← Книги сунны

Книги сунны · id 30195

الطوالات - لأبي موسى المديني

أبو موسى المديني

Полный текст (962 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

معي جبريلُ ﵇ أشبهُ النَّاسِ بصورة جبريلَ دِحْيةُ الكَلْبِيُّ، فلما هَبَطْتُ إلى الأرض قلتُ لجبريل: تُكَذِّبُني غدًا قريش وتَقْتُلني، قال: فأين أبو بكر الصِّدِّيقُ، هو يُصَدِّقُك. فلما صلَّيْتُ الصُّبْحَ خَطَبْتُ النَّاسَ على المنبر، ثم قلت: يا معشر قريش، فما بَقِي بمكَّةَ خَلْقٌ إلا هوى إليَّ مِنْ كلِّ دارٍ وكل بيت، فقلت: إنه أَسْرَى بي ربي في هذه الليلة، ووصَفْتُ لهم بيت المقدس، فقالوا: قُلْتَ باطلًا، وكذبوني، وذهبوا إلى أبي بكر الصِّدِّيق ﵁ بأَجْمَعِهم، ومعي جبريلُ يَحُوطُني منهم ولا يرونه، وقالوا: يا أبا بكر، زعم صديقك أنه أُسْرِيَ - يعني: به - في هذه الليلة وبلغَ السَّماءَ، ورجع مكانه من ليلته؟! قال: إي - والذي لا إله إلا هو - لقد صدق إن قاله، قالوا: نعم، قال: ويحكم ما أحمقكم من قوم، نُصَدِّقُه بوَحْيِ السَّماء، ولا أُصَدِّقُه بأنه أُسْرِيَ به ليلة! بلى - والله - لقد صدق. فبلغ ذلك الخبرُ النَّبيَّ ﷺ وجبريل معه، فقال له: ألم أقل لك؟ وسُرَّ بذلك الخبر أن أبا بكرِ الصَّدِّيقَ يُصَدِّقُك، أَكْنِه بأبي بكرٍ وسَمِّه الصِّدِّيقَ، اخْلِطهما معًا» (١). هذا حديث غريب الإسناد شاد المتن مع شُهرة رواته، خالف في عامة

стр. 282

ألفاظه الرِّوايات المشهورة؛ إذ كان كلُّ مَنْ يخالف إنما يُخالِفُ في لفظ أو اثنين، لا أعلم أحدًا أورده ممن جمع طُرُقَ هذا الحديث، أملَيْتُه لِيُوقَفَ على شذوذه. وقوله (لا نتَوضَّأُ للصَّلاة) يعني: لأجل النَّوْم؛ لأنَّ قلوبنا أيقاظ. وقدامة بن محمد يروي عن مَخْرمةَ بنِ بُكَير، عن بكير، لا أعلم له عن أبيه شيئًا سوى هذا الحديث إِنْ صَحَ. فأما طريق شريك الذي في الصَّحِيحَيْن: ٦٥ - فأخبرنا أبو علي الحداد تَخَلَّلَهُ فيما أُرَى، قال: حدثنا أبو نُعَيمٍ الحافظ، قال: حدثنا القاضي أبو أحمد محمد بن أحمد بن إبراهيم، قال: حدثنا الحسن بن علي بن زياد، قال: حدثنا إسماعيل بن أبي أُوَيْسٍ، قال: حدثني أخي. قال أبو نعيم: وحدثنا أبو أحمد محمَّدُ بنُ أحمدَ الجُرجاني، قال: حدثنا الحسن بن سفيان، قال: حدثنا حرملة، قال: حدثنا ابنُ وَهْبٍ. قالا: حدثنا سليمان بن بلال، عن شريك بن عبد الله (١) بن أبي نَمِرٍ، قال: سمعت أنس بن مالك ﵁ يُحدِّثُ عن ليلةِ أُسْرِيَ بِالنَّبِيِّ ﷺ مِنْ مسجدِ الكعبة، أنه جاءه ثلاثة نفر وهو نائم في المسجد الحرام، فقال أوَّلُهم: أيُّهم هو؟ فقال أوسطهم: هو خيرهم، فقال آخِرُهم خذوا خيرهم، فكانت تلك (٢)، فلم يرَهُم حتى جاؤوا الليلةَ الأخرى والنَّبيُّ ﷺ نائمة عيناه ولا ينام قلبه، وكذلك الأنبياء تنام أعينهم ولا تنام قلوبهم، فلم يُكلِّموه حتى احتملوه فوضَعُوه عند زمزم، فتولاه منهم جبريل ﵇ فشَقَّ جبريل ما بين نَحْرِه إلى اللَّبةِ حتى فَرَجَ عن صَدْرِهِ وجَوْفِه، فغسله بماء زمزم حتى أَنْقَى جوفه، ثم أُتِيَ بِطَسْتٍ مِنْ

стр. 283

ذهب فيه نور من ذهب محشوًّا إيمانًا وحكمةً فحشا به صَدْرَه وجَوْفَه، ثم أطبقه. ثم عَرَجَ به إلى السَّماءِ الدُّنيا، فضرب بابًا من أبوابه (١)، فناداه أهلُ السماء: من هذا؟ قال: جبريل، قالوا: من معك؟ قال: محمَّد النَّبيُّ، قالوا: وقد بُعِثَ؟ قال: نعم، قالوا: فمرحبًا به وأهلًا، يَسْتَبْشِرُ به أهلُ السَّماءِ، لا يَعْلَمُ أهلُ السَّماءِ ما يريد الله - تعالى - في الأرض حتى يُعْلِمَهُم. فوجد في السَّماءِ الدُّنيا آدم ﵇ فقال: مرحبًا بك وأهلًا يا بُنيَّ، فَنِعْمَ الابن أنت، فإذا هو في السَّماءِ الدُّنيا بنهرين يَطَّردان، فقال: ما هذان النهران يا جبريل؟ قال: النيل والفرات، ثم مضى به في السَّماءِ فإذا هو بنَهَرٍ آخَرَ، عليه قصر من لؤلؤ وزبَرْجَدٍ، فذهب يشَمُّ تُرابَه فإذا هو مسك، قال: يا جبريل، ما هذا النَّهَر؟ قال: هذا الكَوْثرُ الذي حباك ربك . ثم عرج به إلى السماء الثَّانية، فقيل له مِثْلُ ما قيل في الأولى، ثم عُرج به إلى السَّماءِ الثالثة، فقيل له مِثْلُ ما قيل في الأولى والثانية، ثم عرج به إلى السماء الرَّابعة، فقالوا له مِثْلَ ذلك، ثم عُرج به إلى السَّماء الخامسة، فقالوا له مِثْلَ ذلك، ثم عُرج به إلى السَّماء السَّادسة، ثم السَّابعة، فقالوا له مِثْلَ ذلك، في كلِّ السَّماءِ نبي قد سَمَّاهم، فوعَيْتُ منهم إدريس - يعني: في الثانية ـ، وهارون في الرابعة، وآخر في الخامسة لم أحفظ اسمه، وإبراهيم ﵇ في السادسة، وموسى ﵇ في السابعة بفضل كلامه الله ﵎، فقال موسى ﵇: رب لم أظنَّ (٢) أن تَرْفَعَ علي أحدًا. ثم علا به فوق ذلك ما لا يَعْلَمُه إلا الله حتى جاء سِدْرَةَ المنتهى، ودنا الجَبَّارُ رَبُّ العِزَّةِ فتدَلَّى، حتى كان منه قاب قوسين أو أدنى، فَأَوْحَى إليه ما شاء، وأوحى الله إليه فيما أَوْحَى خمسين صلاة على أُمَّتِه في كلّ يوم وليلة،

стр. 284

ثم هبط حتى بلغ موسى فاحتبسه فقال: يا محمد، ماذا عهد إليك ربك ؟ قال: عهد إلي خمسين صلاة على أمتي كل يوم وليلة، قال: إن أمتك لا تستطيع، فارجع فليخفف عنك وعنهم؛ فالتفت إلى جبريل ﵇ كأنه يستشيره، فأشار عليه، قال: نعم إن شئت، فعلا به حتى أتى الجبار ﷻ فقال: يا رب خفف عنا؛ فإن أمتي لا تستطيع هذا، فوضع عنه عشر صلوات، ثم رجع إلى موسى ﵇، فلم يزل يرده حتى صار إلى خمس، ثم احتبسه عند الخمس فقال موسى: قد - والله - راودت بني إسرائيل على أدنى من هذه الخمس فضيعوه وتركوه، وأمتك أضعف أجسادا وقلوبا وأبصارا وأسماعا، فارجع فليخفف عنك ربك كل ذلك يلتفت إلى جبريل ﵇ ليشير عليه، فلا يكره ذلك جبريل، قال: فرجعه (١) عند الخمسة، فقال: يا رب، إن أمتي ضعفاء (٢) أجسادهم وقلوبهم وأسماعهم وأبصارهم؛ فخفف عنا، فقال الجبار ﷻ : يا محمد، قال: لبيك وسعديك، قال: إنه لا يبدل القول لدي، هي كما كتبت عليك في أم الكتاب، فلك بكل حسنة عشر أمثالها، وهي خمسون في أم الكتاب، وهي خمس عليك، فرجع إلى موسى، فقال: كيف فعلت؟ فأخبره، فقال له نحو ما قال له، قال (٣): قد - والله - استحييت من ربي ، قال: فاهبط باسم الله، فاستيقظ وهو في المسجد الحرام (٤).

