← Книги сунны

Книги сунны · id 30195

الطوالات - لأبي موسى المديني

أبو موسى المديني

Полный текст (962 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

قال: «فإذا صَعِد ملك الموت بروحه إلى السماء يستقبله جبريل ﵇ في سبعين ألفًا من الملائكة، كل يأتيه ببشارة من ربِّه سوى بشارة صاحبه قال: - فإذا انتهى ملك الموت بروحه إلى العرش خرَّ الرُّوح ساجدًا». وفي رواية الطبراني: قال: «ويَستعِدُّ له - أو - يستغفر له أهلُ السَّماء وهو في الأرض، فيتلقونه بالبشارة من الله ، ويستَعِدُّ - أو - يستغفر له أهل السماء الثانية وهو في السَّماء الدنيا، فلا يزال كذلك حتى يُرْفَع إلى العرش فيَخِر الله ساجدًا. قال: «يقول الله لملك الموت: انطلق بروح عبدي هذا فضعه في سدر مخضود وطلح منضود وظل ممدود، وماء مسكوب، فإذا وضع في قبره». وفي رواية الطبراني: فإذا وُضِع جسده في قبره جاءته الصلاة فكانت عند يمينه، وجاءه الصيام عن يساره، وجاءه القرآن والذكر فكانا عند رأسه، وجاءه مَشْيُه إلى الصَّلاة فكان عند رجليه، وجاءه الصبر فكان في ناحية القبر زاد الطبراني: وهو أفضل الأعمال». قال: «فيبعث الله - تعالى - عُنُقًا من العذاب - قال: - فيأتيه عن يمينه، فتقول الصَّلاة: وراءك، والله ما زال دائبًا عُمُرَه كلَّه، وإنما استراح الآن حين وضع في قبره، قال: فيأتيه عن يساره، فيقول الصيام مثل ذلك، ثم يأتيه عند رأسه، فيقول القرآن والذكر مثل ذلك، قال: ثم يأتيه من قبل رجليه، فيقول مشيه إلى الصلاة مِثْلَ ذلك، فلا يأتيه العذاب من ناحيةٍ يلتمس هل يجد إليه مساغًا إلا وجد ولي الله قد أخَذَ جُنَّته - قال (١): - فينقمع العذاب عند ذلك فيخرج. ويقول الصَّبْرُ لسائر الأعمال: أما إنه لم يمنعني أَنْ أُباشِرَه أنا بنفسي،

стр. 387

إلا أني نظرت ما عندكم، فإن عجزتم كنت أنا صاحبه، فأما إذا أجزأتم عنه فأنا له ذُخْرٌ عند الصراط والميزان». قال: «وبعث الله - تعالى - ملكين أبصارهما كالبرق الخاطف، وأصواتهما كالرعد القاصف، وأنيابهما كالصَّياصي، وأنفاسهما كاللهب، يطآن في أشعارهما، بين مَنْكِب كلّ واحد منهما مسيرة كذا وكذا» وفي رواية الطبراني: «ما بين سُرَّةِ أحدهما إلى ذقنه مسيرة سنة، قد نُزعت منهما الرأفة والرحمة، يقال لهما: منكر ونكير، في يد كل واحد منهما مطرقة لو اجتمع عليها ربيعة ومُضَر لم يُقِلُّوها، - قال: - فيقولان له: اجلس، فيستوي جالسًا، وتقع أكفانه في حَقْوَيْه، فيقولان له: من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟». قالوا: يا رسول الله، ومن يُطِيق الكلام عند ذلك، وأنت تصف من الملكين ما تصف؟! فقال رسول الله ﷺ : ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم: ٢٧]. «فيقول: ربي الله وحده لا شريك له، وديني الإسلام الذي دانت به الملائكة، ونبيّي محمَّدٌ خاتم النَّبيِّين، فيقولان: صدقت، - قال: - فيدفعان القبر فيُوسّعانه من بين يديه أربعين ذراعًا، وعن يمينه أربعين ذراعًا، وعن شماله أربعين ذراعًا، ومن خلفه أربعين ذراعًا، ومن عند رأسه أربعين ذراعًا، ومن عند رجليه (١) أربعين ذراعًا، قال: فيوسعان مئتي ذراع». قال البُرْساني: فأحسبه قال: «أربعون ذراعًا محاط به» وفي رواية الطبراني: «مئتي ذراع مستديرًا». ثم يقولان له: انظر فوقك، فينظر فوقه فإذا باب مفتوح إلى الجنة، فيقولان له: ولي الله، هذا منزلك إذ أطَعْتَ الله - تعالى - قال: فقال

стр. 388

رسول الله : «والذي نفس محمد بيده، إنه ليصل إلى قلبه عند ذلك فرحة لا ترتَدُّ أبدًا، ثم يقال له: انظر تحتك، فينظر تحته فإذا باب مفتوح إلى النار، فيقولان: ولي الله، نجَوْتَ آخر ما عليك» قال: فقال رسول الله : «والذي نفس محمد بيده، إنه ليصل إلى قلبه فرحة لا ترتد أبدًا». قال: قالت عائشة (١) ﵂: «يُفتح له سبعة وسبعون» وفي رواية الطبراني: «تسعة وتسعون بابًا إلى الجنة، يأتيه ريحُها وبَرْدُها حتى يبعثه الله - تعالى -» زاد الطبراني: «وهو راقد في القبر كرَقْدة العروس في حجَلَتِها (٢) حتى يبعثه الله - تعالى - إلى مُلْكِه من الجنَّة» (٣). أخبرنا إسماعيل بن الفضل بن أحمد أبو الفتح السَّرَّاجُ، قال: أخبرنا أبو طاهر محمد بن أحمد بن محمَّدِ بنِ عبدِ الرَّحيم، قال: أخبرنا أبو بكر محمدُ بنُ إبراهيم بن علي بن عاصم بن زاذان المقرئ، قال: أخبرنا أبو يعلى أحمدُ بنُ علي بن المثنى المَوْصِلي، قال: حدثنا أحمد بن إبراهيم - هو الدَّوْرَقِيُّ - قال: حدثنا محمَّد بن بكر البُرْسانيُّ، قال: حدثنا أبو عاصم الحبطِيُّ، قال: حدثنا بَكْرُ بنُ خُنَيْس، عن ضِرار بنِ عَمْرٍو، عن يزيد الرقاشي، عن أنس بن مالك، عن تميم الداري ﵄ عن النَّبيِّ ﷺ قال: «فيقول الله لملك الموت: انْطَلِقْ إلى عدوّي فائتني به، فإني قد بسطت له في رزقي، وسَرْبَلْتُه نِعْمَتِي، فأبى إلا معصيتي، فاتتني به لأنتقم منه». قال: «فينطلق إليه ملك الموت في أَكْرَهِ صورةٍ رآها أحد من الناس قط، له اثنتا عشرةَ عينًا، ومعه سَفُودٌ من النَّار كثيرُ الشَّوْك، ومعه خمس مئة من الملائكة معهم نُحاس وجمر من جمر جهنم، ومعه سياط من نارٍ لِينُها لِينُ السياط وهي نار تأجج».

стр. 389

قال: «فيضربه ملك الموت ﵇ بذلك السَّفود ضربةً يغيب كلُّ شوكة من ذلك السَّفود في أصل كلِّ شعرةٍ وعِرْق وظفُرٍ، فَيَلْوِيه ليًا شديدًا - قال: - فَيَنْزِعُ روحه من أظفار قدميه - قال: - فيُلْقِيها في عقبيه - قال: - ثم يَسْكَرُ عدوُّ الله عند ذلك سكرةً فيُرَفِّهُ ملَكُ الموت عنه». قال: «وتضرب الملائكة وجهَهُ ودُبُرَه بتلك السياط - قال: - كذلك إلى صدره، ثم كذلك إلى حَلْقِه - قال: - ثم يبسط الملائكة ذلك النُّحاس وجمر جهَنَّمَ تحت ذقنه - قال: - ويقول ملك الموت ﵇: اخْرُجِي أَيَّتُهَا الرُّوح اللعينة الملعونة إلى سَمُوم وحميم، وظلٍّ مِنْ يَحموم لا بارد ولا كريم». قال: «فإذا قبض ملك الموت رُوحَه قال الرُّوح للجسد: جزاك الله عنِّي شرًا (١)، فقد كنت سريعًا بي إلى معصية الله - تعالى -، بطيئًا بي عن طاعة الله - تعالى -، فقد هلكت وأهلكت - قال: - ويقول الجسد للرُّوح مِثْلَ ذلك، وتلعنه بقاع الأرض التي يعصي الله - تعالى - عليها، وينطلق جنود إبليس إليه فيُبَشِّرونه بأنهم قد أوردوا عبدًا من ولد آدم النار». قال: «فإذا وُضِع في قبره ضُيِّقَ عليه قبره حتى تختلف أضلاعه، حتى تدخل اليُمنى في اليُسرى، واليُسرى في اليمنى، - قال: - ويبعث الله تعالى - إليه أفاعي دُهْمًا كأعناق الإبل يأخذون بأرنبته وإبهامي قدميه، فتَقْرُصه حتى يَلْتَقِين في وسطه». قال: «ويبعث الله - تعالى - إليه ملكَيْن أبصارهما كالبرق الخاطف، وأصواتهما كالرَّعْد القاصف وأنيابهما كالصَّياصي، وأنفاسهما كاللهب، يطآن في أشعارهما، بين مَنْكِبَيْ كلّ واحدٍ منهما مسيرة كذا وكذا، قد نُزِعَتْ منهما الرأفة والرحمة، يقال لهما: مُنكَرُ ونَكِير، في يد كلِّ واحدٍ منهما مطرقة لو اجتمع عليها ربيعة ومضر لم يُقِلُّوها، - قال: - فيقولان له: من ربك؟ وما

