← Книги сунны

Книги сунны · id 30195

الطوالات - لأبي موسى المديني

أبو موسى المديني

Полный текст (962 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

وأخبرنا أبو حفص عمرُ بنُ حَمْدِ بنِ محمَّد الحاجيُّ البَقَالُ (١)، وأبو جعفر محمد بن إبراهيم الويذهندي (٢) -رحمهما الله- قَالا: أخبرنا أبو طاهر أحمدُ بنُ محمود الثَّقَفِيُّ، قال: أخبرنا أبوبكر بن المقرئ إجازة، قال: حدثنا أبو عَروبة الحُسَينُ بنُ محمدِ بنِ مودود بن حَمَّادٍ، قال: حدثنا مُخارِقُ بْنُ مَيْسرة، قال: حدثنا عثمان بن عبد الرحمن، عن أبي هلال، وعَطَافٍ الهمداني، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جده ﵁ عن النَّبيِّ ﷺ أنه قال: «يا علي، إني أُوصِيكَ بوصية فاحفظها؛ فإنك لا تزال بخير ما حفظتها». يا علي، إنَّ للمؤمن ثلاث علامات: الصّيام، والصَّلاةَ، والزَّكَاةَ؛ وإِنَّ للمتكلّف من الرِّجال ثلاث علامات: يتملَّقُ إذا شَهِد، ويغتاب إذا غاب، ويَسْمَتُ بالمصيبة؛ وللظالم ثلاث علامات (٣): يَقْهَرُ مَنْ دونه بالغلبة، ومن فوقه بالمعصية، ويُضاهي الظلمة؛ وللمرائي ثلاث علامات: يَنْشَط إذا كان عند النَّاس، ويَكْسَل إذا كان وحده، ويُحِبُّ أن يُحْمَد في جميع الأرض؛ وللمنافق ثلاث علامات: إن حدَّثَ كذب، وإنِ اؤْتُمِن خان، وإن وعد أخلف؛ وللكسلان ثلاث علامات: يتوانى حتى يُفرِّط، ويُفرِّط حتى يُضيع، ويُضيع حتى يأثم؛ وليس ينبغي للعاقل أن يكون ساعيًا إلا في ثلاث: مَرَمَّةٍ لمعاش (٤)، أو خطوة لمعاد، أو لذة في غير مُحرَّم. يا عليُّ، إِنَّ مِنْ التَّقَى أن لا تُرْضِيَ أحدًا بسخط الله ، ولا تَحْمَدَ أحدًا على ما آتاك الله - تعالى -، ولا تَذُمَّ أحدًا على ما لم يُؤْتِكَ الله - تعالى.

стр. 247

فإِنَّ الرِّزْقَ لَا يَجُرُّه حِرْصُ حريص، ولا يَصْرِفُه كُرْهُ كارهِ؛ فَإِنَّ الله بحُكْمِه وَبَسْطِه جعل الرَّوْحَ والفرَجَ في اليقين والرّضا، وجعل الغم والحزن في الشك والسخط. يا علي، إنه لا فقر أشدُّ مِنْ الجهل، ولا مالَ أَعْوَدُ من العقل، ولا وحدة أوحش من العُجب، ولا عقل كالتدبير، ولا ورَعَ كالكف، ولا عِبادة كالتفكر، ولا حسَبَ كحُسْنِ الخلق؛ إِنَّ آفةَ الحديث الكذب، وآفة العِلْم النِّسْيانُ، وآفةَ العِبادة الفَتْرةُ، وآفةَ الشَّجاعةِ البَغْيُ، وآفة السَّماحةِ المَنُّ، وآفة الجَمالِ الخُيَلاءُ، وآفة الحَسَبِ الفَخْرُ. يا علي، إذا رأيت الهلال فكَبِّر ثلاثًا، وقل: الحمد لله الذي خلقني وخلقَكَ، وقدَّرَكَ منازل، وجعلكَ آيةً للعالمين، يُباهي بك الملائكة. يا علي، إذا نظَرْتَ في مرآة فكَبِّرْ ثلاثًا، وقل: اللهم كما حسَّنْتَ خَلْقي فحسن خُلُقي. يا علي، إذا هالَكَ أمرٌ فَقُلْ: اللهمَّ بحَقِّ محمَّدٍ وآلِ (محمد). قال علي ﵁: قُلْتُ: يا رسول الله ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ … إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ٣٧] ما هذه الكلمات؟ قال: «يا علي، إنَّ الله أهبط آدم ﵇ بالهند، وأهبط حوَّاءَ بِجُدَّةَ، والحيَّةَ بأصبهان، وإبليس بمَيْسَانَ، ولم يَكُنْ فِي الجَنَّةِ - يا علي - شيء أحسن من الحيَّةِ والطَّاووس، وكان للحيَّةِ قوائم كقوائم البعير، فدخل إبليس جوفها، فغَرَّ آدم ﵇ وخدَعَه؛ فغَضِبَ الله على الحيَّةِ، وألقى عنها القوائم، وقال: جَعَلْتُ رِزْقَكِ التُّرابَ، وجَعَلْتُكِ تمشي على بطنك، لا رَحِمَ اللهُ مَنْ رَحِمَكِ، وغضِبَ على الطاووس؛ لأنه كان دليل إبليس على الشَّجَرَةِ، فمسَخَ صوته ورِجْلَه.

стр. 248

فمكث آدم ﵇ بالهند مئة سنةٍ لا يرفع رأسه إلى السماء، واضعًا (١) يده على رأسه يبكي على خطيئته؛ فبعث الله جبريل ﵇ فقال: يا آدم، ربُّكَ يُقْرِئُكَ السَّلام، ويقول: يا آدم، أَلَمْ أَخْلُقْكَ بِيَدِي؟ أَلَمْ أَنْفُخُ فِيكَ مِنْ روحي؟ ألم أسجد لك ملائكتي؟ أَلَمْ أُزَوِّجُكَ حوَّاءَ أَمَتِي؟ أَلَمْ أُسْكِنْكَ جَنَّتِي؟ فما هذا البكاء يا آدم؟ قال آدم: يا جبريلُ، أتمنعُني من البكاء وقد أُخْرِجْتُ مِنْ جوار ربي ، قال جبريل ﵇: يا آدم، تكلم بهؤلاء الكلمات، فإنَّ الله قابل توبتك، قال آدم ﵇: سبحانك لا إله إلا أنت، عَمِلْتُ سوءًا وظلَمْتُ نَفْسي؛ فتُبْ عليَّ إنك أنتَ التَّوَّابُ الرَّحيم، لا إله إلا أنتَ، عَمِلْتُ سوءًا وظلَمْتُ نَفْسِي؛ فاغْفِرْ لي وارْحَمْنِي، وأنت خير الغافرين. يا علي، إذا رأيت حيَّةٌ في رَحْلِكَ فلا تقتلها حتى تُحَرِّج عليها ثلاثًا، فإِنْ رأيتها الرابعة فاقْتُلها فإنها كافرة. يا علي، إذا رأَيْتَ حيَّةٌ في طريق فاقْتُلْها، فإني قد اشترطت على الجِنِّ أن لا تظهر في صورة الحيَّات، فمن ظهر فقد أحَلَّ بنَفْسِه. يا علي، أربع خصالٍ مِنْ الشَّقاء: جمودُ العَيْن، وقساوة القلب، وبُعْدُ الأمل، وحبُّ الدُّنيا من الشَّقاء. يا علي، إذا أُثْنِي عليك في وجهك فقُلْ: اللهم اجعلني خيرًا مما يظنُّون، واغْفِرْ لي ما لا يعلمون، ولا تُؤَاخِذْني بما يقولون. يا علي، إذا جامَعْتَ فَقُلْ: بسم الله، اللهم جنبنا الشيطان، وجنبِ الشَّيطان ما رزقتنا، فإِنْ قُضِيَ أن يكونَ بينكما ولد لم يَضُرَّهُ الشَّيطانُ أبدًا. يا علي، ابدأ بالملح، واختِمْ بالمِلْح، فإِنَّ في الملح شفاء من سبعين داءً، أولها: الجنون، والجُذام، والبَرَصُ، ووجَعُ الأضراس، ووجع البطن.

стр. 249

يا عليُّ، اِدَّهِنْ بالزَّيْتِ، وكُلِ الزَّيْتَ؛ فإِنَّ مَنِ ادَّهِنَ بالزَّيتِ لَم يَقْرَبُهُ الشَّيطانُ أربعين ليلة. يا علي، لا تُجامِع أهلَكَ ليلةَ النِّصْفِ، ولا ليلة الهلال، أما رأيت المجنون يُصْرَعُ في ليلة الهلال كثيرًا، وفي ليلة النصف كثيرًا. يا علي، إذا وُلِدَ لك غلامٌ أو جاريةٌ فأذِّنْ في أذُنِهِ اليُمْنَى، وَأَقِمْ في اليُسْرَى؛ فإنه لا يَضُرُّه الشَّيطانُ أبدًا. يا علي، لا تَخْرُجْ في سفَرِكَ وحدك؛ فإنَّ الشَّيطان مع الواحد، وهو من الاثنين أَبْعَدُ، إِنَّ الرَّجُلَ إذا سافر وحده فإنه غاو، والاثنان غاويان، والثلاثة نفر. يا علي، لا تَنْزِلِ الأودية في السَّفَرِ؛ فإنها مَأْوَى الحَيَّاتِ والسباع. يا عليُّ، لا تُرْدِف ثلاثةً على دابَّةٍ؛ فإنَّ أحدهم ملعون وهو المُقدَّم (١). يا علي، إذا أمسَيْتَ صائمًا صيام شهر رمضانَ، فَقُلْ بعد إفطارك: اللهم لك صُمْتُ، وبكَ آمَنْتُ، وعليك توكَّلْتُ، وعلى رِزْقِكَ أَفطَرْتُ؛ يُكْتَبْ لك مِثْلُ أَجْرِ كلِّ مَنْ صام، مِنْ غيرِ أَنْ يُنتقص من أجورهم شيء. لا تستَقْبِلْ الشَّمس، واسْتَدْبِرْها؛ فإنَّ في استقبالها داءً، وفي استدبارها دواء. يا عليُّ، اِقْرَأْ «يس»؛ فإنَّ في «يس» عشرَ آي ما قرأها جائع إلا شبع، ولا قرأَها ظَمْآنُ إلا رَوِيَ، ولا قرأها عارٍ إلا اكتسى، ولا قرأها عزَب إلا تزوج، ولا قرأها خائف إلا أَمِنَ، ولا قرأها مريض إلا بَرِئَ، ولا قرأها مسجون إلا أُخْرِجَ، ولا قرأها مسافرٌ إلا أُعِينَ على سفره، ولا قُرِئَتْ عند مَيْتٍ إلا خُفِّفَ عنه، ولا قرأها رجلٌ ضلَّتْ له ضالَّة إلا ردها الله عليه. يا عليُّ، إذا رأيتَ الأسد فكَبِّر ثلاث تكبيرات قل: الله أكبر الله أكبر الله

