← Книги сунны

Книги сунны · id 30195

الطوالات - لأبي موسى المديني

أبو موسى المديني

Полный текст (962 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

رُوَيمِ اللَّحْمِيُّ يقول: حدثني عامرُ بنُ لُدَيْنٍ قاضي الناس مع عبد الملك بن مروان، قال: سمعت أبا لَيْلَى الأشعري، يقول: حدثني أبو ذرّ ﵁ قال: إِنَّ أول ما دعاني إلى (١) الإسلام أنَّا كُنَّا قومًا عربًا، فأصابَتْنا السَّنَةُ، فَحَمَلْتُ أُمِّي وأخي - وكان اسمه أُنَيْسًا - إلى أَصْهارٍ لنا بأَعْلَى نَجْد، فلما حلَلْنا بهم أكرَمُونا، فلما رأى ذلك رجلٌ مِنْ الحَيِّ مشَى إلى خالي، فقال: تَعْلَمُ أَنَّ أُنَيْسًا يُخالِفُكَ إلى أهلِكَ، قال: فحَرَّ في قلبه، فانصرَفْتُ مِنْ رِعْية إبلي، فوجَدْتُه كئيبًا يبكي، فقلت: ما بكاؤك يا خالِ؟ فأعلمني الخبر، فقلت: حجز الله من ذلك، إِنَّا نَعافُ الفاحشة وإِنْ كان الزَّمانُ قد أخَلَّ بِنا، ولقد كدَّرْتَ علينا صَفْوَ ما ابتدأتنا (٢)، ولا سبيل إلى اجتماع. فاحتمَلْتُ أُمِّي وأخي حتى نزَلْنا بِحَضْرَةِ مكَّةَ، فقال أخي: إني مُدافع رجلًا على الماء بشعر - وكان رجلًا شاعرًا - فقلت: لا تفعل، فخرج به اللجاجُ حتى دافع دُرَيدَ بنَ [الصِّمَّةِ] (٣) صِرْمتَه إِلى صِرْمتِه، وَايْمُ الله، لَدُرَيدُ يومئذٍ أَشْعَرُ مِنْ أخي، فتقاضيا إلى خَنْساءَ، ففضَّلَتْ أخي على دُرَيْدٍ، وذاكَ أَنَّ دُرَيْدًا خطبها إلى أبيها، فقالت: شيخ كبير لا حاجة لي (٤) فيه، فحقدَتْ ذلك عليه، فضمَمْنا صِرْمتَه إِلى صِرْمتِنا، فكانت لنا هَجْمةً. قال: ثم أتَيْتُ مكَّةَ، فابتدأتُ بالصَّفا، فإذا عليها رجالات قريش، وقد بلغني أنَّ بها (٥) صابئًا أو مجنونًا أو شاعرًا أو ساحرًا، فقلت: أين هذا الذي تزعمونه؟ قالوا: ها هو ذاك حيث ترى، فانقَلَبْتُ إليه، فوالله ما جُزْتُ عنهم قِيسَ حجَرٍ حتى كَبُّوا على كلِّ عَظْمٍ وحجَرٍ ومدَرٍ، فضرَّجوني بدمي، فأتيتُ

стр. 527

البيت فدخلتُ بين الستور والبناء، وصُوِّمْتُ فيه ثلاثين يومًا، لا آكل فيه ولا أشرب إلا من ماء زمزم، حتى إذا كانَتْ ليلةٌ قَمْراءُ إِضْحِيانٌ أقبلَتْ امرأتان مِنْ خُزاعة، فطافَتا بالبيت، ثم ذكرتا إسافًا ونائلة، وهما وثنان كانوا يعبدونهما، فأخرَجْتُ رأسي من تحت الستور، فقلتُ: احْمِلا (١) أحدهما على صاحبه، فغضبتا، ثم قالتا: أم والله لو كانت [رجالنا] (٢) حضورًا ما تكلَّمْتَ بهذا، ثم ذكر باقي الحديث بمعنى ما تقدم (٣). وهذا الطريق غريب. وقوله (أخافُ عليك أَنْ تُقْتَلَ) دونه (٤)، أي: قبلَ أَنْ تَلْقاه. وقوله (فحَنَّ في قلبه) أي: أثَّرَ فيه. و (حجز الله من ذلك) أي: منَعَ. و (نعافُ) أي: نَكْره، و (الفاحشة) ها هنا: الزنا. وقوله (قد أخَلَّ بِنا) أي: أصابَتْنا السَّنَةُ والقَحْط. والهجمة من الإبل: قريب من المئة. وباقي الحديث قد شرحناه في المجلس الذي قبل هذا.

стр. 528

١٤٨ - أخبرنا سعيد بن أبي الرَّجاءِ الصَّيْرَفيُّ ﵀، قال: أخبرنا أبو الفتح منصور بن الحسين، وأبو طاهر بن محمود الأديب، قالا: أخبرنا أبو بكر محمد بن إبراهيم بن (١) المقرئ، قال: أخبرنا محمد بن الحسن بن قتيبة العسقلاني، قال: أخبرنا حَرْملة بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الله بن وهب، قال: أخبرني يونس، عن ابن شهاب - واللفظ له - ح. وأخبرنا أبو عليّ الحَدَّادُ ﵀ فيما أُرى، قال: حدثنا أبو نعيم الحافظ، قال: حدثنا أبو بكر الآجُرِّيُّ بمكَّةَ سنة ثمان وخمسين، قال: حدثنا جعفر الفريابي، قال: حدثنا يزيد بن خالد الرَّمْلِيُّ. قال أبو نعيم: وحدثنا أبي، قال: حدثنا إبراهيم بن محمد بن الحسن بن مَتُويَه، قال: حدثنا أبو الربيع الرشديني (٢). قال أبو نعيم: وحدثنا أبو أحمد الغطريفي، قال: حدثنا الحسن بن سفيان، قال: حدثنا حرملة. قالوا: حدثنا ابنُ وَهْبٍ، عن يونس. قال: وحدثنا سليمان بن أحمد، قال: حدثنا رَوْحُ بنُ الفَرَج، قال: حدثنا يحيى بن بكير. قال: وحدثنا سليمان، قال: حدثنا مُطَّلِبُ بنُ شُعَيبٍ، قال: حدثنا عبد الله بن صالح. قالا: حدثنا اللَّيْثُ بنُ سعدٍ، عن يونُسَ، عن ابن شهاب، عن أنس بن مالك ﵁ قال: كان أبو ذر ﵁ (٣) يُحدِّثُ أَنَّ رسول الله ﷺ قال: «فَرِجَ سَقْفُ بَيْتي وأنا بمكَّةَ، فنزل جبريل ﵇ فَفَرَجَ صَدْري، ثم غسله بماء زمزم،

стр. 529

ثم جاء بطست من ذهب ممتلئ حكمةً وإيمانًا، فأفرغها في صَدْري، ثم أطبقه، ثم أخذ بيدي، فعرج بي إلى السماء. فلما جئنا السماء الدنيا قال جبريل لخازن السماء الدُّنيا: افْتَحْ، قال: مَنْ هذا؟ قال: جبريل، قال: هل معك من أحد؟ قال: نعم، معي محمد، قال: فَأُرْسِلَ إليه؟ قال: نعم، فافتح. قال: فلما علَوْنَا السَّماءَ الدُّنيا، قال: إذا رجل عن يمينه أسودةٌ وعن يسارِه أَسْوِدَةٌ، قال: فإذا نظر قِبَلَ يمينه ضَحِك، وإذا نظر قبل شماله بكي، قال: فقال: مرحبًا بالنَّبيِّ الصَّالح والابنِ الصَّالح، قال: قلت: يا جبريلُ، مَنْ هذا؟ قال: هذا آدم ﵇، وهذه الأَسْوِدةُ عن يمينه وعن شماله نَسَمُ بَنِيه، فأهلُ اليمين منهم أهلُ الجَنَّةِ، والأَسْوِدةُ التي عن شِماله أهلُ النَّار، فإذا نظَرَ قِبَلَ يمينه ضحك، وإذا نظر قبل شماله بكى. قال: ثم عرج بي جبريلُ ﵇ حتى أتى السَّماء الثانية، فقال لخازنها: افْتَح، قال: فقال له خازِنُها مِثْلَ ما قال خازن السَّمَاءِ الدُّنيا، ففتح». قال أنس بن مالك ﵁: فذكَرَ أَنَّهُ وجَدَ في السَّماواتِ آدم وإدريس وعيسى وموسى وإبراهيم ﵇، ولم يُثْبِتْ كيف منازلهم، غير أنَّه قد ذكر أنَّه وجد آدمَ في السَّماء الدُّنيا، وإبراهيم في السماء السَّادسة. قال: «فلما مر جبريل ورسول الله ﷺ بإدريس ﵇ قال: مرحبًا بالنَّبيِّ الصَّالح والأخ الصالح، ثم مرَّ فقلتُ: من هذا؟ قال: هذا إدريس. قال: ثم مرَرْتُ بموسى ﵇ فقال: مرحبًا بالنَّبيِّ الصالح والأخ الصالح، قال: فقلت: من هذا؟ قال: هذا موسى. قال: ثم مرَرْتُ بعيسى، فقال: مرحبًا بالنَّبيِّ الصالح والأخ الصالح، فقلت: من هذا؟ قال: عيسى. قال: ثم مرَرْتُ بإبراهيم ﵇، فقال: مرحبًا بالنبي الصالح والابن الصالح، قال: قلتُ: مَنْ هذا؟ قال: هذا إبراهيم».

стр. 530

قال ابن شهاب: وأخبرني ابنُ حَزْمٍ أَنَّ ابنَ عَبَّاسٍ وأبا حَبَّةَ الأنصاري ﵄ يقولان: قال رسول الله ﷺ : «ثم عرج بي [حتى] (١) ظهَرْتُ بِمُسْتَوى أسمعُ فيه صَرِيفَ الأقلام». قال ابنُ حَزْم وأنس بن مالك: قال رسول الله ﷺ : «فَفَرَض الله ﵎ على أُمَّتي خمسين صلاة، قال: فرجَعْتُ بذلك حتَّى أَمُرَّ موسى، فقال موسى ﵇: ماذا فرض ربُّك على أُمَّتِك؟ قال: فقلتُ: فَرَضَ عليهم خمسين صلاةً، فقال لي (٢) موسى: فراجع رَبَّكَ؛ فإِنَّ أُمَّتِكَ لا تُطِيقُ ذلك، قال: فراجَعْتُ (٣) ربي ، فوضَعَ شَطْرَها، قال: فرجَعْتُ إلى موسى، فأخبَرْتُه، فقال: ارْجِعْ إلى ربِّكَ؛ فإنَّ أُمَّتِكَ لا تُطِيقُ ذلك، قال: فراجَعْتُ رَبِّي ، فقال: هي خمس، وهي خمسون صلاةً، لا يُبَدَّلُ القولُ لدَيَّ، قال: فرجَعْتُ إلى موسى، قال: فراجِعْ رَبَّكَ، فقلتُ: قد استحيَيْتُ مِنْ رَبِّي . قال: ثم انطلق بي، حتى أتى (٤) سِدْرةَ المُنْتَهَى، قال: فغَشِيَها ألوان لا أَدْرِي ما هي، قال: ثم أُدْخِلْتُ الجَنَّةَ، فإذا فيها جَنابِذُ مِنْ اللُّؤْلُؤ، وإذا تُرابُها المِسْكُ» (٥). هذا حديث صحيح ثابت (٦)، أخرجه البخاري ومسلم والنسائي في كتبهم الصِّحاحِ مِنْ طرقٍ مِنْ حديث يونُسَ، كما أنَّ شيوخ شيوخي سمعوه (٧) من أصحابهم.

