وهذا حديث كبير، اتفق الأئِمَّةُ على إخراجه في كتبهم الصحاح من حديث إسماعيل بن أبي خالد الكوفي.
أخرجه البخاري في سِتَّةِ مواضعَ مِنْ صحيحه، وأخرجه مسلم بن الحَجاج، وأبو داود السجستاني، وأبو عيسى التَّرْمِذِيُّ، وابن ماجه، وغيرهم، من حديث إسماعيل هذا.
وحديث أبي شهاب: أخرجه البخاري عن يوسف بن موسى، عن عاصم بن يوسف اليربوعي، عنه. كأن شيخي سمعه من صاحبِ البخاري.
وقولُه (عِيانًا) يُعَدُّ في أفراد أبي شهاب (١)، وتابعه عليه زيد بن أبي أنيسة (٢)، ورواه عن إسماعيلَ نَيّفٌ وسبعون نَفْسًا مِنْ الأئِمَّةِ والأعلام (٣).
وروى حديثَ الرُّؤية عن رسول الله ﷺ خمسة وعشرون صحابيًا، لا يُنْكَرِهُ إلا مُعانِدٌ ضال (٤).
وقوله «فإن استطعتُم أَنْ لا تُغْلَبوا عن صلاةٍ» عَقِيبَ ذِكْرِ الرُّؤية، يدلُّ على أن المحافظة على الصَّلاة تُؤدّي إلى الجنَّةِ والرُّؤْية.
стр. 562
١٥٥ - أخبرنا أبو بكر محمَّدُ بنُ عبدِ الله بن الحارث إجازة، قال: أخبرنا أبو الحسين بن فاذشاه، قال: أخبرنا الطبراني، قال: حدثنا أبو يزيد القراطيسي، قال: حدثنا أسَدُ بن موسى، قال: حدثنا حماد بن سلمة، عن ثابت البناني، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن صُهَيب ﵁، عن النَّبيِّ ﷺ في قوله ﵎: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦] قال: «الحسني: الجنَّة، والزيادة: النظر إلى وَجْه الله ﵎» (١).
وأخبرنا أبو بكر هذا إجازة، قال: أخبرنا أبو الحسين، قال: أخبرنا الطبراني، قال: حدثنا أبو الزنباع المصري، قال: حدثنا حامد بن يحيى البَلْخِيُّ، قال: قيل لسفيان بن عُيينةَ: إِنَّ بِشْرًا المَرِيسي يقولُ: إِنَّ الله لا يُرى يوم القيامة، فقال: قاتله اللهُ الدُّوَيبةَ، ألم يسمع الله ل يقول: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥] فجعل احتجابه عنهم عقوبة لهم، فإذا احتجب عن الأولياء والأعداء، فأيُّ فَضْل للأولياء على الأعداء؟! (٢).
стр. 563
ومن حديث الحارث بن رِبْعِيَّ، أبي قتادة ﵁ (١)
١٥٦ - أخبرنا القاضي أبو منصور محمد بن عبد الله بن عبد الواحد بن مَنْدُويَة المُعدّل الشروطي ﵀ سنة خمس وخمس مئة، قال: حدثنا أبو نُعَيم أحمد بن عبد الله الحافظ، قال: حدثنا أبو بكر أحمد بن يوسف بن خلاد، قال: حدثنا الحارث بن أبي أسامة، قال: حدَّثنا يَزِيدُ - يعني: ابن هارون - ح.
وأخبرنا به نازلًا هبة الله بنُ الحُصَيْنِ الشَّيباني ﵀ ببغداد، قال أخبرنا أبو علي بنُ المُذْهِبِ الواعظ، قال: حدثنا أبو بكر بن مالك القطيعي، قال: حدثنا عبد الله بن أحمد بنِ حنبل، قال: حدثني أبي ﵀، قال: حدثنا يزيد بن هارون، ح.
وأخبرنا هبة الله بن عبد الله الواسطي بكَرْخِ بغداد ﵀، قال: أخبرنا عبد الصمد بن علي، قال: حدثنا أبو الحسن الدارقطني الحافظ، قال: قُرِئ على عبد الله بن محمَّدٍ البَغَويّ وأنا أسمع، قال: حدثنا هارون بن عبد الله، قال: حدثنا يزيد بن هارونَ، قال: أخبرنا حمَّادُ بن سلمة، عن ثابت، عن عبد الله بن رباح، عن أبي قتادة ﵁.
زاد الدارقطني: قال يزيد: وقال حمَّادٌ: حدَّثنا حميد، عن بَكْرٍ، عن عبد الله بن رباح.
قال الدارقطني: وقال البَغَوِيُّ: حدَّثنا أبو الربيع، قال: حدثنا حماد بن زد، قال: حدثنا ثابت، عن عبد الله بن رباح، عن أبي قتادة ﵁ قال:
كُنَّا مع رسول الله ﷺ في سفر، فقال: «إِنَّكُمْ إِنْ لا تُدْرِكُوا الماء غدًا
стр. 564
تَعْطَشُوا» فانطلق سَرَعانُ النَّاسِ يريدون الماء، ولَزِمْتُ رسول الله ﷺ تلك الليلة، فمالت برسول الله ﷺ راحِلَتُه، فَنَعَسَ رسول الله ﷺ فمال، فدعَمْتُه فادَّعَمَ، ثم مال، فدعَمْتُه فادَّعَمَ، ثم مال حتى كادَ أَنْ يَنْجَفِلَ عن راحلته، فدعمْتُه، فانتبه، فقال: «مَنْ الرَّجلُ؟» قلت: أبو قتادة، قال: «منذُ كَمْ كان مَسِيرُك؟ قلت: منذ الليلة، قال: حفظك الله - تعالى - بما حفظت به رسوله» - وفي رواية أحمد: «كما حفظت رسوله» -.
ثم قال: «لو عرسنا» فمال إلى شجرة، فنزل، فقال: «انظر هل ترى أحدًا؟» فقلت: هذا راكب هذان راكبان - حتى بلغ سبعةً - فقال: «اِحْفَظُوا علينا صلاتنا» فنِمْنا، فما أيقظنا إلا حَرُّ الشَّمس، فانتبهنا، فَرَكِبَ رسول الله ﷺ ، فسار، وسِرْنا هُنَيَّةٌ، ثم نزل، فقال: «أمعكم ماء؟» قلت: نعم، معي مِيضَأَةٌ فيها شيء من الماء، فقال (١): «اِئَتِ بها فأتيته بها، فقال: «مُسُّوا منها، مُسُّوا منها» فتوضأ القوم، وبقيت في الميضأة جُرْعة، فقال: «ازْدَهِرْ بها يا أبا قتادة؛ فإنَّه سيكون لها نبأ»
ثم أذن بلال ﵁، وصلوا الركعتين قبل الفجر، ثم صَلَّوْا الفجر، ثم ركِبَ ورَكِبْنا، فقال بعضُهم لبعض: فرطنا في صلاتنا، فقال رسول الله ﷺ : ما تقولون؟ إن كانَ أَمْرَ دنياكم (٢) فشَأْنَكُم، وإن كان أمر دينكم فإلي قلنا: يا رسول الله، فرَّطْنا في صلاتنا؟ فقال: لا تفريط في النوم، وإنما التفريط في اليقظة، فإذا كان ذلك فصَلُّوها ومِن الغَدِ لِوقْتِها».
ثم قال: «ظُنُّوا بالقوم» قالوا: إنَّك قلت بالأمس: «إِنْ لا تُدْرِكوا الماء غدًا تَعْطَشوا» فالنَّاسُ بالماء! فقال: «أصبح النَّاسُ وقد فقَدُوا نبيهم، فقال بعضهم: إنَّ رسول الله بالماء، وفي القوم أبو بكر وعمر، فقالا: أيُّها النَّاس، إنَّ رسول الله لم يَكُنْ لِيَسْبِقَكُم إلى الماء ويُخَلِّفَكُم، وإِنْ يُطِعْ النَّاسُ أبا بكر وعمر يَرْشُدوا» قالها ثلاثًا.
стр. 565
فلما اشتَدَّتْ الظَّهِيرة رفع لهم رسول الله ﷺ ، فقالوا: يا رسول الله، هلكنا، عطشنا، تَقطَّعَتْ (١) الأعناق، فقال ﵇: «لا هُلكَ عليكم».
ثم قال: «يا أبا قتادة، اِنْتِ بالميضأة» فأتيته بها، فقال: «احْلُلْ لي غُمَري» - يعني: قدحه - فحللته، فأتيته به، فجعل يصُبُّ فيه ويَسْقِي النَّاس، فازدحم الناس عليه، فقال رسول الله ﷺ : «يا أيُّها النَّاسِ، أَحْسِنُوا المَلَأَ؛ فكلُّكم سيصدر عن ري» فشرِبَ القوم، حتى لم يَبْقَ غَيْرِي وغيرُ رسول الله ﷺ ، فصَبَّ لي، فقال: «اشْرَبْ يا أبا قتادة» قال: قلتُ: اِشْرَبْ أنت يا رسول الله، فقال: «إِنَّ ساقِيَ القوم آخِرُهم» فَشَرِبْتُ، ثم شَرِبَ بعدي، وبَقِيَ في الميضأة نحو مما كان فيها، وهم يومئذ ثلاث مئة.
قال عبد الله بن رباح: فَسَمِعَني عِمْرانُ بنُ حُصَين ﵁ وأنا أُحَدِّثُ هذا الحديث في المسجد الجامع، فقال: من الرَّجُل؟ قلت: أنا عبد الله بن رباح الأنصاري، فقال: القومُ أعلَمُ بحديثهم، أنْظُرْ كيف تُحدِّث؛ فإني أحَدُ السَّبعة تلك الليلة، فلما فَرَغْتُ قال: ما كنتُ أحسَبُ أنَّ أحَدًا يحفظ هذا الحديث غيري. هذا لفظ حديث يزيد بن هارون (٢).
قال أحمد بن حنبل: قال حمَّادٌ: حدَّثنا حُميد الطويل، عن بكر بن عبد الله المُزَني، عن عبد الله بن رباح، عن أبي قتادة ﵁، عن النبي ﷺ ، بمثله، وزاد: قال: كان رسول الله ﷺ إذا عرس وعليه ليل، توسد يمينه، وإذا عرس - يعني: قُبيل الصبح - وضَعَ رأسه على كَفِّه اليمنى، وأقام ساعِدَه (٣).
قال عبد الله بن أحمد: حدَّثني إبراهيمُ بْنُ الحَجَّاج، قال: حدثنا حماد بن
стр. 566
سلمة، عن ثابت، عن عبد الله بن رباح (١).
