← Книги сунны

Книги сунны · id 30195

الطوالات - لأبي موسى المديني

أبو موسى المديني

Полный текст (962 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

وفيه: فلما قَدِم صرارًا [أمر] (١) ببقرة فذُبِحَتْ، وقال غيره: ببعير (٢). ومنهم من قال في حديث التزويج: فقال لي: «أصبت»، وقال بعضهم: ولم يَقُل لي: أحسنت، ولا أسأت (٣). وكذلك اختلفوا في عدد أخَواتِ جابر ﵁ فقيل: سبع، وقيل: تسع (٤). ومنهم من قال: وشرط لي ظَهْرَه، وقال بعضُهم: وشرَطْتُ ظهره، وهذا قريب في غير ذلك من الاختلاف.

стр. 492

ومع هذا كله يُؤيّد رواية بعضهم رواية الآخرين في صِحَّةِ أصل الحديث، وإن اختلفت ألفاظهم فيه. وهذا حديث كبير، ذو معاني كثيرة، وفوائد جمة، يزيد عددها على الثلاثين لو استقصي استخراجه (١). ويتعلق ببعير جابر ﵁ أشياء، منها: معجزةُ النَّبيِّ ﷺ أنه كان يرى في الظلمة ما لا يراه غيره، ومنها: نَخْسُه إِيَّاه بالقَضِيب، فصار بعد أن كان قطوفًا بحيثُ يَكُفُّه عن مسابقة أصحابه، ومنها: ١٣٥ - ما أخبرنا أبو علي الحداد ﵀، قال: حدثنا أبو نعيم الحافظ، قال: حدثنا سليمانُ بنُ أحمدَ الطَّبَراني، قال: حدثنا أحمد بن محمَّدِ بنِ المُسَيَّبِ بنِ طعمة الحلبي، قال: حدثنا أبو نُعَيم عُبَيدُ بنُ هِشَامٍ الحلبي. قال سليمان: وحدثنا عَبْدانُ بنُ أحمد قال: قرأتُ على أبي نعيم عُبيد بن هشام، قال: حدثنا عطاء بن مسلم الخَفَّافُ، عن سفيان الثوري، عن سلمة بن كهيل، عن أبي الزبير (٢)، عن جابر ﵁ قال: انصرفنا من تبوك، فمَرَّ بي رسول الله ﷺ وبعيري قد برَكَ بالليل، وأنا أَحُطُّ عنه متاعه، فقال: «من هذا؟» فقلتُ: جابر، فقال: ما لَك؟ قلتُ: جملي قد قام، وأنا أحط عنه متاعه، فقال: «اُرْدُدْ عليه متاعَه» فردَدْتُ عليه متاعه، فجاء النَّبِيُّ ﷺ فنخَسَه، فقام، فجعلتُ لا أَضْبطه. فقال: «يا جابر، تزوَّجْتَ؟» قلت: نعم، قال: «تزوَّجتَ بِكْرًا أم ثَيِّبًا؟» قلتُ: ثَيِّبًا، قال: «فهَلًا بِكْرًا تُلاعِبُها وتُلاعِبُكَ، يا جابر، تَقْدَمُ المدينة فتَحُطُّ

стр. 493

عنك ثيابك، وتنام على فِراشِكَ» قلتُ: والذي بعثك بالحق، ما لنا فراش ننام عليه، وما هو إلا ما قلتُ، الرَّمَلُ نرش عليه الماء وننام عليه. قال جابر ﵁: فكبر الجَمَلُ عندي، فأتيتُ به عمر بن الخطاب ﵁، فقلت: هل لك في شيخ شَهِدَ بَدْرًا والحُدَيبِيةَ؟ فقال: جئ به، فجِئْتُ به، فبعث به إلى إبل الصدقة، فقال: أَرْعِياه في طَيِّبِ المَرْعى، فإذا مات فاحتفروا له حفرةً، فادفنوه (١) فيها (٢). قال الطبراني: لم يروه عن سفيان إلا عطاء. والرَّمَل: السَّرير، كذا رواه الطبراني، الرَّمَل بفتح الميم، وجعله بمعنى المرمول، أي: سريرًا مَرْمولًا بالشريط. ورواه غيره عن عبدان فخالفه فيه: ١٣٥ م - ما أخبرنا به غانم بن الفضلِ القَصَّارُ (٣) حمله بقراءتي عليه، قال: أخبرنا أحمد بن الفضل المقرئ في كتابه، قال: أخبرنا محمد بن علي أبو بكر الأشنانيُّ، قال: أخبرنا أبو سليمان محمد بن الحسين الحَرَّاني، قال: حدثنا عبدان بالحديث نحوه، إلا أنه قال: ما لَنا فِراش ننام عليه، ولكن أرضنا رَمْلَةٌ (٤) نرش عليها الماء، ثم ننام عليها.

стр. 494

وقال في آخره: قال عطاء: فعُمر بن الخطاب ﵁ يحفظ لبعير شهد بدرًا، فهو لأمَّة محمد ﷺ أحفظ وأحفظ (١). وفي شهود جابر بدرًا كلام بين العلماء (٢). وقوله (جملي قد قام) أي: وقف. وقوله (فنخسه فقام) أي: قام من البروك. وقوله (أَرْعِياه): من عادة العرب مخاطبة الواحد والجمع في بعض الأحوال بالتثنية؛ لأنَّ غالب ما يكون لهم في أعمالهم اثنان يدلُّ عليه قوله - تعالى -: ﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ﴾ [ق: ٢٤]. وقوله (إِنَّ جملي ظلع عليَّ) بالظَّاء - في الإملاء الذي قبله (٣) - أي: غمز من رجله (٤). وقوله «ما لَكَ مُتَخلّفًا؟» نصب بالفعل، كقوله تعالى: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾ [النساء: ٨٨] (٥). وقوله (قد رَزَمَ) أي: ضَعُفَ، وأَعْيا، ورَزَح (٦) وقوله (يُقَدِّمُ الإِبلَ) أي: يَتَقدَّمُها، كما قال ﷻ : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا﴾ [الحجرات: ١] أي: لا تتقدموا.

стр. 495

ومن حديث جعفر بن أبي طالب ﵁ - ١٣٦ - أخبرنا أبو غالب أحمد بن الحسن بن أحمد بن عبد الله بن البناء رحمة الله بمدينة السلام ببغداد، قال: أخبرنا أبو محمَّد الحسن بن علي الجوهري، ح. وأخبرنا أبو علي الحداد رحمة الله سنة خمس وخمس مئة، قال: أخبرنا أبو نُعيم أحمد بن عبد الله إجازة. قالا: حدثنا أبو بكر أحمد بن جعفر بن حمدان بن مالك، قال: حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، قال: حدثني أبي ﵀، قال: حدثنا يعقوب - يعني: ابن إبراهيم بن سَعْدٍ ـ، قال: حدثنا أبي، عن محمد بن إسحاق، قال: حدثني محمد بن مسلم بن عُبَيدِ الله بن شهاب، عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي، عن أم سلمة ابنة أبي أمية (١) بن المغيرة زوج النبي ﷺ ورضي عنها، قالت: لما نزَلْنا أرض الحبشة جاوَرْنا بها خير جارٍ النجاشي أَمِنَّا على ديننا، وعبدنا الله - تعالى ـ، لا نُؤْذَى، ولا نَسْمَعُ شيئًا نَكْرَهُه، فلما بلغ ذلك قريشًا التمروا أَنْ يَبْعَثُوا إلى النجاشي فينا رجليْن جَلْدَين، وأَنْ يُهْدُوا لِلنَّجاشي (٢) هدايا مما يُسْتَطْرَفُ مِنْ متاع مكَّةَ، وكان من أعجب ما يأتيه منها إليه الأَدَمُ، فجمعوا له أَدَمًا كثيرًا، ولم يتركوا من بطارقته بطريقًا إلا أَهْدَوا له هديَّةٌ، ثم بعثوا بذلك عبد الله بن أبي ربيعة بن المغيرةِ المَخْزومي، وعَمْرو بن العاص بن وائل السهمي، وأمروهما أمرهم، وقالوا لهما: ادفعوا إلى كلِّ بطريق هديَّته قبل أن تُكلموا النجاشي فيهم، ثم قدموا إلى النجاشي هداياه، ثم سَلُوه أَنْ يُسْلِمَهُم إليكم قبلَ أَنْ يُكَلِّمَهُم.

стр. 496

قالت: فخرجا، فقدما على النجاشي ونحن عنده بخير دار، وعند خير جار، فلم يَبْقَ من بطارقته بطريق إلا دفعا إليه هديته قبلَ أَنْ يُكَلِّما النجاشي، ثم قالا لكلِّ بطريق منهم: إنه قد صبا إلى بلد الملكِ مِنَّا غِلْمَانٌ سفهاءُ، فَارَقُوا دِينَ قومهم، ولم يَدْخُلُوا في دينكم، وجاؤوا بدين مُبتدع لا نعرفه نحن ولا أنتم، وقد بعثنا إلى الملكِ فيهم أشراف قومِهم لِيَرُدَّهُم إليهم، فإذا كلَّمْنا الملك فيهم فأشيروا عليه بأَنْ يُسْلِمَهُم إلينا ولا يُكَلِّمَهُم، فإِنَّ قومَهُم أَعْلَى بهم عَيْنًا (١) وأعلم بما عابوا (٢) عليهم، فقالوا لهما: نعم. ثم إنهما قربا هداياهم إلى النجاشي، فقبلها منهما (٣)، ثم كلماه فقالا له: أيُّها الملكُ، إنه قد صبا إلى بلدِكَ مِنَّا غِلْمَانٌ سفهاء، فارقوا دين قومهم، ولم يدخلوا في دينك، وجاؤوا بدين مُبْتَدَع لا نَعْرِفُه نحن ولا أنت، وقد بعثنا إليك فيهم أشراف قومهم من آبائهم وأعمامهم وعشائرهم لِتَرُدَّهُم إليهم، فهم أَعْلَى بهم عَيْنًا، وأعلم بما عابوا عليهم وعاتبوهم فيه. قالت: ولم يكن شيء أبغض إلى عبد الله بن أبي ربيعة، وعَمْرِو بنِ العاص من أن يسمع النجاشي كلامهم. فقالت بطارقته حوله: صدقوا أيها الملك، قومهم (٤) أَعْلَى بهم عَيْنًا، وأعلم بما عابوا عليهم، فأَسْلِمْهُم إليهما فَلْيَرُدَّاهم إلى بلادهم وقومهم. قال: فغَضِبَ النَّجاشي، ثم قال: لا ها أَيْمُ الله إذا (٥)، لا أُسْلِمُهم إليهما، ولا أكاد قومًا جاوَرُوني، ونزلوا بلادي، واختاروني على من سواي، حتى أَدْعُوَهم فأسأَلَهُم ما يقول هذان في أمرهم، فإن كانوا كما يقولان، أسلَمْتُهم إليهما، وردَدْتُهم إلى قومهم، وإن كانوا على غير ذلك، منَعْتُهم منهما، وأحسنْتُ جوارَهُم ما جاوَرُوني.

