← Книги сунны

Книги сунны · id 30195

الطوالات - لأبي موسى المديني

أبو موسى المديني

Полный текст (962 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

فلما قام قال: «يا جابر، ائتني بطَهُور»، فلم يَفْرُغ من طهوره حتى وضَعْتُ العناق عنده، فنظر إليَّ فقال: «كأنَّك قد علِمْتَ حُبَّنا لِلَّحم، ادْعُ لي أبا بكر» ودعا حوارييه الذين معه، فدخلوا، فضرب رسول الله ﷺ بيده، وقال: باسم الله، كُلوا فأكَلُوا حتى شَبِعوا، وبقي لحم منها كثير. قال: والله إنَّ مجلس بني سَلِمةَ لينظرون إليه، لهو أحبُّ إليهم من أعينهم، ما يَقْرَبُه منهم أحدٌ مخافة أن يُؤذِيَه، فلما فرغوا قامَ النَّبِيُّ ﷺ وقام أصحابه، فخرجوا بين يديه، وكان يقول: «خَلُّوا ظَهْري للملائكة» واتَّبَعْتُهم حتى بلَغْتُ أُسْكُفَّةَ الباب، قال: فأخرجَتْ امرأتي صَدْرَها، وكانت مستترةً [بسفيف] (١) في البيت، فقالت: يا رسول الله، صلّ علي وعلى زوجي صلَّى الله عليك، فقال رسول الله ﷺ : «صلَّى الله عليك وعلى زوجكِ». ثم قال: «ادْعُ لي فلانًا» لِغَريمي الذي اشتدَّ عليّ بالطلب، قال: فجاء، فقال: «أَنْظِرْ جابر بن عبد الله بطائفة - وفي رواية أحمد: أَيْسِرْ جابر بن عبد الله - يعني إلى الميسرة - طائفةٌ مِنْ دَيْنِك الذي على أبيه - زاد أحمد: إلى هذا الصرام المُقْبِل». قال: ما أنا بفاعل، واعتل وقال: إنما هو مال يتامى. فقال رسول الله ﷺ : «أين جابر؟» قلت: أنا ذا، يا رسول الله، قال: «كِلْ له، فإنَّ الله ﷻ سوف يُوفِّيه». قال: ثم رفع رأسه فإذا الشَّمسُ قد دَلكَتْ، فقال: «الصَّلاة يا أبا بكر» قال: فاندفعوا إلى المسجد، فقلتُ: قرّب أوعيتكَ، قال: فكِلْتُ له من العجوة، فوفاه الله - تعالى - وفضَلَ لنا مِنْ التَّمْر كذا وكذا - زاد أحمد في

стр. 422

روايته (١): وكِلْتُ من أصناف التَّمْر، فوفَّاه الله - تعالى - وفضل لنا من التَّمر كذا وكذا. قالا: فجِئْتُ أسعى إلى رسول الله ﷺ في مسجده كأني شرارة، فوجَدْتُ رسول الله ﷺ قد صلَّى، قال: فقُلْتُ: يا رسول الله، ألم ترَ أَنِّي كِلْتُ لِغَريمي تمره فوَفَّاه الله وفضَلَ لنا من التمر كذا وكذا (٢). فقال رسول الله ﷺ : «أين عمرُ بنُ الخَطَّاب؟» فجاء يُهَرْوِل، فقال: «سَلْ جابر بن عبد الله عن غريمه وتمره» فقال: ما أنا بسائله، قد عَلِمْتُ أَنَّ الله سوف يُوفِّيه - زاد أحمد: إِذْ أَخبَرْتَ أَنَّ الله سوف يُوفِّيه، قال: فكرر عليه هذه الكلمة ثلاث مرات، كلُّ ذلك يقول: ما أنا بسائله، وكان لا يُراجع بعد المرة الثالثة، فقال عمر ﵁: يا جابر، ما فعل غريمك وتمرك؟ قال: قلت: وفاه الله - تعالى - وفضَلَ لنا من التَّمر كذا وكذا. فرجَعْتُ إلى امرأتي، فقلت لها: ألم أكُنْ نهَيْتُكِ أَنْ تُكلمي رسول الله ﷺ ؟ فقالت: أَكُنْتَ تَظُنُّ أنَّ الله يُورِدُ رسولَه ﷺ بيتي، ثم يخرج ولا أسأله الصَّلاةَ علي وعلى زوجي قبل أن يخرج؟! (٣).

стр. 423

هذا حديث حسَنُ السياق، لا أَعْرِفُه بهذا التَّمام إلا من رواية أبي عوانة، وكان معروفًا بحفظ الطوال؛ لأنه كان حين يسمع يُمْلِي على مَنْ يكتبه له. وروى سفيان الثوري وغيره عن الأسود بعضًا منه، وكذلك روي من وجوه عن جابر ﵁ متفرقًا، وفي رواية: أنَّ ذلك كان صبيحة يوم السبت (١). والنظارون: الذين ينظرون إلى الأمر والقتال ونحوهما. وقوله (عادلتهُما على ناضح) أي: شدَّتْ أحدهما بالآخرِ مقتولين على جنبي البعير كالعدلين، والناضح: البعير الذي يُسْتَقى عليه. و (عُمال معاوية ﵁) كانوا يعملون في حفر قناةٍ بالمدينة، طريقها على قبور الشُّهداء، فلذلك أثاروه واستخرجوه من قبره. والغرام، والغُرَماء: جَمْعا غارم. وقوله (أَيْسِرْ) أي: أَنْظُرْه، وأَمْهِلْه إِلى المَيْسَرة. وقوله (واعتل) أي: ردَّ على رسول الله ﷺ قوله بأنه مال يتيم. و (دلكت) أي: زالت. وقوله (فاندفعوا) أي: خرجوا.

стр. 424

والصلاة في هذا الحديث: الدُّعاء. * * * ١٠٧ - أخبرنا القاضي أبو منصور محمد بن عبد الله بنِ مَنْدُويَهْ الشروطي ﵀ قال: حدثنا أبو نعيم أحمد بن عبد الله الحافظ، قال: حدثنا أبو بكر أحمدُ بنُ يُوسُفَ بنِ خَلَّادٍ العطَّارُ النَّصِيبي ببغداد، قال: حدثنا الحارث بن أبي أسامة، قال: حدثنا داود بنُ المُحبَّرِ بنِ قَحْذَمِ البصري، قال: حدثنا عَبَّادٌ - يعني ابن كثير -، عن يزيد الرقاشي وعن المغيرة بن قيس، عن أنس بن مالك ﵁. قال: وزعم المغيرة بن قيس أنَّ قتادة، وسعيد بنَ المُسَيَّبِ، والضَّحَاكَ بنَ مُزاحِمٍ، وأبا الزبير - يعني - أخبروه عن جابر بن عبد الله ﵄، والعَرْزَميَّ عن علي بن أبي طالب ﵁ أنهم حدثوا (١) بهذا الحديث، عن رسول الله ﷺ . أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال (٢): «الشُّهداء ثلاثة: رجل خرج بنفسه وماله صابرًا محتسبًا، لا يريد أن يقتل ولا يُقتل، فإِنْ ماتَ أو قُتِل غُفِرَتْ له ذنوبه كلها، ويُجار من عذاب القبر، ويُؤَمِّنُ من الفزع الأكبر، ويُزوَّجُ من الحور العين، وتحلُّ عليه حُلَّةُ الكرامة، ويُوضَعُ على رأسه تاج الخُلد. والثَّاني: رجل خرج بنَفْسِه وماله مُحتسِبًا يريد أن يَقْتُلَ ولا يُقتل، فإِنْ مات أو قُتِلَ كانت رُكْبَتُه ورُكبةُ إبراهيم خليل الرحمن ﵇ بين يدي الله في مَقعَدِ صِدْقٍ. والثالث: رجل خرج بنفسه وماله مُحتسبًا يريد أن يَقتُلَ ويُقتل، فإن مات أو قُتِل فإنه يجيء يوم القيامة شاهرًا سيفه واضعًا على عاتقه، والناس جاثون على الركب، يقول: افْسَحوا لنا؛ فإنَّا قد بذلنا دماءنا الله ». فقال رسول الله ﷺ : «والذي نفسي بيده، لو قالوا ذلك لإبراهيم أو لنبي.

стр. 425

من الأنبياء ﵇ لتنحى لهم عن الطريق؛ لما يرى من حقهم، ولا يسأل الله - تعالى - شيئًا إلا أعطاه، ولا يشفع في أحد إلا شُفّع فيه، ويُعْطَى في الجنَّة ما أحَبَّ، ولا يَفْضُله في الجنَّةِ منزلةً نبي ولا غيره، وله في الفردوس ألف ألف مدينة من فِضَّة، وألفُ ألفِ مدينةٍ مِنْ نورٍ يَتلألأ نورًا، في كل مدينة من هذه المدائن ألف ألف قصر، وفي كلِّ قصر ألف ألف بيت، وفي كلِّ بيت ألفُ ألف سرير من غير جوهر البيت، طوله مسيرة ألفِ عام، وعرضه مسيرة ألفِ عام، وطوله في السماء مسيرة خمس مئة عام، عليه زوجة قد برز ما كمتها (١) من حافتي السرير عشرين ميلًا من كلِّ زاوية، وهي أربع زوايا، وأشفار عينيها كجناح النسر، أو: كقوادم النسور، وحاجباها كالهلال، عليها ثياب نبتت في رياض جنات عدن، سُقْياها من تسنيم، وزَهْرتُها تخطف الأبصار دونها». قال: وقال الحسن: «لو برزَتْ لأهل الدُّنيا لم يرها نبي مُرسَلٌ، ولا ملَكُ مُقرَّب إلا افتتن بِحُسْنها». «بين يدي كل امرأة منهن مئة ألفِ جاريةٍ بِكْرٍ خدم سوى خُدَّام زوجها، وبين يدي كل سرير كرسي من غير جوهر السرير، طوله مئة ألف ذراع، على كل سرير مئة ألف فراشٍ غَلْظَ، كلُّ فراش كما بين السماء والأرض، وما بينهما (٢) مسيرة خمس مئة عام، يدخلون الجنَّةَ قبل الصديقين والمؤمنين بخمس مئة عام، يَقْتَضُون العذارى (٣) فإذا دنا من السرير تطأمَنَتْ (٤) له الفرش حتى يركبها، فيَعْلُو منها حيث شاء، فيَتَّكِي تُكَأةً واحدة - يعني: مع واحدة من الحور العين - سبعين سنة، فتناديه أبهى منها وأجملُ: يا عبد الله، أما لنا منك دولة؟، فيلتفتُ إليها فيقول: من أنتِ؟ فتقول: أنا من الذين قال الله :