стр. 390

دينك؟ ومن نبيك؟ فيقول: لا أدري - قال: - فيقولان له: لا دَرَيْتَ ولا تَلَيْتَ، - قال: - فيضربانه ضربةً يتطاير شرره في قبره، ثم يعودان فيقولان له: أنظر فوقك - قال: - فينظر فإذا باب مفتوح من الجنَّة، - قال: - فيقولان: عدو الله، هذا منزلك لو كنت أطعت الله - تعالى -» قال: قال رسول الله ﷺ : «والذي نفس محمد بيده، إنه ليَصِلُ إلى قلبه عند ذلك حسرةً لا تَرْتَدُّ أبدًا - قال: - فيقولان له: انظر تحتك - قال: - فينظر تحته، فإذا باب مفتوح إلى النَّار، - قال: - فيقولان: عدو الله، هذا منزِلُك إِذْ عَصَيْتَ الله - تعالى -» قال: فقال رسول الله ﷺ : «والذي نفس محمَّدٍ بيده، إنه ليَصِلُ إلى قلبه عند ذلك حسرة لا تَرْتَدُّ أبدًا». قال: فقالت عائشة ﵂: «ويُفتح له سبعة وسبعون بابًا إلى النار، يأتيه حَرُّها وسَمومُها حتى يبعثه الله - تعالى - إليها» (١). قال الإمام - حرسه الله -: هذا حديث غريب، تفرد به ضرار بن عَمْرٍو، واختُلِفَ عنه على الوجهين المذكورين، وذلك: لضعفه، وضَعْفِ الراوي عنه.

стр. 391

وأبو عبد الله الشامي (١): لا يُعْرَفُ اسمه، يروي عنه ضرار غير هذا الحديث عن تميم أيضًا. والحبطي أيضًا: لا أعرفه (٢)، والحبَطِيُّون بنو الحارث بن مازن بن عَمْرِو بن تميم بن مُرّ، يقال لهم: الحَبِطات أيضًا؛ لأن الحارث كان في سفر فأصابه الحبط (٣) فهلك منه، فسُمِّيَ الحَبِط (٤) وبرسان: بطن من الأَزْد (٥). والدَّوْرَقِيُّ: يقال له النُّكْري وليس بالبَكْري (٦). والحديثان كأنهما واحد وإن كان أبو يعلى قد استأنف الإسناد. فما في الحديث الأول: قوله (ضَبائر الرَّيْحان) أي: حُزَم مجموعة منه، واحدها: ضبارة، كعمارة وعمائر. وقوله (تحف به) أي: تُحِيطُ به، وفي نسخة: «وحوله الملائكة» بدل (تحف به). ومعنى التعليل: تطييب النَّفْس بما تكتفي به من الأطعمة وغيرها. والابتهاش: الفرح. وأصل النزو: الوُثوب، ومعناه ها هنا: الاستعجال بالخروج. وقوله (وعلته بأكفان) أي: جعلوها عليه، وألبسوه إياها. والعنق من العذاب: القطعة منه.

стр. 392

وقوله (وراءك) نُصِبَ على الظَّرْف، أي: اِرْجِعْ وراءَك، وكذلك (عُمُرَه) أي: في طول عُمُرِه. والدؤوب: الجِدُّ والاجتهاد في العمل. والانتماع: الرجوع بكُرْةٍ مع ذُلّ، يقال: أقمَعْتُه فانقمع، أي: رَدَدْتُه فرجع كذلك. والإجزاء: الكفاية. والحقو (١): موضع الإزار، وقد يكون الإزار أيضًا. والسفود: عمود من حديد ذو شُعَب وأغصان. والترفيه في هذا الحديث: التنفيس، أي: يتركه ملَكُ الموت ساعةً. والشَّرارُ والشَّرَرُ: ما يتطاير من النار، الواحدة: شررة وشرارة (٢). والصياصي ها هنا: القرون، وأصلها: الحصون، وكذلك القَرْن يتحصَّنُ به صاحبه. والدهم: السُّود. وقوله (لا درَيْتَ ولا تلَيْتَ) (٣) دعاء عليه بأن لا يدري ولا يتلو، وإنما جعله ياءً مُعاقبةً لِدَرَيت، وإن كان أصله الواو، وقيل: إنما هو للإتباع، ولا معنى له بنفسه، والله أَعْلَمُ.

стр. 393

٩٤ - أخبرنا الرئيس أبو الفضل جعفر بن عبد الواحد بن محمَّدِ بنِ محمود الثقفي حاله بقراءتي عليه، قال: أخبرنا أبو طاهر محمد بن أحمد بن محمَّدِ بنِ عبدِ الرَّحيم الكاتب، قال: أخبرنا أبو محمد عبد الله بن محمَّدِ بنِ جعفر بن حيان أبو الشيخ، قال: حدثني أبو محمد عبد الله بنُ قَحْطَبةَ، قال: حدثنا محمَّدُ بنُ الصَّبَّاحِ، قال: حدثنا سلمة بن صالح الأحمر، ح. وحدثنا الحافظ أبو نصر الحسن بن محمَّد بن إبراهيم (١) من لفظه، قال: أخبرنا أبو القاسم بن أبي حرب الجُرْجاني (٢) بنيسابور، قال: حدثنا الحاكم أبو الحسن علي بن محمد بن عليّ الحافظُ السَّقَاءُ، قال: أخبرنا أبو الطَّيِّبِ محمد بن محمد بن عبد الله الحَنَّاطُ، قال: حدثنا مَحْمِشُ (٣) بنُ عصام المُعدّل، قال: حدثنا حفص بن عبد الله. كلاهما عن عثمان بن عطاء، عن أبيه، عن أبي سفيان الألهاني، عن تميم الداري ﵁ قال: سُئل رسولُ الله ﷺ عن معانقة الرجلِ الرَّجُلَ، فقال: «كانت تحيَّةَ الأُمَمِ وخالص وِدِّهِمْ، ونُهِيَ أَنْ يسجد هذا لهذا، ويسجد هذا لهذا، وإِنَّ أَوَّلَ مَنْ عانق خليل الله إبراهيم ﵇ وذلك أنه خرج يَرْتادُ لماشيته بجبل من جبال بيت المقدس، فسمع صوت مقدّس يُقدِّسُ الله ﵎ فذَهَل عمَّا كان يطلب، وقصَدَ نَحْوَ الصَّوت، فإذا هو برجل طوله ثماني عشرة ذراعًا، أهلب - والأهلب: الكثيرُ الشَّعَر - فقال له إبراهيم ﵇: يا شيخُ مَنْ ربك؟ قال: الذي في السماء، قال: فمَنْ ربُّ أهل الأرض؟ قال: الَّذي في السماء، قال: فهل لهما رب غيره؟ قال: لا، هو ربُّهما، وربُّ ما بينهما، وربُّ من تحتهما، لا إله إلا الله وحده، قال: فأين قبلتك يا شيخ؟ فأومًا إلى الكعبة قبلة إبراهيم-﵇، فقال له: هل بَقِي مِنْ قومِكَ أحد غيرُك؟ قال: ما علِمْتُ أحدًا مِنْ قومي معي، قال إبراهيم-﵇: فما

