فَلْيَدُلَّني عليه، فقال عليٌّ ﵁: هو بمنى، قال: فحَلَّه لي، فقال عليٌّ ﵁: إذا نظرت إلى

стр. 183

رسول الله ﷺ عرفته، ليس بالطويلِ المُتثَنِّي، ولا القصير الفاحش، أبيض مُشْرَبٌ حُمْرةً، رَبْعةٌ أحسَنُ النَّاس، شعره إلى شحمة أُذُنِه، عريض الجَبْهة، ضخم العينين، أَقْرنُ الحاجبين، مُفَلَّجُ الثَّنايا، أَسِيلُ الخَدِّ، كَثُ اللحية، على شفَتِه السُّفْلى خالٌ، كأنَّ عنُقَه إبريقُ (١) فِضَّة، بعيد ما بين المَنْكِبين ضخم البراثن - كذا في الروايتين، وأظُنُّ الصَّواب: (ضَخْمُ الكراديس) - ليس على ظهره ولا بطنه - يعني - إلا شعر كقضيب الفِضَّة يجري، شَتْنُ الكفَّيْن، كأنَّ كفَّه مِنْ لِينِها مَسُّ أرنب، إذا مشى مشَى مُتقلّعًا كأنه يهبط مِنْ صَبَب، وإذا التفت التفتَ بأَجْمَعِه، وإذا صُوفِح لم ينزع يده حتى يَنْزِعَ الآخر، وإذا احتبى إليه رجُلٌ لم يَحُلَّ حَبْوتَه حتى يكونَ الرَّجُلُ هو الذي يَحُلُّ حبوته، وإذا ضحك تبسم، يجزي بالحسنة الحسنة، وبالسَّيِّئة الحسنة، ليس بسَحَابٍ في الأسواق. فخرج الأعرابي حتى انتهى إلى منى. - من هنا اتفقا عليه -. قال: فإذا هو بحلقة فيها رسول الله ﷺ ، فنزل فتعلق بخطام ناقة رسول الله ﷺ ، فقالوا له: يا أعرابي، ما أجرأك! عَمِدْتَ إلى ناقة رسول الله ﷺ من بين إبلنا، فنظر إليه النبي ﷺ فقال: «دَعُوه، فإنه أَرِيبٌ، إليَّ». فأتاه فقال: يا محمد جاءَتْنا رُسُلُكَ، وجاءَتْنا كتُبُكَ، تَأْمُرنا بأَنْ نُقِرَّ بأنه لا إله إلا الله وأنَّك رسولُ الله، فالله أمرك بذلك؟ قال: «نعم». قال: وأمرُونا بالصَّلاة المفروضة، والزَّكاةِ المعلومة، وأمرونا أن نأخُذَ مِنْ أموالنا فنعود به على فقرائنا، وأمرونا أن نَغْتَسِلَ مِنْ الجَنابةِ، ونصوم شهر رمضان، ونحج البيت، فالله أمرك؟ فقال ﷺ : «نعم، هو - تعالى - أمرني بذلك». فقال: يا محمد إني أريد أن أسألك وأخاف أن تغضب، فقال رسول الله ﷺ : «أنا محمَّدٌ رسولُ الله، مكتوب في التَّوراة والإنجيل،

стр. 184

آمر بالحسنة، وأنهى عن السَّيِّئَة، لَسْتُ بسَخَابٍ في الأسواق، فَسَلْ عما بدا لك». فقال: أسألك عن خير بقاع الأرض، وعن شَرِّ بقاع الأرض، وأسألُكَ عن الصُّلَيعاء، والقُرَيْعاء وأسالك عن قواعد الإسلام؟ فقال ﷺ : «مكثتُ ما مكثتُ بمكَّةَ، ثم هاجَرْتُ إلى المدينة، ثم قدِمْتُ مكة، ما سألني أحد من أُمَّتي عما سأَلْتَني عنه، ولا عِلْمَ لي بذلك، يأتيني جبريل فَأَسْأَلُه عن ذلك». فقال الأعرابي: متى يأتيك؟ فقال ﷺ : «إذا بزَغَتْ الشَّمسُ» - أو «طَلَعَتْ» -. فلما كان من الغد أتاه جبريل ﵇، فقال: «يا جبريل، إنَّ رجلًا (١) من أُمَّتي سألني عن شيء لم أَدْرِ ما هو، وما أجَبْتُه، وقلتُ: يأتيني جبريل فأسأله». فقال: «وما سألك عنه يا محمد؟». قال: «سألني عن خير بقاع الأرض، وعن شر بقاع الأرض، وعن الصُّلَيعاء، والقريعاء، وعن قواعد الإسلام». فقال جبريل ﵇: «يا محمد بعثني الله ﵎ إلى كذا وكذا نبيًا، ما سألني أحد منهم عما سألتني عنه، ولا أنا أعلم بها منك». ثم قال جبريل: «يا محمَّد، إن لي سِتَّ مئةِ جَناح، بين كل جناحين مسيرة خمس مئة عام، مُكَلَّلٌ بالدُّرِّ والياقوت والزَّبَرْجَد، مُكلَّل بالنُّور، ولي جناحان مُرْسَلان في التخوم - زاد أبو الشيخ: «بين رِجْلَيَّ» - وإنَّ أدنى ما أكونُ من ربي ﷻ أَنَّ بيني وبينه سبعون ألفَ حِجابِ عَماء - وفي رواية أبي الشيخ: «غمام» - وسبعون ألف حجاب نور، وسبعون ألف حجاب بحور، كلُّها مُطَاع ثمَّ أمين على ما اأتمن الله - تعالى - عليه» ثم ذهب.

стр. 185

ثم جاء، فقال: «يا محمد، إنَّ خير بقاع الأرض المساجد، وأحَبُّ أهلها إلى الله أوَّلُ داخل وآخِرُ خارج، وإن أبغض البقاع إلى الله الأسواق، مدائن إبليس، يَغْدُو فَيَضَعُ كُرْسِيَّه، ويَرْكُزُ رايته، يصيح في جنوده: أغْدوا على مَنْ مات أبوه، وأبوكم حي، فبين مُطَفِّفٍ في قَفِيز، وبين باخس في ميزانه - زاد أبو الشيخ: «وبين باخس في ذَرْع» ـ، قالا: وبين كاذب في سلعة، وبين حالف في يمين كاذبة، وإنَّ أبغض أهلها إلى الله: أولهم داخلًا وآخِرُهم خارجًا. وأما الصليعاء: فأرضُ سَبْحَةٌ، لا يَجِفُّ تُرابُها، ولا يَنبُتُ مَرْعاها. وأما القريعاء: فأرضُ لعنها الله، إذا أُنْبِتَتْ أو زُرِعَ فيها، نَبَتَ في حافتيها، ولم ينبت في متنها شيء. وأما ما ذكَرْتَ من قواعد الإسلام: فشهادة أن لا إله إلا الله، وأنَّ محمدًا رسولُ الله، وإقامُ الصَّلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، والاغتسال من الجنابة، وحج البيت، وبِرُّ الوالدين، والنَّهْيُ عن قتل المؤمن وانتهاك حرمته، وأداء الأمانة». فقال الأعرابي: حقًا لأَدْعُوَنَّ قومي إليك، وأَسْلَمَ (١). هذا حديث غريب جدًا، حسَنُ السّياق، لا أعرفه هكذا إلا بهذا الاسناد من هذا الوجه. ولرجل من بني عامر أيضًا أسئلة عن النَّبيِّ ﷺ ، يرويها شَدَّادُ بنُ أَوْسٍ ﵁، نذكر ذلك في مسنده إن شاء الله - تعالى - (٢). وقوله (فحله لي) أي: صفه لي، والحِلْيةُ: الصفة.