стр. 250

أكبر، أكرمُ مِنْ كلِّ شيءٍ وأكبر، أعوذ بك من كلّ ما أَخافُ وأَحْذَرُ، تُكْفَى شَرَّه إن شاء الله - تعالى -، فإذا رأَيْتَ الكلبَ يَهِرُّ فقل: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾ [الرحمن: ٣٣]. يا علي، أطل القراءة بالليل ولو قَدْرَ حَلْبِ شاةٍ، وصَلِّ بالأسحار، وادْعُ لا تُرَدُّ؛ فَإِنَّ الله يقول: ﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾ [آل عمران: ١٧]». قال علي ﵁: قُلْتُ: يا رسول الله، كيف يقول الذي يَغْسِلُ الميت؟ قال: «يقول: اللهم عَفْوَكَ عَفوَكَ حتى يَفْرُغَ. يا علي، ألا أُنْبِئُكَ بشَرِّ النَّاس؟ قلت: بلى يا رسول الله، قال: «مَنْ سافر وحده، ومنعَ رِفْدَه، وضرب عبده. ألا أُنْبِئُكَ بشَرٌ مِنْ ذلك؟» قلت: بلى، قال: «مَنْ لا يَغْفِرُ الذَّنْبِ، ولا يُقِيلُ العَثْرة. ألا أُنْبِئُكَ بشَرٌ مِنْ هذا كله؟ قلت: بلى يا رسول الله، قال: «مَنْ يُخْشَى شره، ولا يُرْجَى خيره. يا علي، إذا صلَّيْتَ على جنازة رجلٍ فَقُلْ: اللهم عبدك ابن عبدك ابن أمَتِكَ، ماض فيه حُكْمُكَ، خَلَقْتَه ولم يَكُ شيئًا مذكورًا، وزاركَ وأنتَ خير مَزُورٍ، اللهمَّ لَقِّهِ حُجَّتَه، وأَلْحِقْهُ بنبيه ﷺ ، ونَوّر له في قبره، ووسع عليه مدخله، وثبته بالقول الثابت فإنه افتقر إليك واستَغْنَيْتَ عنه، كان يَشْهَدُ أَنْ لا إله إلا أنتَ، فاغْفِرْ له، اللهم لا تَحْرِمْنا أجرَه، ولا تَخْذُلْنا بعده، اللهم إن كان زاكيًا فزكه، وإن كان خاطئًا فاغْفِرْ له. وإذا صلَّيْتَ على امرأةٍ (١) فقُلْ: اللهم أنت خلَقْتَها وأنت أحييتها، وأنت تعلمُ سِرَّها وعلانيتها، جئناك شُفَعاء؛ فاغْفِرْ لها وارحمها، ولا تَحْرِمْنَا أَجْرَها، ولا تُضِلَّنا بعدها.

стр. 251

وإذا صَلَّيْتَ على طفل فقل: اللهم اجعله لأبويه سلفًا، ولهما فرطًا، واجعله لهما نورًا، واجعله لهما ذُخْرًا، واجعله لهما رشدًا، وأَعْقِبْ والديه الجنَّة، اللهم لا تَحْرِمْنا أَجْرَه، ولا تُضِلَّنا بعده. وإذا توضأت فقل: بسم الله، اللهم إني أسألُك تمام الوضوء، وتمام الظهور، وتمام مغفرتك، فهذا زكاة الوضوء. يا علي، إنك لا تزال بخير ما حفظت وصيتي، أنت مع الحق، والحق معك» (١). هذا حديث غريب، يُرْوَى عن جعفر بن محمَّدٍ، وفي إسناده إرسال؛ لأنَّ قوله (عن جده) يريد به عَلِيًّا ﵁، ومحمَّدُ بنُ علي بن الحسين لم يُدْرِكْه (٢)،

стр. 252

وإن كان أكثر ما في هذا الحديثِ قد رُوِيَ مِنْ غير هذا الوجه. ورواه أبو بكر بن المقرئ هكذا بهذا الإسناد، وقال فيه: عن أبي هلال وعَطَّاف الهمداني، ح. وأخبرنا أبو علي الحدادّ تحَلَّله قال: حدثنا عثمان الطرائفي، قال: حدثنا أيُّوبُ بنُ هلال، عن جعفر بن محمَّدٍ، عن أبيه، عن جده، عن علي ي عنه عن رسول الله ﷺ قال: «لم يَكُنْ في الجنَّةِ شيءٌ أحسن من الطاووس والحيَّةِ، وكان للحية قوائم مِثْلُ قوائم البعير». هذا قد وصله وزاد في إسناده. وأخبرنا (١) أبو علي أيضًا، قال: حدثنا أبو نُعَيم، قال: حدثنا أبو بكر محمدُ بنُ عبدِ الرَّحمن بن الفضل، قال: حدثنا إبراهيم بن محمد بن الحسن، قال: حدثنا إسحاق بن زيد الخَطَّابي، قال: حدثنا عثمان بن عبد الرحمن الطرائفي، عن عَطَافٍ وأيُّوبَ بن هلال، عن جعفرٍ، عن أبيه، عن جده عنه قال: قال رسول الله ﷺ : «لم يَكُنْ في الجنَّةِ شيء أحسن من الحيَّةِ والطاووس» وذكر إلى «مسخ صوته ورِجْلَيه». هكذا في الإسنادين (أيوب بن هلال) وذكر الإمام أبو عبد الله ابنُ منده أيُّوبَ بن هلال، فقال: روى عن جعفر بن محمد، روى ابنُ مُصَلَّى عن عثمان بن عبد الرحمن، عنه. فقد تبين بهذه الأسانيد أنَّ قوله (عن أبي هلال) خطأ إلا أن يكونَ كُنْية أيُّوبَ أبا هلال (٢). وأما (عطاف) فقد ذكر أبو نُعَيمٍ أَنَّ عَطَافَ بن خالد روى عن جعفرِ بنِ

стр. 253

محمَّدٍ، فإِن كان هذا هو ابن خالد، فإنَّه مخزومي قرشي لا همداني، ولا أَعْرِفُ فِي الرُّواةِ عَطَّافًا هَمْدانِيًّا (١)، والله - تعالى - أعلم. ٥٩ - أخبرنا الشَّريفان (٢) السَّيِّدان: أبو محمد حمزة بن العباس، وأبو الفضل حمزة بن محمد العلويان -رحمهما الله- فيما أذنا لي، أنَّ أبا الحسن محمَّدَ بنَ علي بن صخر الأزدي البصري كتب إليهما من مكَّةَ قال: أخبرنا أبو القاسم عمر بن محمد بن سيف الكاتب البغدادي، قال: أخبرنا أبو عبدِ الرَّحمنِ عبد الله بن الحسن بن نصر الواسطي في منزله باب التبن (٣) في جمادى الآخرة سنة خمس عشرة وثلاث مئة، قال: أخبرنا إسحاق بن وهب العلاف، قال: أخبرنا عبد الملك بن يزيد، قال: أخبرنا حمَّادُ بنُ عَمرو النَّصِيبي أبو إسماعيل، عن السَّرِيِّ بن خالدٍ، عن جعفر بن محمَّدٍ، عن أبيه، عن جده، عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: دعاني رسول الله ﷺ فقال: «يا علي، أُوصيك بوصيَّةٍ فاحفظها، فإِنَّكَ لا تَزالُ بخير ما حفظت وصيتي» وذكر الحديثَ نحو ما تقدم، وزاد فيه زيادات، من ذلك: قال: «يا عليُّ، اِعْلَمْ أَنَّ لِكُلِّ صائم دعوةً مُستجابةً، فإذا كان عند أوَّلِ لقمة فقُلْ: باسم الله، يا واسع المغفرة اغفِرْ لي؛ فإِنَّ مَنْ قالها عند إفطاره غُفِر له، واعلم أنَّ الصَّومَ نجاةٌ - أو جُنَّةٌ» من النار. يا عليُّ، اِقْرَأْ يس ما قرأها صباحًا إلا كان في أمان الله حتى يُمْسِيَ،

