← Книги сунны

Книги сунны · id 30195

الطوالات - لأبي موسى المديني

أبو موسى المديني

Полный текст (962 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

يكتب عنه يحيى بن معين شيئًا، قلت ليحيى: حدثنا عنه منصور بن أبي مزاحم بتلك الرسائل الطوال؟ فقال: نعم» (١). وقال الترمذي: «أخبرني موسى بن حزام، قال: سمعت صالح بن عبد الله يقول: كنا عند أبي مقاتل السَّمَرقَندي، فجعل يروي عن عون بن أبي شداد الأحاديث الطوال الذي كانت تروى في وصية لقمان، وقتل سعيد بن جبير، وما أشبه هذه الأحاديث، فقال له ابن أخي أبي مقاتل: يا عم، لا تقل حدثنا عون؛ فإنك لم تسمع هذه الأشياء، فقال: يا بني، هو كلام حسن»! (٢). بعض المسائل المتعلقة بالأحاديث الطوال : تكلم علماء الاصطلاح على بعض المسائل المتعلقة بالأحاديث الطوال خاصة، أذكرها باختصار: ١ - قال الخطيب البغدادي: «إذا روى المحدث حديثًا طويلًا، فلم يقم الطالب بحفظه، وسأل المحدث أن يُمَلِّيه عليه، أو يُعِيره كتابه؛ لينقله منه ويحفظه بعد من نسخته، فلا بأس بذلك» (٣). ٢ - سئل الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني - ت ٤١٨ هـ -: إذا روى عن الشيخ الأحاديث الطوال، وقال فيه: وذكر الحديث بطوله، ثم أحب أن يروي الحديث بطوله ولا يختصر، هل له ذلك؟ فأجاب الأستاذ أن ذلك لا يجوز، قال السبكي: «وهذا الذي أراه» (٤). ٣ - الحكم بالوضع على الحديث الطويل الذي ظهرت عليه أمارات الوضع، فقد ذكر علماء المصطلح الخلاف في مسألة تصحيح الحديث أو _________ (١) «سؤالات ابن الجنيد» ص ٣٠٥ (١٣٢). (٢) سنن الترمذي: كتاب العلل ٥: ٧٤٣. (٣) «الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع» ١: ٢٣٨. (٤) «طبقات الشافعية الكبرى» ٤: ٢٥٩.

стр. 37

تحسينه أو تضعيفه، وكيف أن ابن الصلاح منعه على المتأخرين؛ لضعف أهليتهم، وجوزه غيره. أضاف السيوطي ﵀ عند هذه المسألة قائلًا: «ولا شك أن الحكم بالوضع أولى بالمنع قطعًا، إلا حيث لا يخفى، كالأحاديث الطوال الركيكة التي وضعها القصاص، أو ما فيه مخالفة للعقل أو الإجماع» (١). ٤ - الضبط المطلوب في الأحاديث الطّوال. الكلام عن الضبط وكونه شرطًا للحديث المقبول في كتب الاصطلاح معروف، لكن السؤال هنا: ما المطلوب من الضبط في الأحاديث الطوال: هل هو ضبط اللفظ، أو يجزئ عنه ضبط المعنى؟ أجاب السيوطي عن هذا بقوله: «الضابط منهم من ضبط المعنى، وأما ضبط اللفظ فبعيد جدًا لا سيما في الأحاديث الطوال … » (٢) انتهى. وأنت ستجد من صنيع أبي موسى المديني في هذا الكتاب، ودقته في الألفاظ، وتنبيهه على اختلافات الروايات، ما يجعلك تحكم على ما ذكره السيوطي ﵀ بأنه ليس على إطلاقه، والله أعلم. المصنفات في الأحاديث الطُّوال مرتبة على وفيات أصحابها : ١ - الغُرر في الطوالات، لأبي بكر محمد بن هارون الروياني صاحب «المسند» المعروف - ت ٣٠٧ هـ (٣). اقتبس منه ابن ناصر الدين الدمشقي في «جامع الآثار» (٤). ٢ - الطوالات، لأبي علي أحمد بن عثمان بن أحمد الأبهري الخصيب - ت ٣٣٨ هـ -. _________ (١) «تدريب الراوي» ١: ١٦٢. (٢) انظر «الاقتراح في أصول النحو» ص ٤٤. (٣) ترجمته في «السير» ١٤: ٥٠٧. (٤) «جامع الآثار في السير ومولد المختار» ٤: ١٣٩، ١٤٧، ٣١٠.

стр. 38

نقل عنه المصنف في الذيل على كتاب ابن منده في الصحابة، وعنه: ابن الأثير (١)، وابن حجر (٢). ٣ - الطُّوالات، لأبي الحسن علي بن إبراهيم بن سلمة القزويني القطان - ت ٣٤٥ هـ (٣). ذكره الرافعي (٤)، والسيوطي (٥). ٤ - الأحاديث الطِّوال، لأبي القاسم سليمان بن أحمد الطبراني - ت ٣٦٠ هـ -. وهو مطبوع بتحقيق حمدي عبد المجيد السلفي، ونشره المكتب الإسلامي. ٥ - الطُّوالات من الصِّحاح والغرائب، لأبي القاسم علي بن المُحَسِّن بن علي التنوخي البصري ثم البغدادي - ت ٤٤٧ هـ - (٦). ذكره العلائي، وقال: «هو كتاب مفيد» (٧). واقتصر الذهبي في اسمه على «الطُّوالات» (٨). وسماه ابن حجر «الأحاديث الطِّوال»، وقال: «هو في نسخة اثنا عشر جزءًا، وفي أخرى أربعة عشر جزءًا» (٩). ٦ - كتاب الأربعين الطِّوال من الأحاديث الصِّحاح والغرائب والعوالي في دلائل نبوة الرسول ﷺ المصطفى، وفضائل الصحابة الذين اختارهم الله _________ (١) «أسد الغابة» ٣: ٣٩٦. (٢) «الإصابة» ٦: ٥٧٢. (٣) ترجمته في «السير» ١٥: ٤٦٣. (٤) «التدوين في أخبار قزوين» ١: ١٧٤، ١٧٥، ١٨٦ - ١٨٧، ١٩٣، ٢٠٠، وغيرها. (٥) «المحاضرات والمحاورات» ص ٣٥٤. (٦) ترجمته في «السير» ١٧: ٦٤٩. (٧) «إثارة الفوائد» ١: ٣٥٢. (٨) «السير» ١٧: ٦٥٠. (٩) «المعجم المفهرس» ص ٣١٥ (١٣٤٢).

стр. 39

لصحبته، لأبي القاسم علي بن الحسن الشافعي، المعروف بابن عساكر صاحب «تاريخ دمشق» - ت ٥٧١ هـ -. ذكره الوادي آشي (١)، والعلائي (٢). وطبع بتحقيق حمدي عبد المجيد السلفي باسم: «الأربعون الطوال». - طوال الأحاديث والأخبار وغرر القصص والآثار، لأبي موسى محمد بن أبي بكر بن أبي عيسى المديني - ت ٥٨١ هـ -. وهو كتابنا هذا، وسيأتي الكلام عنه قريبًا. - كتاب الأربعين الطوال في إرشاد السائرين إلى منازل المتقين، لأبي بكر محيي الدين محمد بن علي، المعروف بابن عربي - ت ٦٣٨ هـ -. منه نسخة خطية في مكتبة أحمد الثالث برقم ٥٨٨/ ٢، وأخرى في مكتبة إزمرلي إسماعيل حقي برقم ٣٩/ ٣٦٩٠ (٣). نسبة الكتاب إلى مؤلفه : لا شك أن أبا موسى المديني هو مؤلف هذا الكتاب، والأدلة على هذا كثيرة، أذكر منها: ١ - التصريح باسم أبي موسى المديني على اللوحة الأولى من النسخ الخطية الثلاثة التي وقفت عليها. ٢ - افتتاحية مخطوطة برلين بالنص الآتي: «قال الشيخ الإمام الحافظ _________ (١) «برنامج الوادي آشي» ص ٢٨٦. (٢) «إثارة الفوائد» ٢: ٤٧٩. (٣) «معجم تاريخ التراث الإسلامي» ٤: ٢٩٢٩ (١٧٦)، وأما كتاب «الأخبار الطوال» لأبي حنيفة الدينوري - ت ٢٨٢ هـ - فموضوعه التاريخ، ذكر فيه أخبار الأقدمين من عرب وعجم حتى عهد المعتصم، والكتاب حققه قديمًا المستشرق الروسي فلاديمير جرجاس، ونشرته مطبعة لايدن عام ١٨٨٨ م، وأعاد تحقيقه عبد المنعم عامر، ونشرته وزارة الثقافة والإرشاد القومي بالقاهرة عام ١٩٥٩ م.