стр. 394

طعامك؟ قال: أجمع من ثمر هذه الأشجار في الصيف فاكله في الشتاء، قال إبراهيم ﵇: فأين منزلك؟ قال: في تلك المغارة، قال: فانطلق بنا إلى منزلك، قال: بينك وبينه وادٍ لا يُخاض، قال إبراهيم ﵇: فكيف تَعْبُره أنت؟ قال: أمشي على الماء جائيًا، وأمشي عليه ذاهبًا، فقال له إبراهيم ﵇: فانطلق بنا فلعل الذي ذلله لك يُذلّله لي». قال: «فانطلقا فمشيا على الماء، وجعل كلُّ واحدٍ منهما يَعْجَبُ مما أُوتِيَ صاحبه، فلما دخلا المغارة نظر إبراهيم ﵇ فإِذا قِبْلَةُ الشَّيخ قِبْلَةُ إبراهيم، فقال له إبراهيم: يا شيخ أيُّ يوم خلَقَ الله - تعالى - أشَدُّ؟ قال: يومُ الدِّين، يومَ يَضَعُ الله - تعالى - كُرْسِيَّه للقضاء، ثم يأمُرُ جَهَنَّمَ فَتَزْفِرُ زَفْرةً لا يَبْقَى مَلَكُ مُقرَّبٌ ولا نبيٌّ مُرسَلٌ إلا خرَّ لوجهه، تهمه نفسه لهول ذلك اليوم، فقال له إبراهيم ﵇: ادْعُ الله - تعالى - يا شيخُ أَنْ يُؤَمِّنَني وإِيَّاكَ مِنْ هَوْلِ ذلك اليوم، فقال له الشيخ: وما تَصْنَعُ بدعائي؟ إنَّ لي دعوةً مُحْتَبَسَةٌ في السَّماء منذ ثلاث سنين، فقال له إبراهيم ﵇: أفلا أُخْبِرُك أيُّها الشيخ ما الذي احتبسَ دَعوتَك؟ قال: بلى، قال إبراهيم ﵇: إِنَّ الله إذا أحب عبدًا احتبس دعوته لِحُبِّه لصوته يُعِدُّ له لكلِّ شيءٍ سأله ما لا يخطر على قلب بشر، وإذا أبغض عبدًا عجَّلَ له دعوته لِبُغْضِه لصوته، وألقى الإياس في قلبه، فما مسألتك أيُّها الشَّيخُ التي هي مُحْتبَسةٌ في السَّماء منذ ثلاث سنين؟ (١) قال: مر بي شاب في رأسه ذُؤابة، معه غنم كأنَّها حُشِيَتْ، وبقرٌ كأنها دُهِنَتْ، فقلت: يا بُنَيَّ لمن هذه؟ قال: لإبراهيم خليل الرحمن، فقلت: اللهم إن كان لك في الأرض خليل فأرنيه قبل خروجي من الدُّنيا، فقال له إبراهيم ﵇: فقد استُجِيبَتْ دعوتُك أيُّها الشيخ، فاعتنقا، فمذ يومئذ كانت المعانقة، وكان قبل ذلك السجود هذا لهذا وهذا لهذا إذا هو لقيه، ثم جاء الله ﵎ بالمصافحة مع الإسلام، فلم يَسْجُدوا، ولم

стр. 395

يعانقوا، فلا تتفرق الأصابع حتى يغفر لكل مصافح، فالحمد لله الذي وضع عنا الآصار» (١). هذا رواه أبو الشيخ، وقال غيره: عن سلمة، عن الربيع بن سليمان، عن عثمان بن عطاء (٢).

стр. 396

قال الإمام - حرسه الله -: هذا حديث عزيز، لا أعرفه إلا من حديث عثمان بن عطاء - وهو صالح الحديث (١) - عن أبيه عطاء الخراساني (٢) وأبو سفيان: اسمه محمَّدُ بنُ زياد (٣)، حمصي، ولم يُورِد الطبراني فيما جمع من حديث عطاء روايته عن أبي سفيان هذا. وقوله (يَرْتادُ لِماشِيَته) أي: يطلب لها موضعًا يصلح لرغيها. والمغارة: موضعُ يَسْتُر مَنْ يدخله (٤). والزفرة: الصوت. وقوله (كأنَّها حُشِيَتْ) أي: السِمَنِها كأَنَّها مَحشُوَّةٌ بِاللَّحْم. والآصار: جمع الإِصْر، وهو ما يُورِثُ تَرْكُه مشقَّةً وعقوبةً. ٩٥ - أخبرنا أبو الفتح إسماعيل بن الفضل بن أحمدَ السَّرَّاجُ، قال: أخبرنا أبو طاهر بن عبد الرحيم، قال: أخبرنا أبو بكرٍ محمَّد بن إبراهيم بن المقرئ، قال: حدثنا أيو يَعْلَى أحمدُ بنُ عليّ التَّميميُّ بالمَوْصِل، قال: حدثنا محمد بن أبي بكر، قال: حدثنا سعد بن زياد أبو عاصم قال: حدثني نافع مولايَ، عن أبي هريرة ﵁، أنَّ رسول الله ﷺ استوى على المنبر فقال: «حَدَّثَنِي تَمِيمُ الدَّارِيُّ فرأى تميمًا في ناحية المسجد، فقال: - يا تميم، حدِّثِ النَّاسَ ما حدَّثْتَني». فقال تميم ﵁: كُنَّا في جزيرة في البحر، فإذا نحن بدابَّة لا يُدْرَى ما قبلها من دبرها، فقالت: تَعْجَبون مِنْ خَلْقِي وفي الدَّيْر مَنْ يَشْتَهي

стр. 397

كلامكم؟ قال: فدخلنا الدَّيْرَ فإذا برجلٍ مُوثَقٍ بالحديد مِنْ كَعْبِه إِلى أُذنيه، وإذا أَحَدُ مِنْخَرَيْه مسدودٌ، وإحدى عينيه مطموسة، والأخرى كأنها كوكبٌ دُرِّيٌّ، فسألنا: من أنتم؟ فأَخْبَرْنا، فقال: ما فعلَتْ بُحيرة الطبرية؟ قلنا: كعَهْدِها، قال: فما فعل نخل بين بيسان (١)؟ قلنا: كعَهْدِه، قال: لأطَأَنَّ الأرض بقدمي هاتين إلا بلدة إبراهيم وطابا. فقال رسول الله ﷺ (٢): «طابا هي المدينة» (٣). قال الإمام - حرسه الله -: هذا حديث صحيح من حديث رسول الله ﷺ عن تميم الداري ﵁ رواه عنه: فاطمة بنت قيس (٤)، وأبو هريرة (٥)، وجابر بن ﵁

стр. 398

عبد الله (١)، وعائشة (٢) ﵃. فأما من رواية غير رسول الله ﷺ عن تميم ﵁: فلا أعرفه إلا من هذا الوجه، وهو عزيز غريب جدًا. وقد رُوِيَ بعضُ مِنْ آخِرِ هذا الحديث عن فاطمة بنت قيس، عن تميم نفسه: ٩٦ - أخبرنا به أبو غالب أحمدُ بنُ العبَّاسِ الكُوشيذي ﵀ قال: أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله بنِ رِيدَه، قال: أخبرنا أبو القاسم سليمانُ بنُ أحمد بنِ أَيُّوبَ الطَّبَراني، قال: حدثنا محمَّد بن عبد الله الحضرمي، قال: حدثنا أبو كريب، ح. قال الطبراني: وحدثنا زكريا بن يحيى الساجي، قال: حدثنا أبو أسامة عبد الله بن أسامة الكَلْبِيُّ. قالا: حدثنا محمدُ بنُ الصَّلْتِ، قال: حدثنا عمر بن يزيد الهمداني، عن جده، عن فاطمة بنت قيس، عن تميم الداري ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «إِنَّ طَيبة المدينةُ، وما نَقْبٌ من نقابها إلا عليه ملك شاهر سيفه، لا يدخلها الدَّجَّالُ أبدًا» وقال أبو كريبٌ: عثمان بن زيد (٣).

стр. 399

وهذا أيضًا حديث غريب هكذا؛ لأنَّ فاطمة ﵂ سَمِعَتْ هذا القول من رسول الله ﷺ في آخر حديث الجساسة الذي رواه ﷺ عن تميم الداري ﵁ (١). وحديث الجساسة حديث كبير مشهور صحيح رواه رسول الله ﷺ لأصحابه عن تميم الداري، إلا أنه اشتهر برواية فاطمة عنه، أن لا يخلو مسند تميم ﵁ من هذا الحديث، وسنذكره بتمامه - إن شاء الله - في مسند فاطمة ﵂ (٢).

стр. 400

قِصَّةُ ثعلبة بن حاطب ٩٧ - أخبرنا أبو غالب أحمد بن العباس الكُوشِيذي، ومحمد بن أبي القاسم القُراني (١)، وأبو محمَّد بن أبي الفوارس الدَّيْلمِيُّ (٢) قراءةً عليهم معًا في شوال سنة أربع وخمس مئة قالوا: أخبرنا أبو بكر بن رِيدَه، ح. وأخبرنا أبو علي الحدَّادُ سنةَ سِتّ، قال: حدثنا أبو نُعَيمٍ أحمدُ بنُ عبد الله. قالا: حدثنا أبو القاسم الطبراني، قال: حدثنا أبو يزيد القراطيسي، قال: حدثنا أسد بن موسى قال: حدثنا الوليد بن مسلم. وقال أبو نعيم: حدثنا محمَّد بن أحمد بن حمدان، قال: حدثنا الحسنُ بنُ سفيان، قال: حدثنا هشام بنُ عمَّارٍ، قال: حدثنا محمد بن شعيب بن شابور. وقال أبو نعيم: وحدثنا أحمد بن جعفر بن حمدان البصري، قال: حدثنا عبد الله بن أحمدَ الدَّوْرَقيُّ، قال: حدثنا الحسن بن أحمد الحراني، قال: حدثنا مِسْكِينُ بنُ بُكَير. قالوا: حدثنا مُعان بن رفاعة (٣)، عن أبي عبد الملك علي بن يزيد