стр. 254

ومَنْ قرأها مساءً كان في أمان الله حتى يُصْبِحَ، ثمَّ اقرأ ﴿حام﴾ الدخان ليلة الجمعة، تُصبح مغفورًا لك. يا عليُّ، اِقْرَأْ آيةَ الكُرْسِيّ في دُبُرِ كلِّ صلاةٍ، تُعطى قلوب الشاكرين، وثواب الأنبياء، وأعمال الأبرار. يا عليُّ، اِقْرَأْ سورةَ الحَشْر، تُحْشَرُ يومَ القيامة آمنًا من كلِّ سُوءٍ. يا عليُّ، اِقْرَأْ ﴿تَنْزِيلُ﴾ السَّجدة؛ تُنْجِكَ مِنْ أهوال يوم القيامة. يا عليُّ، اِقْرَأْ ﴿تَبَارَكَ﴾ عند النَّوْم، تَدْفَعْ عنك عذاب القبر، ومساءلة منكر ونكير. يا عليُّ، اِقْرَأْ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ على وضوء؛ فإنه يُنادى بك يوم القيامة: يا مادح الله، قُمْ وادْخُلِ الجنَّة. يا عليُّ، اِقْرَأْ سورة البقرة؛ فإنَّ قراءتها بركة، وتَرْكَها حَسْرَةٌ، ولا يُطِيقُها «البطلة» - قال عليُّ ﵁: يا رسول الله، وما البطلة؟ قال: «السَّحَرة». يا عليُّ، لا تُطِل القعودَ في الشَّمْس؛ فإنها تُثير الدَّاءَ الدَّفِينَ، وتُبْلي الثَّياب، وتُغَيِّرُ اللون. يا عليُّ، أمانٌ لكَ مِنْ الحرَقِ أن تقول: سبحانك ربي، لا إله إلا أنت، عليك توكَّلْتُ، وأنت ربُّ العرش العظيم. يا عليُّ، أمانٌ لك من الوَسْواس أن تقول: ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ … وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا﴾ [الإسراء: ٤٥] ﴿وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ، وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا﴾ [الإسراء: ٤٦]. يا عليُّ، أمانٌ لك من كلِّ سُوءٍ تخافُه أَنْ تقول: ما شاء الله كان (١)، وما لم يشأ لم يَكُنْ، أشهدُ أنَّ الله على كلِّ شيءٍ قدير، وأنَّ الله قد أحاط بكلِّ شيء علمًا، وأحصى كلَّ شيءٍ عدَدًا، لا حول ولا قُوَّةَ إلا بالله.

стр. 255

يَا عَلِيُّ، إِذَا أَكَلْتَ فَقُلْ: بِسْمِ اللَّهِ، وَإِذَا فَرَغْتَ فَقُلْ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، فَإِنَّ حَافِظَيْكَ لَا يَسْتَرِيحَانِ يَكْتُبَانِ لَكَ الْحَسَنَاتِ حَتَّى تَنْبِذَ عَنْكَ. يَا عَلِيُّ، إِذَا خَرَجْتَ مِنْ مَنْزِلِكَ تُرِيدُ حَاجَةً فَاقْرَأْ آيَةَ الْكُرْسِيِّ؛ فَإِنَّ حَاجَتَكَ تُقْضَى بِإِذْنِ اللَّهِ - تَعَالَى - وَمَشِيئَتِهِ. يَا عَلِيُّ، وَإِذَا تَوَضَّأْتَ فَقُلْ: بِسْمِ اللَّهِ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ؛ فَكَأَنَّكَ اغْتَسَلْتَ. يَا عَلِيُّ، اِغْسِلْ الْمَوْتَى؛ فَإِنَّ مَنْ غَسَّلَ مَيِّتًا غُفِرَ لَهُ سَبْعِينَ مَغْفِرَةً، لَوْ قُسِمَتْ مَغْفِرَةٌ مِنْهَا عَلَى أَهْلِ الدُّنْيَا لَوَسِعَتْهُمْ. يَا عَلِيُّ، وَإِذَا أَرَدْتَ دُخُولَ مَدِينَةٍ أَوْ قَرْيَةٍ فَقُلْ حِينَ تَدْخُلُهَا: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ مِنْ خَيْرِهَا وَخَيْرِ مَا كَتَبْتَ فِيهَا، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهَا وَشَرِّ مَا كَتَبْتَ فِيهَا، اللَّهُمَّ ارْزُقْنَا جَنَاهَا، وَأَعِذْنَا مِنْ وَبَائِهَا، وَحَبِّبْنَا إِلَى أَهْلِهَا، وَحَبِّبْ صَالِحِي أَهْلِهَا إِلَيْنَا. يَا عَلِيُّ، وَإِذَا نَزَلْتَ مَنْزِلًا فَقُلْ: اللَّهُمَّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا، وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ؛ تُرْزَقْ خَيْرَهُ، وَيُدْفَعْ عَنْكَ شَرُّهُ. يَا عَلِيُّ، إِيَّاكَ وَالْمِرَاءَ؛ فَإِنَّهُ لَا تُعْقَلُ حِكْمَتُهُ، وَلَا تُؤْمَنُ فِتْنَتُهُ. يَا عَلِيُّ، إِيَّاكَ وَدُخُولَ الْحَمَّامِ بِغَيْرِ مِثْزَرٍ؛ فَإِنَّهُ مَلْعُونٌ مَلْعُونٌ مَلْعُونٌ (١) النَّاظِرُ وَالْمَنْظُورُ إِلَيْهِ. لَا تَخَتَّمْ بِالسَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى؛ فَإِنَّهُ مِنْ فِعَالِ قَوْمِ لُوطٍ. يَا عَلِيُّ، لَا تَلْبَسْ الْمُعَصْفَرَ، وَلَا تَبِيتَنَّ فِي مِلْحَفَةٍ حَمْرَاءَ؛ فَإِنَّهُ يَحْضُرُهَا الشَّيَاطِينُ. يَا عَلِيُّ، لَا تَقْرَأُ وَأَنْتَ رَاكِعٌ أَوْ سَاجِدٌ. يَا عَلِيُّ، إِيَّاكَ وَالْمُجَادَلَةَ فِي الدِّينِ؛ فَإِنَّهَا تُحْبِطُ الْأَعْمَالَ.

стр. 256

يا علي، لا تَنْهَرِ المسكينَ، وإِنْ جاءَك على فرس فَأَعْطِه؛ فإنَّ الصَّدقة تقع بيد الله قبل أن تقع بيد السائل. يا عليُّ، باكِرِ الصَّدقة؛ فإنَّ البلاء لا يَتَخَطَّى الصدقة. يا عليُّ، وعليكَ بِحُسْنِ الخُلُقِ؛ فإنك تُدْرِكُ درجة الصائم القائم. يا عليُّ، إِيَّاكَ والغضبَ؛ فإِنَّ الشَّيطانَ أَقْدَرُ ما يكون على بني آدم إذا غضبوا. يا عليُّ، إِيَّاكَ والمِزاحَ؛ فإنه يَذْهَبُ بِبَهاء المؤمن، ويُسْقِط مروءته. يا علي، عليك بقراءةِ ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ فإنها مَنْفاةٌ للفقر. يا عليُّ، إِيَّاكَ والزنا؛ فإنَّ فيها سِتَّ خِصالٍ: ثلاثًا منها في الدُّنيا، وثلاثًا في الآخرة، أما التي في الدُّنيا: فتُعَجِّلُ الفَناء، وتُذْهِبُ البهاء، وتَمْحَقُ الرِّزْق، وأما التي في الآخرة: فسُوء الحساب، وسُخْطُ الرَّحمن، والدخول في النار. يا علي (١)، إذا دخَلْتَ منزلَكَ فَسَلِّم على أهل بيتك؛ يَكْثر خير بيتك. يا عليُّ، أَحِبَّ الفقراء والمساكين، ولا تَنْهَر المسكين فتَنْهرَكَ الملائكة يوم القيامة. يا علي، وعليك بالأضحية؛ فإنها تدفع ميتة السوء. يا عليُّ، أَنْفِقْ ووَسِّع على عيالك، ولا تَخَفْ مِنْ ذِي العَرْشِ إِقْلالًا. يا عليُّ، لا تَغْضَبَنَّ إذا قيل لك: اتَّقِ الله؛ فيَسُوءَكَ ذلك يوم القيامة. يا علي، إذا رَكِبْتَ دابَّةٌ فَقُلْ: بسم الله، الحمد لله الذي أكرمنا بمحمد ﷺ ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ الآية (٢). يا علي، إنَّ الله ليَعْجَبُ مِنْ عبده إذا قال: اللهمَّ اغْفِرْ لي؛ فإنه

стр. 257

لا يَغْفِرُ الذُّنوب إلا أنت، يقول الله : يا ملائكتي، عبدي هذا علم أنه لا يَغْفِرُ الذُّنوبَ غيري، اشْهَدُوا أَنِّي قد غَفَرْتُ له. يا علي، وإذا لبست ثوبًا جديدًا فقُلْ: بسم الله، والحمد لله الذي كساني ما أُوارِي به عَوْرَتي، وأَسْتَغْني به عن النَّاس؛ لم يَبْلُغَ الثَّوْبُ رُكْبَتَيْكَ حتى يُغفر لك. يا علي، من لبس ثوبًا جديدًا، وكسا - يعني الخَلَق - يتيمًا له عُرْيانًا أو مسكينًا كان في جوار الله - تعالى - وأَمْنِه وحِفْظه ما دام عليه منه سِلْكٌ (١). يا علي، إذا دخَلْتَ السُّوقَ فَقُلْ حين تدخل: بسم الله وبالله، أشهدُ أَنْ لا إله إلا الله، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبده ورسوله، يقول الله - تعالى -: عبدي هذا ذكرني والنَّاسُ غافلون، اشْهَدُوا أني قد غفَرْتُ له، يا عليُّ، إِنَّ اللهَ لَيَعْجَبُ ممَّنْ يَذْكُره في الأسواق. يا علي، إذا دخَلْتَ المسجد فقُلْ: بسم الله، والسلام على رسول الله، اللهم افتح لي أبواب رحمتك، وإذا خَرَجْتَ فَقُلْ: بسم الله، والسلام على رسول الله، اللهم افتح لي أبواب فَضْلِك. يا علي، إذا سَمِعْتَ المؤذِّنَ فَقُلْ مِثْلَ مَقالَتِه يُكْتَبْ لَكَ مِثْلُ أَجْرِه. يا علي، إذا فَرَغْتَ مِنْ وُضوئِك فقُلْ: أشهد أن لا إله إلا الله، وأنَّ محمدًا عبده ورسوله، ﷺ كثيرًا، اللهمَّ اجْعَلْني مِنْ التَّوَّابين، واجْعَلْني مِنْ المُتطهرين، تَخْرُجْ مِنْ ذُنوبِك كيوم ولدَتْكَ أمُّك، وتُفْتَحْ لك ثمانية أبواب الجنَّة، ويقال لك: ادْخُلْ مِنْ أَيُّهَا شِئْتَ. يا علي، إذا فَرَغْتَ مِنْ طعامك فقُل: الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا، وجعلنا مسلمين. يا علي، إذا شرِبْتَ فَقُلْ: الحمد لله الذي سقانا عَذْبًا فُراتًا، ولم يَجْعَلْه

