← Книги сунны

Книги сунны · id 30195

الطوالات - لأبي موسى المديني

أبو موسى المديني

Полный текст (962 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

قِصَّةُ حارثة أبي زيد ﵁ - ١٦٥ - أخبرنا أبو الفتح إسماعيل بن الفضلِ السَّرَّاجُ، قال: أخبرنا أبو طاهر محمَّدُ بنُ أحمدَ بنِ عبد الرحيم، قال: أخبرنا عبد الله بن محمد أبو الشيخ، قال: حدثنا محمَّد بن عِصام بن مِهْرَانَ الرَّازِيُّ. وأخبرنا به عاليًا أبو علي الحداد خلاله إذنًا، قال: أخبرنا أبو نُعَيم أحمد بن عبد الله إجازة، قال: أخبرنا محمد بن إبراهيم بن مروان الدِّمَشْقِيُّ فيما كتب إليَّ. وأخبرنا ببعض منه أبو علي هذا قراءة عليه، قال: أخبرنا محمَّدُ بنُ إبراهيم فيما كتب إليَّ، وحدثني عنه غير واحد، قال: حدثنا - وقال ابنُ عصام: حدثني - أبو زيد يحيى بنُ أَيُّوبَ بن أبي عقال هلال بن زيد بن الحسن بن أُسامة بن زيد بن حارثة ﵃ مولى رسول الله ﷺ بِدِمَشْقَ، قال: حدثني زيد بن أبي عِقال عَمِّي، عن أبيه، عن آبائه، أنَّ حارثة. وفي رواية ابن مهران: عن أبيه، عن زيد بن الحسن، عن أبيه الحسنِ بنِ أُسامة، عن أبيه أسامة بن زيد بن حارثة ﵃: أنَّ حارثة تزوَّجَ إلى طيء بامرأة من بني نبهان فأولدها جبَلةَ وأسماءَ وزَيْدًا، وتُوفِّيَتْ أمُّهم، وبَقُوا (١) في حَجْر جدهم لأُمِّهم، فأراد حارثةُ حَمْلَهُم، فأبى جَدُّهم لأمهم، وقال: بل عندنا خير لهم، فتراضوا بأن حمل جبَلةَ وأسماء، وخلَّفَ زيدًا. فجاءت خيل تهامة - زادَ ابنُ عِصام: مِنْ فَزارة - فأغارَتْ على طَيِّء، فسبَتْ زيدًا، فصاروا به إلى سوق عُكاظ، فرآه النَّبيُّ ﷺ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُبْعَثَ،

стр. 597

فقال لخديجة ﵂: «رأيتُ في السُّوق غلامًا من صِفَتِه كَيْتَ وكَيْتَ - يَصِفُ عَقْلًا وأدبًا وجمالًا - لو أنَّ لي مالًا لاشتريته»، فأمرَتْ خديجة ﵂ ورقة بن نوفل فاشتراه من مالها، فقال لها النَّبِيُّ ﷺ : «يا خديجة، هي لي هذا الغلام بطيبةٍ مِنْ نفسك»، قالت: يا محمد إني أرى غلامًا وَضِيئًا - وفي رواية ابنِ عِصام: رَضِيًّا - وأُحِبُّ أن أتَبنَّاه، وأَخافُ أن تَبِيعَه أو تَهبَه، قال: «يا مُوفّقة، ما أرَدْتُ إلا لأتبنّاه» - زاد ابن مروان فقالت: به فُدِيتَ يا محمد - فربياه، وتبنياه، وكان يقال له: زيد بن محمد. فجاء رجل من الحي - وفي رواية ابنِ عِصام: مِنْ طَيِّء - فنظر إلى زيد - وفي رواية ابن مروان فرأى زيدًا - فعرفه، فقال له: أَلَسْتَ زيد بن حارثة؟ - وفي رواية ابن عصام: أنتَ زيد بن حارثة؟ - قال: لا، أنا زيد بن محمد، قال: بل أنتَ زيد بن حارثة، إِنَّ أباك وعُمومتَكَ وأهل بيتك، قد أتعبوا الأبدان، وأنفقوا الأموال في سَبَبِك، فقال زيد: أَلِكْنِي إلى قومي وإِنْ كنتُ نائيًا … فإني قَطِينُ البيت عند المشاعر فكُفُّوا من الوجد الذي قد شجاكُمُ … ولا تُعْملوا في الأرض نَصَّ الأباعرِ فإني بحمد الله في خيرِ أُسْرَةٍ … خيارِ مَعَد كابرًا بعد كابر قال: فمضى الرَّجلُ، فأخبر حارثة، ولحارثة في ذلك شِعْرُ: بكَيْتُ على زيدٍ ولم أَدْرِ ما فَعَلْ … أحيُّ فَيُرْجَى، أم أتى دونه الأَجَلْ فوالله ما أدري وإنِّي لَسائلٌ … أَغالَكَ سَهْلُ الأرض أم غالَكَ الجَبَلْ فياليت شعري هل لك الدَّهْرَ رَجْعَةٌ … فَحَسْبي من الدُّنيا رجوعُكَ لي بَجَلْ تُذَكِّرُنِيه الشَّمسُ عند طلوعِها … وَيَعْرِضُ ذِكْراه إِذا عَسْعَسَ الطَّفَلْ (١) وإِنْ هبَّتْ الأَرْياحُ هَيَّجْنَ ذِكْرَه … فيا طُولَ أحزاني عليه ويا وَجَلْ (٢)