стр. 40

محيي السنة نور الأئمة شمس الحفاظ أبو موسى محمد بن أبي بكر بن أبي عيسى المديني، حرسه الله وأبقاه». ٣ - افتتاحية مخطوطة الظاهرية بالنص الآتي: «أخبرنا الشيخ الإمام أبو عبد الله محمد بن عبد الواحد بن أبي سعد المديني … أن الحافظ أبا موسى محمد بن أبي بكر بن أبي عيسى المديني الأصبهاني أخبره في كتاب الطوالات له، قال … ». ٤ - إحالات المصنف في كتبه الأخرى إلى هذا الكتاب، ومن ذلك: قوله في «المجموع المغيث»: «وقد شرحته من حديث خُزيمة من الطُّوالات مستوفى» (١). وقوله في «منتهى رغبات السامعين»: «وذكر حديث الرؤيا بطوله، أوردناه في كتاب الطوالات» (٢). ٥ - رواية بعض الأئمة لأحاديث من طريق المصنف، وقد أخرجها في هذا الكتاب، ومن هؤلاء: عبد الغني المقدسي - ت ٦٠٠ هـ - (٣)، والضياء المقدسي - ت ٦٤٣ هـ - (٤)، وغيرهما. ٦ - نقول العلماء عن هذا الكتاب وإحالاتهم إليه، ومن هؤلاء: ابن الأثير - ت ٦٠٦ هـ - (٥)، والمنذري - ت ٦٥٦ هـ - (٦)، والذهبي - ت ٧٤٨ هـ - (٧). _________ (١) «المجموع المغيث» ١: ٣٣٢. (٢) «منتهى رغبات السامعين في عوالي أحاديث التابعين» مخطوط لوحة ٢٤٧/ ب. (٣) «أخبار الدجال» حديث (٢٦) قال: «أخبرنا أبو موسى»، والحديث سيأتي برقم (١١٢). (٤) «المختارة» ٢ (٣٩٩) قال: «أخبرنا الإمام الحافظ أبو موسى محمد بن عمر المديني إجازة» والحديث سيأتي برقم (٣٣). (٥) في «النهاية» ٢: ٤٥٢، والنص عند المصنف بعد حديث (١٨٣)، وفي «منال الطالب» ص ١٨٢، والنص عند المصنف بعد حديث (١٦٤). (٦) في «الترغيب والترهيب» ٤: ٣٦٩، والنص عند المصنف عقب حديث (٨٦). (٧) أحال في «ميزان الاعتدال» ٤: ٤٧٦ (٩٨٩٢) إلى الحديث الآتي برقم (١٦٨).

стр. 41

وابن ناصر الدين - ت ٨٤٢ هـ (١)، وابن حجر العسقلاني - ت ٨٥٢ هـ (٢)، وابن حجر الهيتمي - ت ٩٧٤ هـ (٣)، وغيرهم. - اتفاق المصادر التي ترجمت لأبي موسى المديني على نسبة هذا الكتاب إليه (٤). تحقيق اسم الكتاب : ثبت على نسخة برلين عنوانان للكتاب: الأول: (كتاب الطُّوالات: طوال الأحاديث والأخبار وغرر القصص والآثار). والثاني: (كتاب الأحاديث الطوال المروية عن ربّ العزّة ﵎ وعن سيد المرسلين ﷺ ). قلت: أما العنوان الأول؛ فهو الثابت على اللوحة التي تسبق نص الكتاب مباشرة، وبخط الناسخ نفسه. وأما العنوان الثاني فيظهر أنه دخيل على النسخة، قد ألحق بها مؤخرًا، وبخط مغاير لخطّ الناسخ؛ فكان الأول هو المعتبر، ويؤيده: - أن الناسخ كرَّره بحروفه في نهاية النسخة. - يفيد العنوان الثاني أن محتوى الكتاب هو الأحاديث القدسية، وليس الواقع كذلك؛ ففي الكتاب أحاديث مرفوعة وآثار، وبعض القصص عن بني _________ (١) في «جامع الآثار» ٤: ٣١٣، والنص عند المصنف عقب حديث (١٦٤). (٢) في «فتح الباري» ٦: ١٧٣ - ١٧٤، وهو عند المصنف عقب حديث (١١٣)، والإصابة ٩: ٤٣٣ (٧٦٣٨)، والنص في هذا الكتاب برقم (١٠٢). (٣) في «أشرف الوسائل» ص ٦٢، وهو عند المصنف عقب حديث (٢٠). (٤) على سبيل المثال: «المؤتلف والمختلف» لابن القيسراني ص ١٥٠، و «تذكرة الحفاظ» للذهبي ٤: ٨٧، و «طبقات الشافعية الكبرى» للسبكي ٦: ١٦١، وغيرها.

стр. 42

إسرائيل، وعرب الجاهلية، وهذا واضح في العنوان الأول الذي رجحناه، نعم افتتح المصنف كتابه بحديث قدسي، فتعجل هذا الكاتب في تسجيل هذا العنوان!. - أن نسخة شهيد علي باشا اقتصرت على الجزء المفسر من العنوان الذي رجحناه، فقد جاء على لوحتها الأولى ما نصه: (كتاب طوال الأحاديث والأخبار وغرر القصص والآثار) (١). وأما المصنف ﵀ فلما أحال إلى كتابه هذا، اقتصر على الجزء المجمل من العنوان الذي رجحناه، فقال: (الطُّوالات) (٢)، وكذلك فعل غالب من ذكر الكتاب، أو نقل عنه، أو أحال إليه (٣). وأما نسخة الظاهرية، فالرطوبة أثرت فيها تأثيرًا بينًا، ولم يظهر من العنوان سوى: (من كتاب طوالات الأخبار وغرر القصص والآثار) وليس هذا ببعيد عما رجحناه، والله أعلم. موضوع الكتاب : جمع الحافظ أبو موسى المديني في هذا الكتاب الأحاديث الطوال، فجاء عمله موعبًا لا نظير له، وقد شهد له الأئمة بذلك. _________ (١) واختصره ابن ناصر الدين في «جامع الآثار» ٤: ٣٣١، ٦: ٢٠١ فقال: (طوال الأحاديث والأخبار)، وقال في ١: ٢٩٥، ٣٠٧: (طوالات الأخبار). (٢) «منتهى رغبات السامعين» خ ٢٤٧/ ب. (٣) كابن القيسراني في «المؤتلف والمختلف» ص ١٥٠، وعبد الغني في «أخبار الدجال» ص ٩٨، والذهبي في «الميزان» ٤ (٩٧٧١، ٩٨٩٢)، و «تاريخ الإسلام» ١٢: ٧٤٠، و «تذكرة الحفاظ» ٤: ٨٧، وابن كثير في «البداية» ١: ١٠٩، والسبكي في «طبقات الشافعية» ٦: ١٦١، وحاجي خليفة في كشف الظنون ٢: ١١١٦، وغيرهم، وسماه الذهبي في «الميزان» مرة ١ (٩٢٢): (الطوال)، وابن حجر في «الإصابة» ١٣: ٣٢٩: (الأحاديث الطوال)، وإسماعيل البغدادي في «هدية العارفين» ٢: ١٠٠: (الأخبار الطوال)، وكله تصرف، ومثله معهود.

стр. 43

قال الذهبي: «صنَّف كتاب «الطُّوالات» في مجلدين، يُخضع له في جمعه» (١) انتهى. فقد أطال ﵀ بذكر الطرق التي يروي بها الحديث، وقرن بين تلك الطرق على عادة الإمام مسلم، ثم أورد شواهد الحديث، والروايات التي تخالفه إن وجدت، ولم يقتصر عمله على الرواية، وإنما علق على الأحاديث بما يخدمها، ويقرب الإفادة منها، فهو يخرجها من كتب السنة المشهورة، ثم يبين أحوال رواتها، ويحكم على تلك المرويات، ثم ينتقل إلى تفسير غريبها، وشرح ألفاظها، وأما الروايات التي ظاهرها التعارض فجهوده ظاهرة في التوفيق بينها، وغالبًا ما يختم كلامه على الحديث بذكر الأحكام والفوائد المستنبطة منه، فجاء عمله شاملًا واسعًا موعبًا، وصدق فيه قول ابن عبد الهادي: «كتاب جليل لم يُسبَقْ إلى مثله» (٢)، وقول الذهبي: «وكتاب «الطوالات» جودها، ولم يُسبق إلى مثلها، مع كثرة ما فيها من الواهي والموضوع» (٣). قلت: أما الواهي والموضوع في الكتاب فمن مقتضيات هذا التوسع في الجمع، أضف إلى هذا طبيعة غالب الطوال. محتوى الكتاب : افتتح الحافظ أبو موسى المديني كتابه بالحديث القدسي الطويل: «يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي» الذي يرويه أبو ذر الغفاري ﵁، وأعقبه بحديث نبوي في الفضائل من رواية ابن عباس ﵄، ولا أدري ما وجهه؛ إذ ليس من الطوال!. ثم شرع بطوالات الخلفاء الراشدين ﵃، ورتب مسانيدهم بحسب أفضليتهم، فبدأ بمسند أبي بكر، ثم مسند عمر، ولما وصل إلى مسند عثمان _________ (١) «السير» ٢١: ١٥٤. (٢) «طبقات علماء الحديث» ٤: ١١٣. (٣) تذكرة الحفاظ ٤: ٨٧.