стр. 401

الهنائي (١)، أنه أخبره عن القاسم أبي عبد الرحمن، أنه أخبره عن أبي أمامة ﵁، عن ثعلبة بن حاطب أنه قال الرسول الله ﷺ : يا رسول الله، ادْعُ الله - تعالى - أن يرزُقَني مالًا، قال: ويحك يا ثعلبة، قليلٌ تُؤدِّي شُكْرَه خيرٌ من كثير لا تطيقه. ثم رجع إليه فقال: يا رسول الله، ادْعُ الله تعالى أن يرزقني مالًا، قال: ويحك يا ثعلبة، أما تريد أن تكون مِثْلَ رسول الله؟ والله وسألت الله - تعالى - أن تسيل لي الجبال ذهبًا وفضَّةٌ لسالَتْ. ثم رجع إليه فقال: يا رسول الله، اُدْعُ الله تعالى أن يرزقني مالًا، والله لئِنْ أتاني الله تعالى مالًا لأُوتِيَنَّ كلَّ ذي حق حقه، فقال رسول الله ﷺ : «اللهم ارزُق ثعلبة مالًا، اللهم ارزق ثعلبة مالًا، اللهم ارزق ثعلبة مالًا». قال: فاتَّخِذَ غنمًا، فنمت كما ينمو الدُّود حتى ضاقَتْ عنها أزِقَةُ المدينة، فتنحى بها، وكان يشهد الصَّلاةَ مع رسول الله ﷺ ثم يخرج إليها، ثم نمت حتى تعذَّرَتْ عليه مراعي المدينة، فتنحى بها، فكان يشهد الجمعة مع رسول الله ﷺ ثم يخرج إليها، ثم نمَتْ، فتنحى بها فترك الجمعة والجماعة، فيتلقَّى الرُّكْبانَ فيقول: ماذا عندكم من الخبر؟ وما كان من أمر الناس؟. وأنزل الله - تعالى - على رسوله ﷺ : ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣] قال: فاستعمل رسول الله ﷺ على الصدقة الرجلين: رجلًا من الأنصار، ورجلًا من بني سُلَيم، وكتب لهما سُنَّة الصدقات وأسنانها، وأمرهما أن يُصَدِّقا النَّاسَ، وأن يمُرًا بثعلبة فيأخُذا منه صدقة ماله، ففعلا، حتى دفعا إلى ثعلبة فأقراه كتاب رسول الله ﷺ ، فقال: صدقا النَّاس، فإذا فرغتها فمُرًا بي، ففعلا، فقال: والله ما هذا إلا أُخيَّة الجزية.

стр. 402

فانطلقا، حتى لحقا رسول الله ﷺ ، فأنزل الله - تعالى - على رسوله ﷺ : ﴿وَمِنْهُم مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ﴾ إلى قوله - تعالى -: ﴿يَكْذِبُونَ﴾ (١). قال: فركِبَ رجلٌ من الأنصار قريب لثعلبة راحلةً حتى أتى ثعلبة، فقال: ويحك يا ثعلبة هلَكْتَ، أنزل الله - تعالى - فيك من القرآن كذا، فأقبل ثعلبة وقد وضع التراب على رأسه، وهو يبكي ويقول: يا رسول الله، يا رسول الله (٢)، فلم يقبل منه رسول الله ﷺ صدقته حتى قبض الله - تعالى - رسوله ﷺ ، ثم أتى أبا بكر ﵁ بعد رسول الله ﷺ ، فقال: يا أبا بكر، قد عرفت موقعي من قومي، ومكاني من رسول الله ﷺ ، فاقْبَلْ مِنِّي، فأبى أن يقبل منه، ثم أتى عمر ﵁ فأبى أن يقبل منه، ثم أتى عثمان ﵁ فأبى أن يقبل منه، ثم مات ثعلبة في خلافة عثمان ﵁. هذا لفظ رواية أبي نعيم (٣). * * *

стр. 403

٩٨ - أخبرنا عَبَّادُ بن محمد بنِ المُحَسِّنِ الجعفريُّ (١) إذنًا قال: أخبرنا أبو أحمد محمد بن عليّ المكفوف، قال: حدثنا عبد الله بن جعفر، قال: حدثنا محمَّد بن العبَّاسِ، والحُسَينُ بنُ يعقوب، قالا: حدثنا الحسن بن أحمد بن أبي شعيب، قال: حدثنا مسكين بإسناده، غير أنه قال: عن أبي أمامة قال: جاء ثعلبة، ولم يقُلْ: عن ثعلبة، وقال: «لو شِئْتُ أن يسير معي» بالراء، وكذلك: «لسارت». وقال فيه: فكان يشهد الصَّلاةَ بالنَّهارِ، ولا يَشْهَدُها بالليل. وقال فيه: فطَفِقَ يَتلقَّى الرُّكْبانَ يوم الجمعة؛ فسأل رسول الله ﷺ فقال: «ما فعل ثعلبة؟» فقالوا: يا رسول الله، اتَّخِذَ غنمًا فضاقت عليها المدينة، وأخبروه بأمره، فقال: «يا وَيْحَ ثعلبة - ثلاثًا». وقال: رجلًا من جهينة، ورجلًا من بني سليم. وقال فيه: فقال: ما أدري ما هذا؟ انطلقا حتى تَفْرُغا ثم عُودا إليَّ.

стр. 404

وزاد فيه: فسمع بهما السلمي، فنظر إلى خيار أسنان إبله فعزلها للصدقة، ثم استقبلهم بها، فلما رأوها قالوا: ما يجب عليك هذا، وما نريد أن نأخذ هذا منك، قال: بلى، فخذوه؛ فإن نفسي بذلك طيبة، إنما هي لي، فأخذوها منه، فلما فرغا من صدقاتهما رجعا حتى مرا بثعلبة، فقال: أروني كتابكما أنظر فيه. وقال: ما هذه إلا أخذ الجزية، إنطلقا حتى أرى رأيي، فانطلقا حتى أتيا النبي ﷺ ، فلما رآهما قال: «يا ويح ثعلبة» قبل أن يكلمهما. وقال فيه: ودعا للسلمي بالبركة، وأخبراه بالذي صنع ثعلبة، والذي صنع السلمي. وقال فيه: كما ينمي الدود - بالياء - (١). وإنما أوردنا هذا الحديث في باب الثاء لقوله في الإسناد: عن ثعلبة، والأشبه أن يكون في حديث أبي أمامة. ورواه أبو عبد الله بن مندة الحافظ ﵀ من حديث هشام بن عمار، كأني سمعته من أصحابه. أخبرنا أبو غالب الكوشيذي، وأبو بكر القراني، وأبو محمد الديلمي (٢)، قالوا: أخبرنا ابن ريذة، قال: أخبرنا الطبراني، قال: حدثنا

стр. 405

الحسن بن هارونَ بنِ سُلَيمانَ الأصبهاني، قال: حدثنا محمد بن إسحاق المُسيَّبي، قال: حدثنا محمَّد بن فُليح، عن موسى بن عقبة، عن ابن شهاب في تسميةِ مَنْ شَهِد بدرًا من الأنصار، ثم من الأوس، ثم من بني عمرو بن عَوْفٍ، ثم من بني أُمَيَّةَ بن زيد -: ثعلبة بن حاطب (١)، وكذا قاله محمد بنُ إسحاق: إنه شهد بدرًا (٢). والظاهرُ أنَّ ثعلبة صاحبَ القِصَّةِ هو الذي شَهِد بدرًا، غير أنَّ عبدان بن محمد المروزي (٣) فرَّق بينهما في «معرفة الصحابة» فقال:: سمعت أحمد (٤) يعني: ابنَ سَيَّارٍ - يقول: ثعلبة بن حاطب شهد بدرًا، لم يُذْكَرْ له رواية عن النبي ﷺ ، وإنما ذُكر اسمه في البدريين، وكفى به شرفًا. ثم ذكر عبدان ثعلبة بن حاطب آخر (٥)، وروى عن عمار، عن سلمة،

стр. 406

عن محمد بن إسحاق قال: وكان ممَّنْ سُمِّيَ من المنافقين - وفوق (المنافقين) مكتوب ضَبَّةٌ (١) - من الأوس والخزرج، فيما حدثني محمد بن أبي محمد، عن عكرمة، أو سعيد بن جُبَيرٍ، عن ابن عباس ﵄ والله أعلم: من الأوس ثعلبة بن حاطب، ومُعَتِّبُ بنُ قُشَيرٍ، وهما اللذان عاهدا الله - تعالى - لئن آتانا، القِصَّة. ومع هذا كله، الأولى هو السكوت عن ثعلبة؛ لأنَّ الظاهر أنهما واحد، وأنه شهد بدرًا، وأنَّ رسول الله ﷺ قال: «ما يُدْرِيكَ أنَّ الله اطلع إلى أهل بدر فقال: اعْمَلُوا ما شئتم فقد غفَرْتُ لكم» (٢). ويحتمل أن تكونَ الآيةُ أُنْزِلَتْ تغليظًا على مانعي الزكاة ليرتدعوا بذلك. فأما قول ابن إسحاق أنه كان ممَّنْ سُمِّيَ من المنافقين، لعله ذهب إلى ظاهر الآية. قلنا: عن الكلام فيه بالشك مندوحة. والمُصَدِّقُ - بتخفيف الصاد -: الذي يأخذ الصدقة، وـ بتشديدها -: الذي يعطيها.