стр. 426

وَلَدَيْنَا مَزِيدُ [ق: ٣٥]، ثم تُناديه أبهى منها وأجمل من غرفة أخرى: يا عبد الله، أما لك فينا حاجة؟ فيقول: ما علِمْتُ بمكانك، فتقول: أما علِمْتَ أنَّ الله قال: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة: ١٧]؟ فيقول: بلى، وربي». فقال رسول الله ﷺ : «فلعله يُشْغَلُ عنها بعد ذلك أربعين عامًا، لا يَشْغَلُه عنها إلا ما هو فيه من النعمة واللذة. فإذا دخل أهل الجنَّةِ الجِنَّةَ رَكِبَ شُهداء البحر في قراقير مِنْ دُرِّ، في نهر من دُرِّ، مَجاديفهم قضبانُ اللُّؤلؤ والياقوت والمرجان، تَرْفَعُهم ريحٌ تُسمَّى الزهراء في موج كالجبال، إنما هي من نورٍ تَلألأ تلك (١) الأمواج، أهون في أعينهم وأحلى عندهم من الشَّراب البارد في الزُّجاجة البيضاء عند أهل الدُّنيا في اليوم الصائف وزمانهم الذي كانوا فيه في نحو أصحابهم في الدُّنيا، يُقدِّمُهم قراقيرهم بين يدي أصحابهم مسيرة ألف ألف سنة، وخمس مئة ألف وخمسين ألف سنة، ومَيْمنتهم مِنْ قُرْبِ أولئك من أصحابهم، ومَيْسرتُهم مِثْلُ ذلك، وساقتهم الذين كانوا خلفهم من ورائهم في تلك القراقير مِنْ دُرِّ. فبينا هم كذلك يسيرون في ذلك النهر إِذْ رفعتهم تلك الأمواج إلى كراسي بين يدي عرش ربِّ العِزَّة ﵎، فبينا هم كذلك إذ طلعت عليهم الملائكة يَضْعُفون على خدم أهلِ الجنَّةِ حُسْنًا وبهاءً وجمالًا ونورًا، كما يَضْعُفونهم على سائر أهل الجنة بمنازلهم عند الله . قال: فيهم أحدهم أن يَخِرَّ لبعض خُدَّامِه من الملائكة ساجدًا، فيقول: يا ولي الله، إنما أنا خادم ونحن مئة ألفِ قَهرمان (٢) في جَنَّاتِ عَدْن، ومئة ألفِ قهرمان في جَنَّاتِ الفِرْدَوس، ومئة ألفِ قَهرمان في جَنَّاتِ النَّعيم (٣)، ومئة ألف

стр. 427

قَهرمانٍ في جَنَّاتِ المأوى، ومئة ألفِ قَهرمان في جَنَّاتِ الخُلد، ومئة ألف قهرمان في جَنَّاتِ الجَلال، ومئة ألفِ قَهرمان في جَنَّاتِ السَّلام، كلُّ قَهرمان منهم على مئة ألف مدينةٍ، في كلِّ مدينةٍ مئة ألفِ قصر، في كلِّ قصر مئة ألف بيت من ذهب وفِضَّةِ ودُرِّ وياقوت وزَبَرْجَدٍ ولُؤْلُؤ ونور، فيها أزواجه وسُرُره (١) وخُدَّامُه، لو أنَّ أدناهم رجلًا نزل به الثَّقَلان من الجن والإنس ومثلهم معهم ألف ألف مرَّةٍ لوَسِعَهم أدنى قَصْرٍ من قصوره ما شاؤوا من النُّزُلِ واللباس والخمر والفاكهة والثّمار والطَّعام والشراب، كلُّ قصر منها مُسْتغن بما فيه من هذه الأشياء على قَدْرِ سعَتِهم جميعًا، لا يحتاج إلى القصر الآخَرِ في شيء من ذلك، وإنَّ أدناهم منزلة الذي يدخل على الله بُكْرةً وعشيًا، فيأمر له بالكرامة كلّها، ثم يَسْتَقِلُّ ذلك لعبده حتى ينظر في وجهه الجميل ﷻ » (٢). هذا حديث القُصَّاص وبابَتُهم، لا أَعْرِفُه إلا من حديث داود بن المُحبَّر، والكلُّ من أهل الحديث سَيِّئُو القول فيه (٣)، ما خلا يحيى بن مَعِين (٤).، ولولا

стр. 428

شرطنا الذي شرطناه في إملاء الطُّوالات لما أملينا هذا، مع أنَّ الحُفَّاظ قد حدثوا به، كأبي سعيد النَّقَاشِ وغيرِه، غير أنه عالي الإسناد، وما ذكره في الحديث غير مُستنكَرٍ مِنْ قُدرةِ الله ، وفي فضائلِ الشُّهداء من القرآن والأخبار الصحاح ما يُغني عن مثل هذا. وقيل: إنَّ الإمام أحمد بن حنبل ﵀ أخذ من داود «كتاب العقل» الذي صنفه، فنظر فيه ورده عليه، فقال: فيه أسانيد ضعاف، فقال داود: لم أُخرجه على الأسانيد، وإنما نظَرْتُ فيه بعين العمل فانتفَعْتُ به، ونظَرْتَ فيه بعَيْنِ الخبر، فقال أحمد ﵀: فَرُدَّه عليَّ حتى أَنْظُرَ فيه بالعَيْنِ التي نظَرْتَ، فأخذه ومكث عنده طويلًا، ثم قال: جزاك الله خيرًا؛ فقد انتفعتُ به (١). والقراقير: جمع القرقور، وهي سفينة صغيرة. والمجداف: الخشب الذي تُسيّر به السفينة، وجمعه: مجاديف * * * ١٠٨ - أخبرنا أبو علي الحداد ﵀ قال: أخبرنا أبو نعيم الحافظ، قال: حدثنا محمد بن أحمد بن الحسن، قال: حدثنا محمد بن عثمان بن أبي شَيْبَةَ، قال: حدثنا عمي القاسم بن محمد، قال: حدثنا مُعلَّى بنُ عبدِ الرَّحمنِ بنِ الحكم الواسطي، ح. وأخبرنا أبو الرجاء أحمد بن محمد بن عبد العزيز بقراءة والدي عليها -رحمهما الله-، قال: أخبرنا عبدُ الرَّحمنِ بنُ أحمدَ الإمام، قال: أخبرنا جعفر بن عبد الله

стр. 429

المعدّل، قال: حدثنا محمد بن هارون (١) الرُّويانيُّ، قال: حدثنا إسحاق بن شاهين، ومحمَّد بن إسحاق، قالا: حدثنا المُعلَّى بن عبد الرحمن، قال: حدثنا عبد الحميد بن جعفرٍ، عن عمرو بن الحكم، عن جابر بن عبد الله الأنصاري ﵄ قال: جاءت بنو تميم بشاعرهم وخطيبهم إلى النبي ﷺ فنادوا على الباب فقالوا: يا محمَّد أَخْرُجْ إلينا؛ فإِنَّ مِدْحَتَنا زَيْن، وإِنَّ شَتْمَنا شَيْن، قال: فسمعها رسول الله ﷺ ، فخرج إليهم وهو يقول: «ذلكم الله الذي مِدْحتُه زَيْن وشَتْمُه شَيْن، فماذا تريدون؟». قالوا: نحن ناس من بنى تميم، جئناك بشاعرنا وخطيبنا؛ لِنُشاعِرَك ونُفاخِرَك، فقال رسول الله ﷺ : «ما بالشِّعر بُعِثْتُ، ولا بالفخار أُمرت، ولكن هاتوا». قال: فقال الزبرقان بن بدر - وفي رواية أبي علي: قال: فقال الأقرع بن حابس - لشاب من شُبَّانهم: قُمْ يا فلان فاذكُر فَضْلَك وفضل قومك، قال: فقام فقال: الحمد لله الذي جعلنا خيرَ خَلْقِه، وآتانا أموالًا نفعل فيها ما نشاء، فنحن خير أهل الأرض، أكثرهم مالًا، وأكثرهم عددًا، وأكثرهم سلاحًا، فمن أنكر علينا قولنا فليَأْتِ بقول هو أحسنُ مِنْ قولنا، أو بفعل هو أفضل من فعالنا. قال: فقال رسول الله ﷺ لثابت بن قيس بن شماس الأنصاري ﵁، وكان خطيب النَّبيِّ ﷺ : «قُمْ فأَجِبْه»، فقام ثابت فقال: الحمد لله، أحمده وأستعينه وأؤمن به وأتوكَّلُ عليه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، دعا المهاجرين من بني عمه، أحسنَ النَّاس وجوهًا، وأعظمَ النَّاس أحلامًا، فأجابوه، فالحمد لله الذي جعلنا أنصاره، ووزراء رسوله ﷺ ، وعِزًّا لدينه، ونحن نقاتل النَّاسَ حتى يَشْهَدُوا أَنْ لا إله إلا الله، فمَنْ قالها منَعَ مِنَّا مالَه ونفسَه ومَنْ أباها قاتلناه، وكان

стр. 430

رَغْمُه في الله - تعالى - علينا هَيِّنًا، أقولُ قَوْلي هذا وأستغفر الله - تعالى - لي وللمؤمنين والمؤمنات. قال: فقال الزبْرِقانُ بنُ بدرٍ لرجل منهم: يا فلان، قُمْ فَقُلْ أبياتًا تذكر فيها فضلك وفضل قومك، فقام فقال: نحن الكرام فلا حيٌّ يُعادِلُنا … نحن الرُّؤوس وفينا يُقْسَمُ الرُّبُعُ ونُطْعِمُ النَّاسَ عند القَحْط كلَّهُمُ … من السديف إذا لم يُؤْنَس القَزَعُ إذا أبينا فلا يأبى لنا أحدٌ … إنا كذلك عند الفخر نرتفع (١) قال: فقال رسول الله ﷺ : «علي بحسان بن ثابت»، قال: فأتاه الرسولُ، فقال: وما يريدُ مِنِّي رسولُ الله ﷺ ، وإنما كُنْتُ عنده آنفًا؟!، قال: جاءت بنو تميم بشاعرهم وخطيبهم، فتكلم خطيبهم، فأمر رسول الله ﷺ ثابت بنَ قيس ﵁ فأجابه، وتكلَّم شاعِرُهم، فبعث إليك لِتُجيبه، فقال حسان ﵁: قد آن لكم أن تَبْعَثُوا إلى هذا العَوْد - زاد أبو عليّ في روايته: والعود: الجمل الكبير - قال: فلما أَنْ جاءَ قال رسول الله ﷺ : «يا حسان، قُمْ فَأَجِبْه» فقال: يا رسول الله، مُرْه فَلْيُسْمِعْني ما قال فقال: «أَسْمِعْه ما قُلْتَ» فأسمَعَه، فقال حسان ﵁: نصرنا رسول الله والدِّينَ عَنْوةً … على رغم عاتٍ مِنْ مَعَدٌ (٢) وحاضر بضرب كإيزاعِ المَخاضِ مُشاشُه … وطعن كأفواه اللقاح الصوادر وسَل أَحدًا يوم استقلتَ شِعابُه … بضَرْبٌ لنا مِثْلَ الليوث الخوادر (٣) ألسنا نخوض الموتَ في حَوْمةِ الوَغَى … إذا طاب وِرْدُ الموت بين العساكر