стр. 285

هذا حديث صحيح مُتَّفَقٌ على صِحَّتِه، أورده البخاري ومسلم في الصَّحِيحَيْن، فيه ألفاظ تفرد بها شَرِيك عن أنس ﵁، وهو ثقة لا مَطْعَنَ عليه (١). وقوله (فاستيقظ) قال بعض الأئمة: يمكن أن يكون قد أغْفَى في رجوعه، لا أنَّ الإسراء كان في المنام؛ لأنَّ قولَه ﵎: ﴿أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ [الإسراء: ١] يدلُّ أنَّ الرُّوحَ والبدن كانا معًا، ويدلُّ عليه الأخبارُ الأُخَرُ التي جاءت في هذا الباب، وهو: ٦٦ - ما أخبرنا الأديب أبو عبد الله الحسين بن عبد الملك الخَلَّالُ (٢) ﵀ بقراءتي عليه (٣)، قال: أخبرنا مطيارُ بنُ أحمدَ الرُّسْتَمِيُّ، ومحمَّدُ بنُ عمر صاحب أبي عثمانَ، وشَيْبانُ بنُ عبد الله المُحْتَسِبُ، وغيرهم، قالوا: أخبرنا أبو الحسن ابن عبدكويه، قال: حدثنا محمد بن علي الصَّائعُ المكي، قال: حدثنا سعيد بن منصور، قال: حدثنا سفيان، عن عَمْرِو بن دينار (٤)، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄ قال: هي رؤيا عين رآها

стр. 286

النَّبِيُّ ﷺ ليلةَ أُسْرِيَ به، وليسَتْ بُرُؤْيا مَنام (١). وذكر بعض أهل العلم أنَّ الله ، عَجَبَ النَّاسَ مِنْ ذلك بقوله: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ [الإسراء: ١]، ولو كان في المنام لما كان فيه كبير تعجب، ولما أنكرَتْه الكُفَّارُ؛ لأنَّ غيرَ النَّبِيِّ ﷺ قد يرى مِثْلَ ذلك في المنام، ولما كان فيه تخصيص النبي ﷺ وكرامته. ٦٧ - أخبرنا الإمام أبو طاهر عبد الكريم بنُ عبدِ الرَّزَّاقِ بن عبد الكريم الحسناباذي (٢)، قال: أخبرنا أبو زيد طلحة بن عبدِ الرَّزَّاق بن عبد الله، قال: أخبرنا أبو بكر محمَّد بن إبراهيم بن المقرئ، قال: أخبرنا أبو سعيد المُفضّل بنُ محمد بن إبراهيم الجَنَديُّ في المسجد الحرام باب بني هاشم سنة سبع وثلاث مئة، ح. وأخبرنا به نازلًا أبو نصر حامد بن أبي سعيد بن ما شاذه الصوفي (٣) ﵀، قال: أخبرنا أبو علي الحسنُ بنُ عبدِ الرَّحمنِ الشَّافعي بمكة، قال: أخبرنا والدي، قال: أخبرنا مغيرة بن عمرو بن الوليد المكي، قال: قرَأْتُ على المُفضَّل بن محمد قال: حدثنا عمران بن موسى أبو الحسن الطائي، قال: حدثنا مسلم بن إبراهيم، ح. وأخبرنا السيد أبو القاسم منصور بن محمد الفاطمي الهروي (٤) - قَدِم علينا - قال: أخبرنا أبو بكر بن أبي عاصم العُمَريُّ الهَرَوِيُّ، قال: أخبرنا أبو

стр. 287

محمَّد بن أبي شُرَيحِ الأنصاريُّ الهرويُّ، قال: أخبرنا محمد بن أحمد بن عبد الجبَّارِ الرَّيَّانِيُّ، قال: حدثنا حُمَيدُ بنُ زَنْجُويَهْ، قال: حدثنا يعقوب بن أبي عباد، ح. وأخبرنا عاليًا أبو علي الحسن بن أحمد الحداد ﵀ قال: حدثنا الفضل بن محمد بن سعيد، قال: حدثنا أبو الشيخ عبد الله بن محمَّدِ بنِ جعفر، قال: حدثنا أبو عبد الله محمَّدُ بنُ عبدِ الله بن الحسن، قال: حدثنا محمَّدُ بنُ بُكَير الحضرمي. قالوا: حدثنا عطافُ بن خالد، قال: حدثني إسماعيل بن رافع المديني، عن أنس بن مالك ﵁ قال: كنت قاعدًا مع رسول الله ﷺ في مسجد الخَيْفِ، فأتاه رجلٌ من الأنصار، ورجلٌ من ثَقِيفٍ، فسلَّما عليه، ودعوا له بدعاء حسن، ثم قالا له: يا رسول الله، جئنا نسألُك، قال: «إِنْ شِئْتُما أخبَرْتُكما بما جِئْتُما تسألان عنه، وإن شِئْتُما سألتماني» قالا: أخبرنا يا رسول الله نزداد إيمانًا، أو يقينًا - شك إسماعيل -، فقال الأنصاري للثقفي: سل رسول الله ﷺ ، فقال الثقفي للأنصاري: بلْ سَلْ أنت رسول الله ﷺ ؛ فإني أعرف (١) لك حقَّكَ ومنزلتك وفضيلتك وسابقتك. قال الأنصاري: أخبرني يا رسول الله. قال: «جِئْتَ تَسْأَلُني عن مَخْرَجِكَ مِنْ بيتِك تَؤُمُّ البيت الحرام وما لك فيه، وعن طوافك وما لك فيه، وعن ركعتيك بعد الطواف وما لك فيهما، وعن طوافك بين الصفا والمروة وما لك فيه، وعن وقوفك بعرفة وما لك فيه، وعن رميك الحمار وما لك فيه، وعن نَحْرِكَ وما لك فيه، وعن حَلْقِكَ رأسك وما لك فيه، وعن طوافك بالبيت وما لك فيه» يعني: الإفاضة. قال: والذي بعثك بالحقِّ ما جِئْتُ إلا لأسألك عن ذلك.

стр. 288

قال: «أما مُخْرِجُكَ من بيتك تَؤُمُّ البيت الحرام فإنَّ ناقتك لا ترفع خُفًّا ولا تضعه، إلا كتب الله - تعالى - لك به حسنةً، ومحا عنك به خطيئةً، وأما طوافك بالبيت فإنك لا ترفع قدمًا ولا تضَعُها إلا كتب الله - تعالى - لك حسنةً، ومحا عنك خطيئة، ورفع لك بها درجةً، وأما ركعتاك بعد الطواف فَكَعِتْقِ رقبةٍ مِنْ بني إسماعيل، وأما طوافك بين الصفا والمروة فكَعِتْقِ سبعين رقبة، وأما وقوفك بعرفة فإنَّ الله - تبارك تعالى - يهبط إلى السَّماءِ الدُّنيا فيُباهي بكم الملائكة، ويقول : أنظروا إلى عبادي، جاؤوني من كل فج عميق شُعْثًا غُبْرًا يَرجون رحمتي ومغفرتي، فلو كان ذنوبكم مِثْلَ الرَّمْلِ، وعدَدَ القَطْرِ، ومِثْل زبد البحر، ومِثْلَ نجومِ السَّماء لغفَرْتُها لكم، ويقول : أفيضُوا عبادي مغفورًا لكم ولمن شفَعْتُم فيه، وأما رَمْيُك الجمارَ فإنَّ الله يغفر لك بكل حصاة رميتها كبيرةً من الكبائر الموبقات الموجبات، وأما نَحْرُك فمذخور لك عند ربك ، وأمَّا حَلْقُك رأسَكَ فيَكْتُب الله - تعالى - لك بكُلِّ شعرة حسنةً، ويمحو عنك بها خطيئة». فقيل: يا رسول الله، فإن كانت الذُّنوبُ أقل من ذلك؟ قال: «يُدَّخَرُ لك عند الله . وأما طوافك بالبيت - يعني الإفاضة - فإنك تطوف ولا ذنب عليك، ويأتيك ملَك فيضَعُ يده بين كتفيك، ويقول: اِعْمَلْ لما بَقِيَ فقد كُفِيتَ ما مضى». قال الثَّقَفِيُّ: أخبرني يا رسول الله؟ قال: «جِئْتَ تسألني عن الصَّلاة» قال: والذي بعثك بالحقِّ، ما جِئْتُ إلا لأسألك عنها. قال: «فإذا أَرَدْتَ الصَّلاةَ توضَّأُ فَأَسْبِعْ وضوءَك، فإنَّك إذا تمضمَضْتَ انتثَرَتْ خطايا فيك وشفتيك، فإذا استنشَقْتَ انتثَرَتْ خطاياك من مِنْخَرَيْكَ،