قال: وحدثني إبراهيم، قال: حدثنا حمَّادٌ، عن حُمَيدٍ، عن بكر بن عبد الله، عن (٢) عبد الله بن رباح بإسناده، نحوه (٣).
وقال أحمد: حدثنا محمَّد بن جعفر، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة، عن عبد الله بن رباح (٤).
وأخبرنا أبو علي الحداد ﵀، قال: أخبرنا أبو نُعَيم إجازة، قال: حدثنا أبو أحمد محمد بن أحمد بن الغطريف، قال: حدثنا عبد الله بن محمَّدِ بنِ شِيرُويَه، قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي، قال: أخبرنا النَّضْرُ بنُ شُمَيلٍ، قال: حدثنا حماد بن سلمة، قال: أخبرنا ثابت البناني (٥).
وقال إسحاق: أخبرنا أبو عامر العَقَدِيُّ، قال: حدثنا سليمانُ بنُ المغيرة، عن ثابت البناني (٦).
وقال إسحاق: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا مَعْمَر (٧) ح.
وأخبرنا إسماعيل بن الفضل السَّرَّاجُ ﵀، قال: أخبرنا أبو طاهر محمد بن أحمد بن عبد الرحيم، قال: أخبرنا أبو بكر محمد بن إبراهيم بن المُقْرِئ، قال: أخبرنا أبو يَعْلَى الموصلي، قال: حدثنا هدبة، قال: حدثنا مُبارك بن فضالة، قال: أخبرني بكر بن عبد الله المُزَنيُّ (٨).
стр. 567
وقال أبو يَعْلَى: حدثنا هُدْبَةُ وشَيْبانُ بنُ فَرُّوخ، قالا: حدثنا سليمان بن المغيرة.
وقال أبو يَعْلَى: حدثنا محمد بن خالد بن عبد الله الواسطي، قال: حدثنا أبي، عن سعيد، عن قتادة، ح.
وقرأت على الإمام عبد الكريم بنِ عبدِ الرَّزَّاقِ ﵀ عن كتاب أبي القاسم بن أبي بكر، قال: حدثنا أبو بكر عبد الله بن محمَّدٍ القَبَّابُ، قال: حدثنا أبو بكر أحمد بن عمرو بن أبي عاصم، قال: حدثنا هذبة، قال: حدثنا مُبارك بن فضالة، قال: حدثنا بكر بن عبد الله.
وقال ابن أبي عاصم: حدَّثنا شَيْبان بنُ فَرُّوخ، قال: حدثنا سليمان بن المغيرة، قال: حدثنا ثابت.
جميعًا عن عبد الله بن رباح، عن أبي قتادة بهذا الحديث، إلا أنَّ ألفاظهم مختلفة، وفيها زيادة ونقصان وتفاوت.
وهذا حديث كبير ثابت من حديث ثابت، رواه عنه سوى من ذكرناهم: شعبة، وغيره.
وأخرجه مسلم بن الحجاج، وأبو داودَ السِّجِسْتاني، وأبو عبد الرحمن النسائي، وأبو عيسى التَّرْمِذِيُّ، وابن ماجَهْ القَزْويني، في كتبهم المعتمدة من حديث ثابت، إلا أنَّ بعضهم اختصره (١).
وأخرجه أبو داود أيضًا من حديث خالد بن سُمَيْر، عن عبد الله بن رباح (٢).
وأخرج مسلم بعضه من حديث بكر، عن ابن رباح (٣)
стр. 568
وأخرج البخاري وأبو داود بعضه من حديث عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه (١).
وقوله (سَرَعَانُ النَّاسِ) بوَزْن الغليان، وهم الذين يتسارعون إلى الأمر، وبعضُهم يقول: سَرْعان، بوَزْن الشَّبْعان وأصحاب الحديث يقولون: سرعان، على وَزْن عِصْيان، والمختار الأوَّل عند الكسائي وغيره (٢).
وقوله (فدعَمْتُه) أي: عدَلْتُه وأَقَمْتُه، وجَعَلْتُ يَدي بمنزلة الدعامة له، و (ادعم) مُطاوع له، أي: اعتدل واستقام، وفي رواية الحارث: «فاندعم» (٣).
وقولُه (حتى كادَ أَنْ يَنْجَفِلَ) أي: انجفَلَ، مُطاوع جفَلْتُه، أي: صَرَعْتُه.
والتعريس: النزول في آخر الليل.
و (هنيَّة) تصغيرُ هَنَةٍ، أي: زمانًا يسيرًا.
و (الميضأة) ما يُتَوضَّأُ منه.
وقوله (مُسُّوا منها) أي: خُذوا الماء منها وتوضَّؤُوا.
والجرعة: القليل من الماء.
وازدهر به، أي: احفظه وافرح به، والمُزْدَهِر: الجَذْلان (٤)
و (فرطنا) قصرنا.
والعُمَر: القدح الصغير.
وقوله (أَحْسِنُوا المَلَأَ) أي: الخُلُقَ، وقيل: الظَّنَّ، أي: لا تتزاحموا، أو: لا تَظُنُّوا أَنْ يَبْقَى أحد منكم بغير ماء.
وقوله (شَأْنَكُم) نُصِبَ على الإغراء، أي: اشتغلوا بشَأْنِكُم.
والهلك: الهلاك، وفي رواية: فلما قال: (لا مُلْكَ عليكم) حَسُنَ رَأينا.
وقوله (رفع لهم رسول الله ﷺ ) أي: ظهر لهم ورأوه من بعيد.
وفي الحديث معجزات جَمَّةٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ .
стр. 569
وَمِنْ مسندِ حُبَيش بن خالد
حديثُ أُمَّ مَعْبَدٍ (١) ﵄ -
١٥٧ - أخبرنا أبو غالب أحمدُ بنُ العباس الكُوشِيذِيُّ، وأبو بكر محمدُ بنُ أبي القاسم القُراني -رحمهما الله- قراءةً عليهما معًا سنة أربع وخمس مئة في رمضان، قالا: أخبرنا أبو بكر بن رِيدَه، قال: أخبرنا سليمان بن أحمد الطبراني، قال: حدثنا علي بن عبد العزيز، وموسى بن هارونَ الحَمَّالُ، وعليُّ بنُ سعيد الرازي، وزكريا بن يحيى السَّاجِيُّ، ح.
وأخبرنا أبو علي الحَدَّادُ لُلَّهُ، قال: حدثنا أبو نُعَيم الحافظ، قال: حدثنا سليمان بن أحمد، قال حدثنا علي بن عبد العزيز. وقال أبو نعيم: حدثنا أبي، قال: حدثنا محمَّدُ بنُ محمدِ بنِ عُقْبَةَ، ومحمَّدُ بنُ موسى الحُلْوانِيُّ. قال أبو نعيم: وحدثنا أبو حامد بن جبَلَةَ، قال: حدثنا محمد بن إسحاق الثَّقَفِيُّ، ح.
وأخبرنا الشيخ الإمام أبو الرَّجاءِ أحمدُ بنُ محمَّد بن عبد العزيز القارئ، بقراءة والدي عليه -رحمهما الله-، قال: حدثنا أبو الفضل عبد الرحمن بن أحمد بن الحسن، قال: أخبرنا جعفر بن عبد الله بن يعقوب سنة ثمانين وثلاث مئة، قال: حدثنا أبو بكر محمد بن هارون الروياني إملاء.
قالوا: أخبرنا مُكْرَمُ بنُ مُحْرِزِ بنِ مَهْدِيٍّ بنِ عبدِ الرَّحمن بنِ عَمْرِو بنِ خُوَيلِدِ بنِ خُلَيفِ بنِ مُنْقِذِ بن ربيعة بن حِزام - وفي رواية الطبراني: ابنِ
стр. 570
ربيعة بن حُبَيْشِ، أو: ضُبَيْسِ بنِ حِزام - بنِ حُبَيش - وفي رواية الطبراني: ابنِ حُبَيشة - بن كعب بنِ عَمْرِو بن حارثةَ بنِ ثَعْلَبةَ بنِ الأَزْدِ أبو القاسم الخُزاعي ثم الرَّبَعِيُّ - وقال الرُّوياني: بِقُدَيْدٍ، وكان يسكُنُ قُرْبَ خَيْمَتَيْ أَمْ معبد (١) - قال: أخبرني أبي، أنه سمع من حزام بن هشام، عن أبيه هشام بن حبيش بن خالد ﵁ صاحب رسول الله ﷺ .
- وقال الرُّوياني: وحُبَيش أخو أمِّ مَعْبدٍ، قَتِيلُ البطحاء يوم الفتح ببطن مكَّةَ، وسقط من روايته: عن أبيه حُبَيشِ بن (٢) خالد -.
أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لما خرج من مكة - وقال الرُّوياني: مِنْ بَكة - خرج هو وأبو بكر ومَوْلَى أبي بكرٍ عامِرُ بنُ فُهَيْرةَ، ودَلِيلُهم الليثي عبد الله بن أُرَيْقِط ﵃ (٣) مَرُّوا على خَيْمَتَيْ أَمِّ مَعْبَدٍ الخُزاعي ﵂ وكانت بَرْزَةً جَلْدَةً، تَحْتَبي بفِناء القُبَّة ثم تَسْقِي وتُطْعِم، فسألوها لحمًا وتمرًا ليشتروه منها، فلم يُصِيبوا عندها شيئًا من ذلك وكان القوم، أو: الحيُّ - شكٍّ مُكْرَم - مُرْمِلين مُسْنتين - وفي رواية الرُّوياني: مُشْتِين -.
فنظر رسول الله ﷺ إلى شاةٍ في كِسْر الخَيْمة، فقال: «ما هذه الشَّاةُ يا أم مَعْبدِ؟» قالت: شاة خلَّفَها الجَهْدُ عن الغنم، قال: «فهل بها من لبن؟» قالت: هي أجهد من ذلك، قال: «أتأذنين أن أَحْلُبَها؟» قالت: بأبي وأمي، إن رأيت بها حَلَبًا فاحْلُبْها، فدعا بها رسول الله ﷺ ، فمسح بيده ضَرْعَها، وسَمَّى الله ودعا لها في شاتها، فتفاجَتْ عليه، ودرَّتْ واجْتَرَّتْ، ودعا بإناء يُرْبِضُ الرَّهْط، فحلب فيه ثَجًّا حتى عَلاهُ البَهاءُ، ثم سقاها حتى رَوِيَتْ، وسقى أصحابه حتى رَوُوا، ثم شرِبَ آخِرَهم، ثم أراضوا، ثم حلَبَ ثانيًا بعد بَدْءٍ حتى ملأ الإناء، ثم غادره عندها، ثم بايعها، وارتحلوا عنها.