стр. 497

قالت: ثم أرسل إلى أصحاب رسول الله ﷺ ، فدعاهم، فلما جاءَهُم رسوله اجتمعوا، ثم قال بعضُهم لبعض: ما تقولون للرَّجُلِ إِذا جِئْتُموه؟ قالوا: نقول - والله - ما علمنا، وما أمرنا به نبينا ﷺ ، كائن في ذلك ما هو كائن. فلما جاؤوه - وقد دعا النجاشي أساقفته، فنشروا مصاحفَهم حوله - سألهم فقال: ما هذا الدِّينُ الذي فارَقْتُم فيه قومَكُم، ولم تَدْخُلُوا في ديني، ولا في دين أحَدٍ مِنْ هذه الأمم؟ قالت: وكان الذي كلمه جعفر بن أبي طالب ﵁، فقال له: أيها الملك، كُنَّا قومًا أهل جاهلية، نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونَقْطَعُ الأرحام، ونُسِيءُ الجِوار، ويَأْكُل القوي مِنَّا الضعيف، فكُنَّا على ذلك، حتى بعث الله - تعالى - إلينا رسولًا مِنَّا نَعْرِفُ نسبه وصِدْقَه وأمانته وعفافه، ودعانا إلى الله لِنُوحْدَه، وَنَعْبُدَه، وَنَخْلَعَ ما كُنَّا نَعْبُد وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث وأداء الأمانة، وصِلَةِ الرَّحِم، وحُسْنِ الجِوار، والكَفَّ عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش، وقَوْلِ الزُّور، وأَكْلِ (١) مال اليتيم، وقَذْفِ المُحْصَنَةِ، وأمرنا أَنْ نَعبُدَ الله - تعالى - لا نُشْرِك به شيئًا، وأمرنا بالصَّلاةِ والزَّكاةِ والصيام - قالت: فعدَّدَ عليه أمور الإسلام - فصدقناه، وآمَنَّا به، واتَّبَعْناه على ما جاء به، فعبدنا الله - تعالى - وحده، فلم نُشْرِكْ به شيئًا، وحرمنا ما حرم الله علينا، وأَحْلَلْنا ما أحَلَّه لنا، فعَدا علينا قومنا، فعذَّبُونا، وفتَنُونا عن ديننا، ليردُّونا إلى عبادة الأوثان من عبادة الله - تعالى -، وأَنْ نَسْتَحِلَّ مَا كُنَّا نَسْتَحِلُّ من الخبائث، فلما قهَرُونا وظلَمُونا، وشَقُّوا علينا، وحالوا بيننا وبين ديننا، خرجنا (٢) إلى بلدك، واخترناك على مَنْ سِواك، ورَغِبْنا في جوارك، ورجَوْنا أَنْ لا نُظْلَمَ عندك، أيُّها الملك. قالت: فقال له النجاشي: هل معك مما جاء به عن الله من شيء؟ قالت: فقال له جعفر: نعم، فقال له النجاشي: فاقْرَهُ (٣) عليَّ، قالت: فقرًا

стр. 498

عليه صَدْرًا من ﴿كهيعص﴾ [مريم: ١] قالت: فبكى - والله - النجاشي حتى أَخْضلَ لحيته، وبكَتْ أساقِفَتُه حتى أَخْضَلُوا مصاحِفَهُم حين سمعوا ما تلا عليهم، ثم قال النجاشي: إنَّ هذا والذي جاء به موسى ﵇ َيَخْرُج مِنْ مِشْكاة واحدة، انْطَلِقا، فوالله -ا أُسْلِمُهم إليكما أبدًا، ولا أكاد. قالت أم سلمة ﵂: فلما خرجا من عنده، قال عَمْرُو بن العاص: والله لأُنْبِئنَّه غدًا عَيْبَهم عنده، ثم أَسْتأصِلُ به خَضْراءَهُم، قالت: فقال له عبد الله بن أبي ربيعة - وكان أَتْقَى الرَّجُلين فينا -: لا تَفْعل؛ فإنَّ لهم أرحامًا وإن كانوا قد خالفونا، قال: والله -أُخْبِرَنَّه أنهم يزعمون أنَّ عيسى ابن مريم عبد، قالت: ثم غدا عليه الغَدُ، فقال له: أيُّها الملك، إنهم يقولون في عيسى ابن مريم ﵇ قولًا عظيمًا! فَأَرْسِلْ إليهم فسلهم عما يقولون فيه، قالت: فأرسل إليهم يسألهم عنه، قالت: ولم يَنْزِلْ بنا مِثْلُها، فاجتمع القوم، فقال بعضُهم لبعض: ماذا تقولون في عيسى إذا سألكم عنه؟ قالوا: نقول - والله - فيه ما قال الله وما جاء به نبينا ﷺ ، كائنًا في ذلك ما هو كائن. فلما دخلوا عليه، قال لهم: ما تقولون في عيسى ابن مريم؟ فقال له جعفر بن أبي طالب ﵁: نقول فيه الذي جاء به نبينا، هو عبد الله ورسوله وروحه وكلمته، ألقاها إلى مريم العذراء البتول، قالت: فضربَ النَّجاشي بيده إلى الأرض، فأخذ منها عودًا (١)، ثم قال: ما عدا عيسى ابن مريم ما قلت هذا العود، فتناخَرَتْ بطارِقتُه حوله حين قال ما قال، فقال (٢): وإِنْ نَخَرْتُم والله، اِذْهَبوا فأنتم سُيُومٌ بأرضي - والسُّيوم: الآمنون - مَنْ سبَّكم غُرِّم (٣)، ثم مَنْ سَبَّكُم غُرِّم، ثم مَنْ سَبَّكُم غُرِّم، ما أُحِبُّ أَنَّ لي دَبْرًا ذهبًا وأني آذَيْتُ رجلًا منكم - والدبر بلسان الحبش: الجبل - رُدُّوا عليهما هداياهما، فلا حاجة لنا بها، فوالله ما أخذ الله مِنِّي الرِّشْوة حين رَدَّ عليَّ مُلْكي فأخُذَ الرّشوة فيه، وما أطاعَ النَّاسَ في فَأُطِيعَهُم فيه.

стр. 499

قالت: فخرجا من عنده مقبوحَيْن، مردودًا عليهما (١) ما جاءا به، وأقمنا عنده بخير دار، مع خير جارٍ. قالت: فوالله إنا على ذلك إِذْ نزلَ به، يعني مَنْ يُنازِعُه في مُلْكِه، قالت: فوالله ما علمنا حربًا قطُّ كان أشدَّ مِنْ حرب حربناه (٢) عند ذلك؛ تخوفًا أن يظهر ذلك على النجاشي، فيأتي رجلٌ (٣) لا يَعْرِفُ مِنْ حقنا ما كان النجاشي يَعْرِف منه. قالت: وسار النجاشي، وبينهما عَرْض النيل، قالت: فقال أصحاب رسول الله ﷺ : من رجلٌ يخرج حتى يَحْضُرَ وَقْعَةَ القومِ، ثم يأتينا بالخبر؟ قالت: فقال الزبير بن العوام ﵁: أنا، قالت: وكان من أحدث القومِ سنًّا، قالت: فنفَخُوا له قِرْبةً، فجعلَها في صَدْرِه، ثم سَبَحَ عليها حتى خرج إلى ناحية النيل التي بها مُلْتَقَى القوم، ثم انطلق حتى حضرهم، قالت: ودعونا الله - تعالى - للنجاشي بالظهور على عدوه، والتمكين له في بلاده، قالت: فوالله، إِنَّا على ذلك لَمُتَوفِّعُون لما هو كائن إِذْ طَلَعَ الزبير ﵁ ويُلِيحُ بثوبه (٤)، ويقول: أبشروا؛ فقد ظهر النجاشي، وأهلك الله عدوَّه، قال: فوالله ما علمنا فرِحْنا فَرْحةً قطُّ مِثْلَها، قالت: فرجع النجاشي وقد أهلك الله عدوه، ومكن له في بلاده (٥)، واستَوْسَقَ عليه أمرُ الحبشة، فكُنَّا عنده في خير منزل، حتى قَدِمْنا.