стр. 531

وتابع عُقيل يونُسَ عليه: ١٤٩ - أخبرنا بروايته الحُسَينُ بنُ عبدِ المَلِكِ الأديب ﵀ بقراءتي عليه، قال: أخبرنا مطيار (١) بنُ أحمدَ، وشَيْبانُ بنُ عبد الله، ومحمَّدُ بنُ عُمر، وأحمدُ بنُ عبدِ الغَفَّار، والفضلُ بنُ محمَّدٍ، قالوا: أخبرنا علي بن يحيى، قال: أخبرنا سليمان بن أحمد، قال: حدثنا عَمْرُو بنُ أَبي الطَّاهِرِ بنِ السرح، قال: حدثنا محمَّدُ بنُ عُزَيْزِ الأَيْلِيُّ، قال: حدثنا سلامةُ بنُ رَوْحٍ، قال: حدثني عُقَيلُ بن خالد، عن ابن شهاب الزهري، عن أنس بن مالك ﵁ (٢). وقد ذكرنا الكلام على الأسانيد في مسند أنس (٣). وقوله (فَرِجَ سَقْفُ بَيْتي) بتخفيف الرَّاء، أي: شُقَّ، وَإِنْ شَدَّدْتَها صارَ للمبالغة في الشَّقِّ، يعني: أنَّ الملائكة لم يَدخُلُوا مِنْ الموضع الذي لم يُسْقَفْ من البيت، بل دخلوا عليه من وسَطِ السَّقْف، وانشق السقف لهم؛ ليكون أوقع في القلب صِدقُ ما جاؤوا به. وكذلك قوله (فَفَرَجَ صَدْري) أي: شَقَّه. وقوله (فأفرغها) قيل: إِنَّ التَّأنيثَ للطَّسْتِ؛ لأنَّها قد تُؤنَّث، بدليل أنه يُقال في تصغيرها: طسَيسة (٤)، وقيل: التَّأنيث للحكمة، ويجوز أن يكون لهما جميعًا، اكتفى بذكر إحداهما عن الأخرى، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا﴾ [التوبة: ٣٤].

стр. 532

ويعني بالإطباق: سَتْرُ ما كان بدا بالتَّفْريج، وإعادته إلى حاله الأوَّلِ. والأسودة: جمع سواد، وهو شخص يتراءى لك مِنْ بُعْدِ لا تَتَحقَّقُ حقيقته. والنَّسَم: الأجسادُ المُصوَّرةُ في صورة الإنسان، جمع نسمة. وقوله (ظهَرْتُ) أي: علَوْتُ، مِنْ قوله تعالى: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [التوبة: ٣٣] أي: يُعليه على الأديان كُلها. والمُسْتَوى: المصعد، وهو المكان العالي، والاستواء: الصعود، كما حكي عن بعض الأعراب أنه كان على (١) غُرْفَةٍ، فزارَه إخوانه، فقال: اسْتَوُوا، أي: اِصْعَدُوا (٢). وذكر أبو نعيم أحمد بن عبد الله قال: اتَّفَقَتْ الرِّواياتُ مِنْ الوجوه الثلاثة عن أنس ﵁ أَنَّ السِّدْرةَ رُفِعَتْ لِلنَّبِيِّ ﷺ بعد العُروجِ مِنْ السماء السابعة (٣)، وروى طلحة بنُ مُصَرِّفٍ، عن مُرَّةَ، عن عبد الله ﵁ أنَّ السدرة في السَّماءِ السَّادسة (٤)، قال: وحديثُ طَلْحةَ غير دافع لحديث أنس (٥)؛ لأنه يحتمل أن يكون قد أُسْرِيَ به إلى السَّماء السَّادسة (٦) وانتهي به إلى أعلى السدرة بعد السَّماءِ السابعة؛ لأنَّها سِدْرَةٌ لا تُقاس بغيرها من الأشجار؛ لإخبار

стр. 533

النَّبيِّ ﷺ عنها أنَّ الورقة الواحدة منها مُغَطِّيةٌ لِلدُّنيا (١)، قال: وعندها أُدْنِي، فنُودِيَ ونُوجِيَ، وأُوحِيَ إليه ما أُوحِيَ، وهو المستوى الذي أخبر ابن عباس ﵄ وأبو حَبَّةَ، عن النَّبيِّ ﷺ أنه ظهر بِمُسْتَوى سَمِع فيه صَرِيرَ الأقلام، فأَعْطِيَ خواتيم سورة البقرة، وهو الكَنْزُ الذي قال ﵇: «أُعْطِيتُ خواتيم سورة البقرة مِنْ كَنْزِ تحتَ العَرْش» (٢). قال أبو نعيم: وأراد بما سَمِع مِنْ صَرِير الأقلام غايةَ القُرْبِ والدُّنُو، فأما القلم فقد ثبت في غير حديث أنه قد جرى وجف، وأنَّ آخِرَ شيءٍ قد أثبته الله - تعالى - في كتاب قبلَ خَلْقِ السَّماواتِ والأرضِ بِأَلْفَيْ عام، وأورد حديث أبي الأَشْعَثِ الصَّنْعاني، عن النُّعْمَانِ بنِ بَشِيرٍ ﵁، عن النَّبيِّ ﷺ : «إِنَّ الله كتب كتابًا قبل أن خلقَ السَّماواتِ والأرض بأَلْفَيْ عام، فأنزلَ [منه] (٣) آيتين ختم بهما سورة البقرة» (٤) إلى هنا كلام أبي نعيم. وليس كما ظَنَّ؛ لأنَّ الذي جرَتْ به الأقلام وجفت به هو الذي جاء في الحديث الآخر: «فرَغَ الله - تعالى - من أربع: من الخَلْق، والخُلُقِ، والأجَلِ،

стр. 534

والرزق» (١)، والحديث الآخَرِ: «فرَغَ الله - تعالى - إلى كلِّ عبدٍ مِنْ خمس» (٢)، فأما غير ذلك فيُكْتَبُ ويُمْحَى، ويَزْدادُ ويَنْقُص، كما قال - تعالى -: ﴿يَمْحُو اللهُ مَا يَشَاءُ﴾ [الرعد: ٣٩] وقال: ﴿إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجاثية: ٢٩]، وما يُنْسَخُ لملك الموت كلَّ سَنَةٍ ليلةَ القَدْرِ أو ليلةَ النِّصْفِ مِنْ شعبان، على اختلاف ما ورد فيه الحديث، وما يُقَدَّرُ مِنْ أَمْرِ السَّنَةِ في غيرِ ذلك من الآيات والأخبار (٣). وما أورده من حديث النُّعْمان بن بشير ﵁ ليس فيه دليل أنه آخِرُ ما كُتِب، ولا أنَّه لا يُكْتَبُ بعده، بدليل قوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ﴾ [الأعراف: ١٤٥] كما روي في تفسيره: أنَّ موسى ﵇ كان يسمع صَرِير (٤) القلم (٥). واستدل بعض أئمتنا بقوله: «أسمع فيه صريف الأقلام» (٦) على أنَّ الأشياءَ تُكتب بأقلام، لا بقلم واحد.

стр. 535

والجنابذ: جمع جُنْبُذَةٍ (١)، كلمةٌ مُعَرَّبَةٌ. * * * ١٥٠ - أخبرنا أبو علي الحسنُ بنُ أحمدَ الحَدَّادُ ﵀، قال: حدثنا أبو نُعيم أحمدُ بنُ عبدِ الله الحافظ، قال: حدثنا محمد بن أحمد بن الحسن، قال: حدثنا جعفر الفريابي. قال أبو نُعيم: وحدثنا أبو عَمْرو بن حمدان، قال: حدثنا الحسنُ بنُ سفيان. قال أبو نُعيم: وحدثنا سليمان بن أحمد، قال: حدثنا أحمد بن أنس بن مالك. قالوا: حدثنا إبراهيم بن هشام بن يحيى بن يحيى الغساني، قال: حدثني أبي، عن جَدِّي، عن أبي إدريس الخولاني، عن أبي ذر ﵁ قال: دخَلْتُ المسجد وإذا رسول الله ﷺ جالس وحدَه، فَجَلَسْتُ إليه، فقال: «يا أبا ذَرٍّ، إِنَّ للمسجدِ تحيَّةً، وإِنَّ تحيَّتَهُ رَكْعتان، فقُمْ فاركَعْهُما» قال: فقُمْتُ فركَعْتُهما، ثم عُدْتُ فَجَلَسْتُ إليه، فقلتُ: يا رسول الله، إِنَّكَ أَمَرْتَني بالصَّلاة، فما الصَّلاة؟ قال: «خيرٌ موضوعٌ، فمَنْ شاء استكثر أم استقل». قلت: يا رسول الله، فأيُّ الأعمال أفضلُ؟ قال: «إيمان بالله ، وجهاد في سبيل الله». قال: قلت: يا رسول الله، فأَيُّ المؤمنين أكمَلُهم إيمانًا؟ قال: «أحسَنُهم خُلُقًا». قال: قلتُ: يا رسول الله، فأَيُّ المؤمنين أَسْلَمُ؟ قال: «مَنْ سَلِم النَّاسُ مِنْ لِسانِهِ وَيَدِه». قال: قلتُ: يا رسول الله، فأَيُّ الهِجرة أفضلُ؟ قال: «مَنْ هَجَرَ السيئات». قال: قلت: يا رسول الله، فأيُّ الصَّلاةِ أفضل؟ قال: «طول القُنوت». قال: قلت: يا رسول الله، فما الصيام؟ قال: «قرض مَجْزِي (٢)،

стр. 536

وعند الله أضعاف كثيرة». قلتُ: يا رسول الله، فأَيُّ الجهاد أفضل؟ قال: «مَنْ عُقِرَ جواده، وأُهْرِيقَ دَمُه». قلتُ: يا رسول الله، فأَيُّ الرِّقابِ أفضل؟ قال: «أعلاها ثمنًا، وأَنْفَسُها عند أهلها». قلتُ: يا رسول الله، فأَيُّ الصَّدقة أفضل؟ قال: «جَهْدٌ مِنْ مُقِلِّ يُسَرُّ إلى فقير». قلتُ: يا رسول الله، فأَيُّ آيةٍ أنزل الله عليك أعظم؟ قال: «آية الكرسي». ثم قال: «يا أبا ذرّ، ما السَّماواتُ السَّبْعُ مع الكُرْسِيّ إلا كحَلْقَةٍ مُلْقَاةٍ بأرض فَلاةٍ، وفضلُ العَرْشِ على الكُرْسِيِّ كَفَضْلِ الفَلَاةِ على الحلقة». ثم قلت: يا رسول الله، كم الأنبياءُ؟ قال: «مِئَةُ ألفٍ وعشرون ألفًا»، قلت: يا رسول الله، كم الرُّسُلُ مِنْ ذلك؟ قال: «ثلاث مئة وثلاثةَ عَشَرَ جَمًّا غفيرًا»، قال: قلت: كثيرُ طَيِّبٌ، قلتُ: يا رسول الله، مَنْ كان أَوَّلَهم؟ قال: «آدم ﵇»، قلت (١): يا رسول الله، أنبِيُّ مُرْسَل؟ قال: «نعم، خلقه الله - تعالى - بيده، ونفخ فيه مِنْ رُوحِه، ثم سَوَّاه قِبَلًا - وقال أحمدُ بنُ أنس: «ثم كلمه قِبَلًا» -. ثم قال: يا أبا ذَرٍّ، أربعةٌ سُرْيانِيُّون: آدَمُ، وشِيثُ، وخَنُوخُ، وهو إِدْرِيسُ، وهو أَوَّلُ مَنْ خَطَّ بالقلم، ونوح ﵇، وأربعة من العرب: هود، وصالح، وشُعَيبٌ، ونبيك ﵇ يا أبا ذر». قال: قلت: يا رسول الله، كم كتابًا أنزل الله ؟ قال: «مِئَةُ كتاب، وأربعة كتب، أُنْزِلَ على شيث ﵇ خمسون صحيفة، وأُنْزِلَ على خَنُونَ ثلاثون صحيفة، وأُنْزِلَ على إبراهيم ﵇ عَشْرُ صحائف، وأُنْزِلَ على موسى قَبْلَ التَّوْرَاة عَشْرُ صحائف، وأُنْزِلَ التَّوراة والإنجيل والزَّبُورُ والفُرْقانُ». قال: قلتُ: يا رسول الله، فما كانت صحُفُ إبراهيم؟ قال: «كانت