стр. 44

روى قصة جمع القرآن، ثم قال: «أوردوه في مسند الصديق أبي بكر ﵁»؛ لقوله لزيد: «قد كُنْتَ تكتبُ الوَحْيَ لرسول الله ﷺ » وأوردناه في مسند ذي النُّورَيْن لقوله: «إنما نزل بلسانهم؛ لأنَّ التَّفسير وسبب نزول القرآن إذا ذكره الصحابي الذي شهد الوحي والتنزيل كان حديثًا مسندًا عند أصحاب الحديث، ولم نجد في مسند ذي النُّورَيْن حديثًا نورده في الطُّوالات سواه، ولم نُرِدْ إخلاء هذا الكتاب من ذكره … » إلى آخر ما قال. ثم أورد مسند علي ﵁ وأطال فيه إطالة ظاهرة، ثم شرع في مسانيد الصحابة الآخرين، ورتب أسماءهم على حروف الهجاء، إلا أنه لم يراع الترتيب للأسماء داخل الحرف الواحد؛ فتراه - مثلًا - يقدم مسند أنس بن مالك، على مسند أبي بن كعب، ومسند زيد بن أبي أوفى على مسند زُبيب بن ثعلبة، ومسند عبد الله بن مسعود، على مسند عبد الله بن عباس، وغير ذلك. ووضع لكل مسند عنوانًا، ولم يلتزم بصيغة واحدة في تلك العناوين، فقال: (ومن مسند علي بن أبي طالب)، وقال: (ومن حديث جعفر بن أبي طالب)، وقال: (قصة ثعلبة بن حاطب)، وغير ذلك. وعنون أحيانًا باسم الصحابي، ولم يورد شيئًا من روايته، وإنما أورد قصته من رواية صحابي آخر، كقوله: (ومن حديث خزيمة بن ثابت، أو ابن حكيم) وأورد تحت هذا العنوان قصة خزيمة هذا من حديث جابر (١٦٨، ١٦٩)، ومن حديث الزهري مرسلًا (١٧٠). ولم يقتصر في مسند الصحابي على حديثه، بل أورد معه ما روي في معناه أو ما له وجه مناسبة، ولو عن صحابي آخر، وإن لم يكن من الطوال، ومن أمثلة ذلك: روايته في مسند بلال عن بلال برقم (٨٩) قصة استقراضه من المشرك، ثم قال: «ولهذه القصة من امتناعه عن دخول البيت مع بقاء المال عنده نظير من رواية أبي هريرة» وأسند حديثه (٩٠)، ثم قال: ورُوي معنى هذا الحديث عن عائشةَ، وأم سلمة وأخرج حديثيهما (٩١، ٩٢).

стр. 45

ومن ذلك أيضًا: صنيعه في مسند حبيش بن خالد، فقد روى قصة أم معبد عن حبيش برقم (١٥٨)، ثم عن أم معبد نفسها برقم (١٥٩)، ثم عن أبي معبد برقم (١٦١)، ثم عن أبي سليط الأنصاري برقم (١٦٣)، ثم عن أسماء برقم (١٦٤). ومنه أيضًا: أنه أخرج في مسند علي حديث صفة النبي ﷺ من طريق الحسن عن هند بن أبي هالة، ومن طريق الحسين بن علي، عن أبيه برقم (٢٠)، ثم من رواية ابن عباس، عن هند برقم (٢١)، ثم من طريق أهل البيت عن الحسن عن علي (٢٢)، ثم قال: «فَلْنذكُرْ ما روي من هذا النوع عن علي بن أبي طالب ﵁ خاصة، وإن لم يكن من الطُّوالات؛ ليقف طالبه على أكثر ذلك» وروى ثمانية أحاديث عن علي في صفة النبي ﷺ . وينبه المصنف على العلو والنزول في أسانيده التي يروي بها الأحاديث، ومن ذلك: قوله في حديث (٢٠): «أخبرنا بهذا الحديث نازلًا الإمام أبو القاسم إسماعيل بن محمد الحافظ ﵀ كتابةً، ومحمد بن رجاء قراءةً، قالا: أخبرنا محمد بن أحمد بن علي … فكأني سمعته مع شيخي من شيخهما. ورواه الإمام أبو عبد الله بن منده، عن علي بن الحسن بن علي، عن أبي إسماعيل الترمذي، عن سفيان بن وكيع. وكأَنِّي سَمِعْتُه من أصحابه. وكذلك رواه أبو عبد الله، عن الهيثم بن كليب، عن عبد الله بن مسلم بن قتيبة، عن محمد بن عُبيد، عن أبي غسان. فكأَنِّي روَيْتُه عن أبي عبد الله». وإن كان للحديث شاهد أو أكثر أخرجه، أو اكتفى بالإشارة إليه، كقوله عقب حديث (٦١): «وقد تواترت الرّوايات عن عمر بن الخطاب - وذكر أسماء خمسة وعشرين صحابيًا - منهم من ساقه بطوله، ومنهم من اختصره، وسنذكر رواية من رواه بطوله في مسنده من هذا المجموع إن شاء الله - تعالى ـ، فثبت بمجموع هذه الروايات أصل حديث المعراج». ويُعرف بالرواة، ومن ذلك قوله عقب حديث (٢٠): «يُعْرَفَ بِجُمَيعِ،

стр. 46

وهو ابنُ عمرَ بنِ عبد الرحمن، يُكْنى أبا بكر، ويقال: أبو جعفر، كوفي، يُعرف بهذا الحديث، وبحديث آخر، وله سَمِيٌّ في التَّابعين اسمه: جميع بنُ عمير، أكثر من هذا حديثًا وأَشْهرُ» ثم قال: «وعُبَيدُ بنُ إسماعيل الهَبَّارِيُّ: يقال له: عبد الله، عُبَيد: لقبه». وأحكامه على الرواة تتسم بالتساهل غالبًا، وعبارته في المجروحين لطيفة، وقد نبهت على ذلك في موضعه من الكتاب. وأحكامه على الأحاديث كثيرة، ومن ذلك: قوله في حديث (٦٤) وهو إحدى روايات قصة المعراج عن أنس: «هذا حديث غريب الإسناد شاد المتن مع شُهْرةِ رُواتِه، خالف في عامة ألفاظه الروايات المشهورة؛ إذ كان كلُّ مَنْ يخالف إنما يُخالِفُ في لفظ أو اثنين، لا أعلم أحدًا أورده ممن جمع طُرُقَ هذا الحديث، أملَيْتُه لِيُوقَفَ على شذوذه». وقوله في حديث (١٦٤): «هذا حديث غريب من هذا الوجه». وقوله في حديث (١٨١): «هذا حديث حسن غريب». وقوله في حديث (١٧٢): «هذا حديث حسن عال». وقوله في حديث (١٩٣): «هذا صحيح، أخرجه البخاري من حديث معتمر بن سليمان، عن أبيه». وإذا اشتمل الحديث على ألفاظ غريبة أو مشكلة، شرحها وضبطها وأزال الإشكال عنها عقب الرواية، وبعد أن أطال في شرح ألفاظ حديث علي ﵁ (٢٢) في صفة النبي ﷺ ، قال: «اقتصَرْنا على تفسير هذا القدر، ولو استوعبنا الألفاظ بالشرح لطال، وأولى ما يُعْنَى به صاحب الحديث معرفة صفات رسول الله ﷺ ، وفهم معانيها، فأَقْبِحْ به إذا سُئل عن شيء جهله، أو عُرض عليه لم يعرفه». وله عناية واضحة بدفع التعارض بين الأحاديث إن وجد، كما ستجده في كلامه على حديث (٢٢، ٣٨، ٨٠، ٨١) وغيرها.

стр. 47

وحرص ﵀ على ذكر ما يستنبط من الحديث من أحكام وفوائد وآداب. ومن ذلك: تعليقه على حديث أبي سعيد الخدري (١٩٨) الذي جاء فيه: فيُكْشَفُ عن ساقٍ، فَيَخِرُّ سُجَّدًا أجمعون قال ﵀: «سبيله الإيمان به والتسليم له؛ إذ لا شك أنَّ الصَّحابة ﵃ كانوا أحوج إلى كشف ما يجب الكشف عنه، وتحقق ما يمكن الإحاطة به؛ ليعرفوا ذلك، ويُبينوا لمن بعدهم؛ إذ هم القدوة في الدين، وبهم أُسْوةُ الخائفين، فلما علموا أنَّ نبينا ﷺ صادق فيما يحكي، وأن صفات الرَّبِّ ﵎ مما لا تُدْرِكُه عقولهم، ولا يُحيطون به علمًا، وأنَّ سبيلها الإيمان والتسليم، سمعوه وصدَّقوا به، ولم يتكلموا فيه، ولم يعترضوا عليه … وكذلك التابعون فمن بعدهم من أئمة المسلمين، كأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وغيرهما، دونوه في كتبهم، ورووه ولم يُنكروه، ولا تكلموا فيه بتأويل ولا تكييف؛ لأنَّه كما لا يسع أحدًا أَنْ يَتكلم في الله ، لا يجوز لأحد أن يتكلم في صفاته، ولنا فيهم أُسوة حسنة، جعلنا الله - تعالى - مِنْ المُتَّبعِين، لا المنكرين المبتدعين». وقوله عقب حديث (٤): «ولفظة الضَّحِك قد ثبتت بروايات شتى في الصحاح، تُجْرَى على ظاهرها، فإيَّاك أن تستقبلها بإنكار أو تأويل؛ إذ لنا في هؤلاء الأَئِمَّة الذين رووها أُسْوة، والله أعلم». وفي تعليقه على حديث (٣١) قال: «وأنه كما لا مِثْلَ لذاته لا شِبْهَ لكلامه وصفاته، خلافًا لما تدَّعِيه الدَّهْرِيَّةُ أَهلُ الزندقة». وفي تعليقه على حديث (١٥٣) قال: «فأمَّا النَّظر إليه ﷻ : فحق لأهل الجنَّة ثابت من غير وجه عن رسول الله ﷺ » ثم ذكر بعض الأدلة. ومن ذلك: تنبيهه على لطائف الإسناد، كقوله عقب حديث (٢٠): «هذا الطريق عزيز لأجل رواية الأخ الأكبر: الحسن بن علي، عن الأصغر: الحسين ﵃». ومن فوائده أيضًا: قوله عقب حديث (٨٥): «هذا حديث يُروى عن