стр. 431

ونضرب هام الدارعين، وننتمي … إلى حسَبٍ من جِذْمِ غسَّانَ قاهر ولولا حياء الله قلنا تكَرُّمًا … على النَّاس بالخَيْفَيْن هل مِنْ مُنافِرِ فأحياؤنا من خير من وطئ الحصى … وأمواتنا من خير أهل المقابر قال: فقام الأقرع بن حابس فقال: إني والله يا محمد لقد جِئْتُ لأمر ما جاء له هؤلاء، وقد قلت شعرًا فاسمعه، فقال له ﷺ : «هات»، فقال: أتيناك كي ما يعرف النَّاسُ فَضْلَنا … إذا اختلفوا عند ادكار المكارم وإِنَّا رؤوسُ النَّاسِ مِنْ كلِّ مَعْشَرٍ … وأَنْ ليس في أرض الحجاز كدارم إلى هنا رواية ابن شاهين، وزاد الآخران: وإن لنا المرباع في كلِّ غارةٍ … تكون بنجد أو بأرض التهائم فقال رسول الله ﷺ : «قُمْ يا حسان فأَجِبْه»، فقام فقال: بني دارم لا تفخروا؛ إِنَّ فخرَكُم … يعود وبالًا عند ذكر المكارم هبلتُم علينا تَفْخَرون، وأنتم … لنا خَوَلٌ من بين ظئر وخادم (١) قال: فقال رسول الله ﷺ : «لقد كُنْتَ غنيًا يا أخا بني دارم أَنْ يُذْكَرَ منك ما قد كنتَ ظَنَنْتَ أَنَّ النَّاسَ قد نَسُوه منك». زاد في رواية محمد بن إسحاق - حين يقول حسان: من بين ظئر وخادم، زاد الآخر - قال: فكان قول رسول الله ﷺ أشد عليه من قول حسان، ثم عاد حسان ﷺ إلى قوله: وأفضلُ ما يَلْتُم من المجد والعُلى … وفادتنا من بعدِ ذِكْرِ المكارم فإن كنتم جئتم لحقن دمائِكُمْ … وأموالِكُم أَنْ يُقْسَموا في المقاسم فلا تجعلوا الله ندًا وأسلموا … ولا تَفْخَروا عند النَّبي بدارم

стр. 432

وإلا ورب البيت مالتْ أكفنا … على رُوسِكُمْ بِالمُرْهَفاتِ الصَّوارِمِ (١) قال: فقال رئيسهم - وفي رواية أبي علي: فقام الأقرع بن حابس فقال: يا هؤلاء، ما أدري ما هذا الأمر! تكلم خطيبنا فكان خطيبهم أرفع صوتًا، وأحسن قولًا! ثم دنا إلى رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله، أشهد أن لا إله إلا الله، وأَنَّكَ رسول الله - زاد ابن إسحاق في روايته: فأسلم، وأسلم أصحابه، فقال رسول الله ﷺ (٢): «لا يضُرُّك ما كان قبل هذا» (٣). ألفاظهما متقاربة، وهذا الحديث بهذا التَّمام يُعَدُّ في أفراد المُعَلَّى، رواه عنه أبو أُمية الطرسوسي وغير واحد (٤). * * * ١٠٩ - أخبرنا السيد أبو القاسم عباد بن محمد بن المحسن الجعفري رَحْمَةُ اللهِ

стр. 433

إذنًا، قال: حدثنا أبو أحمد محمَّد بن علي المكفوف سنة أربع وثلاثين، قال: أخبرنا عبد الله بن محمَّد بن جعفر، قال: حدثنا محمد بن عمر بن حفص، قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم - هو شاذان، قال: حدثنا سعدُ بنُ الصَّلت، عن يحيى بن العلاء، عن يحيى بن عبد الله بن صيفي، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄ قال: أصاب بنو العنبر دماء في قومهم، فارتحلوا، فنزلوا بأخوالهم خُزاعة. فبعث رسول الله ﷺ إلى خُزاعة فصدقهم، ثم صدق بني العنبر، فلما رأت بنو العنبر الصَّدقة وقد أحرزها المُصَدِّقُ، أنكروا ذلك، فوثبوا إليه فانتزعوا منه صدقتهم. وخرج المُصَدِّقُ مُوَلِّيًا حتى قَدِم على رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، إنَّ بني العنبر قد منَعُوا الصَّدقة؛ فقال النَّبِيُّ ﷺ : «مَنْ لهؤلاء القوم؟»، فبعث إليهم عيينة بن حصن في مئةِ فارس (١) وسبعين فارسًا، فوجد الرِّجال خُلوفًا، فساق تسعة رجالٍ، وإحدى عشرة امرأةً، وصبيانًا، فأقبل بهم حتى قَدِم المدينة. وبلغ ذلك بني العنبر، فركبوا إلى رسول الله ﷺ بمَنِ استنجدوا من قومهم، فركب إلى النَّبيِّ ﷺ منهم سبعون رجلًا فيهم: الأقرع بن حابس، والأعورُ بنُ بَشامَةَ العنبري، وسَبْرةُ بنُ عمرو العنبري - وهو أحدث القوم سنًّا ـ، فلما دخلوا المدينة بهش إليهم النِّساء والصبيانُ يَبْكون في وجوههم، فأخفضهم ذلك، فوثبوا على حُجَر النَّبي ﷺ - وهي يومئذٍ مِنْ جَرِيد ومسوح، ورسول الله ﷺ في بيته - فصرخوا: يا محمد، تُسْبَى نساؤنا ولم نَخْلَعْ يدًا مِنْ طاعة؟! فخرج إليهم وهو يَدْلُك عينيه (٢)، يَطْرُد عنه النُّعاس، محلول أزرار القميص، وهو يقول: «ما لهؤلاء القوم قد أيقظوني من نومي، ولقد أُتِيْتُ بالدَّاء، وعُرِض عليَّ الدَّواء»، فأضَبَّ القومُ يَلْعَنون بني تميم، فقال

стр. 434

رسول الله ﷺ : «لا يَسُؤُوُّكُم ما ترَوْنَ مِنْ غِلْظَتِهم؛ فإنهم أشد الناس على الدجال». ثم قال رسول الله ﷺ : «اجعلوا بيني وبينكم حَكَمًا» فقالوا: يا رسول الله، الأعورُ بن بَشَامةَ سيّدنا، فقال رسول الله ﷺ : «بل سَبْرَةُ بْنُ عَمْرو» فقالوا: يا رسول الله، بل الأعورُ بنُ بَشامة، فحكمه النَّبِيُّ ﷺ ، فحكم أَنْ يُفْدَى شطرٌ، وأَنْ يُطْلَقَ شَطْرُ، وأُنْزِلَتْ هذه الآية: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ [الحجرات: ٥] أي: لأعتقهم كلهم بغير فداء (١). * * * ١١٠ - وأخبرنا أبو علي الحداد رَحْمَةُ اللهِ، قال: حدثنا علي بن القاسم، قال: أخبرنا محمَّدُ بنُ عُمر بن خزَرٍ، قال: حدثنا إبراهيم بن محمَّدِ بنِ الحسن قال: حدثنا الحسين بن القاسم قال: حدثنا إسماعيل بن أبي زياد، عن جويبر، عن الضحاك، عن ابن عباس ﵄ قال: قوله ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ﴾ [الحُجُرات: ٤] أُنْزِلَتْ في حي من بني تميم، يُقال لهم: بنو العنبر، وذلك أنَّ النَّبيَّ ﷺ سبى ذراريهم، فأقبلوا والشعراء (٢) معهم، فكان معهم الأقرع بن حابس، وعُيينةُ بن بدر، فانتهوا إلى النَّبيِّ ﷺ في حَرِّ الظهيرة، وإذا الدراري في الشَّمس، فلما نظروا إلى الوفد بكوا، وبكى الوفد، فقالوا: يا محمد إنك لمع أزواجك في الحُجُرات وفي الكِنِّ والظَّلِّ والطَّعامِ والشَّرابِ، وذرارينا في حَرِّ الظَّهيرة؟! أخْرُجْ إلينا، وهجوا النَّبِيَّ ﷺ بأبيات من الشعر، فقال (٣) عبد الله بن رواحة وحسان بن ثابت

стр. 435

وكعب بن مالك ﵃: يا رسول الله، ائذن لنا فَلْنَسْتنصر لك اليوم، فأبى النَّبيُّ ﷺ ، فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [الحجرات: ٤] حيث هجَوُا النَّبِيَّ ﷺ ، فلو عقلوا أنه رسوله ما هجوه، ثم قال: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ﴾ عند صلاة الظهر ﴿لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ لمن تاب من الشَّرْك ﴿رَحِيمٌ﴾ [الحجرات: ٥] حيث رخص لهم في التَّوْبة إن تابوا مِنْ الشِّرْك وما هجوك (١). هذه القِصَّةُ تُرْوَى مِنْ عِدَّة أوجه على وجوه مختلفة. وقيل: إن وفد بني تميم جاؤوا النَّبِيَّ ﷺ في سنة تسع (٢). وقوله (فصدقهم) أي: أخذ صدقاتهم، ومنه: المُصَدِّق، بتخفيف الصاد. والخلوف: الرجال الغيب عن النساء هاهنا. و (استنجدوا) أي: استعانوا. و (بهش) أي: فرح وضحك، وهو ضد لما بعده من قوله (يبكون)، ولعلّ الصواب: جهش (٣). وقوله (فأخفضهم) كذا في النسخة بالخاء والضاد المعجمتين، والخَفْض: ضِدُّ الرفع، وأظُنُّ الصَّواب بالحاء المهملة، والظاء المعجمة، أي: أغضبهم ذلك. والجريد: سعفُ النَّخْل، وهي: خشَبُه. والمسوح: واحده المسح (٤). و (الداء) يمكن أن يكون أراد به الفتن.