стр. 186

و (المُتثَنِّي) الذاهبُ طُولًا، يُسْتَعْمَلُ في طويل لا عَرْضَ له، لا يَسْتَمْسِكُ طوله من غيرِ عَرْض، كأنه ينحني. وقوله (إذا احتبى إليه رجُلٌ) مِنْ عادة العرب إذا جلس أحدهم مُتمكِّنًا أَنْ يَحْتَبِيَ بثَوْبِه، فإذا أراد أن يقومَ حَلَّ حَبُوتَه، يعني: إذا جلس إليه رجُلٌ لم يَقُمْ من عنده حتى يكونَ الرَّجُلُ هو الذي يَبْدأُ بالقيام. والأريب: العاقل. والعماء، والغمام: السَّحاب الأبيض. وقوله (حقًا) أي: إِنَّكَ لَرسولُ الله حقًا، أو ما في معناه. ٣١ - أخبرنا أبو علي الحسَنُ بنُ أحمدَ الحَدَّادُ ﵀ قراءة عليه، أو إجازة منه لي، قال حدثنا أبو نُعَيم أحمدُ بنُ عبدِ الله بن إسحاق في جمادى الآخِرَةِ من سنة أربع وعشرين وأربع مئة، قال: حدثنا سليمان بن أحمدَ بنِ أَيُّوبَ، قال: حدثنا محمد بن زكريا الغَلَابِيُّ، قال: حدثنا شُعَيبُ بنُ واقدِ الصَّفَارُ، قال: حدثنا أبان بن عثمان، عن أبانَ بنِ تَغْلِبٍ، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄ قال: حدثني علي بن أبي طالب ﵁ قال: لما أمر الله رسوله ﷺ أَنْ يَعْرِضَ نفسه على قبائل العرب، خرج وأنا معه وأبو بكر [إلى منى] (١)، حتى دفعنا (٢) إلى مجلس من مجالس العرب، فتقدم أبو بكر ﵁ فسلَّم. قال علي ﵁: وكان أبو بكرٍ مُقَدَّمًا في كل خير، وكان رجلًا نسابة. فقال: مِمَّنْ القوم؟ قالوا: مِنْ ربيعةَ بن نِزارٍ، قال: ومن أي ربيعة أنتم؟ أَمِنْ هامِها أم من لَهازِمِها؟ قالوا: بل من هامتها العُظمى. قال: وأي هامتها العظمى أنتم؟ قالوا: ذُهل الأكبر.

стр. 187

قال: أَمِنكُمْ عَوْفُ بنُ مُحلِّمِ الَّذي يُقال له: لا حُرَّ بوادي عَوْفٍ؟ (١) قالوا: لا. قال: فمِنْكُم بسطام بن قيس (٢)، أبو اللواء، ومُنْتَهى الأحياء؟ قالوا: لا. قال: فَمِنْكُم جَسَّاسُ بنُ مُرَّةَ (٣)، حامي الذّمار، ومانع الجار؟ قالوا: لا. قال: فمِنْكُم الحوفزان بنُ شَرِيك (٤)، قاتل الملوك، وسالِبُها أَنفُسَها؟ قالوا: لا. قال: فمِنْكُم المُزْدَلِفُ صاحب العمامة الفردة؟ (٥) قالوا: لا. قال: فمِنْكُم أخوال الملوكِ مِنْ كِنْدةَ؟ قالوا: لا. قال: فمِنْكُم أَصهار الملوكِ مِنْ لَحْم؟ قالوا: لا. فقال أبو بكر ﵁: فَلَسْتُم بِذُهل الأكبر، أنتم ذُهل الأصغر. فقام إليه غلام من بني شَيْبان حين بَقَل وجهه، يُقال له: دَغْفَلُ. وفي غير هذه الرواية: فأخذَ بزمام (٦) ناقة أبي بكر ﵁ فقال:

стр. 188

إنَّ على صاحبنا أن نسأله … والعِبْءُ لا تعرفه أو تحمله (١) وفي غير هذه الرواية: . . . . . . . . . . . . … والحيُّ لا يَعْرِفُ عبد عمله. ثم قال الفتى: يا هذا، إنك قد سأَلْتَنا فأخبَرْناك، ولم نَكْتُمْكَ شيئًا، فمِمَّنْ الرَّجُل؟ فقال أبو بكر ﵁: من قريش. فقال الغلام: بَحْ بَخِ، أهلُ الشَّرَفِ والرِّياسةِ. وفي غير هذه الرواية: وأزمة العرب وهاديها. فمِنْ أي القريشيين أنت؟ قال: مِنْ ولدِ تَيْمِ بنِ مُرَّةَ. فقال: أَمْكَنْتَ - والله - الرَّامِيَ مِنْ سواءِ الثَّغْرةِ. فمِنْكُم قُصَيُّ بنُ كِلابِ الذي جمع القبائلَ مِنْ فِهْرٍ، فكان يُدْعَى مُجَمِّعًا؟ قال: لا. وفي غير هذه الرواية عن الطبراني أيضًا: أفَمِنْكُم قُصَيُّ الذي قتل بمكة المُتَغلبين عليها، وأَجْلَى بقيَّتَهُم، وجمع قومه من كلِّ أَوْبِ حتى أَوْطَنَهُم مَكَّةَ، ثم استولى على الدار، ونزَّل قريشًا منازلها، فَسَمَّتْه العرب بذلك مُجَمِّعًا؟ وفيه يقول الشاعر لبني عبد مناف: أليس أبوكم كان يُدْعَى مُجَمِّعا … به جمع الله القبائل من فهر قال له: لا. قال: فمِنْكُم عبد مناف الذي انتهت إليه الوصايا وأبو العطاريف السادة؟ قال له: لا. قال: فمِنْكُم عَمْرُو بنُ عبدِ مَنافٍ هاشِمُ الذي هشَمَ الثَّرِيدَ لقومه وأهل مكَّةَ والموسم، وفيه يقول الشاعر:

стр. 189

عَمْرُو العُلَى هَشَمَ الشَّرِيدَ لقومه … ورجالُ مكَّةَ مُسْنِتون عِجَافُ سنوا إليه الرحلتين كليهما … عند الشتاء، ورحلة الأضياف كانت قريش بَيْضةً فتفَلَّقَتْ … فالمُحُ خالصةٌ لِعَبْدِ مَناف الرائشين، وليس يعرف رائس … والقائلين هلم للأضياف والضاربين الكبس يَبْرُقُ بَيْضُه … والمانعين البيض بالأسياف للهِ دَرُّكَ لو نزَلْتَ بِدارِهم … منعوك من ذُلّ ومن إقراف إلى هنا زيادة، وإنما في روايتنا: قال: فمِنْكُم هاشم الذي هشَمَ الشَّريدَ لقومه، ورجالُ مكَّةَ مُسْنِتونَ عجاف؟ قال: لا، وليس فيها ذكر عبد مناف. قال: فمِنْكُم شَيْبَةُ الحَمْدِ عبدُ المُطَّلِب، مُطْعِمُ طَيْرِ السَّماء، الذي كان وجهه كأنه القمرُ يُضِيءُ فِي اللَّيْلَةِ الظُّلْماء؟ وفي غير هذه الرواية: قال: مُطْعِمُ طير (١) السَّماءِ والوحوش (٢) والسباع، وصاحبُ عَيْنِ مَكَّةَ؟ قال: لا. قال: فمن أهل الإفاضة بالنَّاسِ أنت؟ قال: لا. قال: فمن أهل الندوة أنت؟ قال: لا. قال: فمن أهل السِّقاية أنت؟ قال: لا. قال: فمن أهل الرِّفادةِ أنت؟ قال: لا. قال: فمن أهل الحجابة أنت؟ قال: لا. قال: فاجْتَذبَ أبو بكر ﵁ زمام الناقة، ورجع إلى رسول الله ﷺ ، فأنشأ الفتى يقول: صادف دَرْءَ السَّيْلِ دَرْءٌ يَرْدَعُهُ … يَهِيضُه حِينًا، وحينًا يَصْدَعُهُ وفي غير هذه الرواية:

стр. 190

. . . . . . . . … يَخْفِضُ منه مرَّةً، ويَرْفَعُه أَمَا - والله - لو ثبت، وفي غير هذه الرواية (١): لو ثبت يا أخا قريش، لخَبَّرْتُكَ أَنَّكَ مِنْ زَمَعاتِ قريش، ولَسْتَ مِنْ الذَّوائب (٢) - إلى هنا زيادة -. فتبسم رسول الله ﷺ . قال علي ﵁: فقلت: يا أبا بكر، لقد وقَعْتَ مِنْ الأعرابي على باقعة، فقال: أجَلْ أبا حسن، ما مِنْ طَامَّةٍ إلا وفوقها طامَّةٌ، والبَلاءُ مُؤكَلُ بالمنطق. قال: ثم دفعنا (٣) إلى مجلس آخر، عليهم السكينة والوقار، فتقدم أبو بكر ﵁ فسلم. قال علي الله: وكان أبو بكر مُقدَّمًا في كلِّ خير، فقال: ممَّن القوم؟ قالوا: مِنْ شَيْبَانَ بنِ ثعلبة، فالتفت أبو بكر ﵁ إلى رسول الله ﷺ فقال: بأبي وأمي، ما وراء هؤلاء عِزُّ في قومهم، وفيهم: مَفْروقُ بنُ عَمْرِو (٤)، وهانئ بنُ قَبِيصة (٥)، والمُثنّى بن حارثة (٦)، والنُّعْمَانُ بنُ