стр. 598

سأُعْمِلُ نَصَّ العِيس (١) في الأرض جاهدًا … ولا أَسْأَمُ التَّطْوافَ أو تَسْأَمَ (٢) الإبل حياتي أو تأتي عليَّ مَنِيَّتي … فكلُّ امرئ فان (٣) وإِنْ غَرَّه الأمل ثم إن حارثة أقبل إلى مكَّةَ في إخوته وولده وبعض عشيرته، فإذا النَّبيُّ ﷺ في فناء الكعبة في نفرٍ من أصحابه، وزيد ﵁ فيهم، فلما نظروا إلى زيد عرَفُوه وعرفهم - زاد ابنُ عِصام: فلم يتَحَلْحَلْ لهم - فقالوا: يا زيد، فلم يُجِبْهم؛ انتظارًا منه لرأي رسول الله ﷺ ، فقال له النَّبِيُّ ﷺ : «مَنْ هؤلاء يا زيد؟» قال: يا رسول الله، هذا أبي، وهذان عَمَّاي، وهذا أخي، وهؤلاء عشيرتي، فقال لي: «قُمْ فَسَلِّم عليهم يا زيد» فقام، فسلَّم عليهم، وسلَّموا عليه، فقالوا: اِمْضِ معنا يا زيد، فقال: ما أريد برسول الله ﷺ بدلًا - زاد ابن مروان: ولن أُوثِر عليه أحدًا - فقالوا: يا محمد، إِنَّا مُعْطوك بهذا الغلام دِيَاتٍ، فَسَمِّ ما شِئْتَ، فإنا حامِلُوه إليك، فقال: أسألُكم أَنْ تَشْهَدُوا أَنْ لا إله إلا الله، وأَنِّي خاتم أنبيائه ورُسُلِه - زاد ابنُ عصام: «وَأُرْسِلُه معكم» - فأَبَوْا وتلكؤوا - زاد ابن مروان وتلَجْلَجُوا - وقالوا: تَقْبَلُ مِنَّا ما عرضنا عليك يا محمد؟ فقال لهم: «هاهنا خَصْلةٌ غير هذه قد جَعَلْتُ الأمر إليه، إن شاء فليقم، وإن شاءَ فَلْيَرْحَلْ»، قالوا: ما بقي شيء، قد قضَيْتَ ما عليك يا محمد، وظَنُّوا أنهم قد صاروا من زيد إلى حاجتهم، قالوا: يا زيد، اِمْضِ معنا - وفي رواية ابن مروان يا زيد قد أذن لك الآن محمَّدٌ، فانطلق معنا - قال: هَيْهاتَ هَيْهاتَ، ما أُرِيدُ برسول الله ﷺ بدلًا، ولا أُوثِرُ عليه والدًا ولا ولدًا، فأَدارُوه وألاصوه واستعطَفُوه، وذكَّرُوه وَجْدَ مَنْ وراءهم، فَأَبَى وحلَفَ أَنْ لا يَلْحقَهُم. فقال حارثة: أما أنا يا بني، فإني مُؤْنِسُكَ بنفسي، وأنا أشهد أن لا إله