стр. 258

مُلْحًا أَجَاجًا بذنوبنا (١)؛ تُكْتَبْ شاكرًا. يا عليُّ، إِيَّاكَ والكَذِبَ؛ فإِنَّ الكَذِبَ يُسَوِّدُ الوَجْهَ، ولا يَزالُ الرَّجُلُ يَكْذِبُ حتى يُكْتَبَ عند الله كَذَّابًا، ويَصْدُقُ حتى يُكتب عند الله صادقًا. يا علي، لا تَعْتابَنَّ أحدًا؛ فإنَّ الغِيبةَ تُفْطِرُ الصَّائم، والذي يَغْتَابُ النَّاسَ يأكل لَحْمَهُ يوم القيامة. يا عليُّ، إِيَّاكَ والنَّمِيمةَ؛ فإنَّ فيها عذاب القبر، ولا يَدخُلُ الجنَّةَ قَتَّاتُ - يعني: النَّمَّام -. يا عليُّ لا تَحْلِفْ بالله كاذبًا ولا صادقًا، ولا تجعلوا الله عُرْضةً لأَيْمَانِكُم؛ فإنَّ الله - تعالى - لا يَرْحَمُ ولا يُزَكِّي مَنْ يحلِفُ باسمه كاذبًا. يا علي، أمْلُك عليك لسانك، وعَوِّدْهُ الخير؛ فإنَّ العبد يوم القيامة ليس على شيء أخوف منه على لسانه. يا عليُّ، إِيَّاكَ واللَّجَاجَةَ؛ فَإِنَّها نَدامةٌ. يا علي، إيَّاك والحِرْصَ؛ فَإِنَّ الحِرْصَ أخرج أباك من الجنَّة. يا عليُّ، إِيَّاكَ والحسد؛ فإنَّ الحسد تأكل الحسنات كما تأكلُ النَّارُ الحطب. يا علي، ويل لمن يَكْذِبُ لِيُضْحِكَ النَّاسَ منه، ويل له، ويل له. يا عليُّ، عليك بالسواك؛ فإنها مَطهرة للفم، ومَرْضاةٌ للرَّبِّ ، ومَجْلاة للسِّنِّ. يا علي، وعليك بالخلال؛ فليس شيء أبغض إلى الملائكة مِنْ أَنْ يَرَوْا بين أسنان العبد طعامًا. يا علي، أربع خصالٍ مِنْ الشَّقاء: جمود العين، وقساوة القلب، وبُعْدُ الأمل، وحبُّ الدُّنيا.

стр. 259

يا علي، أنهاك عن أربع خصال عِظام: الحسد، والحِرْصِ، والكذب، والغضب. يا عليُّ، إنَّ العبد المؤمن إذا أَتَتْ عليه أربعون سنةً أمَّنَهُ الله - تعالى - من البلايا الثلاث: الجنونِ، والجُذام، والبرص، وإذا أَتَتْ عليه خمسون سنةً خفَّفَ الله عليه الحساب، وإذا أَتَتْ عليه سِتُّون سنةً فهو في إقبال، وبعد ستين في إدبار، ورزقه الله الإنابة إليه فيما يُحِبُّ ويَرْضَى، وإذا أَتَتْ عليه سبعون سنةً أحبه أهلُ السَّماء، وصالحو أهل الأرض، وإذا أَتَتْ عليه ثمانون سنةً كُتِبَتْ حسناته، ومُحِيَتْ سيئاته. يا علي، وإذا أَتَتْ عليه تسعون سنةً غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر. يا علي، وإذا أَتَتْ عليه مئة سنةٍ كتَبَ الله اسمه في السماء: أَسِيرُ الله في أَرْضِه، وكان حبيس الله، حق على الله أَنْ لا يُعَذِّبَ حبيسه. يا عليُّ، اِحْفَظْ وصِيَّتي، اِحْفَظْ وصِيَّتي (١)، فإنَّك مع الحق، والحق معك» (٢).

стр. 260

هذا الطريق (١) أغرب من الأول. ورواه سليمان بن بلال، عن جعفر بن محمَّدٍ مِثْلَ الطَّريقِ الأَوَّلِ سواء (٢). ورُوِيَ عن يعقوب بن الوليد، عن جعفر بن محمد، عن آبائه، وصِيَّةٌ في ذِكْرِ الجماع وأوقاته، وهو طريق منكَرٌ لا حُجَّةَ بشيء مما تفرد به؛ فلذلك أَضْرَبْنا عن ذكره مع كونه سماعًا لنا. ٦٠ - أخبرنا أبو علي الحسن بن أحمد الحداد ﵀ بقراءة والدي عليه ﵀ سنة سبع وخمس مئة، قال: حدثنا أبو الحسن علي بن القاسم بن إبراهيم بن شَنْبُويَةً المقرئ الخياط، قال: حدثنا أبو بكر محمد بن عمر بن خَزَرِ بنِ الفضلِ الهَمَذانِيُّ، قال: حدثنا أبو إسحاق إبراهيم بن محمَّدِ بنِ الحسن الطَّيَّانُ الأصبهاني، قال: حدثنا أبو علي الحسين بن القاسم الكوكبي الأصبهاني، قال: حدثنا إسماعيل بن أبي زياد الشامي، عن جُوَيْبِرٍ، عن الضَّحَاكِ، عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: قُلْتُ: يا رسول الله، أَخْبِرْني عن قوله : ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا﴾ [مريم: ٨٥] فما هؤلاء الوفد يا رسول الله؟. قال: «يا علي، والذي نفسي بيده، إنهم إذا خرجوا من قبورِهِم اسْتُقْبِلُوا بأَنْوُقِ، عليها رحائِلُ الذَّهب، شُرُكَ نِعالهم نورٌ يتلألأ، فيشتوون - يعني: عليها - فتَطِيرُ بهم حتى ينتهوا إلى باب الجنَّة، فإذا حَلْقَةٌ مِنْ ياقوت على صفائح الذَّهَبِ، وإذا عند الباب شجرةٌ يَنْبُعُ مِنْ أَصْلِها عَيْنان، فشَرِبوا من إحدى العينين، فلما بلغَ الشَّرابُ الصَّدْرَ أخرجَ ما في صدورهم من غل أو حسد أو بَغْيِ، فذلك قوله : ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِل﴾ [الأعراف: ٤٣]، فلما

стр. 261

انتهى إلى البطن طهرهم عن دنَسِ الدُّنيا وقذَرِها، فذلك قوله : ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾ [الإنسان: ٢١]، ثم اغتسلوا من الأخرى فجَرَتْ عليهم النَّضْرِةُ والنَّعيم، فلا تَشْعَثُ أشعارهم، ولا تتغيَّرُ ألوانهم، فيَضْرِبون بالحلقة على الصفائح، فتَسْمَعُ لها طنينًا عاليًا، فيَبْلُغ كلَّ حوراء أنَّ زوجها قد قَدِم، فتَبْعَثُ قَيِّمًا، فلولا أنَّ الله عرَّفه نفسه لخرَّ ساجدًا مما يرى مِنْ النُّورِ والبهاء والحُسْن، فيقول: أنا قَيِّمُكَ الذي وُكِّلْتُ بمنزلك. فينطلق - وهو بالإِثْرِ - حتى ينتهي به إلى قصر مِنْ فِضَّةٍ شُرَفُه الذَّهَبُ، يُرَى ظَاهِرُه مِنْ باطنه، وباطنُه مِنْ ظاهره، فيقول: لمن هذا؟! فيقول: هذا منزلك، فيريد أن يَدْخُلَه، فيقول: يا ولي الله، أمامك ما هو أحسن منه. فينطلق به إلى قصر (١) مِنْ ذَهَبٍ شُرَفُه الفِضَّةُ، يُرَى ظَاهِرُه مِنْ باطنه، وباطنه من ظاهره، فيقول: «لمن هذا؟! فيقال: هذا لك» - قال رسول الله ﷺ : «فلو مات أحدٌ مِنْ الفرح لمات» - فيريد أن يدخُلَه، فيقول: أمامك. ولا يزال يمر به على قصوره، وعلى خيامه، وعلى أنهاره، حتى ينتهي إلى غُرْفَةٍ مِنْ ياقوتةٍ، مِنْ أسفلها إلى أعلاها مئة ألف ذراع، قد بُنِيَتْ على جنادل الدُّرِّ والياقوت بين أخضر وأبيض وأحمر وأصفر، ليس فيها طريقة تُشاكِلُ صاحبتها، في الغُرفة سرير عرضه فرسخ في طول ميل، عليه من الفُرُشٍ كَقَدْرِ سبعين غرفة، بعضها فوق بعض، فسريرُه مَرْمول بقضبان الدُّرِّ والياقوت، قوائمه اللؤلؤ، فذلك قوله : ﴿عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ﴾ [الواقعة: ١٥] يعني: موصولةً ﴿وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ﴾ [الواقعة: ٣٤] يعني: بارتفاعها على قدر سبعين غرفة، بعضها فوق بعض، فرشه نور، وسريره نور. وفي رواية أخرى: «فرشه لونٌ، وسريره لونٌ». وعلى رأس ولي الله - تعالى - تاج، لذلك التَّاجِ سبعون ألف