стр. 407

وقوله «اللهم ارزق ثعلبة مالًا»: إنما كرَّره ثلاثًا لأنه سأله ثلاث مراتٍ أن يدعو له، وكان من خلقه ﷺ أنه ما سُئل شيئًا قط فقال: لا، فلما أبي أن ينتهي بعد أن نصحه ثلاث مراتٍ، دعا له لكل مرة سأله دعوة. و (معان) بالنون، شامي، يشتبه بمعاذ بن رفاعة - بالذال ـ، وكان عصر أحدهما قريبًا من عصر الآخر (١). وذكر جُوَيْبِر بن سعيد أنَّ هذه الآية نزلتْ (٢) في أبي عَقِيلٍ الأنصاري، وذكر له قِصَّةً غيرَ هذه القِصَّةِ، والله أعلم بصحتها (٣).

стр. 408

ومن مسند جابر بن عبد الله ﵄ - قصَّةُ ثعلبة بن عبد الرحمن ﵁ ٩٩ - أخبرنا أبو علي الحسن بن أحمد الحداد ﵀ قراءةً عليه سنة ست وخمس مئة في رمضان، قال: حدثنا أبو نعيم أحمدُ بنُ عبد الله الحافظ، قال: حدثنا أبو بكر محمد بن أحمد بن يعقوبَ الجَرْجرائي (١)، قال: حدثنا موسى بن هارون، ومحمد بن اللَّيثِ الجَوْهري، قالا: حدثنا سُلَيم بن منصور بن عَمَّارٍ، قال: حدثنا أبي، عن المُنْكَدِر بن محمد بن المُنْكَدِر، عن أبيه، عن جابر ﵁ أن فتى من الأنصار يقال له: ثعلبة بن عبد الرحمن ﵁ أسلم، فكان يخدم النَّبِيَّ ﷺ ، وأن رسول الله ﷺ بعثه في حاجة، فمر بباب رجلٍ من الأنصار، فرأى امرأة الأنصاريّ تغتسل، فكرَّر إليها النَّظرَ، وخاف أن ينزل الوحي على رسول الله ﷺ ، فخرج هاربًا على وجهه، فأتى جبالًا بين مكة والمدينة فولجها، ففقده رسول الله ﷺ أربعين يومًا - وهي الأيام التي قالوا: ودعه ربه تعالى وقلاه. - ثم إن جبريل ﵇ نزل على رسول الله ﷺ ، فقال: «يا محمد، إِنَّ ربك يقرأ عليك السلام، ويقول لك: إنَّ الهارب من أمتك بين هذه الجبال، يتعوَّذُ بي من ناري فقال رسول الله ﷺ : يا عمر ويا سلمان، انطلقا فأتياني بثعلبة بن عبد الرحمن». فخرجا في أنقاب المدينة، فلقيهما راعٍ مِنْ رِعاء المدينة، يقال له

стр. 409

ذفافة (١)، فقال له عمر ﵁: يا ذفافة، هل لك علم بشاب بين هذه الجبال؟ فقال له ذفافة: لعلك تريد الهارب من جهنّم؟ فقال له عمر ﵁: وما عِلْمُكَ أنه هارب من جهنّم؟ فقال: لأنه إذا كان في جوف الليل خرج علينا من بين هذه الجبال واضعًا يده على أم رأسه، وهو يقول: يا ليت قبَضْتَ روحي في الأرواح، وجسدي في الأجساد، ولم تجددني (٢) لفصل القضاء، قال عمر ﵁: إيَّاه نريد، قال: فانطلق بهم ذفافة. فلما كان في جوف الليل خرج عليهم من بين تلك الجبال، واضعًا يده على أم رأسه وهو يقول: يا ليت قبَضْتَ روحي في الأرواح، وجسدي في الأجساد، ولم تجددني (٣) لفصل القضاء، قال: فعدا عليه (٤) عمر ﵁ فاحتضنه، فقال: الأمان الأمانَ، الخلاص من النَّار، فقال له عمر ﵁: أنا عمر بن الخطاب، فقال: يا عمر، هل علم رسول الله ﷺ بذنبي؟ قال: لا عِلْمَ لي، إلا أنه ذكرك رسول الله ﷺ بالأمس - فبكى - فأرسلني وسلمان في طلبكَ، فقال: يا عمر، لا تُدْخِلْني عليه إلا وهو يُصلّي، أو بلال يقول: قد قامت الصلاة، قال: أفعل. فأقبلوا به إلى المدينة، فوافقوا رسول الله ﷺ وهو في صلاة الغداة، فبدر عمر وسلمان ﵄ الصَّفَ، فما سمِعَ قراءة رسول الله ﷺ حتى خرَّ مَغشِيًّا عليه، فلما سلم رسول الله ﷺ قال: «يا عمر، ويا سلمان، ما فعل ثعلبة بنُ عبدِ الرَّحمن؟» قالا: ها هو ذا يا رسول الله، فقام رسول الله ﷺ

стр. 410

فأتاه، فقال: «ثعلبة؟» قال: لَبَّيْكَ يا رسول الله، فنظر إليه فقال: «ما غيبك عني؟» قال: ذنبي يا رسول الله، قال: «أولا أدُلُّكَ على آية تمحو الذنوب والخطايا؟» قال: بلى يا رسول الله، قال: «قل: اللهم آتِنا في الدُّنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار» قال: ذنبي أعظم يا رسول الله، فقال رسول الله ﷺ : «بل كلام الله - تعالى - أعظم ثم أمره رسول الله ﷺ بالانصراف إلى منزله. فمرض ثمانية أيام، فجاء سلمان ﵁ إلى رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله هل لك في ثعلبة؛ فإنه لما به فقال رسول الله ﷺ : «قوموا بنا إليه فلما دخل عليه أخذ رسول الله ﷺ رأسه فوضعه في حَجْرِه، فأزال رأسه عن حَجْرِ رسول الله ﷺ ، فقال له رسول الله ﷺ : «لِمَ أَزَلْتَ رَأسَكَ عن حَجْري؟» قال: إنه من الذُّنوب ملآن، قال: «ما تجد؟» قال: أَجِدُ مِثْلَ دَبِيب النَّمْلِ بين جِلْدي وعظمي، قال: فما تشتهي؟» قال: مغفرة ربي . قال: فنزل جبريل ﵇ على رسول الله ﷺ ، فقال: «إِنَّ رَبَّكَ عَل يَقْرأُ عليك السَّلامَ، ويقول: لو أنَّ عبدي هذا لقيني بِقُراب الأرض خطيئةً لَلَقِيتُه بقرابها مغفرة» فقال له رسول الله ﷺ : «أَفَلا أُعْلِمُه ذلك؟ قال: بلى» فأعلمه رسول الله ذلك، فصاح صيحةً فمات. فأمر رسول الله ﷺ بغسله وكفَنِه، وصلَّى عليه، فجعل رسول الله ﷺ يمشي على أطراف أنامله، فقالوا: يا رسول الله، رأيناك (١) تمشي على أطراف أناملك؟! قال: والذي بعثني بالحقِّ، ما قدَرْتُ أن أضَعَ رِجْليَّ على الأرض من كثرة أجنحةِ مَنْ نزلَ لِيُشَيِّعَه من الملائكة» (٢)

стр. 411

قال الإمام - حرسه الله -: هذا حديث غريب عالي الإسناد، لا يُعْرَف على هذا الوجه إلا من هذا الطريق من حديث سُلَيم بن منصور عن أبيه، رواه عنه غير واحد. كتبه أخونا الشَّيخُ الحافظ أبو عبد الله حامد بن أبي الفتح بن أحمد بن أبي بكر بن محمد بنِ عبدِ الرَّحمنِ بن حامد المَدِينِيُّ ﵀ بنيسابور، عن أبي سعيد عبد الرحمن بن أبي صالح يحيى بن عبد الله بنِ الحُسَين بنِ محمد بن الحُسَينِ النَّاصِحي، قال: أخبرنا والدي، قال: أخبرنا أبو حسان محمد بن أحمد بن جعفر، قال: أخبرنا إسماعيل بنُ نُجَيدِ (١)، قال: أخبرنا محمد بن إبراهيم البوشنجي، قال: حدثنا سليم، به. قال الإمام - حرسه الله -: فكأنه ﵀ كتبه عَنِّي وَسمِعَه مِنِّي. ورواه الإمام أبو عبد الله بن منده عن شيخ له عن البوشنجي، فكأني روَيْتُه عن أصحابه. وسُلَيم بن منصور: يُكْنى أبا الحسن، كان ينزل بغداد، وبها تُوفِّي، وأكثر عنه البوشنجي - وهو من أئِمَّةِ أهل خُراسانَ وحُفَّاظهم (٢) - وقال: أخبرنا سُلَيم.