стр. 599

إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله، فآمن حارثة وأبى الباقون، ورجعوا إلى البرية. ثم إن أخاه جبلة رجع فآمن بالنبي ﷺ وفي رواية ابن عصام: فآمن بالله انتهت رواية ابن مروان. زاد ابن عصام: وأول لواء عقده رسول الله ﷺ بيده إلى الشأم لزيد، وثانيه جعفر الطيار، والثالث عبد الله بن رواحة، وآخر لواء عقده بيده لأسامة على (١) اثني عشر ألفا من الناس، فيهم أبو بكر وعمر ﵃، قال أسامة: إلى أين يا رسول الله؟ قال: «عليك بأبنى، فصبحها صباحا، وحرق، وضع سيفك، وخذ بثأر أبيك». واعتل النبي ﷺ ، فقال: «أنفذوا جيش أسامة، جهزوه، أنفذوه» فبرز إلى الجرف، واشتد علة النبي ﷺ ، فبعث إليه: أن النبي ﷺ يريدك، فرجع، فدخل على النبي ﷺ وقد أغمي عليه، ثم أفاق فنظر إلى أسامة، فأقبل يرفع يديه إلى السماء، ثم يفرغها عليه، فعلمنا أنه يدعو له. ثم قبض ﷺ ، وكان فيمن غسله الفضل بن العباس، وعلي بن أبي طالب، وأسامة بن زيد ﵃ يصب عليهم الماء، فلما دفن ﷺ قال عمر لأبي بكر ﵄ ما ترى في أسامة؟ فقال: ما أحل لواء عقده النبي ﷺ بيده، ولا نحل من عسكره رجلا إلا أن يكون أنت يا عمر، ولولا حاجتي إلى مشورتك ما خللت من عسكره. يا أسامة، عليك بالأمواء - يعني البوادي -، فكان يمر بجيش رسول الله ﷺ على البوادي، فيبيتون على آذانهم، حتى صار إلى عشيرته إلى كلب، فأجابته وصارت تحت لوائه إلى أن قدم الشأم على معاوية ﵁، فقال له: اختر لك منزلا، فاختار المرة فأقطعوها.

стр. 600

وقد قال الشاعر: إذا ذُكِرَت أرض لقوم بنعمةٍ … فَبَلْدةٌ قومي تَزْدَهي وتطيب بها الدِّينُ والإسلام والبَزْلُ لِلنَّدَى … فَمَنْ يَنْتَجِعُها لِلرَّشاد يُصِيبُ ومَنْ يَنْتَجِعْ أرضًا سواها فإنه … سَيَنْدَمُ يومًا بعدها ويَخِيبُ تَأَنَّى لها خالي أسامة منزِلًا … وكان لخير العالمين حبيب حبيب رسول الله وابنُ رَدِيفه … له أُلفة معروفةٌ ونَصِيبُ فأسكنَها كَلْبًا فأَضْحَتْ بمنزل … لها الصَّفْرُ منه، والجَنابُ خَصِيبُ فنِصْفُ على برِّ فَسِيحٍ (١) ونُزْهَةٍ … ونِصْفٌ على بَحْرٍ أَغَنَّ (٢) رَطِيبُ ثم إن أسامة ﵁ خرج إلى وادي القُرَى (٣) إلى ضيعة له، يُقال لها: بحَيرُ الميمونُ (٤)، وتُوفّي بها، وخلَّفَ في المِزَّة ابنةً يُقال لها: فاطمة، فلم تَزَلْ مُقِيمةً (٥) إلى أَنْ وُلِّيَ عمر بن عبد العزيز - رحمة الله عليه - فدخلت عليه، فقامَ من مجلسه وأقعدها، وقال: حَوائجكِ فاطمة قالت: حاجتي أَنْ تَحْمِلَني إلى المدينة، فجهزها وحملها (٦).

стр. 601

هذا حديث غريب حسن، لا أَعْرِفُه إلا من هذا الوجه. وزيد، قيل: اشتري بسبع مئة دِرْهَم (١). والوجد: الحُزن. و (قد شَجَاكم) أي: أحزنكم. والنَّص: السير الشديد. وقوله (أَلِكُني) أي: بَلِّغْ رِسالتي، والمَأْلُكَة: الرِّسالة. والقَطِين: الساكن، ويريد بالبيت الكعبة. وقوله (غالَكَ) أي: أهلكك. وقوله (بَجَلْ) أي: حَسْب. و (العيس) الإبل البيض. وقوله (أو تسأم الإبل) انتصب (تسأمَ) بإضمار: إلا أن، وفي إحدى الروايتين: (إذ تسأم الإبل). و (حياتي) في موضع النصب على الظرف. وقوله (أو تأتي) أي: إلا أن تأتي علي. و (لم يتَحَلْحَلْ) أي: لم يزَلْ عن مكانه، ولم يقم لهم. و (تلكؤوا) أي: تباطؤوا. و (تلَجْلَجُوا) أي: لم يُبيِّنوا الكلام.

стр. 602

وقوله (فأداروه) أي: أرادوه على ما يريدون منه. و (ألاصوه) أيضًا بمعناه. و (استَعْطَفُوه) أي: استمالوه. وأُبْنَى: قرية بالشام (١). والجرف: منزل قريبٌ من المدينة (٢). والمزة - أيضًا -: مِنْ أرض الشام، بكسر الميم، معروف (٣). * * *