стр. 191

شَرِيكٍ (١)، وكان مَفْرُوقُ بنُ عَمْرٍو قد غلَبَهُم بيانًا ولسانًا، وكانت له غديرتان تَسْقُطان على صَدْرِه، وكان أَدْنى النَّاس من أبي بكر ﵁، فقال أبو بكر ﵁: كيف العدد فيكم؟. فقال: إنا لنزيد على ألف، ولن يُغْلَبَ ألفُ مِنْ قِلَّة. فقال: فكيف المنَعَةُ فيكم؟ فقال مَفْروق: علينا الجَهْد، ولكلِّ قومٍ جَدٌ. فقال أبو بكر ﵁: كيف الحرب بينكم وبين عدوِّكُم؟ فقال مفروق: إنا لأشَدُّ ما نكونُ غضبًا حين نَلْقَى، وأشَدُّ ما نكونُ لقاءً حين نَغْضَب، وإنا لنُؤْثِرُ الجياد على الأولاد، والسّلاحَ على اللقاح، والنَّصْرُ مِنْ عِنْدِ الله يُدِيلُنا مرَّةً، ويُدِيلُ علينا، لعلك أخو قريش؟. فقال أبو بكر ﵁: إن كان بلغكم أنه رسول الله، فها هو ذا. فقال مَفْروق: قد بلغنا أنه يذكر ذلك، ثم التفت إلى رسول الله ﷺ فقال: إلى ما تدعو يا أخا قريش؟. فتقدم رسول الله ﷺ فجلس، وقام أبو بكر ﵁ (٢) يُظلُّه بثوبه. فقال ﷺ : «أدعوكم إلى شهادةِ أَنْ لا إله إلا الله، وأني رسول الله، وأَنْ تُؤْوُوني، وتمنعوني، وتنصروني، حتى أُؤَدِّيَ عن الله الذي أمرني به، فإنَّ قريشًا قد تظاهرت على أمر الله وكذَّبَتْ رُسُلَه، واستَغْنَتْ بالباطل عن الحق، والله هو الغني الحميد». فقال مفروق: وإلى ما تدعو أيضًا يا أخا قريش؟ فتلا رسول الله ﷺ : ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ إلى قوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾، وفي غير هذه

стр. 192

الرواية إلى قوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (١). قال مفروق: وإلى ما تدعو أيضًا يا أخا قريش، فوالله ما هذا من كلام أهل الأرض، فلو كان من كلامهم لعرفناه. فتلا رسول الله ﷺ : ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ﴾ الآية (٢). فقال: دعوت - والله - يا قُرَشِيُّ إلى مكارم الأخلاق، ومحاسن الأعمال، ولقد أَفَكَ قومٌ كذَّبُوكَ وظاهَرُوا عليك، وكأنه أحبَّ أن يَشْرَكَهُ في الكلام هاني بن قبيصة، فقال: وهذا هانئ بنُ قَبِيصة شيخنا وصاحب ديننا. فقال هاني: قد سمعْتُ مقالتك يا أخا قريش، وصدَّقْتُ قولَك، وأعجبني ما تكلَّمْتَ به، واستَحْسَنْتُ ذلك، وإني أرى أنَّ تَرْكَنا ديننا، واتّباعَنا إِيَّاكَ على دينك، لمجلس جلسته إلينا ليس له أوَّلٌ ولا آخِرُ، لم نُفَكِّر في أمرك، وننظُرْ في عاقبة ما تدعونا إليه، زَلَّةٌ في الرَّأْي، وطيشة في العقل، وقِلَّةُ نظرٍ في العاقبة، وإنما تكون الزَّلَّةُ مع العجَلَة، ومن ورائنا قومٌ نَكْرَه أَنْ نَعْقِدَ عليهم عَقْدًا، ولكن نَرْجِعُ وتَرْجِعُ، ونَنْظُر وتَنْظُر، وكأنه أحَبَّ أَنْ يَشْرَكَهُ في الكلام المثنى بن حارثة، فقال: وهذا المُثَنَّى بن حارثة شيخُنا، وصاحبُ حَرْبِنا. فقال المُثنَّى: قد سمِعْتُ مقالتك يا أخا قريش، وأعجبني قولك، واستحسنْتُ ما تكلَّمْتَ به، والجواب هو جواب هاني بن قَبِيصة في تَرْكِنا ديننا.

стр. 193

واتباعنا إياك على دينك لمجلس جلَسْتَه إلينا، وإِنَّا إِنَّما نَزَلْنا بين صِيرَيْن: اليمامة، والشمامة (١). فقال له رسول الله ﷺ : «وما هذان الصيران؟» فقال: أنهار كسرى، ومياه العرب. وفي غير هذه الرواية: قال: أما أحدهما: فطفوفُ البَرِّ، وأرض العرب، وأما الآخَرُ: فأرضُ فارس، وأنهارُ كسرى. نزَلْنا بينهما، فأما ما كان من أنهار كسرى، فذَنْبُ صاحبه غير مغفور، وعُذْرُه غير مقبول، وأما ما كان من مياه العرب، فذَنْبُ صاحبه مغفور، وعُذْرُه مقبول (٢)، وإنا إنما نزَلْنا على عهد أخذه كسرى أن لا نُحْدِثَ حدثًا ولا نُؤْوِي مُحْدِثًا، وإني أرى يا قُرَشِيُّ أنَّ هذا الأمر الذي تدعو إليه مما تَكْرَهُه الملوك، فإِنْ رضِيتَ أَنْ نُؤْوِيَك ونَنْصُرَكَ مما يلي مياه العرب فعلنا. فقال رسول الله ﷺ : «ما أَسَأْتُم الرَّدَّ إِذْ أَفصَحْتُم بالصِّدْقِ، وَإِنَّ دين الله ل لا يَنْصُره إلا من حاطه من جميع جوانبه، أرأيتم إن لم تَلْبَثُوا إلا قليلًا حتى يُورِثَكُم الله - تعالى - أرضهم وديارهم وأموالهم، ويُفْرِشَكُمْ نساءَهُم، أَتُسَبِّحون الله - تعالى - وتُقدّسونه؟». فقال النُّعْمانُ بنُ شَرِيك: اللهم، وإنَّ ذلك لك يا أخا قريش؟!. فتلا رسول الله ﷺ ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٥] ثم نهض رسول الله ﷺ قابضًا على يد أبي بكر ﵁. قال علي ﵁: ثم التفت إليَّ رسولُ الله ﷺ ، فقال: «يا عليُّ، أَيَّةُ

стр. 194

أخلاق للعرب في الجاهلية، ما أشرفها! بها يدفع الله بأس بعضهم عن بعض، وبها يتحاجَزُون فيما بينهم، وبها يتجازَوْن في الحياة الدُّنيا». ثم دفعنا (١) إلى مجلس الأوس والخزرج، فما نهضنا حتى بايَعُوا النَّبِيَّ ﷺ ، قال علي ﵁: وكانوا صُدُقًا صُبُرًا، فَسُرَّ رسول الله ﷺ بما رأى من معرفة أبي بكر ﵁ بأنسابهم. فلم يَلْبَثْ رسول الله ﷺ إلا يسيرًا حتى خرج إلى أصحابه، فقال لهم: «أدعو الله - تعالى - لإخوانكم من ربيعة فقد أحاطت بهم اليوم أبناء فارس». ثم دخل رسول الله ﷺ هـ منزله، فلم يَلْبَثْ إلا يسيرًا حتى خرج إلى أصحابه، فقال لهم: «اِحْمَدُوا الله - تعالى - كثيرًا، فقد ظهَرَتْ اليوم أبناء ربيعة بأهل فارس، قتلوا ملوكهم، واستباحوا عسكرهم، وبي نُصِروا» (٢).