стр. 571
فقَلَّ ما لَبِثَتْ حتى جاء زوجها أبو مَعْبَدٍ يَسُوق أَعْنُزًا عِجافًا تَشارَكْنَ هَزْلَى صحى (١) مُخُهُنَّ قليلٌ، فلما أَنْ رأى اللَّبَنَ عَجِب، وقال: من أين لك هذا اللبن، يا أُمَّ مَعْبَدٍ، والشَّاءُ عَازِبٌ حِيالٌ، ولا حَلُوبَ في البيت؟! قالت: لا والله، إلا أنَّه مرَّ بنا رجلٌ مُبارَكٌ مِنْ حاله كذا وكذا، قال: صفيه لي يا أُمَّ مَعْبَدٍ.
قالت: رأيت رجلًا ظاهِرَ الوَضاءة، مُتبَلِّجَ الوجه - وفي رواية الطبراني: أَبْلج الوجه - حسَنَ الخَلْق، لم تَعِبْه نُحْلةٌ - وفي رواية الطبراني: تُجْلة - ولم تُزْر به صقلة - وفي رواية الطبراني: صَعْلة - وَسِيمٌ، قَسِيمٌ، في عينيه دعج، وفي أَشْفَارِه عَطَفٌ، وفي صوتِه صَحَلٌ، وفي عنُقِه سَطَعٌ، وفي لحيته كثافةٌ، أَزَجُ أَقْرنُ، إِنْ صمَتَ فعلَيْه الوقار، وإِن تكلَّم سما وعلاه البهاء، أجملُ النَّاس وأبهاه من بعيد، وأحلاه وأحسَنُه مِنْ قريب، حُلْوُ المَنْطِق (٢)، فَصْلٌ لا نَزْرٌ ولا هَذَرٌ، كَأَنَّ مَنْطِقَه خرَزاتُ نَظْم يتحدَّرْن، ربعةٌ، لا يَأْسَ مِنْ طول، ولا تَقْتَحِمُه عَينٌ مِنْ قِصَرٍ، غُصْنٌ بين غُصْنَيْن، فهو أنضر الثلاثة مَنْظَرًا، وأحسَنُهم قَدْرًا، له رُفَقاءُ يَحُفُون به، إِنْ قال: أَنْصَتُوا لِقوله، وإِنْ أَمرَ تَبادَرُوا إِلى أَمْرِهِ، مَحْفُودٌ مَحْشُودٌ، لا عابس ولا مُفنَّد - وفي رواية الرُّوياني: ولا مُعْتَدٍ ..
قال أبو معبدٍ: هو - والله - صاحبُ قُرَيش الذي ذُكر لنا مِنْ أَمْرِه ما ذُكر بِمكَّةَ، ولقد همَمْتُ أَنْ أَصْحَبَه، ولأفعَلَنَّ إِنْ وجَدْتُ إلى ذلك سبيلًا.
قال: فأصبح صوت بمكَّةَ - وفي روايةِ الرُّوياني: ببكَّةَ - عاليًا، يسمعون الصَّوتَ ولا يَدْرون مَنْ صاحبه، وهو يقول:
جزى الله ربُّ النَّاس خير جزائه … رفيقين قالا خيمتي أُمِّ مَعْبدِ
هما نزلاها بالهدى واهتدت به … فقد فاز مَنْ أَمْسَى رفيق محمد
فَيا لَقُصَيّ ما زَوَى الله عنكم … به مِنْ فعال لا يُجازَى وسُؤْدَدِ
لِيَهْنا بني كعبٍ مَقامُ، وفي رواية الطبراني:
стр. 572
مكانُ فَتاتِهِمْ … ومَقعدها للمؤمنين بِمَرْصد
سَلُوا أُخْتَكُم عن شاتِها وإنائها … فإِنَّكُم إِنْ تَسْأَلُوا الشَّاةَ تَشْهَدِ
دعاها بشاة حائل فتَحلَّبَتْ … عليه صَريحًا ضَرَّةُ الشَّاةِ مُزيد
وفي رواية الروياني:
. . . . . . . . . . . فتَحلَّبَتْ … له بصريحٍ ضَرَّةُ الشَّاةِ مُزْبِدِ
فغادرها رَهْنًا لديها بحالبٍ … يُرَدِّدُها في مَصْدَرٍ ثم مَوْرِدِ
زاد الروياني في روايته:
لِيَهْنا أبا بكر سعادةُ جَدِّه … بصُحْبتِه، مَنْ يُسْعِدِ اللهُ يَسْعَدِ
زاد الطبراني بهذا الإسناد: قال: فلما سمع حسان بن ثابت ﵁.
قال الروياني: وحدثنا أبو هشام محمَّد بن سليمان بن الحكم بن أَيُّوبَ بن سليمان بن ثابت بن يسار الكَعْبِيُّ الخُزاعِيُّ بِقُدَيدٍ، قال: حدثني عَمِّي أَيُّوبُ بْنُ الحكم، عن حزام، عن أبيه هشام، عن جَدِّه حُبَيْشِ بن خالد ﵁ مِثْلَ حديث مُكْرَم، عن أبيه، ثم قال: فلما سَمِع حسَّان بن ثابت الأنصاري ﵁، يعني: بهذا الشِّعْر - شبَّبَ - وفي غير هذه الروايات: نشَبَ يُجاوِبُ الهاتف وهو يقول:
لقد خاب قوم زال عنهم نبيُّهم … وقُدِّسَ مَنْ يَسْرِي إليهم ويَغْتَدي
ترحل عن قومٍ فضَلَّتْ عقولهم … وحلَّ على قوم بنورٍ مُجدَّدِ
هداهم به بعد الضلالة ربُّهم … وأرشدهم، مَنْ يَتَّبَعَ الحَقَّ يَرشُدِ
وهل يستوي ضُلَّالُ قوم تَسفَهُوا … عِمايَتَهُم، هاد به كلُّ مُهْتَدِ
وقد نزلت منه على أَهْلِ يَثْرِبٍ … رِكابُ هُدى حلَّتْ عليهم بأَسْعَدِ
نبي يَرَى ما لا يَرَى النَّاسُ حوله … ويتلو كتاب الله في كل مسجد
وإن قال في يوم مقالة غائب … فتصديقها في اليوم أو في ضُحَى الغَدِ
لِيَهْنا أبا بكر سعادةُ جَدّه … بصحبتِه، مَنْ يُسْعِدُ اللهُ يَسْعَد
لِيَهْنا بني كعبٍ مَقامُ فتاتهم … ومقعَدُها للمؤمنين بِمَرْصَد
وفي رواية الطبراني: مكان فتاتهم.
стр. 573
قال الطبراني: زاد موسى بن هارون في حديثه: قال: وحدثناه مجاهدُ بنُ موسى، عن مُكْرَم، فقال لنا: (لم تَعِبْه نُحْلةٌ، ولم تُزْرِ به صُقْلة) والصواب: تُجْلة، وصَعْلة. النُّجْلة: كِبَرُ البَطْن، والصَّعْلة: صِغَر الرَّأْس، يريد أنه لم يكن كبير البَطْن ولا صغيرَ الرَّأْس.
قال: وقال لنا مُكْرَمٌ: (في أَشْفَارِه عَطَفٌ، وفي صوتِه صَهَلٌ) (١) والصواب: وطَفٌ، وهو الطُّول، وصَحَل، وهو البحة.
قال: وقال لنا مُكْرَم: (ولا يَأْسَ مِنْ طول) والصواب: لا يُتَشنَّى مِنْ طول.
قال: وقال لنا مُكْرَم: (لا عابِسٌ ولا مُعْتَدٍ) وقال لنا مجاهد عن مُكْرَم: لا عابس ولا مُفَنَّد، يعني: لا عابس ولا مُكَذّبٌ (٢)
стр. 574
روايات أبي نعيم مختصرة، وهذا لفظ الآخرين.
وزاد الروياني عن مُكْرَم - وقال: أملاه علينا - أَنَّ أُمَّ مَعْبدِ اسمها عاتكة بنت خالد بن خُلَيفٍ (١)، أخي خُوَيلد بن خليفة (٢)، وقال الرُّوياني - فيما تقدم -: حبيش بن خالد، أخو أمِّ مَعْبدٍ.
ورواه أبو عبد الله بنُ مَنْدَه الحافظ عن هارون بن أحمد، عن زكريا بن يحيى الساجي، عن مُكْرَمِ، فكأَنِّي سَمِعْتُه مِنْ أصحابه.
ورواه الإمام أبو القاسمِ إسماعيل بن محمَّدٍ (٣) ﵀ من حديث جعفر بن عبد الله وغيره، كما روَيْناه.
وللحديث طرق سواه نذكره فيما بعد إِنْ شاءَ اللهُ :
١٥٨ - أخبرنا أبو علي الحسنُ (٤) بن أحمد الحداد ﵀ قال: حدثنا أبو نُعيم الحافظ، قال: حدثنا الحسن بن أنس بن عثمانَ القَصْري، قال: حدثنا
стр. 575
أحمد بن حمدان بن إسحاق، قال: حدثنا يحيى بنُ نَضْلةَ المديني بالمدينة، قال: حدثنا حزام بنُ حُبَيشِ القُدَيدِيُّ، ح.
وأخبرنا هبة الله بن الحصين ببغداد ﵀ قال: أخبرنا أبو طالب بنُ غيلان، قال: أخبرنا أبو بكر الشَّافعي، قال: حدثني بسر (١) بن أنس أبو الخير، قال: حدثنا أبو هشام محمد بن سليمان بن الحكمِ بنِ أَيُّوبَ بنِ سليمان بن ثابت بن يسار الكَعْبِيُّ الرَّبَعيُّ الخُزاعي، قال: حدثني عَمِّي أَيُّوبُ بْنُ الحكم.
قال الشافعي: وحدثني أحمد بن يوسف بن تميم البصري، قال: حدثنا أبو هشام محمد بن سلمانَ بِقُدَيْدٍ، قال: حدَّثني عمي أيوب بن الحكم، عن حزام بن هشام، عن أبيه، عن جده حُبَيشِ بن خالد ﵁ صاحب النَّبيِّ ﷺ واللفظ لرواية الشافعي - -.
وأخبرنا أبو الرّجال أحمدُ بنُ محمد القارئ ﵀ قال: أخبرنا أبو الفضل الرازي، قال أخبرنا أبو القاسم بن فناكي، قال: حدثنا أبو بكر الروياني، قال: حدثنا سليمان بن الحكَمِ العلَّافُ بِقُدَيدٍ، قال: حدثني أخي أيُّوبُ بنُ الحكم.