стр. 500

على رسول الله ﷺ وهو بمكة (١). * * * ١٣٧ - أخبرنا أبو علي الحداد - تخلله -، قال: حدثنا أبو نُعيم الحافظ، ح. وأخبرنا أبو غالب الكُوشِيذِيُّ، قال: أخبرنا أبو بكر بن ريده. قالا: حدثنا سليمان بن أحمد، قال: حدثنا جعفر الفريابي، قال: حدثنا سليمان بن عبد الرحمن الدِّمَشْقِيُّ، قال: حدثنا عبد الرحمن بنُ بَشِيرٍ. قال سليمان: وحدثنا أحمدُ بنُ عبدِ الله البَرْقِيُّ، قال: حدثنا عبد الملك بن هشام، قال: حدثنا زياد البكائي (٢). قال أبو نُعيم: وحدثنا حبيب بن الحسن، قال: حدثنا محمد بن يحيى المَرْوَزِيُّ، قال: حدثنا أحمدُ بنُ محمَّدِ بنِ أَيُّوبَ، قال: حدثنا إبراهيم بن سَعْدٍ. جميعًا عن محمد بن إسحاق، عن الزهري، عن أبي بكر بن

стр. 501

عبد الرحمن، عن أم سلمة، عن جعفر بن أبي طالب ﵄ أَنَّ النَّجاشي (١) سأله: ما دينكم؟ قال: بُعِثَ فينا رسولٌ، وذكر بعض ما تقدَّم، مختصر (٢). وهذا الحديث لم يُوصِلْه (٣) إلا ابن إسحاق، وأرسله يونس ومَعْمَرٌ وغيرهما، عن الزهري. ورواه عبد الله بن إدريس، عن ابن إسحاق، عن الزهري، عن أبي بكر بن عبد الرحمن، وعُرْوَةَ، وعُبَيدِ الله بنِ عبد الله بنِ عُتْبَةَ، عن أم سلمة ﵂ (٤). وروى هذا الحديث أيضًا: أبو بردة بن أبي موسى، عن أبيه (٥). وعبد الله بن جعفر، عن أبيه (٦). ورواه محمَّدُ بنُ شُعَيبِ بن شابور، عن عثمان بن عطاء، [عن أبيه]، عن

стр. 502

عكرمة، عن ابن عباس ﵄ بطوله (١). ورُوِي مِنْ حديث عَمْرِو بن العاص أيضًا (٢). وهو من مسند جعفر، وإِنْ كان الظَّاهِرُ من الحديث الأوَّلِ أنه حديث أمّ سلمة ﵂، وكذلك أورده الإمام أحمد بن حنبل الله في مسند جعفر. وقوله (قومهم أَعْلَى بهم عَيْنًا) أي: أبصر بهم، وأَنْفُذُ بصيرة فيهم. وقوله (لا ها أَيْمُ الله إذا) أَيْمُ الله: قسَمٌ، والمشهور في هذا: لا ها الله إذًا، وأهلُ اللُّغةِ يقولون: إنَّ الصَّواب: لا ها الله ذا، بغير ألف قبل الذال، قالوا: والهاء بدل من واو القسم، أي: لا والله لا يكون ذا، وقيل: بل أصله: والله لا الأمر هذا، فحذفت واو القسم، وقُدِّمَتْ ها، فصارَتْ عِوَضًا من الواو، فقيل: ها الله ذا، يعني: بنَصْب الهاء من: الله؛ لأنه إذا حذَفْتَ حرف القسَمِ نصَبْتَ هاء: الله. وقوله (٣) (ما جاوَرُوني) ما: لِلمُدَّة، أي: ما داموا مجاورين لي. وقوله (أيها الملك) ها: للتنبيه، وهي تلازم أيًا في النداء؛ لأنَّ الأصل في أي أن تكون مُضافة إلى استفهام وخبر، فأُقِيمَتْ ها مُقامَ الإضافة، ورُفِعَ (أي) لأنه مُنادَى مُفْرد، ولغةُ بعضهم: أَيُّهَ، برفع الهاء، وعليها قرأ ابنُ عامر (٤).

стр. 503

وقوله (فاقْرَهُ) يجوز أن يكون خفَّف الهمزة، فتكون الهاء على هذا مضمومة مفعولًا به في موضع النَّصْب، ويجوز أن تكون الهاء (١) بدلًا من الهمزة، أي: فاقرأ عليَّ، فعلى هذا تكون ساكنةً. و (أَخْضل لحيته) بَلَّها، واخْضَلَّ أي: ابتَل. وقوله (يخرج من مشكاة واحدة) لو كان يخرجان، لكان صحيحًا إلا أنه لما عُرِف أنَّ الذي أُنْزِل على موسى ﵇ والذي أُنزل على نبينا ﷺ كلام إله واحد، جعلهما شيئًا واحدًا، أي: تكلم بهذا الذي تكلم بذاك. وقوله (ولا أكاد) أي: لا أُسْلِمُهم، ولا أَقْرُب مِنْ أَنْ أُسْلِمَهُم. وقوله (لأُنْبِئنَّه غدًا عَيْبَهم عنده) كذا في هذه الرواية، وكأنه وقع فيه وهم أو تصحيف، ولو كان عندهم، بدلًا من عنده لكان أصوب، أي: لأنبئنه بعيبهم بحضرتهم؛ ليكون أكد في الحُجَّةِ عليهم. وقوله (أَسْتأصل (٢) به خَضْراءَهُم) أي: أُزِيلُ عنهم ما هم فيه من النعيم والخضب. وقوله (أَتْقَى الرَّجُلين) يُرْوَى: أَبْقى بالباء المنقوطة بواحدة، أي: أكثر إبقاء على قومه. وقوله (فتناخَرَتْ بطارِقَتُه) أَصْلُ النَّخِير: صوت يخرج من الأنف، وفي حديث آخر عن النجاشي أيضًا: «نَخُروا» (٣) أي: تكَلَّموا، ولعلَّ هذا أُخِذَ منه.

стр. 504

وقوله (ثم مَنْ سبَّكُم غُرّم) (١) يعني: ثم قال ذلك مرارًا. وقوله (ما علمنا حربًا قط كان أشدَّ مِنْ حرب حربناه) (٢) في غير هذه الرواية: «ما علمنا حُزْنًا قطُّ كان أَشَدَّ مِنْ حُزْنٍ حَزِنَّاه» وكأَنَّه الصَّوابُ. وقوله (قَدِمْنا على رسول الله ﷺ وهو بمكَّةَ) كذا في هذه الرواية، والصحيح المشهور أنَّ جَعْفرًا ﵁ قَدِم عند فتح خيبر، فالله - تعالى - أعلم. واسم النجاشي أضحمة (٣) - وقيل: الأَصْحَمُ - بنُ بُجْرَى، وكان له ابن يُسَمَّى: أُرْمَى بنَ الأَصْحَم، بعثه إلى رسول الله ﷺ فمات في الطريق. وقيل: إِنَّ الرَّجُلَ الذي بُعِثَ مع عَمْرِو بن العاص: عمارة بن الوليد. ١٣٨ - أخبرنا بذلك أبو غالب الكُوشِيذيُّ، قال: أخبرنا أبو بكر بنُ رِيدَه، قال: أخبرنا أبو القاسم الطبراني، قال: حدثنا محمَّدُ بنُ عبدِ الرَّحيم الدِّيباجي التُّسْتَرِيُّ قال: حدثنا محمَّدُ بنُ آدمَ المصيصي - واللفظ له ـ، ح. قال سليمان: وحدثنا محمَّدُ بنُ عبدِ الله الحضرمي، وعبد الرحمن بن سلم الرازي، قالا: حدثنا أبو كريب. قالا: حدثنا أسَدُ بنُ عَمْرٍو الكوفي، قال: حدثنا مُجالِدُ بن سعيد، عن الشَّعْبي، عن عبد الله بن جعفر، عن أبيه ﵄ قال: بعثَتْ قريش عَمْرَو بْنَ العاص، وعُمارة بن الوليد بهديَّةٍ مِنْ أبي سفيان إلى النجاشي، فقالوا - ونحن

стр. 505

عنده -: قد جاء إليك ناس من سِفْلَتِنا وسُفَهائِنا فادفَعْهُم إليهم، قال: لا، حتى أسمع كلامهم، وذكر نحوه. إلى أَنْ قال: فأَمَرَ مُنادِيًا فنادى: مَنْ أذى أحدًا منهم فأَغْرِموه أربعة دراهم، ثم قال: يكفيكم؟ قلنا: لا، فأَضْعَفها. فلما هاجر رسول الله ﷺ إلى المدينة وظهر بها، قلنا له: إنَّ صاحِبَنا قد خرج إلى المدينة وظهر بها وهاجر، وقُتِل الذين كُنَّا حَدَّثْناكَ عنهم، وقد أرَدْنا الرَّحِيل إليه، فزَوِّدْنا، قال: نعم، فحملنا وزَوَّدَنا وأعطانا، ثم قال: أَخْبِرْ صاحبك بما صنَعْتُ إليكم، وهذا رسولي معك، وأنا أَشْهَدُ أنْ لا إله إلا الله، وأنه رسول الله، فقُل له: يستغفر (١) لي. قال جعفر ﵁: فخرجنا حتى (٢) أتَيْنا المدينة، فتلقاني رسول الله ﷺ فاعتنقني، فقال: «ما أدري أنا بفتح خيبر أفرحُ، أو بقدوم جعفر» ثم جلس، فقام رسولُ النَّجاشي فقال: هو ذا جعفر، فسله ما صنع به صاحبنا، فقلت: نعم - يعني: وذكَرْتُه له - فقام رسول الله ﷺ فتوضأ، ثم دعا ثلاث مرات: «اللهمَّ اغْفِرْ لِلنَّجاشي» فقال المسلمون: آمين. قال جعفر ﵁: فقلتُ للرَّسول: انْطَلِقْ فَأَخْبِرْ صاحبَكَ ما رأيتَ منَ النبي ﷺ (٣). * * * ١٣٩ - أخبرنا أبو علي الحداد ﵀، قال: حدثنا أبو نعيم الحافظ، قال: حدثنا محمَّدُ بنُ عليّ، قال: حدثنا الحسين بن محمَّدِ بنِ مَوْدُودٍ.

стр. 506

الحَرَّانيُّ، قال: حدثنا محمَّدُ بنُ بَشَّارٍ، قال: حدثنا معاذ بن معاذ، ح. وأخبرنا أبو الفتح محمَّدُ بنُ عبدِ الله الخِرَقيُّ إِذْنًا، قال: أخبرنا أبو نُعَيمٍ إجازة، قال: حدثنا عبد الله بن محمَّدٍ، قال: حدثنا محمد بن العباس بن أيُّوبَ، قال: حدثنا أحمد بن إبراهيمَ الدَّوْرَقِيُّ، قال: حدثنا ابن أبي عَدِيٍّ - واللفظ له. قالا: عن ابنِ عَوْنٍ، عن عُمَيْرِ بن إسحاقَ، أَنَّ جعفر بن أبي طالب ﵁ قال: يا رسول الله، ائذَنْ لي حتى أَصِيرَ إلى أرض أَعْبُدُ الله - تعالى - فيها لا أخافُ أحدًا، قال: فأَذِنَ له، فأتى النَّجاشِيَّ. قال عُمَيرُ: فحدَّثنا عَمْرُو بن العاص ﵁ قال: لما رأيتُ جعفر بن أبي طالب ﵁ آمنًا بها هو وأصحابه حسَدْتُه، فأتيتُ النَّجاشي، قلتُ: إِنَّ بِأَرْضِكَ رجلًا ابن عمه بأرضنا يَزْعُم أنَّه ليس للنَّاس إلا إله واحد، وإِنَّكَ - والله - لَئِنْ لم تقتله وأصحابه لا أقطع إليك هذه النُّطْفةَ (١) أبدًا ولا أحد (٢) من أصحابي، قال: اذهب إليه فادْعُه، قلت: إنه لا يَجِيءُ معي، قال: فأَرْسِلْ معي، قال: فأرسل معي (٣) رسولًا، فأتَيْناه وهو بين ظَهْرَيْ أصحابه يُحدِّثهم، قال له: أَجِبْ، فلما أتَيْنا الباب نادَيْتُ: ائذَنْ لِعَمْرِو بن العاص، ونادى جعفر: ائذَنْ لحزب الله، فسمع صوته فأَذِنَ له قَبْلِي، وذكر الحديث (٤) بمعنى ما تقدم.