стр. 48

جماعة من الصحابة ﵃ في تفسير هذه الآية، وهو وإِنْ لم يَجْرِ فيه ذِكْرُ رسول الله ﷺ حديثُ مُسنَدٌ؛ لأنَّ الصَّحابي الذي شَهِدَ الوحي والتَّنْزِيلَ إِذا فَسَّرَ آية من القرآن أنها نزلت في كذا، فهو حديث مُسنَد باتفاق أهل الصنعة؛ ولذلك أوردوه في مسانيدهم». وقوله في حديث (٣١): «أورده الطبراني ﵀ في عدة كتب له باختلاف الألفاظ، كأنه رواه حفظًا». وقوله عقب (٦٠) بعد ما ذكر الروايات عن أنس ﵁ في قصة المعراج: «فدل بمجموع هذه الروايات أنَّ أنسًا ﵁ سمعه من النَّبِيِّ ﷺ ، وَأَنْ لا مَطْعَنَ على شيء في الصَّحِيحَيْن، وإن وقع لبعضهم إشكال في شيء من أحاديث الصَّحِيحَيْن فذلك لقصور علمه». ومن فوائده في الرجال: قوله عقب (١٠٦): «هذا حديثٌ حَسَنُ السياق، لا أَعْرِفُه بهذا التمام إلا من رواية أبي عوانة، وكان معروفًا بحفظ الطوال؛ لأنه كان حين يسمع يُمْلِي على مَنْ يكتبه له». ومن كلامه في المشتبه: قوله عقب حديث (٤) في (أبي صالح هَدِيَّة بن عبد الوهاب): «وهَدِيَّة: بفتح الهاء، وكسر الدال، وتشديد الياء المنقوطة باثنتين من تحتها، مَرْوزِي، يَشْتَبِه بهدْبَة». ومن فوائده الفقهية: قوله فيما لا يجزئ في الزكاة من الماشية عقب حديث (٣): «فأما الهَرِمة، وذاتُ العُوار: فلا تجوزان في الصدقة أصلًا، إلا أن يكون النّصابُ كلُّه من ذلك الجنس، على قول البعض». ومن ذلك أيضًا: قوله عقب حديث (٦٩): «وفيه دليل أنَّ السابق إلى المباح أَوْلَى به من بعده، وأنَّ معرفة حقّ أولي الفضل مستحبة، وأنَّ الإيثار في الأحوال مندوب إليه، وفيه معجزات النبي ﷺ ». ومن فوائده في القراءات واللغة: قوله في حديث (٢٠٨): «باب النداء مبني على الحذف والتخفيف، فتارةً يُحذف حرف النداء، وهذا كثير في

стр. 49

الكلام، كقوله تعالى: ﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا﴾ [يوسف: ٢٩] أي: يا يوسف، وتارةً يُحْذَف المُنادَى، كقراءة من قرأ: أَلَّا يَسْجُدُوا الله أي: ألا يا قوم اسجدوا» وهي قراءة الكسائي. ومنها: قوله في قصة أم معبد (١٥٧) عند قوله: «وكانت بَرْزَةٌ جَلْدَةً، تَحْتَبي بفِناء القُبَّة ثم تَسْقِي وتُطْعِم» قال: «فِناء القُبَّة: المُتَّسَعُ حولها حيث تَفْنَى وتنقضي، والقبة - هاهنا -: الخيمة، وقوله (ثم) يجوز أن يكون للتراخي من حروف العطف، ويحتمل أن يكون بفتح الثَّاء، بمعنى: هناك، وقد درج من كان يحفظ مِثْلَ هذه الألفاظ لأصحاب الحديث». ومنها أيضًا: قوله في (٢٠٣): «يا سواد بن قارب: الاختيار رفع الدال؛ لأنَّه مُنادى مفرد، ليس بمضافٍ، والاختيار في النُّون النَّصْب؛ لأنه مُضاف، ولِنَصْبِ الدَّال ورَفْعِ النُّونِ أيضًا وَجْهُ». ومنها كذلك: قوله في التعليق على حديث (٦): «قوله (سفقَتها الرِّيحُ) أي: ضربتها، ورُبَّما تجيء هذه اللفظةُ بالصَّادِ، وقد تُبْدَلُ السِّينُ مِنْ الصَّاد إذا كان في الكلمة قافُ أو حرفٌ آخَرُ مِنْ جِنْسِه، سواء كان قبله أو بعده، مُتَّصِلًا به أو مُنفصلًا عنه، بعد أن يكونا في كلمة واحدة». ومن فوائده البلاغية: قوله في التعليق على (٥): «وقولُه (فضرَبْتُ ببصري) استعارة، وهو من صحيح الكلام، وفي بعض الروايات: «فرمَيْتُ ببصري»، ومعناهما واحد. وقوله (فإذا بقيَّةُ ظلّها) فيه مُضْمَرُ أو محذوف، تقديره: فإذا بقيَّة ظلها باقيةٌ، أو: بقِيَتْ بقيَّةُ ظِلّها، أو نحو ذلك». وغير ذلك كثير مما ستجده في هذا الكتاب الحافل. أهمية الكتاب : لهذا الكتاب قيمة علمية كبيرة، وذلك بالنظر إلى مادته والعلوم والمعارف التي تضمنها، فقد ضم إلى علوم الرواية علومًا أخرى كثيرة، من أبرزها: علوم اللغة والقراءات والعقيدة والفقه والآداب والفضائل، وإذا وقفت على جانب

стр. 50

من اهتمام الأئمة بهذا الكتاب، وإفادتهم من علومه، والنقل عنه، والإحالة إليه، تحققت مما ذكرت لك، كيف لا ومؤلفه أبو موسى المديني من شهد له علماء عصره ومن جاء بعدهم بالتقدم في العلوم مع الإتقان. وتتبع إفادة الأئمة والمصنفين من هذا الكتاب أمر يطول، لذا سأقتصر على ذكر بعض النماذج: فمن الأئمة من روى أحاديث هذا الكتاب بإسناده إلى المصنف (١)، ومنهم من اعتمد كلامه في تفسير غريب الحديث (٢). ومنهم من نقل عنه حكمًا أو فائدة، أو اعتمد على تصويباته أو تحقيقاته، وإليك بعض الأمثلة: قال المنذري في حديث البراء الآتي عند المصنف برقم (٨٦): «هذا الحديث حديث حسن، ورواته محتج بهم في الصحيح كما تقدم، وهو مشهور بالمنهال بن عمرو عن زاذان عن البراء، كذا قال أبو موسى الأصبهاني ﵀» (٣). وقال ابن حجر في حديث الدَّجَّال الآتي عند المصنف برقم (١١٣): «حكى أبو موسى المديني أن السِّرَّ في امتحان النَّبيِّ ﷺ له بهذه الآية الإشارة إلى أن عيسى ابن مريم يقتل الدَّجَّال بجبل الدُّخان، فأراد التعريض لابن صياد بذلك» (٤). وقال ابن ناصر الدين: «قال أبو موسى المديني الحافظ في كتابه «طوال _________ (١) تقدم ص ١٤٥ أمثلة على ذلك. (٢) انظر على سبيل المثال: ابن الأثير في «النهاية» ٢: ٥٤، ٤٥٢. ٣: ١٨، ٢٧٥. ٤: ١١٣، ٣٧٢. ٥: ٢١، ٢١٤. (٣) «الترغيب والترهيب» ٤: ٣٦٩. (٤) «فتح الباري» ٦: ١٧٣ - ١٧٤، ومثله في «إرشاد الساري» ٥: ١٧١.

стр. 51

الأحاديث والأخبار» (١): «والصَّالب: الصُّلْب» (٢). وقال ابن حجر الهيتمي: «جُميع بن عُمير - بالتصغير - وثقه ابن حبان، وضعفه غيره، وفي نسخ: عمر، وهو تحريف، وما في «الأحاديث الطوال» للحافظ أبي موسى المديني صريح في أن المحرَّف: جميع بن عمير، لا جميع بن عمر، قال: «وهذا الطريق عزيز … » (٣)، وغير هذا كثير. ناهيك عن بعض من أفاد من الكتاب ونقل عنه دون عزو إليه: فهذا أبو الحجاج المزي - عليه رحمة الله - يروي في «تهذيب الكمال» ٣٥: ٢٧٥ حديث إسلام قَيْلة بنت مخرمة العنبرية بطوله، والحديث من مرويات المصنف في هذا الكتاب، وسيأتي برقم (٢٦١)، ثم يقول: «شرح ما اشتمل عليه هذا الحديث من الألفاظ الغريبة والمعاني المشكلة» وينقل كلام المصنف على الحديث بحروفه وترتيبه، دون عزو! ويستوعب هذا النقل ثماني صفحات من المطبوع، وسيأتي عند الكلام على النسخ الخطية أن اسم الحافظ المزي ثابت على نسخة الظاهرية التي اشتملت على حديث قيلة هذا!. ونقل ابن كثير في تفسيره ٥: ٤٥ عن الحافظ ابن دحية كلامًا طويلًا في تواتر حديث الإسراء، وأسماء من رواه من الصحابة، والنص بحروفه للمصنف ذكره عقب حديث (٦١)، ويظهر أن ابن دحية أفاد منه، إلى غير ذلك من النقول التي يطول تتبعها. _________ (١) سيأتي في شرح حديث (١٦٦). (٢) «جامع الآثار» ٢: ٣٠٧، وانظر منه أيضًا: ١: ٢٩٥، ٢: ٣٠٦، ٤: ٣٣١، ٣٤١، ٨: ٧٦. (٣) «أشرف الوسائل» ص ٦٢، وفيه جملة من التصحيفات، والنص بتمامه عند المصنف عقب حديث (٢٠).