стр. 412

ببغداد في رَحْبة أبيه (١). أخبرنا أبو منصور عبد الرحمن بن محمد بن زُرَيقٍ (٢) ببغداد ﵀ قال: أخبرنا أبو بكر بن ثابت (٣)، قال: قال ابن أبي حاتم (٤) - في ذكر سليم بن منصور: روى عنه أبي، وسألته عنه، فقلت: أهل بغداد يتكلمون فيه؟ فقال: مه، سأَلْتُ ابن أبي الثَّلْجِ عنه، فقلت له: إنهم يقولون كتب عن ابن عُليَّة وهو صغير؟ فقال: لا، هو كان أَسَنَّ مِنَّا. قال (٥): وأما والده منصورُ بنُ عَمَّارٍ: فَأَحَدُ حُكَماءِ الأُمَّةِ ووعاظهم، لم يُنْقَم عليه سوى أنه لم يكن من رجال هذا الشأن. والمُنْكَدِر: وثقه الإمام أحمد بن حنبل ﵀، وكان من الصلحاء، وغير أحمد يرميه بسوء الحفظ كدأب الصلحاء (٦)، لا أعرف له سَمِيًا غيرَ جَدِّه (٧)، فأما أبوه محمَّد بن المنكدر: فحَسْبُكَ به ثقةً وصلاحًا (٨). وقوله (ولجها) أي: دخل بينها.

стр. 413

والأنقاب: الطُّرُق بين الجبال، واحدها: نَقْب. وقوله (فاحتضنه) أي: جعله تحت حضنه، والتزمه. وقوله (فأتاه فقال: «ثعلبة») أي: يا ثعلبة، حذف حرف النداء لعلم السامع بذلك، كما قال - : ﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا﴾ [يوسف: ٢٩]. ومبنى النداء على الحذف والاختصار، فتارة يحذفون حرف النداء هكذا، وتارة يحذفون المنادى - كما تقدَّم ذِكْرُنا له (١) ـ، ومرَّةً يُرَخّمون الاسم المنادى، كما قُرِئ قوله تعالى: ﴿يَامَالِكُ﴾ [الزخرف: ٧٧] بحذف الكاف (٢) (٣). وقوله (فإنَّه لما به) أي: إنه ميت للمرض الذي به، أو ما في معناه. وقوله «قوموا بنا إليه» أي: نمشي إليه. وقد روي هذا الحديث من وجه آخر عن جابر ﵁ على غير هذا الوجه، وسُمِّي الرَّجلُ مالك بن ثعلبة، نذكر فيما بعد (٤) إن شاء الله. ١٠٠ - كتب إليَّ محمَّد بن جامع بن أبي بكر بن أبي نصر خياط الصُّوف (٥) من نيسابور، باستدعاء أخينا حامد (٦) ﵀ وكتبته من خطه، قال: أخبرنا أبو الفتح محمد بن أحمد بن عبد الله الأصبهاني المعروف

стр. 414

بسَمْكُويَة سنة تسع وسبعين، قال: أخبرنا حمزة بن فضالة، قال: أخبرنا أسدُ بنُ رُسْتَم، قال: أخبرنا الحاكم منصورُ بنُ مُطَرِّف، قال: حدثنا العباس بن محمد بن شاذان الضريرُ النيسابوري لفظًا، قال: حدثنا محمد بن يزيد السُّلَميُّ، قال: حدثنا عبد المنعم بن إدريس، عن أبيه، عن وهب بن مُنَبِّه قال: مكتوب في التوراة: كلُّ غنيّ لا راحة لنفسه في غناه، فهو والأجير سواء، وكلُّ عالم لا ورع معه فهو كاللص سواء، وكلُّ ذي حسب لا حِلْم له فهو والمملوك سواء، وكلُّ حُرَّةٍ غيرِ قاعدة فهي والمملوكة سواء. * * * ١٠١ - وبه، قال: أخبرنا أبو الفتح، قال: أنشدنا أبو الربيع طاهر بن عبد الله الإيلاقي بالشَّاشِ - وقد أجاز أبو الربيع هذا لغير واحد من شيوخنا - قال: أنشدنا أبو الحسن علي بن الحسين البيهقي في بقاء الله - تعالى -، ودوام مُلْكِهِ، وفَناءِ خَلْقِه: يبقى الإله، ويفنى الخلقُ في كمَدٍ … والمُلْك يومئذ للواحد الصَّمَدِ الله يَبْسُط أرزاقًا ويَقْدُرها … ويَنْشُر الفضل في الدُّنيا إلى أمَدِ فالحمد لله حمدًا لا نفاد له … ما دام تَبْقَى سماوات بلا عمدِ أما الطريق الآخر: ١٠٢ - فإني وجدته بخط أحمد بن محمد بن جعفر بن علي الإسكاف، على ظهر إملاء كتبه عن الحافظ أبي عبد الله بن منده سنة إحدى وتسعين وثلاث مئة، قال: حدثنا إسحاق بن القاسمِ الرَّازي، قال: حدثنا أبو بكرٍ عبد الله بن محمد بن يحيى البغدادي، قال: حدثنا أحمدُ بنُ عبدِ الله الهرويُّ، قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيمَ التَّغْلِبيُّ، عن مُقاتل بن سليمان، عن الضَّحَاكِ، عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: كان في زمن النَّبيِّ ﷺ شاب يقال له: مالك بن ثعلبة الأنصاري، ولم يكن في المدينة شاب أغنى منه، فمر بالنبي ﷺ

стр. 415

والنَّبيُّ ﷺ يتلو هذه الآية: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣٤) يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ﴾ إلى آخر الآية (١) فغُشِيَ على الشَّابُّ، فلما أفاق دخل على النَّبيِّ ﷺ ، فقال: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، هذه الآيةُ لمن كنَزَ الذَّهَبَ والفِضَّةَ؟ قال له النَّبِيُّ ﷺ : «نعم، يا مالك»، فقال مالك: والذي بعثك بالحق نبيًا، لَيُمْسِيَنَّ مالك ولا يَمْلِكُ درهمًا ولا دينارًا، قال: فتصدَّقَ بماله كله. فبينا هو ذات يوم يتردَّد في طريق المدينة إِذْ أَشرَفْنَ عليه نساء من قريش، فقلن له: أنت مالك بن ثعلبة؟ قال: نعم، قُلْنَ له: أنت الذي سمِعْتَ آيَةً مِنْ كتاب الله - تعالى - فغُشِي عليك، فتصدَّقْتَ بمالك كله؟ قال: نعم، ثم بكى وقال: والذي بعث محمَّدًا ﷺ بالحقِّ، لأعتزل المدينة والنِّساء حتى يأتيني رسولٌ مِنْ رسول الله ﷺ ، وهو يقول: واحسبي!، حسبي وضعني فلا يرفَعُني يوم القيامة، النَّارُ فرَّق بيني وبين حبيبي محمد، النَّارُ فرق بيني وبين أهلي، النَّارُ فرق بيني وبين جيراني، النار فرق بيني وبين مالي، النار فرق بيني وبين أحبائي، النار قطع نياط قلبي وأَحْنَى صُلْبي، قال: فلحق بأطراف الجبال يعبد الله يصوم نهاره، ويقوم ليله. وكان سلمان ﵁ يمر على بابه إلى المسجد، فمر ذات يوم فإذا هو بجارية تبكي وتقول: وا أبتاه! واأبتاه! النَّارُ فرَّق بيني وبينك، النَّار أَيْتَمني منك في الدُّنيا، - يعني - فذكر ذلك لرسول الله ﷺ ، فدمعتا عينا رسول الله ﷺ ، ثم قال: «انطلقوا بنا» فلما دَنَوْا من الباب، قرعَ سلمان ﵁ الباب، فقالت الجارية: الحمد لله الذي لم أمُتْ حتى نظَرْتُ إِليكَ مرَّةً أخرى. قال سلمان ﵁: يا جارية، أنا سلمان، فلما فتحت الباب نظر إليها النبي ﷺ ، فبكى بكاء شديدًا، وبكوا أصحابه، فقال لها النَّبِيُّ ﷺ : «يا جارية،

стр. 416

ما الذي تشتهين؟ أتشتهين مَوْزًا؟ أتشتهين أقطًا وتمرًا؟» قالت: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، ما أشتهي مما ذكَرْتَ شيئًا، ولكن أشتهي أن أنظر إلى وجه أبي مرَّةً أخرى، قال النَّبيُّ ﷺ : «يا عمر، و يا سلمان، اِذْهَبا في طلب مالك». فذهبا في طلبه، فرأياه على ذروة جبل يبكي، ويقول: النَّارُ فرق بيني وبين مجلس حبيبي محمد ﷺ ، النار فرق بيني وبين أهلي، النار تركني مُفْرَدًا (١) في الجبال، قال: فتعلق عمر ﵁ بتلبيبه، ثم قال له: يا مالك، أَجِبْ رسول الله ﷺ ، قال: نعم، سَمْعُ وطاعة لرسول الله ﷺ ، فانطلقا به، حتى أدخلاه على رسول الله ﷺ ، فلما نظر إليه النَّبيُّ ﷺ بكى بكاء شديدًا، وبكوا أصحابه. فقال له النبي ﷺ : «يا مالك، ما لي أرى لونك متغيرًا؟» قال: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، النَّارُ ذهب بلون وجهي، وأحْنَى صُلْبي، النَّارُ فَرَّق بيني وبين مجلسك، فقال النبي ﷺ : «يا مالك (٢)، أَسْمِعْه آيةً من كتاب الله »، قال: فتلا هذه الآية: ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الحجر: ٤٣] فشَهَق شهقة، فإذا هو قد فارق الدنيا، فناداه النَّبِيُّ ﷺ فلم يُجبه، فقال عمر ﵁: قد - والله - فارق الدنيا، يا رسول الله!، فقال النَّبِيُّ ﷺ : «إياكم أن تُخبروا ابنته حتى أُخْبِرَها أنا». وفشا أمره في المدينة، فبلغ الجارية الخبرُ، فخرجَتْ من خِدْرها حتى أتت المسجد، فنظرت إلى أبيها قد سُجِّيَ عليه وفارق الدنيا، فقالت: يا عمر، أَسْمِعْني الآية التي خرج منها روح أبي مالك، فأسمعها، فشهَقَتْ شهقةً فإذا هي قد فارقَتْ الدُّنيا، فقال النَّبِيُّ ﷺ : «روحان عجل الله - تعالى - بعضها على إثر بعض» (٣).