стр. 537

أمثالًا كلها: أيها الملكُ المُسَلَّطُ المُبْتَلى المغرور، إني لم أَبْعَثْك لتَجْمَعَ الدنيا بعضها على بعض، ولكني بعَثْتُكَ لِتَرُدَّ عني دَعْوة المظلوم، فإني لا أَرُدُّها ولو كانَتْ مِنْ كافر، وكان فيها أمثال: على العاقل ما لم يَكُنْ مَغْلوبًا على عَقْلِه أن يكونَ له ساعات، ساعةٌ يُناجي فيها ربَّه ، وساعة يُحاسِبُ فيها نفسه، وساعةٌ يُفَكِّرُ فيها في صُنع الله ، وساعة يخلو فيها بحاجته من المطعم والمشرب، وعلى العاقل أن يكون بصيرًا بزمانه، مُقْبِلًا على شانه، حافظًا للسانه، ومَنْ حَسَبَ كلامه مِنْ عَملِه، قل كلامه إلا فيما يَعْنِيه». قلت: يا رسول الله، فما كانَ صحُفُ موسى؟ قال: «كَانَتْ عِبَرًا كلُّها: عجِبْتُ لمن أَيْقَنَ بالموت ثم هو يفرح، عجِبْتُ لمن أيقن بالنار ثم هو يضحك، عجِبْتُ لمن أَيْقَنَ بالقَدَرِ ثم هو يَنْصَبُ، عجِبْتُ لمن يرى الدُّنيا وتقلبها بأهلها ثمَّ اطْمَأَنَّ إليها، عجِبْتُ لمن أيقن بالحساب غدًا ثم لا يَعْمَل». قلت: يا رسول الله، أَوْصِني، قال: «أُوصِيكَ بِتَقْوَى الله - تعالى -؛ فإنه رأس الأمرِ كُلّه»، قلتُ: يا رسول الله، زِدْني، قال: «عليك بتلاوة القرآن؛ فإنه نور لك في الأرض، وذِكْرٌ (١) لك في السماء»، قال: قلت: يا رسول الله، زِدْني، قال: «إِيَّاكَ وكَثْرَةَ الضَّحِكِ؛ فإنه يُمِيتُ القلب، ويَذْهَبُ بِنور الوجه»، قلتُ: يا رسول الله، زِدْني، قال: «عليكَ بالصَّمْتِ إلا من خيرٍ؛ فإنَّه مَطردة لِلشَّياطين عنك، وعَوْنُ لكَ على أَمْرِك»، قلتُ: يا رسول الله، زِدْني، قال: «عليكَ بالجهاد؛ فإنه رَهْبانِيَّةُ أُمَّتِي»، قلت: يا رسول الله، زِدْنِي، قال: «أَحِبَّ المساكين، وجالسهم»، قلت: يا رسول الله زدني، قال: «أنظر إلى من هو تحتك، ولا تَنْظُرْ إلى مَنْ هو فوقَك؛ فإنَّه أَجْدَرُ أَنْ لا تَزْدَرِي نِعْمَةَ الله - تعالى - عندك»، قلت: يا رسول الله، زِدْني، قال: «صِلْ قَرابتَكَ وَإِنْ قَطَعُوكَ»، قلتُ: يا رسول الله، زِدْني، قال: «لا تخف في الله - تعالى - لَوْمَةَ لائم»، قلتُ: يا رسول الله زدني، قال: «قُلْ الحقَّ وإِنْ كانَ مُرًّا»، قلت: يا

стр. 538

رسول الله، زدني، قال - يعني -: «لِيَرُدَّكَ عن النَّاس ما تَعْرِف مِنْ نَفْسِك، ولا تجد عليهم فيما تأتي، وكفى به عَيْبًا أَنْ تَعْرِفَ مِنْ النَّاسِ مَا تَجْهَلُ مِنْ نَفْسِكَ، أو تَجِدَ عليهم فيما تأتي»، ثم ضرب بيده على صَدْري، فقال: «يا أبا ذر، لا عَقْلَ كالتدبير، ولا ورَعَ كالكَفْ، ولا حَسَبَ كَحُسْنِ الخَلْقِ» (١). سياق الحديث للحسن بن سفيان، وهو حديثٌ حَسَنُ السياق، لا أَعْرِفُه هكذا من هذا الوجه إلا من حديث إبراهيم بن هشام، وهو دِمَشْقِيٌّ كان يسكُنُ بيتَ لَهيا قرية هناك، وليس هو بذاك القوي (٢)، فأما أبوه وجَدُّه: فيقتان. وقد رواه إسماعيل بن مسلمة، عن أبي إدريس، مختصرًا. ورواه عبيد بن عمير، عن أبي ذَرِّ ﵁ مُطوَّلًا (٣)، وقال فيه: «أنزل على إبراهيم ﵇ عشرين صحيفة»، ولم يذكر صحف موسى ﵇ إلا عند قوله: «فما كان صحُفُ موسى؟».

стр. 539

وروي من حديث أبي أمامة (١)، وعوفِ بنِ مالك (٢)، وعُبيد بن الخشخاش (٣)، وأبي مُراوح (٤)، و [ابن] عائذ (٥)، وغيرهم، عن أبي ذر ﵁ مختصرًا، ورُبَّما يَزِيد بعضُهم في حديثه ما ليس في هذه الرواية. وروى بعضًا مِنْ آخره ابن ماجه في الزهد مِنْ سُنَنه (٦).

стр. 540

وروى بعضه في الإيمان والعِتْق والجهاد البخاري ومسلم والنسائي من حديث أبي مراوح، عن أبي ذر ﵁ (١). وروى النسائي بعضه أيضًا من حديثِ عُبيد بن الخشخاش (٢)، بالخاء والشَّين المعجمتين، وقال أبو بكرٍ بنُ مَرْدُويَه وغيره: هو بالحاء والسين المهملتين (٣). وذكر بعض الحفاظ أنَّ سؤال أبي ذَرِّ ﵁ لما في هذا الحديث كان في سنةِ عَشْرِ مِنْ الهجرة، مع قِدَم إسلامه وكَثْرَةِ صُحبته لرسول الله ﷺ ، وأن صاحب الحديث حقيقة الذي كأنَّه يَنْظُر إلى (٤) رسول الله ﷺ في كل حديث روى عنه، في أي وقت كان، وفي أي موضع، وذلك إنَّما يُعْرَفُ بِكَثْرَةِ مُمارسة الحديث وكتبةِ الطُّرُقِ على المعرفة لا على الغَفْلة، وأصل ذلك كله إلهام الله . وقد سَمِعْتُ أَنَّ بعضَ حُفَّاظ خُراسان كان يَدَّعي أنه قل حديث صح عن رسول الله ﷺ إلا وأنا أعلم متى قاله، وأين كان، ومن حضره، أو نحو ذلك. وذُكر لي أن أبا نَصْرِ الكَلاباذي (٥) قال: كنتُ أعرِفُ حِلْيَةَ الصَّحابة ﵃

стр. 541

وصفتهم كأني أنظر إليهم، بحيث إِنَّ مَنْ استقبلني من الناس في الطريق عرفْتُ الذي يُشْبِهُه مِنْ الصَّحابة من هو، فلما اشتغلْتُ بالكتابة لِلسُّلْطان ذهَبَ عنِّي. ولأبي ذر ﵁ سؤالات كثيرة سوى ما في هذا الحديث: ١٥١ - كما أخبرنا أبو القاسم غانم بن أبي نَصْرٍ، وأبو علي الحداد -رحمهما الله- قالا: حدثنا أحمد بن عبد الله الحافظ، ح. وأخبرنا غانم هذا، قال: أخبرنا أبو عبد الله الجَمَّالُ إجازة. قالا: حدثنا عبد الله بن جعفر بن أحمد، قال: حدثنا يونس بن حبيب، قال: حدثنا أبو داود، قال: حدثنا سفيانُ بنُ عُيَينة، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن أبي ذر ﵁ قال: سأَلْتُ رسول الله ﷺ عن كل شيء، حتى مَسْحِ الحصى؟ فقال: «واحدةً». قال: وقال سفيان - يعني: الثَّورِيَّ (١) ـ، عن الأعمش، عن مجاهد، عن ابن أبي لَيْلَى، عن أبي ذر ﵁، عن النبي ﷺ يعني في الصلاة -: «إنْ كان لا بُدَّ فَمَرَّةً واحدةً» (٢). وفي رواية أخرى: قال: «وَلَئِنْ تَتْرُكُها خير لك من كذا وكذا» (٣)

стр. 542

وَمِنْ حَدِيثِ حُذَيفَةَ ﵁ ١٥٢ - أخبرنا الشيخ أبو بكرٍ محمَّدُ بنُ عبدِ الله بن محمَّدِ بنِ الحُسَين بنِ الحارث، المعروف بِخُوروَسْتَ ﵀، قال: أخبرنا أبو الحسين أحمدُ بنُ محمدِ بن الحسين بن فاذشاه في شعبان سنة ثلاثين وأربع مِئَةٍ وأنا حاضر، قال: أخبرنا أبو القاسم سليمان بن أحمد الطبراني قراءة عليه يوم الثلاثاء في ذي القعدة من سنة أربع وخمسين وثلاثِ مِئَةٍ، قال: حدثنا محمدُ بنُ العباسِ المُؤَدِّبُ، قال: حدثنا الحسنُ بنُ عرَفةَ، قال: حدثنا يزيد أبو الحسن المؤذن (١)، عن خازمِ بنِ جَبَلةَ بن أبي نَضْرة يُكْنى أبا علي راوية أبي سعيدٍ الخدري ﵁. وأبي الحسن المُؤذِّن، أو: عن أبي الحسن المُؤذِّن، عن الأوزاعي، عن سليمان بن موسى، عن القاسم بنِ مُخَيْمِرةَ، قال: كان علي وحذيفة وابنُ عباس ﵃ جلوسًا، فجاءهم رجلٌ فقال: إني سمِعْتُ اليوم العجب، فقال حذيفة: وما ذاك؟ قال: سمِعْتُ رجالًا يُحدِّثون (٢) أنَّ الشَّمس والقمر يُجاء بهما يوم القيامة كأنهما ثَوْران عَقِيران، فيُقْذَفان في جهنم؟! فقال حذيفة - ووافقه على ذلك علي وابن عباس ﵃ -: كذَبُوا، الله أجَلُّ وأكرمُ مِنْ أَنْ يُعَذِّبَ على طاعته، ألم تر أنَّ الله قال: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ﴾ [إبراهيم: ٣٣]، وكيف يُعذِّبُ عبدَيْن يُثني عليهما أنَّهما دائبان في طاعته؟!. فقال الرجل: حدثنا - رحمك الله -.