стр. 289

فإذا غسَلْتَ وجَهَكَ انتثَرَتْ خطاياك من أشفار عينيك، فإذا غسَلْتَ يديك (١) تناثَرَتْ خطايا يديك من أظفار يديك، فإذا مسحْتَ برأسِكَ تناثرَتْ خطايا رأسك (٢) عن رأسِكَ، فإذا غسَلْتَ قدمَيْكَ تناثرَتْ خطايا قدمَيْكَ مِنْ أظفارِ قدميك، فإذا صلَّيْتَ فاقرَأُ ما شِئْتَ من القرآن، فإذا رَكَعْتَ فَأَمْكِنْ كفيكَ من (٣) رُكْبَتَيْكَ، وَافْرِج بين أصابعك حتى تطمَئِنَّ راكعًا، وإذا سَجَدْتَ فَأَمْكِنْ يَدَيْكَ من الأرض حتى تطمَئِنَّ ساجدًا، وصَلِّ مِنْ أوَّلِ الليل وآخره، ونم وسطه». فقال: يا رسول الله، أفرأيتَ إِنْ صَلَّيْتَ الليلَ مِنْ أوله إلى آخره؟ قال: فأنت إذا أنت! هذا لفظ رواية الجندي. وليس في رواية أبي الشَّيْخ ذِكْرُ الصَّلاة؛ أخبرنا به أيضًا محمود بن إسماعيل الصيرفي ﵀ في كتابه، قال: أخبرنا أبو الحسين بن فاذشاه، قال: حدثنا سليمان بن أحمد قال: حدثنا علي بن عبد العزيز، قال: حدثنا حجاج بن المنهال. قال سليمان: وحدثنا معاذ بنُ المُثَنَّى، قال: حدثنا مسدد، ح. وأخبرنا إسماعيل بن الفضل بن أحمد إجازة، قال: أخبرنا أبو طاهر بن عبدِ الرَّحيم، قال: حدثنا أبو بكر بن القباب، قال: حدثنا محمَّدُ بنُ شِيرْزاذَ، قال: حدثنا يحيى بن عبد الحميد، ح. وأخبرنا أبو الفتح محمَّدُ بنُ عبدِ الله الخِرَقيُّ العَطَارُ وغير واحد رحمهما الله إذنًا، أنَّ أحمد بن جعفر الفقيه أجاز لهم، قال: أخبرنا أبو علي أحمدُ بنُ محمَّدِ بنِ إبراهيمَ الصَّيدلاني، قال: أخبرنا أبو بكرٍ محمَّدُ بنُ عبدِ الرَّحمنِ بنِ الفَضلِ الجَوْهري، قال: أخبرنا (٤) أبو محمَّدٍ إسحاق بن محمد بن نافع الخُزاعِيُّ بمكَّةَ، قال: حدثنا محمَّدُ بنُ عبدِ الله، قال: حدثنا سعيد بن منصور.

стр. 290

قالوا: حدثنا عَطَّافُ بنُ خالدٍ، نحوهُ (١). هذا حديثٌ يُعَدُّ في مَفَارِيدِ إِسْمَاعِيلَ بنِ رَافِعِ أبي رَافِعٍ، وهو حِجَازِيٌّ، قيل: نزل البصرة، ليس بالقوي، لم يروه عنه هكذا إلا عَطَّافُ، وهو أحسنُ حالًا من إسماعيل (٢). ورواه عنه أبو مُعَاذٍ البَلْخِيُّ، واسمه: خالدُ بنُ سليمان، فزاد في إسناده رجلًا: ٦٨ - أَخبرنَا بهِ أبو عليٍّ الحَدَّادُ ﵀ قال: حدثنا الفَضْلُ بنُ مُحَمَّدٍ، قال: حدثنا أبو الشيخ، قال: وفيما أجاز لي جَدِّي قال: أخبرنا أبو عثمان، قال: حدثنا محمد بن أبي معاذ البلخي، قال: حدثنا أبي، عن إسماعيل بن أبي رافع، عن محمد بن أبي بكر، عن أنس بن مالك ﵁ قال: كُنَّا مع رسول الله ﷺ ، فذكر نحوه (٣)

стр. 291

ويُرْوَى هذا الحديث عن ابنِ عُمَرَ ﵄ بإسناد أحسن منه: ٦٩ - أخبرنا أبو علي الحداد بقراءة والدي عليه الله سنة سبع وخمس مئة، قال: حدثنا أبو نُعيم الحافظ، قال: حدثنا سليمان بن أحمد، قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم، عن عبدِ الرَّزَّاقِ، عن ابن مجاهد، عن أبيه، عن ابن عمر ﵄ قال: جاء رجلان إلى رسول الله الله، أحدهما من الأنصار، والآخَرُ من ثَقِيف، فسبق الأنصاري (١) الثقفي، فقال النَّبِيُّ ﷺ : «يا أخا ثَقِيف، سبقك الأنصاري» فقال الأنصاري: أنا أُبَدِّيه يا رسول الله، فقال النَّبِيُّ ﷺ : «يا أخا ثَقِيف، سَلْ عن حاجتِك، وإِنْ شِئْتَ أخبَرْتُك ما جِئْتَ تسأل عنه» قال: فذاك أعجبُ إليَّ أن تفعل. قال: «فإنك جِئْتَ تسألني عن صلاتك، وعن ركوعك، وعن سجودك، وعن صيامك، وتقول: ماذا لي فيه؟» قال: إي والذي بعثك بالحقِّ. قال: «فصَلِّ أَوَّلَ اللَّيلِ وآخِرَه، ونَمْ وسطه - قال - فأنت إذا صَلَّيْتَ وسطه - قال - فأنت إذًا! - قال - فإذا قُمْتَ إلى الصَّلاةِ فَركَعْتَ فَضَعْ يدك على ركبتيك، وفرّج بين أصابعك، ثم ارْفَعْ رأسك حتى يَرْجِعَ كلُّ عُضْوِ إلى مِفْصَلِه، وإذا سجَدْتَ فَأَمْكِنُ جبهتك من الأرض ولا تَنْقُرْ، وصُم الليالي البيض: َثلاثَ عشرةَ، وأربع عشرة، وخمس عشرة». ثم أقبَلَ على الأنصاري، قال: سَلْ عن حاجَتِكَ، وَإِنْ شِئْتَ أخبَرْتُك قال: فذاك أعجَبُ إليَّ. قال: «فإنك جِئْتَ تسألني عن خروجك من بيتِكَ تَؤُمُّ البيت الحرام، وتقول: ماذا لي فيه؟ وجِئْتَ تسأل عن وقوفك بعرفة، وتقول: ماذا لي فيه؟ وعن طوافك بالبيت، وتقول: ما ذا لي فيه؟» فقال: إي، والذي بعثك بالحق.

стр. 292

قال: «فأما خروجك من بيتك تَؤُمُّ البيت، فإنَّ لك بكلِّ وَطْأة تطؤُها راحلتك يكتب الله - تعالى - لك بها حسنةً، ويمحو عنك بها سيئة، وأما وقوفك بعرفة، فإنَّ الله ينزل إلى السماء الدنيا فيُباهي بهم الملائكة، فيقول: هؤلاء عبادي جاؤوا شُعْثًا غُبْرًا مِنْ كلِّ فَجٍّ عميق، يرجون رحمتي ويخافون عذابي ولم يروني، فكيف لو رأوني، ولو كان عليكَ مِثْلُ رَمْلِ عالج، ومِثْلُ أَيَّامِ الدُّنيا، أو مِثْلُ قَطْرِ السَّماء ذُنوبًا، غسَلَه الله - تعالى - عنك، وأما رميك الجَمارَ، فإنه مَذْخورٌ لك، وأما حَلْقُكَ رأسك، فإنَّ لك بكل شعرة تسقط حسنةً، فإذا طُفْتَ بالبيتِ خَرَجْتَ من ذنوبك كما ولدتك أمك» (١). هذا إسناد عالٍ ثابت لولا ابن مجاهد فيه، واسمه: عبد الوهاب، وهو بابة إسماعيل بن رافع، ويقال: إنه لم يسمع من أبيه شيئًا. وروى عبد الرحمن بن البيلماني عن ابن عمر ﵄ بعضًا منه (٢). وقوله (أنا أُبَدِّيه) أي: أُقَدِّمُه على نفسي، وأَجْعَلُ سَبْقي له، فيكون (٣) هو الذي يبدأ قبلي. وقوله (صم الليالي البِيضَ) أي: صُمْ نهار الليالي البيض، حذف المضاف، وأقام المضاف إليه مُقامَه، وله في القرآن والحديث نظائر.