стр. 195

وكان الوَقْعَةُ بِقُراقِرٍ إِلى جَنْبِ ذي قار، وفيها يقول الأَعْشَى (١): فدى لبني ذُهْلِ بنِ شَيْبان ناقتي … وراكبها يوم اللقاء وقلَّتِ هُمُ ضربوا بالحِنْوِ حِنْوِ قُراقِرٍ … مُقدِّمة الهامَرْزِ حتى تَوَلَّتِ فلِلَّه عَيْنا مَنْ رأى من فوارس … كأُهْلِ بنِ شَيْبَانِ بها يوم بَزَّتِ أتَتْنا من البيضاء يَبْرُق بَيْضُها … وقد رُفِعَتْ راياتها فاستقلت فثاروا وثُرْنا والمَنِيَّةُ بيننا … وكانت علينا غَمْرةً فتجَلَّتِ (٢) هذا حديث عزيز حسَنُ السِّياق، لا أعرفه إلا من حديث أبان بن عثمان، ولا أعرف أبانًا هذا إلا في هذا الإسناد، منهم من قال له: البجلي، ومنهم من

стр. 196

قال: الأحمر، وقال محمَّد بنُ بِشْر: عن أبان بن عبد الله البجلي (١). وأبان بن عبد الله البجلي من شيوخ الثوري ونحوه، من أهل الكوفة (٢). وقع لنا عاليًا من هذا الوجه، رواه أبو الشيخ (٣) عن أبي العباس الهروي، عن إبراهيم بن يعقوبَ الجُوزَجاني، عن علي بن سعيد، عن إسماعيل بن مهرانَ السَّكُوني، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر السكري (٤)، عن أبان بن عثمان، فكأني سمعته مع أبي الشيخ من شيخه. وكذلك رواه أبو بكر بن مَرْدُويَه، عن أحمدَ بنِ محمد بنِ السَّرِي، عن إسحاق بن يحيى بن محمد بن بشير الدَّهقان، عن يحيى بن زكريا اللُّؤْلُؤي، عن إسماعيل بن مهران. ورواه محمد بن إسحاقَ السَّراجُ، عن عبدِ الجَبَّارِ بن كثير الرَّقِّي عن محمد بنِ بِشْرٍ، عن أبانِ بنِ عبدِ الله البَجَليّ، عن أبانِ بنِ تَغْلِب. وأورده الطبراني ﵀ في عِدَّةِ كتب له باختلاف الألفاظ، كأنه رواه حفظًا. فأما قوله (دفعنا) أي: دفعنا المسيرُ وأَوْصَلَنا. والنسابة: العالم بالأنساب، والتاء للمبالغة، أي: المتبحر فيه جدًا.

стр. 197

والهام: جمع الهامة، وهو أعلى الرأس، ووسطه، وهامَةُ القوم: سيدهم. واللهازم: جمع اللهزمة، وهي أصل الحنَكِ. أي: من أشراف القبيلة أنتَ أو من أَوْساطها، والعربُ تُشَبِّهُ النَّسَبَ بالجَسَدِ، فتُعَبِّرُ عنه بالأعضاء، كالبطن والفخذ ونحوهما في القُرْبِ والبَعْد. وقوله (لا حُرَّ بوادي عَوْفٍ؟) مثَلٌ يُضْرَبُ لمن يَذُلُّ له السادة، ويخضع له الأعِزَّة، قيل: ضربه المنذر ابن ماءِ السَّماءِ (١) لِعَوْفٍ هذا، أي: لا أَمْرَ لأَحَدٍ معه، ولا تَصَرُّفَ لأحَدٍ في حضوره، وقيل: بل إنه كان يَقْتُل الأسارى ولا يُعْتِقُهم، فأُرْسِلَ هذا المثَلُ مِنْ أَجْلِ ذلك، أي: لا يَبْقَى أسيرٌ حَلَّ بواديه (٢). وقوله (أو تَحْمِلَه) انتصب بإضمار أَنْ، القائم (أو) مقامه، في تقدير: إلى أَنْ، أو: إلَّا أَنْ. وقوله (حين بقل وجهه) أي: كان يومئذ أوّل ما نبتَ الشَّعرُ في وجهه. ودَغْفَل (٣): هو النَّسَّابة، مشهور فيما بين العرب بمعرفة أنسابهم. و (العِبْء) الحمل الثقيل، أي: لا تَعْرِفُ ثِقْلَ الشَّيء إلا بعد حَمْلِه، ولا

стр. 198

يَعْرِفُه مَنْ بَعُدَ عنه، وهذا مثَل (١)، أي: أُرِيدُ أن أَسْبُرَكَ، وأسأل عن نسبك كما سألتني. وقوله (والحيُّ لا يَعْرِفُ عبد عمله) أي: كلُّ أحدٍ يَعْلَمُ مِنْ حاله ما لا يَعْلَمُه غيرُه، ولم يَعْرِفْ أحدٌ مِنْ نسَبِي ما عرفته، فصدَقْتُكَ عن ذلك. والأَزِمَّة: جمع الزمام، أي: هم قادة العرب يقودونهم حيث شاؤوا، كما أن البعير يُقاد بالزمام. وهادي الشَّيء: مُقَدَّمُه، وما يَهْديه لِيَتْبَعَه. و (سواء الثغرة) وسط النَّحْر، أي: إذا صدَقْتَني عن نسبك فما أمكنني من قول قُلْتُه فيك. و (أَجْلى) أَخْرَج. و (مِنْ كُلِّ أَوْب) أي: مِنْ كُلِّ مَرْجِع وكل موضع خرَجُوا إليه. وقوله (وأوطنهم مكَّةَ) أي: جعلها لهم وطنًا ومسكنًا. و (الغطاريف) السادة أيضًا. و (هَشَم) كسر. والمُسْنِتُون: الذين أصابَتْهُم السَّنَةُ - وهي: القحط - ووقعوا فيها. والعجاف: الهَزْلَى، جمع: أَعْجف، وقيل: هو جمع لا ثاني له في البناء. و (سَنُّوا إليه) ساروا إليه. وتفَلَّقَتْ: انشقَّتْ. والمُحُ: بالحاء المهملة أجودها هنا؛ لاقترانها بالبيضة، وهي: صفرتها.

стр. 199

والرائشون: المُصْلِحون لأحوال الناس، المُعطون إيَّاهم. و (هَلُمَّ) أي: تعال. و (الكبشُ) الرئيسُ السيِّدُ. والبيض: جمع بَيْضَةِ الحديدِ، و (البَيْض) كناية عن النِّساء، جمع بين البيض والبيض في البيت. والإقرافُ: لزوم العيب. و (شَيْبَةُ الحَمْدِ) - بالإضافة -: لقَبُ عبد المطلب، وهو الذي حفر زمزم بعد دروسه، فلهذا قال: (صاحبُ عَيْنِ مكَّة). وصاحب (الإفاضة) الذي يُفِيضُ بالنَّاس من عرفات كالخفير لهم. وصاحبُ (النَّدْوةِ) الذي يَنْدُون - أي: يجتمعون - عنده، يتشاورون في الأمر، ودار الندوة منه. و (أهل السِّقاية) يعني: سقاية الحرم التي يَسْتَقِي منها الحاج. و (الرفادة) الإعطاء، كانوا يجمعون للحاج شيئًا يُعطونهم إياه. و (الحجابة) حجابة الكعبة، وهي لصاحب مفتاح الكعبة. وكلُّ خَصْلةٍ من هذه الخصال كانت إلى قومٍ مُعَيَّنين من أشراف قريش، بها كانوا يتبجحون، ولها يُكرمون. وقوله (صادَفَ) أي: وجد. و (دَرْء السَّيْل) بناء يُبْنَى حوالَيْ مَجْرى السَّيْل، يُدْفَعُ به عن مواضع يريدونها. والرَّدْعُ: الزَّجْر. وهذا (١) مثل يُضْرَبُ لمن ظلم ظالمًا، أو غلَب مُغَالبًا.

стр. 200

والهيض: الكسر. والصَّدْع: الشَّقُّ. والزَّمَعات: جمعُ الزَّمَعةِ، وهي التَّلْعةُ الصَّغيرة. و (الذوائب) جمعُ الذُّؤابة، وهي: ما أشرف من الجبال، ومنه: ذُؤابة الشعر (١). والباقعة: الرَّجُلِ الكَيْسُ الحَذِر. والطامة: الشَّديدة التي تَغْلِبُ كلَّ أَحَدٍ. والجَدُّ: الحَظ. و (الجياد) الأفراس. و (اللقاح) النُّوقُ ذواتُ الدَّرِّ. و (يُدِيلُنا) أي: يَنْصُرُنا. وجلوس رسول الله ﷺ قبل الكلام دليل أن مجلس الوَعْظِ والحكمة ينبغي أن يكون فيه سكونٌ وتُؤَدَةٌ وتمكُن، ومن ذلك: نَهْيُه ﷺ أَنْ يَقْضِيَ القاضي وهو غَضْبانُ (٢). وفي قيام أبي بكر ﵁ يُظلُّه: دليل على احترام أولي الأقْدارِ والمُقَدَّمين، وتخصيصهم بالإكرام، لا سيما إذا كان عند الأجانب. والتظاهر: التعاون، وقولُه (تظاهرَتْ على أَمْرِ الله - تعالى) أي: تعاونوا على أَنْ يَرُدُّوه. وقوله (ما هذا من كلام أهل الأرض) دليلٌ أَنَّ الفُصحاء من العرب كان لهم ذَوْقٌ يَعْرِفون به معجزة كلام الحقِّ، ولهذا [حين] (٣) تحداهم بقوله :