стр. 262

رُكْنٍ، في كلِّ رُكْنٍ ياقوتةٌ تُضِيءُ مَسِيرةَ الثَّلاثِ للمُتعب، ووجهه كالقمر ليلة البَدْرِ، وعليه طَوْق ووشاحان، له نور يتلألأ، وفي يده ثلاثةُ أَسْوِرَةٍ: سِوارٌ مِنْ فِضَّةٍ، وسوارٌ مِنْ ذهب، وسوار من لؤلؤ، وعليه سبعون حُلَّةً من حرير مختلفة الألوان، على رِقَةِ شقائق النُّعْمانِ، وذلك قوله ﵎: ﴿وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾ [الحج: ٢٣]. فاهتز السرير فرحًا وشَوْقًا إلى ولي الله ﵎، واتضع له حتى استوى عليه، ثم هر به في السماء، ثم أتاه قهرمانه (١) بقضيب المُلْكِ فجعلَ يَنْكُت به، وينظر إلى تأسيس بنيانه، يَسْتَرِقُ النَّظرَ مخافةَ أَنْ يَلْتَمِعَ (٢) ذلك النُّورُ بصرَه، فبينا هو كذلك إذ أقبلَتْ حَوْراءُ عَيْناءُ، معها سبعون جارية، وسبعون غلامًا، عليها سبعون حُلَّةً، يُرَى مُخُ ساقِها من وراء الحُلَلِ والجِلْدِ والعَظْمِ، كما تَرَوْنَ الشَّراب الأحمر في الزُّجاجة البيضاء، فلما عاينها نَسِيَ كلّ شيءٍ عاين قبلها، فاستوت معه على السرير، فيَضْرِبُ بيدِه إلى نَحْرِها فإذا هو يقرأ ما في كبدها، وإذا فيه مكتوب: أنت حبي، وأنا حبك، إليك انتهت نفسي، فذلك قوله : ﴿حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ﴾ [الرحمن: ٧٢] ﴿كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ﴾ [الرحمن: ٥٨]، فشبه صفاءهن صفاء الياقوتِ في بياضِ اللؤلؤ، فيَنْعَمُ مِقدار (٣) سبعين سنة، فما تَنْقَطِعُ شهوته ولا شهوتها. فبينا هم كذلك أقبلت الملائكةُ، ولِغُرْفَتِه سبعون ألف باب، على كلّ باب حاجب، فتقول الملائكة: اِسْتَأْذِنُوا لنا على ولي الله - تعالى ـ، فتقول الحُجَّابُ: إنه لَيتَعاظَمُنا أن نستأذِنَ لكم عليه، إلا إنه مع أزواجه، فيقولون: لا بدَّ لكم، إِنَّا رُسُلُ الجَبَّار إليه، فبينا يتناجون فيما بينهم، حتى يقول الذين يَلُونَه: يا ولي الله، الملائكة بالبابِ تَسْتأْذِنُ عليك؟ فيقول: ائذنوا

стр. 263

لهم - ثم تلا النَّبِيُّ ﷺ هذه الآية: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِنْ كُلِّ بَابٍ (٢٣) سَلَامٌ عَلَيْكُم﴾ [الرعد: ٢٣ - ٢٤]، وتلا هذه الآية: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا﴾ [الإنسان: ٢٠]- استئذان الملائكة عليه، فلا تدخل عليه إلا بإذن، فالأنهار تطَّرِدُ من تحت مساكنها، والثّمارُ مُذَلَّلَةٌ - وفي رواية: «مُتدَلِّية عليه» - إن شاء يتناولها بيمينه قاعدًا، وإن شاء يتناوَلُها مُتكئًا، و ﴿أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ﴾ [محمد: ١٥] صاف، ليس فيه كدر ولا أسَنٌ، ولا يتغيَّرُ كماء أهلِ الدُّنيا، ﴿وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ﴾ [محمد: ١٥] لم يخرج مِنَ الفَرْثِ والدَّم، ولا مِنْ ضُروع الماشية، ﴿وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ﴾ [محمد: ١٥] لم تطأها (١) الرِّجالُ بأَرْجُلِها، ولا تُصَدِّعُ رؤوسهم، ولا تَغْلِبُهم على عقولهم، ﴿وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى﴾ [محمد: ١٥] مِنْ مُومِ العَسَلِ (٢)، لم يخرُجْ مِنْ بطون النَّحْل. فبينا هو كذلك: مرَّةً يَتنعَمُ مع زوجته، ومرَّةً يُؤْتَى بغذائه، ومرَّةً يُسْتَأْذَنُ عليه، ومرَّةً يُؤْتَى بشَرابِه، ومرَّةً يزور الإخوان في الله فبينا هو كذلك إذا نور قد غشِيَه، فقال لِقَهارِمَتِه: ما هذا النُّور الذي قد غَشِي بصري؟! لعل الجبار جل وجلاله اطلع إليَّ؟، فيقول القَهارِمَة: قُدُّوسٌ رَبُّنا، لا، ولكن حور أشرفَتْ من خيمتها شوقًا إليك، فلما نظرَتْ إليكَ مُتَّكِئًا على سريرك تبسَّمَتْ إليكَ فرَحًا وشوقًا، فما غشِيَكَ فهو من نورِ ثَغْرِها» (٣).

стр. 264

هذا حديث حسن غريب مرفوعًا، لا أعرفه هكذا إلا من هذا الوجه. رواه أبو بكر بن مَرْدُويه في «التفسير» عن محمد بن أحمد بن عبد الوهاب، عن علي بن سعيد، قال: حدثنا أبو فَرُوةَ الرُّهاوي، قال: حدثنا أبي، عن إسماعيل بن أبي زياد بنَحْوِه، إلا إنه أدخل بين الضَّحَاكِ وعلي ﵁ النَّزَّالَ بنَ سَبْرةَ، فكأَنِّي سَمِعْتُه مِنْ أبي بكر، ومات هو سنةَ عَشْرٍ وأربع مئة.

стр. 265

ورواه (١) أبو بكر بن أبي الدنيا عبد الله (٢)، عن محمَّدِ بنِ عَبَّادٍ العُكْليّ، عن يحيى بن سليمان (٣)، عن إسماعيل بن محمد المكي (٤)، عن أبي عبد الله (٥)، عن الضَّحَاكِ، عن الحارث، عن علي ﵁ (٦). ورواه زهير، عن أبي إسحاق، عن عاصم بن ضَمْرَةَ، عن علي ﵁ موقوفًا (٧). وهذا الإسناد وإن كان غريبًا؛ ففي الجنَّةِ أكثر وأكبر مما وُصِفَ في هذا الحديث، على قول الله : ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ﴾.

стр. 266

[الزخرف: ٧١]، وعلى ما صح عن رسول الله ﷺ أنه قال في الجنَّةِ: «ما لا عَيْنُ رأَتْ، ولا أذُنٌ سَمِعَتْ، ولا خطر على قلب بشر» (١). وقد بقي لأمير المؤمنين علي ﵁ من الطوال خُطَبٌ وأذكار وأدعية من قوله، اقتصرنا على ما أَوْرَدْناه مِنْ روايته.

стр. 267

ومن مسند أنس بن مالك ﵁ ٦١ - أخبرنا أبو علي الحسن بن أحمد المقرئ ﵀، قال: حدثنا أبو نُعيم أحمدُ بنُ عبدِ الله بن أحمد الحافظ، ح. وأخبرنا أبو القاسم هبة الله بن محمد بن عبد الواحد بن الحصين الشَّيْباني ﵀ ببغداد، قال: أخبرنا أبو علي الحسن بن علي بن المذهب الواعظ. قالا: حدثنا أبو بكر أحمد بن جعفر بن حَمْدان بن مالك، قال: حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، قال: حدثني أبي ﵀، قال: حدثنا حسنُ بنُ موسى - هو الأشيب - ح. وأخبرنا به عاليًا أبو منصور محمدُ بنُ عبدِ الله بنِ مَنْدُويَه المُعدِّل، قال: حدثنا أبو نعيم الحافظ، قال: حدثنا أبوبكر أحمد بن يوسف بنِ خَلَّادٍ العطار النَّصِيبيُّ ببغداد قال: حدثنا أبو محمَّدٍ الحارثُ بنُ محمد بن أبي أسامة، قال: حدثنا داود بنُ المُحَبَّر، ح. وأخبرنا إسماعيل بن الفضل بن أحمدَ السَّرَّاجُ ﵀، قال: أخبرنا محمد بن أحمد بن محمد، قال: أخبرنا محمَّدُ بنُ إبراهيم بن علي، قال: حدثنا أبو يَعْلَى أحمدُ بنُ عليّ المَوْصِليُّ، قال: حدثنا هدبة بن خالد. قالوا: حدثنا حماد بن سلمةَ قال: أخبرنا ثابت البناني، عن أنس بن مالك ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قال: «أُتِيتُ بالبراق، وهو دابَّةٌ أبيض، فوق الحمار ودون البَغْلِ، يضَعُ حافِرَه عند منتهى طَرْفِه، فرَكِبْتُه فسار بي حتى أتَيْتُ بيت المقدس، فربَطتُ الدَّابَّةَ بالحَلْقَةِ التي يَرْبِطُ بها الأنبياء، ثم دخَلْتُ فصلَّيْتُ فيه ركعتين ثم خرجتُ، فجاءني جبريل ﵇ بإناء مِنْ خمرٍ وإناءٍ مِنْ لبن، فاختَرْتُ اللَّبنَ، فقال جبريل ﵇: أَصَبْتَ الفِطرة.