стр. 293

وفيه دليل أنَّ السابق إلى المباح أَوْلَى به ممَّنْ بعده، وأن معرفة حق أولي الفضل مُستحبَّة، وأنَّ الإيثار في الأحوال مندوب إليه، وفيه معجزات النبي ﷺ . ٧٠ - أخبرنا أبو علي الحسن بن أحمد الحداد ﵀ سنة خمس وسنة ست وخمس مئة، قال: حدثنا أبو نعيم أحمدُ بنُ عبدِ الله الحافظ، قال: حدثنا سليمان بن أحمد الطبراني، قال: حدثنا (١) أبو يعلى محمد بن إسحاق بن إبراهيم بن شاذان، قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا مُجاشِعُ بْنُ عَمْرٍو، قال: حدثنا ابن لهيعة، عن عُقَيل، عن الزهري، عن أنس ﵁ قال: قحَلَ (٢) النَّاسُ على عهد رسول الله ﷺ ، فأتاه المسلمون فقالوا: يا رسول الله، قحط المطر، ويبسَ الشَّجَرُ، وهلَكَتِ المواشي، وأَسْنَتَ النَّاسُ؛ فَاسْتَسْقِ لنا ربَّكَ ، فقال: «إذا كان يوم كذا وكذا - يعني: فاخْرُجوا - واخرجوا معكم بصدقات». قال: فلما كان ذلك اليوم خرج رسول الله ﷺ والنَّاسُ معه، يمشي ويمشون عليهم السكينة والوقار حتى أتَوُا المُصلَّى، فتقدم النَّبِيُّ ﷺ فصلى بهم ركعتين يَجْهَرُ فيهما بالقراءة، وكان رسولُ الله ﷺ يقرأ في العيدين والاستسقاء في الركعة الأولى بفاتحة الكتاب، وسبح اسم ربك الأعلى، وفي الركعة الثانية بفاتحة الكتاب، وهل أتاك حديث الغاشية، فلما قضى صلاته استقبل القوم بوَجْهِه، وقلَبَ رِداءَه - زاد غير أبي نُعَيم عن الطَّبَراني: قال: لكي يَنْقَلِبَ القَحْط إلى الخِصْب - ثم جثا على ركبتيه، ورفع (٣) يديه، وكبر تكبيرةً قبل أن يَسْتسقي، ثم قال: «اللهمَّ اسْقِنا وأَغِثْنا، اللهم اسْقِنا غَيْئًا مُغِيثًا، وحيًا ربيعًا،

стр. 294

وَجَدًا (١) طَبَقًا، غَدَقًا مُغْدِقًا عامًا، هنيئًا مَرِيئًا، مَرِيعًا مُرْبِعًا، وابلًا شاملًا، مُسْبِلًا مُجَلّلًا، دائمًا دِرَرًا، نافعًا غير ضار، عاجلًا غير رائث، غيثًا اللهم تُحْيِي به البلاد، وتُغِيثُ به العباد، وتجعله بلاغًا للحاضر منا والباد، اللهم أَنْزِلْ في أرضنا زينتها، وأَنْزِلْ علينا في أرضِنا سكَنَها، اللهم أنزل علينا من السَّماءِ ماءً طَهُورًا تُحْيِي به بلدةً مَيْتًا، واسْقِه مما خلَقْتَ لنا أنعامًا وأناسي كثيرًا». قال: فما برحنا حتى أقبلَ فَزَعُ مِنْ (٢) السحاب فالتأم (٣) بعضُه إلى بعض، ثم مطرَتْ عليهم سبعةَ أَيَّامٍ وليالِيَهُنَّ، لا تُقْلِعُ عن المدينة؛ فأتاه المسلمون فقالوا: يا رسول الله، قد غرِقَتِ الأرض، وتهدَّمَتِ البيوت، وانقطعَتِ السُّبُلُ؛ فادْعُ الله - تعالى - أن يَصْرِفَها عنَّا، فَضَحِك رسول الله ﷺ وهو على المنبر، حتى بدت نواجذه تعجبًا لِسُرعة ملالةِ ابنِ آدم، ثم رفع يديه، ثم قال: «حوالينا ولا علينا، اللهم على رؤوس الضّراب، ومنابت الشجر، وبطون الأودية، وظهور الآكام» فتصدَّعَتْ عن المدينة، حتى كانت في مِثْلِ التَّرْسِ عليها كالفسطاط، تَمْطُر، مراعيها، ولا تمطر فيها قطرة (٤).

стр. 295

قال أبو نعيم: هذا حديثُ مُجاشِع يتفرد به عن ابن لهيعة، عن عُقيل. هذا حديث صحيح من حديث أنس، رواه عنه: شَرِيكُ بنُ عبدِ الله بن أبي نَمِرٍ (١)، وإسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة (٢)، ويحيى بن سعيد الأنصاري (٣)، وحفص بن عُبيد الله بن أنس (٤)، والحسن البصري (٥)، وثابت البناني (٦)، وقتادة بن دِعامة (٧)، وحُمَيدُ الطَّويل (٨)، وعبد العزيز بن صهيب (٩)، وسالم بن أبي الجعد (١٠) في آخِرين. وهو غريب من حديثِ الزُّهْري، عنه، تفرَّد به مجاشع فيما أعلم. ورواه أبو عبد الله ابن منده الحافظ، عن شيخ له، عن عبد الله بن

стр. 296

مسلم، عن يَزْداد (١) بن أسد، عن مُجاشِع (٢). ومُجاشِعٌ: ليس بذاك القوي (٣). وفي الباب عن جماعة من الصحابة ﵃، عن النبي ﷺ في الاستسقاء. وقوله (قحَلَ النَّاسُ) يقال: فَحَل وقَحِل فَحْلًا، يَبِسَ النَّاسُ مِنْ شِدَّةِ القحط، وقلة اللبن والطعام. والقحط: احتباس المطر، يقال: قحط المطر، أي: احتبس، وقحط القوم: أصابهم القَحْط، وأَقْحط الرَّجلُ: إذا جامع ولم يُنْزِلْ. و (أسنَتَ النَّاسُ) أي: دخلوا في السَّنَةِ، وهي: القَحْط أيضًا وشِدَّةُ الزمان. والغيث: المطر. والمُغِيث: الذي يُحْيِي النَّاسَ، ويُنجيهم مِنْ الشِّدَّة. وفي نسختي بعد قوله (غيثًا مُغِيثًا): عَيْنًا مَعِينًا، فلا أدري أكتب اللفظتين مرتين ثم خالف ما بينهما بالعجم، أو هما محفوظتان؟ ولا أراهما كذلك.

стр. 297

والحيا - مقصور -: المطر أيضًا الذي تحيا به الأرض والمواشي، قال الشاعر: حيًا لمن عاش، وقتلاه هدر (١) يصف السَّيْلَ، أي: من أصابه السَّيْلُ بشرٌ، أو قتله، فدَمُه باطل لا يُودَى من السيل. وفي بعض النسخ مكان (وحيًا): رَحْبًا، أي: واسعًا (٢)، ولا أراه أيضًا محفوظًا. والجدا - مقصور أيضًا - هو المطر العام، والجَدا في العطية، والجَدْوَى منه أيضًا. والطَّبَقُ: الذي يُطَبّقُ الأرض، أي: يعم وجهها. والغدقُ: الكثير القطر، والمُغْدِقُ أيضًا. والمريع: المُخْصِبُ النَّاجِعُ في المال والماشية، من المَراعَةِ، ومَرَعَ المكانُ: كَثُرَ نَبْتُه، وأمرَعَ القومُ المكانَ: أصابوه مريعًا، وأَمْرعَ الوادي أَكْلًا. والمربع: المغني عن الارتحال عنه في طلب النبات، يقال: رَبَعَ بالمكان: أقام به، وأربع، أي: ألجأ النَّاسَ إلى أن يَرْبَعوا عنده؛ لعموم نباته، وكثرة مائه. ويروى: مرتعًا - بالتاء - من رتعَتِ الإبلُ، إذا رعَتْ، وأرتعها الله، أي: أنبت لها ما تَرْتَعُ وتَرْعَى فيه. والوابل: المطر الشديد الكبير القطر. وقوله (دائمًا) في بعض الروايات: دِيمًا، وهو جمع ديمة، وهي: مطر يدوم في سكون.

стр. 298

والدرر: جمع الدُّرَّةِ، وَدِرَّةُ السَّحاب: صَبُّه. والمُسْبِل: مِنْ السَّبَل، وهو المطر أيضًا، يقال: سَبَلَ سابل، ومطر ماطر. والمُجلّل: الذي يَسْتُر الأرض بمائه، أو بالنبات الذي ينبت من مائه، كأنه يكسوها ذلك. والرائث: البطيء. وقوله (تجعله بلاغًا للحاضر مِنَّا والباد) أي: ما يكفي أهل حضرنا وبَدونا. وزينة الأرض وحياتها بنباتها، قال الله ﷻ : ﴿يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [الروم: ٥٠]، وقال: ﴿حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ﴾ [يونس: ٢٤]. والسَّكَنُ: القُوتُ الذي به يُسْكَنُ في البلد كالنَّزَل، وهو: الطعام الذي يُنْزَلُ عليه ويُكْتَفَى به. وقوله (حوالينا ولا علينا) في موضع نَصْبٍ، أي: أَمْطِرْ حوالينا ولا تُمْطِر علينا. والظراب: جمع ظَرِب، وهو من الحجارة: ما ثَبَتَ أصله، واحتدَّ طَرَفُه. والقزع: القطع، جمعُ قُزَعَةٍ، وهو مما يُفَرَّقُ بين واحده وجمعه بالهاء، كما يُقال: سحابةٌ وسحاب، وقد وردَتْ كلمات على العكس من ذلك تُحْذَفُ الهاء من واحدها، وتثبت في جمعها (١). وقوله (عليها) يعني: على المدينة.