стр. 436

وقوله (فأضَبَّ القوم) أي: تكلموا جميعًا. فأما الألفاظ التي في الحديث الذي قبله: قوله (فينا يُقْسَمُ الرُّبُعُ) أي: نحن السادة، وكان من عادتهم في الجاهلية إذا أصابوا مالًا من غيرهم أن يُقْسَم للرئيس رُبعَه، ويقال له: المرباع أيضًا، ومنه قوله ﷺ لِعَدِي بن حاتم: «أَلَسْتَ تَرْأَسُ وتَرْبَعُ؟» (١) أي: تأخذُ الرُّبُعَ. وفي إحدى الروايتين: المَحْل، بدل (القَحْط)، وهما واحد. و (السديف): شَحْمُ السَّنام. والإيناس: الإحساس والوجود. و (القزع): قطع السَّحاب، وقوله (لم يُؤْنَس القَزَع) تفسير للمَحْل والقحط، إنما يكون إذا لم يجئ المطر. وقوله (إذا أبينا فلا يَأْبَى لنا أحَدٌ) أي: إن امتنعنا من شيء لم يُخالفنا أحد. و (العَوْد) المُسِنُّ المُدرَّب. والعَنْوة: ضِدُّ الصُّلْح. والعاتي: المستكبر، وفي غير هذه الرواية: (باد) بدل: (عات). وقوله (بضَرْب كإيزاعِ المَخاضِ مُشاشُه) كأنه وضع الإيزاع موضع التوزيع، وهو التفريق، و (المخاض) الحوامل من النُّوق، لا واحد له من لفظه، والمُشاش: ذكر لي بعضُ (٢) مَنْ يُوثَق به مِنْ أهل الأدب أنه يريد به هاهنا البول، ومعناه: بضرب يتفرَّق الدَّمُ مِنْ الموضع الذي يُضْرَبُه كما يَتَفَرَّقُ بول المخاض.

стр. 437

و (اللقاح الصَّوادر) الإبل التي صدرت عن الماء، أي: بطعن واسع موضعه. وقوله (يوم استقلَّتْ شِعابُه) أي: امتلأتْ مِنْ الرِّجال. و (حَوْمة الوغى) وسط القتال. والجذم: الأصل، و (غسان) اسم أبيهم. ويريد (بالخَيْفَين) خَيْفَ مِنى وما حولها، والمُنافِر: المفاخر. وقوله (هبلتُم) الهبل: الشُّكْل، يقال: هَبِلَتْ أمُّه، ولو روي: هيلتم، لكان وجهًا، ومعناه: هُبِلَتْ أُمَّهَاتُكم. وقوله (وفادتنا) أي: وفادتكم علينا؛ فإنَّ الفعل قد يُنسب إلى المفعول كما ينسب إلى الفاعل، وفي رواية أخرى: ردافتنا أي: أن تكونوا ردفًا وتبعًا لنا. * * * ١١١ - أخبرنا أبو علي الحداد ﵀ سنة أربع وخمس مئة، قال: حدثنا أبو نُعيم الحافظ، ح. وأخبرنا غانم بن أبي نَصْرِ البُرْجيُّ ﵀ سنة سبع، قال: أخبرنا أبو نعيم قراءةً، وأبو عبد الله الجَمَّالُ إجازة. قالا: حدثنا عبد الله بن جعفر، قال: حدثنا يونس بن حبيب، قال: حدثنا أبو داود الطيالسي، قال: حدثنا وهيب بن خالد. وأخبرنا أبو علي أيضًا سنة خمس، قال: حدثنا أبو نعيم سنة ثلاث وعشرين، ح. وأخبرنا هبة الله بن الحصين ﵀ ببغداد، قال: أخبرنا أبو علي بن المذهب. قالا: حدثنا أبو بكر بن مالك القطيعي، قال: حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، قال: حدثني أبي ﵀، قال: حدثنا يحيى - يعني: ابن سعيد القطان - ح. وأخبرنا إسماعيل بن الفضلِ السَّرّاجُ، قال: أخبرنا أبو طاهر بن عبد الرحيم، قال: أخبرنا أبو بكر بن المقرئ، قال: أخبرنا أبو يَعْلَى المَوْصلي،

стр. 438

قال: حدثنا العباس بن الوليد النرسي، قال: حدثنا وهيب. وقال أبو يعلى: حدثنا أبو خيثمة زهير بن حرب، قال: حدثنا يحيى بن سعيد القطان، ح. وأخبرنا سعيد بن أبي الرجاء الصيرفي ﵀ فيما أرى، قال: أخبرنا أحمد بن محمد بن النعمان، قال: أخبرنا محمد بن إبراهيم بن علي، قال: أخبرنا إسحاق بن أحمد بن نافع بمكة، قال: حدثنا محمد بن يحيى بن أبي عمر العدني، قال: حدثنا يحيى بن سليم. قالوا ثلاثتهم: عن جعفر بن محمد، ح. وأخبرنا أبو علي الحداد - واللفظ لهذه الرواية؛ لأنها أتم سياقة - قال: أخبرنا أبو نعيم أحمد بن عبد الله إجازة، قال: حدثنا أبو أحمد محمد بن أحمد بن الغطريف بجرجان، وأبو إسحاق إبراهيم بن عبد الله بنيسابور، كلاهما سنة إحدى وسبعين وثلاث مئة، قالا: حدثنا أبو محمد عبد الله بن عبد الرحمن بن شيرويه، قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي، قال: حدثنا حاتم بن إسماعيل، قال: حدثنا جعفر، أخبرنا محمد - وهو ابن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب - عن أبيه قال: دخلنا على جابر بن عبد الله ﵄ (١)، فلما انتهينا إليه سأل عن القوم حتى انتهى إلي، قلت: أنا محمد بن علي بن حسين، قال: فأهوى بيده إلى رأسي، فحل زري الأعلى، ثم حل زري الأسفل، فقال: مرحبا بك وأهلا يا ابن أخي، سل عما شئت، فسألته وهو أعمى، فجاء وقت الصلاة، فقام في ساجة ملتحفا بها، فكلما وضعها على منكبيه وقع طرفاها عليه من صغرها، ورداؤه على المشجب، فصلى بنا. فقلت له: أخبرني عن حجة رسول الله ﷺ ، فعقد بيده تسعا، فقال: إن رسول الله ﷺ مكث تسع سنين لم يحج، ثم أذن في الناس (٢) في العاشرة، أن

стр. 439

رسول الله ﷺ حاج، فقام من المدينة بشَرٌ كثير، كلُّهم يلتمِسُ أَنْ يَأْتَمَّ برسول الله ﷺ ، ويعملَ مِثْلَ عَمَلِه. فخرج، وخرجنا معه، فلما أتينا ذا الحليفة ولَدَتْ أسماء بنتُ عُمَيْسٍ بمحمد بن أبي بكر ﵃، فأرسلت إلى رسول الله ﷺ : كيف أصنع؟ فقال لها: «اغْتَسِلي، واسْتَذْفِري بثوب، وأَحْرِمي»، فصلَّى رسول الله ﷺ في المسجد، ثم ركِبَ ناقته القصواء، حتى إذا استَوَتْ به ناقته على البيداء، أهل. قال جابر ﵁: نظَرْتُ إلى مَدَّ بصَري من بين يديه من راكب وماش، وعن يمينه وعن يساره مِثْلَ ذلك، وخلْفَه مِثْلَ ذلك، ورسول الله ﷺ بين أَظْهُرِنا، وعليه يَنْزِلُ القرآن، وهو يعرفُ تأويله، فما عَمِلَ من شيء عَمِلْنا به، فأهل بالتَّوحيد: «لبَّيْكَ اللهُمَّ لبَّيْكَ، لبَّيْكَ (١) لا شريك لك لبَّيْكَ، إِنَّ الحَمْدَ والنعمة لك والملك لا شريك لك». قال: وأهل النَّاسُ بهذا الذي يُهِلُّون به، فلم يَرُدَّ النَّبِيُّ ﷺ شيئًا منه، ولزم رسول الله ﷺ تلبيته، قال جابر ﵁: لا تَنْوي إلا الحج، لَسْنا نعرف العُمْرَةَ، حتى أَتَيْنا البيت معه، فطاف، فاستلم الرُّكْنَ، فَرَمَل ثلاثةً، ومشى أربعة، ثم رجع إلى المَقامِ فجعله بينه وبين البيت، فقال: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥] فصلى ركعتين. قال جعفر: أبي يقول، ولا أَعْلَمُه ذكره عن النَّبيِّ ﷺ : فقرأ في الركعتين بِقُل هو الله أحد، وقُلْ يا أَيُّها الكافرون. ثم رجع إلى الرُّكْنِ فاستلمه، ثم خرج من الباب إلى الصفا، وقرأ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ﴾ [البقرة: ١٥٨] فابدؤوا بما بدأ الله به فبدأ بالصفا، فرقي عليه، فوحد الله - تعالى - وكبَّرَه، ثم قال: «لا إله إلا الله وحده، أنجزَ وَعْدَه، ونصر عبده، وهزَمَ الأحزاب وحده» ثم دعا بمِثْلِ هذا ثلاثَ مَرَّاتٍ، ثم نزل، حتى إذا