стр. 52

وصف النسخ الخطية للكتاب : النسخة الأولى : أصلها محفوظ في مكتبة الدولة في برلين بألمانيا (PPN ١٠٤٩١٤٤٣٦٨) مخطوطات شرقية إسلامية. وهي المجلد الأول من الكتاب، وتمثل نصفه، من البداية إلى مسانيد حرف السين، حيث انتهى المجلد أثناء مسند سعد بن مالك أبي سعيد الخدري ﵁. جاء على اللوحة الأو لى من هذه النسخة ما نصه: «النصف الأول من كتاب الأحاديث الطوال … »، وجاء على اللوحة الأخيرة: «تم النصف الأول من كتاب طوال الأحاديث والأخبار وغرر القصص والآثار، ويتلوه إن شاء الله تعالى فيما يليه من المجلد الأخير حديث أبي سعيد الخدري ﵁، عن النبي ﷺ : «أتيت بالبراق»، وأول إسناده … ». وبلغ عدد أوراق هذه النسخة (٢٤٧) ورقة، (٤٩٤) صفحة بما فيها صفحة العنوان، وعدد أسطر كل صفحة (٢١) سطرًا، وتنتهي بنهاية حديث (١٩٨) بحسب ترقيمي. وخطها واضح مقروء، وفيها كثير من التصحيفات، وليس عليها سماعات ولا تعليقات، كما لم يكتب اسم ناسخها ولا تاريخ نسخها. وجاء على حاشية اللوحة الأخيرة بخط مغاير ما نصه: «انتسخ منه العبد الضعيف الراجي رحمة ربه محمد بن محمد بن رستم بن [ … ] هذه المجلدة ليلة الأحد السادس والعشرين من شهر رجب سنة خمس وثمان مئة بحمد الله تعالى ختمها الله». ورمزت لهذه النسخة بحرف (ب).

стр. 53

النسخة الثانية : أصلها محفوظ في مكتبة شهيد علي باشا (Sehid hli pasa) بتركيا، برقم (٥١١) وهي من مقتنيات المكتبة السليمانية. ثبت على اللوحة الأولى من النسخة خاتم المكتبة السليمانية، وعلى اللوحة الأخيرة خاتم مكتبة شهيد علي باشا. واشتركت هذه النسخة مع نسخة برلين في معظم المحتوى، وزادت عليها تتمة مسانيد حرف السين، بالإضافة إلى مسانيد حرف الشين، والصاد، والطاء، ومسندي عبد الله بن مسعود، ومسند عبد الله بن عباس من حرف العين، ولم يكملا. وسقط من بداية هذه النسخة في حدود ورقة أو ورقتين، فهي تبدأ من قوله: «بن أبي عاصم قال: حدثنا أبو صالح هديَّة بن عبد الوهاب» من حديث حذيفة، عن أبي بكر الصديق ﵄، وهذا هو الحديث الرابع في الكتاب. كذلك هي مبتورة الآخر، انقطعت أثناء مسند عبد الله بن عباس ﵄ من حرف العين. وترتيب هذه النسخة مشوش كثيرًا، وكأن النسخة تبعثرت أوراقها، ثم أعاد جمعها من قدَّم فيها وأخر شيئًا كثيرًا، وفقد أثناء ذلك عدة أوراق، نبهت على ذلك كله في مواضعه أثناء التحقيق. وبلغ عدد أوراقها (٢٤٠) ورقة، (٤٧٨) صفحة بما فيها صفحة العنوان، وجاءت صفحة (٢) وصفحة (٢٤٠) من وجه واحد فقط، وعدد أسطر كل صفحة (٢٢) أو (٢٣) سطرًا. وخطها واضح مقروء، وتصحيفاتها نادرة، وكاتبها متقن، وليس عليها سماعات ولا قراءات، وفيها بعض الاستدراكات والتصويبات، ولم أهتد إلى اسم ناسخها ولا إلى تاريخ النسخ، ورمزت لها بحرف (ش).

стр. 54

النسخة الثالثة : أصلها محفوظ في المكتبة الظاهرية بدمشق، وهي جزء ضمن مجموع برقم (٦٢). ويحتوي هذا الجزء على مسند قيلة بنت مخرمة فقط، ولا يوجد غيره من مسانيد النساء. وعدد أوراق هذه النسخة (١١) ورقة، من (١٥٨) إلى (١٦٩)، في كل ورقة صفحتان، وفي كل صفحة (١٥) سطرًا. كتب على اللوحة الأولى: « … من كتاب طوالات الأخبار وغرر القصص والآثار، تأليف الإمام الحافظ أبي موسى محمد بن أبي بكر بن أبي عيسى المديني الأصبهاني ﵁. رواية أبي عبد الله محمد بن عبد الواحد بن أبي سعد المديني عنه، رواية صاحبه أبي الحسين علي بن محمد بن أبي الحسين اليونيني كتابة عنه». وفي أسفل الورقة خاتم الظاهرية. وخط هذه النسخة واضح مقروء، وفيها ضبط بالقلم كثير، وناسخها الحافظ المزي ﵀، كما سيظهر من النص التالي الذي جاء على اللوحة الأخيرة، والذي ظهر منها: « … منقول من كتاب الطُّوالات لأبي موسى ﵀ … على مؤلفه الحافظ أبي موسى المديني الأصبهاني … عبد الغني بن عبد الواحد المقدسي جماعة، منهم: فضل الله وسعد الله ابنا محمد بن أبي محمد بن أحمد المعلم، وكاتب السماع في الأصل أبو المطهر محمَّد بن أبي المطهر بن أحمد الخباز في صفر سنة خمس وسبعين وخمس مئة. وسمعه منه محمد بن عبد الواحد بن أبي سعد المديني في تاريخ آخر. نقله والجزء كله يوسف المزي عفا الله عنه في أواخر ذي الحجة سنة ست وتسعين وست مئة». وهذه النسخة أصابتها الرطوبة فأثر على الجزء العلوي من أوراقها، ولم تظهر الأسطر الثلاثة الأولى العليا في غالب الصفحات، وحاولت استدراك النقص بقدر المستطاع، ورمزت لها بحرف (ظ).

стр. 55

عملي في الكتاب ١ - نسخت الكتاب من مخطوطاته، وأثبتُّ نصه بالرسم الإملائي الحديث، واستعملت له علامات الترقيم. ٢ - قابلت ما نسخته بالمخطوطات، وأثبت أرقام لوحات نسخة (ب) في صلب الكتاب بين معقوفين، أما أرقام نسخة (ش) و (ظ) ففي الحاشية. ٣ - اعتمدت مذهب التلفيق في القسم الذي اشتركت فيه نسختا (ب) و (ش)، ونبهت على الفروق المؤثرة بين النسختين، وأهملت غير المؤثرة؛ لئلا أثقل حواشي الكتاب، وما صوبته من خارج النسخ وضعته بين معقوفين مع التنبيه عليه. ٤ - رقمت أحاديث الكتاب، وشمل الترقيم كلَّ ما أسنده المصنف وإن لم يذكر متنه، جريًا على اصطلاح المحدثين في اعتبار كل سند حديثًا برأسه. ٥ - ضبطت ما يحتاج إلى ضبط، وخاصة ما اشتبه وما أشكل من الكلمات والأعلام والأماكن والأنساب، ووضحت ما يتوقف فهم المعنى عليه في الحاشية ما لم يذكره المصنف عقب الحديث. ٦ - وثقت الآيات القرآنية بذكر أرقامها وأسماء سورها بين معقوفين بعد الآية، وإذا جاء في النص الإشارة إلى الآية، أو ذكر جزءًا منها وأشار إلى تتمتها، أكملتها ووثقتها في الحاشية، كما وثقت القراءات التي أوردها المصنف أو أشار إليها من كتب القراءات. ٧ - خرجت الأحاديث من طريق المصنف أولًا، ثم من أشهر كتب السنة، مقتصرًا على الصحيحين إن كان الحديث فيهما أو في أحدهما ما لم يتوسع المصنف في تخريجه، وإذا لم يكن الحديث فيهما فمن أشهر كتب السنة من غير توسع، وبقدر ما تتحقق الحاجة إلى توثيق الحديث. ٨ - اقتصرت في دراسة الأسانيد على بيان حال الراوي الذي هو علة ضعف السند، واكتفيت بأحكام «تقريب التهذيب» ما لم تكن حاجة للتعقب، ومن ليس في «التقريب» فترجمته من «الميزان» غالبًا.