стр. 299

و (حتى كانت) يعني المدينة، ولفظة (في) كأنها زيادة، أي: حتى كانت المدينةُ أو السَّماءُ مِثْلَ التُّرْس وَسْطَ السَّحاب، والسَّحابُ (عليها) كالفسطاط. ومما يُسْتَحسَنُ في الاستسقاء: * * * ٧١ - ما أخبرنا به أبو علي الحدَّادُ في كتابه، أنَّ أبا يَعْلى الخليل بن عبد الله الحافظ كتب إليه مِنْ قَزْوينَ قال: حدثنا محمَّدُ بنُ الحَسَنِ بنِ (١) الفتح، قال: حدثنا عبد الله بن محمَّدٍ البَغَوِيُّ، قال: حدثنا أبو خَيْثمة، قال: حدثنا محمد بن خازم الضرير، قال: حدثنا الأعمش، عن أبي صالح، عن مالك الدَّار (٢) قال: أَصَابَ النَّاسَ قَحْط في زمانِ عُمَرَ بنِ الخَطاب ﵁، فجاء رجل إلى قبر النَّبيِّ ﷺ فقال: يا نبي الله، اِسْتَسْقِ الله - تعالى - لِأُمَّتِكَ، فرأى النَّبِيَّ ﷺ في المنام [فقال] (٣): «ائت عمر فأَقْرِئُه السلام، وقُلْ له: إنكم تُسْقَوْن، فعليك بالكَيْس الكَيْس». قال: فبكى عُمر ﵁، وقال: يا رب ما آلو إلا ما عجَزْتُ عنه (٤).

стр. 300

يقال: إنَّ أبا صالح سمع مالك الدار هذا الحديثَ، والباقون أرسلوه (١). وفي هذا دليل أنَّ رسول الله ﷺ يَعْرِفُ أحوالَ أُمَّتِه وما يَجْرِي عليهم بعد موته، كما كان يَعْرِفُه في حياته، وأنه مَعْنِي بهم كما كان ﷺ . كتب إليَّ ثعلب بن جعفر السَّرَّاجُ (٢) تحلله من مدينة السلام أن أباه (٣) أنشدهم عَقِيبَ حديث الاستسقاء لِنَفْسِه (٤): سألنا وقد ضَنَّ السَّحابُ بمائه … نبي الهدى في جُمْعةٍ وهو يخطب فقُلْنا: قد اغبرتْ مِنْ الجَدْبِ أرضُنا … فليس لنا فيها مِنَ الضُّر مذهب فما زال يدعو الله والصَّحْبُ حوله … ويَصْرَعُ مقلوبَ الرِّداءِ وَيَرْغَبُ إلى أَنْ بَدَتْ من نحوِ سَلْعِ سحابة … فلما تَزَلْ سنًّا على القوم تَسْكُبُ فقام إليه بعضُ مَنْ كان شاهدًا … يقول وأخلافُ السَّماواتِ تَحْلُبُ

стр. 301

سل الله يا خيرَ النَّبِيِّين حَبْسَها … فقد خيف منها أَنْ تَهدَّمَ يَشْرِبُ * * * ٧٢ - أخبرنا أبو علي الحسن بن أحمد الحداد حَمَلَهُ قراءة عليه وأنا أسمع سنة خمس وخمس مئة، ثم بعده سنة ست، قال: حدثنا أبو نعيم أحمد بن عبد الله الحافظ قال: حدثنا الحسن بن إسحاق بن إبراهيم بن زيد قال: حدثنا المنتصر بن نصر بن المنتصر، ح. وأخبرنا أبو العباس أحمدُ بنُ الحسين بن أبي ذَرِّ الصَّالحاني (١) بقراءة الحافظ أبي نَصْرِ اليُوْنارتي عليه رحمهما الله سنة سبع وخمس مئة، قال: أخبرنا جَدِّي أبو ذر محمد بن إبراهيم سنة سبع وعشرين وأربع مئة، قال: حدثنا أبو محمد بن حيان، قال: حدثنا عبد الرحمن بن الحسن. قالا: حدثنا أحمدُ بنُ رَشَدِ بنِ خُثَيْم الهلالي، قال: حدثنا عمي سعيدُ بنُ خُثيم، عن مُسْلِم الملائي، عن أنس بن مالك ﵁ قال: جاء أعرابي إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، لقد أتيناك وما لنا بعير يَئِطُ، ولا صبيٌّ يَصْطَبِحُ، وأنشد: أتيناك والعذراء يَدْمَى لَبانها … وقد شُغِلَتْ أم الصبي عن الطفل (٢) وألقى بكفيه الفتى إستكانة … من الجوع ضَعْفًا ما يُمِرُّ وما يُحلي ولا شيء مما يأكلُ النَّاسُ عندنا … سوى الحَنْظَلِ العَامِيِّ والعِلْهِزِ الفَضْلِ وليس لنا إلا إليك فرارنا … وأين فرارُ النَّاس إلا إلى الرُّسل فقام رسول الله ﷺ يَجُرُّ رِداءَه حتى صَعِد المنبر، فحمد الله تعالى وأثنى عليه، ثم رفع يده إلى السماء فقال: «اللهم اسْقِنا غَيْثًا مُغِيثًا مَرِيئًا مَرِيعًا غدقًا طبقًا عاجلًا غير رائث، نافعًا غير ضار، تملأ به الضَّرْعَ، وتُنْبِتُ به الزَّرْعَ، وتُحيي به الأرض بعد موتها، وكذلك تُخْرَجون» قال: فما ردَّ رسول الله ﷺ

стр. 302

يديه إلى نَحْرِه حتى [أَلْقَت] (١) السَّمَاءُ بِأَرْواقِها (٢) وجاء أهل البطانة يَضِلُّون: يا رسول الله، الغرق الغرق فرفع يديه إلى السماء ثم قال: «اللهم حوالينا ولا علينا» فانجاب السَّحابُ عن المدينة حتى أحدق بها كالإكليل؛ فضحك رسول الله ﷺ حتى بدت نواجذه، ثم قال: «الله أبو طالب، لو كان حيًا قرَّتْ عيناه، مَنِ الذي يُنْشِدُنا قوله؟» فقام علي بن أبي طالب ﷺ فقال: يا رسول الله، كأَنَّكَ أَرَدْتَ: وأبيض يُسْتَسْقَى الغَمام بوجهه … ثمالُ اليتامى، عضمة للأرامل يَلوذُ به الهلاك من آل هاشم … فهم عنده في نعمة وفواضلِ كذَبْتُم - وبيت الله - يُبْزَى محمد ولما نقاتل دونه وتناضل ونُسْلِمَه حتى نُصَرَّعَ حولَه … ونَذْهَلَ عن أبنائنا والحلائل فقال رسول الله ﷺ : «أجل». قال: فقام رجل من كنانة فقال: لك الحمد، والحمدُ ممَّنْ شَكَرْ … سُقِينا بوَجْهِ النَّبيِّ المطر دعى الله خالقه دعوةً … إليه، وأشخص منه البصر فلم يَكُ إِلَّا كإلقا الردا … ء وأسرع حتى رأينا المطر دفاق العزائل، جَمُّ البُعاقِ … أغاثَ به الله عُلْيا مُضَر (٣) وكان كما قاله عمه … أبو طالب أبيض ذو غُرر

стр. 303

به الله يسقي صوب الغمام … وهذا العيان لذاك الخبير فمن يشكر الله يلق المزيد … ومن يكفر الله يلق الخئير فقال رسول الله ﷺ : «إن يك شاعر أحسن فقد أحسن». (١) هذا حديث غريب من حديث أنس ﵁ بهذه السياقة والزيادات، تفرد به عنه مسلم بن كيسان أبو عبد الله الضبئي الأعور الكوفي الملائي، لا أعرفه إلا من حديث أحمد بن رشيد، عن عمه، عنه، وهما كوفيان حسان الحال (٢)، ثم رواه عن ابن رشد جماعة، ورشد من الأسامي المفردة، لا أعرف من تسمى به غيره (٣). والأطيط: حنين البعير وصياحه، أي: ما لنا بعير أصلا؛ لأن البعير لا بد أن ينط، ويستعمل هذا اللفظ للتأبيد، يقال: لا أفعل كذا ما أطت الإبل، أي: أبدا (٤). قال الأعشى:

стр. 304

أَلَسْتَ منتهيًا عن نَحْتِ أُثْلَتِنا … وَلَسْتَ ضَائِرًاها ما أَطَّتِ الإبلُ (١) ومعناه في الحديث: أي: لم يَبْقَ لنا إبِلُ مِنْ شِدَّةِ الجَدْب. والاصطباح: شُرْبُ الصَّبُوح، وهو ما يُشْرَبُ من اللبن بالغداة، والغَبُوقُ: ما يُشْرَبُ بالعَشِيِّ، والقَيْلةُ: شُرْبُ نصفِ النَّهار، والفَحْمةُ: شُرْبُ أَوَّلِ اللَّيل، والعتمة والجاشِرِيَّةُ: شُرْبُ السَّحَر (٢)، وأنشدَ المُضَرِّسُ (٣): صَبوحي إذا ما ذرَّتِ الشَّمسُ ذِكْرَكم … ولي ذِكْرُكم عند المساء غَبُوقُ أي: ليس (٤) عندنا لبن قَدْرَ ما يَصْطَبِحُه صبيٌّ؛ لأنَّ ما يكتفي به الصَّبيُّ دون ما يحتاج إليه الكبير، ويمكن أن يريد به فَناء الصبيان من الجذب، أي: لم يبق فينا صبي أصلًا، ولأنَّ الصَّبيَّ أقلُّ صبرًا عن الاصطباح من الكبير. والعذراء: البكر من النساء، سُمِّيَتْ به لضيق ما معها، كما يقال للجامعة من الأغلال: عذراء؛ لضيقها. واللبان - بالفتح -: الصَّدْرُ، أي: مِنْ كثرة امتهانها نفسها وخدمتها دَمِي صَدْرُها، وأصلُ اللَّبان للفرس، وقد يُستعار للإنسان، أي: لا تجد العذراء ما تُعْطِي مَنْ تَكْفِيهَا خِدْمَتَها

стр. 305

وقد رأيتُ مَنْ يَرْوِي (تَدْمَى لبانُها) بالتاء، على نحو قراءة [من قرأ] (١) قوله ﵎ (٢): ﴿يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ﴾ [يوسف: ١٠] بالتاء (٣)؛ لأنَّ السَّيَّارَةَ تُؤنَّثُ لهاء التأنيث فيها، وبعضها منها أيضًا، فكذلك المرأة تُؤنَّثُ، وألبانها بعض منها. وقوله (شُغِلَتْ أمُّ الصَّبيّ عن الطَّفْل) أي: شُغِلَتْ عن ترتيب ولدها بما هي فيها من شِدَّةِ الزَّمان وصعوبة الحال، وفيه معنى من قوله تعالى في صفة (٤) القيامة: ﴿تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ﴾ [الحج: ٢]، ولو قال: ذَهَلَتْ أمُّ الصبي، لكان أقرب من لفظ القرآن. وقوله (وألقى بكفيه الفتى إستكانة) أكثر ما يُرْوَى بقطع الهمزة، وأصلها الوصل، ولكن جُوِّزَ لضرورة الشعر، كما أنشد بعضُهم (٥): ألا لا أرى إثنين أحسنَ شِيمةً … على حدثانِ الدَّهْرِ مِنِّي وَمِنْ جُمْلِ أظهر همزة (إثنين) وإن كان حقها الإخفاء. ومنهم من يرويه (الفتي استكانة) بتشديد الياء وإخفاء الهمزة، وإن رُوِي (الفتي) لكان وجهًا حسنًا، والفَتِيُّ من الإبل: القويُّ الطَّرِيُّ الشَّابُّ، والفتى: واحد الفتيان من الناس، والاستكانة: الخضوع. وقوله (ما يُمِرُّ وما يُحْلِي) أي: ما يتكلَّمُ بِحُلو من الكلام ولا مُرّ، أي: لا ينطق بخير ولا بِشَرِّ من الجوع والضعف.

стр. 306

والإلقاء بالكف من معاني قوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥]. و (الحنظل العامي) الذي يُتَّخَذُ في عام الجَدْب. و (العِلْهِز) شيء كانوا يدَّخِرونه لعام المجاعة من الدَّمِ وأَوْبَارِ الإبل، ثم يُعالجونه بالنار ويأكلونه عند قِلَّةِ الطَّعام، وقيل: هو قِرْدان (١) ودم يُعالجان بالنار. و (الفشل) الضعيف، والمعنى: الفَضْلُ آكِلُه ومُدَّخِرُه، فصرف الوصف إلى العِلْهِز، وهو في الحقيقة لأكله، كما قيل في معنى قوله تعالى: ﴿وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ﴾ [الإسراء: ٦٠] أي: الملعون آكِلُوها ومُسْتَوْجِبُوها، ورُوِي (الفَسْل) وهو بالسين المهملة. والألفاظ التي في صفات الغَيْثِ قد (٢) فسرناها في المجلس الذي قبل هذا. ورُبَّما يُرْوَى في هذا الحديث أو في الذي قبله لفظة (مُونِقًا) ومعناها: مُعْجِبًا، من: آنقَني الشَّيءُ. وقوله (وتُحْيِي به الأرض بعد موتها، وكذلك تُخْرَجون) يجوز أن يكون تلفظه ﷺ بقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ عقيب الدُّعاء، أراد به إتمام قراءة هذه الآية (٣)، ويجوز أنه أراد به (٤) إعلامَ الصَّحابةِ ومُخاطبتهم أَنَّ الله كما يُحْيِي الأرض بعد موتها بالمطر، كذلك يُحْيِي الخَلْقَ بعد الموت، كأنه قطع

стр. 307

الدُّعاء عند قوله (بعد موتها)، ثم خاطب الصحابة بقوله: (وكذلك تُخْرَجون). وقوله ([أَلْقَت] (١) السَّماءُ بأَرْواقِها) في بعض الروايات: (ارتجَتِ السَّماء)، والسَّماء هاهنا يُراد به السحاب، أي: [أَلْقَت] (٢) بجميع ما فيها من الماء، كأنه قال: [أَلْقَت] (٣) السَّماءُ بمائها الكثيرِ المُثْقِلِ لِلسَّحاب. وقيل: معنى (بأَرْواقِها) أي: بمياهها الصَّافية، من راق الماء، إذا صفا، وشرابٌ مُروَّقٌ، وذكر بعضُهم (٤) أنَّ هذا المعنى يُستبعد هاهنا؛ لأنه لا يقال: ماء رَوْقٌ، وَأَمْواهُ أَرْواقُ. و (أهل البطانة) ذُكر أنهم الذين كانوا ينزلون حوالي المدينة. وقوله (الغرق الغرق) انتصب بفعل مُضْمَرٍ، أي: نخاف الغرق، أو: احذر الغرق، وأعاد اللفظ تنبيهًا على شدَّة الأمر. وقوله (فانجاب السحاب) قال أبوبكر الأنباري: أي: تقبض واجتمع، وقال غيره: انكشف وذهب (٥). والإكليل: كالتاج، أي: صار السحاب حول المدينة كالإكليل حول الرأس. وقوله (لله أبو طالب) قد شرَحْناه فيما تقدَّم (٦)، وأنَّ العرب تَنْسُب كل ما تستحسنه وترتضيه إلى الله - تعالى -. و (قرَّتْ عيناه) قال الأصمعي: أي بَرَد دمعتُها؛ لأن دمعة السرور باردة، ودمعة الحُزْنِ حارَّةٌ، ولهذا يقال في ضدّه: أسخن الله عينه، وأنكر أبو العباس

стр. 308

ثعلب (١) هذا القول، وقال: الدَّمع كله حارٌّ، وإنما معنى قوله قرَّتْ عينه، أي: أدركت مأمولها بحيث تقَرُّ عنده وتَرْضَى به، فلا تَسْتَشْرِف إلى غيره (٢). والشِّمالُ: المُطْعِمُ، يقال: ثَمَلَهم يَثْمُلُهم، أي: أطعمهم، وقيل: الثَّمال مُعتمد القوم. وفي رواية: ربيع اليتامى. والعصمة للأرامل: الذي يمْنَعُهنَّ مِنْ أَنْ يُظْلَمْن. وقوله (يُسْتَسْقَى الغَمام بوجهه) أي: بجاهه وحرمته. و (يُبْزَى) أي: يُقْهَر ويُغْلَب، ورواه بعضهم: يُقْتَلْ محمد، بالجزم لضرورة الشعر، ويرويه بعضهم: يُقْتَلُ أحمد. و (لما نُقاتل) أي: لم تُقاتِلْ، و (نُناضل) جَزْمٌ، عطف على (نقاتل)، أي: كذَبْتُم بِحَقِّ بيت الله أن يُغْلَبَ محمد ولم نُقاتِل دونه. وقوله (وَنُسْلِمَه) انتصب على القطع كقوله تعالى: ﴿وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ عقيب قوله: ﴿وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ﴾ (٣). وقوله (والحمدُ ممَّنْ شكَرْ) أي: الذي يَحْمَدُ الله إنما يَشكره بما أَوْلاه (٤) مِنْ نِعَمِه، ويجوز أن يُرِيدَ به: والحمدُ بتوفيق الله الذي شكر من عباده العمل اليسير في جَنْبِ النِّعمة الكثيرة.