стр. 507

وهذا حديث رواه جماعة عن ابنِ عَوْنٍ. * * * ١٤٠ - أخبرنا أبو علي الحداد ﵀، قال: حدثنا أبو طاهر بن عبد الرحيم، قال: حدثنا عبد الله بن محمد أبو الشَّيْخ، قال: حدثنا أبو عبد الله محمدُ بنُ الحُسَين (١) الطَّبْرَكِيُّ، قال: حدثنا محمَّدُ بنُ عيسى الدامغاني، قال: حدثنا سلمة بن الفضل، عن محمَّد بن إسحاق، عن الزُّهْرِيِّ قال: فَحَدَّثْتُ عُروة بن الزبير حديث أبي بكر بنِ عبدِ الرَّحمنِ، عن أم سلمة ﵂ زَوْجٍ النَّبيِّ ﷺ يعني: حديث النجاشي - فقال لي: هل تدري ما قوله: ما أخذ الله تعالى - مِنِّي الرشوة حين رَدَّ عليَّ مُلْكي فأخُذَ الرّشوة فيه، وما أطاع الناس في فأُطِيعَ النَّاسَ فيه؟ قال: قلتُ: لا، قال: فإنَّ عائشةَ أَمَّ المؤمنين (٢) ﵂ حدثتني أنَّ أباه كان مَلِكَ قومه، ولم يكن له ولد إلا النَّجاشِيَّ، وكان لِلنَّجاشي عمّ، له مِنْ صُلْبِه اثنا عشر رجلًا، وكانوا أهل بيت مملكة الحبشة، فقالت الحبشة بينها: لو أنا قتلنا أبا النجاشي وملكنا أخاه؛ فإنه لا ولد له غير هذا الغلام، وإنَّ لأخيه مِنْ صُلْبِه اثني عشر رجلًا، فتوارثوا مُلْكَه من بعده، فبقِيَتْ الحبشة بعده دهرًا، فعَدَوْا على أبي النجاشي فقتلوه، وملكوا أخاه، فمكثوا على ذلك حينًا.

стр. 508

ونشأ النجاشي مع عمه، وكان لبيبًا حازمًا من الرجال، فغلب على أمر عمه، ونزل منه بكلِّ منزلةٍ، فلما رأت الحبشة مكانه منه قالت بينها: والله لقد غلَبَ هذا الفتى على أمر عمّه، وإنا لنتخَوَّفُ أن يُمَلّكَه، وَلَئِنْ ملَّكه علينا لَيَقْتُلُنا أجمعين، لقد عرَفَ أنَّا نحن قتَلنا أباه، فمشَوْا إلى عمه، فقالوا له: إما أَنْ تقتل هذا الفتى، وإما أَنْ تُخْرِجَه مِنْ بين أَظْهُرِنا؛ فإِنَّا قد خِفْناه على أنفسنا، قال: وَيْلَكُم! قتَلْتُم أباه بالأمس، وأقتله اليوم! بل أخرجوه من بلادكم. قالت: فخرجوا به إلى السوق، فباعوه من رجلٍ مِنْ التَّجَارِ بست مئةِ درهم، ثم قذفه في سفينة فانطلق به، حتى إذا كان العَشِيُّ من ذلك اليوم، هاجَتْ سحابة من سحاب الخريف، فخرج عمُّه يَسْتمطر تحتها، فأصابته صاعقةٌ فقتلته، ففَزِعَتْ الحبشة إلى ولده، فإذا هم حَمْقَى، ليس في ولده خير، فمرج على الحبشة أمرُهم، فلما ضاق عليهم ما هم فيه من ذلك، قال بعضُهم لبعض: تعلمون - والله - أَنَّ مَلِكَكُم الذي لا يُقِيمُ أَمْرَكُم غيرُه لَلَّذِي بِعْتُم غُدُوةً، فإن كان لكم بأمر الحبشة حاجة فأدركوه. قالت: فخرجوا في طلبه وطلَبِ الرَّجُلِ الذي باعوه منه، حتى أدركوه، فأخذوه منه، ثم جاؤوا به فعقدوا عليه التَّاجَ، وأقعَدُوه على سرير المُلْكِ، وملكوه، فجاءهم التاجرُ الذي كان باعوه منه (١)، فقال لهم: إما أَنْ تُعطوني مالي، وإما أَنْ أُكَلِّمَه في ذلك، فقالوا: لا نُعْطِيكَ شيئًا، قال: إذًا - والله - لأُكَلِّمَنَّه، قالوا: فدونك. قالت: فجاءه، فجلس بين يديه، فقال: أيُّها الملك، ابتعتُ غلامًا من قوم بالسوق بست مئة درهم، فأَسْلَموا إليَّ غلامي، وأخذوا دراهمي، حتى إذا سِرْتُ بغلامي أدرَكُوني فأخذوا غلامي، ومنعوني دراهمي، قالت: فقال لهم النجاشي: لَتُعطُنَّه دراهمَه، أو لَتُسْلِمُنَّ غلامه في يده فليذهبَنَّ به حيث يشاء، قالوا: بل نُعطيه دراهمَه قالت: فلذلك يقول: ما أخذ الله - تعالى - مِنِّي

стр. 509

الرِّشْوة حين (١) رَدَّ عليَّ مُلْكي فأخُذَ الرِّشْوة فيه، وما أطاعَ النَّاسَ فِيَّ فَأُطِيعَ النَّاسَ فيه. قالت: وكان ذلك أوَّلَ ما خُبِر مِنْ صَلابته في دينه، وعَدْلِه في حُكْمِه (٢). * * * ١٤١ - وبهذا الإسناد، عن محمد بن إسحاق، عن يزيد بن رومان، عن عروة، عن عائشة ﵂ قالت: لما ماتَ النَّجاشِيُّ كُنَّا نَتَحدَّثُ أَنه لا يَزالُ يُرَى على قبره نور (٣). * * * ١٤٢ - أخبرنا أبو الفتح محمَّد بن عبد الله الخرقي ﵀ إذنًا، قال: أخبرنا أبو نعيم الحافظ إجازة، قال: حدثنا عبد الله بن محمد بن جعفر، قال: حدثنا أحمد بن سليمان بن أيُّوبَ، قال: حدثنا محمد بن علي بن الحسن بن شَقِيقٍ، قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا ابن المبارك، قال: أخبرني مصعب بن ثابت، قال: حدثنا عامر بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه ﵁ قال: نزل (٤) بالنجاشي عدو من أصحابه، فجاءه المهاجرون فقالوا: إِنَّا نُحِبُّ أن نخرُجَ إليهم حتى نُقاتِلَ معك وتَرى جُرْأَتَنا، ونَجْزِيَك بما صنعت بنا، فقال: لا، ذو ينصره الله - تعالى - خيرٌ من ذو ينصره النَّاس، يريد أن يقول: الذي ينصره الله - تعالى -، خير من الذي ينصره النَّاس، فأبى ذلك عليهم (٥).

стр. 510

قوله (ذو) ها هنا بمعنى الذي، يقال في الواحد والجمع والمذكر والمؤنث على لفظ واحد، لا يتغيَّر في لغةِ طَيِّءٍ (١)، كما قال شاعرهم (٢): فإنَّ الماء ماء أبي وجَدِّي … وبئري ذو حفَرْتُ، وذو طوَيْتُ * * * ١٤٣ - أخبرنا أبو غالبِ الكُوشِيذِيُّ، ومحمد بن أبي القاسم القُرَانيُّ -رحمهما الله- قالا: أخبرنا أبو بكر بنُ رِيدَه، قال: أخبرنا أبو القاسم الطبراني، قال: حدثنا محمَّدُ بنُ زكريا الغلابي، قال: حدثنا عبد الله بن رجاء، قال: حدثنا إسرائيل، ح. قال الطبراني: وحدثنا الحسنُ بنُ عَلُّويَهُ القطَّانُ البغدادي، قال: حدثنا عَبَّادُ بنُ موسى الخُتَليُّ، قال: حدثنا إسماعيل بن جعفر، قال: حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن أبي بُرْدةَ، عن أبيه ﵁ قال: أمرنا رسول الله ﷺ أن نَنْطلِقَ مع جعفر بن أبي طالب إلى أرض النجاشي، فبلغ ذلك قريشًا، فبعثوا عَمْرو بن العاص، وعُمارة بن الوليد، وجمعوا للنجاشي هديَّةً، وقدما على النجاشي، فأتياه بالهدية، فقبلها، وسجدا له. ثم قال عمرو: إنَّ ناسًا مِنْ أرضنا رَغِبوا عن ديننا، وهم في أرضك، فقال لهم النجاشي: في أرضي؟ قالوا: نعم، فبَعَثَ إلينا، فقال لنا جعفر: لا يتكلم منكم أحد، أنا خطيبكم اليوم. فانتهيْتُ إلى النجاشي وهو جالس في مجلس، وعَمْرُو بن العاص عن