стр. 543

قال: بَيْنا نحن عند رسول الله ﷺ إِذْ سُئل عن ذلك، فقال: «إنَّ الله ﵎ لما أبرمَ خَلْقَه إِحْكامًا، فلم يَبْقَ مِنْ خَلْقِه غيرُ آدم ﵇ خلق شمسَيْن مِنْ نُورِ عَرْشِه، فأَمَّا ما كانَ في سابقِ عِلْمِه أَنْ يدعَها شَمْسًا، فإنه خلقَ ضَوْءَها ما بين مشارق الأرض ومغاربها، وأما ما كان في سابق علمه أن يَطْمِسَها ويُحوّلها قمرًا، فإنَّه خلقها دون الشمس في الضَّوْء، وإنما يَرَى النَّاسِ صِغَرَهُما لِشَدَّةِ ارتفاع السَّماء من الأرَضِين، فلو تركَهُما شمسَيْن كما خلقَهُما في بَدْءِ الأمر لما مُيّز الليلُ من النَّهار، ولا النَّهارُ من الليل، وكان الأجير لا يَعْلَمُ إلى متى يَعْمل، ومتى يأخُذُ أَجْرَه، وكان الصَّائمُ لا يَدْري متى يُفْطِر ومتى يصوم، وكانت المرأة لا تدري كيف تَعْتَدُّ، وكان الدُّيَّانُ لا يَدْرُون متى يَحُلُّ دَيْنُهم، وكان النَّاس لا يدرون متى يَسْعَوْن لِمعايشهم، ومتى يسكنون لراحة أجسامهم، وكانت الأمةُ الضعيفة والعبد المقهور والبهيمة المُسَخَّرة ليس لهم وقت راحة. وكان الله أنظر لعباده وأرحم بهم، فأرسل جبريل ﵇، فأمر بجناحه على وجه القمر ثلاثَ مَرَّاتٍ، فمحا عنه الضوء، وبقي فيه النُّور، فذلك قوله - تعالى ذِكْرُه -: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً﴾ [الإسراء: ١٢] فالسَّوادُ الذي ترَوْنَ في القمر شبه الخطوط هو أثَرُ المَحْوِ. وخلق الله ﵎ للشَّمس عجَلةً مِنْ نورِ العَرْشِ، لها ثلاثُ مِئَةٍ وسِتُّون عُرُوةً، وللقمرِ مِثْلَ ذلك، ووَكَّل الله - تعالى - بالشَّمس وعجَلَتِها ثلاثَ مِئَةٍ وستون ملكًا من ملائكة أهل سماء الدُّنيا، قد تعلَّقَ كلُّ ملَك منهم بِعُرُوةٍ مِنْ تلك العُرَى، والقمرُ على مِثْلِ ذلك، وخلق لهما مَشارِقَ ومَغارِبَ فِي قُطْرَي الأرضِ وكنَفَي السَّماء ثمانين ومِئَةِ عَيْنٍ في المشرق، ومِثْلَ ذلك في المغرب، فكل يوم وليلة من ذلك لها (١) مَطْلِع جديدٌ ومَغْرِبٌ جديد، ما بين أوَّلِها مَطْلِعًا وأَوَّلِها مَغْرِبًا كأطول ما يكون النَّهارُ في الصَّيفِ، إلى آخِرِها مَطْلِعًا وآخِرِها

стр. 544

مَغْرِبًا كأقصر ما يكون النَّهارُ في الشتاء، فذلك قوله : ﴿رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ﴾ [الرحمن: ١٧] يعني: آخِرَها ها هنا وآخرها ثم (١)، ثم ترك ما بين ذلك من عدد العيون، ثم جمعها بعد، فقال: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾ [المعارج: ٤٠] فذكر عدد تلك العيون كُلّها. ثم خلق الله ﵎ بحرًا بينه وبين السَّماء، مِقْدار ثلاث فراسخ، وهو قائم بأمر الله في الهواء، لا تقطر منه قطرة، والبحار كلها ساكنة، وذلك البحر جارٍ في سُرْعَةِ السَّهم، وانطباقه - يعني في الهواء - مُسْتَوِ ما بين المشرق والمغرب، فتجري الشَّمس والقمرُ والنُّجوم الخُنَّسُ في ذلك البحر، فوالذي نفس محمَّدٍ بيده، لو بدَتْ الشَّمس من ذلك البحر لأَحْرَقَتْ كلَّ شيءٍ على وَجْهِ الأرض، حتى الصُّخور والحجارة، ولو بدا القمر من ذلك البحر حتى يُعايِنَه النَّاسُ كهيئته لافتتن به أهل الأرض إلا من شاء الله أَنْ يَعْصِمَه من أوليائه». قال حذيفة ﵁: بأبي أنت وأُمِّي يا رسول الله، ذكَرْتَ مَجْرَى الخُنَّسِ مع الشَّمس والقمر، وقد ذكرهما الله في القرآن إلى ما كان من ذِكْرِ ذلك اليوم، فما الخُنَّس؟ قال: «هُنَّ خمس كواكب: البِرْجيس (٢)، وعطارد، وبهرامُ، وزُحَل، والزُّهْرة، هذه الخمس الكواكب الطالعات الغاديات الجارياتُ، مِثْل الشَّمس والقمر، وأما سائر الكواكب فهي مُعَلَّقَةٌ بالسَّماء كتعليق القناديل من المساجد، وهي نجوم مع السَّمَاء دَوَّارات بالتسبيح والتَّقْديس، فإن أحببْتُم أن تستيقنوا ذلك فانظروا إلى دُوَارِ الفَلَكِ مرَّةً ها هنا ومرة هاهنا والكواكب تدور معها كلها غير هذه الخمسة. فإذا طلعت الشمس فإنها تطلع من بعض تلك العيون على عجَلَتِها، فإذا أراد الله أن يُرِيَ العباد آيةً يَسْتَعْتِبُهم؛ رُجوعًا عن معصيته، وإقبالًا على طاعته، خرَّتْ الشَّمس عن عجَلَتِها، فتقَعُ في عُمْقِ ذلك البحر، وإذا أراد الله

стр. 545

أن يُعَظَّم الآية ليشتَدَّ تخوُّفُ العبادِ خَرَّتْ الشَّمس عن عجلتها كلها حتى لا يبقى منها على العجلة شيءٌ، فذلك حين يُظْلِمُ النَّهار وتبدو النجوم، وذلك التمام مِنْ كُسوفها، وإذا (١) أراد الله - تعالى - أن يجعل آيةً دون آية خر منها النّصف أو الثلث أو أقَلُّ أو أكثر في الماء، وبَقِي سائر ذلك على العجلة، فإذا كان ذلك صارَتْ الملائكةُ المُوكَّلون بالعجلة فرقتين: فِرْقةً منهم يُقبلون على الشَّمس يَجُرُّونها نحو العجلة، وفِرْقَةً يُقْبِلون على العجلة يجرونها نحو الشمس، وهم في ذلك يقودونها على مقدار ساعات النهار، كي لا يزيد في طول النهار شيء، فإذا أخرجوها وضَعُوها على العجلة، ثم يحمدون الله على ما قواهم من ذلك، وألهمهم عِلْمَ ذلك، فهم لا يُقَصِّرون يجرونها حتى يَبْلُغوا بها المغرب، ثم يُدْخِلونها بابَ العَيْن التي تَغْرُب فيها، وتَسْقُط من أفق السماء في العين، ثم ترتفِعُ في سُرْعةِ طيران الملائكة إلى السَّماء السابعة، فتُحْبَسُ تحت العرش مقدار الليل، ثم تُؤْمَرُ بالطَّلوع من المشرق فتَطْلع من العين التي وقت الله لها، فلا تزال الشمس والقمر كذلك من طلوعها إلى غروبها. وقد وكل الله - تعالى - بالليل ملكين، وخلق الله - تعالى - لها (٢) حجابًا من ظُلمة بالمشرق على البحر السابع عدد ليالي الدُّنيا، فإذا غربَتْ الشمس قبض قبضةً من ظلمة ذلك الحجاب، ثم يستقبل المغرب فلا يزال يُراعي الشفق وهو يُرسل تلك الظُّلْمةَ مِنْ خلال أصابعه قليلًا قليلًا حتى يُرْسِلَها كلها، ثم ينشر جناحَيْه فَيَلْتَقِيان بقطري الأرضِ وكنَفَي السَّماء، فإذا انفجر الصُّبح ساقَ ظُلْمةَ اللَّيل بجناحه بالتسبيح والتقديس من المشرق قليلًا قليلًا، حتى إذا بلغ المغرب طلعتْ الشَّمس من المشرق، ثم يضم جناحه، ويضم الظُّلْمة بعضها إلى بعض، فيقبض عليها بكفّه، ثم يضعها عند المغرب على البحر السَّابع، فإذا رأى تلك الظُّلْمة تحوَّلَتْ من المشرق إلى المغرب نفخ في الصور، وإِنْ صُرِمَتْ الدُّنيا ولا تزال الشَّمس والقمر كذلك

стр. 546

حتى يأتي الوقت الذي ضرب الله - تعالى - لتوبة العباد، فيَفْشُو المنكر في الأرض، وتكثُرُ الفواحش، ويذهب المعروف، فلا يأمر به أحد، ويظهر المنكر فلا ينهى عنه أحد، ويكثر أولاد الخبثِ، ويَلِي أمرَهُم السُّفهاء، ويكثر تباعُهم من السُّفهاء، ويظهر فيهم الباطل، ويتعاونون على أمرهم، ويدسُّونه بألسنتهم، ويفتنون (١) العلماءَ مِنْ أولي الألباب، ويَتَّخذونهم سُخْرِيًّا حتى يصير الباطل فيهم بمنزلة، ويكثر ضرب المعازف واتخاذ القينات، وصار دينهم بألسنتهم، وصغَتْ قلوبهم إلى الذين يُحادُّون الله ورسوله، وسار المؤمن فيهم بالتَّقِيَّةِ والكِثْمان واستحَلُّوا الرِّبا بالبيع والخمر بالنبيذ، والسُّحْتَ بالهدية، والقتل بالموعظة، فإذا فعلوا ذلك - أو: كان ذلك قلَّتْ الصَّدقة حتى يطوف السَّائلُ ما بين الجمعة فلا يُعْطَى دينارًا ولا درهمًا، ويَبْخَلُ النَّاسُ، وَيَظُنُّ الغني أنه لا يُغنيه ما عنده، وقطع كلُّ ذِي رَحِمٍ رَحِمَه. فإذا اجتمعت هذه الخصالُ حُبِسَتْ الشَّمسُ تحت العرش، كلَّما سجدَتْ واستأذنَتْ ربَّها بالطلوع لم يُحِر إليها جوابًا حتى يُوافِيها القمر فيُحْبَسَ معها، فيستأذنان ربَّهما بالطلوع فلا يُجابان، حتى تُحْبَس الشَّمسُ مِقدار ثلاث ليال وليلتين للقمر، ولا يَعْلَمُ بِطُول تلك الليلة إلا المتهجدون وهم يومئذٍ عِصابةٌ في ذِلَّةٍ مِنْ النَّاس، وهوان من أنفسهم، وضيق من معايشهم، فيقوم أحدُهم بَقِيَّة ليلته فيُصلِّي قَدْرَ وِرْدِه كلَّ ليلةٍ فلا يرى الصبح، فيُنْكِرُ ثم يقول: فَلَعَلِّي خَفَفْتُ قراءتي، أو قمتُ قبل حيني، فيخرج فينظر إلى السماء، فإذا بالليل كما هو، والنُّجوم قد استدارت مع السماء، فصارت مكانها من أول الليل، ثم يدخل فيأخذُ مَصْجِعَه فلا يجيئه النوم، ثم يقوم فيُصلِّي قَدْرَ وِرْدِ كلّ ليلةٍ فلا يرى الصُّبحَ، فَيَزِيدُه ذلك إنكارًا، ثم يخرج فينظر إلى النجوم فإذا هي مكانها من أول الليل، ثم يدخل فيأخذُ مَضَجِعَه الثانية فلا يجيئه النوم، ثم يقومُ فيُصلِّي قَدْرَ وِرْدِه فلا يرى الصُّبحَ، فيخرج