стр. 440

انتصبتْ قدماه في (١) بطن الوادي رمَلَ، ثم مشى، حتى أتى المَرْوَةَ فَرَقِيَ عليها، فعلا على المروة، حتى إذا كان بآخِرِ طَرَفٍ على المروة قال: «لو استقبَلْتُ مِنْ أَمْرِي ما استدبَرْتُ لم أَسُقِ الهَدْيَ ولجعَلْتُها عُمْرةً، فمن كان منكم لم يَسُقِ الهَدْيَ فَلْيَحْلِلْ وليَجْعَلْها عُمْرةً» قال: فحَلَّ النَّاسُ كلُّهم وقصروا إلا النَّبِيَّ ﷺ ومَن كان معه الهَدْيُ، فقال سُراقةُ بنُ جُعْشُم ﵁: يا رسول الله، أَعُمْرتُنا هذه لعامنا هذا أم للأبد؟ فقال: «لأبَدِ (٢) الأبد، دخلت العُمرة في الحج» قالها مرتين. قال: وقدم علي ﵁ من اليَمَنِ بِبُدْنِ النَّبِيِّ ﷺ ، فوجد فاطمة ﵂ حِلًا، قد لبِسَتْ ثيابًا صَبِيغًا واكتحَلَتْ، فقالت: إنَّ أبي أمرني بهذا، قال: فكان علي ﵁ يقول بالعراق: فذهبت (٣) إلى رسول الله ﷺ مُحرّشًا على فاطمة ﵂ مُسْتَعْتِبًا (٤) لرسول الله ﷺ في الذي ذكرَتْ عنه وأنكَرْتُ عليها، فقال: «صدقتْ، صدقَتْ، ماذا قُلْتَ حين فَرَضْتَ الحَجَّ؟» قال: قُلْتُ: اللَّهُمَّ إني أُهِلُّ بما أهَلَّ به رسولُكَ، فقال رسول الله ﷺ : «فَإِنَّ مَعِيَ الهَدْيَ فلا تَحْلِلْ»، قال: فكان جماعةُ الهَدْيِ ما جاء به رسول الله ﷺ والذي أتى به علي ﵁ من اليمن مئة، فحَلَّ كلهم وقصروا إلا النَّبِيَّ ﷺ ومَن كان معه الهَدْي. فلما كان يوم التروية أهَلُّوا بالحَجِّ، فَرَكِبَ رسول الله ﷺ ناقته، فصلى بمنى الظهر والعصر والمغرب والعشاء والصُّبحَ، وأمر بقُبَّةٍ مِنْ شَعَرٍ أَنْ تُضْرَبَ له بنَمِرَةَ، ثم مكث قليلًا حتى طَلَعَتْ الشَّمسُ، ثم سار رسول الله ﷺ حتى أتى عرفة، ولا تَشُلُّ قريش أنه واقف عند المشعر الحرام، فجاز رسول الله ﷺ حتى أتى عرفة فوجد القُبَّةَ قد ضُرِبَتْ له بِنَمِرَةَ، فنزل بها.

стр. 441

رسول الله ﷺ ، حتى إذا زاغَتِ الشَّمسُ أمرَ بالقَصْواءِ فَرُحِلَتْ له، ثم أتى بطن الوادي فخطب النَّاس، فقال: «إِنَّ دِماءَكم وأموالكم عليكم حرام كحرمة يومكم (١) في شهركم هذا، في بلدكم هذا، ألا وإنَّ دِماء الجاهلية موضوعة، ألا وإنَّ أوَّلَ دم أضَعُه دمُ ربيعة بن الحارث كان مُسْتَرْضِعًا في بني سَعْدٍ فقتلته هذيل، وإِنَّ رِبا الجاهلية موضوعة (٢)، وأوَّلُ رِبًا أَضَعُه (٣) ربا العبَّاسِ بنِ عبد المطلب، فإنه موضوع كله، اتَّقوا الله - تعالى - في النساء؛ فإنكم أخذتموهُنَّ بأمانة الله - تعالى -، واستحلَلْتُم فُروجَهُنَّ بكلمة الله (٤) - تعالى -، وإنَّ لكم عليهِنَّ أَنْ لا يُوطِئْنَ فرُشَكُم أحدًا تكرهونه، فإِنْ فَعَلْنَ ذلك فاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غيرَ مُبَرِّحٍ، ولَهُنَّ عليكم رِزْقَهُنَّ وكسوتهُنَّ بالمعروف، وقد تركت فيكم ما لَنْ تَضِلُّوا بعدَه إِنْ اعتصَمْتُم به: كتاب الله - تعالى -، وأنتم مسؤولون (٥) عَنِّي، فما أنتم قائلون؟» فقالوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قد بلَّغْتَ وأدَّيْتَ ونصَحْتَ، فقال رسولُ الله ﷺ بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ يَرْفَعُها إلى السَّماء ويَنْكُتُها إلى الناس: «اللهم اشْهَد» قالها ثلاثًا. ثم أذن بلال ﵁ وأقام، فصلى الظهر والعصر، فلم يَفْصِل (٦) بينهما شيئًا، ثم ركِبَ رسول الله ﷺ ناقته القصواء حتى أتى الموقف بعرفة، فجعل بطن ناقته القصواء إلى الصَّحَراتِ، وجعل حَبْلَ المُشاةِ بين يديه، واستقبل البيت، فلم يزَلْ يَدْعُو حتى غربت الشَّمسُ وذهبت الصُّفْرة قليلًا، وحتى غاب القُرْصُ. ثم دفع رسولُ الله ﷺ ، وأردف أسامة ﵁ خلفه، فدفع رسول الله ﷺ

стр. 442

وقد شنَقَ القَضواء (١) الزمام حتى إنَّ رأسَها لَيُصِيبُ مَوْرِكَ رَحْلِه، ويقول بيدِه اليُمْنَى: «أَيُّها النَّاسُ السَّكينة، أيُّها النَّاسُ السَّكينة» كلما انتهى حَبْلًا - كذا في هذه الرواية، وفي غيرها: كلما أتى حَبْلًا - من الحبال أَرْخَى لها قليلًا حتى تَصْعَدَ، حتى أتى المُزْدِلِفةَ، فصلى بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين، ولم يُصَلِّ بينهما، ثم اضطجع رسول الله ﷺ ، حتى إذا طلع الفجر، فلما تبين له الصُّبْحُ صلَّى الصُّبْحَ بنداء واحد وإقامة. ثم ركِبَ رسول الله ﷺ حتى أتى الموقف، فوقف عليه، فوحد الله - تعالى - وكبره وهلله، فلم يزل حتى أسفر جدًا، ثم دفع رسول الله ﷺ وأردف الفَضْلَ بن العباس ﵄ وكان رجلًا حَسَنَ الشَّعَرِ، أبيضَ وَسِيمًا، فَمَرَّ الظُّعُنُ، فَطَفِقَ الفَضْلُ ﵁ ينظُرُ إليهن، فوضع رسول الله ﷺ يده على وجه الفَضْلِ، فصرف الفَضْلُ ﵁ وجهه إلى الشَّقِّ الآخَرِ، فوضع رسول الله ﷺ يَدَه على وجهه من الشَّقِّ الآخر، فصرف الفضل ﵁ وجهه إلى الشق الآخر. فلما انتهى رسول الله ﷺ إلى المُحَسِّر حرَّك دابته قليلًا، ثم سلك رسول الله ﷺ الطَّريقَ الوُسْطَى التي تخرج على الجمرة الكبرى حتى أتى (٢) الجمرة التي عند الشَّجرةِ فرماها بسَبْعِ حصياتٍ، يُكبر مع كلِّ حَصاة، ثم انصرف إلى المَنْحَرِ، فنحر ثلاثًا وسِتِّين بيده، وأعطى عليًا ﵁ فنحر ما غبر، وأشركَهُ في هَدْيِه، وأمرَ مِنْ كلِّ بَدَنَةٍ بِبَضْعَةٍ، فَجُعِلَتْ في قِدْرٍ، فأكلا من لَحْمِها، وشَرِبا من مرقها. ثم أفاض رسول الله ﷺ إلى البيت، فصلى الظهر بمكَّةَ، فطاف بالبيت، قال: وبنو عبدِ المُطَّلِبِ يَسْقون على زمزم، فقال رسول الله ﷺ : «يا بَنِي عبد المطلب (٣)، لولا أَنْ يَغْلِبَكُم النَّاسُ على سِقايتِكُم لنزَعْتُ معكم»، قال: فناوَلُوه دَلُوا، فَشَرِب منه (٤).

стр. 443

قال إسحاق: عارَضْتُ هذا الحديث مع غيري، فعسى أن يكون ثبتني فيه بشيء يسير. زاد الغطريفي في روايته: حدثنا ابنُ شِيرُويَه قال: حدثنا عَمْرُو بنُ زُرارة قال: حدثنا حاتم بن إسماعيل، نحو هذا الحديث، ولم يشك في شيء منه. هذا الحديثُ مُخرَّج في الصحاح كلّها ما خلا كتاب البخاري، ولم يَسُقُ هذا السياق إلا حاتم، وحفص بن غياث، ومن حديث حاتم أخرجه مسلم وأبو داود وابن ماجه هكذا مُطوَّلًا. وأخرجه النسائي مُتفرِّقًا في قريب من ثلاثين موضعًا من حديث حاتم وغيره، ومن حديث يحيى بن سعيد أخرج بعضه أبو داود والنسائي، وأخرجوه مِنْ عِدَّة أوجُه أخرى عن جعفر مُطَوَّلًا ومختصرًا (١). وفي غير هذه الرواية قال: ثم حلَّ زِرِّيَ الأسفل، فوضع يده بين ثَدْيَيَّ (٢). والساجة: الطيلسان، وفي نسخة من «الصحيح»: «في نساجة» بدل (ساجة) ولا أراه يَصِحُ (٣).

стр. 444

وقوله (وقع طرفاها عليه) كذا في «مسند إسحاق»، وفي غير هذه الرواية: «رجع طرفاها إليه». و (المِشْجَب) عيدان تُجْمَعُ ثمَّ تُشَدُّ، أو يُغْرَزُ بعضُها في بعض، ثم يُنْصَبُ فتُوضَع عليه الثياب. وقوله (واسْتَذْفِري) قيل: الأصل فيه النَّاءُ بدلُ النَّالِ، فَأُبْدِلَ منه لِقُرْبِ مخرجيهما، مأخوذٌ مِنْ ثَفَر الدَّابة، وهو الذي يُشَدُّ تحت ذنبها، وقيل: مأخوذ من الثَّفْر، وهو فَرْجُ السِّباع، فاسْتُعِير للنِّساء، ومعناه: شُدِّي موضع الأذى بخرقةٍ عريضةٍ، تَغْرِزين طَرَفَيْها في خيطٍ تَشُدِّينَها في وسطك بعد أنْ تَحْتَشِي كُرْسُفًا؛ لِئَلَّا يَبْدُو دَم إِنْ كان. و (القَصْواء) الناقة المقطوعة الأذن، ولا يقال للجمل: أقصى، والفعل منه قَصَوت، وجماعةٌ من أصحاب الحديث كانوا يقولون: القصوى، يَضُمُّون القاف ولا يَمُدُّون الواو، ويشهد لذلك أنه مكتوب في عامة الكتب بالياء، وهو خطأً، وفي رواية أبي هريرة ﵁ (١) حكاية عن هذه الحال: «ناقة مُخَضْرَمة» وهي التي قُطِع طَرَفُ أذُنِها، ويُشْبِهُ أن يكونا جميعًا صفة ناقةٍ واحدة، عبّر عنها كلُّ واحدٍ بما سبَقَ إلى وَهْمه.