стр. 603

حَدِيثُ خُرَيْمِ بنِ أَوْسٍ، وخُرَيْمِ بنِ فاتِكِ ١٦٦ - أَخبرنا الرَّئيس أبو القاسم هبة الله بن الحُصَيْن الشَّيْبَانِيُّ ﵀ ببغداد بقراءتي عليه، قال: أَخبرنا أبو طالب بن غَيْلان سنة سبع وثلاثين وأربع مئة، قال: أَخبرنا أبو بكر مُحَمَّدُ بنُ عبدِ الله الشَّافعي سنة ثلاث وخمسين وثلاث مئة، قال: حدثني أبو شيخ مُحَمَّدُ بنُ الحُسَين (١) الأصبهاني، وعبد الله بن محمد. وأخبرنا أبو علي الحدادُ ﵀، قال: حدثنا أبو نعيم الحافظ. وأخبرنا أبو غالب الكُوشِيذي، ومُحَمَّدُ بن أبي القاسم القراني، ونوشروان بن شيرزاد (٢) الدَّيْلَمِيُّ ﵏. قالوا: أَخبرنا أبو بكر بن رِيدَه. قالا (٣): حدثنا سليمان بن أحمد الطبراني، قال: حدثنا عبدان بن أحمد، ومحمد بن موسى بنِ حَمَّادٍ البَرْبرِيُّ. قالوا (٤): حدثنا أبو السكين زكريا بن يحيى بن عُمرَ بنِ حِصْنِ بنِ حُمَيدِ بنِ مُنْهِبِ بن حارثةَ بنِ خُرَيمِ بن حارثة، قال حدثني عم أبي زَحْرُ بنُ حضن عن جَدِّه حُمَيدِ بنِ مُنْهِب، قال: قال خُرَيم بن أوس بن حارثة بن لام ﵁ (٥): هاجَرْتُ إلى رسول الله ﷺ ، فقَدِمْتُ عليه مُنْصَرَفَه مِنْ تبوك،

стр. 604

فسمِعْتُ العباس ﵁ يقول: يا رسول الله، إنِّي أُرِيد أَنْ أَمْتدِحَك، فقال له رسول الله ﷺ : «فَقُلْ، لا يَفْضُض الله [فاك]» (١) فأنشأ العباس يقول: [مِنْ] (٢) قَبْلِها طِبْتَ في الظِّلال، وفي … مُسْتَوْدَع حيث يُخْصَفُ الورَقُ ثم هبطت البلاد لا بشَرٌ أنـ … ـتَ ولا مُضْعَةٌ ولا علق بل نُطْفَةٌ تَرْكَبُ السَّفين وقد … ألجمَ نَسْرًا وأهله الغرَقُ تَنقَّلُ مِنْ صالب إلى رَحِمٍ … إذا مضى عالم بدا طبق حتى احتوى بيتك المهيمن من … خِنْدِفَ [عَلْياءَ] (٣) تحتها النُّطقُ وأنتَ لما وُلِدْتَ أشرقَتْ الْـ … أرضُ، وضاءت بنورك الأفق فنحن في ذلك الضّياء وفي النـ … نُور وسُبْلِ الرَّشادِ نَخْتَرِقُ إلى هنا رواية الشافعي على لفظه. زاد الطبراني بإسنادِه: قال خُرَيم: سَمِعْتُ رسول الله ﷺ يقول: «هذه الحيرة البيضاء قد رُفِعَت لي، وهذه الشَّيماء بنتُ بُقَيْلةَ الأزدية على بغلة شهباء مُعتجِرةً بخمار أسود» فقلت: يا رسول الله، فإن نحن دخلنا الحيرة ووجَدْتُها على هذه الصفة، فهي لي؟ قال: «هي لك». ثم ارتد العرب، فلم يرتدَّ أحدٌ مِنْ طَيِّءٍ، وكُنَّا نُقاتِلُ قَيْسًا على الإسلام، وفيهم عُيَيْنةُ بنُ حِصْن، وكُنَّا نُقاتِلُ بني أسد، وفيهم طليحةُ بنُ خُوَيلد الفَقْعَسِيُّ، وامتدحنا خالد بن الوليد ﵁، وكان فيما قال فينا: جزى الله عَنَّا طَيِّئًا في ديارها … بِمُعْتَرَكِ الأبطال خير جزاء هم أهل راياتِ السَّماحة والنَّدى … إذا ما الصَّبا أَلْوَتْ بكلِّ خِباء هم ضربوا قَيْسًا على الدين بعد ما … أجابوا منادي ظُلْمةٍ وعَماء ثم سار خالد إلى مُسَيلِمةَ، فسِرْنا معه، فلما فرغنا مِنْ مُسَيْلِمة وأصحابه،