стр. 547

فينظر إلى السَّماء، فيَسْتَخِفُّهم البكاء، ويُنادي بعضُهم بعضًا، فيجتمع المجتهدون في مساجدهم بحضرتهم، وهم قبل ذلك يتواصلون ويتعارفون، فلا يزالون يصرخون إلى الله بقية ليلتهم. فإذا تم للشمس ثلاث ليال وللقمر ليلتان أرسل الله - تعالى - إليهما جبريل ﵇، فيقول لهما: إنَّ الرَّبَّ ﵎ يأمركما أَنْ تَرْجِعا إلى المغرب فتَطْلُعا منه، فإنه لا ضوء لكما اليوم عندي ولا نورٌ، قال: فيَبكيان عند ذلك وجَلًا من الله ﵎، وتبكي الملائكة لبكائهما مع ما يُخالطهما من الخوف، فيرجعان (١) فيطلعان من المغرب. فبينما النَّاسُ كذلك، إذ نادى مُنادٍ: أَلا إِنَّ الشَّمس والقمر قد طلعا من المغرب، فينظرُ النَّاس إليهما فإذا هما أسودان مُكَوَّران كهيئتهما في حال كسوفهما قبل ذلك، فذلك قوله : ﴿وَخَسَفَ الْقَمَرُ * وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾ [القيامة: ٨ - ٩]، وقوله : ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ * وَإِذَا النُّجُومُ انكَدَرَتْ﴾ [التكوير: ١ - ٢]. قال: فيرتفعان، يُنازِعُ كلُّ واحد منهما صاحبه، حتى يَبْلُغَا سُرَّةَ السَّماء - وهي مَنْصَفُهما - قال: فيَجِيئُهما جبريلُ ﵇ فيأخذُ بِقُرونهما فيردُّهما إلى المغرب، فلا يُغْرِبُهما في تلك العيون، ولكن يُغْرِبُهما في باب «التَّوبة». فقال عمر ﵁: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، وما باب التوبة؟ قال: خلق الله خلف المغرب مِصْراعَيْن من ذهب، مُكللة حواشيهما بالجوهر لِلتَّوبة، ولم يتُبْ أحدٌ من ولد آدم ﵇ توبة نصوحًا إلا ولجت توبته في ذلك الباب، ثم ترجع إلى الله ». قال حذيفة بن اليمان ﵁: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، وما التَّوبة النَّصوح؟

стр. 548

قال: «أَنْ يَنْدَم على ما فات منه، فلا يعود إليه، كما لا يعودُ اللَّبَنُ في الضرع». ثم قال رسول الله ﷺ : «وعجب من خلق الرَّحمن وما بقي من قدرته أعجبُ مِنْ ذلك، وعجَبٌ قول جبريل ﵇ لسارةَ: ﴿أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ﴾ [هود: ٧٣] وذلك أنَّ لله ﵎ لمدينتين إحداهما بالمشرق، والأخرى بالمغرب، لِكُلِّ مدينة منهما عَشْرةُ آلاف باب، يَنُوب كلُّ يوم على كل باب من أبواب تلك المدينتين عشرة آلاف رجل في الحراسة عليهم السلاح، ومعهم الكراع، ثم لا ينوبهم تلك الحراسة إلى يومِ يُنْفَخُ فِي الصُّور، اسم إحداهما: جابرسا، والأخرى: جابلقا، ومن ورائهما ثلاث أُمَمٍ: تاويل، وتاريس، وماريس، ومن دونهما: يأجوج ومأجوج. وإن جبريل ﵇ انطلق بي إليهم ليلةَ أُسْرِيَ بي من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، فدعَوْتُ يأجوج ومأجوج، فأنكَرُوا ما جِئْتُهم به، فهم في النَّار، ثم فانطلق (١) بي إلى الأمم الثلاث، فدعَوْتُهم إلى دين الله وعبادته، فأنكَرُوا ما دعَوْتُهم إليه، فهم في النَّار، ثم انطلق بي إلى أهل المدينتين، فدعَوْتُهما إلى دين الله وعبادته، فأجابوا وأنابوا، فهم إخواننا في الدين، مَنْ أحسن منهم فهم مع المحسنين منكم (٢)، ومن أساء منهم فهو مع المسيئين منكم. وأهل المدينة التي بالمشرق من بقايا عادٍ مِنْ نَسْلِ مؤمنيهم الذين كانوا آمنوا بِهُودٍ ﵇، وأهل المدينة التي بالمغرب من بقايا ثمود، مِنْ نَسلِ مؤمنيهم الذين آمنوا بصالح ﵇». قال حذيفة ﵁: يا رسول الله، كيف الشَّمس والقمر بعد ذلك؟ وكيف بالناس؟

стр. 549

قال: «أما الشمس والقمر فإنهما يُعادان، فإذا أغربهما في ذلك الباب رَدَّ المِصْراعَيْن، فيَلْتَئِم ما بينهما، فيصير كأنه لم يكن بينهما صَدْعُ قط، فلا ينفع نَفْسًا بعد ذلك إيمانها لم تكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أو كسبَتْ في إيمانها خيرًا، ولا يُقْبَلُ ممَّنْ عمل حسنةً إلا من كان قبل ذلك محسنًا، فإنه يجري لهم عليها، فتطلع الشمس عليهم وتغرب كما كانت قبل، فأما النَّاس فإنهم لما رأَوْا مِنْ فظيع تلك الآية وعِظَمِها ما رأَوْا أَلحوا على الدُّنيا، فغرسوا الأشجار، وشقَّقُوا الأنهار، وابتَنوا البنيان، فأما الدُّنيا فإنه لو نتَجَ رجلٌ مُهْرًا لم يَرْكَبُه مِنْ لَدُنْ طلوع الشمس من مغربها إلى أن تقوم الساعة. والذي نفس محمد بيده، إِنَّ الأَيَّامَ واللَّياليَ أسرعُ مِنْ مَر السَّحاب، فلا يَدْري الرَّجُل متى يُمْسِي ومتى يُصْبح، ثم تقوم الساعة، فوالذي نفسي بيده، لتَأْتِينَّهُم وإِنَّ الرَّجُلَ قد انصرف بلَبَنِ لِقْحتِه مِنْ تحتها فما يَذُوقه وما يَطْعَمُه، وإِنَّ الرَّجل لَفِي فِيهِ اللُّقْمة فما يُسِيعُها، وذلك قول الله ﵎: ﴿وَلَيَأْتِيَنَّهُم بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [العنكبوت: ٥٣] وإن الشمس والقمر يعودان إلى ما خلقهما الله منه، وذلك قوله : ﴿يُبْدِئُ وَيُعِيدُ﴾ [البروج: ١٣] أي: يعيدهما إلى ما خلقهما منه». قال حذيفة: بأبي أنت وأُمِّي يا رسول الله، وكيف قيام الساعة؟ وكيف النَّاسُ في تلك الحال؟ قال: «يا حذيفة، بينما النَّاس في أسواقهم أسَرَّ ما كانوا بدنياهم وأحرصهم عليها، فبَيْنَ وازِنٍ يَزِن، وكيَّالٍ يَكِيل وبائع يبيع، إذ أتهم الصَّيحةُ، فَخَرَّتْ الملائكةُ صَرْعَى مَوْتَى، وخرَّ الآدَمِيُّون صَرْعَى مَوْتَى على خدودهم، وذلك قوله : ﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ﴾ [يس: ٥٠] لا يستطيع أَنْ يُوصِيَ أحدٌ منهم صاحبه، ولا يَرْجِعَ إلى أهله، وتَخِرُّ الوحوش على جنوبها مَوْتَى صَرْعَى، وتَخِرُّ الطَّير مِنْ وَكْرِها وَمِنْ جَوِّ السَّماء

стр. 550

موتى، وتموت السباع في الغياض والآجام والفيافي، وتموت الحيتان (١) في لُجَج البحار، والهوام في بطن الأرض، ولا يَبْقَى مِنْ خَلْقِ الله إلا أربعة: جبريل وميكائيل وإسرافيل وملَكُ الموت ﵇، فيقول الرَّبُّ لجبريل: مُتْ، فيموت، ثم يقول لميكائيل: مُتْ، فيموت، ثم يقول لإسرافيل: مُتْ، فيموت، ثم يقول: يا ملك الموت، ما مِنْ نَفْسٍ إلا وهي ذائقة الموت، مُتْ، فَيَصيح صَيْحةً، ثم يَخِرُّ مَيْتًا، ثم يَأْذَنُ الله للأرضين السبع، فتنطوي على ما فيها كطيّ السِّجِلِّ، ثم يَأْذَنُ الله - تعالى - للسَّماوات السبع فتنطوي على ما فيها كطَيِّ السَّجِلِّ، والسَّماواتُ السَّبْعُ والأَرضون السَّبْعُ وما فيهن لا تستبين مع قُدْرة رَبِّنا إلا كما لو أنَّ حِبَّةٌ مِنْ خَرْدَلٍ أُرْسِلَتْ في رمال الأرض وبحارها لم تَسْتَبِنْ. ثم يقول الرَّبُّ ﵎: أين الملوك؟ وأين الجبابرة؟ ولمن المُلْكُ اليوم؟ قال: فيَرُدُّ الرَّبُّ ﷻ على نفسه: الله الواحد القهار، ثم يقول لها الثانية والثالثة، ثم يَأْذَنُ لِلسَّماواتِ فتمتدُّ كما كان، ثم يأذن لصاحب الصور فيقوم فيَنْفُحْ نَفْحَةً فَتَنْشِقُ الأرضُ وتَلْفِظُ ما فيها، ويسعى كل عضو (٢)، ثم يُمْطِرُ الله عليهم من نهَرٍ، يقال له: الحيوان من تحت العرش، فيُمْطِر عليهم شِبْهَ مَنِي الرجال أربعين يومًا وليلة حتى يَنْبُتَ اللَّحم على أجسادهم كما تنبت الطراثيث على وجه الأرض، ثم يَأْذَنُ له في النَّفْحة الثانية، فيَنْفُخ في الصور، فتَخْرُج الأرواح إلى أجسادِها التي خرجت مِنْها». قال حذيفة ﵁: قلتُ: يا رسول الله، أَتَعْرِفُ الرُّوحُ الجسد؟ قال: «نعم يا حذيفة، إِنَّ الرُّوح لأَعْرَفُ بالجسدِ مِنْ أحدِكُم بِمَنْزِله». قال: فيقومُ النَّاسُ في ظُلْمةٍ لا يُبْصِرُ أحدهم صاحبه، فيَمْكُثون ثلاثين