стр. 201

﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ﴾ [يونس: ٣٨] عجزوا عنه مع فصاحتهم، وقدرتهم على الكلام، لِعِلْمِهم بأنَّ كلام الله - تعالى - له صيغةٌ وذَوْقٌ لا يَقْدِرون على الإتيان بمِثْلِه، وإِنْ كان لا يُقْدَرُ أَنْ يُعَبَّرَ عنه، وأنه كما لا مِثْلَ لذاته و لا شِبْهَ لكلامه وصفاته، خلافًا لما تدَّعِيه الدَّهْرِيَّةُ (١) أهل الزندقة. و (أَفَك) أي: صَرَف عن الحق، ومنع منه. والطيشة: خِفَّةُ العقل. والصّير: الشَّقُّ، أي: أرضنا بين ناحيتين. والطفوف: جمع الطَّفٌ، وهو المكان المرتفع، أي: أرض العرب قفار مرتفعة لا ماء بها. وأفصح أي: بين، وأظهر. وحاطه: رعاه وحفظه. وقوله (اللهم) هذه الكلمة تستعمل في موضع الاستثناء، أي: إلا أن يكون الأمر كما تقول. وقوله (أَيَّةُ أخلاق) قاله تعجبًا، أي: ما أعجبها!. والتحاجز: التدافع. وذُوقار: موضع بين الكوفة والبصرة (٢).

стр. 202

و (قراقر) قيل: ماء لبني كلب (١). وقوله (وَقَلَّتْ) أي: قَلَّتْ ناقتي أن تكون فداءً لهم. والحنو: الناحية. والمقدمة - بالكسر -: الذين تقدموا بين يدي العسكر. و (الهامرز) لعله أراد به الهرمزان، لأنَّ العرب تتصرف في الأسماء الأعجمية بلغاتها (٢). و (بَزَّت) - بفتح الباء - أي: سلبَتْ وغلبَتْ، مِنْ قولهم: مَنْ عَزَّ بَزَّ. والغَمْرةُ: الشِّدَّة، وتجليها: ذهابها. وفي الحديث: معجزة للنَّبيِّ ﷺ حيث أخبرهم إذ قال: «أرأيتم إن لم تلبثوا إلا قليلًا حتى يُورِثُكُم الله - تعالى - أَرْضَهم وديارَهُم». وأيضًا: حين عرف وقت إحاطة أبناء فارس بهم، وحين ظهروا على أبناء فارس، مع بُعْدِ ما بينهم وبين النَّبِيِّ ﷺ . ٣٢ - أخبرنا الشيخ أبو بكر محمد بن أبي نَصْرِ الحافظ ﷺ قراءة عليه (٣)، قال: أخبرنا أبو حفص بن أبي عُمر الفقيه، قال: أخبرنا محمَّدُ بنُ أبي عليّ المُعَدَّلُ، قال: أخبرنا عبد الله بن محمد بنِ عُمر، قال: أخبرنا أبو علي الحسَنُ بنُ علي بن يونُسَ، قال: حدثنا محمد بن عبد الله المكي، قال: أخبرني جدّي أحمد بن محمد، قال: حدثني محمد بن يحيى، عن الثقة، عن محمد بن إسحاق، ح.

стр. 203

وأخبرنا أبو الفتح محمد بن عبد الله بن أحمد ﵀ إذنًا، قال: أخبرنا أحمد بن عبد الله إجازة، قال: حدثنا سليمان بن أحمد، قال: حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، قال: حدثنا جعفر بن مهران. قال أحمد: وحدثنا أحمد بن إسحاق، قال: حدثنا أبو بكر بن أبي عاصم، قال: حدثنا أبو مسعودٍ عَمْرُو بنُ مسعودٍ الجَحْدَرِيُّ أخو الصَّلت. قالا: حدثنا عبد الأعلى بنُ عبدِ الأعلى السَّامِيُّ، عن محمد بن إسحاق، عن يزيد بن أبي حبيب، عن مَرْثَدِ بنِ عبدِ الله اليَزَني، عن عبد الله بن زُرَيرٍ الغافقي، قال: سَمِعْتُ عليَّ بن أبي طالب ﵁ يُحدِّثُ عن حفر زمزم، فقال: بينما عبدُ المُطَّلِبِ نائم في الحِجْر، إِذْ أتاه آت فقال: اِحْفِرْ بَرَّة، قال: وما بَرَّة؟ ثم ذهب عنه، فلما استيقظ أخبر رجالًا من قومه بما كان، فقالوا له: إذا كانَ الغَدُ فَعُدْ إلى مَضْجَعِكَ، فإِنْ كان حقًا فَسَيُعاد لك، حتى إذا كان الغَدُ نام في مَضْجَعِه، فقيل له: اِحْفِرْ ظَبْيةَ، قال: وما ظَبْيَة - وفَزِعَ؟!، ثم عاد إلى موضعه، فقيل له: اِحْفِرُ المَضْنُونة، ثم ذهب عنه، ثم عاد إلى موضعه فنام، فقيل له: اِحْفِرْ زمزم، قال: وما زَمْزَمُ؟ قال: لا تُنْزَحُ ولا تُذَمُّ - زاد في رواية ابن يونس: تَسْقِي الحجيج الأعظم - حَفِيرة آبائك إبراهيم وإسماعيل، قال: وأين هي؟ قال: بين الفَرْثِ والدَّمِ، عند قريةِ النَّمْل. فأتى قريشًا، فقال: قد نُعِتَ لي حَفْرُ البئرِ التي أُمِرْتُ (١) بحَفْرِها. قال: ولم يكُن لعبد المُطَّلِبِ ولد يومئذٍ إلا الحارث، قال: فغدا بمِعْوَلِه، وغدا معه ابنه الحارث، قال: وقريش مُشْتَبِكةٌ ينظرون ما يَصْنَعُ، فحفر، فلم يَنْشَبْ أن انتهى إلى الطَّوِيِّ، فلما كَفَّ عنه قالت قريش: هذا طَوِيُّ أبينا إسماعيل، فلَسْتَ بأحق به مِنَّا، لَمُشارِكنَّكَ في حَفْرِها وولايتها، فقال: ما ذاك لكم، فقد عرَفْتُم أنَّ هذا شيءٌ خُصِصْتُ به، دونكم، فقالوا: لا والله، لا نُخَلِّي بينك وبينها حتى نُخاصِمَكَ فيها، قال: فاجعلوا بيني وبينكم مَنْ شِئْتُم، فقالوا:

стр. 204

كاهِنَةُ بني سَعْد - وكانَتْ بأشرافِ الشَّام - قال: فهي بيني وبينكم، قال: فوقف. وترحل القوم فخرجوا، حتى إذا كانوا بفلاةٍ من الأرض بين الشام وبين مكة، فَنِيَ ماء عبد المطلب وأصحابه، وظَمِنُوا ظمًا شديدًا، حتى أيقنوا بالهلكة، قال: وقد كان مع خَصْمِه مِنْ قريش فَضْلُ مِنْ ماءٍ فَاسْتَسْقَاهُم، فقالوا: ما نستطيع ذلك، إِنَّا نَخْشَى مِثْلَ الذي أصاب أصحابَكَ، ونحن بِفَلاةٍ كما ترى فقال لأصحابه: ماذا ترَوْنَ؟ قالوا: ما لَنا رأي إلا رأيك، قال: فإِنِّي أَرَى أَنْ يَحْفِرَ كلُّ رَجُلٍ منكم لِنَفْسِهِ حَفِيرةٌ، فإذا مُتُّمْ دَفَنَ الباقي من مات، حتى يَبْقَى آخِرُكم، فضَيْعَةُ رَجُلٍ منكم أَيْسَرُ مِنْ ضَيْعَةِ الرَّكْبِ جميعًا، قال: ففعلوا. ثم قالوا: والله، إِنَّ إلقاءنا بأَيْدِينا هكذا عَجْزُ رأي، لو ضربنا في الأرض لعلَّ الله - تعالى - أَنْ يُغِيثَنا بأَمْرٍ، فأمر أصحابه فارتحلوا، وارتحل ثم ركب، فلما انبعثت به راحلته انفجرَتْ مِنْ تحتِ خُفَها عَينٌ، فأناخ ثم قال: سقاكم الله - تعالى - وأغاثكم قال: فنزل فشَرِب وشربوا، وملؤوا آنيتهم. فقال الرَّكْبُ: إِنَّ عبد المطلب وأصحابه لَيُصيبون من الماء، فناداهم: هَلُمَّ، فإن هذه عين سقاناها الله - تعالى -، فاشْرَبوا واسْقُوا، فقالوا: يا عبد الله، قد - والله - قُضِي لك، إنَّ الذي سقاك هذا الماء بهذه الفلاة، هو الذي سقاك زمزمَ، فارْجِعْ إِلى عَمَلِكَ فإنا غيرُ مُخاصِمِيك، فرجَعُوا ورجع، وما وصلوا إلى الكاهنة. فلما قدم مكَّةَ أقبل على حَفْرِها، فوجد غزالَيْن مِنْ ذَهَبٍ كان جُرْهُمُ دفنهما، وسيوفًا قلعيَّةً ودروعًا، فلما أخرج ذلك قالوا: يا عبد المطلب، أما البِثْرُ فَلَكَ، وأما ما وجَدْتَ فيها فَلَسْتَ بأَحقَّ به مِنَّا، فقال عبد المطلب: هَلُمَّ إلى النصف بيني وبينكم، اِضْرِبوا عليها (١) بالقداح، قالوا: وكيف نصنع؟ قال:

стр. 205

اجعلوا للكعبةِ قِدْحَيْن، ولي قِدْحَيْن، ولكم قِدْحَيْن، فمن خرج قدحاه على شيءٍ كان له، قالوا: أَنْصَفْتَ، فجعل قِدْحَيْن أصفرين للكعبة، وقِدْحَيْن أسودين لعبدِ المُطَّلب، وقِدْحَيْن أبيضين لقريش، ثم جعلوا القداح التي يُضْرَبُ بها عند هُبَل، وقام عبد المطلب يدعو الله ويقول: اللهم أنت الملك المحمود … ربي، وأنت المُبْدِئُ المُعِيد ومُمْسِكُ الراسية الجلمود … من عندك الطَّارِفُ والتَّليد إِنْ شِئْتَ الهَمْتَ لما تُرِيدْ … من موضع الحلية والحديد ثم أُقْرِعَ، فضَربَ صاحب القداح، فخرج سهما الكعبة على الغزالين، وكانت السيوف لعبد المطلب، وكانت الأدراع لقريش، فزعَمُوا أَنَّ الغزالين كانَ أَوَّلَ حِلْيَتِها. هذا لفظ رواية أبي الفتح، وهذا آخِرُ حديثه، وفي الرواية الأخرى: قال: فضرب بالقداح، فخرج الأصفران على الغزالين للكعبة، وخرج الأسودان على الأسياف والدروع لعبد المطلب، وتخلَّفَ قِدْحُ قريش، فضرب عبد المطلب الأسياف على باب الكعبة، وضرب فوقه أحد الغزالين اللَّذَيْنِ مِنْ ذهب، فكان أول ذهب حَلِيَتْ الكعبةُ، وجعلَ الغزال الآخَرَ في بطن الكعبة على الجب، وظهرَتْ زمزم فكانت سقاية الحاج، ففيها يقول مسافر بن أبي عَمْرِو بنِ أُمَيَّةَ بنِ عبدِ شمس، يَمْدحُ عبد المُطَّلِب: فأي مناقب الخيرا … تِ لم يَشْدُدْ بها عَضُدا ألم يَسْقِ الحجيج، ويَنْـ … حَرِ المذلاقة الرفدا وزمزم من أَرُومَتِه … ويملأُ عينَ مَنْ حَسَدا هذه القِصَّةُ مَدارُها على محمد بن إسحاق (١).

стр. 206

وتسميته زمزم بِـ (بَرَّةَ) تشبيهًا لها في كَثْرَةِ منافعها، وسعَةِ مائها بامرأةٍ بَرَّةٍ، أو رجلٍ بَرّ إذا كان واسع الخير. وتسميتها بالـ (ظبية) تشبيهًا لها بالطبية التي هي كالخريطة أو الكيس، يجعل فيها الدنانير والدراهم، وقد يُسَمَّى جِهازُ المرأةِ ظَبية، وهذا كما قال ﷺ في زمزم: «إنها طعامُ طُعْمٍ، وشِفَاءُ سُقْمٍ» (١). و (المضنونة) الخلوق والطَّيبُ، أي: يُضَنُّ به لنفاستِه وعِزَّتِه، وكذلك زمزم، وتقديره: مضنون بها. وسُمِّيَتْ (زمزم) لِكَثْرَةِ مائها، يقال: ماء زمزم: كثيرٌ، وزَمَّ الماءُ: كَثُرَ، وقيل: سُمِّيَتْ به لِصوتِ الماءِ حين ظهَرَ، يقال: ماءٌ زُمازِمٌ، وزُمْزُومٌ: له صوت. وقوله (لا تُنْزَحُ) أي: لا يَنْفَدُ ماؤها بكثرة الاستقاء منها، وبئر نَزُوحٌ: قليلة الماء، وفي رواية (٢):: «لا تَنْزِفُ» وهو بمعناه. (ولا تُذَمُّ): بمعناه (٣) أيضًا، يقال: رَكِيَّةٌ ذَمَّةٌ، أي: قليلة الماء. وقوله (بين الفَرْث والدَّمِ) قيل: كان قد نُحر يومئذ عنده جزورٌ، فَأُلْقِيَ فَرْتُه ودَمُه حوالي البئر، وكانت النَّمْلُ قد اتَّخَذَتْ عنده بيوتًا. وقوله (وقريش مُشْتَبِكةٌ) كذا في الأصل، كأنه يريد به كثرة جَمْعِهم وتزاحمهم عند النَّظَرِ إلى حَفْرِه.

стр. 207

وكذلك قوله (فلما كَفَّ عنه) كأنه أراد لفظة أخرى مكانه. و (لم يَنْشَبْ) أي: لم يَلْبَثْ كثيرًا. و (الطَّوِي) البئر المَطْوِيَّة، وهي التي بُني حواليها بالحجارة ونحوها. وقوله (بأشراف الشام) أي: أعاليها، والمشارف أكثر فيها. وقوله (فوقف) زمزم، أي: أمسك عن حفرها. والسُّيوف القَلْعِيَّةُ منسوبة إلى مَعْدِنٍ أَصْلُها منه (١). و (مُمْسِكُ الرَّاسيةِ الجُلْمود) أي: بأَمْرِكَ رَسَتِ الجبالُ وثَبَتَتْ. وقوله (يَنْحَرُ المِذْلاقةَ الرُّفُدا) المِذْلاقة: النَّاقةُ السَّريعةُ السَّيْرِ، والإذلاق: سُرْعَةُ السَّيْر، والرُّفُد: جمعُ الرَّفُود، وناقةٌ رَفودٌ تَمْلأ في حَلْبَةٍ واحدة الرَّفْدَ، وهو القَدَحُ الكبير أي: يَنْحَرُ النَّاقةَ الموصوفةَ بِسُرْعَةِ السَّيْرِ وَكَثْرَةِ الدَّرِّ عند حضورِ الضَّيْفِ الحُرِّ. والأَرُومةُ: أَصْلُ الشَّجَرَةِ، أي: زمزم إنما ظهرت لآبائه وأصله، وتخصيص حَفْرِها بعبدِ المُطَّلِب لِكَوْنِ النَّبِيِّ ﷺ في صُلْبِه، كرامة ومعجزة له ﷺ . ٣٣ - أخبرنا أبو عليٍّ الحَدَّادُ ﵀ سنة ست وخمس مئة، قال: حدثنا أبو نُعيم أحمد بن عبد الله، قال: حدثنا سليمان بن أحمد إملاء، قال: حدثنا سلامة بن ناهض - هو المَقْدِسِيُّ -، ومحمَّد بنُ الخُزَزِ (٢) - هو الطبراني -، قالا: حدثنا إبراهيم بن الوليد الطَّبَرانيُّ، قال: حدثنا عمر بن إبراهيم الهاشمي، عن عبد الملك بن عُمَيرٍ، عن أسيد بن صفوان ﵁ صاحب