стр. 511

يمينه، وعُمارةُ عن يساره، والقسيسين (١) والرُّهْبانُ جلوس (٢) سماطين، وقد قال له عَمْرُو وعُمارة: إنهم لا يَسجدون لك، فلما انتهينا بدَرَنا من عنده من القسيسين والرُّهْبان أَنْ اسجُدُوا لِلْمَلِك، فقال جعفر ﵁: لا نَسْجُد إلا الله - تعالى -. فلما انتهينا إلى النجاشي قال: ما منعك أن تسجد؟ قال: لا نَسْجُد إلا الله - تعالى -، قال له النجاشي: وما ذاك؟ قال: إِنَّ الله بعث فينا رسولًا، وهو الرسولُ الذي بشر عيسى، قال: ﴿يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصف: ٦] فأمرنا أَنْ نَعبُدَ الله - تعالى - ولا نُشْرِكَ به شيئًا، ونُقِيمَ الصَّلاةَ، ونُؤْتِيَ الزَّكاة، وأمرنا بالمعروف، ونهانا عن المنكر، فأَعْجَبَ النَّجاشي قوله، فلما رأى ذلك عَمْرُو قال: أصلح الله - تعالى - الملك، إنَّهم يُخالفونك في ابنِ مريم، فقال النجاشي لجعفر ﵁: ما يقول صاحبكم في ابن مريم؟ قال: يقول فيه قول الله - تعالى -: هو رُوحُ الله وكلِمَتُه، أخرجه من البتول العذراء التي لم يَقْرَبها بشر، ولم يَفْرِضُها ولد (٣). فتناول النجاشي عُودًا من الأرض فرفعه، فقال: يا معشر القسيسين والرُّهْبان، ما يزيد هؤلاء على ما تقولون في ابن مريم ما يَزِنُ هذه، مرحبًا بكم، وبمَنْ جِئْتُم مِنْ عنده، فأنا أشهدُ أنَّه رسولُ الله، وأنه الذي بَشَّر به عيسى ﵇، ولولا ما أنا فيه مِنْ المُلْك لأَتَيْتُه حتى أُقَبِّلَ نعله، أمْكُثوا في أرضي ما شِئْتُم، وأَمَرَ لنا بطعامٍ وكُسْوة، وقال (٤): رُدُّوا على هذَيْن هَدِيَّتَهُما. وكان عَمْرُو بن العاص ﵁ رجلًا قصيرًا، وكان عُمارة رجلًا جميلًا، وكانا أَقْبَلا في البحر إلى النجاشي، فشَرِبوا - ومع عَمْرو امرأته - فلما شَرِبوا

стр. 512

من الخمر، قال عُمارةُ لِعَمرو: مُرْ امرأتَكَ فَلْتُقَبِّلني، فقال له عمرو: ألا تَسْتَحْييني؟! فأخذ عُمارةُ عَمْرًا - يعني - يَرْمي به في البحر، فجعل عَمْرُو يُناشِدُ عمارة حتى أدخله السَّفينة، فحقد عليه عَمْرُو ذلك. فقال عَمْرُو لِلنَّجاشي: إِنَّكَ إِذا خَرَجْتَ خلَفَ (١) عُمارة في أهلِكَ، فدعا النجاشي بِعُمارة، فنُفِخَ في إحليله، فطار مع الوحش (٢).

стр. 513

وذُكر عن موسى بن عُقْبَةَ، عن ابن شهاب قال: فمَكَر عَمْرُو بِعُمارة، وقال: يا عُمارة، إنَّك رجل جميلٌ، فاذهَبْ إلى امرأةِ النجاشي فتحدث عندها إذا خرج زوجها فإنَّ ذلك عَوْنُ لنا في حاجتنا، فراسَلَها عُمارة حتى دخل عليها، فانطلق عَمْرُو إلى النجاشي، فقال له: إنَّ صاحبي هذا صاحب نساء، وإنه يريد أهلَكَ، فبعث النجاشي إلى بيته فإذا عُمارة (١) عند أهله، فأَمر به فنفخ في إِحْليله: سحره، ثم ألقاه في جزيرة من جزائر البحر، فجُنَّ، واستوحش مع الوحش (٢). * * *

стр. 514

ومن حديث أبي ذر الغفاري ﵁ واسمه: جُنْدَبٌ، على اختلاف فيه (١) ١٤٤ - أخبرنا أبو منصور محمد بن عبد الله بنِ مَنْدُويَة، وأبو علي الحسن بن أحمد الحداد -رحمهما الله- قراءةً على كلِّ واحدٍ منهما، قالا: حدثنا أبو نُعيم أحمد بن عبد الله، قال: حدثنا أبو بكر أحمد بن يوسف بن خَلَّادٍ، قال حدثنا الحارث بن أبي أسامة، قال: حدثنا أبو النصر - واسمه: هاشم بن القاسم - ح. وأخبرنا أبو علي أيضًا، قال: حدثنا أبو نعيم، قال: حدثنا محمدُ بنُ أحمد - هو أبو علي الصَّوَّافُ -، قال: حدثنا بِشْرُ بن موسى، قال: حدثنا أبو عبدِ الرَّحمن المُقْرئُ، ح. وأخبرنا أبو عليّ، قال: حدثنا أبو نُعَيمٍ، قال: وحدثنا حبيب بنُ الحسن، قال: حدثنا عمر بن حفص - هو السَّدُوسَيُّ -، قال: حدثنا عاصم بنُ علي، ح. وأخبرنا إسماعيل بن الفَضْل بن أحمدَ السَّرَّاجُ ﵀، قال: أخبرنا أبو طاهر بن عبد الرحيم، قال: أخبرنا أبو بكرٍ محمَّد بن إبراهيم بن المقرئ، قال: حدثنا أبو يَعْلَى أحمدُ بنُ عليّ المَوْصِليُّ، قال: حدثنا أبو خالدٍ هُدْبَةُ بنُ خالد.

стр. 515

قالوا: حدثنا سليمان بن المغيرة، قال: أخبرنا حميد بن هلال، عن عبد الله بنِ الصَّامتِ قال: قال أبو ذر ﵁: خرجنا من قومنا غفار، وكانوا يُحِلُّون الشهر الحرام، قال: فخرَجْتُ أنا وأخي أُنَيسٌ وأُمنا، فنزَلْنا على خالٍ لنا، فأكرمَنا خالنا، وأحسن إلينا، فحسَدَنا قومه، فقالوا: إِنَّكَ إذا خرَجْتَ عن أهلِكَ يُخالِفُكَ إليهم أنيس، فجاء خالنا فننا علينا الذي قيل له، فقلتُ: أَمَّا ما مَضَى مِنْ مَعْرُوفِكَ فقد كدَّرْتَه، ولا جماع لك فيما بعد، قال: فقَدَّمْنَا صِرْمتَنا، فاحتملنا عليها، وتَغطَّى خالنا ثوبه، قال: فجعل يبكي. فانطلقنا، حتى نزَلْنا بِحَضْرَةِ مكَّةَ، قال: فنافرَ أُنيس عن صِرْمتِنا وعن مِثْلِها، فأتيا الكاهِنَ، فخيَّرَ أُنَيسًا، فأتانا أُنَيسُ بِصِرْمتِنا ومِثْلِها معها. قال: وقد صلَّيْتُ - يا ابن أخي - قَبْلَ أَنْ أَلْقَى رسول الله ﷺ زاد أبو النصر في روايته: ثلاث سنين، وفي رواية: أربع سنين، وفي رواية: سنتين - قال: قلت: لمن؟ قال: لله ، قال: قلت: فأينَ تَوجَّهُ؟ قال: أتوجه حيث يُوَجِّهُني رَبِّي أُصَلِّي عِشاء، حتى إذا كانَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ أُلْقِيتُ كأني خِفَاءٌ حتى تَعْلُونِي الشَّمسُ. فقال أُنيس: إنَّ لي لحاجةً بمكَّةَ فَاكْفِني، فانطلق أُنيس حتى أتى مكَّةَ، قال: فَراثَ عليَّ، ثم جاء، فقلتُ (١): ما صنعت؟ قال: لَقِيتُ رجلًا بمكة على دينك، يَزْعُم أَنَّ الله أرسله، قال: قلت: فما يقولُ النَّاسُ؟ قال: يقولون: شاعر، كاهن، ساحر، قال: وكان أُنيس أحد الشعراء. قال أُنيس: لقد سمعْتُ قول الكهنة، وما هو بقولهم، ولقد وضَعْتُ قوله على أقوال الشُّعراء - كذا في رواية أبي يَعْلَى، وفي غيره: على أَقْرَاءِ الشَّعْر - فما يَلْتَئِمُ على لسان أحَدٍ يَقْرأُ أَنَّه شِعْرٌ، والله إنَّه لصادِقٌ، وإنهم لكاذبون. قال: قلت: فاكفني حتى أذهبَ فَأَنْظُرَ.

стр. 516

- زاد أبو النصر: قال: نعم، وكُنْ (١) من أهل مكة على حذر؛ فإنهم قد شنعوا به، أو: شفوا، شك أبو النَّضْر، وتجهموا له. إلى هنا زيادة أبي النضر .. - فأتيتُ مكَّةَ، فتضعَفْتُ رجلًا منهم، فقلتُ: أين هذا الذي تدعونه الصابئ؟ قال: فأشار إليَّ، فقال: الصَّابئ؟! قال: فمال علي أهل الوادي بكل مدرةٍ وعظم، حتى خرَرْتُ مَغْشِيًّا عليَّ، فارتفَعْتُ حين ارتفعْتُ كأني نُصُبٌ أحمرُ، فأَتيتُ زمزم، فغسَلْتُ عَنِّي الدّماء، وشرِبْتُ مِنْ مائِها، وقد لبثْتُ - يا ابن أخي - ثلاثين من (٢) بين ليلة ويوم، ما لي طعام إلا ماء زمزم، فَسَمِنْتُ حتى تكسَّرَتْ عُكَنُ بَطْني، فما وجَدْتُ على كبدي سَخْفَةَ جُوعِ. - قال: فبينا أهل مكة في ليلةٍ قَمْراءَ إِضْحِيان، إِذْ ضُرِبَ على أَسْمِخَتِهم، فما يَطُوفُ بالبيت أحدٌ - يعني - غير امرأتين منهم، تَدْعُوان إسافًا ونائلة، قال: فأتنا عليَّ في طوافهما، فقلتُ: أَنْكِحا أحدهما الآخَرَ، قال: فما تَناهَتا عن قولهما، فأتَنا عليَّ، فقلتُ: هَنْ مِثْلُ الخشبةِ، غير أنِّي لا أَكْنِي، فانطلقتا تُوَلْوِلان - يعني - وتقولان: لو كان هاهنا أحَدٌ مِنْ أَنْفَارِنا، قال: فاستقبلهما رسول الله ﷺ وأبو بكر ﵁ وهما هابطان من الجبل، فقال: «ما لَكُما؟» قالتا: الصَّابى بين الكعبة وأَسْتارِها، قال: «ما قال لكما؟» قالتا: إنه قال كلمةً تملأ الفم. قال: وجاءَ رسول الله ﷺ حتى استلم الحجر، ثم طاف بالبيت هو وصاحبه، ثم صلى. قال أبو ذر ﵁: فكُنْتُ أَوَّلَ مَنْ حَيَّاه بتحية أهل الإسلام، قال: «وعليك ورحمة الله» ثم قال: «مَنْ أنت؟» قلت: مِنْ غفار، قال: فَأَهْوَى بيده، ووضع أصابعه على جبهته، فقلتُ في نَفْسي كَرِه أَنْ انتمَيْتُ إلى غفار، قال: فذهبت لآخُذ بيده فقَدَعَني صاحبه - وفي رواية: فدفعني - وكان أعلمَ (٣).