стр. 551

سنةً، ثم تنجلي عنهم، وتُسَجَّرُ البحار فتَصِير نارًا وتُحيط بالدُّنيا، فذلك قوله : ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ﴾ [التكوير: ٦] ويُحْشَرُ كلُّ قومٍ فَوْجًا لَفِيفًا، لا يختلط المؤمن بالكافر، ويَنْزِلُ صاحب الصُّور، فيقوم على صخرة بيتِ المقدس، فيُحْشَرُ النَّاسُ حُفاةً عُراةً مُشاةً غُرْلًا ما على أحدهم طُحْرُبةٌ، ودنَتْ الشَّمسُ فوق رؤوسهم، فبينهم وبينها مسيرة سنتين، وأُمِدَّتْ بِحَرِّ عَشْرِ سِنين، فيُسْمَعُ لأجواف الكُفَّارِ غَلْي، فينتهون إلى أرض يُقال لها: الساهرة، وهي بناحية بيت المقدس (١)، تسَعُ النَّاسَ وتحملهم بإذن الله على ليسوا قيامًا على أقدامهم، ولكنهم جُثًا على رُكَبِهم، شاخصةً أبصارهم إلى السماء، لا يلتفتُ أحد منهم يمينًا ولا شمالًا ولا خَلْفًا، اشتغلَتْ كلُّ نَفْسٍ بما أتاها، فذلك قوله ﵎: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين: ٦] قال: يقومون مِقْدارَ مِئَةِ سنة، والذي نفسي بيده، إنَّ تلك المئة سنة على المؤمن كقيامه في صلاة واحدة، فإذا تمَّتْ مِئَةُ سنة انشقَّتْ سماءُ الدُّنيا، وهبط ساكنوها أكثر من أهل الأرض مرَّتَيْن، فيُحيطون بالأرض، ثم السَّماءُ الثَّانية والثالثة والرابعة والخامسة والسادسة، أهل كل سماء أكثرُ مِنْ أهل الأرضِ والسَّماء التي تحتها مرتين، ثم تنشَقُّ السَّماءُ السَّابعةُ ويهبط ساكنها أكثر مما هبَطَ من أهل سنّ سماوات ومن أهل الأرض مرتين، ثم يَجِيء الرَّبُّ ﷻ في ظُلَلٍ مِنْ الغمام، فأوَّلُ شيءٍ يُكَلِّمُ البهائم، يقول: يا بهائمي خلَقْتُكم لولدِ آدم، فكيف كانت طاعتكم بهم - وهو أعلم؟ قال: فتقول البهائم: خلَقْتَنا لهم فكلَّفونا ما لا نطيق، فَصَبَرْنا لِطَلب مَرْضاتِكَ يا إلهنا، وكانوا يذبحوننا وبعضنا ينظر إلى بعض، فلم تكن لنا ألسنة نستعفي منهم، وذلَّلْتَنا لهم فلم نستطع أَنْ نَنْتقم منهم، وكُنَّا نَصْبِر لطلب مَرْضاتِك، فيقولُ الرَّبُّ ﵎: صدَقْتُم يا بهائمي، طلَبْتُم رِضاي فأنا عنكم راض، ومن رِضايَ عنكم أنْ لا أُرِيَكم اليوم أهوالًا، فكونوا ترابًا، فعند ذلك يقول الكافرُ: ﴿يَالَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا﴾ [النبأ: ٤٠].

стр. 552

ثم تذهب الأرضُ السُّفْلى والثَّانية والثالثة والرابعة والخامسة والسادسة، وتَبْقَى هذه الأرض تتكفَّأُ بأهلها كما تتكفَّأُ السَّفينة في لُجَّةِ البحر إذا خفَقَتْها الرِّياحُ، فيقول الآدمِيُّون: ليست هذه هي الأرض التي كُنَّا نَزْرعُ عليها ونَبْني فوقها البنيان ونمشي عليها، فما لها اليوم لا تَقِرُّ؟! فتُجاوبهم فتقول: يا أهلاه، أنا الأرض التي كان الرَّبُّ مهَّدَني لكم إلى ميقات يوم معلوم، فأنا شاهدة عليكم بما عملتُم على ظهري، ثم عليكم السلام، فلا أراكم أبدًا ولا تروني، فتَشْهَدُ على كلِّ عبدٍ وأمَةٍ بما عَمِل على ظَهْرِها، إِنْ خيرًا فخيرًا، وإِنْ شَرًّا فشرًا، ثم تذهب هذه الأرض، وتَبْرُز أرضٌ بيضاءُ لم يُعْمَلْ عليها المعاصي، ولم يُسْفَك عليها الدّماء، فعليها (١) يُحاسِبُ الله الخلق. ثم يُجاء بالنار مزمومةٌ بسبعين ألف زمام، بيد سبعين ألف ملك، لو أنَّ ملكًا منهم أُذن له لا لتَقمَ أهلَ الجَمْع، فإذا كانت من الآدميين على مسيرة أربع مئة سنةٍ زَفَرَتْ زَفْرةً فتَتجلَّلُ النَّاسَ سَكْرةٌ، وتَطِير القلوب إلى الحناجر، فلا يستطيع أحد منهم أن يتنفّس إلا بعد جَهْد، ويأخذهم من ذلك غم، حتى يُلْجِمَهُم العرَقُ في مكانهم، فتَسْتأْذِنُ الرَّحمن في السجود، فيَأْذَنُ لها (٢) فتسجد، فتقول: الحمد لله الذي جعلني أنتَقِمُ له مِمَّنْ عصاه، ولم يجعلني آدَمِيًّا يُنتقَمُ مِنِّي. ثم تبرز الجنَّة، حتى إذا كانَتْ مِنْ الآدميين على مسيرة خمس مئة سنة، وجد المؤمنون رِيحَها وراحتها، فتَسْكُن قلوبهم، ويزدادون قوَّةً إلى قوتهم، وتثبت عقولهم، ويُلَقَّنُهم الله حُجَج ذنوبهم. ثم تُنْصَبُ الموازين، وتُنشَرُ الدَّواوين، ويُنادَى: أين فلان ابن فلان؟ قُمْ إلى الحساب، فيقومون، فيَشْهَدُون لِلرُّسُلِ أَنَّهم قد بلغوا رسالات ربهم، فأنتم حُجَّةٌ لِلرُّسُلِ يوم القيامة، فيُنادى رجُلٌ رجُل، فيا لها سعادة لا شقوة بعدها، ويا لها شقاء لا سعادة بعده.

стр. 553

فإذا قُضِي بين أهلِ الدَّارَيْن، وأُدْخِل أهلُ الجَنَّةِ الجنَّةَ، وأهلُ النَّار النَّارَ، بعث الله - تعالى - ملائكته خاصَّةً إلى أُمَّتي في مقدار يوم الجمعة، معهم التُّحَفُ والهدايا من عند ربهم ويقولون: سلامٌ عليكم، ربُّ العِزَّة يُقْرِئُكم السَّلامَ، ويقول لكم: أرَضِيتُمْ بالجنَّةِ مَنزِلًا وقرارًا؟ فيقولون: هو السَّلام، ومنه السَّلام، وإليه يَرْجِع السَّلام، فتقول: إِنَّ الرَّبَّ ﵎ قد أذن لكم في الزيارة، فيركبون نوقًا صفراء وبيضاء، رِحالُها الذهب، وأَزِمَّتُها الياقوت، فَيَخُضْنَ في رمال الكافور، أنا قائدهم، وبلالٌ على مُقدِّمتهم، ووَجْهُ بلال أشدُّ نُورًا من القمر ليلة البدر، والمؤذنون حوله بتلك المنزلة، ثم أهلُ الحَرَمِ أدنى النَّاسِ مِنِّي، ثم الذين يَلِيهم أهلُ حَرَمِي، ثم النَّاسُ بعدي الأقصى فالأقصى، فيسيرون لهم تهليل وتكبير، لا يسمع سامع في الجنَّةِ أصواتهم إلا اشتاق إلى النظر إليهم، فيَمُرُّون بأهل الجنان في جنانهم، فيقولون: مَنْ هؤلاء الذين مَرُّوا بنا آنفًا؛ فقد ازدادَتْ جِنانُنا حُسْنًا إلى حُسْنِها، ونورًا إلى نورها؟! فيقولون: هذا (١) محمَّد ﷺ وأُمَّتُه يزورون ربَّ العِزَّة ﵎، فيقولون: بالله لَئِنْ كان محمد ﷺ وأمته بهذه الكرامة، فيا ليتنا من أمة محمد ﷺ ، فيسيرون حتى يَنْتَهُوا إلى شجرة في الجنة يقال لها: طُوبَى، وهي شاطئ نهر محمَّدٍ ﷺ ، ليس في الجنَّة قصر من قصور أمَّة محمد ﷺ إلا وفيه غُصْنُ مِنْ أغصان تلك الشَّجرة، فينزلون تحتها، فيُكْسَى أحدُهم مئةَ حُلَّة، لو أنه جعلها بين أصبعيه لوسعت من نبت الجنة (٢). ثم يقول الرَّبُّ ﵎: يا جبريل، عطر أهل الجنَّة، فَيَسْعَى الوِلْدان بالطيب فيُطَيَّبون، ثم يقول - تعالى وتقدس -: يا جبريل، فكه أهل الجنَّة، فَيَسْعَى الولدان بالفواكه، قال: ثم يقول - جل كبرياؤه، وتعالى جَدُّه -: ارْفَعوا الحجُبَ حتى ينظُرَ العباد إلى وجهي؛ فإنهم عبدوني ولم يروني،

стр. 554

وعرفتني قلوبهم ولم تنظُرْ إليَّ أبصارهم، قال: فتقول الملائكة: سبحانك، نحن ملائكتك وحملة عرشك، لم نَعْصِكَ طرفة عين قط، لا نستطيع النظر إلى وجهك، فكيف يستطيع الآدميون النَّظر إلى وجهك؟! فيقول الرَّبُّ ﵎: يا ملائكتي، إني طال ما رأيتهم صوامًا لوجهي في يومٍ شديدِ الظَّمَأ، ويا ملائكتي إني طال ما رأيتهم يعملون الأعمال ابتغاء وجهي ورجاء ثوابي، ويا ملائكتي إني طال ما رأيتُهم يزورون إلى بيتي من كلِّ فَجٍّ عميق، ويا ملائكتي، إني طال ما رأيتُ أعينهم تجري بالدموع من خشيتي، فيَحِقُ عليَّ اليوم أَنْ أُعْطِيَ أبصارهم مِنْ القُوَّة ما يستطيعون النظر إلى وجهي، قال: فتُرْفَعُ الحجُبُ، فَيَخِرُّون سُجَّدًا، ويقولون: سبحانك، لا نُريد حنانًا ولا أزواجًا، إلا النَّظر إلى وجهك (١)، قال: فيقول ﵎: ارْفَعوا رؤوسكم عبادي، فإنها دار جزاء، وليست بدارِ عِبادة، وهذا لكم عندي في مقدار كل جمعة كما كنتم تَزُورون إلى بيتي (٢). هذا حديث غريب جدًا بهذا الإسناد، والمشهور عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄ (٣) ما أنقص من هذا، رواه جماعة عن عكرمة مُطَوَّلًا ومُختصرًا. وهذا الإسناد فيه خلل، لا أقف على صِحَّتِه، مع انقطاعه، وفي نسخة أخرى قال: عن خازمِ بنِ جَبَلةَ بن أبي نَضْرَةَ، يكنى أبا علي، راوية أبي سعيد الخُدْري. وأبي الحسن المؤذن، عن الأوزاعي، عن سليمان بن موسى، عن