стр. 56

٩ - حرصت على نقل أحكام الأئمة على الأحاديث غالبًا، وعلقت عليها عند تباينها، أو اختلافها بما انتهيت إليه من حكم. ١٠ - وثقت الآثار والأقوال والأشعار من مظانها. ١١ - ترجمت لأبرز شيوخ المصنف في مبحث شيوخه، وأحلت إلى مصادر ترجمة الباقين في كتب التراجم. ١٢ - يشرح المصنف غالبًا عقب الحديث الألفاظ الغريبة الواردة فيه، فإن أتى بلفظ الحديث جعلته بين هلالين، وإن تصرف فيه أهملت الهلالين. ١٣ - ذيلت الكتاب بالفهارس العلمية اللازمة: فهرس الآيات القرآنية، وفهرس الأحاديث والآثار، وفهرس للأعلام الذين تكلم عنهم المصنف، وفهرس للبلدان والأماكن، وفهرس للألفاظ الغريبة، وأخيرًا: قائمة المصادر والمراجع، وفهرس الموضوعات. وبعد، فهذا جهد المقل، وأسأل الله تعالى العفو والمغفرة والقبول، وأن يجعل هذا العمل ذخرًا لي يوم ألقاه، وأن يتغمد الحافظ أبا موسى المديني برحمته، وأن يجزيه عن العلم وأهله خير الجزاء، وأن يرحمنا ووالدينا وذرياتنا، إنه أكرم من سئل، وأجود من أعطى، وصلى الله على نبينا محمد كلما ذكره الذاكرون، وغفل عن ذكره الغافلون، وصلى الله عليه في الأولين والآخرين أفضل وأكثر وأزكى ما صلى على أحد من خلقه، والحمد لله رب العالمين. * * *

стр. 57

نَمَاذِجُ مِنَ الْمَخْطُوطَاتِ

стр. 58

الأول من كتاب الطُّوالات طوال الأحاديث والأخبار وغرر القصص والآثار مما جمعه تصنيفًا الحافظ محيي السنة شمس الحفاظ أبو موسى محمَّد بن الإمام أبي بكر بن أبي عيسى الشافعي المديني قدس الله روحه (١)

стр. 59

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قال الشيخ الإمام الحافظ محيي السنة، نور الأئمة، شمس الحفاظ، أبو موسى محمد بن أبي بكر بن أبي عيسى المديني - حرسه الله وأبقاه - قال: أما بعد حمد الله - تعالى - على أياديه وآلائه، والصلاة والتسليم على نبيه المصطفى محمد وآله: ١ - فأخبرنا أبو علي الحسن بن أحمد الحداد بقراءة والدي عليه غير مرة -رحمهما الله- لها قال: حدثنا أبو نعيم الحافظ غير مرة، قال: حدثنا سليمان بن أحمد في غير موضع، قال: حدثنا أبو زرعة الدمشقي، وأحمد بن محمد بن يحيى بن حمزة، قالا: حدثنا أبو مسهر - واسمه: عبد الأعلى بن مسهر - الدمشقي، قال: حدثنا سعيد بن عبد العزيز عن ربيعة بن يزيد، عن أبي إدريس الخولاني، عن أبي ذر الغفاري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «قال الله ﵎: يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته محرما بينكم، فلا تظالموا. يا عبادي، إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعا ولا أبالي، فاستغفروني أغفر لكم. ويا عبادي، كلكم جائع إلا من أطعمت، فاستطعموني أطعمكم. ويا عبادي، كلكم عار إلا من كسوت، فاستكسوني أكسكم. ويا عبادي، لم يبلغ ضركم أن تضروني، ولم يبلغ نفعكم أن تنفعوني. ويا عبادي، لو أن أولكم وآخركم وجنكم وإنسكم اجتمعوا فكانوا على أفجر قلب رجل منكم لم ينقص ذلك من ملكي مثقال ذرة. ويا عبادي، لو أن أولكم وآخركم وجنكم وإنسكم اجتمعوا في صعيد

стр. 60

واحدٌ فسألوني جميعًا، فأَعْطَيْتُ كلَّ إنسانٍ منهم مسألته لم يَنْقُصْ ذلك مما عندي إلا كما يَنْقُصُ المِخْيَطُ إِذا أُدْخِلَ البحر. ويا عبادي، إنما هي أعمالكم تُرَدُّ إليكم، فمن وجد خيرًا فَلْيَحْمَدْني، ومَنْ وجد غير ذلك فلا يَلُومَنَّ إلا نفسَه» (١). قال الإمام - حرسه الله -: هذا حديث شريف صحيح عال، شامي الإسناد، أورده مسلم بن الحَجَّاجِ في كتابه «الصحيح» عن أبي بكر بن إسحاق، عن أبي مُسْهِرٍ هذا، فكأن شيخي سمعه من صاحب مسلم. أخبرنا به أبو علي أيضًا قال: حدَّثنا الفَضْلُ بنُ سعيد قال: حدثنا أبو الشَّيْخ، قال: حدثنا عبد الرحمن بن داود بن منصورٍ، قال: حدثنا أبو زُرْعة بهذا الإسناد نحوه، وزاد قال سعيدٌ: قال ربيعةُ: كان أبو إدريس إذا حدث بهذا الحديث جثا على ركبتيه - رواه الصَّغَانِيُّ عن أبي مُسْهر، وقال: جثا على رُكْبَتِه - إعظامًا له، ثم قال: قال أبو مسهر: ليس لأهل الشام حديث أشرف مِنْ حديث أبي ذَرِّ (٢). ورواه أبو حاتم الرازي عن أبي مُسْهِرٍ قال: لو أنَّ رجلًا رحل إلى إفريقية لهذا الحديث لم تذهب رِحْلتُه باطلًا (٣). رواه عن أبي ذَرٍّ: أبو أسماء الرَّحَبِيُّ (٤)، وعبدُ الرَّحمنِ بْنُ غَنْمٍ (٥). وروي عن الحسن، عن أنس بن مالك ﵁ قال: سمعتُ هذا الحديث

стр. 61

مِنْ رسول الله ﷺ عدد أناملي هذه العَشْرِ (١). وبعضهم يزيد في هذا الحديث ألفاظًا كثيرة. وهذا أيضًا معنى جثو أبي إدريس عند روايته؛ لأنَّ هذا النوع من الحديث الذي يرويه النبي ﷺ عن الله ﵎ حُكْمُه عند أكثر الأئِمَّةِ حكم القرآن في العمل به إذا صح إسناده، فما أخراه بالتَّواضُعِ والجُثُو عند روايته؛ إذ هو يحكي قول الله في سعة رحمته، وتفضّله على بَريَّتِه، وامتلاء [خزائنه] (٢)، وحُسْنِ معاملته. وقوله «تُخطئون» مِنْ: أَخْطأ، يَرْويه بعضهم: تَخْطَؤون - بفتح التاء والطاء - وهو التَّعمد، ويحتج بأنَّ الخطأ موضوع عن هذه الأمة تفضلًا مِنَ الله عليهم (٣)، على ما ورد عن النَّبيِّ ﷺ أنه قال: «إِنَّ الله ﵎ تجاوز عن أُمَّتي الخطأ والنسيان» (٤)، وذلك في إجابة الله - تعالى - حين أمر عباده أن يقولوا: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]. * * * ٢ - أخبرنا أبو غالب أحمد بن العبَّاسِ الكُوشيذي، وغير واحد ﵏ قالوا: أخبرنا محمد بن عبد الله التَّاني، قال: حدثنا سُلَيمانُ بنُ أحمد الطبراني، قال: حدَّثنا يوسُفُ القاضي، قال: حدَّثنا محمد بن أبي بكر المُقَدَّمي، ح.

стр. 62

قال سليمان: وحدثنا محمَّد بن العبَّاسِ المُؤدِّبُ (١)، قال: حدثنا عفَّانُ بنُ مسلم، ح. قال: وحدثنا أحمد بن داود المكَّيُّ، قال: حدثنا عيسى بن إبراهيم البركي، ح. وأخبرنا أبو منصور محمد بن عبد الله بنِ مَنْدُويَة، قال: [حدثنا] (٢) أبو نُعَيم أحمدُ بنُ عبد الله، قال: حدثنا أبو بكر بن خلاد، قال: حدثنا الحارث بن أبي أسامة، قال: حدثنا عُبَيْدُ الله بن عُمرَ القواريري (٣). قالوا: حدثنا مُعْتَمِرُ بنُ سُليمانَ، قال: حدَّثني أبي، عن حنش، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄ ذَكَرَ النَّبِيَّ ﷺ قال: «ما مِنْ مسلم قَبضَ يتيمًا من مسلمين إلى طعامه وشرابه إلا دخل الجنَّةَ البتة، إلا أن يعمل ذنبًا لا يُغْفَرُ، ومَنْ أَخَذْتُ كريمَتَيْه فَصَبَر واحتسب لم يكن له عندي ثواب إلا الجنة». قيل: ما كريمتيه؟ قال: «عيناه». قال: «ومَنْ عالَ ثلاث بناتٍ فأنفَقَ عليهم ورحِمَهُنَّ وأَحْسَنَ أدبهُنَّ، أدخله الله الجنَّة» فقال رجلٌ من الأعراب: أو اثنتين؟ قال: «أو اثنتين».

стр. 63

قال ابن عباس ﵄: هذا من كرائم الحديث وغُرَرِه، وفي رواية الحارث: هذا والله من كرائم الحديث وغُرَرِه (١). وهذا لفظ رواية الطَّبَراني. وحنَش: اسمه حُسَيْنُ بن قيس، تكلموا في روايته (٢). * * *

стр. 64

[ من مسند أبي بكر الصديق ﵁ -] (١) ٣ - إلا (٢) أن أبا علي الحداد أخبرنا قال: حدثنا أبو نُعَيمٍ قال: حدثنا سليمان بن أحمد، قال: حدثنا محمد بن عبد الله قال: «مَنْ لم يَكُنْ عنده إلا أربعٌ مِنَ الإِبِلِ فليس فيها شيء إلا أَنْ يَشَاءَ ربُّها.