стр. 417

قال الإمام - حرسه الله -: هذا حديث غريب جدًا، والأوَّلُ أشهر رجالًا، وأوقع في القلب. * * * ١٠٣ - كتب إليَّ أبو بكر محمد بن علي بن محمد بن أبي القاسم الطوسي (١) من نيسابور، باستدعاء أخينا الشيخ الحافظ حامد بن أبي الفتح، ومن خطه كتبته قال: أخبرنا عليُّ بنُ أحمدَ بنِ محمَّد أبو الحسن المديني المعروف بالصندلي، قال: سمعت أبا عبد الله الصُّوفي يقول: سمعت أبا عبد الله الحسين بن أحمد السِّجْزِي يقول: سمعت العباس بن المهتدي (٢) يقول: لك فضل ما لم ترَ فضلك، فإذا رأيت فضلك فلا فضل لك. * * * ١٠٤ - وبه، قال: أخبرنا علي بن أحمد قال: سمعت أبا منصور عبد القاهر بن طاهر بن محمَّد التَّمِيمي، قال: سمعت علي بن حمدان الفارسي

стр. 418

يقول: كان للصَّنَوْبري (١) ابن مُسْتَرضَعٌ فَفُطِم، فدخل الصَّنوبري يومًا داره والصَّبيُّ يبكي، فقال: ما لابني؟ فقالوا: فُطِم، قال: فتقدَّم إلى مَهْدِه، وكتب عليه: منعوه أحب شيء إليه … من جميع الورى، ومن والديه منعوه غذاه، ولقد كا ن مباحًا له … وبين يديه عجبًا منه ذا على صِغَر السنِّ … هَوِي فاهتدى الفراق إليه * * * ١٠٥ - وبه، قال: أخبرنا عليّ، قال: أنشدنا أبو سَهْل النِّيلي (٢) لنفسه (٣): رَجَيْتُ (٤) دهرًا طويلًا في التماس أخ … يرعى ودادي إذا ذو خُلة خانا فكم ألِفْتُ وكم آخَيْتُ غيرَ أَخَ … وكم تبدلتُ بالإخوان إخوانا

стр. 419

فما وفى لي على الأيام ذو ثقةٍ … ولا رعى أحد حقي ولا صانا (١) فقلت للنفس لما عزَّ مَطْلَبُها … بالله لا تألفي ما عِشْتِ إنسانا (٢) ١٠٦ - أخبرنا أبو عليٍّ الحداد - بقراءة الإمام والدي عليه -رحمهما الله- سنة سبع وخمس مئة، قال: حدثنا أبو نُعَيم أحمدُ بنُ عبد الله، قال: حدثنا فاروق بن عبد الكبير الخطابيّ، قال: حدثنا أبو مسلم إبراهيم بن عبد الله الكَشْيُّ، قال: حدثنا محمد بن كثير، ح. وأخبرنا أبو عليّ أيضًا سنة خمس وخمس مئة، قال: حدثنا أبو نعيم سنة ثلاث وعشرين وأربع مئة، ح. وأخبرنا الرَّئيس أبو القاسم هِبَةُ الله بن محمد بن الحصين ﵀ ببغداد، قال: أخبرنا أبو علي بنُ المُذْهب. قالا: حدثنا أبوبكر بن مالك، قال: حدثنا عبد الله بن أحمد، قال: حدثني أبي ﵀، قال: حدثنا عفان. قالا: حدثنا أبو عوانة، قال: حدثنا الأسود بن قيس - وفي رواية الكشي: عن الأسود بن قيس - عن نُبَيح العنزي، عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: خرج رسول الله ﷺ من المدينة إلى المشركين لِيُقاتِلَهم، فقال لي أبي عبد الله ﵁: يا جابر، لا عليك أن تكون في نظاري أهل المدينة، حتى تعلم إلى ما يَصِيرُ أمرنا، فإني - والله - لولا أني أترك بنات لي بعدي لأحبَبْتُ أَنْ تُقْتَلَ بين يدي. قال: فبينما أنا في النَّظَّارين إذ جاءت عمتي بأبي وخالي عادَلَتْهُما على ناضح، فدخلت بهما المدينةَ لِتَدْفِنَهُما في مقابرنا، إذا نحن برجل - وفي رواية أحمد: إذ لَحِق رجلٌ - يُنادي: ألا إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ يأمركم أن تَرْجِعوا بالقَتْلَى فتدفنوهم في مصارعهم حيث قُتلوا، فرجعنا بهما فدفناهما حيثُ قُتِلا.

стр. 420

قال: فبينما أنا في خلافة معاوية ﵁ إذ جاءني رجل فقال: يا جابر بن عبد الله، والله لقد أثار أباك عُمَّالُ معاويةَ، فبدا، فخرجَتْ طائفة منه، فأتَيْتُه، فوجدتُه على النَّحْوِ الذي دفَنْتُه لم يتغيَّر - زاد أحمد: إلا ما لم يدع القَتْلُ، أو القتيل، قالا: - فوارَيْتُه. وترك أبي عليه - وفي رواية الكَشْي: عليَّ - دَيْنًا من التمر، فاشتد علي بعضُ غُرمائه - وفي رواية الكَشْي: غُرَّامِه - في التقاضي، فأتيت رسول الله ﷺ ، فقلت: يا رسول الله، إنَّ أبي أُصِيبَ يوم كذا وكذا معك، وترك عليه - وفي رواية الكشّي: عليَّ - دَيْنًا من التَّمْر، فاشتد عليَّ بعضُ غُرمائه - وفي رواية الكَشْي: غُرَّامي - في التَّقاضي، فأُحِبُّ أن تُعِينَني عليه، لعله يُنظرني بطائفة من تمره إلى هذا الصرام المُقْبِل؛ فقال رسول الله ﷺ : «نعم (١)، آتيك - إن شاء الله - قريبًا من وسط النهار». قال: فجاء ومعه حواريه - وفي نسخة: حواروه، زاد الكشي: فجلس في الظَّلِّ، وسلَّم رسول الله ﷺ . قالا: ثم استأذن ودخل، وقد قُلْتُ لامرأتي: إنَّ نبي الله ﷺ جاء اليوم وسط النهار، فلا أرَيَنَّكِ - وفي رواية الكَشْي: فلا يَرَكِ - ولا تُؤْذِي رسول الله ﷺ في شيء، ولا تكلميه. قال: فدخل، ففرَشْتُ له فراشًا ووسادة، فوضع رأسه فنام. وقلت لمولى لي: إذبَحْ هذه العناقةَ - وهي داجن سمينة - والوحى والعجل، فافرَغْ منها قبل أن يستيقظ رسول الله ﷺ وأنا معك، فلم نزَلْ فيها حتى فرغنا منها وهو نائم. فقلت له: إنَّ رسول الله ﷺ إذا استيقظ يدعو بالطهور، وإني أخاف إذا فرغ أن يقوم، فلا يَفْرُغَنَّ من وُضوئه حتى تضع العناق بين يديه.

стр. 421

فلما قام قال: «يا جابر، ائتني بطَهُور»، فلم يَفْرُغ من طهوره حتى وضَعْتُ العناق عنده، فنظر إليَّ فقال: «كأنَّك قد علِمْتَ حُبَّنا لِلَّحم، ادْعُ لي أبا بكر» ودعا حوارييه الذين معه، فدخلوا، فضرب رسول الله ﷺ بيده، وقال: باسم الله، كُلوا فأكَلُوا حتى شَبِعوا، وبقي لحم منها كثير. قال: والله إنَّ مجلس بني سَلِمةَ لينظرون إليه، لهو أحبُّ إليهم من أعينهم، ما يَقْرَبُه منهم أحدٌ مخافة أن يُؤذِيَه، فلما فرغوا قامَ النَّبِيُّ ﷺ وقام أصحابه، فخرجوا بين يديه، وكان يقول: «خَلُّوا ظَهْري للملائكة» واتَّبَعْتُهم حتى بلَغْتُ أُسْكُفَّةَ الباب، قال: فأخرجَتْ امرأتي صَدْرَها، وكانت مستترةً [بسفيف] (١) في البيت، فقالت: يا رسول الله، صلّ علي وعلى زوجي صلَّى الله عليك، فقال رسول الله ﷺ : «صلَّى الله عليك وعلى زوجكِ». ثم قال: «ادْعُ لي فلانًا» لِغَريمي الذي اشتدَّ عليّ بالطلب، قال: فجاء، فقال: «أَنْظِرْ جابر بن عبد الله بطائفة - وفي رواية أحمد: أَيْسِرْ جابر بن عبد الله - يعني إلى الميسرة - طائفةٌ مِنْ دَيْنِك الذي على أبيه - زاد أحمد: إلى هذا الصرام المُقْبِل». قال: ما أنا بفاعل، واعتل وقال: إنما هو مال يتامى. فقال رسول الله ﷺ : «أين جابر؟» قلت: أنا ذا، يا رسول الله، قال: «كِلْ له، فإنَّ الله ﷻ سوف يُوفِّيه». قال: ثم رفع رأسه فإذا الشَّمسُ قد دَلكَتْ، فقال: «الصَّلاة يا أبا بكر» قال: فاندفعوا إلى المسجد، فقلتُ: قرّب أوعيتكَ، قال: فكِلْتُ له من العجوة، فوفاه الله - تعالى - وفضَلَ لنا مِنْ التَّمْر كذا وكذا - زاد أحمد في