стр. 605

أقبلنا إلى ناحية البصرةِ فَلَقِينا هُرْمُزَ بكاظمة في جمع عظيم، ولم يكن أحدٌ أَعْدَى للعرب مِنْ هُرْمُزَ، قال أبو السُّكَين: وبه يُضْرَب المثل، تقول العرب: أنتَ أَكْفَرُ مِنْ هُرْمُزَ، فبرَزَ له خالد ودعاه إلى البراز، فبرَزَ له هُرْمُزُ، فقتله خالد، وكتب بذلك إلى أبي بكر الصديق ﵁ فنفله سلَبَهُ، فبلغتْ فَلَنْسُوَةٌ هُرْمُزَ مئَةَ أَلفِ دِرْهَمٍ، وكانت الفُرْسُ إِذا شَرُفَ فيها رجلٌ جعلوا قلَنْسُوتَه بمئة ألفِ دِرْهَم. ثم سرنا على طريق الطف حتى دخلنا الحيرة، فكان أوَّلَ مَنْ تَلَقَّانا فيها شَيْماءُ بنتُ بُقَيلةَ الأَزْدِيةُ على بغلة لها شهباء، مُعتجِرةً بخمار أسود، كما قال رسول الله ﷺ ، فتعلَّقْتُ بها، وقلت: هذه وهبها لي رسول الله ﷺ ، فدعاني خالد عليها البينة، فأتيته بها، فسلمها إلي. ونزل إلينا أخوها عبد المسيح، فقال لي: بِعْنِيها، فقلت: لا أَنْقُصها من عشر مئة شيئًا، فدفع إليَّ ألفَ دِرْهَم، فقيل لي: لو قُلْتَ مئة ألف، لدفعها إليك، فقلت: ما أَحْسَبُ أنَّ مالًا أكثر من عشر مئة (١). قال الطبراني: وبلغني في غير هذا الحديث أنَّ الشَّاهِدَيْن كانا محمَّدَ بنَ مسلمة، وعبد الله بن عمر ﵄. هذا حديث غريب حسن عالٍ، لا أَعْرِفُه إلا من هذا الوجه، كأني سمعته من أصحاب أبي عبد الله بن مَنْدَه.

стр. 606

وفي غير هذه الرواية أنَّ الشَّاهِدَيْن محمَّدُ بنُ مَسْلَمَةَ، ومحمَّدُ بنُ بَشِيرٍ الأنصاريان. * * * ١٦٧ - أخبرنا أبو غالب الكُوشِيذي، ومحمَّد بن أبي القاسم القُراني، ونوشروان الديلمي ﵏ قالوا: أخبرنا أبو بكر بن رِيدَه، قال: أخبرنا الطبراني، قال: حدثنا الحسين بن إسحاقَ التَّسْتَرِيُّ، ح. وأخبرنا أبو علي الحداد ﵀ قال: حدثنا أبو نُعيم الحافظ، قال: حدثنا محمد بن عيسى الأديب، قال: حدثنا محمد بن إبراهيم بن زياد. قال أبو نُعَيم: وحدثنا أبو عمرو بن حمدان، قال: حدثنا الحسنُ بنُ سفيان. وأخبرنا الشيخ الزاهد أبو الرَّجاءِ أحمدُ بنُ محمد بن عبد العزيز القارئ ﵀ نازلًا، قال: أخبرنا أبو الفضل الرّازي، قال: أخبرنا جعفر بن عبد الله بنِ فَنَّاكي، قال: حدثنا محمَّدُ بنُ هارون الروياني، قال: حدثنا عبد الله بن محمد، قال: حدثنا أبو إسحاق الجرجاني. قالوا: حدثنا محمد بن إبراهيم بن العلاء الشامي - قال الجرجاني: بعبادان - قال: حدثنا عبد الله بن موسى الإسكندراني، عن محمد بن إسحاق، عن سعيد بن أبي سعيدٍ المَقْبُرِيِّ، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال خُرَيْمُ بْنُ فَاتِكِ لعمر بن الخطاب ﵄: يا أمير المؤمنين، ألا أخبرك كيف كان بدء إسلامي؟ (١) قال: بلى. قال: بينما أنا في طلب نعم لي إِذْ أنا منها على أثَرِ، إِذْ جَنَّنِي الليل بأَبْرَقِ العَزَّافِ، فناديتُ بأعلى صوتي: أعوذ بعزيز هذا الوادي من سفهاء قومه، فإذا هاتف يهتف بي:

стр. 607

ويحك بالله ذي الجلال … والمجد والنعماء والإفضال واقْتَرِ آيات من الأنفال … ووحد الله ولا تُال قال: فذُعِرتُ ذُعْرًا شديدًا، فلما رجَعْتُ إلى نَفْسي، قلت: يا أيُّها الهاتف، ما تقول؟ … أرشد عندك أم تضليل بَيِّن لنا - هُدِيتَ - ما الحَوِيلُ؟ قال: هذا رسول الله ذو الخيراتِ … بيَثرب يدعو إلى النجاة يأمر بالصوم وبالصَّلاة … ويَزَعُ النَّاسَ عن الهَنات قال: فابتعثتُ راحلتي، فقلت: أَرْشِدني رشدًا - هُدِيتْ - … لا جُعْتَ يا هذا ولا عَرِيت ولا بَرِحْتَ سيِّدًا مُقِيتْ … لا تُؤْثِر على الخير الذي أُوتيت قال: فاتَّبِعْنِي - وهو يقول: صاحبك الله وسَلَّم نَفْسَكا … وبلَّغَ الأهل وأدَّى رَحْلَكا آمن به، أفلج ربِّي حقّكا … وانصُرْه، أعَزَّ رَبِّي نَصْرَكا قال: فدخلت المدينة، وذلك يوم الجمعة، فاطَّلعت في المسجد، فخرج إلي أبو بكر الصديق ﵁ فقال: ادْخُل؛ فإنه قد بلغنا إسلامُكَ قلت: لا أُحْسِنُ الظهور، فعلمني. فدخلت المسجد، فرأيتُ النَّبِيَّ ﷺ على المنبر يخطب كأنَّه البَدْرُ، وهو يقول: «ما من مسلم توضأ فأحسن الوضوء، ثم صلَّى صلاة يحفظها ويَعْقِلُها إلا دخل الجنَّة». فقال لي عمر بن الخطاب ﵁: لتأتيني على هذا ببينة، أو لَأُنكَلَنَّ بك، قال: فشهد لي شيخ قريش عثمان بن عفان ﵁ فأجاز شهادته (١).

стр. 608

وهذا أيضًا غريب حسن. رواه أبو عَمْرٍو اللَّحْميُّ الواسطي (١)، عن محمد بن إسحاق، مِثْلَه (٢). ورواه الحسن بن محمَّدٍ - أَظُنُّه ابنَ الحَنَفِيَّة - عن أبيه قال: قال عمر لابن عباس ﵃: حدثني بحديث تُعَجِّبُني به، قال: حدثني خُرَيم، وذكره معناه قريبًا منه، إلا أنه قال فيه: إنَّه قال للهاتف: لو كان لي مَنْ يحفظ لي نعمي ويُؤدِّيها عنِّي لأتيته، فقال الهاتف: أنا أؤدّيها عنك إلى أهلك، فلما وقَعَ بصَرُ رسول الله ﷺ عليه، قال له: «إِنَّ الشَّيخَ قد أدى عنك نعمَكَ إلى أهلك». وفيه أيضًا: أنه قال للهاتف: من أنت؟ قال: أنا رسول رسول الله ﷺ ، أرسلني إلى طائفة من الجِنِّ، واسمي مالك. وفيه: أنَّ أبا ذر الغفاري ﵁ هو الذي استقبله على باب المسجد (٣). وقوله (٤) (طبتَ في الظَّلال) يريد به تحت أشجار الجنَّةِ حين كان في صُلْبِ آدم إذ كان في الجنة، كما قال ﷻ : ﴿فِي ظِلَالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ﴾ [يس: ٥٦].

стр. 609

ويريد بالمستودع: صُلْبَ آدم ﵇ كما قالوا في تفسير قوله - تعالى -: ﴿فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَع﴾ [الأنعام: ٩٨]: إِنَّ المُسْتودع أصلابُ الآباء (١). وقوله (حيثُ يُخصَفُ الورَقُ) يُشِير إلى معنى قوله ﵎: ﴿يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾ [الأعراف: ٢٢] (٢). وقوله (وقد أَلْجمَ نَسْرًا) الواو: للحال أي: حين غَرِق مُكَذِّبو قومِ نوح كنتَ في صُلْبِهِ في السَّفينة. والصالب: الصُّلب. والعالم: الجماعةُ من الناس، ومِثْلُه: الطبق، وكأنه جمع الطبقة. والبيت - هاهنا -: النَّسَب، والشَّرَف. و (المهيمن) قيل: المُؤتمن، قال القُتَبِيُّ (٣): معناه: حتى احتوى بيتك يا مهيمن، وهو صفة لِلنَّبيِّ ﷺ ، جعله من صفة نسبه وشرفه؛ لأنَّ نسبه له. و (خِنْدِف) امرأة إلياس بن مُضَر الذي هو من آباء النَّبيِّ ﷺ ، وإنما فتح الفاء لأنه غيرُ مُنْصَرِف. و (علياء) منصوب، صفةٌ لمفعول (احتوى). و (النُّطق) جمع النطاق، وهو ما يُشَدُّ فوق الثياب على الوسط، وهو ها هنا مثل. و (نخترق) أي: نذهب، ونجيء. و (الحيرة) بالكوفة، قريب منها، وبنيسابور - أيضًا - محلَّةٌ تُدْعَى الحيرة،