قال الروياني: وحدَّثنا أبو هشام محمَّدُ بنُ سليمان بن الحكم، قال: حدَّثني عَمِّي أَيُّوبُ، عن حزام، عن أبيه، عن جده حُبَيْش ﵁ بالحديث الذي تقدم (٢).
стр. 576
وقال فيه: «أُجْلة» و «صَعْلة»، و «في لحيته كثاثةٌ»، وقال: «لا يائِسٌ مِنْ طول»، وذكر الباقي نحوًا منه.
ورواه علي بن عبد العزيز، عن سليمان هذا.
ومنهم من يُسْنِدُ حديثَ حُبَيشٍ إِلى أَمِّ مَعْبَدٍ ﵂:
* * *
١٥٩ - أخبرنا به أبو علي الحداد، قال: حدَّثنا أبو نُعَيمٍ، قال: حدثنا عبد الله بن محمد - هو القباب، قال: حدثنا أبو بكر بن أبي عاصم، قال: حدثنا أحمد بن محمد، قال: حدثنا عبد الرحمن بن محمَّدِ بنِ شُعْبَةَ، قال: حدثنا حزام بن هشام بن حُبَيش بن خالد بن ربيعة الخزاعي، قال: حدثنا أبي، عن جَدِّي، عن أخته أمّ مَعْبَدٍ - واسمها: عاتكة بنت خالد الخزاعي ﵂ قالت: دخل النَّبِيُّ ﷺ ، وأبو بكر، وعامر بن فهيرة، وعبد الله بن أُرَيْقِط ﵃ (١) خيمتي وأنا مُحْتَبِيةٌ، فقال: ألا هل من لحم؟ فبعَثْتُ إليهم بشاة ذات لبن، فردها، وبعَثْتُ إليه بعناق، فقَبِلَها، وقال: «إنما ردَدْنَا الشَّاةَ لأنها ذاتُ لبن، فهل عندكِ من تمر؟» فقلت: لا والله (٢).
رواه عبد الله بن إدريس، وهاشم بن القاسم، وإبراهيم بن [أبي] (٣)
стр. 577
الوزير، عن حزام (١)، نحوه:
١٦٠ - أخبرنا به أبو علي، قال: حدثنا أبو نُعَيم، قال: حدثنا إبراهيم بنُ أحمد بن أبي حُصَيْن، قال: حدثنا محمَّدُ بنُ عبدِ الله الحَضْرَمِيُّ، قال: حدثنا عثمان بن أبي شيبة، قال: حدثنا ابن إدريس، ح.
وأخبرنا أبو علي، قال: حدثنا أبو نُعَيم، قال: حَدَّثنا محمَّدُ بنُ (٢) أحمد بن الحسن قال: حدثنا أحمدُ بنُ الجَعْد، قال: حدثنا علي بنُ المديني، قال: حدثنا هاشم بن القاسم.
قالا: حدثنا حزام بن هشام الخُزاعِيُّ، قال: سَمِعْتُ أبي يحدِّثُ عن أمّ معبد، نحوه، ولم يذكر الجَدَّ (٣).
وروي عن أبي مَعْبَدٍ زَوْجِ أَمِّ مَعْبَدٍ:
وقيل: اسمه حُبَيشُ المُتقدِّمُ قياسًا خطأ؛ لأنا ذكرنا فيما روَيْنا عن حُبَيشٍ، عن أخته أمّ مَعْبدٍ، وقيل: هو ابن عمها، وقيل: اسم أبي مَعْبَدٍ أكثم بنُ الجَوْن، ولا أراه أيضًا يَصِحُ.
١٦١ - أخبرنا أبو عليّ، قال: حدثنا أبو نُعَيمٍ، قال: أخبرنا محمَّدُ بنُ يعقوب - هو ابن يوسف الأصَمُّ النيسابوري - فيما كتَبَ إليَّ، قال: حدثنا عباس بن محمد الدوري، ح.
وأخبرنا بعض مشايخي، قال: أخبرنا أحمد بن محمد القاضي، قال:
стр. 578
أخبرنا أحمد بن الحسن القاضي، قال: حدثنا الأصَمُّ، قال: حدثنا الحسنُ بنُ مُكْرَمِ بنِ حَسَّانَ الرَّزَّازُ ببغداد، ح.
وأخبرنا أبو علي، قال: حدثنا أبو نعيم، قال: حدثنا أحمدُ بنُ محمدِ بنِ يوسف، قال: حدثنا عبد الله بن محمَّدٍ البَغَوِيُّ، قال: حدثنا زهير بن محمد، والحسن بن محمد.
قالوا: حدثنا بِشْرُ بنُ محمدِ بنِ أَبَانَ أبو أحمد السُّكَّريُّ، قال: حدثنا عبد الملك بنُ وَهْبِ المَنْحِجيُّ، عن الحُرِّ بنِ الصَّيَّاحِ، عن أبي مَعْبَدٍ الخزاعي ﵁ أن رسول الله ﷺ خرج ليلة هاجر هو وأبو بكر، وعامر بن فهيرة، ودليلهم عبد الله بن أُريقط ﵃ (١) وذكر الحديث نحوه، إلا أنه قال في روايتي الأصم: فلم يجدوا عندها شيئًا من ذلك، وقالت: لو كان عندنا شيء ما أَعْوَزكم القرى.
قال: وذكر اسم الله - تعالى -، وقال: «اللهم بارك لها في شاتها».
وقال: فحلب فيه تجًا حتى علاه الثمالُ.
وقال: فشربوا جميعًا عللًا بعد نهل.
وقال: يَسُوق أَعْتُزًا حُيَّلًا عِجافًا، … تَساوَكْنَ هُزالًا، لا نِقْيَ بِهِنَّ.
وقال: والشَّاءُ عازبة.
وقال: في صوته صحَلُ، أحورُ، أكحل، في لحيته كثاثة.
وقال: لا تَشْنَؤُه من طول.
وقال: وأصبح صوت بمكة بين السماء والأرض.
وقال: رفيقين حَلَّا.
стр. 579
وقال:
هما نزلا بالبر وارتحلا به … فأفلح من أمسى رفيق محمد
وقال:
فتحلبت … له بصريح ضرة الشاة مزبد
وقال:
فغادرها رهنا لديها لحالب … بجرتها
وفي رواية: بدرتها.
وقال فيه: فأصبح الناس قد فقدوا نبيهم ﷺ ، فأخذوا على خيمتي أم معبد، حتى لحقوا النبي ﷺ .
وأجابه حسان ﵁، وقال فيه: فزالت عقولهم، وقال:
وهل يستوي ضلال قوم تسكعوا … عمى، وهداة يهتدون بمهتدي
وقال: يتلو كتاب الله في كل مشهد.
وقال: فتصديقها في ضحوة اليوم أو غد (١)، والباقي نحوه (٢).
стр. 580
وذكر البخاري أن حديث [أبي] (١) مَعْبَدٍ مرسل؛ لأنه تُوفّي في زمان رسول الله ﷺ ولم يلحقه الحر وهو ابنُ الصَّيَّاح - بياء منقوطة باثنتين من تحتها، وهذا حديثُ بِشْرٍ، رواه عنه أبو حاتم الرازي، والبخاري، والنَّاسُ.
ورواه عنه: عَمْرُو بنُ زُرارةَ، فأسنده عن أبي مَعْبَدٍ، عن أمِّ مَعْبَدٍ:
١٦٢ - أخبرنا به أبو عليّ، قال: حدثنا أبو نُعَيم، قال: حدثنا أبو عَمْرِو بن حمدان، قال: حدثنا الحسن بن سفيان، قال: حَدَّثنا عَمْرُو بنُ زُرارةَ الكلابي، قال: حدَّثنا بِشْرُ بنُ محمَّدِ بنِ أبانَ بنِ مسلم البصري، قال: حدثنا عبد الملك بن وهب المَدْحِجيُّ، عن الحُرِّ بنِ الصَّيَّاح، عن أبي مَعْبَدٍ الخزاعي، عن أمّ مَعْبَدٍ ﵄ قالت: نظر رسول الله ﷺ إلى شاة في كِسْرِ الخيمة، وذكر بعضًا من الحديث مِثْلَه (٢).
وروي هذا الحديث عن أبي سليط الأنصاري:
١٦٣ - أخبرني به هبة الله بن الحصين، قال: أخبرنا أبو طالب بنُ غيلان، قال: أخبرنا محمد بن عبد الله بن إبراهيم، قال: حدثنا محمَّدُ بنُ يونس القرشي، قال: حدثنا عبد العزيز بن يحيى مولى العباس بن عبد المطلب ﵁ قال: حدثنا محمَّدُ بنُ سليمان بن سليط الأنصاري، قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن جَدِّه أبي سليط - ﵁، وكان بَدْرِيًّا -:
لما خرج رسول الله ﷺ في الهجرة، ومعه أبو بكر الصديق، وعامر بن
стр. 581
فُهَيرة مولى أبي بكر، وابنُ أُرَيْقِط يدلُّهم على الطريق ﵃ (١)، مَرُّوا بِأُمِّ مَعْبَدٍ الخُزاعية - وهي لا تَعْرِفُه - فقال لها: «يا أُمَّ مَعْبَدٍ، هل عندكِ من لبن؟» قالت: لا والله، وإنَّ الغنم لعازبة، قال: «فما هذه الشَّاةُ التي أراها؟» لشاة رآها في كفاء البيت، قالت: شاة خلفها الجَهْدُ عن الغنم، قال: «أتأذنين في حلابها؟» قالت: لا والله، ما ضرَبَها مِنْ فَحْل قط، فشَأْنَك بها، فدعا بها، فمسح ظهرها وضَرْعَها، ثم دعاها بإناء يُرْبِضُ الرَّهْط، فحلب فيه مَلأَه، فسقى أصحابه عللًا بعد نهل، ثم حلب فيه آخر، فغادره عندها وارتحل.
فلما جاء زوجها عند المساء قال: يا أمَّ مَعْبَدٍ، ما هذا اللبن ولا حَلُوبةَ في البيت والغنم عازبة؟ قالت: لا والله، إلا أنه مر بنا رجل ظاهر الوضاءة، مُتبَلِّجُ الوجه، في أَشْفاره وطَفٌ، وفي عينيه دعج، وفي صوته صَحَلٌ، غُصْنٌ بين الغُصْنين، لا تَشْنَؤُه مِنْ طُول، ولا تَقْتَحِمُه مِنْ قِصَر، لم تَعْلُه تُجْلة، ولم تُزْرِ به صَعْلة، كأنَّ عنُقَه إبريقُ فِضَّة، إذا صمَتَ (٢) فعليه البهاء، وإذا نطق فعليه، وقار، له كلام كخرزات النظم، أَزْيَنُ أَصحابه مَنْظَرًا، وأحسَنُهم وَجْهًا، أصحابه يَحُفُون به، إذا أمر ابتدَرُوا أمره، وإذا نهى ايتقَفُوا عند نهايته.