стр. 268

ثم عرج بنا إلى السماء، فاستفتح جبريل ﵇، فقيل: من أنت؟ فقال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمَّدٌ، فقيل: وقد أُرْسِلَ إليه؟ قال: قد أُرْسِلَ إليه (١)، فَفُتِحَ لنا، فإذا أنا بآدم ﵇، فرحب ودعا لي بخير. ثم عرج بنا إلى السماء الثَّانية، فاستفتح جبريل ﵇، فقيل: من أنت؟ قال: جبريل، فقيل: ومن معك؟ قال: محمَّدٌ، قيل: وقد أُرْسِلَ إليه؟ قال: قد أُرْسِلَ إليه، فَفُتِحَ لنا فإذا أنا بابني الخالة: يحيى وعيسى ﵉ فرحبا ودعوا لي بخير. ثم عرج بنا إلى السَّماءِ الثَّالثة، فاستفتح جبريل ﵇، فقيل: من أنت؟ قال: جبريل، فقيل: ومن معك؟ فقال: محمَّدٌ، فقيل: وقد أُرْسِلَ إليه؟ قال: قد أُرْسِلَ إليه، ففتح لنا فإذا أنا بيوسف ﵇، وإذا هو قد أُعْطِيَ شَطْرَ الحُسْنِ، فرحب ودعا لي بخير. ثم عرج بنا إلى السماء الرابعة، فاستفتح جبريل ﵇، فقيل: من أنت؟ فقال: جبريل، فقيل: ومن معك؟ فقال: محمَّدٌ، فقيل: وقد أُرْسِلَ إليه؟ قال: قد أُرْسِلَ إليه، ففتح لنا فإذا أنا بإدريس فرحب ودعا لي بخير، ثم قال: يقول الله ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾ [مريم: ٥٧]. ثم عرج بنا إلى السماء الخامسة، فاستفتح جبريل ﵇، فقيل: من أنت؟ فقال: جبريل، فقيل: ومن معك؟ قال: محمَّدٌ، فقيل: قد أُرْسِلَ إليه؟ قال: قد أُرسل إليه، ففتح لنا فإذا أنا بهارون فرحب ودعا لي بخير. ثم عرج بنا إلى السماء السَّادسة، فاستفتح جبريل ﵇، فقيل: من أنت؟ فقال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمَّدٌ، فقيل: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه، فتح لنا فإذا أنا بموسى ﵇ فرحب ودعا لي بخير. ثم عُرج بنا إلى السماء السابعة، فاستفتح جبريل ﵇، فقيل: من أنت؟

стр. 269

قال: جبريل، فقيل: ومن معك؟ فقال: محمَّدٌ، قيل: وقد بُعِثَ إليه؟ قال: قد بُعِث إليه، ففتح لنا فإذا أنا بإبراهيم ﵇، وإذا هو مستند إلى البيت المعمور، وإذا هو يدخل كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون إليه. ثم ذهب بي جبريل ﵇ إلى سدرة المُنْتَهى، وإذا ورَقُها كآذان الفيلة، وإذا ثمرها كالقلال، فلما غشِيَها من أمر الله - تعالى - ما غشيها تغيَّرَتْ، فما أَحَدٌ مِنْ خَلْقِ الله - تعالى - يستطيعُ أَنْ يَصِفَها مِنْ حُسْنِها. قال: فأوحى الله ﵎ إليَّ ما أوحى، وفرض عليَّ في كل يوم وليلة خمسين صلاةً، فنزَلْتُ حتى انتهيْتُ إلى موسى ﵇ فقال: ما فرض ربك على أمتك؟ قال: قلت: خمسين صلاةً في كلِّ يوم وليلة، قال: ارجع (١) إلى ربك فاسأله التَّخْفِيفَ؛ فإِنَّ أمَّتَكَ لا تُطِيقُ ذلك، وإني قد بلَوْتُ بني إسرائيل وخبَرْتُهم، قال: فرجَعْتُ إلى ربي فقلت: أي ربِّ، خفّف عن أُمَّتِي، فَحَطَّ عنِّي خمسًا، فرجَعْتُ إلى موسى فقال: ما فعَلْتَ؟ قلت: حَطَّ عنِّي خمسًا، قال: إِنَّ أُمَّتَكَ لا تُطِيقُ ذلك؛ فارْجِعْ إِلى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ لأُمَّتِكَ، قال: فلم أزَلْ (٢) أَرْجِعُ بين ربي وبين موسى ﵇، ويَحُطُّ عنِّي خمسًا حتى قال: يا محمد، هي خمس صلوات في كلِّ يوم وليلة، بكل صلاة عَشْرٌ (٣) فتلك خمسون صلاةً، ومن هَمَّ بحسنةٍ فلم يَعْمَلْهَا كُتِبَتْ حسنةً، فَإِنْ عملها كُتِبَتْ عشْرًا، ومن هَمَّ بسيِّئَةٍ فلم يعملها لم تُكْتَبْ عليه، فإِنْ عَمِلَها كُتِبَتْ سيئة واحدةً، فنزَلْتُ حتى انتهَيْتُ إلى موسى ﵇ فأخبرته، فقال: ارجع إلى ربك فاسأله التَّخْفِيفَ لأُمَّتِكَ؛ فإنَّ أُمَّتَكَ لا تُطِيقُ ذلك، فقلت: لقد رجَعْتُ إلى ربي حتى استحييت» (٤)

стр. 270

ألفاظهم متقاربة، هذا حديث ثابت مشهور. رواه عن حماد بن سلمة: أحمد بن إسحاق الحضرمي (١)، وحجاج بن مِنْهال (٢)، وشَيْبانُ بن فَرُّوخ (٣)، وغيرهم سوى من ذكرناه. وتابع حمادًا: سليمان بن المغيرة، رواه بَهْزُ بنُ أَسَدٍ وأبو النَّضْر، عن سليمان، عن ثابت (٤). وأخرجه مسلم بنُ الحَجَّاجِ في الصحيح عن شَيْبَانَ، عن حماد (٥). وعن أنس بن مالك ﵁ في هذا الحديث روايات مختلفة: منهم من قال: عن أنس موقوفًا عليه، وهو في الصحيحين من رواية شريك عن أنس (٦). ومنهم من قال: عن أنس، عن مالك بن صعصعة، قاله قتادة عن أنس، وهو في الصحيحين أيضًا (٧). وتابع قتادة: عَبَّادُ بنُ أبي عليّ، على ما ذكره البخاري ﵀ (٨). والحديث في الصحيحين كما سيأتي قال المصنف: «هذا حديث ثابت مشهور».

стр. 271

ومنهم من قال: عن أنس، عن أبي ذَرِّ ﵄، ذكره الزُّهْرِيُّ عن أنس، مِنْ رواية عُقيل بن خالد، ويونُسَ بنِ يَزِيدَ عنه، وهو في الصَّحِيحين أيضًا (١). وقال أبو ضَمْرَةَ: عن يونس، عن الزُّهْرِيِّ، عن أنس، عن أبي ﵄، وذكر الدارقطني قال: لعله سقط عليه في الكتاب (ذَرّ) فبقي (عن أبي)، وظنه أبيًا (٢). على أنَّ لِأُبي بن كعب ﵁ رواية لبعض هذا الحديث من طريق ابن عباس عنه ﵃ (٣). وروي عن سُلَيمانَ التَّيْمِيِّ، عن أنس، عن أبي هريرة ﵄ ولا يثبت أيضًا (٤) فأما رواياتُ الصَّحيح فكلُّها (٥) ثابتة؛ إذ يمكن أن يكون أنسٌ سمعه من أبي ذَرٍّ، ومن مالك بن صعصعة، ثم سمعه من (٦) النَّبِيِّ ﷺ . وعند أنس نظير لهذا الحديث، وهو حديث سمعه أنس من محمود بن الربيع عن عتبان بن مالك، ثم لقي عتبان فسأله عنه، فتارة يرويه عن عتبان،

стр. 272

وتارةً عن محمود عنه (١). وقِصَّةُ الإسراء كانت بمكَّةَ وأنسٌ غائب عنه، ثم سمعه على النَّسَقِ الذي ذكرناه، وكذلك أبو هريرة (٢)، وابنُ عبَّاس (٣)، وجابر (٤)، وغيرهم من الصحابة ﵃ سمعوه بالمدينة. وممن تابع ثابتًا على (٥) روايته عن أنس، عن النبي ﷺ : أبو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ (٦)

стр. 273

ويَزِيدُ بنُ أبي مالكٍ (١) وعبدُ العَزيزِ بن صُهَيبٍ (٢) وميمونُ بنُ سِيَاه (٣) وكثيرُ بنُ سُلَيم أبو سلمة وأبو هاشم (٤) وعليُّ بنُ زيدٍ (٥)

стр. 274

وثمامة (١) وبكر بن خنيس (٢) وعبد الرحمن بن هاشمِ بنِ عُتْبَةَ بن أبي وَقَّاصِ (٣). وكذلك رواه بكيرُ بنُ الأَشَجّ، وصالحُ بنُ كَيْسَانَ، وَمَعْمَرٌ، وعُقَيلُ (٤) من

стр. 275

رواية الليث عنه. جميعًا عن الزهري، عن أنس ﵁، عن النَّبيِّ ﷺ (١). وكذلك رواه شَيْبانُ النَّحْوي (٢)، وشعبة (٣)، ومِسْعَرٌ، ومَعْمَرٌ (٤)، وطلحةُ بنُ مُصرِّف، وأبو مريم عبد الغَفَّار بن القاسم (٥)، وعُمر بن نَبْهَانَ (٦)، وسُلَيمانُ التَّيْمِيُّ وابنُ أَبي عَرُوبةَ في بعض الروايات عنهما جميعًا عن قتادة، عن أنس ﵁، عن النبي ﷺ (٧). ورواه معتمر بن سليمان، عن أبيه، عن أنس ﵁، عن النبي ﷺ (٨). ورواه عفان، عن حماد بن سلمة، عن ثابت وسليمان التيمي، عن