стр. 610

وليستْ مِنْ هذا الحديث في شيء، وإنما وصفها بالبيضاء؛ لأن الغالب على ألوان أهلها البياض، وقيل: لأنَّ غالب أموالهم (١) الوَرِقُ، دون الذهب. والاعتجار: لف الثوب على الرأس. و (أَلْوَتْ بكلِّ خِباء) أي: ذهبَتْ به وأسقطته مِنْ شِدَّة الرّيح. وقوله (ظلمة وعماء) يريد به العَمَى، إلا أنَّ الشَّاعر قد يَمُدُّ المقصور. و (الطف) الموضع الذي استُشْهِد به أمير المؤمنين الحسين بن علي ﵄. و (أَبْرَق العَزَّاف) موضع بالبادية يكثر فيه عَزِيف الجِنِّ، وهو صوتها. وقوله (أعوذ بعزيز هذا الوادي) كذلك كانوا يفعلون في الجاهلية، كما أخبر الله ﷻ عنهم بقوله: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنسِ﴾ الآية (٢). وقوله (واقْتَرِ) أصله (واقْتَرِى) بالهمز، خُفِّفَ لِلشِّعر، وقرأ، واقترأ: بمعنى. و (الهنات) الخصال المذمومة. والمقيت: المقتدر. وفي كلا الحديثين معجزة لِلنَّبيِّ ﷺ . * * *

стр. 611

حديث خذيمة بن ثابت، أو ابن حكيم ١٦٨ - أخبرنا أبو عليٍّ الحدادُ ﵀ سنة سبع وخمس مئة، قال: حدثنا أبو نُعَيم الحافظ سنة ست - أو سبع - وعشرين وأربع مئة، قال: حدثنا سليمان بن أحمد الطبراني سنة أربع وخمسين وثلاث مئة، قال: حدثنا محمد بن يعقوب الخطيب الأهوازي، قال: حدثنا محمَّد بن عبد الرحمن، هو ابنُ عبدِ الصَّمَد السُّلَمِيُّ، يُكْنى أبا بكر، قال: حدثنا أبو عِمْرانَ الحَرَّاني يوسف بن يعقوب - وفي غير هذه الرواية قال: سنة سبع ومئتين في ذي القعدة - قال: حدثنا ابن جريج، عن عطاء، عن جابر بن عبد الله ﵄ أَنَّ خُزَيمةَ بنَ ثابت - وليس بالأنصاري - كان في عير لخديجة ﵂، وأنَّ النَّبِيَّ ﷺ كان معه في تلك العير، فقال له: يا محمد، إني أرى فيك خصالًا، وأشهدُ أَنَّكَ النَّبِيُّ الذي يخرج من تهامة، وقد آمَنْتُ بك، فإذا سمعتُ بخروجك أتيتك. فأبطأ عن النَّبيِّ ﷺ ، حتى كان يوم فتح مكة، ثم أتاه، فلما رآه النَّبِيُّ ﷺ قال: «مرحبًا بالمهاجر الأوَّل»، قال: يا رسول الله، ما منعني أن أكون من أوَّلِ مَنْ أتاك وأنا مؤمن بك، غيرُ مُنْكِر لِبَيْعتِك، ولا ناكثٍ لِعَهْدِكَ، وَآمَنْتُ بالقرآن، وكفَرْتُ بالوثن، إلا أنه أصابَتْنا بعدك سنواتٌ شِداد مُتوالياتٌ، تَركَتْ المُخَ رِزامًا، والمَطِيَّ هامًا، غاضَتْ لها الدِّرَّةُ، وتبِعَتْ لها الثَّرَّةُ، وعاد لها النّقادُ مُتَجَرْثِمًا، والعِضاهُ مُسْتَخْلِفًا، والوَشِيجُ مُسْتَحْنِكًا، يَبِسَتِ الأرضُ الوَدِيسُ (١)، واجتاحت جميعَ اليَبِيس، وأَفْنَتْ أصول الوَشِيج، حتى قُطَّتْ القَنِطَةُ، أتيتُكَ غيرَ ناكثٍ لِعَهْدي، ولا مُنْكِر لبيعتي.