стр. 208

رسول الله ﷺ قال: لما تُوفِّيَ أبو بكر ﵁ سُجُّوه ثوبًا، وارتجَّتْ المدينة بالبكاء، ودَهِشَ النَّاسُ كيوم قبض رسولُ الله ﷺ ، وجاء علي بن أبي طالب ﵁ مُسْرِعًا باكيًا مُسْترجِعًا، وهو يقول: اليومَ انقطعَتْ خِلافةُ النُّبوَّةِ، حتى وقف على باب البيت الذي فيه أبو بكر ﵁. ثم قال: رحمك الله أبا بكرٍ، كُنْتَ أوَّلَ القوم إسلامًا، وأخلصهم إيمانًا، وأكبرهم يقينًا، وأعظمهم غَناءً، وأَحْدَبَهُم على الإسلام، وأحوطهم على رسول الله ﷺ ، وآمنهم على أصحابه، وأحسنَهُم صُحْبة، وأعظمهم مناقب، وأكثرهم سوابق، وأرفعهم درجة، وأقربهم من رسول الله ﷺ ، وأشبههم به هَدْيًا (١) وسَمْتًا وخُلُقًا ودَلًا، أشرفَهُم منزلةً، وأكرمَهُم عليه، وأوثقهم عنده، فجزاك الله عن الإسلام وعن رسوله والمسلمين خيرًا. صدَّقْتَ رسول الله ﷺ حين كذَّبه النَّاسُ، فَسَمَّاكَ رسول الله ﷺ صديقًا، قال الله - تعالى -: ﴿جَاءَ بِالصِّدْقِ﴾ يعني: محمَّدًا ﴿وَصَدَّقَ بِهِ﴾ [الزمر: ٣٣] يعني: أبا بكر. آسَيْتَه حين بخلوا، وكُنْتَ معه حين عنه قعدوا، صحِبْتَه في الشِّدَّةِ أَكْرَمَ صحبة، ثاني اثنين في الغار والمنزل، رفيقه في الهجرة ومواطن الكُرْه، خلَفْتَه في أُمَّتِه بأحسن الخلافة حين ارتَدَّ النَّاسُ، وقُمْتَ بدين الله - تعالى - قيامًا لم يقمه خليفة نبي قبلك، قوِيْتَ حين ضَعُفَ أصحابه، وبرَزْتَ حين استكانوا، ونهَضْتَ حين وهَنُوا، ولزِمْتَ مِنْهاجَ رسول الله ﷺ ، وكُنْتَ خليفته حقًا، لم تُنازَعْ بِرَغْمِ المنافقين وطَعْنِ الحاسدين وكُره الفاسقين وغَيْظِ الكافرين، فقُمْتَ بالأمر حين فشلوا، ومضَيْتَ بنورِ الله حين وقَفُوا، واتَّبَعوكَ فَهُدُوا. كُنْتَ أخفضهم صوتًا، وأعلاهم فُوْقًا، وأقلهم كلامًا، وأصوبَهُم مَنْطِقًا، وأشدهم يقينًا، وأشجعهم قَلْبًا، وأحسنَهُم عَقْلًا، وأعرفهم بالأمور.

стр. 209

كُنْتَ - والله - لِلدِّين يَعْسوبًا، أوَّلًا حين تفرَّقَ النَّاسُ عنه، وآخرًا حين قَلُّوا، كُنْتَ للمؤمنين أبًا رحيمًا إذ صاروا عليك عيالًا، فحمَلْتَ أثقالًا عنها ضَعُفوا، وحفظت ما أضاعوا، ورعَيْتَ ما أهملوا، وشمَّرْتَ إِذْ خَنَعُوا، وصَبَرْتَ إذ جزعُوا، فأدْرَكْتَ أوتار ما طلبوا، ونالوا بك ما لم يَحْتَسِبوا. كُنْتَ على الكافرين عذابًا صَبًّا، وللمؤمنين غيثًا وخِصْبًا، ذهبت بفضائلها، وأَحْرَزْتَ سوابِقَها، لم تُفْلَلْ حُجَّتُك، ولم تَضْعُف بصيرتك، ولم تجبن نفسك ولم تخن، كُنْتَ كالجبَلِ لا تُحرِّكه القواصف، ولا تُزيله الرواجف. كُنْتَ كما قال رسول الله ﷺ : أَمَنَّ النَّاسِ فِي صُحْبَتِكَ وذاتِ يَدِك، وكما قال رسول الله ﷺ : ضعيفًا في بدنك، قويًا في أمر الله - تعالى ـ، متواضعًا في نَفْسِك، عظيمًا عند الله - تعالى -، كبيرًا في الأرض، جليلًا عند المؤمنين، ثم لم يَكُنْ لأحدٍ فيك مَهْمَز، ولا لقائل فيك مَغْمَز، ولا لأحد عندك هوادة، الذليل عندك قوي عزيز حتى تَأْخُذَ له الحقَّ، والقوي العزيز عندك ضعيف حتى تَأْخُذَ منه الحق، القريب والبعيد عندك في ذلك سواء، شَأْنُكَ الحقُّ والصِّدْقُ، وقولُكَ حُكْمٌ وحَتْم (١)، وأَمْرُك غُنْمٌ وعَدْلٌ، ثَبَّتَ الإسلام، وسبَقْتَ - والله - سبقًا بعيدًا، وأتعَبْتَ مَنْ بعدَك تعبًا شديدًا، وفُزْتَ بالخير فوزًا مبينًا، فَجَلَلْتَ عن البكاء، وعَظُمَتْ رَزِيَّتُك في السَّماء، وهدَّتْ مُصِيبتك الأنام، والله لا يُصاب المسلمون بعد رسول الله ﷺ بمِثْلِك. كُنْتَ لِلدِّين عِزًّا وكهفًا، وللمسلمين حضنًا وأُنسًا، وللمنافقين غلظة وغَيْظًا وكظمًا، فألحقك الله - تعالى - بنبيك ﷺ ، ولا حرمنا أَجْرَك، ولا أضلَّنا بعدك، وإنا لله وإنا إليه راجعون (٢).

стр. 210

هذا خبر عال، رواه الطبراني أيضا كما أخبرنا أبو عَلِيٍّ، قال: حدثنا أبو نعيم (١)، قال: حدثنا سليمان بن أحمد، قال: حدثنا إبراهيم بن مُحَمَّد بن الحسن، قال: حدثنا علي بن عيسى الكرا جكي، عن يحيى بن مسعود الأنصاري، عن أبي حفص - هو عمر بن إبراهيم - ح. وأخبرنا أبو عَلِيٍّ أيضا قال: حدثنا أبو نعيم (٢)، قال: حدثنا الحسن بن عَلَّان، قال: حدثنا عبد الله بن أبي داود، قال: حدثنا عَلِيٌّ بن حرب، قال: حدثنا دُلْهَم بن يزيد، قال: حدثنا العوام بن حَوْشَب، عن عمر بن إبراهيم. فكأني رويته عن الطبراني، وعن صاحب ابن أبي داود. ورواه أبو نعيم (٣) أيضا، عن شيخ له، عن المحاملي، عن أحمد بن منصور، عن أحمد بن مصعب، عن عمر.

стр. 211

كأَنِّي سَمِعْتُه مِنْ أبي نعيم. ولا يُعْرَفُ أَسِيدُ هذا إلا في هذا الخبر، وأكثر أصحاب الحديث على أنه بفتح الهمزة وكسر السين، غير أنَّ أبا نُعَيم قال: بضم الهمزة وفتح السين، قال: وبعضُ النَّاس يقول: أَسِيد، يُعَدُّ في الحِجازيين (١)، لا يُعْرَف إلا من حديث عُمر بن إبراهيم، وهو أبو حفص العَبْديُّ، بَصْرِيُّ، صاحبُ مَفاريد، رواه عنه غير واحد (٢). وقوله (سجوه ثوبًا) انتصب ثَوْبًا بنزع الخافض لأنَّ سَجَّى يتعدى بالباء، يقال: سجيته بكذا، أي: غطيته به. و (ارتجَّتْ) اضطربَتْ، أي: مِنْ كَثْرَةِ اضطراب أهلها كأنَّها تَضْطَرِب. و (دَهِشَ النَّاسُ) أي: بهتوا مِنْ شِدَّة حُزْنِهم بموته. وقوله (كيوم قبض) يجوز نصب الميم وكسرها، أما الجَرُّ: فبالكاف الزائدة، وأما النَّصْبُ: فباكتسابها النَّصْبَ مِنْ الفعل المبني المضاف إليه، نظيره قراءةُ مَنْ قرأَ ﴿مِنْ عَذَابِ يومَئِذٍ﴾ بنصب الميم (٣). والغناء - مفتوح ممدود -: الكفاية. (وأَحْدَبُهم) أعطَفُهم وأَشْفِقُهم. (وأَحْوَطُهم) أكثرهم حياطةً، وأشَدُّهم رعاية.