стр. 517

به مِنِّي، قال: ثم رفع، فقال: «متى (١) كُنْتَ هاهنا؟» قلتُ: كنتُ هاهنا منذ ثلاثين بين ليلة ويوم، قال: فمَنْ كان يُطْعِمُك؟ قال: قلتُ: ما كان لي طعام إلا ماء زمزم، فسَمِنْتُ حتى تكسَّرَتْ عُكَنُ بَطْني، وما أَجِدُ على كبدي سَخْفَةَ جوع، قال رسول الله ﷺ : «إِنَّهَا مُبارَكَةٌ، إنها طعامُ طُعْمِ». فقال أبو بكر ﵁: يا رسول الله، ائذن لي في طعامه الليلة، فانطلق رسول الله ﷺ وأبو بكر ﵁، وانطلَقْتُ معهما، ففتح أبو بكر ﵁ بابًا، فجعلَ يَقْبِضُ لنا مِنْ زَبِيبِ الطَّائِفِ، فكان ذاك أوَّلَ طعام أكَلْتُه بها، ثم غبَرْتُ ما غبَرْتُ، ثم أتيتُ رسول الله ﷺ ، فقال: «إني قد وُجِهَتْ إِليَّ أرض ذات نخل، ولا أراها إلا يثرب، فهل أنتَ مُبلِّغُ عَنِّي قومَكَ؟ عسى الله - تعالى - أن ينفعهم بك، ويَأْجُرَك فيهم». قال: فانطلَقْتُ، فَلَقِيتُ أُنيسًا، فقال: ما صنعت؟ قلتُ: صنعتُ أنّي قد أسلمتُ وصدَّقْتُ، قال: ما بي رَغْبةٌ عن دينك، وإني قد أسْلَمْتُ وصدَّقْتُ، قال: فأَتَيْنا أُمَّنا، فقالت: ما بي رَغْبةٌ عن دينِكُما، فإني قد أسْلَمْتُ وصدَّقْتُ. فاحتملنا، حتى أتينا قومنا غِفارًا، فأسلمَ نِصْفُهم، وكان يَؤُمُّهم إيماء بنُ رحضة ﵁ وكان سيدهم. وقال نِصْفُهم: إذا قَدِم رسول الله ﷺ المدينةَ أَسْلَمْنَا، فَقَدِم رسول الله ﷺ المدينة، فأسلم نِصْفُهم الباقي. وجاءَتْ أسلم، فقالوا: يا رسول الله، إخواننا، نُسْلِمُ على الذي أَسْلَموا عليه، فقال رسول الله ﷺ : «غِفارُ غَفَرَ الله لها، وأَسْلَمُ سالمها الله» (٢).

стр. 518

هذا لفظ رواية هُدْبة. وهو حديث ثابت، أخرجه مسلم في صحيحه عن هُدْبة، وأخرجه نازلًا عن إسحاق بن إبراهيم، عن النَّضْر بن شُمَيْل، عن سُليمان بن المغيرة، فعلى هذا كأن شيخ شيخي سمعه من مسلم. ورواه جماعة عن سليمان بن المغيرة سوى هؤلاء: كأبي أسامة (١)، وعبد السلام بن المُطَّهَر (٢)، وغيرهما (٣). ورواه عن حميد بن هلال سوى سليمان (٤): عَمْرو بن مُرَّة (٥)، وخالد الحَذَّاء (٦)، وعبد الله بن عَوْن (٧)، وأبو هلال الرَّاسِبِي (٨). ورواه عن أبي ذَرّ ﵁ سوى عبد الله بن الصامت: عبد الله بن عباس (٩)، وأبو ليلى الأشْعري (١٠).

стр. 519

وله طريق سواها مختصرة: أخبرنا به هبة الله بن الحصين ﵀ ببغداد، قال: أخبرنا أبو علي بنُ المُذْهِب، قال: أخبرنا أبو بكر بن مالك، قال: حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، قال: حدثنا أبي (١)، قال: حدثنا يزيدُ بنُ هارون، قال: أخبرنا سليمان بن المغيرة. وقال أحمد: حدثنا هدبة، قال: حدثنا سليمان (٢). ففي الطريق الأوَّلِ كأنّي سَمِعْتُه من أبي علي بن المُذهب. وأخبرنا أبو علي الحداد، قال: أخبرنا أبو نُعَيم إجازة، قال: حدثنا أبو أحمد الغطريفي، وإبراهيم بن عبد الله القَصَّارُ، قالا: حدثنا عبد الله بن محمَّدِ بنِ شِيرُويَه، قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم، قال: أخبرنا النَّضْرُ بنُ شُمَيْلٍ، قال: حدثنا سُلَيمانُ بن المغيرة، بهذا الطريق. ففي الطريق الأوَّلِ كأَنِّي سَمِعْتُه مِنْ أبي نُعيم. وأم أبي ذَرٍّ، قيل: اسمُها رَمْلةُ بنتُ الوقيعة بن حرام بن الغفار، لم يذكروا اسمها في معرفة الصحابة (٣). وقوله (يُخالِفُكَ إليهم) أي: يكون خلفًا لك وبدلًا منك عند زوجتك، أي: يُخادِنُها وقوله (نثا علينا) بتقديم النُّون على الثَّاء المنقوطة بثلاث، أي: ذكر لنا، وقص علينا ما قيل له من القَوْل القبيح، ويُرْوَى: (فَثَنَّى علينا) أي: كرر لنا ما قيل له. وقوله (ولا جماع لك) أي: لا نجتمع (٤) معك في مكان.

стр. 520

والصرمة من الإبل: نحو الثلاثين، ويروى: «ولا جماع لنا» (١) وهو أظهر، وفي رواية: «فقرَّبْنا صِرْمتَنا» (٢) بدل (فَقَدَّمْنا). وقوله (احتملنا عليها) يمكن أن يكون أراد: حملنا عليها متاعنا. وقوله (فنافرَ أُنيس) أي: فاخر هو آخَرَ بالشَّعْر، ففاخره الآخَرُ، على أنَّ مَنْ كان أحسنَ شِعْرًا أخذَ صِرْمةَ صاحِبِه، وهو شِبْهُ المُراهنة، وهو قمار من عمل الجاهلية. وقوله (خيَّرَ أُنيسًا) أي: نَسَب شِعْرَه إلى أنَّه خَيْرُهما. وقوله (فأينَ تَوجَّهُ؟) أصلُه: تَتوجَّهُ، يجوزُ بتشديد التَّاء على سبيل الإدغام، وبتخفيفها إيثارًا للتخفيف (٣). والخفاء: كالجلباب والكِساء، تَلْبَسُه المرأة فوق ثيابها لِتَسْتُرَها. وقوله (فاكفني) أي: أَمْرَ صِرْمَتي وأُمِّي. و (راثَ (٤) علي) أي: أبطأ. و (أَقْرَاء الشعر) أنواعه وطرقه، وقيل: قوافيه التي يُخْتَم (٥) بها الشعر، كأقراء الظهر التي يَنْقَطِع عندها، الواحد: قَرِيٌّ (٦)، وقَرْءٌ، وقُرْءٌ. وقوله (شَنَئوا) أي: أبغضوا. و (تضعَّفْتُ) أي: استضعَفْتُ.

стр. 521

و (الصابئ) الذي خرج من دين إلى دين، أي: أين هذا الذي يُخالِفُ دينكم؟. وقوله (فمال علي أهل الوادي بكلِّ مُدرةٍ وعَظم) أراد بالوادي: مكة، أي: رموني بكل ما فيها من هذين، وفي رواية: «فهال عليَّ» أي: أكثروا من ذلك. وقوله (فارتفَعْتُ) أي: أَفَقْتُ، وقُمْتُ. والنُّصُبُ: واحد (١) الأنْصاب، وهو حجر أو صنَم يُنْصَبُ ويُذْبَحُ عنده في الجاهلية، ويُصَبُّ عليه الدماء (٢) تَبرُّرًا (٣). والسَّخْفَةُ: الخِفَّة (٤). والإضحيان - بكَسْرِ الألف، وضمها -: المُضيء. والأسمخة: جمع سماخ الأُذُنِ، وهي بالصَّاد أصح، أي: أنامهُم الله - تعالى -، كما قال : ﴿فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ﴾ [الكهف: ١١]. و (أنفارنا) قومنا، جمع نفر، وفي رواية: (أنصارنا). وقوله (فَقَدَعَني) أي: كفني، ومنعني. و (غَبَرْتُ) أي: بَقِيتُ. وقوله (كلمة تملأ الفم) أي: تكلم بكلمة عظيمة. والهَنُ: يَعْني به الفَرْجَ. وقوله (غير أنِّي لا أَكْني) غير - هاهنا - ليس للاستثناء، أي: مع أني لا أَكْني كما قال الآخَرُ.