стр. 445

وقوله (وأهل النَّاسُ بهذا الذي يُهِلُّون) أي: كما يُهِلُّون الآن، وفي رواية: يزيدون: ذا المعارج، ونحوه في التلبية (١). و (رقي) أي: علا، وهي اللُّغة الفُصْحَى (٢)، قال الله تعالى: ﴿أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ﴾ [الإسراء: ٩٣]، وفي عامة الكتب القديمة مكتوب: رَقَى - بالألف - ولعله لغة. والرَّمَل: الخَبَبُ المسنون في الطَّواف الأول، وفي السعي بين الصفا والمروة. واستلام الحجر: مَسْحُه باليد، مأخوذٌ مِنْ السلام الذي هو اسم للحجارة. وقوله (حتى إذا انتصبَتْ قدماه) كذا في هذه الرواية، وفي غيرها: «انصبت» أو «تصوَّبَتْ» (٣)، ومعناهما: الانحدار، والانتصاب قريب منهما، حتى إذا بلغ إلى موضع مستو تستوي قدماه على الأرض بعد ما انحدر من العُلُو إلى الحدور. وقوله «لو استقبلْتُ مِنْ أمري ما استدبَرْتُ» أي: لو عَلِمْتُ أَوَّلًا ما عَلِمْتُ آخرًا. وقوله «لأبَدِ الأبد» كذا في هذا الحديث، وفي غيره: قال: «لا، بل للأبد» (٤). والحِلُّ: الحلال. والتحريش: الإغراء، وهو أَنْ يُغْضِبَ إنسانًا على آخر.

стр. 446

وقوله (مُسْتَعْتِبًا): كذا في الرواية، وفي غيرها: «مُسْتَفْتيًا» (١)، وهو الأصح. ونمرة: موضع بعرفات. وقوله (فَرُحِلَتْ له) مُخَفَّفًا، أي: وُضِع عليها الرَّحْلُ. وقوله (دم ربيعة بن الحارث) قيل: هو ابن الحارث بن عبد المطلب، أخو أبي سفيان بن الحارث، ابن عمّ النَّبِيِّ ﷺ ، كان مُسْترضعًا في بني سعد، كما كان رسول الله ﷺ مُسْترضعًا فيهم، وصحفه بعضُهم (٢) فيما أخبرنا جعفر الثَّقَفِيُّ حمله قال: أخبرنا أبو طاهر بن عبدِ الرَّحيم إجازة، قال: أخبرنا أبو الحسن الدارقطني، قال: قيل: إِنَّ حَمَّاد بن سلمة روى حديث خُطْبَةِ النَّبِيِّ ﷺ ، فقال: «وأوَّلُ دم أضَعُ دم آدم بن ربيعة»، وغيره يرويه: «دم ابن ربيعة» (٣) ويقال (٤): هو حارثة بن ربيعة، وقال ابن أبي الجهم: هو إياس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب. وقوله (ربا الجاهلية موضوعة) كساه التأنيث من (الجاهلية) المضاف إليها، أو أراد به الجمع فأنثه لأنه مصدر لا يتغيَّر، وأراد بالربا الثاني الواحد، وإنما بدأ بإبطال الدم والربا من أهله وقرابته لِيُعْلَمَ أَنْ ليس في الدين محاباة. و (كلمة الله) أي: أمر الله، وهو دليل على أنَّ القرآن تكلم الله - تعالى - به. وقوله (أَنْ لا يُوطِئنَ فرُشَكُم أحدًا تكرهونه) كذا في هذا الحديث، وفي روايةِ عَمِّ أبي حُرَّةَ (٥): «لا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أحدًا غيركم، ولا يَأْذَنَّ في بيوتِكُم

стр. 447

أحدًا (١) تَكْرَهُونه» وهو الأحسن. والنَّكْتُ: الضَّرب على الأرض بشيءٍ يُؤثّر فيها، وكأنه يريد به هاهنا الإشارة. و (حَبْل المشاة) طريق في الرَّمْل. و (القُرْص) قُرْصُ الشَّمس (٢) هاهنا. و (شنق) أي: جذب زمامها إليه. والمَوْرِك: ثوب، أو شيء يُجْعَل بين يدي الرَّجُل، يُوضَعُ عليه الرَّحْل (٣). والحَبْل: مستطيل من الرَّمْل، بالحاء المهملة. و (أَرْخَى لها) أي: الزِّمام. و (الظُّعُن) النساء. ووادي مُحَسِّر: بين المُزْدَلِفة ومنى. و (سلك) أي: أدخل ناقته. وإنما أنَّث (الطريق) لأنه أراد به الأرض. وقوله (دفع) أي: مضى وذهب. وفي الحديث فوائد كثيرة ليس هذا موضعَ ذِكْرِها. * * * ١١٢ - أخبرنا أبو عليّ الحَدَّادُ سنة خمس وخمس مئة، قال: حدثنا أبو نُعيم الحافظ سنة ثلاث وعشرين وأربع مئة، ح.

стр. 448

وأخبرنا هبة الله بن عبد الواحدِ بنِ الحُصَيْنِ الشَّيبانيُّ ﵀ ببغداد، قال: أخبرنا أبو علي بن المذهب. قالا: حدثنا أبو بكر بن مالك القَطِيعيُّ، قال: حدثنا عبد الله بن أحمد، قال: حدثني أبي، قال: حدثنا محمَّدُ بنُ سابقٍ، قال: حدثنا إبراهيم بن طَهْمانَ، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله ﵄ أنه قال: إنَّ امرأةً من اليهود بالمدينة ولَدَتْ غلامًا ممسوحةً عينه، طالعةً نابه (١)، فأشفق رسول الله ﷺ أن يكونَ الدَّجَّالَ - يعني - فأتاه (٢) فوجده تحت قطيفة يُهَمْهِم (٣)، وآذَنَتْه أُمُّه فقالت: يا عبد الله، هذا أبو القاسم قد جاءَ، فاخرج إليه، فخرج من القطيفة، فقال رسول الله ﷺ : «ما لَها، قاتلها الله، لو تركته لبين». ثم قال: «يا ابن صائد، ما ترى؟» قال: أَرَى حقًا، وأرى باطلًا، وأرى عرشًا على الماء، قال: فَلَبِس (٤)، فقال: «أتشهد أنّي رسول الله؟» فقال هو: أتشهدُ أنّي رسول الله؟ قال رسول الله ﷺ : «آمَنْتُ بالله ورسله» ثم خرج وتركه. ثم أتاه مرةً أخرى، فوجده في نخل لهم يُهَمْهِمُ، فَآذَنَتْه أُمُّه، فقالت: يا عبد الله، هذا أبو القاسم قد جاء، فقال رسول الله ﷺ : «ما لها، قاتلها الله، لو تركته لبين» قال: وكان رسول الله ﷺ يَطْمَعُ أنْ يسمع من كلامه شيئًا فيَعْلَمَ هو هو، أم لا، قال: «يا ابن صائد، ما ترى؟» قال: أرى حقًا، وأرى باطلًا، وأرى عرشًا على الماء، قال: «تَشْهَدُ أنّي رسولُ الله؟» قال هو: تَشْهدُ أنّي رسول الله؟ فقال رسول الله ﷺ : «آمَنْتُ بالله ورُسُلِه» فلبس عليه، ثم خرج فتركه.

стр. 449

ثم جاءه في الثالثة أو الرابعة ومعه أبو بكر وعمر بن الخطاب ﵄ في نفر من المهاجرين والأنصار، وأنا معه، فبادر رسول الله ﷺ بين أيدينا، ورجا أن يسمع من كلامه شيئًا، فسبقته أمه إليه، فقالت: يا عبد الله، هذا أبو القاسم (١) قد جاء، فقال رسول الله ﷺ : «ما لها، قاتلها الله، لو تركته لبين». فقال: يا ابن صائد، ما ترى؟ فقال: أرى حقًا، وأرى باطلًا، وأرى عرشًا على الماء، قال: «تشهد أني رسول الله؟» قال: تشهد أنت أني رسول الله؟ فقال رسول الله ﷺ : «آمنت بالله ورسله»، فليس عليه. فقال رسول الله ﷺ : يا ابن صائد، إنا قد خبأنا لك خبيئًا، فما هو؟ قال: الدُّخُ، الدُّخُ، فقال رسول الله ﷺ : «إِخْسَأُ، إِخْسَأْ». فقال عمر ﵁: ائذن لي فأقتله، يا رسول الله، فقال رسول الله ﷺ : «إن يكن هو فلست بصاحبه، إنما صاحبه عيسى ابن مريم ﵇، وإن لا يكون هو، فليس لك أن تقتل رجلًا من أهل العهد» قال: فلم يزل رسول الله ﷺ مُشْفِقًا أنه الدَّجَّالُ (٢).

стр. 450

١١٣ - وبإسناده، عن جابر بن عبد الله ﵄ قال (١): قال رسول الله ﷺ : «يخرج الدَّجَّالُ في خَفْقةٍ من الدِّين، وإدبار من العلم، له أربعون ليلةً يَسِيحُها في الأرض، اليوم منها كالسَّنَة، واليوم منها كالشهر، واليوم منها كالجمعة، ثمَّ سائرُ أيَّامِه كأيَّامِكُم هذه، وله حمار يركبه، عَرْضُ ما بين أذنيه أربعون ذراعًا، فيقول للناس: أنا ربكم، وهو أعورُ، وإنَّ رَبَّكم ليس بأعور، مكتوب بين عينيه: ك ف ر مُهَجَّاةٌ، يَقرؤه كلُّ مؤمن كاتب وغير كاتب، يَرِدُ كلَّ ماءٍ ومَنْهَلٍ إلا المدينة ومكَّةَ، حرمهما (٢) الله - تعالى - عليه، وقامت الملائكة بأبوابها. ومعه جبال من خُبز، والنَّاسُ في جُهْدٍ إلا من اتَّبعه، ومعه نهران أنا أعلم بهما منه: نهر يقول: الجنة، ونهر يقول: النَّار، فَمَنْ أُدْخِلَ الذي يُسمِّيه الجنَّة، فهي النَّار، ومَن أُدْخِلَ الذي يُسمِّيه النَّارَ، فهي الجنَّة». قال: «وتُبْعَثُ معه شياطينُ تُكَلِّمُ النَّاس ومعه فتنة عظيمة، يأمر السَّماءَ فتُمْطِرُ فيما يُرَى النّاسُ، ويَقتُل نَفْسًا ثم يُحْييها فيما يُرَى النَّاسُ (٣)، فيقول للناس: أيها النَّاس، هل يفعلُ مِثْلَ هذا إلا الرَّبُّ؟». قال: «فيفر المسلمون إلى جبَلِ الدُّخان بالشام، فيأتيهم فيُحاصِرُهم، فيشتد حصارهم وجهدهم (٤) جُهْدًا شديدًا. ثم ينزل عيسى ابن مريم ﵇، فينادي من السحر، فيقول: يا أيُّها النَّاسُ، ما يَمْنَعُكُم أَنْ تَخْرُجوا إلى الكَذَّاب الخبيث؟ فيقولون: هذا رجلٌ حَيٌّ (٥)،