стр. 555

القاسمِ بنِ مُخَيْمِرةَ (١)، قالا: كان علي - بالتثنية ـ، فلعل الذي يقوله مع القاسم: خازم - بالخاء المعجمة ـ، أو: أبو نضرة، أو أبو سعيد، فالله - تعالى - أعلم. و (الطراثيث) واحده (٢) طُرْثُوثٌ، وهو نَبْتٌ يَنْبَسِطُ على وجه الأرض، كالفطر. والطَّحْرُبة - بضم الطاء والرَّاء، وبكسرهما أيضًا، وبتخفيف الباء وتشديدها، يقال في النَّفْي: ما عليه طُحْرُبة، أي: خِرْقَة. وأما الشمس والقمر: فقد رُوي عن أنس ﵁، أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «الشَّمس والقمر والنُّجوم خُلِقْنَ مِنْ نور العرش» (٣) كما في هذا الحديث، وروي عن سلمان الفارسي ﵁. وقال كعب: خُلق القمر من نور؛ لأنَّ الله ﵎ قال: ﴿وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نورا﴾ [نوح: ١٦] وخُلِقَتْ الشَّمسُ من النَّار، ألا ترى أنه قال: ﴿وَجَعَلَ الشَّمْسَ سراجا﴾ [نوح: ١٦] والسراج لا يكون إلا من النار. وقال معاوية بن صالح: بلغني أنَّ الشَّمسَ خُلِقَتْ من نار تشرب ولا تأكل، ومنها خُلِقَتْ الشَّياطين. وقال ابن شوذب: الشَّمسُ جزء من ثلاثة آلاف جزء من نور تحت العرش (٤).

стр. 556

وعن أنس ﵁ أيضًا، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال: «الشَّمسُ والقمرُ ثَوْران عَقِيران في النَّار» (١). وعن عبد الله بنِ عَمْرو ﵄ قال: إِنَّ الله خلق الشمس والقمر، ثم أخبرهما أنَّهما في النَّار، فلم يستطيعا مَلْجَأَ (٢). وعن ابن عباس ﵄ في تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ﴾ [التكوير: ٦] نحو ذلك (٣)، فالله أعلم بصحة ذلك. وسنذكر حديث ابن عباس ﵄ في ترجمته (٤) إن شاء الله . * * * ١٥٣ - أخبرنا أبو علي الحداد بقراءةِ والدي عليه رحمهما الله سنة ست وخمس مئة، وجعفر بن عبد الواحد الثقفي بقراءتي عليه ﵀ بعد ذلك، قالا: أخبرنا أبو طاهر محمَّدُ بنُ أحمدَ بنِ عبدِ الرَّحيم، قال: أخبرنا عبد الله بن محمَّدِ بنِ جعفر أبو الشيخ، قال: حدثنا أبو بكرٍ أحمدُ بنُ عَمْرِو بنِ عبدِ الخالق، قال: حدثنا محمدُ بنُ مَعْمَرٍ، وأحمدُ بنُ عَمْرِو بنِ عُبَيدةَ العُصْفُرِيُّ، ح. وأخبرنا أبو علي الحداد ﵀ إذنًا، قال: حدثنا أبو نُعَيم الحافظ قراءةً عليه سنة خمس وعشرين، وسنة تسع وعشرين وأربع مئة، قال: حدثنا أحمدُ بنُ جعفرِ بنِ مَعْبدٍ، قال: حدثنا أبو بكر أحمدُ بنُ عَمْرٍو البَزَّارُ، قال: حدثنا محمَّدُ بنُ مَعْمر، وأحمدُ بنُ عَمْرٍو العُصْفُرِيُّ. قالا: حدثنا يحيى بن كثير العَنْبَرِيُّ، قال: حدثنا إبراهيم بن المبارك، ح.

стр. 557

وأخبرنا أبو الخير عبد الله بنُ مَرْزُوقٍ الهَرَوِيُّ (١) فيما أذن لي بإسناده وحده، قال: أخبرنا أبو القاسم بن أبي عبد الله، قال: أخبرنا أبو طاهر عمرُ بنُ إبراهيم بن الفاخر، قال: حدثنا أبو بكر أحمدُ بنُ سَلْمَانَ بن الحسن النَّجَّادُ، قال: حدثنا عبد الله بن محمَّدِ بنِ عُبَيد (٢)، قال: حدثني أَزْهَرُ بنُ مروان، قال: حدثنا عبد الله بن عرادةَ الشَّيباني - والسياق لروايته -. قالا: حدثنا القاسم بنُ مُطَيَّبٍ، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن حذيفة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «أتاني جبريل ﵇ وفي كَفَه مِرْأَةٌ كأحسن المرائي وأَضْوَئِه، وإذا في وسطها لمعة سوداء - زاد إبراهيم في روايته - قلت: ما هذا يا جبريل؟ قال: هذه الدُّنيا صَفاؤها وحُسْنُها، فقلت: ما هذه اللمعة التي أَرَى فيها؟ قال: هذه الجُمُعة، قلت: وما الجمعة؟ قال: يوم من أيَّام ربك عظيم، وأُخْبرك بشَرَفِه وفَضْلِهِ في الدُّنيا، وما يُرْجَى فيه لأهله، وأُخْبِرُك باسمه في الآخرة. فأما شرفه وفضله في الدُّنيا: فإِنَّ الله جمع فيه أمر الخلق، وأما ما يُرْجَى فيه لأهله: فإنَّ فيه ساعةً لا يُوافِقُها عبد مسلم، أو أمةٌ مسلمة، يسألان الله فيها خيرًا إلا أعطاهما إيَّاه، وأما شرَفُه وفضله في الآخرة واسمه: فإِنَّ الله ﵎ إذا صيَّر أهلَ الجنَّةِ إلى الجنَّةِ، وأهل النار إلى النار، جرَتْ عليهم هذه الأيَّامُ وهذه الليالي، ليس فيها ليل ولا نهار، وأعلم (٣) الله مقدار ذلك وساعاته، فإذا كان يوم الجمعة حين يخرج أهل الجمعة إلى جمُعَتِهم نادى أهل الجنَّة منادٍ: يا أهل الجنة (٤)، أخرجوا إلى وادي المزيد، قال: ووادي المزيد لا يعلم سَعةَ طوله وعَرْضِه إلا الله ، فيه كثبان المسك، رؤوسها في السماء - يعني: السَّماء التي بُدِّلَتْ -.

стр. 558

قال: فيخرج غلمان الأنبياء بمنابر من نور، ويخرج غلمان المؤمنين بكرسيٍّ مِنْ ياقوت، فإذا وُضِعَتْ لهم، وأخذ القومُ مجالسهم، بعث الله ﵎ عليهم ريحًا تُدْعَى المُثيرة، تُثير المسكَ فتُدْخِلُه مِنْ تحت ثيابهم، وتُخْرِجُه في وجوههم وأشعارِهم، تلك الرِّيحُ أعلم كيف تصنع بذلك المسك من امرأة أحدكم لو دفع إليها كلُّ طيب على وجه الأرض، فقيل لها: لا يَمْنَعُكِ منه قِلَّةٌ كانت تلك الرِّيح أعلم بما تصنع بذلك المسكِ من تلك المرأة لو دفع إليها ذلك الطيب. قال: ثم يوحي الله إلى حملة عرشه، فيكونُ أوَّلَ ما يسمعون منه: أين عبادي الذين أطاعوني بالغيب ولم يرَوْني، وصدَّقُوا رُسلي، واتَّبعوا أمري؟ سَلُوني، فهذا يوم (١) المزيد، فيجتمعون على كلمة واحدة: رَبِّ رَضِيْنا عنك، فَارْضَ عَنَّا، ويَرْجِعُ الله - تعالى - إليهم: أَنْ يا أهل الجنَّة، إني لو لم أَرْضَ عنكم لم أُسْكِنْكُم داري، سَلُوني، وهذا يومُ المَزيد، فيجتمعون على كلمة واحدة: رَبِّ وجَهَكَ ننظر إليه، فيكشِفُ الله تلك الحُجُبَ، فَيَتجَلَّى لهم، فيغشاهم من نوره شيء لولا أنه قضى أن لا يحترقوا لا احترقوا مما يغشاهم من نوره. ثم يُقال لهم: ارجعوا إلى منازلكم، فيَرْجِعون إلى منازلهم، وقد أُعْطِيَ كلُّ واحدٍ منهم الضّعْفَ على ما كانوا فيه، فيَرْجِعون إلى أزواجهم وقد خفَوْا عليهِنَّ وخَفِينَ عليهم مما غشِيَهم من نوره، فإذا رجعوا تراد وتراد حتى يرجعوا (٢) إلى صُوَرِهم التي كانوا عليها، فتقول لهم أزواجهم: لقد خرجتم من عندنا على صورة، ورجَعْتُم على غيرها؟! فيقولون: ذلك بأنَّ الله تجلى لنا، فنظرنا منه، قال: إنَّه - والله - ما أحاط به خَلْقٌ، ولكنه قد أراهم من عظمتِه وجلاله ما شاء أَنْ يُرِيَهم، فذلك قوله: فنظرنا منه. قال: فهم يتقلبون في مسك الجنة ونعيمها، فلهم في كل سبعة أيام

стр. 559

الضَّعْفُ على ما كانوا فيه، قال رسولُ الله ﷺ ، فذلك قول الله : ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٧]» (١). هذا حديث غريب من حديث الأعمش، لا أعرفه إلا من حديث القاسم بن مُطيَّب عنه، وهو بصري مستور، غير أنه تفرد بغير لفظ في هذا الحديث مما لم يُتابع عليه. وهذا الحديث من رواية أنس بن مالك ﵁ أشهرُ، رُوِيَ عنه من أوجه عدة (٢). وروي عن ابن عُمرَ ﵄ أيضًا، عن رسول الله ﷺ (٣).