قال: هذه - والله - صفةُ صاحبِ قُرَيش، ولو رأيته لاتَّبَعْتُه، ولأَجْهَدنَّ أَنْ أفعل.
قال: فلم يعلموا بمكَّةَ أين توجه رسول الله ﷺ وأبو بكر ﵁ حتى سمِعُوا هاتفًا على رأس أبي قبيس وهو يقول:
جزى الله خيرًا - والجزاء بكَفِّه … رفيقين قالا خيمتي أم مَعْبدِ
هما رحلا بالحق وانتزلا به … قد افلح من أمسى رفيق محمد
стр. 582
فما حمَلَتْ مِنْ ناقةٍ فوق رَحْلِها … أبرَّ وأَوْفَى ذِمَّةً مِنْ محمد
وأَكْسَى لِبُرْدِ الخالِ قبل ابتذاله … وأَعْطَى برأس السابح المُتجَرِّدِ
لِيَهْنَ بني كعب مكانُ فتاتهم … ومقعدها للمؤمنين بِمَرْصَدِ
وهذا غريب جدًا من هذا الطريق (١).
وقد رُوي عن أسماء بنت أبي بكر ﵄ أيضًا، نذكره مع الشرح فيما بعد - إن شاء الله -.
١٦٤ - أخبرنا هبةُ الله بنُ الحُصَيْنِ الشَّيبانيُّ ببغداد ﵀ قال: أخبرنا أبو طالب بنُ غَيْلَانَ، قال: أخبرنا أبو بكر محمَّدُ بنُ عبدِ الله بن إبراهيم، قال: حدثنا محمد بن يحيى بن سليمان، قال: حدثنا أحمدُ بنُ محمَّدِ بنِ أَيُّوبَ، قال: حدَّثنا إبراهيم بن سعد، عن محمد بن إسحاق قال: حُدِّثْتُ عن أسماء بنت أبي بكر ﵂ أنها قالت:
لما خرج رسول الله ﷺ أتانا نفَرٌ من قريش، فيهم أبو جهل بن هشام، فوقفوا على باب أبي بكر الصِّدِّيق ﵁، فخرَجْتُ إليهم، فقالوا: أين أبوك يا بنت أبي بكر؟ قالت: قلت: لا أدري - والله - أين أبي، قال: فرفع أبو جهل يده - وكان فاحشًا خبيثًا - فلَطَم خَدِّي لَطْمةً خرَّ منها قُرْطي، قالت: ثم انصرفوا.
стр. 583
فمضى ثلاثُ لَيالٍ ما نَدْري أين توجه رسول الله ﷺ ، إذ أقبل رجل من الجنِّ من أسفل مكَّةَ، يعني: بأبياتِ شِعْر غنّى بها العرب، وإِنَّ النَّاسَ لَيَتبعونه يسمعون صوته وما يرونه، حتى خرج بأعلى مكَّةَ:
جزى الله ربُّ النَّاس خير جزائه … رفيقين قالا خيمتي أُمِّ مَعْبدِ
هما نزلا بالهدى واعْتَدَوْا به … فأفلح من أمسى رفيق محمد (١)
لِيَهْنَ بني كعب مكان فتاتهم … ومقعدها للمؤمنين بِمَرْصد
قالت: فلما سمعنا قولَه عرَفْنا حيثُ توجه رسولُ الله ﷺ ، وأن وجهه إلى المدينة، وكانوا أربعةً: رسولُ الله ﷺ ، وأبو بكر، وعامر بن فهيرة مولى أبي بكر ﵄، وعبد الله بن أُرَيْقِط دَليلُهم (٢).
هذا حديث غريب من هذا الوجه.
وقوله (بَكَّة) في إحدى الرّوايات غريبة في الحديث، وهي اسم لبطن مكة؛ لأنهم يتباكون فيه، أي: يتدافعون ويزدحمون، وقيل: بكة: اسم لموضع الطواف، وما حوله: مكَّة، وقيل: سُمِّيَتْ بكَّةَ لأَنَّها تَبُكُ أعناق الجبابرة، أي: تدقها، وقيل: إِنَّ الباء بدل من الميم؛ لِقُرْب مخرجيهما.
و (مكة) سُمِّيت به لأنَّها تَمُلُّ الجَبَّارين، أي: تُخْرِجُ نَخُوتَهُم، وقيل: لأنها تَمُلُّ مَنْ ألحد فيها، أي: تُهْلِكُ، وقيل: لأنها مُكَّت منها المياه، أي: استُخْرِجَتْ ومُصَّتْ، فلا ماء بها، أو لأنَّها يُمْتَكُ منها الماء بِجَهْد، أي: يُسْتخرج، وقيل: هو مِنْ مَكَّني الشيءُ، إذا ضاق عنه، فسُمِّيَتْ به لأنَّ الأشياء فيها ضيقة.
و (عبد الله بن أُريقط) الذي كان دليلًا لهم، لا أَعْرِفُ إسلامه (٣)، وفي
стр. 584
حديث عائشة ﵂: أنَّ رسول الله ﷺ وأبا بكر ﵁ استأجرا رجُلًا من بني الدِّيل، من بني عَبْدِ بنِ عَدِيٍّ هاديًا خِرِّيتًا قد غمَسَ حِلْفًا (١) في آل العاص بن وائل السهمي، وهو مِنْ كُفَّار قريش (٢).
والديل: هو ابن بكرِ بنِ كِنانة (٣)، وفيما روَيْناه: عبد الله بن أُريقط الليثي، وليت - أيضًا - هو: ابن بكرٍ مِنْ كِنانة، فلعله من إحدى القبيلتين، ونُسب إلى الآخَرِ لِقُرْب بعضهما من بعض.
والبرزة التي لا تَحْتَجِبُ عن الناس، بل تَبْرُز لهم وتظهر؛ لأمنها منهم، إما لسن أتى عليها، أو لامتناعٍ مِمَّنْ يَقْصِدُها، لا كالشواب الغِرَّاتِ اللاتي يَنْخَدِعْن.
والجلدة: الصُّلْبة، العاقلة.
والاحتباء: جلسة الأعراب، وهو أن يجلس أحدهم على أليتيه ناصبًا ركبتيه واضعًا عليهما يديه إحداهما فوق الأخرى.
و (فناء القُبَّة) المُتَسَعُ حولها حيث تَفْنَى وتنقضي، والقبة - هاهنا -: الخيمة.
وقوله (ثم) يجوز أن يكون للتراخي من حروف العطف، ويحتمل أن يكون بفتح الثاء، بمعنى: هناك، وقد درج مَنْ كان يحفظ مِثْلَ (٤) هذه الألفاظ لأصحاب الحديث.
والمُرْمِلون: الذين فنِيَتْ أَزْوادُهم.
стр. 585
والمُسْنِتون: الذين لم يُصِبْ أرضَهُم مطر فلم تُنْبِتُ شيئًا، والتاء التي في آخره بدل من حروف العِلَّة الملقاة، وصارت كالأصلية فيه (١).
وأصل المُشْتي: الداخل في الشتاء، ثم يقال لمن أجدب: أَشْتَى؛ لفقدانه ما يحتاج إليه كما في الشتاء سواء.
و (كسر الخيمة) بكسر الكاف وفتحها الشُّقَّة السفلى من الخباء، تُرفَع وقتًا، وتُرْخَى وقتًا، وقيل: هي في مُقَدَّمِ الخَيْمة، وقيل: في مُؤَخَّرِها.
والكفاء (٢) الذي في الرّواية الأخرى: شُقَّةٌ أو شُقّتان، تُخاط إحداهما بالأخرى، ثم تُجْعَل في مُؤخَّر الخِباء، فيُحَلُّ بها، وهو قريب من الكسر.
و (الجهد) بالفتح: المشقة، وبالضَّمِّ: الطاقة، وها هنا بالفَتح أَوْلَى على هذا، ومنهم من يجعلهما لُغتين، يقال: جهده الأمرُ أو المرض، إذا شَقَّ عليه حتى يبلغ الطاقة، جَهْدًا وجُهْدًا، فكأنَّ المعنيين على هذا يجتمعان ويَرْجِعان إلى شيء واحد.
و (خلفها) الغنم، أي: تخلَّفَتْ عنها؛ لما بها من الجهد، وبقيت بعد ذهابها.
وقولُها (هي أَجْهَدُ) هو مبالغة، من الجهد أيضًا.
والحلب - بفتح اللام -: مصدر حلبْتُه، كالطلب، لا تُسَكَّنُ لا ماهما.
و (تفاجَّتْ) أي: أبانَتْ إحدى رِجْلَيْها عن الأخرى، كما تفعل التي تُحْلب.
وقوله (ودَرَّتْ) أي: صبَّتْ اللَّبَن من قوله ﵎: ﴿يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِدْرَارًا﴾ [هود: ٥٢].
стр. 586
وقوله (اجْتَرَّتْ) أي: أخرجت الجِرَّةَ، وهي: ما تُخْرِجُه الإبل والغنم وغيرُهما مِنْ صَدْرِها فَتَمْضَغُه، وإنما يَفْعَلُ ذلك الممتلئ علَفًا، فصارت هذه الشاة كذلك مع ما بها من قِلَّةِ الاعتلاف.
وقوله (يُرْبِضُ الرَّهْط) أي: يُرويهم حتى يَثْقُلوا ويقَعُوا على الأرض فيَرْبِضُوا، والرَّهْط: مِنْ الثلاثة إلى العشرةِ، يَحْكِي سَعَةَ الإناء وعِظَمَه.
وفي رواية: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال لابن أم مَعْبَدٍ: «هاتِ القَرْوَ» وهو: قدَحٌ كبير.
والتَّيُّ: السَّيلان، أي: كان لبَنُها الذي يَحْلُبه يَسِيلُ مِنْ خَلْفِها، كالتي امتلأت سِمَنًا ولبنًا.
وأصلُ (البهاء) الحُسْن، أي: ظَهَرَتْ رَغْوتُه وصَفاؤُها وبريقها بعد امتلاء الإناء.
و (الثَّمال) في الرّواية الأخرى: بضم الثاء، الرغوة أيضًا.
وقوله (شرِبَ آخِرَهم) نُصِبَ على الظَّرْف، وإنما فعل ذلك (١) لأنَّ سُنَّته ﵇ أَنْ يَشْربَ السَّاقي آخِرَ القوم، وكان هو ساقيهم حينئذ.