стр. 422

روايته (١): وكِلْتُ من أصناف التَّمْر، فوفَّاه الله - تعالى - وفضل لنا من التَّمر كذا وكذا. قالا: فجِئْتُ أسعى إلى رسول الله ﷺ في مسجده كأني شرارة، فوجَدْتُ رسول الله ﷺ قد صلَّى، قال: فقُلْتُ: يا رسول الله، ألم ترَ أَنِّي كِلْتُ لِغَريمي تمره فوَفَّاه الله وفضَلَ لنا من التمر كذا وكذا (٢). فقال رسول الله ﷺ : «أين عمرُ بنُ الخَطَّاب؟» فجاء يُهَرْوِل، فقال: «سَلْ جابر بن عبد الله عن غريمه وتمره» فقال: ما أنا بسائله، قد عَلِمْتُ أَنَّ الله سوف يُوفِّيه - زاد أحمد: إِذْ أَخبَرْتَ أَنَّ الله سوف يُوفِّيه، قال: فكرر عليه هذه الكلمة ثلاث مرات، كلُّ ذلك يقول: ما أنا بسائله، وكان لا يُراجع بعد المرة الثالثة، فقال عمر ﵁: يا جابر، ما فعل غريمك وتمرك؟ قال: قلت: وفاه الله - تعالى - وفضَلَ لنا من التَّمر كذا وكذا. فرجَعْتُ إلى امرأتي، فقلت لها: ألم أكُنْ نهَيْتُكِ أَنْ تُكلمي رسول الله ﷺ ؟ فقالت: أَكُنْتَ تَظُنُّ أنَّ الله يُورِدُ رسولَه ﷺ بيتي، ثم يخرج ولا أسأله الصَّلاةَ علي وعلى زوجي قبل أن يخرج؟! (٣).

стр. 423

هذا حديث حسَنُ السياق، لا أَعْرِفُه بهذا التَّمام إلا من رواية أبي عوانة، وكان معروفًا بحفظ الطوال؛ لأنه كان حين يسمع يُمْلِي على مَنْ يكتبه له. وروى سفيان الثوري وغيره عن الأسود بعضًا منه، وكذلك روي من وجوه عن جابر ﵁ متفرقًا، وفي رواية: أنَّ ذلك كان صبيحة يوم السبت (١). والنظارون: الذين ينظرون إلى الأمر والقتال ونحوهما. وقوله (عادلتهُما على ناضح) أي: شدَّتْ أحدهما بالآخرِ مقتولين على جنبي البعير كالعدلين، والناضح: البعير الذي يُسْتَقى عليه. و (عُمال معاوية ﵁) كانوا يعملون في حفر قناةٍ بالمدينة، طريقها على قبور الشُّهداء، فلذلك أثاروه واستخرجوه من قبره. والغرام، والغُرَماء: جَمْعا غارم. وقوله (أَيْسِرْ) أي: أَنْظُرْه، وأَمْهِلْه إِلى المَيْسَرة. وقوله (واعتل) أي: ردَّ على رسول الله ﷺ قوله بأنه مال يتيم. و (دلكت) أي: زالت. وقوله (فاندفعوا) أي: خرجوا.

стр. 424

والصلاة في هذا الحديث: الدُّعاء. * * * ١٠٧ - أخبرنا القاضي أبو منصور محمد بن عبد الله بنِ مَنْدُويَهْ الشروطي ﵀ قال: حدثنا أبو نعيم أحمد بن عبد الله الحافظ، قال: حدثنا أبو بكر أحمدُ بنُ يُوسُفَ بنِ خَلَّادٍ العطَّارُ النَّصِيبي ببغداد، قال: حدثنا الحارث بن أبي أسامة، قال: حدثنا داود بنُ المُحبَّرِ بنِ قَحْذَمِ البصري، قال: حدثنا عَبَّادٌ - يعني ابن كثير -، عن يزيد الرقاشي وعن المغيرة بن قيس، عن أنس بن مالك ﵁. قال: وزعم المغيرة بن قيس أنَّ قتادة، وسعيد بنَ المُسَيَّبِ، والضَّحَاكَ بنَ مُزاحِمٍ، وأبا الزبير - يعني - أخبروه عن جابر بن عبد الله ﵄، والعَرْزَميَّ عن علي بن أبي طالب ﵁ أنهم حدثوا (١) بهذا الحديث، عن رسول الله ﷺ . أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال (٢): «الشُّهداء ثلاثة: رجل خرج بنفسه وماله صابرًا محتسبًا، لا يريد أن يقتل ولا يُقتل، فإِنْ ماتَ أو قُتِل غُفِرَتْ له ذنوبه كلها، ويُجار من عذاب القبر، ويُؤَمِّنُ من الفزع الأكبر، ويُزوَّجُ من الحور العين، وتحلُّ عليه حُلَّةُ الكرامة، ويُوضَعُ على رأسه تاج الخُلد. والثَّاني: رجل خرج بنَفْسِه وماله مُحتسِبًا يريد أن يَقْتُلَ ولا يُقتل، فإِنْ مات أو قُتِلَ كانت رُكْبَتُه ورُكبةُ إبراهيم خليل الرحمن ﵇ بين يدي الله في مَقعَدِ صِدْقٍ. والثالث: رجل خرج بنفسه وماله مُحتسبًا يريد أن يَقتُلَ ويُقتل، فإن مات أو قُتِل فإنه يجيء يوم القيامة شاهرًا سيفه واضعًا على عاتقه، والناس جاثون على الركب، يقول: افْسَحوا لنا؛ فإنَّا قد بذلنا دماءنا الله ». فقال رسول الله ﷺ : «والذي نفسي بيده، لو قالوا ذلك لإبراهيم أو لنبي.

стр. 425

من الأنبياء ﵇ لتنحى لهم عن الطريق؛ لما يرى من حقهم، ولا يسأل الله - تعالى - شيئًا إلا أعطاه، ولا يشفع في أحد إلا شُفّع فيه، ويُعْطَى في الجنَّة ما أحَبَّ، ولا يَفْضُله في الجنَّةِ منزلةً نبي ولا غيره، وله في الفردوس ألف ألف مدينة من فِضَّة، وألفُ ألفِ مدينةٍ مِنْ نورٍ يَتلألأ نورًا، في كل مدينة من هذه المدائن ألف ألف قصر، وفي كلِّ قصر ألف ألف بيت، وفي كلِّ بيت ألفُ ألف سرير من غير جوهر البيت، طوله مسيرة ألفِ عام، وعرضه مسيرة ألفِ عام، وطوله في السماء مسيرة خمس مئة عام، عليه زوجة قد برز ما كمتها (١) من حافتي السرير عشرين ميلًا من كلِّ زاوية، وهي أربع زوايا، وأشفار عينيها كجناح النسر، أو: كقوادم النسور، وحاجباها كالهلال، عليها ثياب نبتت في رياض جنات عدن، سُقْياها من تسنيم، وزَهْرتُها تخطف الأبصار دونها». قال: وقال الحسن: «لو برزَتْ لأهل الدُّنيا لم يرها نبي مُرسَلٌ، ولا ملَكُ مُقرَّب إلا افتتن بِحُسْنها». «بين يدي كل امرأة منهن مئة ألفِ جاريةٍ بِكْرٍ خدم سوى خُدَّام زوجها، وبين يدي كل سرير كرسي من غير جوهر السرير، طوله مئة ألف ذراع، على كل سرير مئة ألف فراشٍ غَلْظَ، كلُّ فراش كما بين السماء والأرض، وما بينهما (٢) مسيرة خمس مئة عام، يدخلون الجنَّةَ قبل الصديقين والمؤمنين بخمس مئة عام، يَقْتَضُون العذارى (٣) فإذا دنا من السرير تطأمَنَتْ (٤) له الفرش حتى يركبها، فيَعْلُو منها حيث شاء، فيَتَّكِي تُكَأةً واحدة - يعني: مع واحدة من الحور العين - سبعين سنة، فتناديه أبهى منها وأجملُ: يا عبد الله، أما لنا منك دولة؟، فيلتفتُ إليها فيقول: من أنتِ؟ فتقول: أنا من الذين قال الله :
следующие страницы →