стр. 212

وقوله (وآمنهم) أي: أكثرهم أمانة، وفي رواية أخرى (١): «أيمنهم» من اليمن. وقوله (وأقربهم من رسول الله ﷺ ) يريد به قُرْبَ المنزلة، لا قرابة (٢) النَّسب، وفي غير هذه الرواية: «أقربهم وسيلة» (٣). وأَشْبههم برسول الله ﷺ هَدْيًا، والدَّلُّ: نَحْوُ الهَدْيِ والسيرة. و (آسَيْتَه) من المواساة، وقد يُقال: واسَيْتَه. وقوله (في الغارِ والمَنْزِل) كذا وقع في هذه الرواية، وفي غيرها: «والمُنَزَّل عليه السَّكينة» (٤)، وكأنه الصواب. و (برَزْتَ) ظَهَرْتَ. و (استكانوا) خضَعُوا، وقيل: هو استفعال من الكينة، وهي: الحالة السيئة. و (وهنوا) ضَعُفوا. وقوله (وطَعْنِ الحاسدين) في غير هذه الرواية: «وصغْرِ الحاسدين» (٥) أي: برَغْمِهم. والفوق: أصله فُوْقُ السَّهْمِ، ثم يُسْتَعارُ في الحَقِّ والنَّصِيب الذي هو السَّهْمُ مِنْ الشَّيء، أي: أعلاهم وأكثرهم نصيبًا. واليعسوب: الأمير القائد، وأَصْلُه في النَّحْل.

стр. 213

وقوله (آخرًا حين قَلُّوا) كذا في النسخة، وفي غير هذه الرواية: «حين أقبلوا» (١). وخَنَعَ: خضع وذَلَّ. والصَّبُّ: مصدرٌ بمعنى الصَّابّ. و (لم تُفْلَلْ) لم تُكْسَرْ. والهوادة: مُسالمةٌ مِنْ خوف، وفي غير هذه الرواية: «وَأَمْرُكَ حِلْمٌ وحَزْم، ورَأْيُكَ عِلْمٌ وعَزْم» (٢). وقوله (ثبت الإسلام) في غير هذه الرواية: «ثَبَتَ بك الإسلام» (٣). ومِثْلُ هذا القول أشبه بقول علي ﵁ في أبي بكر ﵁، على رَغْمِ الرافضة الزائغة، خذلهم الله، ورضي عن أبي بكر وعمر. * * * ٣٤ - أخبرنا الحسن بن أحمد أبو علي الحداد بقراءة والدي عليهِ - رحمهما الله - سنة سبع وخمس مئة في ربيع الآخر، قال: حدثنا أحمدُ بنُ عبدِ الله أبو نُعيم، قال: حدثنا فاروق بن عبد الكبير الخطابي بالبصرة، قال: حدثنا إبراهيم بن عبد الله بن مسلم أبو مُسلم الكَشْيُّ، ح. وأخبرنا به نازلًا الإمامُ الزَّاهد أبو الرَّجاء أحمد بن محمد بن عبد العزيز ﵀ بقراءة والدي أيضًا ﵀، قال: أخبرنا عبد الرحمن بن أحمد بن الحسن أبو الفضل الرَّازِيُّ الإمامُ، قدِمَ علينا سنة إحدى وخمسين وأربع مئة، قال: أخبرنا أبو القاسم جعفر بن عبد الله بن يعقوب الرُّوياني قراءةً عليه وأنا أسمع في ذي القعدة سنة ثمانين وثلاث مئة، قال: حدثنا أبوبكر محمد بن هارون الروياني إملاء، قال: حدثنا يحيى بن محمَّد البَصْرِيُّ.

стр. 214

قالا: حدثنا عبد الرحمن بنُ حَمَّادِ بنِ شُعَيثِ الشُّعَيْنِيُّ البَصْرِيُّ، قال: حدثنا أبو عبد الرحمن المدني (١)، عن محمد بن علي، عن أبيه قال: لما أَدْرِكَتْ فاطمة، ح وأخبرنا الأديب أبو الهيجاء فارسُ بنُ بُنجير بن فارس بن يوسف القِرْمِيسيني (٢) فيما كتب إليَّ منها، وقد لَقِيتُه بها وقرأتُ عليه، قال: أخبرنا والدي أبو القاسم بُنْجِير، قال: أخبرنا الخطيب أبو القاسم غريب بن علي بن غريب، قال: أخبرنا الفقيه أبو جعفر محمد بن (٣) أحمد، ح. وأخبرنا أحمد بن محمد بنِ فَضْلُويَة إجازة ومن خطه كتبتُ، قال: أخبرنا أحمد بن عبدِ الغَفَّار، قال: أخبرنا الحُسَينُ بن أحمد بن سعيد. قالا: أخبرنا أبو بكر أحمد بن إبراهيم بن الحسن بن شاذانَ البَزَّازُ قال: حدثنا أبو بكرٍ محمَّد بن الحسنِ العِجْلي، قال: حدثنا الحسن بن محمد الصَفَّارُ الضَّريرُ، قال: حدثنا عبدُ الوَهَّابِ بن جابر، قال: حدثنا محمد بن عمر - وفي رواية ابن فَضْلُويَة: محمَّد بن عُمَير - عن أَيُّوبَ، عن عاصم الأحول، عن ابن سيرين، عن أم سلمة وسلمان الفارسي وعلي بن أبي طالب ﵃ قالوا: لما أدركت فاطمة ﵂ خطبها رجالٌ من قريش، كلما خطبها رجل أعرض رسول الله ﷺ بوجهه عنه، فيبكي الرَّجلُ ويخافُ أن يكونَ أُنْزِلَ فيه شيء. فلقي بعضُهم بعضًا، وشكا بعضُهم إلى بعض ما صنع بهم رسول الله ﷺ ، وكان رجلٌ ممَّنْ خطبها بينه وبين علي ﵁ خاصّيَّةٌ، فقال ذلك الرَّجلُ: أنا

стр. 215

أكفيكم هذا الأمر، أَنْطَلِقُ إلى عليّ فأُهَيِّجُه على أن يَخْطِبَها إليه، فإن هو ردَّه بمِثْلِ ما ردَّنا فالأمر فيه واحدٌ، يَنْتَظِرُ فيها أمر الله، وإن زوجه فعليه كان يَحْبِسُها. فانطلق الرجلُ إلى عليّ ﵁ وعلي في حائط له، يَنْضَحُ على نخل له، فقال الرَّجلُ: يا عليُّ، والله ما من خصال الخير خصلة إلا وقد نلتها إلا خصلةً واحدةً، ما أدري ما يَمْنَعُك منها، فقال عليه ﵁: وما هي؟ قال: فاطمة بنتُ رسول الله بنتُ عمّك تَزوَّجُها، فقال علي ﵁: والله لقد حثثتني على أمرٍ إِنْ كُنْتُ عنه لفي غطاء، فقام إلى ربيع البئر فتوضأ منه، ثم أخذ نعليه فعلقهما بيده، ثم قال للرجل: انْطَلِقْ، فانطلقا - ورسول الله ﷺ في بيت أم سلمة ﵂، فدخل على رسول الله ﷺ فسلَّم، ثم قال: يا رسول الله، أنا من قد عرفت قرابتي وصُحْبَتي وبلائي، قال: «صدقت، فما حاجَتُكَ يا علي؟» قال علي ﵁: يا رسول الله، فاطمة بنتُ رسول الله زوّجْنِيها، فتبسم رسول الله ﷺ . قال: «وما عندك يا علي، إذا زوَّجْتُك؟» قال عليه رض الله عنه: يا رسول الله، عندي فرسي ودرعي وناضحي. قال رسول الله ﷺ : «أما فرَسُكَ فلا بُدَّ لك منه تُجاهِدُ في سبيل الله ، وأما ناضحك فلا بُدَّ لك منه على نَخْلِك، وأما دِرْعُك فقد قبلناها وزوجناك، فانطلق فَبِعْها وأْتِنا بِثَمَنِها». فأخذها علي ﵁ فطرحها على عاتقه يريد السُّوق، فمَرَّ بالرَّجُلِ وهو ينتظره، فقال: يا علي ما صنع بك رسول الله ﷺ ؟ (١) فقال: زوَّجَني فاطمة ﵂ على دِرْعي هذا، وأمرني بَيْعِها وأنْ آتِيَه بثمنها، فانطلق الرَّجلُ إلى أصحابه، فقال: قد زوجه - زاد في رواية أبي الرجاء: وما علينا بأس -. وانطلق علي ﵁ فباع - يعني الدِّرْع - بثمانين وأربع مئة درهم - زاد أبو
следующие страницы →