وقوله (أراضوا) أي: رَوُوا ونقعوا بالرِّي، وفي أصل هذه الكلمة واشتقاقها كلام طويل (٢).
و (غادرها) أي: تركها.
والعجاف: ضِدُّ السمان.
وقوله (تَشارَكْنَ) أي: اشترَكْنَ في حالهِنَّ، وعمَّهُنَّ الهُزال، ومَن رَوَى (تَساوَكْنَ) أي: يَمْشِين مَشْيًا ضعيفًا يَتمايَلْن فيه، ووجَدْتُ في رواية أبي أحمد العَسَّالِ (٣) هـ ﵀: (يَتبَارَكْنَ)؛ فَإِنْ حُفِظ هذا اللفظ فمعناه قريب من معنى
стр. 587
الأَوَّلِين، أي: يترك بعضها بعضًا، ويتخلَّفُ بعضها عن بعض من الضعف.
وقولُه (ضُحى) هذه اللفظة كانت تَنْبُو عن قلبي؛ فإنَّ وقوعها بين صفات الغنم بعيد، وكان يَغْلِبُ على ظَنِّي أنه تصحيفٌ، ولم أكُنْ أقف على حقيقته، ومِنَ الرُّواةِ مَنْ رَواه هكذا، ومنهم مَنْ ترك هذه اللفظة؛ لأنه رُبَّما وقع له ما وقع لي، حتى وجَدْتُ القاضي أبا أحمد العسال الحافظ ﵀ رواه في معجمه عن يحيى بن صاعد، عن إبراهيم بن سلام مولى بني هاشم، عن مروان بن معاوية، عن حزام بن هشام، وقال فيه: «يتتَارَكُن هَزْلَى، مُخاخَهُنَّ قَلِيل»، ثم قال عَقِيبه: كذا قال ابنُ سَلَام، فدل هذا أنه ضبطه عنه هكذا، ولا أظُنُّ الصَّحيحَ إلا كما رواه؛ لأنَّ المخاخَ جمع المُخّ، كما أنَّ الكمام جمعُ الكُمّ، والحباب جمعُ الحُبِّ الذي يُجْعَلُ فيه الماء، والعِساس جمعُ العُس، وهو القدح العظيم، والعثاث جمعُ العُثٌ: دُوَيبةٍ تقع في الأديم، ومن غير المُضاعَف: رِماح جمعُ رُمْح، ودِهان جمعُ دُهْنٍ في قول بعضهم، وفي ضِدّ ذلك على العكس منه: رُهْن جمع رهان على ما قيل.
ومما يدلُّ على صحة ذلك أيضًا: أنه في أكثر النُّسَخِ مكتوب بالألف، ولو كان (ضحى) كما رووه، لكان بالياء.
وقد روينا في بعض الروايات أنَّ زوجها جاء مساءً لا ضُحى، وأيضًا قول الشاعر يدلُّ عليه، حيث قال: (رفيقين قالا خيمتي أم معبد) في قولِ مَنْ قال: إنه من القَيلولة، وهو شُرْبُ نصف النهار، والنزول فيه.
وإنما لم يقل: مخاخهن قليلةٌ؛ لأنه أراد أنَّ مِخاخَهُنَّ شيء قليل، وأيضًا
стр. 588
يَدُلُّ على أنَّ مُخَهُنَّ لا يحتمله الموضع؛ لأنَّ لكلّ واحدة منها مُخ، فالنسبة بالجمع إليهِنَّ أصح وأحسن، كما قال ﵎: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩].
ومَن رواه (هَزْلَى) بالياء، فهو جمع هَزِيل، ومَن رواه (هُزْلًا) فهو (١) بمعنى الهزال، وانتصب على التمييز، أي: تَتمايل من الضَّعْف.
وقوله (والشَّاءُ عازب) العازب: البعيد، وإنما لم يقل: عازبة، حملًا على لفظ الشاء، وإن كان للجمع.
والحيال: التي لم تحمل، فلا يكون لها لبن، وهي جمع شاة حائل، وفي إحدى الروايات التي ذكرناها (حُيَّلًا) وهو جمعه أيضًا.
وقولها (لا والله) رد على سؤال زوجها إياها: مِنْ أين لك هذا اللبن؟ أي: لم يحدث لنا شيء، إلا أنه مرَّ بنا كذا.
والوضاءة: الحسن والجمال.
والحلوبة: التي لها لبنٌ تُحْلَبُ، وفي بعض الروايات: (لا حَلُوبَ) بغير هاء؛ لعلم المخاطب أن لا تُحْلَبَ إلا الإناث، كما يقال: حائض، ومرضع، وحامل، ومُطْفِل (٢).
والأبلج، والمُتبلِّج: الحسَنُ المُشْرِق المضيء، ولم تُرِدْ به (٣) بلج الحاجب؛ لأنها وصفته بالقرن.
والنُّجْلة: عِظَم البطن مع استرخاء أسفله، ومن رواه بالنُّون والحاء المهملة: فبمعنى النُّحول، وهو الدقة وضعف التركيب، غير أنهم لا يستعملون النُّحْلة بمعنى النُّحول، وفي إحدى الروايات التي ذكرناها (لم تَعْلُه تُجْلة) أي: لم تَغْلِبُ عليه حتى عُرف بها.
стр. 589
والإِزْراء: التهاون بالشَّيء والاحتقار له، أي: لم يَحْقِره ذلك، ولم يُحْدِثُ فيه عَيْبًا.
والصَّعْلة: صِغَر الرأس، ومن رواه (صُقْلة) بالقاف، فالصُّقْل: مُنقطع الأضلاع من الخاصرة، وفرسٌ صَقِلٌ: طويل الخاصرةِ رَقِيقُها، وصقَلْتُ الخيل: ضمَّرْتها، وقيل: الصُّقْلان عن يمينِ السُّرَّة وشمالها، والصَّقِل: اللَّاحِقُ الصُّقْلين.
أي: ليس بأنجل عظيم البطن، ولا بشديد لحوق الجنبين، بل هو كما لا تَعِيبُه صفة من صفاته ﷺ .
وقد أخبرنا الإمام أبو طاهر عبد الكريم بن عبد الرَّزَّاقِ الحَسْناباذي ﵀ قال: أخبرنا طلحة بن عبدِ الرَّزَّاقِ سِبْطُ محمَّدِ بنِ يوسف، قال: أخبرنا أبو بكر بن المقرئ، قال: أخبرنا المُفضّل بن محمَّدٍ الجَنَدِيُّ، قال: أخبرنا أبو القاسم مُكْرَمُ بنُ مُحْرِزِ، بمِثْل الحديث الذي تقدَّم، إلا أنه قال: «لم تَعِبه سُقْلة» بالسين، وهذا يُؤيّد قول مَنْ رواه (صُقْلة) بالصَّاد والقاف؛ لأن الصاد إذا كانت مع القاف في كلمةٍ قد تُبْدَلُ سِينًا، دون العين ونظائرها.
والوسيم: المشهور بالحُسْن، كأنه صار الحُسْنُ علامةً له، وفي تقدير الوَسِيم في اللُّغة كلام (١). والقَسِيم: الحَسَنُ القَسِمة، وهي الوَجْهُ. وفي بعض الروايات: (وَسِيمًا قَسِيمًا) بالنَّصْب على أَنْ يكونا (٢) صِفتين لقولها: (رأيت رجلًا قسيمًا وسيمًا).
والدَّعَج: شِدَّة سَوادِ العين.
والأشفار عند العرب: حُروفٌ الأَجفان التي تلتقي عند التغميض والشَّعرُ نابت عليها، ويقال لهذا الشعر: الأهداب، وأرادَتْ في شَعرِ أَشْفَارِه.
والعطف - بالعَيْن والغَيْن -: الطُّول، وهو بالغَين المعجمة أشهر،
стр. 590
ومعناه: أنَّها مع طولها مُتَثَنّية مُنْعطفةٌ. وفي بعض الروايات: (وصف) وهو الطول أيضًا.
والصَّحَل: شِبْهُ البُحَةِ، وهي: غِلَةٌ في الصَّوت كصوت الرجال دون النِّساء، ومَن رواه بالهاء، فإِنْ حفِظه فهو قريب المعنى منه؛ لأنَّ الصَّهيل صوت الفرس، وهي تَصْهِلُ بِشِدَّةٍ وقُوَّةٍ.
والسَّطَع: طُولُ العُنُقِ.
والكثاثة، والكثافة - في الرِّوايتَيْن: -: قَرِيبَتا المعنى، وهي كثرة في اجتماع والتفاف.
والأَزَجُ: المُتقوّس الحاجبين.
والأقرن: المُتَّصِلُ إحدى الحاجبين بالأُخْرَى، وقد شرَحْنا ذلك في حديث هند بن أبي هالة (١).
وقوله (إن تكلم سما) أي: علا برأسه أو بيده، وفي رواية: (سما به) أي: علا بكلامه على مَنْ حوله مِنْ جُلسائه.
والفضل قد فسَّرَته بقولها (لا نَزْر) أي: ليس كلامه بقليل لا يُفهم، ولا بكثيرٍ يُمَلُّ.
والهَذَر: الكثير غير المفيد أي: هو قَصْدٌ بين ذلك، وقد وجدته في نسخة عتيقة مكتوبة عن الطبراني مضبوطة في غير موضع بالدال المبهمة (٢) وسكونها، فإِنْ حُفِظ، فالهَدْر: الكثيرُ الكلام المِنْطِيقُ، وهو الثقيل أيضًا، وكذلك الهدَرَة، ورجلٌ هَدَرَةٌ: ساقط، وقومٌ هدَرَة كذلك.
стр. 591
وقوله (لَا يَأْسَ) وفي رواية: (لَا يَائِسٌ مِنْ طول)، قال ابن الأَنْباري (١): أي: لا ميؤوس منه من أجل طوله، ولا يائسٌ مُطاوِلُه، ولا يُؤْيِسُ مُبارِيَه منه لإفراط طوله، فيائس بمعنى ميؤوس، كماء دافقٍ بمعنى مدفوق، قال: ومَن رواه (ولا يأسَ) فهو منصوبٌ بلا على التبرئة، وخبر التبرئة مُقدَّر، أي: لا يأس فيه، أو لا يأس منه من طول.
وروي: (ولا بائن من طول) أي: لا يجاوز النَّاسَ طولًا، وفي رواية: (لَا تَشْنَؤُه من طول) أي: ليس بالطويل المُفْرِط الذي يُبْغَضُ لِطوله.