стр. 309

وقوله (دعا الله خالقه دعوةً إليه) أي: دعا الله إلى إنزال الغيث، ويرويه بعضهم: دعوةً أُجِيبَتْ. وقوله (كإلقا الرداء) هذا من الممدود الذي قُصِرَ لأجل الشعر، كما يُمَدُّ المقصور للشعر (١). وقوله (حتى رأينا المطر) يرويه بعضُهم: رأينا الدرر. والدفاق: المطر الواسع الكثير المتدفّق. و (العزائل) مقلوب من العزالي، وربما يُرْوَى بهذا اللفظ، كما يُقْلَبُ عاقني وعَقَاني (٢). والعزلاء: فَمُ المزادة، شَبَّه ما يَمْطُر مِنْ السَّحاب بما يتدفّقُ من فم المزادة. والبعاق: المطر العظيم. والجم: الكثير. وقوله (به الله يسقي) فيه انكسار في اللفظ والوَزْن، ويرويه بعضهم به الله أنزل.

стр. 310

والصَّوْبُ: نزول المطر. و (الغَيْرُ) التغيير، أي: ومن يكفر الله في نِعَمِهِ يُغَيِّرْ حاله. وفي هذا الحديث دليل أنَّ التَّشْبِيبَ في الحاجات بالشِّعْرِ جائز. ٧٣ - أخبرنا أبو العباس أحمد بن الحُسَيْن بن أبي ذَرٍّ الصَّالْحَانِيُّ ﵀ سنة سبع وخمس مئة، قال: أخبرنا جَدِّي أبو ذَرٍّ سنة سبع وعشرين وأربع مئة، قال: حدثنا أبو محمد بن حَيَّان، قال: حدثنا محمد بن عبد الله بن مُصْعَب (١) - هو خطيب جامع أصبهان - قال: حدثنا عبد الجبار - هو ابن العَلاء المَكِّيُّ - قال: حدثنا مروان بن معاوية، قال: حدثنا محمد بن أبي ذِئْب المدني، عن عبد الله بن محمد بن عُمَر بن حاطب الجُمَحِيّ، عن أبي وجْزَة يزيد بن عُبَيْد السُّلَمِيّ، عن أبيه قال: لما قتل رسول الله ﷺ من غزوة تبوك أتاه وفد بني فَزَارَة بضعة عشر رجلًا، فيهم: خارجة بن حِصْن، والحُرّ (٢) بن قيس - وهو أصغرهم - ابن أخي عُيَيْنَة بن حِصْن، ونزلوا في دار رُمْلَة بنت الحارث الأنصاريّ، وقَدِموا على إبل ضِعاف عجاف وهم [مُسْنَتُون] (٣)، فأتوا رسول الله ﷺ مُقِرّين بالإسلام، فسألهم رسول الله ﷺ عن بلادهم، فقالوا: يا رسول الله، أسْنَتَّ بلادنا، وأَجْدَبَتْ جِنابنا، وعَرِيَتْ عيالنا، وهلكت مواشينا، فادْعُ رَبَّكَ أن يُغِيثنا، وتَشَفَّعْ لنا إلى ربِّكَ، ولْيَشْفَعْ رَبُّكَ إليك! فقال رسول الله ﷺ : «سبحان الله! ويلك هذا، أنا شَفَعْتُ» (٤).

стр. 311

إلى ربي ﷺ ، فمن ذا (١) الذي يَشْفَعُ ربُّنا إليه؟!، لا إله إلا الله العظيم، وسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ والأرض، وهو يَئِطُ من عظمته وجلاله كما يَئِيُّ الرَّحْلُ الجديد». فقام رسول الله ﷺ فصعد المنبر، وتكلم بكلمات، ورفع يديه - وكان رسول الله ﷺ لا يرفع يديه في شيء من الدعاء إلا في الاستسقاء - فرفع يديه حتى رأيْتُ بياض إبطيه، وكان مما حُفِظ مِنْ دعائه: «اللهم اسق بلدك وبهيمتك، وانشر رحمتك، وأَحْيِ بلدَكَ المَيْتَ، اللهم اسقنا غيثًا مُغِيثًا، مريئًا مريعًا، طبقًا واسعًا عاجلًا غير آجل، نافعًا غير ضار، اللهم سُقيا رحمة لا سُقيا عذاب ولا هَدْم ولا غرَقٍ ولا محقٍ، اللهم اسقنا الغيث، وانصُرْنا على الأعداء». فقام أبو لبابة بن عبد المنذر ﷺ فقال: يا رسول الله، إِنَّ التَّمْرَ في المرابد، فقال رسول الله ﷺ : «اللهم اسقنا» فقال أبو لبابة: التمر في المرابد ثلاث مرار - فقال رسول الله ﷺ : «اللهم اسقنا، حتى يقوم أبو لبابة عُرْيانًا يسُدُّ ثعلبَ مِرْبَدِه (٢) بإزاره». قال: ولا والله (٣) ما في السَّماء من قزعة ولا سحاب، وما بين المسجد إلى سَلْع من بناء ولا دار، فطلَعَتْ مِنْ وراء السَّلْعِ سحابةٌ مِثْلُ التَّرْسِ، فإذا توسطَتْ السَّماءَ انتشرَتْ وهم ينظرون، ثم أَمْطَرَتْ، فوالله ما رأَوُا الشَّمس سِتًّا، وقام أبو لبابة عُرْيانًا يَسُدُّ ثعلبَ مِرْبَدِه بإزاره أَنْ لا يَخْرُجَ التَّمْرُ منه. فقال الرجل - يعني الذي سأله أَنْ يَسْتسقي لهم -: يا رسول الله، هلكت الأموال، وانقطعت السُّبُلُ؛ فصَعِد رسول الله ﷺ المنبر، فدعا، ورفع يديه

стр. 312

حتى يُرَى (١) بياض إبطيه، ثم قال: «اللهم حوالينا ولا علينا، على الآكام والظراب وبطون الأودية ومنابت الشَّجَر» فانجابَتِ السَّماءُ (٢) عن المدينة كانْجِيابِ الثَّوْب (٣) قال الإمام - حرسه الله -: هذا حديث حسن مع الإرسال الذي فيه، عزيز الإسناد. وعبد الله بن محمَّدِ بنِ عُمَرَ بنِ حاطب: لا أَعْرِفُه إلا في هذا الحديث، ولم يذكره أحد من أصحاب التواريخ إلا أبو عبد الله بنُ مَنْدَه الحافظ ﵀، ولا أظنُّه ذكره إلا من هذا الحديث أيضًا. والمشهور من ولد الحاطب بن الحارثِ الجُمحي: محمد بن حاطب (٤) والحارث بن حاطب (٥): صحابيان (٦) ﵄، فأما عمر بن حاطب (٧): فلا أعرفه.

стр. 313

ومن آل حاطب: عبد الله بن الحارث بن محمَّدِ بنِ عَمْرِو بنِ محمَّدِ بنِ حاطب (١) (٢)، وعبد الرحمن بن عثمان بن إبراهيم بن محمد بن حاطب (٣)، يرويان عن آبائهما. فأما الذي في هذا الإسناد إنْ ضُبط نَقْلُه فلا أَعْرِفه، إلا أن يكون صُحف عَمْرُو بعُمر، ونُسب إلى جَدِّه، وكذلك عبد الله نُسب إلى جده (٤). وأما أبو وَجْزَةَ: فهو سَعْدِيٌّ شاعرٌ، مِنْ بني سَعْدِ بن بكر بن هوازن، من بين السعديين العشرة، لا أعلم أحدًا نسبه إلى بني سُلَيم (٥)، ولا أَعْرِفُ له عن أبيه إلا هذا الحديث، وحديثًا آخر في الاستسقاء أيضًا (٦). وفي الصَّحابة: عُبَيدُ بنُ خالدٍ السُّلَمي (٧)، وليس بهذا. فأما قِصَّةُ أبي لبابة فقد رُوِيَتْ مِنْ وجه أحسن من هذا: * * * ٧٤ - أجازه لي من رواه عن أبي الحسين بن فانشاه قال: أخبرنا أبو القاسم الطَّبَرانيُّ، قال: حدثنا أبو عوانة يعقوب بن إسحاق النيسابوري

стр. 314

الحافظ، قال: حدثنا محمدُ بنُ حَمَّادٍ الطهراني، قال: حدثنا السندي سهل بنُ عبد الرحمن قال: حدثنا عبد الله بن عبد الله المدني، عن ابن حرملة، عن سعيد بن المسيب، عن أبي لُبابةَ بنِ عبدِ المنذر ﵁ قال: استسقى رسول الله ﷺ فقال: «اللهم اسقنا، اللهم اسقنا» فقال أبو لبابة ﵁: يا رسول الله، إنَّ التمر في المرابد! فقال: «اللهم اسقنا حتى يقوم أبو لبابة عُرْيانًا فيَسُدَّ مَثْعَبَ مِرْبَدِه (١) بإزاره»، قال: وما يُرَى في السَّماء سحاب، فأمطرت؛ فاجتمعوا إلى أبي لبابة فقالوا: إنها لن تُقْلِعَ حتى تقومَ عُرْيانًا وتَسُدَّ مِرْبدَك بإزارك، كما قال رسول الله ﷺ ، ففعل، يعني: فأقلعت السَّماءُ (٢).