стр. 560

وقوله (فنظرتنا منه) مما تفرد به القاسم عندي، لم أكتبه إلا من هذه الرواية، ولعله أراد معنى قوله ﵎: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه: ١١٠]. فأما النظر إليه ﷻ : فحقق لأهل الجنة ثابت من غير وجه عن رسول الله ﷺ . ١٥٤ - أَخْبَرَنَا الفقيه أبو سعد محمد بن محمد المُطَرِّزُ ﵀ في أول مجلس أحضرتُ فيه لسماع الحديث، سنة ثلاث وخمس مئة، قال: حدثنا أبو علي محمد بن إبراهيم بن أبان، ح. وأخبرنا محمد بن عبد الله بن الحارث إجازة، قال: أخبرنا أحمد بن محمد بن الحسين، ح. وأخبرنا أبو غالب أحمد بن العباس الكُوشِيذِيُّ، قال: أخبرنا محمد (١) بن عبد الله الضّبي - واللفظ لروايته -. قالوا: حدثنا سليمان بن أحمد، قال: حدثنا موسى بن هارون، قال: حدثنا خلف بن هشام البزار، قال: حدثنا عبد ربه بن نافع أبو شهاب الحناط، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، عن جرير بن عبد الله البَجَلِيُّ ﵁ قال: كُنَّا مع النبي ﷺ في سفر، فنظر إلى القمر ليلة البدر، فقال: «إِنَّكُمْ سترون ربَّكم - تعالى - عيانًا يَوْمَ القيامة كما ترون هذا، لا تُضَامُّونَ في رؤيته، فإن استطعتم أن لا تُغْلَبُوا عن صلاة قبل طلوع الشمس وقبل الغروب» ثم قرأ: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ [ق: ٣٩] (٢).

стр. 561

وهذا حديث كبير، اتفق الأئِمَّةُ على إخراجه في كتبهم الصحاح من حديث إسماعيل بن أبي خالد الكوفي. أخرجه البخاري في سِتَّةِ مواضعَ مِنْ صحيحه، وأخرجه مسلم بن الحَجاج، وأبو داود السجستاني، وأبو عيسى التَّرْمِذِيُّ، وابن ماجه، وغيرهم، من حديث إسماعيل هذا. وحديث أبي شهاب: أخرجه البخاري عن يوسف بن موسى، عن عاصم بن يوسف اليربوعي، عنه. كأن شيخي سمعه من صاحبِ البخاري. وقولُه (عِيانًا) يُعَدُّ في أفراد أبي شهاب (١)، وتابعه عليه زيد بن أبي أنيسة (٢)، ورواه عن إسماعيلَ نَيّفٌ وسبعون نَفْسًا مِنْ الأئِمَّةِ والأعلام (٣). وروى حديثَ الرُّؤية عن رسول الله ﷺ خمسة وعشرون صحابيًا، لا يُنْكَرِهُ إلا مُعانِدٌ ضال (٤). وقوله «فإن استطعتُم أَنْ لا تُغْلَبوا عن صلاةٍ» عَقِيبَ ذِكْرِ الرُّؤية، يدلُّ على أن المحافظة على الصَّلاة تُؤدّي إلى الجنَّةِ والرُّؤْية.

стр. 562

١٥٥ - أخبرنا أبو بكر محمَّدُ بنُ عبدِ الله بن الحارث إجازة، قال: أخبرنا أبو الحسين بن فاذشاه، قال: أخبرنا الطبراني، قال: حدثنا أبو يزيد القراطيسي، قال: حدثنا أسَدُ بن موسى، قال: حدثنا حماد بن سلمة، عن ثابت البناني، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن صُهَيب ﵁، عن النَّبيِّ ﷺ في قوله ﵎: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦] قال: «الحسني: الجنَّة، والزيادة: النظر إلى وَجْه الله ﵎» (١). وأخبرنا أبو بكر هذا إجازة، قال: أخبرنا أبو الحسين، قال: أخبرنا الطبراني، قال: حدثنا أبو الزنباع المصري، قال: حدثنا حامد بن يحيى البَلْخِيُّ، قال: قيل لسفيان بن عُيينةَ: إِنَّ بِشْرًا المَرِيسي يقولُ: إِنَّ الله لا يُرى يوم القيامة، فقال: قاتله اللهُ الدُّوَيبةَ، ألم يسمع الله ل يقول: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥] فجعل احتجابه عنهم عقوبة لهم، فإذا احتجب عن الأولياء والأعداء، فأيُّ فَضْل للأولياء على الأعداء؟! (٢).

стр. 563

ومن حديث الحارث بن رِبْعِيَّ، أبي قتادة ﵁ (١) ١٥٦ - أخبرنا القاضي أبو منصور محمد بن عبد الله بن عبد الواحد بن مَنْدُويَة المُعدّل الشروطي ﵀ سنة خمس وخمس مئة، قال: حدثنا أبو نُعَيم أحمد بن عبد الله الحافظ، قال: حدثنا أبو بكر أحمد بن يوسف بن خلاد، قال: حدثنا الحارث بن أبي أسامة، قال: حدَّثنا يَزِيدُ - يعني: ابن هارون - ح. وأخبرنا به نازلًا هبة الله بنُ الحُصَيْنِ الشَّيباني ﵀ ببغداد، قال أخبرنا أبو علي بنُ المُذْهِبِ الواعظ، قال: حدثنا أبو بكر بن مالك القطيعي، قال: حدثنا عبد الله بن أحمد بنِ حنبل، قال: حدثني أبي ﵀، قال: حدثنا يزيد بن هارون، ح. وأخبرنا هبة الله بن عبد الله الواسطي بكَرْخِ بغداد ﵀، قال: أخبرنا عبد الصمد بن علي، قال: حدثنا أبو الحسن الدارقطني الحافظ، قال: قُرِئ على عبد الله بن محمَّدٍ البَغَويّ وأنا أسمع، قال: حدثنا هارون بن عبد الله، قال: حدثنا يزيد بن هارونَ، قال: أخبرنا حمَّادُ بن سلمة، عن ثابت، عن عبد الله بن رباح، عن أبي قتادة ﵁. زاد الدارقطني: قال يزيد: وقال حمَّادٌ: حدَّثنا حميد، عن بَكْرٍ، عن عبد الله بن رباح. قال الدارقطني: وقال البَغَوِيُّ: حدَّثنا أبو الربيع، قال: حدثنا حماد بن زد، قال: حدثنا ثابت، عن عبد الله بن رباح، عن أبي قتادة ﵁ قال: كُنَّا مع رسول الله ﷺ في سفر، فقال: «إِنَّكُمْ إِنْ لا تُدْرِكُوا الماء غدًا

стр. 564

تَعْطَشُوا» فانطلق سَرَعانُ النَّاسِ يريدون الماء، ولَزِمْتُ رسول الله ﷺ تلك الليلة، فمالت برسول الله ﷺ راحِلَتُه، فَنَعَسَ رسول الله ﷺ فمال، فدعَمْتُه فادَّعَمَ، ثم مال، فدعَمْتُه فادَّعَمَ، ثم مال حتى كادَ أَنْ يَنْجَفِلَ عن راحلته، فدعمْتُه، فانتبه، فقال: «مَنْ الرَّجلُ؟» قلت: أبو قتادة، قال: «منذُ كَمْ كان مَسِيرُك؟ قلت: منذ الليلة، قال: حفظك الله - تعالى - بما حفظت به رسوله» - وفي رواية أحمد: «كما حفظت رسوله» -. ثم قال: «لو عرسنا» فمال إلى شجرة، فنزل، فقال: «انظر هل ترى أحدًا؟» فقلت: هذا راكب هذان راكبان - حتى بلغ سبعةً - فقال: «اِحْفَظُوا علينا صلاتنا» فنِمْنا، فما أيقظنا إلا حَرُّ الشَّمس، فانتبهنا، فَرَكِبَ رسول الله ﷺ ، فسار، وسِرْنا هُنَيَّةٌ، ثم نزل، فقال: «أمعكم ماء؟» قلت: نعم، معي مِيضَأَةٌ فيها شيء من الماء، فقال (١): «اِئَتِ بها فأتيته بها، فقال: «مُسُّوا منها، مُسُّوا منها» فتوضأ القوم، وبقيت في الميضأة جُرْعة، فقال: «ازْدَهِرْ بها يا أبا قتادة؛ فإنَّه سيكون لها نبأ» ثم أذن بلال ﵁، وصلوا الركعتين قبل الفجر، ثم صَلَّوْا الفجر، ثم ركِبَ ورَكِبْنا، فقال بعضُهم لبعض: فرطنا في صلاتنا، فقال رسول الله ﷺ : ما تقولون؟ إن كانَ أَمْرَ دنياكم (٢) فشَأْنَكُم، وإن كان أمر دينكم فإلي قلنا: يا رسول الله، فرَّطْنا في صلاتنا؟ فقال: لا تفريط في النوم، وإنما التفريط في اليقظة، فإذا كان ذلك فصَلُّوها ومِن الغَدِ لِوقْتِها». ثم قال: «ظُنُّوا بالقوم» قالوا: إنَّك قلت بالأمس: «إِنْ لا تُدْرِكوا الماء غدًا تَعْطَشوا» فالنَّاسُ بالماء! فقال: «أصبح النَّاسُ وقد فقَدُوا نبيهم، فقال بعضهم: إنَّ رسول الله بالماء، وفي القوم أبو بكر وعمر، فقالا: أيُّها النَّاس، إنَّ رسول الله لم يَكُنْ لِيَسْبِقَكُم إلى الماء ويُخَلِّفَكُم، وإِنْ يُطِعْ النَّاسُ أبا بكر وعمر يَرْشُدوا» قالها ثلاثًا.

стр. 565

فلما اشتَدَّتْ الظَّهِيرة رفع لهم رسول الله ﷺ ، فقالوا: يا رسول الله، هلكنا، عطشنا، تَقطَّعَتْ (١) الأعناق، فقال ﵇: «لا هُلكَ عليكم». ثم قال: «يا أبا قتادة، اِنْتِ بالميضأة» فأتيته بها، فقال: «احْلُلْ لي غُمَري» - يعني: قدحه - فحللته، فأتيته به، فجعل يصُبُّ فيه ويَسْقِي النَّاس، فازدحم الناس عليه، فقال رسول الله ﷺ : «يا أيُّها النَّاسِ، أَحْسِنُوا المَلَأَ؛ فكلُّكم سيصدر عن ري» فشرِبَ القوم، حتى لم يَبْقَ غَيْرِي وغيرُ رسول الله ﷺ ، فصَبَّ لي، فقال: «اشْرَبْ يا أبا قتادة» قال: قلتُ: اِشْرَبْ أنت يا رسول الله، فقال: «إِنَّ ساقِيَ القوم آخِرُهم» فَشَرِبْتُ، ثم شَرِبَ بعدي، وبَقِيَ في الميضأة نحو مما كان فيها، وهم يومئذ ثلاث مئة. قال عبد الله بن رباح: فَسَمِعَني عِمْرانُ بنُ حُصَين ﵁ وأنا أُحَدِّثُ هذا الحديث في المسجد الجامع، فقال: من الرَّجُل؟ قلت: أنا عبد الله بن رباح الأنصاري، فقال: القومُ أعلَمُ بحديثهم، أنْظُرْ كيف تُحدِّث؛ فإني أحَدُ السَّبعة تلك الليلة، فلما فَرَغْتُ قال: ما كنتُ أحسَبُ أنَّ أحَدًا يحفظ هذا الحديث غيري. هذا لفظ حديث يزيد بن هارون (٢). قال أحمد بن حنبل: قال حمَّادٌ: حدَّثنا حُميد الطويل، عن بكر بن عبد الله المُزَني، عن عبد الله بن رباح، عن أبي قتادة ﵁، عن النبي ﷺ ، بمثله، وزاد: قال: كان رسول الله ﷺ إذا عرس وعليه ليل، توسد يمينه، وإذا عرس - يعني: قُبيل الصبح - وضَعَ رأسه على كَفِّه اليمنى، وأقام ساعِدَه (٣). قال عبد الله بن أحمد: حدَّثني إبراهيمُ بْنُ الحَجَّاج، قال: حدثنا حماد بن
следующие страницы →