стр. 276

أنس ﵁، عن النبي ﷺ (١). كلُّ واحدٍ من هؤلاء روى الحديث أو بعضًا (٢) منه. فدل بمجموع هذه الروايات أنَّ أنسًا ﵁ سمعه من النَّبِيِّ ﷺ ، وأَنْ لا مَطْعَنَ على شيء في الصَّحِيحَيْن، وإِنْ وقع لبعضهم إشكال في شيء من أحاديث الصحيحين فذلك لقصور علمه. وقد تواترت الروايات عن عمر بن الخطَّابِ، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، وأبي ذَرٍّ، ومالكِ بنِ صَعْصعة، وأبي هريرة، وأبي سعيد الخدري، وعبد الله بن عباس، وشَدَّادِ بنِ أَوْسٍ، وأُبي بن كعب، وعبد الرحمن بن قُرْط، وأبي حبَّةَ وأبي ليلى الأنصاريين، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وجابر بن عبد الله، وحذيفة بن اليمان، وبُرَيدةَ بنِ الحُصَيب، وأبي أيُّوبَ الأنصاري، وأبي أمامة الباهلي، وسَمُرةَ بنِ جُنْدُبٍ، وأبي الحمراء (٣)، وصهيب الرُّومي، وأم هانئ وعائشةَ وأسماء ابنتي أبي بكر ﵃ أجمعين (٤)، منهم مَنْ ساقه بِطُولِه، ومنهم من اختصره (٥)، وسنذكر رواية من رواه بطوله في

стр. 277

مسنده من (١) هذا المجموع إن شاء الله - تعالى -. فثبت بمجموع هذه الروايات أصل حديث المعراج، وإن لم تكن رواية بعضهم على شرط الصحة، واختلفت ألفاظهم فيه، ونذكر عقيب رواية كل واحد بعض ما ذكر من فوائد هذا الحديث، ورد ما اعترض عليه من أراد إطفاء نور الله بقوله ﴿وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ، وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [الصف: ٨]. أما تاريخ الإسراء: ٦٢ - فأخبرنا محمد بن أبي الفتح بن أبي نصر ﵀ بقراءتي عليه، قال: أخبرنا أحمد بن أبي القاسم بن محمد، قال: أخبرنا أحمد بن أبي عمران، قال: حدثنا محمد بن أحمد بن الحسن بن جمرة، قال: حدثنا الحسن بن الجهم، قال: حدثنا الحسين بن الفرج، قال: حدثنا محمد بن عمر - هو الواقدي -، قال: حدثني أسامة بن زيد الليثي، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده ﵁ قال: أسري بالنبي ﷺ ليلة سبع عشرة من شهر ربيع الأول، وذلك قبل الهجرة بسنة (٢). وذكر عن ابن عباس ﵄ أن الإسراء كان قبل خروجه إلى المدينة بسنة (٣).

стр. 278

وذكر غيرهما أنه كان في رجب (١). ٦٣ - وأخبرنا أبو عليُّ الحدَّادُ ﵀ إِذْنًا أنَّ أبا عبد الله سفيان بن محمَّد بن الحسن كتب إليه، قال: أخبرنا أبو حفص بن شاهين، قال: حدثنا إسماعيل بن عليٍّ الخُطَب، قال: حدثنا موسى بن إسحاق الأنصاري، قال: حدثنا محمد بن عبد الله بنِ نُمَيْرٍ، قال: حدثني يونس بن بُكَيْرٍ، عن أسباط، عن السُّدِّي قال: فُرِضَ على النَّبيِّ ﷺ الصلوات الخمس في بيت المقدس ليلة أُسْرِيَ به قبل مُهاجرته (٢) بستة أشهر (٣). قال: أبو محمد - هو إسماعيل بن عليٍّ الخُطَبِيُّ (٤): وفي هذا اختلاف شديدٌ، ذكَرَ الواقديُّ عن رجاله أنَّ المَسْرَى كان في ليلة السبت لِسَبْعَ عَشْرَةَ مِنْ

стр. 279

رمضانَ في السَّنةِ الثَّانية عشرةَ مِنْ المَبْعَث، قبل هِجرته إلى المدينة بثمانية عشر شهرًا (١). ٦٤ - أخبرنا الشيخ الإمام أبو الرَّجاءِ أحمدُ بنُ محمدِ بنِ عبد العزيز القارئ بقراءة والدي عليه -رحمهما الله-، قال: أخبرنا أبو الفضل عبد الرحمن بن أحمد بن الحسن الإمام، قال: أخبرنا أبو القاسم جعفر بن عبد الله بن يعقوب، قال: حدثنا محمَّدُ بنُ هارونَ الرُّويانيُّ، قال: حدثنا عبد الله بن هارونَ الفَرْوِيُّ، قال: حدثني قُدامةُ بنُ محمَّدٍ الخَشْرَمِيُّ، عن أبيه، عن بُكَيرِ بنِ عبد الله بن الأشج، عن ابن شهاب قال: قال أنس (٢) بن مالك ﵁: حدثني رسول الله ﷺ أنه أُسْرِيَ به قبل أن يخرج إلى المدينة بسنةٍ إلى بيت المقدس، قال: وقال لي: «يا أنسُ، إِنَّا معاشر الأنبياء لا نتوضأ للصلاة، تنام عيوننا، ولا تنام قلوبنا، نُناجي ربَّنا ، بينا أنا على ذلك إذ جاء جبريل

стр. 280

وإسرافيل ﵇ فقالا: هذا هو النَّائمُ، خُذْ بيدِه يا جبريل، قال جبريل: نعم هو هو، فأُتِيتُ بدابَّةٍ بين الحمار والبغل يقال لها: البراق». قال: قلت: يا رسول الله، صفها لي. قال: «رأسها من لؤلؤة بيضاء، ورِكابُها من زَبَرْجَدة خضراء، وهي من ياقوتة حمراء، أضاء لها ما بين السَّماوات والأرض، فَاشْمَأَزَّتْ مِنِّي إِذْ جِئْتُ أَرْكَبُها، فقال لها إسرافيل: يا بُراق، لا تَشْمَئِزِّي منه، فوالذي بعثه بالحق نبيًا، ما رَكِبَكِ أحدٌ أحبُّ إلى الله منه، ولا أكرم على الله منه، فطأطأت لي حتى كأنها الأرض فركبتُها، ثم طُوِيَتْ لي الأرض، فاستدقَّ جبريلُ السَّماءَ الدُّنيا، فقيل: من معك؟ فقال: أحمد خاتَمُ النَّبيِّين، قالوا: أو بُعِث؟ قال: نعم، قالوا: مرحبًا بالنَّبيِّ المبارَكِ الميمون، ثم صُعِدَ بي إلى السَّماءِ الثّانية فاستدقَّ الباب، فقيل: من معك؟ قال: معي محمد رسول الله، قالوا: أو بُعِثَ؟ قال: نعم؛ فرحَبُوا بي وقرَّبُوني وأكرَمُوني، ثم ذهبوا بي إلى السماء الثالثة، فإذا بأبي آدم فيها معه موسى وعيسى وأبي إبراهيم ﵇، قال: فقال لي أبي آدمُ ﵇: أَيُّ بَنِيَّ أَنْتَ؟ قال: قلت: ابنك أحمد، قال: أجده مكتوبًا في يدي اليُمْنَى: مُبارَكٌ ميمون، أُمَّتُه خيرُ الأُمم، تأمر بالمعروفِ وتَنْهَى عن المنكر، قال: وإذا بأخي موسى ﵇ أشعَرُ أَهْلَبُ، كأَنَّ رأسَه يَقْطُر ماء، جَعْدُ الشَّعرِ، جَعْدُ اللَّحْيَةِ، كأنه مِنْ رجالِ شَنُوْءَةَ، ورأيتُ أخي عيسى ﵇ حديد البصر، ذا بَطْنٍ، أشبهُ النَّاسِ به عُرْوةُ بنُ مسعود الثقفي، ورأيت أبي إبراهيم ﵇ أشبه النَّاس به أنا، ورأيتُ الأعورَ الدَّجَّالَ كأَنَّ عينَه عِنَبَةٌ طافية، أشبه النَّاسِ به عبدُ العُزَّى بن قطن الخُزاعِيُّ. ثم ذهب بي إلى بيت المقدس، فأمَمْتُ النَّبِيِّين كُلَّهم، فصلَّيْتُ بهم الصُّبْحَ والظهر والعصر والعشاء والعتمة، ثم (١) رجعت إلى السماء، فسأَلْتُ ربي فأعطاني ما قَنِعْتُ به ورَضِيتُ به لأُمَّتي وأصحابي، ثم هبَطْتُ إلى الأرض،