стр. 65

وفي صدقة الغنم في سائمتها، إذا كانت أربعين ففيها شاةٌ إلى عشرين ومئةٍ، فإذا زادت ففيها شاتان إلى مئتين، فإذا زادَتْ واحدةً ففيها ثلاثُ شِياء إلى ثلاث مئة، فإذا زادت ففي كلِّ مئةٍ شاة، ولا تُؤْخَذُ فِي الصَّدقةِ هَرِمةٌ ولا ذاتُ عُوارٍ، ولا تَيْسٌ إِلا أَنْ يَشَاءَ المُصَّدِقُ، ولا يُجمَعُ بين مُتَفَرِّق ولا يُفَرَّقُ بين مُجتمع خشيةَ الصَّدقةِ، وما كان مِنْ خليطين فإنهما يتراجعان بينهما بالسَّوِيَّةِ، وإذا كانت سائمةُ الرَّجُلِ ناقصةً مِنْ أربعين شاةً شاةً واحدةً فليس فيها شيء إلا أَنْ يَشَاءَ ربُّها. وفي الرِّقَةِ رَبعُ العُشْرِ، فإذا لم يكن المال إلا تسعين ومئة درهم فليس فيها شيء إلا أن يشاء ربها» (١) .. قال أبو يَعْلَى: حدثنا أبو الربيع، قال: حدثنا حماد - يعني ابن زيد قال: حدثنا أيوب، قال: رأيتُ عند ثمامة بن عبد الله بن أنس كتابًا كتبه أبو بكر الصِّدِّيقُ ﵁ لأنس بن مالك ﵁ حين بعثه على صدقة البحرين، عليه خاتم رسول الله ﷺ : محمد رسول الله، فيه نحو هذا القول (٢). قال الإمام - حرسه الله -: هذا حديث كبير، وأصل من أصول الدين، يُعتمد عليه في تبيين أصولِ الزَّكاةِ وفروعها، مدار روايته على أهل البصرة.

стр. 66

وَتَابَعَ ثُمَامَةَ: عَمْرُو بنُ أنس عن أبيه، إلا أنه قال: عن أنس، عن صلى الله (١) النبي ﷺ . وفي الباب عن عمر بن الخطاب (٢)، وابنه عبد الله بن عُمر (٣)،

стр. 67

وعمرو بن حزم (١)، وأبي سعيد الخدري ﵃ (٢). وهذا الطريق الذي أوردناه أخرجه البخاري ﵀ في صحيحه مقطعا في ستة مواضع (٣) عن محمد بن عبد الله الأنصاري، عن أبيه، عن ثمامة. وقوله (ومن سئل فوق ذلك فلا يعطه) إشارة إلى الفضل الذي يطلب منه، أي: لا يعط الفضل (٤). والدود: القليل من الإبل، فإذا كثرت فهي إبل، وقيل: إنه ما بين الثنتين إلى التسع، وقال أبو عبيد (٥): وهي من الإناث دون الذكور؛ فلهذا قال: (خمس ذود) كما يقال: ثلاث نسوة، تقول العرب: الدود إلى النود إبل، أي: إذا جمع القليل إلى القليل صار كثيرا (٦). وابنة المخاض: هي التي تمت لها سنة ودخلت في الثانية، سميت ابنة مخاض لقرب عهدها بأمها وهي ما خاض. وابنة اللبون: هي التي تمت لها سنتان ودخلت في الثالثة، سميت به لقرب عهدها بشرب اللبن من أمها. وإنما أكد ابن اللبون بقوله «ذكر»؛ لأن الواجب في الزكوات الإناث إلا

стр. 68

في هذا الموضع إذا أعوزت الإنات فأبدل منها هذا الذكر، فأكده لئلا يوهم فيه، وليتبين من غيره. والحقة: التي لها ثلاث سنين، ودخلت في الرابعة. والجذعة: التي استتمت أربع سنين، ودخلت في الخامسة. وطروقة: بمعنى مطروقة، أي: تصلح لأن يطرقها الفحل للضراب. وقوله (فليس فيها شيء إلا أن يشاء ربها) أي: لا فرض فيها إلا أن يشاء مالكها أن يتطوع بإعطاء شيء منها، فكأنه استثناء من غير الأول، (وربها) أي: مالكها. والسائمة: التي تعتلف بنفسها من المرعى، دون ما تعلف. وقوله «ولا يؤخذ في الصدقة هرمة، ولا ذات عوار، ولا تيس إلا أن يشاء المصدق» فالاستثناء يرجع إلى التيس وحده دون ما قبله. و (المصدق) - هاهنا - بتشديد الصاد، وهو المتصدق الذي يعطي الصدقة. و (المصدق) في قوله (يعطيه المصدق عشرين درهما أو شاتين) بتخفيف الصاد، وهو الذي يأخذ الصدقة. وفي حديث آخر: «لا ينصرف المصدق عنكم إلا وهو راض» (١) يعني: الذي يأخذ الصدقة. فأما الهرمة، وذات العوار: فلا تجوزان في الصدقة أصلا، إلا أن يكون النصاب كله من ذلك الجنس، على قول البعض (٢). وقوله (فمن بلغت عنده صدقة الجذعة) أي: بلغت السائمة التي عنده قدرا تجب فيه الجذعة. و (الرقة) بتخفيف القاف، الورق.

стр. 69

٤ - أخبرنا أبو منصور محمد بن عبد الله بنِ مَنْدُويَةَ ﵀ سنة خمس وخمس مئة، قال: حدثنا أبو نعيم أحمد بن عبد الله الحافظ، قال: حدثنا أبو بكر أحمد بن يوسف بن خَلَّادٍ، قال: حدثنا أبو محمد الحارث بن أبي أسامة، قال: حدثنا سعيد بن يعقوب أبو بكر الطالقاني، ح. وأخبرنا أبو منصور محمود بن إسماعيل الصيرفي (١) الشيخ الصَّالِحُ سنة سبع، قال: أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن شاذان الأديب، قال: أخبرنا أبو بكر عبد الله بن محمد بنِ فُورَكَ القَبَّابُ، قال: حدثنا أبو بكر أحمد بن عَمْرِو (٢) بن أبي عاصم، قال: حدثنا أبو صالح هَدِيَّةُ بنُ عبدِ الوَهَّاب، ح. وأخبرنا به نازلًا أبو علي الحسن بن أحمد بن الحسن الحداد ﵀، قال: حدثنا أبو نعيم الحافظ، قال: حدثنا أبو علي محمد بن أحمد بن الحسن الصَّوَّافُ، ح. وأخبرنا هبة الله بن محمد بن الحصين ﵀ ببغداد، قال: أخبرنا أبو علي الحسن بن علي بن المُذْهِبِ التَّمِيميُّ، قال: أخبرنا أبو بكر أحمد بنُ جعفر بن حمدان بن مالك القطيعي. قالا: حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، قال: حدثني أبي ﵀، قال: حدثنا إبراهيم بن إسحاق الطالقاني، قال: حدَّثني - وقال الآخران: حدثنا - النَّضْرُ بنُ شُمَيل المازني، قال: حدثنا أبو نعامة العدَوِيُّ، قال: حدثنا أبو هنيدةَ البراء بن نوفل، عن والان العدوي، عن حذيفة ﵁، عن أبي بكر الصديق ﵁ قال: أصبح رسول الله ﷺ ذات يوم فصلَّى الغَداة، ثم جلس مكانه، حتى إذا كان من الضُّحى ضَحِك رسول الله ﷺ ، ثم جلس مكانه حتى صلَّى الأُولى والعصر والمغرب، كلُّ ذلك لا يتكلم حتى صلى العشاء الآخرة، ثم قام إلى أهله.

стр. 70

فقال النَّاسُ لأبي بكر ﵁: ألا تسأل رسول الله ﷺ مَا شَأْنُه؟، صَنَعَ اليوم شيئًا لم يصنعه قط! فسأله، فقال: «نعم، عُرِضَ عليَّ ما هو كائنٌ مِنْ أمرِ الدُّنيا وأَمْرِ الْآخِرَةِ، فَجُمِعَ الأولون والآخرون في صعيدٍ واحد، فَفَظُعَ (١) النَّاسُ بذلك، حتى انطلقوا إلى آدم ﵇ والعَرَقُ يَكادُ يُلْجِمُهم، فقالوا: يا آدم أنت أبو البشر، وأنت الذي اصطفاك الله ، اِشْفَعْ لنا إلى ربِّكَ، قال: قد لَقِيتُ مِثْلَ الذي لَقِيتُم فَانْطَلِقُوا إلى أبيكم بعد أبيكم: إلى نوح ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٣٣]. قال: فينطلقون إلى نوح ﵇، فيقولون: يا نوح، اِشْفَعْ لنا إلى ربِّكَ، فأنت اصطفاك الله واستجاب لك في دعائك، فلم يدع على الأرض مِنَ الكافرين دَيَّارًا، فيقول: ليس ذاكم عندي، انْطَلِقوا إلى إبراهيم؛ فإنَّ الله - تعالى - اتَّخذه خليلًا. فيأتون إبراهيم، فيقول: ليس ذاكم عندي، انطلقوا إلى موسى؛ فإِنَّ الله كلمه تكليمًا. فيأتون موسى، فيقول: ليس ذاكُم عندي، ولكن انطلقوا إلى عيسى ابن مريم؛ فإنه يُبْرِئُ الأكمه والأبرص ويُحْيِي الموتى. فيقول عيسى ﵍: ليس ذاكم عندي، ولكن انطلقوا إلى سيد ولد آدم؛ فإنه أَوَّلُ مَنْ تَنْشَقُّ عنه الأرضُ يومَ القيامةِ، اِنْطَلِقوا إلى محمَّدٍ، فَلْيَشْفَعْ لكم إلى ربكم. قال: فأَنْطَلِقُ فاتي جبريل ﵍ فيأتي جبريل ربَّه قال: فيقول الله - تعالى -: اِئْذَنْ له، وبَشِّرْهُ (٢) بالجنَّةِ.