стр. 315

هذا حديثٌ يُعَدُّ في أفراد أهل الرَّيِّ عن أهل المدينة؛ فَسَهْلُ بنُ عبد الرحمن من أعلام أهلِ الرَّيِّ، يعرف بالسِّنْدي بن عبدويه، وعبد الله بن عبد الله، هو: أبو أُوَيسِ المدني، وابنُ حَرْملةَ، اسمه: عبد الرحمن، من أهل المدينة أيضًا، ومحمَّد بن حَمَّادٍ: مِنْ طِهْرانَ الرَّيِّ، لا طهران أصبهان (١). ولأبي طلحةَ قِصَّةٌ نحو قِصَّةِ أبي لبابة غريبة: * * * ٧٥ - أخبرنا أحمد بن أبي منصور الصَّالحاني حمله قال: أخبرنا أحمدُ بنُ محمد بن إبراهيم الواعظ، قال: حدثنا عبد الله بن محمد بن جعفر، قال: حدثنا أحمد بن عمرو بن عبد الخالق، وابنُ معَدانَ - يعني أبا بكر - قالا: حدثنا إبراهيم بن سعيد، قال: حدثنا يحيى بن صالح، عن سليمان بن عطاء - هو الحَرَّاني، عن مسلمة بن عبد الله الجهني، عن عمه أبي مشجعة، عن سلمان ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ دعا في الاستسقاء وجثا على ركبته - أو ركبتيه - ورفع يديه حتى يُرَى بياض (٢) إبطيه، وحوّل رداءه عن يمينه إلى يساره، فقال له أبو طلحة ﵁: ذهبتُ - أو: هلكت - يا رسول الله، قال: «لم؟» قال: الثَّمر الذي فوق الإِجَار (٣)، قال: «نعم، فأَدْرِكْه» فما أدركه حتى سال به السَّيْلُ إلى الميزاب (٤). هذا حديث عزيز.

стр. 316

وقد ذُكِرَ في حديث أبي وَجْزةَ أنَّ الاستسقاء كان بعد غزوة تبوك، وذلك سنة تسع من الهجرة، وذكر بعضُ الحُفَّاظ (١) أنَّ الاستسقاء كان في رمضان سنةَ ست، ولعلهما كانوا جميعًا، وفي حديث أنس ﵁ أنه كان يوم الجمعة ورسول الله ﷺ يخطب على المنبر (٢). وأما ما ذُكر في حديث أبي وَجْزة مِنْ ذِكْر الاستشفاع إلى الله فالمشهور من حديث جبير بن مُطْعِم ﵁ (٣).

стр. 317

فأما الحديث الآخَرُ الذي رواه أبو وَجْزة عن أبيه فهو ما رواه الزبير بن بكار، عن محمد بن الحسن (١)، عن عبد الرحمن بن عبد الله، عن أبيه، عن أبي وَجْزةَ، عن أبيه، في استسقاء عمر بالعباس بن عبد المطلب ﵄، وله طرق في الصحيح (٢) وغيره. وقد أنشد فيه جعفر السَّرَّاجُ البغدادي ما كتب إليَّ ابنه ثعلب، ومحمود (٣) بن الفَضْلِ الأَصْبَهَانِيُّ الحافظا رَحِمَهُما اللهُ أن جعفرًا أنشدهما:

стр. 318

لحا الله مَنْ يُلْحِي (١) على حُبِّ سَيِّدِ … به أمطر الله البلاد وأَخْصَبا رقى عمر أعواد منبر أحمد … شفيعًا إلى ربِّ الورى مُتقرِّبا بعم رسول الله فانهلَّ واكِفٌ (٢) على يَثْرِب تحدو (٣) غمائِمه الصَّبا (٤) ٧٦ - أخبرنا أبو علي الحداد الله قال: حدثنا أبو نعيم الحافظ،، ح. وأخبرنا أبو غالب أحمدُ بنُ العبَّاسِ الكُوشِيذِيُّ الله قال: أخبرنا أبو بكر محمَّدُ بنُ عبدِ الله التَّاني. قالا: حدثنا (٥) أبو القاسم الطبراني سليمان، قال: حدثنا إسحاق بنُ إبراهيمَ الدَّبَرِيُّ، عن عبدِ الرَّزَّاق، عن مَعْمَرٍ، عن ثابت البناني، عن أنس بن مالك ﵁ قال: لما فتح رسول الله ﷺ خيبر، قال الحَجَّاجُ بْنُ عِلاط (٦) ﵁: يا رسول الله، إنَّ لي بمكة مالًا، وإنَّ (٧) لي بها أهلًا، وإني أريد أن آتيهم، فأنا في حِلِّ إن أنا نِلْتُ منك أو قُلْتُ شيئًا، فأذن له رسول الله ﷺ أن يقول ما شاء. رضي عنه قال: فأتى امرأته حين قَدِم، فقال: اجمعي لي ما كان عندك؛ فإني أريد أن أشتري من غنائم محمَّدٍ وأصحابه، فإنهم قد استبيحوا فأُصِيبَتْ أموالهم، وفشا ذلك بمكة؛ فانقمَعَ المسلمون، وأظهر المشركون فرحًا وسرورًا.

стр. 319

قال: وبلغ الخبر العبَّاس بن عبد المطلب (١) ﷺ فعَقِرَ، وجعل لا يستطيع أن يقوم، ثم أرسل غلامًا إلى الحجاج: ويلك! ماذا جِئْتَ به، وماذا تقول؟ فما وعد الله - تعالى - خيرٌ مِمَّا جِئْتَ به. قال: فقال الحجاج بنُ عِلاط: اِقْرَأْ على أبي الفَضْلِ السَّلام، وقُلْ له: فَلْيُخْلِ لي بعض بيوته لآتيه؛ فإنَّ الخبر على ما يَسُرُّه. قال: فجاءه غلامه، فلما بلغ الباب قال: أَبْشِرْ يا أبا الفضل، قال: فوثَبَ العَبَّاسُ ﵁ فرحًا حتى قبل بين عينيه، فأخبره ما قال الحجاج، فأعتقه. قال: ثم جاءه الحجاج، فأخبره أنَّ رسول الله ﷺ قد افتتح خيبر، وغنم أموالهم، وجَرَتْ سِهامُ الله - تعالى - في أموالهم، واصطفى رسول الله ﷺ صَفِيَّةَ بنتَ حُيَيٍّ، واتَّخِذَها لنفسه، وخيَّرها بين أن يُعْتِقَها وتكون زوجته، أو تَلْحَق بأهلها، فاختارَتْ أن يُعْتِقَها وتكون زوجته، ولكنّي جِئْتُ لمال كان لي ها هنا، أرَدْتُ أَنْ أجمعه فأذهب به فاستأذَنْتُ رسول الله ﷺ فَأَذِن لي أَنْ أقول ما شِئْتُ، فَأَخْفِ عليَّ ثلاثًا، ثم اذكر ما بدا لك. قال: فجمعت امرأته ما كان عندها مِنْ حُلِيّ أو متاع فدفعته (٢) إليه، ثم انْشَمَر به. فلما كان بعد ثلاث أتى العبّاسُ امرأةَ الحَجَّاجِ ﵄ فقال: ما فعل زوجكِ؟ فأخبرته أنه قد ذهب يوم كذا وكذا، وقالت: لا يَحْزُنُكَ الله يا أبا الفضل، لقد شَقَّ علينا الذي بلغك، قال: أجل، لا يَحْزُنُنِي الله - تعالى -، ولم يكن بِحَمْدِ الله إلا ما أَحْبَبْنا، فتح الله - تعالى - خيبر على رسوله ﷺ ، واصطفى رسول الله ﷺ صفِيَّةَ ﵂ لنفسه، فإن كان لك حاجة فالْحَقِي به، قالت: أظنُّكَ - والله - صادقًا؟ قال: فإني - والله - صادق، والأمر على ما أخبَرْتُكِ.

стр. 320

قال: ثم ذهب، حتى أتى مجالس قريش، وهم يقولون إذا مر بهم: لا يُصِيبُك إلا خير يا أبا الفضل، قال: لم يُصِبْني إلا خير بحمد الله، لقد أخبرني الحجاج بن علاط أنَّ خيبر فتح الله - تعالى - على رسوله ﷺ ، وجَرَتْ سِهامُ الله تعالى - يعني: فيها -، واصطفى رسول الله ﷺ صفِيَّةَ ﵂ لنفسه، وقد سألني أَنْ أُخْفِيَ عنه ثلاثًا، وإنما جاء ليأخُذَ ماله وما كان له من شيء ها هنا ثم يذهب. قال: فردَّ الله - تعالى - الكآبة التي كانت بالمسلمين على المشركين، وخرج المسلمون مَنْ كان دخل بيته مكتئبًا حتى أتوا العباس ﵁ (١)، فأخبرهم الخبر، فسُرَّ المسلمون، ورَدَّ الله - تعالى - ما كان من كابةٍ أو غَيْظ أو حزن على المشركين (٢).
следующие страницы →