وذكر أبو منصور الجَبَّانُ (٢) أَنَّ الشَّانئ في اللُّغة الرَّجلُ الطويل، ورجل شَنآن: شديدُ الطُّول، والمَشْنوءُ: المُبْغَض، فإِنْ أَبْدلْتَ الهمزة قلتَ: مَشْنِيٌّ، ويجوز: مَشْنو، فعلى هذا من رواه (لَا يُتَشنَّى مِنْ طول) بنى التكلف منه (٣).
وقوله (لا تَقْتَحِمُه) أي: لا تَحْتَقِرُه ولا تَزْدَريه لقصرِه فَتَتْرُكَه وتُجاوزه إلى غيره احتقارًا له، بل تَقْبَلُه وتَهابُه.
والمحفود: المخدوم.
والمحشود: الذي يجتمع النَّاسُ حوالَيْه، وفي رواية العسال وغيره: (محسود) بالسين، ولا أراه محفوظًا، وإِنْ ثبت فمَنْ أَوْلَى بِأَنْ يُحْسَد ممَّنْ تكاملت فيه مِثْلُ هذه الاخلاق الرَّضِيَّة، والمعاني الزَّكِيَّة؟.
стр. 592
وقولها (أنضر الثلاثة) مِنْ النَّضْرة - بالضَّاد، وهي الحُسْن، والنِّعْمة.
والمنظر - بالظاء -: موضع النظر.
والعابسُ: الكالِحُ الوجه.
والمفند: المنسوب إلى الجهل وقِلَّة العقل.
ومن رواه (ولا مُعْتَدٍ) فهو من العداء، وهو الظلم.
وقوله (قالا خيمتي أمّ مَعْبد بعضُ النَّاسِ يقول: إنَّه من القيلولة، وهي شُرْبُ نصفِ النَّهار، والنُّزول فيه والنَّومُ، غيرَ أنَّه لا يُعَدَّى إلى الموضع إلا بحرفٍ، كما تقول: قِلْتُ بمكان كذا، أو فيه، أو عنده، ولا يقال: قلتُه، وذكر سلمان بنُ الفَتَى (١) الأديب الله: قالَ الرَّجلُ بموضع كذا، أي: أقام به، فيمكن أن يكون من هذا، غير أنه عداه - أيضًا - بالباء، وذكر بعضُهم أنَّ (قالا) معناه: قصدا، وهذا أَلْيقُ به إِنْ ساعدته اللغة، وكثيرًا ما يجيء في الأحاديث: فقال برأسه كذا، وقال بيده، وقال بمتاعه، وهذا كله يدلُّ على الإشارة والقصد، فالله - تعالى - أعلم، ولم أرَ أحدًا شرع في الكلام فيه، وفي رواية: (حَلَّا خيمتَيْ أَمِّ مَعْبد).
وقوله (ما) زَوَى الله عنكم) أي: ما قبضه عنكم ومنعه منكم.
وقوله (ليهنا) وفي الأكثر: (لِيَهْنَ) وهما سواء، يقال: هَنَا يَهْنَأُ وَيَهْنِيُّ، وهَنِئ يَهْنَأَ: لغةٌ، وطَرْحُ الهمز منه تخفيف وتمهيد لوزن الشعر.
стр. 593
والصريح: اللبن الخالص الذي لم يُمْزَج.
والضَّرَّة: أصلُ الضَّرْعِ، وقيل: لحمه.
والمزيد: الذي علاه الزبد، وهو معنى قوله (حتى علاه البهاء) و (الثَّمال) وهو صفة للصريح، وإعرابه بخلاف إعرابه؛ لأنَّ صريحًا نُصب، وذكرَ بعضُ نَحْوِيِّي زمانِنا أنه جُرَّ على الجوار، كقوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلِكُم﴾ (١) [المائدة: ٦] قال: وإِنْ شِئْتَ أبدلته مِنْ الشَّاة.
وإنما لم يُؤَنِّتْ مُزْيدًا إِذْ لم يجعله وَصْفًا للشَّاة؛ لأنَّ الشَّاة مُعرَّفةٌ، فلا تُوصَفُ بالنكرةِ، لكنه بدل منها، وإبدال المعرفة من النكرة، والنكرة من المعرفة، والمُذكَّر من المؤنَّث، والمؤنَّثِ مِنْ المذكَّر، كلُّ ذلك جائز.
وقيل: إنما لم يقل: مزبدة؛ لأنه نسبة (٢)، أي: ذاتُ زُبد، وفيما رواه الحُرُّ بنُ الصَّيَّاح استغناء عن هذا التكلف؛ لأنه قال:
فتَحلَّتْ … له بصريحٍ ضَرَّةُ الشَّاةِ مُزْبِدِ
فصح لفظه، وحسن معناه.
والمرصد: موضعُ الرَّصْد، وهم القومُ الذين يَرْصُدون الطُّرُقَ (٣).
وقوله (شب) ليس هو من التشبيب بالنساء في أول القصائد، وإنما هو من تشبيب الكتب، وهو الابتداء بها والأخذُ فيها، أي: ابتدأ في جواب الهاتف.
وفي رواية: (نَشِبَ يجاوب الهاتف) أي: عَلِق فطَفِق بجوابه.
وقوله:
стр. 594
وهل يستوي ضلال قوم تسفهوا … عمايتهم، هاد به كل مهتد
ذكره ابن الأنباري، وقال: هكذا أنشدناه ابن ناجية، يعني: عن مكرم، وهو صحيح الوزن مضطرب المعنى، وفي غير روايته:
وما يستوي جهال قوم تسكعوا … عمى، وهداة يهتدون بمهتد
قال: فهذا على هذه الرواية بيت صحيح الوزن والمعنى.
ومعنى (تسكعوا) تحيروا.
والركاب: الإبل التي تحمل القوم وما معهم، لا واحد لها من لفظها، فلذلك أنثها، ذكره الجبان.
وقوله (فغادرها رهنا) أي: ترك الشاة عندها لتكون معجزة له عند من أراد حلبها، وتصديقا لحكاية أم معبد عنه.
والعناق - في الحديث الآخر -: الأنثى من أولاد المعز.
والقرى: الضيافة، وقوله (ما أعوذكم القرى) أي: لو كان عندي شيء أبيعكموه لم تخلوا من ضيافتي.
وقولها (عللا بعد نهل) أي: شربا ثانيا بعد أول.
والحئل: جمع الحائل.
والنقي: المخ.
والأخور: شديد بياض العين في شدة سوادها.
والكحل - أيضا -: سواد العين.
وقولها (لا والله) بعد قوله ﷺ : (أتأذنين أن أحلبها؟) ليس بنفي للإذن، وإنما تخلف أنه ما ضربها من فحل، أي: ما نزا عليها ذكر، فكيف لها لبن؟!
وقولها - في رواية القباب -: (فبعثت إليهم بشاة) ثم قالت بعد ذلك: (فبعثت إليه بعناق) إنما جمع الضمير في الأول لأنها كانت تعرفهم، ومن السيد منهم، فلما جاء الرد من قبل رسول الله ﷺ عرفت أنه السيد المقدم، فبعثت إليه بعناق.
стр. 595
وقولها (فدعاها بشاة) و (دعاها بإناء) أي: أمرها بأن تحملهما إليه.
والعازب: البعيد.
و (ايتقفوا) أي: وقفوا، وقد يقال: اتَّقَفوا، وهو افتعلوا من الوقوف، وكذا: انتزل، افتعل من النزول.
وقوله (قد افلح) (١) بوصل الهمزة؛ لضرورة الشعر، على أنَّ أبا مِجْلَز لاحق بنَ حُمَيدٍ رُوِي أنه كان يقرأ: ﴿هل اتى﴾ و ﴿قد افلح﴾ بالتخفيف، وعن نافع رواية في نقل حركةِ الهَمْزاتِ إلى ما قبلها وترك الهمزات، كقوله ﴿والارض﴾ و ﴿والانهار﴾ ونحوهما.
وقوله (مِنْ ناقة) لفظة (من) زيادة، أي: ما حمَلَتْ ناقةٌ.
و (الخال) ثوب ناعم من ثياب اليمن، ذكره الجَبَّان، يَصِفُ حَسَّانُ بنُ ثابت سخاءَه، أي: هو أبذلُ النَّاسِ لأَنْعَمِ الثّياب على جدته وطراوته، قبل ابتذاله وخُلوقَتِه، وأجوَدُهم بالفرس السابح، وهو الذي شُبِّه جَرْيه بالذي يَسْبَح في الماء لحُسْن جَرْيه.
ويريد بالمُتَجَرِّد: الأجرد، وهو القصيرُ الشَّعْر من الخيل والدواب، وذلك يُحْمَد فيه ويُمْدَح به.
وكلُّ ما يُحكى عنه ﷺ من كرم خيمه (٢) وجميل أخلاقه دون حقه، بعد قول الله ﵎ له: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤]، وقد استَوْفَيْنا ما قدَرْنا عليه في الوقت من أسانيد حديثِ أمّ مَعْبدٍ، وسِياقة ألفاظه، واختلافِ رواته وشرح معانيه، على قدر الوسع وحسب الطاقة، والله أسأل أن ينفعني وجميع المسلمين به في الدَّارَيْن وأَنْ يَعْفُو عمَّا لم يَرْضَهُ مِنْ ذلك، إِنَّه وليه والقادر عليه.
стр. 596
قِصَّةُ حارثة أبي زيد ﵁ -
١٦٥ - أخبرنا أبو الفتح إسماعيل بن الفضلِ السَّرَّاجُ، قال: أخبرنا أبو طاهر محمَّدُ بنُ أحمدَ بنِ عبد الرحيم، قال: أخبرنا عبد الله بن محمد أبو الشيخ، قال: حدثنا محمَّد بن عِصام بن مِهْرَانَ الرَّازِيُّ.
وأخبرنا به عاليًا أبو علي الحداد خلاله إذنًا، قال: أخبرنا أبو نُعَيم أحمد بن عبد الله إجازة، قال: أخبرنا محمد بن إبراهيم بن مروان الدِّمَشْقِيُّ فيما كتب إليَّ.
وأخبرنا ببعض منه أبو علي هذا قراءة عليه، قال: أخبرنا محمَّدُ بنُ إبراهيم فيما كتب إليَّ، وحدثني عنه غير واحد، قال: حدثنا - وقال ابنُ عصام: حدثني - أبو زيد يحيى بنُ أَيُّوبَ بن أبي عقال هلال بن زيد بن الحسن بن أُسامة بن زيد بن حارثة ﵃ مولى رسول الله ﷺ بِدِمَشْقَ، قال: حدثني زيد بن أبي عِقال عَمِّي، عن أبيه، عن آبائه، أنَّ حارثة.