стр. 71

قال: فيَنْطَلِقُ به جبريلُ، فَيَخِرُّ ساجدًا قَدْرَ جُمُعَةٍ، فيقول الله : يا محمَّد، اِرْفَعْ رأسك، فَقُلْ يُسْمَعْ، واشْفَعْ تُشَفَّعْ، قال: فرفع رأسه، فإذا نظر إلى ربه و خر ساجدًا قَدْرَ جمُعَةٍ أُخْرى، فيقولُ الله : ارْفَعْ رأسك، وقُلْ يُسْمَعْ، واشْفَعْ تُشَفَّعْ، قال: فَيَذْهَبُ لِيَقعَ ساجدًا فيَأْخُذُ جبريلُ بِضَبْعَيْهِ، فيَفْتَحُ الله عليه مِنْ الدُّعاءِ شيئًا لم يَفْتَحْهُ على بشر قط، فيقول: أي ربِّ، جعَلْتَني سيد ولد آدم ولا فخر، وأوَّلَ مَنْ تَنشق عنه الأرض يوم القيامة ولا فخر، حتى إِنَّه لَيَرِدُ عليَّ الحَوْضَ أكثر مما بين صنعاء وأَيْلةَ (١). ثم يُقال: أدعوا الصدّيقين، فيُشَفَعون، ثم يقال: ادْعُوا الأنبياء، قال: فيجيء النَّبِيُّ معه العصابة، والنَّبيُّ معه الخمسةُ والسِّتَّةُ، والنَّبيُّ ليس معه أحد، ثم يقال: ادْعُوا الشُّهداء، فيَشْفَعون لمن أرادوا، فإذا فعلت الشهداء ذلك، قال: يقول الله ﵎: أنا أرحمُ الرّاحمين، أَدْخِلُوا جنَّتِي مَنْ كَانَ لا يُشْرِكُ بي شيئًا، قال: فيدخلون الجنَّةَ» إلى هن ا رواية ابن أبي عاصم. قال: «ثم يقول الله : انْظُروا في النَّارِ، هل تَلْقَوْنَ فِيهَا مِنْ أَحَدٍ عَمِلَ خيرًا قط؟ قال: فيجدون في النَّارِ رجُلًا، فيقول: هل عمِلْتَ خيرًا قط؟ فيقول: لا، غير أني كُنْتُ أُسامحُ النَّاسَ في البيع، فيقولُ الله : اِسْمَحُوا لعبدي كإسماحه إلى عبادي. ثم يُخْرِجون مِنْ النَّارِ رجُلًا، فيُقال له: هل عَمِلْتَ خيرًا قطُّ، فيقول: لا، غير أني قد أمَرْتُ ولدي إذا مِتُّ: فاحْرِقُوني بالنَّار، ثم اطحنوني، حتى إذا كُنْتُ مِثْلَ الكُحْلِ فَاذْهَبُوا بي إلى البحر فاذْرُوني في الرِّيح، فو الله لا يَقْدِرُ عليَّ رب العالمين أبدًا، قال: فيقول الله له: لمَ فَعَلْتَ ذاك؟ قال: مِنْ مخافتك، قال: فيقول الله - تعالى -: أنْظُرْ إلى مُلْكِ أعظم مَلِكِ فَإِنَّ لكَ مِثْلَه وعشرة أمثاله، قال: فيقول له: لمَ تَسْخَرُ بي وأنت المَلِك؟ قال: فذلك الذي ضَحِكْتُ منه مِنَ الضُّحَى».

стр. 72

زاد ابن مندويه عن أبي نُعَيمٍ في روايته عَقِيب قوله «وأنت الملك» قال: «فضَحِكَ الله ﵎»، وكذلك ذكر هذه اللفظة محمودُ بنُ غَيْلان، وخَلَّادُ بنُ أسلم، غيرَ النَّظَرِ (١). قال الإمام - حرسه الله -: لفظ الحديث لأتمهم سياقًا، وألفاظهم مُتقاربة. أخبرنا الفقيه أبو سَعْدٍ محمَّد بن محمَّد المُطَرِّزُ إِذْنًا، قال: حدثنا أبو نُعَيمِ الحافظُ سنة سبع عشرةَ، قال: حدثنا أبو أحمد محمد بن أحمد الغطريفي الجرجاني بها، قال: حدثنا أبو محمَّدٍ عبد الله بنُ شِيرُويَه، قال: حدثنا أبو يعقوب إسحاق بن إبراهيم الحنظلي، قال: حَدَّثَنَا النَّضْرُ بنُ شُمَيل (٢)، به بتمامه.

стр. 73

مِثْلَه - ولم يَذْكُرِ الزِّيادة التي زادَها محمودُ بنُ غَيْلَانَ ومَنْ معه - ثم قال أبو يعقوب: وهذا مِنْ أشراف الحديث، وقد روى هذا الحديثَ عِدَّةٌ مِنْ أصحاب النَّبِيِّ ﷺ نحو هذا، منهم: حُذَيْفَةُ بنُ اليَمانِ، وأبو مسعود الأنصاري، وعُقْبةُ بنُ عامر الجهني، وأبو هريرة، وغيرهم ﵃ (١). قال الإمام - حفظه الله -: هذا حديثٌ حسن شريف، كما قاله إمام أهل المشرق (٢) و (أبو نعامة) هو العَدَوِيُّ، اسمه: عَمْرُو بنُ عيسى (٣) و (والان) هو ابن بَيْهَس، ويقال: ابن قِرْفَة (٤)، لا يُعْرَفُ إلا بهذا الحديث. وهو، و (أبو هُنَيْدة) (٥)، و (أبو نَعامةَ) بَصْرِيُّون، وثَّق يحيى بن مَعِين ثلاثتهم. وتابع النَّضْرَ على روايته: رَوْحٌ (٦)، والحَسَنُ بنُ عَمْرِو بنِ

стр. 74

سيف (١)، وغيرهما، ولا يُعرَفُ هذا الحديث على هذا النَّسَقِ بهذه الألفاظ إلا من هذه الرواية. ورواه الجريري عن أبي هُنَيْدَةَ، فقال: عن حذيفة، عن النبي ﷺ ، ولم يذكر أبا بكر ﵁ (٢). و (هدية) (٣) بفتح الهاء، وكسرِ الدَّال، وتشديد الياء المنقوطة باثنتين مِنْ تحتها، مَرْوزِيٌّ، يَشْتبه بهدْبَة. وقوله (فَفَظِعَ الناسُ بذلك) كأنه من المقلوب، أي: ففَظِعَ ذلك على النَّاس، يقال: فَظِعَ الشيءُ وأَفْظَعَ، إذا اشتَدَّ وثَقُلَ (٤)، وفي حديث آخر: «لما أُسْرِيَ بي وأصبَحْتُ بِمَكَّةَ فَظِعْتُ بِأَمْرِي» (٥). وقوله (والعرَقُ يَكادُ يُلْجِمُهم) أي: سالَ منهم العرق واجتمع، حتى حصلوا فيه إلى قريب من رؤوسهم (٦). وقوله (ليس ذاكم عندي) أي: لا تجدون عندي أن أشفع لكم، و (كُمْ) للمخاطبين، أي: ليس هذا الذي تطلبونه مِنِّي عندي. وقوله (فَلْيَشفَعْ لكم إلى ربّكم) لو رُوِي: فليشفع لكم، كان جائزًا.

стр. 75

والضَّبْع: العَضُدُ إلى الإبط. والإسماح: كالسماح، قال الشاعر: فلما تنازَعْنا الحديث وأسمَحَتْ (١) أي: أسهَلَتْ وانقادت (٢). وقوله (ادْعُوا الصِّدِّيقين، فيُشَفَعون) روايته هكذا بالتشديد وضم الياء أَوْلى؛ لأنَّ التَّشْفيع يدلُّ على الشَّفاعة، ولو رُوِي: فيَشْفَعون، لاحتاج إلى لفظ التشفيع، وفي اللفظ الآخر: (فيَشْفَعون لمن أرادوا) ها هنا بهذا اللفظ أولى؛ لما تبعه من قوله: (لمن أرادوا). وقوله (لا يَقْدِرُ عليَّ) ذكر بعضُ الأَئِمَّةِ (٣) أنَّ معناه: ولا يُضَيِّقُ عليه في الحساب، ولا يُناقِشُنيه، كأنَّه من قول الله - تعالى -: ﴿فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ﴾ [الفجر: ١٦] ومعناه: أنه حين لم يعمل خيرًا قط ظنَّ أنَّ هذه الوصيَّةَ في حق نفسه تُكَفِّرُ تفريطه في حال حياته، يَدُلُّ عليه قوله حين سُئِل: (هل عَمِلْتَ خيرًا قط؟ (٤) فقال: لا، غير أني أمَرْتُ ولدي) وليس كما يقولُ بعض الناس: إنه لم يُوقِن (٥) بالبعث بعد الموت، بل من إيمانه بالبعث وخوفه على نفسه يوم القيامة أمر ولده بهذا. ولَفْظةُ الضَّحِكِ قد ثبتت بروايات شتى في الصحاح، تُجْرَى على ظاهرها، فإِيَّاكَ أَنْ تَسْتقبلها بإنكار أو تأويل؛ إذ لنا في هؤلاء الأئمة الذين رووها أُسْوة، والله أعلم. * * *
следующие страницы →