стр. 281

معي جبريلُ ﵇ أشبهُ النَّاسِ بصورة جبريلَ دِحْيةُ الكَلْبِيُّ، فلما هَبَطْتُ إلى الأرض قلتُ لجبريل: تُكَذِّبُني غدًا قريش وتَقْتُلني، قال: فأين أبو بكر الصِّدِّيقُ، هو يُصَدِّقُك. فلما صلَّيْتُ الصُّبْحَ خَطَبْتُ النَّاسَ على المنبر، ثم قلت: يا معشر قريش، فما بَقِي بمكَّةَ خَلْقٌ إلا هوى إليَّ مِنْ كلِّ دارٍ وكل بيت، فقلت: إنه أَسْرَى بي ربي في هذه الليلة، ووصَفْتُ لهم بيت المقدس، فقالوا: قُلْتَ باطلًا، وكذبوني، وذهبوا إلى أبي بكر الصِّدِّيق ﵁ بأَجْمَعِهم، ومعي جبريلُ يَحُوطُني منهم ولا يرونه، وقالوا: يا أبا بكر، زعم صديقك أنه أُسْرِيَ - يعني: به - في هذه الليلة وبلغَ السَّماءَ، ورجع مكانه من ليلته؟! قال: إي - والذي لا إله إلا هو - لقد صدق إن قاله، قالوا: نعم، قال: ويحكم ما أحمقكم من قوم، نُصَدِّقُه بوَحْيِ السَّماء، ولا أُصَدِّقُه بأنه أُسْرِيَ به ليلة! بلى - والله - لقد صدق. فبلغ ذلك الخبرُ النَّبيَّ ﷺ وجبريل معه، فقال له: ألم أقل لك؟ وسُرَّ بذلك الخبر أن أبا بكرِ الصَّدِّيقَ يُصَدِّقُك، أَكْنِه بأبي بكرٍ وسَمِّه الصِّدِّيقَ، اخْلِطهما معًا» (١). هذا حديث غريب الإسناد شاد المتن مع شُهرة رواته، خالف في عامة

стр. 282

ألفاظه الرِّوايات المشهورة؛ إذ كان كلُّ مَنْ يخالف إنما يُخالِفُ في لفظ أو اثنين، لا أعلم أحدًا أورده ممن جمع طُرُقَ هذا الحديث، أملَيْتُه لِيُوقَفَ على شذوذه. وقوله (لا نتَوضَّأُ للصَّلاة) يعني: لأجل النَّوْم؛ لأنَّ قلوبنا أيقاظ. وقدامة بن محمد يروي عن مَخْرمةَ بنِ بُكَير، عن بكير، لا أعلم له عن أبيه شيئًا سوى هذا الحديث إِنْ صَحَ. فأما طريق شريك الذي في الصَّحِيحَيْن: ٦٥ - فأخبرنا أبو علي الحداد تَخَلَّلَهُ فيما أُرَى، قال: حدثنا أبو نُعَيمٍ الحافظ، قال: حدثنا القاضي أبو أحمد محمد بن أحمد بن إبراهيم، قال: حدثنا الحسن بن علي بن زياد، قال: حدثنا إسماعيل بن أبي أُوَيْسٍ، قال: حدثني أخي. قال أبو نعيم: وحدثنا أبو أحمد محمَّدُ بنُ أحمدَ الجُرجاني، قال: حدثنا الحسن بن سفيان، قال: حدثنا حرملة، قال: حدثنا ابنُ وَهْبٍ. قالا: حدثنا سليمان بن بلال، عن شريك بن عبد الله (١) بن أبي نَمِرٍ، قال: سمعت أنس بن مالك ﵁ يُحدِّثُ عن ليلةِ أُسْرِيَ بِالنَّبِيِّ ﷺ مِنْ مسجدِ الكعبة، أنه جاءه ثلاثة نفر وهو نائم في المسجد الحرام، فقال أوَّلُهم: أيُّهم هو؟ فقال أوسطهم: هو خيرهم، فقال آخِرُهم خذوا خيرهم، فكانت تلك (٢)، فلم يرَهُم حتى جاؤوا الليلةَ الأخرى والنَّبيُّ ﷺ نائمة عيناه ولا ينام قلبه، وكذلك الأنبياء تنام أعينهم ولا تنام قلوبهم، فلم يُكلِّموه حتى احتملوه فوضَعُوه عند زمزم، فتولاه منهم جبريل ﵇ فشَقَّ جبريل ما بين نَحْرِه إلى اللَّبةِ حتى فَرَجَ عن صَدْرِهِ وجَوْفِه، فغسله بماء زمزم حتى أَنْقَى جوفه، ثم أُتِيَ بِطَسْتٍ مِنْ

стр. 283

ذهب فيه نور من ذهب محشوًّا إيمانًا وحكمةً فحشا به صَدْرَه وجَوْفَه، ثم أطبقه. ثم عَرَجَ به إلى السَّماءِ الدُّنيا، فضرب بابًا من أبوابه (١)، فناداه أهلُ السماء: من هذا؟ قال: جبريل، قالوا: من معك؟ قال: محمَّد النَّبيُّ، قالوا: وقد بُعِثَ؟ قال: نعم، قالوا: فمرحبًا به وأهلًا، يَسْتَبْشِرُ به أهلُ السَّماءِ، لا يَعْلَمُ أهلُ السَّماءِ ما يريد الله - تعالى - في الأرض حتى يُعْلِمَهُم. فوجد في السَّماءِ الدُّنيا آدم ﵇ فقال: مرحبًا بك وأهلًا يا بُنيَّ، فَنِعْمَ الابن أنت، فإذا هو في السَّماءِ الدُّنيا بنهرين يَطَّردان، فقال: ما هذان النهران يا جبريل؟ قال: النيل والفرات، ثم مضى به في السَّماءِ فإذا هو بنَهَرٍ آخَرَ، عليه قصر من لؤلؤ وزبَرْجَدٍ، فذهب يشَمُّ تُرابَه فإذا هو مسك، قال: يا جبريل، ما هذا النَّهَر؟ قال: هذا الكَوْثرُ الذي حباك ربك . ثم عرج به إلى السماء الثَّانية، فقيل له مِثْلُ ما قيل في الأولى، ثم عُرج به إلى السَّماءِ الثالثة، فقيل له مِثْلُ ما قيل في الأولى والثانية، ثم عرج به إلى السماء الرَّابعة، فقالوا له مِثْلَ ذلك، ثم عُرج به إلى السَّماء الخامسة، فقالوا له مِثْلَ ذلك، ثم عُرج به إلى السَّماء السَّادسة، ثم السَّابعة، فقالوا له مِثْلَ ذلك، في كلِّ السَّماءِ نبي قد سَمَّاهم، فوعَيْتُ منهم إدريس - يعني: في الثانية ـ، وهارون في الرابعة، وآخر في الخامسة لم أحفظ اسمه، وإبراهيم ﵇ في السادسة، وموسى ﵇ في السابعة بفضل كلامه الله ﵎، فقال موسى ﵇: رب لم أظنَّ (٢) أن تَرْفَعَ علي أحدًا. ثم علا به فوق ذلك ما لا يَعْلَمُه إلا الله حتى جاء سِدْرَةَ المنتهى، ودنا الجَبَّارُ رَبُّ العِزَّةِ فتدَلَّى، حتى كان منه قاب قوسين أو أدنى، فَأَوْحَى إليه ما شاء، وأوحى الله إليه فيما أَوْحَى خمسين صلاة على أُمَّتِه في كلّ يوم وليلة،

стр. 284

ثم هبط حتى بلغ موسى فاحتبسه فقال: يا محمد، ماذا عهد إليك ربك ؟ قال: عهد إلي خمسين صلاة على أمتي كل يوم وليلة، قال: إن أمتك لا تستطيع، فارجع فليخفف عنك وعنهم؛ فالتفت إلى جبريل ﵇ كأنه يستشيره، فأشار عليه، قال: نعم إن شئت، فعلا به حتى أتى الجبار ﷻ فقال: يا رب خفف عنا؛ فإن أمتي لا تستطيع هذا، فوضع عنه عشر صلوات، ثم رجع إلى موسى ﵇، فلم يزل يرده حتى صار إلى خمس، ثم احتبسه عند الخمس فقال موسى: قد - والله - راودت بني إسرائيل على أدنى من هذه الخمس فضيعوه وتركوه، وأمتك أضعف أجسادا وقلوبا وأبصارا وأسماعا، فارجع فليخفف عنك ربك كل ذلك يلتفت إلى جبريل ﵇ ليشير عليه، فلا يكره ذلك جبريل، قال: فرجعه (١) عند الخمسة، فقال: يا رب، إن أمتي ضعفاء (٢) أجسادهم وقلوبهم وأسماعهم وأبصارهم؛ فخفف عنا، فقال الجبار ﷻ : يا محمد، قال: لبيك وسعديك، قال: إنه لا يبدل القول لدي، هي كما كتبت عليك في أم الكتاب، فلك بكل حسنة عشر أمثالها، وهي خمسون في أم الكتاب، وهي خمس عليك، فرجع إلى موسى، فقال: كيف فعلت؟ فأخبره، فقال له نحو ما قال له، قال (٣): قد - والله - استحييت من ربي ، قال: فاهبط باسم الله، فاستيقظ وهو في المسجد الحرام (٤).

стр. 285

هذا حديث صحيح مُتَّفَقٌ على صِحَّتِه، أورده البخاري ومسلم في الصَّحِيحَيْن، فيه ألفاظ تفرد بها شَرِيك عن أنس ﵁، وهو ثقة لا مَطْعَنَ عليه (١). وقوله (فاستيقظ) قال بعض الأئمة: يمكن أن يكون قد أغْفَى في رجوعه، لا أنَّ الإسراء كان في المنام؛ لأنَّ قولَه ﵎: ﴿أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ [الإسراء: ١] يدلُّ أنَّ الرُّوحَ والبدن كانا معًا، ويدلُّ عليه الأخبارُ الأُخَرُ التي جاءت في هذا الباب، وهو: ٦٦ - ما أخبرنا الأديب أبو عبد الله الحسين بن عبد الملك الخَلَّالُ (٢) ﵀ بقراءتي عليه (٣)، قال: أخبرنا مطيارُ بنُ أحمدَ الرُّسْتَمِيُّ، ومحمَّدُ بنُ عمر صاحب أبي عثمانَ، وشَيْبانُ بنُ عبد الله المُحْتَسِبُ، وغيرهم، قالوا: أخبرنا أبو الحسن ابن عبدكويه، قال: حدثنا محمد بن علي الصَّائعُ المكي، قال: حدثنا سعيد بن منصور، قال: حدثنا سفيان، عن عَمْرِو بن دينار (٤)، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄ قال: هي رؤيا عين رآها
следующие страницы →