стр. 451

فينطلقون، فإذا هم (١) بعيسى ابن مريم ﵇، فتقام الصَّلاة، فيقال له: تقدم يا روح الله، فيقول: ليتقدَّم إمامكم فَلْيُصلِّ بكم، فإذا (٢) صلوا صلاةَ الصُّبْحِ خرجوا إليه». قال: «فحين يراه الكذَّابُ يَنْمَاتُ كما يَنْماتُ المِلْحُ في الماء، فيمشي إليه فيَقْتُله، حتى إنَّ الشَّجرة والحجر ينادي: يا رُوحَ الله، هذا يهودي، فلا يترك ممن كان معه أحدًا إلا قتله» (٣). قال الإمام - حرسه الله -: ترجمة إبراهيم بن طهمان عن أبي الزبير من شَرْطِ أبي داود وابن ماجه (٤). ورواه المغيرة بن مسلم عن أبي الزبير (٥). والممسوح العين: الذي لم يُخلق له عين ولا حاجب، ويكون كأنَّما مسح وجهه مسحًا. وطلوع النَّابِ: نباتُ السِّنِّ. والقطيفة: كساء أبيض كبير.

стр. 452

والهَمْهَمَةُ: صوتٌ لا يُفْهَم، يُشْبِهُ زَئير الأسد في صَدْرِه. و (لبس) أي: خلط. وبادر بين أيدينا، أي: تقدَّم قُدَّامَنا وقوله (أرى حقًا، وأَرَى باطلًا) يمكن أن يكون أراد به ما كان يراه من الدين الحق الإسلام (١)، والدِّينِ الباطل الكُفْرِ. والعَرْشُ الذي كان يراه في غير هذه الرواية أنَّ رسول الله ﷺ قال: «ترى عرش إبليس» (٢). وقوله (قد خبأنا لك خَبِيئًا) أي: أَضْمَرْنا في أنفُسنا شيئًا؛ لننظر هل تهتدي له، أم لا. وقوله (الدُّخُ) بتخفيف الخاء (٣)، أراد أن يقول: الدُّخان، فلم يستطعه، أي: الذي أضمرتموه هو الدخان، ويشبه أن يكون الدخان الذي أضمره رسول الله ﷺ له أشار به إلى جبَلِ الدُّخان الذي يَهْلِكُ عنده الدجال (٤). والخَسْءُ: الطَّرْدُ والإبعاد. والخفقة: الاضطراب. والمَنْهَل: المَوْرِد.

стр. 453

والجهد - بالضَّمِّ -: المَشقَّة (١)، ويريد به القحط، على ما ورد في غير هذه الرواية. وقوله (فيما يُرَى الناس) بضم الياء، وفتح الراء، مُسْتَقْبَلَ أُرِيَ، أي: يُخَيَّلُ إليهم كذلك، وليس له حقيقة. ويقال: إِنَّ الرَّجُلَ الذي يقتله الدَّجَّالُ ثم يُحييه هو الخضر ﵇. وانمان: مُطاوع مائه يَمُوتُه ويَمِيثُه، إذا جعله في الماء لِيُسْتَهْلَكَ فيه ويَذُوبَ. وكما أنَّ شأنَ الدَّجَّالِ وفِتْنَتَه عظيمةٌ، كذلك تَفَهُمُ أحواله، قد أشكل على الصحابة ﵃، فكيف على من بعدهم؟ مع كَثْرَةِ ما ورد فيه من الأخبار. وكان جابر ﵁ ممَّنْ كان يَحْلِف أَنَّ ابنَ صائدٍ الدَّجَّالُ (٢)، والله - تعالى - أعلم، عصمنا الله - تعالى - مِنْ شَرِّه وفتنته. ١١٤ - أخبرنا القاضي أبو منصور محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ مَنْدُويَه المعدل ﷺ ، قال: حدثنا أبو نُعَيمٍ أحمد بن عبد الله الحافظ، قال: حدثنا

стр. 454

أبو بكر أحمد بن يوسف بن خَلَّادٍ، قال: حدثنا الحارث بن أبي أسامة، قال: حدثنا يعقوب بن محمَّدٍ، قال: حدثنا حاتم بن إسماعيل، قال: حدثنا (١) يعقوب بن مجاهد أبو حَزْرةً (٢)، عن عبادة بن الوليد بن عُبادة بن الصامت، قال: حدثنا جابر بن عبد الله ﵄ قال: سِرنا مع رسول الله ﷺ في غزوة بطن بواط وهو يطلُبُ المَجْدِيَّ بنَ عَمْرٍو الجُهَنِيَّ، وكان النَّاضِحُ مِنَّا يَعْتَقِبُه الخمسة والسِّتَّةُ والسَّبعةُ. ودارَتْ عُقْبَةُ رَجُلٍ مِنْ الأنصار على ناضح له، فأناخه فركبه، ثم بعثه، فتلدَّنَ عليه بعض التَّلَدُّنِ، فقال: سِرْ - وفي رواية أخرى: قال: شَأْ، لعنك الله، فقال رسول الله ﷺ : «مَنْ هذا اللَّاعِنُ بعيره؟» قال: أنا يا رسول الله، قال: «انزل عنه، لا تَصْحَبْنا بملعون، لا تدعوا على أَنْفُسِكُم، ولا تَدْعُوا على أولادِكُم، ولا تَدْعُوا على أموالِكُم، ولا تَدْعُوا على خدَمِكُم، لا توافقوا من الله - تعالى - ساعةً يُسْأَلُ فيها عطاء، فيَسْتَجيب لكم». قال جابر ﵁: فسرنا حتى إذا كان عُشَيْشِيَةٌ، ودَنَوْنا من ماء من مياه العرب، قال رسول الله ﷺ : «مَنْ رجلٌ يَتقدَّمُ فَيَمْدُرُ لنا الحَوْضَ ويَشربُ ويسقينا؟» قال جابر ﵁: فقلتُ: هذا رجلٌ يا رسول الله، فقال رسول الله ﷺ : «مَنْ رجُلٌ مع جابر؟» فقام إليه جَبَّارُ بنُ صَخْر ﵁. قال: فأتينا الحوض، فنزَعْنا منه سَجْلًا أو سجلين، ثم مدرناه، فانتزَعْنا حتى أفهقناه، فكان أول طالع علينا رسول الله ﷺ ، فقال: «أتأذنان؟»، فقلنا: نعم، يا رسول الله، فأشرع ناقته فيه (٣)، ثم شنق لها، فبالَتْ، ثم عدَلَ بها فأناخها، ثم جاء إلى الحَوْضِ فتوضَّأَ منه، ثم قُمْتُ إلى مُتَوضَّئِه فتوضَّأْتُ، وذهب جَبَّارُ بنُ صخرٍ يَقْضي حاجته.

стр. 455

وقام رسول الله ﷺ يعني - يُصلِّي، وكانت عليَّ بُرْدة، فذهبت لأخالف بين طرفيها فلم تَبْلُغ لي، وكانت لها ذَباذِبُ فنكَّسْتُها وخالَفْتُ بين طرفيها، فتوا قَصْتُ عليها، ثم جِئْتُ حتى قُمْتُ عن يسارِ رسول الله ﷺ ، فأخذ بيدي فأدارني حتى أقامني عن يمينه، وجاء جبَّارٌ فقام عن يساره، فدفعنا بيديه جميعًا حتى جعلنا وراءه. وجعلَ رسولُ الله ﷺ يَرْمُقُنِي ولا أَشْعُر، ففَطِنْتُ له، فأشار إليَّ - يعني: أَنْ شُدَّها على حَقْوَيْك -، فلما فرغ قال: «يا جابر» قلت: لبيك يا رسول الله، قال: «إذا كان واسعًا فخالف بين طرفيه، وإذا كان ضَيِّقًا فشُدَّه على حَقْوَيْك» (١). قال جابر ﵁: فسرنا مع رسول الله ﷺ ، وكان قوتُ كلّ رجلٍ مِنَّا تمرة، يأخذها فيلوكها ثم يَصُرُّها في ثوبه، فأُقْسِمُ لقد أخطأها رجل (٢) مِنَّا يومًا فانطلقنا به نَنْعَشُه (٣)، فشَهِدْنا أنه لم يُعْطَها، فأُعْطِيَها فقام كأحَدِنا، قال: وجعلنا نَخْتَبِطُ بقسينا ونأكلُ، حتى فَرِحَتْ أشداقنا، وشكا النَّاسُ إلى رسول الله ﷺ الجوع، فقال: «عسى الله - تعالى - أن يُطْعِمَكُم». فسرنا مع رسول الله ﷺ حتى نزَلْنا واديًا أَفْيَحَ، فانطلق رسول الله ﷺ لبعض حاجته، واتَّبَعْتُه، فلم يَرَ في الوادي شيئًا يَسْتَتِرُ به، فإذا أنا في شاطئ الوادي شجرتان، فانطلق إلى إحداهما، فأخذ بغصن من أغصانها، فقال: «انقادي بإذن الله - تعالى -» فانقادَتْ معه كالبعير المخشوش الذي يُصانِعُ قائده، حتى أتى الشجرة الأخرى، فأخذ بغُصْنٍ من أغصانها، قال: «إنقادي بإذن الله - تعالى -» فانقادَتْ معه كذلك، حتى إذا كان بالمَنْصَفِ فيما بينهما قال: «التَئِما عليَّ بإذن الله - تعالى -» فالْتَأَمَتا عليه. قال جابر ﵁: وخَرَجْتُ أُحْضِرُ مخافةَ أَنْ يُحِسَّ رسولُ الله ﷺ بِقُرْبي