стр. 522

١٤٥ - أخبرنا أبو علي الحسَنُ بنُ أحمدَ الحَدَّادُ ﵀، قال: حدثنا أبو نُعيم أحمد بن عبد الله الحافظ، قال: حدثنا أبو عَمْرو بن حمدان، قال: حدثنا الحسن بن سفيان، ح. وأخبرنا إسماعيل بن الفَضْلِ السَّرَّاجُ ﵀، قال: أخبرنا أبو طاهر بن عبد الرحيم، قال: أخبرنا أبو بكرٍ محمَّد بن إبراهيم المُقْرِئُ، قال: أخبرنا أبو يَعْلَى المَوْصِلِيُّ. قالا: حدثنا قَطَنُ بنُ نُسَيْرٍ، قال: حدثنا جعفر بن سليمانَ الصُّبَعِيُّ، قال: حدثنا أبو طاهر، عن أبي يزيد المديني، عن ابن عباس ﵄، عن أبي ذَرِّ ﵁ قال: كان لي أخٌ يقال له: أنيس، وكان شاعرًا، فنافَرَ هو وشاعر آخر، فقال أُنَيسٌ: أنا أَشْعَرُ منكَ، وقال الآخَرُ: أنا أَشْعَرُ، فقال أُنيس ﵁: فيمَنْ تَرْضَى أن يكون بيننا؟ أتَرْضَى أن يكون بيننا كاهن مكَّةَ؟ قال: نعم، فخرجنا إلى مكَّةَ، فاجتمعنا عند الكاهن فأنشده هذا كلامه، وأنشده هذا كلامه، قال: فقال لأنيس: قضَيْتَ لِنَفْسِكَ، قال: فكأَنَّه فضَّل شِعْرَ أُنيس، فرجع أُنيس، فقال: يا أخي، رأيتُ بمكَّةَ رجُلًا يَزْعُم أنه نبي، وهو على دينك. قال ابن عباس: قلتُ لأبي ذَرِّ ﵃: وما كان دِينُك؟ قال: رَغِبْتُ عن آلهة قومي التي كانوا يَعْبُدونها، فقلتُ: أيَّ شيءٍ كنتَ تعبُد؟ قال: لا شيء، كنتُ أُصَلِّي مِنْ الليل حتى أسقط كأني خفاء، حتى يُوقِظَني حَرُّ الشَّمْس، قال: فقلتُ: أين تُوَجِّهُ وجهَكَ؟ قال: حيثُ وجهني ربي ، قال أنيس ﵁ له: وقد سَئِمَه - أو قال: شَنِفَه - قومه - يعني: كرِهُوه -. قال أبو ذر ﵁: فإِنِّي أُرِيد أَنْ آتِيَه، قال: فتجهَّرْتُ، ثم خرَجْتُ، فقال لي أنيس ﵁: لا تُظهر أنك تطلبه (١)، فأخافُ عليك أَنْ تُقتَل دونه. قال أبو ذَرِّ: فجِئْتُ حتى دخَلْتُ مكَّةَ، فَكُنْتُ بين الكعبة وأستارها خمس

стр. 523

عشرة ليلةً ويومًا، أَخْرُجُ كلَّ ليلةٍ فأشرب من ماء زمزم، فما وجَدْتُ على كبدي سَخْفَةَ جوع، ولقد تعكَّنَ بَطْني. قال: فجعلت امرأتان (١) تَدْعُوان ليلةً آلهتهما، وتقول إحداهما: يا إسافُ، هَبْ لي غُلامًا، وتقول الأخرى: يا نائلُ، هَبْ لي كذا وكذا، قال: فَقُلْتُ: هَنْ بِهِنَّ - يعني أبا ذَرٍّ، قال: فوَلَّتا، وجعلتا تقولان: الصَّابِئُ بين الكعبة وأستارها، أما والله لو كان هاهنا أحَدٌ مِنْ نفَرِنا، وتقولان: الصابئ بين الكعبة وأستارها، إِذْ مَرَّ رسولُ الله ﷺ ، وأبو بكر ﵁ يمشي وراءه، قالتا: الصَّابى بين الكعبة وأستارها، قال: فتكلم رسول الله ﷺ بكلام قبح ما قالتا، قال أبو ذر ﵁: فظَنَنْتُ أَنَّه رسولُ الله ﷺ ، فخرَجْتُ إليه، فقلتُ: السَّلامُ عليك يا رسول الله، فقال: «وعليك ورحمة الله، وعليك ورحمة الله، وعليك ورحمة الله، مُذْ كَمْ أنتَ هاهنا؟» قلتُ: مُذْ خمسة عشَرَ يومًا وليلة، قال: فمِنْ أينَ كُنْتَ تأكُل؟ قال: كنتُ آتي زمزم كل ليلة نصف الليل فأشرب منها شَرْبَةً، فما وجَدْتُ على كبدي سَخْفة جوع، ولكن تعكَّنَ بطني، فقال رسول الله ﷺ : «إنها طعم وشِرْبُ، وهي مُباركة» قالها ثلاثًا. قال: فسأل رسول الله ﷺ : «ممن أنت؟» فقلتُ: مِنْ غِفَارٍ، وكانت غِفَارٌ يَقْطَعون على الحاج - قال: وكأن رسول الله ﷺ ذكر كلمةً، ذهبت عن أبي يَعْلَى - قال لأبي بكر ﵁: «انْطَلِق يا أبا بكر» فانطلق بنا إلى منزل أبي بكر ﵁ فقرب زبيبًا، فأكلنا منه. قال: وأَقَمْتُ مع رسول الله ﷺ بمكَّةَ، فعلمني الإسلام، وقرأتُ مِنْ القرآن شيئًا، فقلت: يا رسول الله، إنِّي أُرِيد أَنْ أُظْهِرَ دِيني، فقال رسول الله ﷺ : «إِنِّي أخافُ عليك أَنْ تُقْتَلَ» قلتُ: لا بُدَّ منه وإِنْ قُتِلْتُ، قال: فسكتَ عَنِّي، وجِئْتُ وقريسٌ حِلَقٌ يَتحدَّثون في المسجد، فقلتُ: أشهد أن لا إله الا الله، وأنَّ محمدًا رسولُ الله، قال: فتَنَفَضَتْ الحِلَقُ (٢)، فقاموا فضرَبُوني

стр. 524

حتى تركوني كأَنِّي نصب أحمرُ، وكانوا يرَوْنَ أنهم قد قتلوني، فأفَقْتُ، فَجِئْتُ إلى رسول الله ﷺ ، فرأى ما بي من الحال، فقال لي: «أَلَمْ أَنْهَكَ؟» فقلتُ: يا رسول الله، كانت حاجةٌ في نَفْسي قضَيْتُها. فَأَقَمْتُ مع رسول الله ﷺ ، فقال: «الْحَقِّ بقومك، فإذا بلغك ظهوري فائتني». قال: فجِئْتُ وقد أبطأتُ عليهم، فلقيت أنيسًا فبكى، وقال: يا أخي، ما كنتُ أراك إلا قد قُتِلتَ لما أبطَأتَ عنَّا، ما صنَعْتَ؟ أَلَقِيتَ صاحبَكَ الذي طَلَبْتَ؟ قلتُ: أشهد أن لا إله إلا الله، وأنَّ محمَّدًا رسول الله (١)، قال: فأسلم مكانه. ثم أتيتُ أُمِّي، فلما رأتني بكت وقالت: يا بُنَيَّ، أبطأت علينا حتى تخوَّفْتُ أَنْ قد قُتِلْتَ، ما صنَعْتَ؟ أَلَقِيتَ الذي طلَبْتَ؟ قال: قلت: نعم، أَشْهَدُ أَنْ لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسولُ الله، قالت: فما صنع أُنيس؟ قلتُ: أسلم، قالت: ما لي عنكما رَغْبَةٌ، أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله. فأَقَمْتُ في قومي، وأسلم منهم ناس كثيرٌ، حتى بلغنا ظهور رسول الله ﷺ ، فأَتَيْتُه (٢).

стр. 525

هذا لفظ رواية أبي يَعْلَى إلا القليل منه، ولفظ الآخر مختصر. والحديث أخرجه البخاري ومسلم من حديث أبي جَمْرة، عن ابنِ عباس ﵄: ١٤٦ - أخبرنا به أبو علي أيضًا، قال: حدثنا أبو نعيم، قال: حدثنا حَبِيبُ بنُ الحَسَنِ، وسَلْمانُ بنُ أحمدَ، قالا: حدثنا أبو مسلم الكشي، قال: حدثنا عَمْرُو بنُ حَكَّام، قال: حدثنا المُثنّى بن سعيد، قال: حدثنا أبو جَمْرة، عن ابن عباس ﵁ به (١). ١٤٧ - أخبرنا أبو غالب أحمدُ بنُ العبَّاسِ الكُوشِيذِيُّ ﵀، قال: أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله، ح. وأخبرنا أبو علي، قال: حدثنا أبو نعيم. قالا: حدثنا سليمان بن أحمد، قال: حدثنا أبو عبد الملك أحمد بن إبراهيم القرشي، قال: حدثنا محمد بن عائذ، قال: حدثنا الوليد بن مسلم، قال: حدثنا أبو طَرَفةَ عَبَّادُ بنُ الرَّيَّان (٢) اللَّحْمِيُّ، قال: سمعتُ عُرُوةَ بَنَ