وفي رواية ابن مهران: عن أبيه، عن زيد بن الحسن، عن أبيه الحسنِ بنِ أُسامة، عن أبيه أسامة بن زيد بن حارثة ﵃: أنَّ حارثة تزوَّجَ إلى طيء بامرأة من بني نبهان فأولدها جبَلةَ وأسماءَ وزَيْدًا، وتُوفِّيَتْ أمُّهم، وبَقُوا (١) في حَجْر جدهم لأُمِّهم، فأراد حارثةُ حَمْلَهُم، فأبى جَدُّهم لأمهم، وقال: بل عندنا خير لهم، فتراضوا بأن حمل جبَلةَ وأسماء، وخلَّفَ زيدًا.
فجاءت خيل تهامة - زادَ ابنُ عِصام: مِنْ فَزارة - فأغارَتْ على طَيِّء، فسبَتْ زيدًا، فصاروا به إلى سوق عُكاظ، فرآه النَّبيُّ ﷺ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُبْعَثَ،
стр. 597
فقال لخديجة ﵂: «رأيتُ في السُّوق غلامًا من صِفَتِه كَيْتَ وكَيْتَ - يَصِفُ عَقْلًا وأدبًا وجمالًا - لو أنَّ لي مالًا لاشتريته»، فأمرَتْ خديجة ﵂ ورقة بن نوفل فاشتراه من مالها، فقال لها النَّبِيُّ ﷺ : «يا خديجة، هي لي هذا الغلام بطيبةٍ مِنْ نفسك»، قالت: يا محمد إني أرى غلامًا وَضِيئًا - وفي رواية ابنِ عِصام: رَضِيًّا - وأُحِبُّ أن أتَبنَّاه، وأَخافُ أن تَبِيعَه أو تَهبَه، قال: «يا مُوفّقة، ما أرَدْتُ إلا لأتبنّاه» - زاد ابن مروان فقالت: به فُدِيتَ يا محمد - فربياه، وتبنياه، وكان يقال له: زيد بن محمد.
فجاء رجل من الحي - وفي رواية ابنِ عِصام: مِنْ طَيِّء - فنظر إلى زيد - وفي رواية ابن مروان فرأى زيدًا - فعرفه، فقال له: أَلَسْتَ زيد بن حارثة؟ - وفي رواية ابن عصام: أنتَ زيد بن حارثة؟ - قال: لا، أنا زيد بن محمد، قال: بل أنتَ زيد بن حارثة، إِنَّ أباك وعُمومتَكَ وأهل بيتك، قد أتعبوا الأبدان، وأنفقوا الأموال في سَبَبِك، فقال زيد:
أَلِكْنِي إلى قومي وإِنْ كنتُ نائيًا … فإني قَطِينُ البيت عند المشاعر
فكُفُّوا من الوجد الذي قد شجاكُمُ … ولا تُعْملوا في الأرض نَصَّ الأباعرِ
فإني بحمد الله في خيرِ أُسْرَةٍ … خيارِ مَعَد كابرًا بعد كابر
قال: فمضى الرَّجلُ، فأخبر حارثة، ولحارثة في ذلك شِعْرُ:
بكَيْتُ على زيدٍ ولم أَدْرِ ما فَعَلْ … أحيُّ فَيُرْجَى، أم أتى دونه الأَجَلْ
فوالله ما أدري وإنِّي لَسائلٌ … أَغالَكَ سَهْلُ الأرض أم غالَكَ الجَبَلْ
فياليت شعري هل لك الدَّهْرَ رَجْعَةٌ … فَحَسْبي من الدُّنيا رجوعُكَ لي بَجَلْ
تُذَكِّرُنِيه الشَّمسُ عند طلوعِها … وَيَعْرِضُ ذِكْراه إِذا عَسْعَسَ الطَّفَلْ (١)
وإِنْ هبَّتْ الأَرْياحُ هَيَّجْنَ ذِكْرَه … فيا طُولَ أحزاني عليه ويا وَجَلْ (٢)
стр. 598
سأُعْمِلُ نَصَّ العِيس (١) في الأرض جاهدًا … ولا أَسْأَمُ التَّطْوافَ أو تَسْأَمَ (٢) الإبل
حياتي أو تأتي عليَّ مَنِيَّتي … فكلُّ امرئ فان (٣) وإِنْ غَرَّه الأمل
ثم إن حارثة أقبل إلى مكَّةَ في إخوته وولده وبعض عشيرته، فإذا النَّبيُّ ﷺ في فناء الكعبة في نفرٍ من أصحابه، وزيد ﵁ فيهم، فلما نظروا إلى زيد عرَفُوه وعرفهم - زاد ابنُ عِصام: فلم يتَحَلْحَلْ لهم - فقالوا: يا زيد، فلم يُجِبْهم؛ انتظارًا منه لرأي رسول الله ﷺ ، فقال له النَّبِيُّ ﷺ : «مَنْ هؤلاء يا زيد؟» قال: يا رسول الله، هذا أبي، وهذان عَمَّاي، وهذا أخي، وهؤلاء عشيرتي، فقال لي: «قُمْ فَسَلِّم عليهم يا زيد» فقام، فسلَّم عليهم، وسلَّموا عليه، فقالوا: اِمْضِ معنا يا زيد، فقال: ما أريد برسول الله ﷺ بدلًا - زاد ابن مروان: ولن أُوثِر عليه أحدًا - فقالوا: يا محمد، إِنَّا مُعْطوك بهذا الغلام دِيَاتٍ، فَسَمِّ ما شِئْتَ، فإنا حامِلُوه إليك، فقال: أسألُكم أَنْ تَشْهَدُوا أَنْ لا إله إلا الله، وأَنِّي خاتم أنبيائه ورُسُلِه - زاد ابنُ عصام: «وَأُرْسِلُه معكم» - فأَبَوْا وتلكؤوا - زاد ابن مروان وتلَجْلَجُوا - وقالوا: تَقْبَلُ مِنَّا ما عرضنا عليك يا محمد؟ فقال لهم: «هاهنا خَصْلةٌ غير هذه قد جَعَلْتُ الأمر إليه، إن شاء فليقم، وإن شاءَ فَلْيَرْحَلْ»، قالوا: ما بقي شيء، قد قضَيْتَ ما عليك يا محمد، وظَنُّوا أنهم قد صاروا من زيد إلى حاجتهم، قالوا: يا زيد، اِمْضِ معنا - وفي رواية ابن مروان يا زيد قد أذن لك الآن محمَّدٌ، فانطلق معنا - قال: هَيْهاتَ هَيْهاتَ، ما أُرِيدُ برسول الله ﷺ بدلًا، ولا أُوثِرُ عليه والدًا ولا ولدًا، فأَدارُوه وألاصوه واستعطَفُوه، وذكَّرُوه وَجْدَ مَنْ وراءهم، فَأَبَى وحلَفَ أَنْ لا يَلْحقَهُم.
فقال حارثة: أما أنا يا بني، فإني مُؤْنِسُكَ بنفسي، وأنا أشهد أن لا إله
стр. 599
إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله، فآمن حارثة وأبى الباقون، ورجعوا إلى البرية.
ثم إن أخاه جبلة رجع فآمن بالنبي ﷺ وفي رواية ابن عصام: فآمن بالله انتهت رواية ابن مروان.
زاد ابن عصام: وأول لواء عقده رسول الله ﷺ بيده إلى الشأم لزيد، وثانيه جعفر الطيار، والثالث عبد الله بن رواحة، وآخر لواء عقده بيده لأسامة على (١) اثني عشر ألفا من الناس، فيهم أبو بكر وعمر ﵃، قال أسامة: إلى أين يا رسول الله؟ قال: «عليك بأبنى، فصبحها صباحا، وحرق، وضع سيفك، وخذ بثأر أبيك».
واعتل النبي ﷺ ، فقال: «أنفذوا جيش أسامة، جهزوه، أنفذوه» فبرز إلى الجرف، واشتد علة النبي ﷺ ، فبعث إليه: أن النبي ﷺ يريدك، فرجع، فدخل على النبي ﷺ وقد أغمي عليه، ثم أفاق فنظر إلى أسامة، فأقبل يرفع يديه إلى السماء، ثم يفرغها عليه، فعلمنا أنه يدعو له.
ثم قبض ﷺ ، وكان فيمن غسله الفضل بن العباس، وعلي بن أبي طالب، وأسامة بن زيد ﵃ يصب عليهم الماء، فلما دفن ﷺ قال عمر لأبي بكر ﵄ ما ترى في أسامة؟ فقال: ما أحل لواء عقده النبي ﷺ بيده، ولا نحل من عسكره رجلا إلا أن يكون أنت يا عمر، ولولا حاجتي إلى مشورتك ما خللت من عسكره.
يا أسامة، عليك بالأمواء - يعني البوادي -، فكان يمر بجيش رسول الله ﷺ على البوادي، فيبيتون على آذانهم، حتى صار إلى عشيرته إلى كلب، فأجابته وصارت تحت لوائه إلى أن قدم الشأم على معاوية ﵁، فقال له: اختر لك منزلا، فاختار المرة فأقطعوها.
стр. 600
وقد قال الشاعر:
إذا ذُكِرَت أرض لقوم بنعمةٍ … فَبَلْدةٌ قومي تَزْدَهي وتطيب
بها الدِّينُ والإسلام والبَزْلُ لِلنَّدَى … فَمَنْ يَنْتَجِعُها لِلرَّشاد يُصِيبُ
ومَنْ يَنْتَجِعْ أرضًا سواها فإنه … سَيَنْدَمُ يومًا بعدها ويَخِيبُ
تَأَنَّى لها خالي أسامة منزِلًا … وكان لخير العالمين حبيب
حبيب رسول الله وابنُ رَدِيفه … له أُلفة معروفةٌ ونَصِيبُ
فأسكنَها كَلْبًا فأَضْحَتْ بمنزل … لها الصَّفْرُ منه، والجَنابُ خَصِيبُ
فنِصْفُ على برِّ فَسِيحٍ (١) ونُزْهَةٍ … ونِصْفٌ على بَحْرٍ أَغَنَّ (٢) رَطِيبُ
ثم إن أسامة ﵁ خرج إلى وادي القُرَى (٣) إلى ضيعة له، يُقال لها: بحَيرُ الميمونُ (٤)، وتُوفّي بها، وخلَّفَ في المِزَّة ابنةً يُقال لها: فاطمة، فلم تَزَلْ مُقِيمةً (٥) إلى أَنْ وُلِّيَ عمر بن عبد العزيز - رحمة الله عليه - فدخلت عليه، فقامَ من مجلسه وأقعدها، وقال: حَوائجكِ فاطمة قالت: حاجتي أَنْ تَحْمِلَني إلى المدينة، فجهزها وحملها (٦).