стр. 456

منه فيُبْعِدَ، فَجَلَسْتُ أُحدِّثُ نَفْسي، فحانَتْ مني لَفْتَةٌ فإذا رسول الله ﷺ مُقْبلًا، وإذا الشجرتان قد افترقتا، وقامَتْ كلُّ واحدة منهما على ساق، فرأيتُ رسول الله ﷺ وقف، وقال برأسه هكذا - يعني: أصغى يمينًا وشمالًا - ثم أقبل فقال: يا جابر فقلت: لبيك يا رسول الله وسعديك، قال: «هل رأيت مقامي؟ قلت: نعم، قال: فانْطَلِقْ إلى الشَّجرتين، فاقطع من كل واحدة منهما غُصْنًا، فأَقْبِلْ به، حتى إذا وقفت موقفي - أو قال: «مقامي» - فأَرْسِلْ غُضنًا عن يمينك، وغُصْنًا عن يسارك». قال جابر ﵁: فأَخَذْتُ حجَرًا فكسرته فانفلق (١) - وفي غير هذه الرواية: فانْذَلَقَ - ثم أتيتُ الشَّجرتَيْن، فقطَعْتُ من كل واحدة منهما غُضنًا، فأقبلْتُ أجُرُّهما، فلما قُمْتُ مَقامه أرسَلْتُ غُصْنًا عن يمينه، وغُضنًا عن يساره، ثم لَحِقْتُه، فقال: «أفعلتَ؟» فقلت: قد فعلتُ يا رسول الله، فعم ذلك؟ قال: «إني مَرَرْتُ بقبرَيْن يُعذَّبان، فأَحْبَبْتُ بشفاعتي يُرَفَّهُ عنهما ما دام الغُصْنان رطبين». قال: فقال رسول الله ﷺ : يا جابر، ائتني بوَضُوءٍ فنادَيْتُ: أَلا وَضوء؟ ألا وضوء؟ فما وجَدْتُ في الرَّكْب قَطْرةً! فقلت: يا رسول الله، ما وجَدْتُ في الرَّكْبِ مِنْ قَطرة. وكان رجل من الأنصار له أشجابٌ يُبَرِّدُ فيها لرسول الله ﷺ الماء على حمارةٍ مِنْ جَرِيد، قال: «اذْهَبْ فانظُرْ هل في أشجابه شيء» فذهَبْتُ فلم أجد فيها إلا قطرة (٢) في عَزْلاءِ شَجْبٍ منها، لو أني أُفْرِغُه لشَرِبَه يابسه، فأَتَيْتُ رسول الله ﷺ فأخبرته، فقال: اذهَبْ فائتني به فأتيته به، فجعلَ يَغْمِزُه ويقولُ شيئًا لا أَفْهَمُه، فقال رسول الله ﷺ : «يا جابر، نادِ بالجَفْنة» فنادَيْتُ: يا جَفْنَةَ الرَّكْب، يا جَفْنَةَ الرَّكْب، فأُتِيتُ بها تُحْمَلُ، فوضَعْتُها بين يدي رسول الله، فقال: «يا جابر، هاتِ صُبَّ عليَّ، فَقُلْ: باسم الله» وقال هكذا، وفرج بين

стр. 457

أصابعه، ووضع يده في الجَفْنة، فصبَبْتُ عليه، فقلت: باسم الله؛ فرأَيْتُ الماء يفورُ مِنْ بين أصابع رسول الله ﷺ وفارَتْ في الجَفْنة، ودارَتْ فامتلأت، فقال: «يا جابر، نادِ: مَنْ كانَتْ له حاجةٌ بماء؟» فجاء النَّاسُ بأَسْقِيَتهم، فاسْتَقْوا ماءً فَارْتَوَوْا، فلم يبق أحد له حاجة بماء، فرفع رسول الله ﷺ يده من الجفنة وهي ملأى. فسرنا مع رسول الله ﷺ حتى أَتَيْنا سِيفَ البحر، فزَخَر البحرُ زَخْرةً، فألقى دابةً يقال لها: العنبر، فأَوْرَيْنا على شِقّها النَّارَ، فاشْتَوَيْنا وطبخنا، وأكَلْنا وشبعنا. قال جابر ﵁: فكنت أنا وفلان - حتى عدَّ خمسةً - في حَجَاجِ عينها ما يرانا أحد حتى خرجنا، ثم أخَذْنا ضِلْعًا مِنْ أضلاعها فقوسناه، ثم دعا بأعظم جمَلٍ، وأعظم كفْل في الرَّكْب، وأطولِ رَحْلٍ (١) في الركب، فدخل تحته فما يُطَاطِئُ رأسه! (٢). * * * ١١٥ - أخبرنا الشَّيخُ الجليل (٣) أبو القاسم هبة الله بن عبد الله (٤) الواسطي الشروطي بكرخ بغداد ﵀، قال: أخبرنا عبدُ الصَّمَدِ بن عليّ بنِ المأمون، قال: أخبرنا أبو الحسن الدَّارَقُطني الحافظ، قال: حدثنا عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البَغَوِيُّ قراءةً عليه وأنا أسمع، قال: حدثنا أبو عبد الله محمدُ بنُ عَبَّادٍ المكَّيُّ إملاءً، قال: حدثنا حاتم بن إسماعيل، عن أبي حَزْرةً

стр. 458

- يعني يعقوب بن مجاهد -، عن عُبادة بن الوليد، عن جابر بن عبد الله ﵄، عن رسول الله ﷺ ، بالحديث الذي تقدم. وقد تابع حاتمًا: محمد بن عمر الواقدي. ١١٦ - أخبرنا به عاليًا أبو منصور محمدُ بنُ عبدِ الله بنِ مَنْدُويَهْ الشُروطِيُّ، قال: حدثنا أبو نعيم الحافظ، قال: حدثنا أبوبكر بنُ خَلَّادٍ، قال: حدثنا الحارث بن أبي أسامة، قال: حدثنا محمَّد بن عمر الواقدي، قال: حدثنا يعقوب بن مجاهد، قال: حدثني عُبادة بن الوليد، قال: أتينا جابر بن عبد الله ﵄ فقال: أتانا رسول الله ﷺ في مسجدنا هذا وفي يده عُرْجون، فرأى في قبلة المسجد نُخامة فحكَّها بالعُرْجون (١)، ثم أقبل علينا فقال: «أَيُّكم يحبُّ أَنْ يُعْرِضَ الله - تعالى - عنه؟»، قال: فخشَعْنا (٢)، فقلنا: لا أيُّنا، قال: «فإنَّ أحدكم إذا قام يُصلِّي فإنَّ الله قِبَلَ وَجْهِه، فلا يَبْصُقُ قِبَلَ وَجْهِه، ولا عن يمينه، وَلْيَبْصُقْ عن يساره تحت رِجْلِهِ الْيُسْرَى، فَإِنْ عَجِلَتْ به فَلْيَقُلْ هكذا بثوبه - ثم طواه بعضه على بعض - أروني عبيرًا» فقام رجل من الحَيِّ يَشْتَدُّ إلى أهله، فجاءَ بخلوقٍ في راحته، فأخذه رسول الله ﷺ في رأس العُرْجون، ثم لطخ به على أثَرِ النُّخامة، قال جابر ﵁: فمِنْ هنالك جَعَلْتُم الخَلُوق في مساجدكم. وسرنا مع رسول الله ﷺ ، ثم ذكر قِصَّةَ لَعْنِ البعير، وقِصَّةَ البُرْدة، وقِصَّةَ الشَّجَرتَيْن، وقِصَّةَ المَاءِ والجَفْنِةِ حَسْبُ، نَحْوَ ما تقدَّم (٣). وهذا حديث صحيح، أخرجه مسلم في صحيحه عن أصحاب حاتم مُطَوَّلًا، موصولًا أوَّلُه بحديث لأبي اليسر ﵁.

стр. 459

وأخرجه أبو داود في سننه مطولًا ومختصرًا (١). و (بطن بواط): بفتح الباء المعجمة بواحدة (٢)، موضع. والناضح: البعير الذي يُسْتَقى عليه. والاعتقاب: أن يركب أحدهم عقيب الآخر. وقوله (فدارت عُقْبةُ رَجُلٍ) أي: دارَتْ النُّوبُ حتى صارَتْ النَّوْبَةُ له. والتَّلَدُّن: التَّعسُّر، أي: لم يَنْبَعِثْ. و (شَأْ) زَجْرٌ للإبل. وقوله (لا تَصْحَبْنا بملعون) ذكر بعض أهل العلم أنَّه ﷺ لم يُرِدْ أَنَّ اللَّعْنَةَ أدركته بلَعْنِه إِيَّاه من غير استحقاق، ولكنه أراد به التغليظ، فأمره بتَرْكِ البعير مع شِدَّةِ حاجته إليه. و (عُشَيْشِيَة) تصغير عُشَيَّة. ويَمْدُر الحوض، أي: يُصْلِحُه بالطين والمَدَر. والسجل: الدلو العظيمة المملوءة. والانتزاع: يريد به الاستقاء. و (أَفْهَقْنا) ملأنا. وفي قوله ﵇ (أتأذنان) دليلٌ على أنَّ الماء يُمْلَكُ بالحيازة و (أَشْرَعَ ناقته) أي: سيَّرها إلى الشريعة، وهي مَوْرِدُ الماء. و (شنق لها) أي: كَفَّ زِمَامَها. والمُتَوضّأ: موضع الوضوء.

стр. 460

والبردة: شَمْلَةٌ مُخططة. والذباذب: هذب الثوب، سُمِّيَ به لتحرُّكه. وقوله (تواقضت عليها) أي: رفَعْتُ مَنْكِبَيَّ حتى أَلْصَقْتُهما بأصل عنُقِي؛ لئلا تقع مِنِّي البُرْدةُ، والوَقْصُ: قِصَرُ العنُقِ، فكأنَّه قصَّرَ عنُقَه بذلك. و (يَرْمُقُني) ينظر إليَّ. و (فَطِنْتُ) أي: علِمْتُ. وقوله (نَخْتَبِطُ بقسينا) أي: نَضْرِبُها على الشَّجر ليسْقُطَ الخَبَط، وهو ورق الشَّجَرِ تَأْكُله الإِبِلُ. وقوله (١) (أخطأها رجلٌ مِنَّا) أي: لم نُعْطِ التَّمْرَةَ رَجُلًا مِنَّا، على خطئ من المعطي. و (نَنْعَشُه) نرفعه. والأفيح: الواسع. و (المخشوش) الذي في أَنْفِه الخشاش، وهو ما يُجْعَلُ في أنوف الأَبْعِرَة، من قولهم: خَشَ، أي: دخَلَ. و (يُصانع) يُداري. و (المَنْصَف) الموضع الذي هو نصف ما بين الشَّجَرتَيْن، يقال: نصَفَهُ يَنْصُفُه، أي: بلغ (٢). والحَضْر: العَدْوُ، والفعل منه: أَحْضَر، أي: عدا. والتأما، أي: اجتمعا. وأحس أي: علم. واللفتة: المرة من الالتفات.
следующие страницы →