стр. 526

رُوَيمِ اللَّحْمِيُّ يقول: حدثني عامرُ بنُ لُدَيْنٍ قاضي الناس مع عبد الملك بن مروان، قال: سمعت أبا لَيْلَى الأشعري، يقول: حدثني أبو ذرّ ﵁ قال: إِنَّ أول ما دعاني إلى (١) الإسلام أنَّا كُنَّا قومًا عربًا، فأصابَتْنا السَّنَةُ، فَحَمَلْتُ أُمِّي وأخي - وكان اسمه أُنَيْسًا - إلى أَصْهارٍ لنا بأَعْلَى نَجْد، فلما حلَلْنا بهم أكرَمُونا، فلما رأى ذلك رجلٌ مِنْ الحَيِّ مشَى إلى خالي، فقال: تَعْلَمُ أَنَّ أُنَيْسًا يُخالِفُكَ إلى أهلِكَ، قال: فحَرَّ في قلبه، فانصرَفْتُ مِنْ رِعْية إبلي، فوجَدْتُه كئيبًا يبكي، فقلت: ما بكاؤك يا خالِ؟ فأعلمني الخبر، فقلت: حجز الله من ذلك، إِنَّا نَعافُ الفاحشة وإِنْ كان الزَّمانُ قد أخَلَّ بِنا، ولقد كدَّرْتَ علينا صَفْوَ ما ابتدأتنا (٢)، ولا سبيل إلى اجتماع. فاحتمَلْتُ أُمِّي وأخي حتى نزَلْنا بِحَضْرَةِ مكَّةَ، فقال أخي: إني مُدافع رجلًا على الماء بشعر - وكان رجلًا شاعرًا - فقلت: لا تفعل، فخرج به اللجاجُ حتى دافع دُرَيدَ بنَ [الصِّمَّةِ] (٣) صِرْمتَه إِلى صِرْمتِه، وَايْمُ الله، لَدُرَيدُ يومئذٍ أَشْعَرُ مِنْ أخي، فتقاضيا إلى خَنْساءَ، ففضَّلَتْ أخي على دُرَيْدٍ، وذاكَ أَنَّ دُرَيْدًا خطبها إلى أبيها، فقالت: شيخ كبير لا حاجة لي (٤) فيه، فحقدَتْ ذلك عليه، فضمَمْنا صِرْمتَه إِلى صِرْمتِنا، فكانت لنا هَجْمةً. قال: ثم أتَيْتُ مكَّةَ، فابتدأتُ بالصَّفا، فإذا عليها رجالات قريش، وقد بلغني أنَّ بها (٥) صابئًا أو مجنونًا أو شاعرًا أو ساحرًا، فقلت: أين هذا الذي تزعمونه؟ قالوا: ها هو ذاك حيث ترى، فانقَلَبْتُ إليه، فوالله ما جُزْتُ عنهم قِيسَ حجَرٍ حتى كَبُّوا على كلِّ عَظْمٍ وحجَرٍ ومدَرٍ، فضرَّجوني بدمي، فأتيتُ

стр. 527

البيت فدخلتُ بين الستور والبناء، وصُوِّمْتُ فيه ثلاثين يومًا، لا آكل فيه ولا أشرب إلا من ماء زمزم، حتى إذا كانَتْ ليلةٌ قَمْراءُ إِضْحِيانٌ أقبلَتْ امرأتان مِنْ خُزاعة، فطافَتا بالبيت، ثم ذكرتا إسافًا ونائلة، وهما وثنان كانوا يعبدونهما، فأخرَجْتُ رأسي من تحت الستور، فقلتُ: احْمِلا (١) أحدهما على صاحبه، فغضبتا، ثم قالتا: أم والله لو كانت [رجالنا] (٢) حضورًا ما تكلَّمْتَ بهذا، ثم ذكر باقي الحديث بمعنى ما تقدم (٣). وهذا الطريق غريب. وقوله (أخافُ عليك أَنْ تُقْتَلَ) دونه (٤)، أي: قبلَ أَنْ تَلْقاه. وقوله (فحَنَّ في قلبه) أي: أثَّرَ فيه. و (حجز الله من ذلك) أي: منَعَ. و (نعافُ) أي: نَكْره، و (الفاحشة) ها هنا: الزنا. وقوله (قد أخَلَّ بِنا) أي: أصابَتْنا السَّنَةُ والقَحْط. والهجمة من الإبل: قريب من المئة. وباقي الحديث قد شرحناه في المجلس الذي قبل هذا.

стр. 528

١٤٨ - أخبرنا سعيد بن أبي الرَّجاءِ الصَّيْرَفيُّ ﵀، قال: أخبرنا أبو الفتح منصور بن الحسين، وأبو طاهر بن محمود الأديب، قالا: أخبرنا أبو بكر محمد بن إبراهيم بن (١) المقرئ، قال: أخبرنا محمد بن الحسن بن قتيبة العسقلاني، قال: أخبرنا حَرْملة بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الله بن وهب، قال: أخبرني يونس، عن ابن شهاب - واللفظ له - ح. وأخبرنا أبو عليّ الحَدَّادُ ﵀ فيما أُرى، قال: حدثنا أبو نعيم الحافظ، قال: حدثنا أبو بكر الآجُرِّيُّ بمكَّةَ سنة ثمان وخمسين، قال: حدثنا جعفر الفريابي، قال: حدثنا يزيد بن خالد الرَّمْلِيُّ. قال أبو نعيم: وحدثنا أبي، قال: حدثنا إبراهيم بن محمد بن الحسن بن مَتُويَه، قال: حدثنا أبو الربيع الرشديني (٢). قال أبو نعيم: وحدثنا أبو أحمد الغطريفي، قال: حدثنا الحسن بن سفيان، قال: حدثنا حرملة. قالوا: حدثنا ابنُ وَهْبٍ، عن يونس. قال: وحدثنا سليمان بن أحمد، قال: حدثنا رَوْحُ بنُ الفَرَج، قال: حدثنا يحيى بن بكير. قال: وحدثنا سليمان، قال: حدثنا مُطَّلِبُ بنُ شُعَيبٍ، قال: حدثنا عبد الله بن صالح. قالا: حدثنا اللَّيْثُ بنُ سعدٍ، عن يونُسَ، عن ابن شهاب، عن أنس بن مالك ﵁ قال: كان أبو ذر ﵁ (٣) يُحدِّثُ أَنَّ رسول الله ﷺ قال: «فَرِجَ سَقْفُ بَيْتي وأنا بمكَّةَ، فنزل جبريل ﵇ فَفَرَجَ صَدْري، ثم غسله بماء زمزم،

стр. 529

ثم جاء بطست من ذهب ممتلئ حكمةً وإيمانًا، فأفرغها في صَدْري، ثم أطبقه، ثم أخذ بيدي، فعرج بي إلى السماء. فلما جئنا السماء الدنيا قال جبريل لخازن السماء الدُّنيا: افْتَحْ، قال: مَنْ هذا؟ قال: جبريل، قال: هل معك من أحد؟ قال: نعم، معي محمد، قال: فَأُرْسِلَ إليه؟ قال: نعم، فافتح. قال: فلما علَوْنَا السَّماءَ الدُّنيا، قال: إذا رجل عن يمينه أسودةٌ وعن يسارِه أَسْوِدَةٌ، قال: فإذا نظر قِبَلَ يمينه ضَحِك، وإذا نظر قبل شماله بكي، قال: فقال: مرحبًا بالنَّبيِّ الصَّالح والابنِ الصَّالح، قال: قلت: يا جبريلُ، مَنْ هذا؟ قال: هذا آدم ﵇، وهذه الأَسْوِدةُ عن يمينه وعن شماله نَسَمُ بَنِيه، فأهلُ اليمين منهم أهلُ الجَنَّةِ، والأَسْوِدةُ التي عن شِماله أهلُ النَّار، فإذا نظَرَ قِبَلَ يمينه ضحك، وإذا نظر قبل شماله بكى. قال: ثم عرج بي جبريلُ ﵇ حتى أتى السَّماء الثانية، فقال لخازنها: افْتَح، قال: فقال له خازِنُها مِثْلَ ما قال خازن السَّمَاءِ الدُّنيا، ففتح». قال أنس بن مالك ﵁: فذكَرَ أَنَّهُ وجَدَ في السَّماواتِ آدم وإدريس وعيسى وموسى وإبراهيم ﵇، ولم يُثْبِتْ كيف منازلهم، غير أنَّه قد ذكر أنَّه وجد آدمَ في السَّماء الدُّنيا، وإبراهيم في السماء السَّادسة. قال: «فلما مر جبريل ورسول الله ﷺ بإدريس ﵇ قال: مرحبًا بالنَّبيِّ الصَّالح والأخ الصالح، ثم مرَّ فقلتُ: من هذا؟ قال: هذا إدريس. قال: ثم مرَرْتُ بموسى ﵇ فقال: مرحبًا بالنَّبيِّ الصالح والأخ الصالح، قال: فقلت: من هذا؟ قال: هذا موسى. قال: ثم مرَرْتُ بعيسى، فقال: مرحبًا بالنَّبيِّ الصالح والأخ الصالح، فقلت: من هذا؟ قال: عيسى. قال: ثم مرَرْتُ بإبراهيم ﵇، فقال: مرحبًا بالنبي الصالح والابن الصالح، قال: قلتُ: مَنْ هذا؟ قال: هذا إبراهيم».

стр. 530

قال ابن شهاب: وأخبرني ابنُ حَزْمٍ أَنَّ ابنَ عَبَّاسٍ وأبا حَبَّةَ الأنصاري ﵄ يقولان: قال رسول الله ﷺ : «ثم عرج بي [حتى] (١) ظهَرْتُ بِمُسْتَوى أسمعُ فيه صَرِيفَ الأقلام». قال ابنُ حَزْم وأنس بن مالك: قال رسول الله ﷺ : «فَفَرَض الله ﵎ على أُمَّتي خمسين صلاة، قال: فرجَعْتُ بذلك حتَّى أَمُرَّ موسى، فقال موسى ﵇: ماذا فرض ربُّك على أُمَّتِك؟ قال: فقلتُ: فَرَضَ عليهم خمسين صلاةً، فقال لي (٢) موسى: فراجع رَبَّكَ؛ فإِنَّ أُمَّتِكَ لا تُطِيقُ ذلك، قال: فراجَعْتُ (٣) ربي ، فوضَعَ شَطْرَها، قال: فرجَعْتُ إلى موسى، فأخبَرْتُه، فقال: ارْجِعْ إلى ربِّكَ؛ فإنَّ أُمَّتِكَ لا تُطِيقُ ذلك، قال: فراجَعْتُ رَبِّي ، فقال: هي خمس، وهي خمسون صلاةً، لا يُبَدَّلُ القولُ لدَيَّ، قال: فرجَعْتُ إلى موسى، قال: فراجِعْ رَبَّكَ، فقلتُ: قد استحيَيْتُ مِنْ رَبِّي . قال: ثم انطلق بي، حتى أتى (٤) سِدْرةَ المُنْتَهَى، قال: فغَشِيَها ألوان لا أَدْرِي ما هي، قال: ثم أُدْخِلْتُ الجَنَّةَ، فإذا فيها جَنابِذُ مِنْ اللُّؤْلُؤ، وإذا تُرابُها المِسْكُ» (٥). هذا حديث صحيح ثابت (٦)، أخرجه البخاري ومسلم والنسائي في كتبهم الصِّحاحِ مِنْ طرقٍ مِنْ حديث يونُسَ، كما أنَّ شيوخ شيوخي سمعوه (٧) من أصحابهم.
следующие страницы →