стр. 612

فقال رسول الله ﷺ : «خذ عنك، إنَّ الله ﵎ باسط يده بالليل لمسيء النهار ليتوب، فإنْ تابَ تاب الله - تعالى - عليه، وباسط يده بالنهار لمسيء الليل ليتوب فإن تاب تاب الله - تعالى - عليه، وإنَّ الحق ثقيل كثقَله يوم القيامة، وإنَّ الباطل خفيفٌ كخِفَّتِه يومَ القيامة، وإنَّ الجنَّةَ محظور عليها بالمكاره، وإنَّ النَّارَ محظور عليها بالشَّهوات». فقال: يا رسول الله، أخبرني عن ضوء النهار، وعن ظُلمة الليل، وعن حر الماء في الشَّتاء، وعن بَرْدِه في الصَّيف، وعن البلد الأمين، وعن مَنْشأ السحاب، وعن مَخْرَجِ الجَراد، وعن الرَّعْد والبَرْق، وعن ما للولد من الرَّجُل وما للمرأة؟ فقال ﷺ : «أَمَّا ظُلْمةُ اللَّيْلِ وضَوْءُ النَّهار: فإِنَّ الشَّمس إذا سقطت سقطتْ تحت الأرض، فأظلم الليل لذلك، وإذا أضاءَ الصُّبح ابتدرها سبعون ألف ملك، وهي تَقاعَسُ كراهة أَنْ تُعْبَدَ مِنْ دون الله، حتى تَطْلُعَ، فيُضِيء - يعني النهار - لذلك. وأما حَرُّ الماء في الشَّتاء، وبَرْدُه في الصَّيف: فإِنَّ الشَّمس إذا سقطت، سقطت تحت الأرض. من قوله: (فيضيء النهار) إلى هنا: سقط من نسختي (١). قال: فَلِطولِ اللَّيل يَطُول مُكْتُها، فيَسْخُن الماء لذلك، وإذا كان الصيف قلَّ مُكْتُها فبَرَد الماءُ لذلك. وأما الجراد: فإِنَّه نثرةُ حوت في البحر، يقال له: الإيوان، وفيه يَهْلِك. وأمَّا مَنْشَأُ السَّحاب: فإِنَّه يَنْشَأُ مِنْ قِبَل الخافقين، - أو: من بين الخافِقَيْن - تَلْحَمُه الصَّبا والجَنُوب، وتُسْدِيه الشَّمالُ والدَّبُورُ. وأَمَّا الرَّعْد: فإنَّه مَلَكُ بيدِه مِحْراقٌ، يُدْني القاصِيةَ، ويُؤخّر النائية، فإذا رفع برَقَتْ، وإذا زجَرَ رَعَدتْ، وإذا ضربَ عَقَتْ.

стр. 613

وأما ما لِلرَّجُلِ مِنْ الوَلِيد وما للمرأة: فإِنَّ لِلرِّجال العِظام والعروق والعصب، وللمرأة اللَّحْمَ والدَّمَ والشَّعْرَ. وأما البلد الأمين: فمَكَّة» (١). هذا حديث غريب إسنادًا ومتنًا، رواه الطبراني هكذا، وفيه من التصحيف غير قليل. وكذلك رواه القاضي أبو بكر أحمد بن محمود بن خُروزان (٢) الأَهْوازِيُّ، عن محمَّدِ بن يعقوبَ إلا أحرفًا يسيرةً خالف الطبراني فيها (٣). * * * ١٦٩ - وأخبرنا بقطعةٍ منه محمَّدُ بنُ رَجاءِ التَّاجرُ، قال: أخبرنا أحمد بن عبد الرحمن قال: أخبرنا أحمد بن موسى قال: حدثنا أحمدُ بنُ محمدِ بنِ عبد الله البزاز، قال: حدثنا عبد الله بن أحمد (٤) بن موسى، قال: حدثنا محمدُ بنُ عبدِ الرَّحمن السُّلَمِيُّ، قال: حدثنا أبو عِمْرانَ الحَرَّانِيُّ - وكان قَدِم من حران يريد مكَّةَ، قال: حدثنا ابنُ جُرَيجِ، عن عطاء، عن جابر: أنَّ خزيمة بن ثابت - وليس بالأنصاري - سألَ النَّبِيَّ ﷺ عن منشأ السحاب؟ فقال: «إِنَّ مَلَكًا مُوكَّل بالسحاب يَلِي القاصية، ويُلْحِم الدانية، في يده مخراق، فإذا رفع برَقَتْ، وإذا زجَر رَعَدَتْ، وإذا ضَرَبَ صَعِقَتْ».

стр. 614

وفي رواية ابن خُروزاد قال: (ما منعني أن لا أكون مُزْدانًا بإعلانك)، وفيها: (ونِيعَتْ لها الشَّرَّة). وقال: (وعاد لها اليعارُ مُتَجَرْثِمًا، والعِضاهُ مُسْتَحْلِكًا)، ثم ذكر الباقي نحوه (١). وقال السُّلَمي في آخره: سألت أبا محمَّدٍ التَّوَّزِيَّ (٢) عن قوله (ما منعني أن لا أكونَ مُزْدانًا بإعلانك) قال: المُزْدان: المُتزَيّن. وفي روايته قال: (والمَطِيّ هارًا) قال: يَهِرُّ بعضُه في وجه بعض من الجهد، فعلى هذا يكون (هارًا) بتشديد الراء. قال (ونِيعَتْ لها الشَّرَّة) قال: الضَّرْع لزق بالبطن حتى لم يُرَ. وقال: (اليعار) شجرة في الصحراء تأكلها الإبل. قال: والمُتَجَرْثم: الذي قد ذهب أصله. وقال (الوَشِيج) شجرة في الصحراء. و (مُسْتَحْنِكا) اِسْتَحْنَكَتْ مِنْ أصلها فذهبَتْ. إلى هنا حكى تفسيره عن التَّوَّزي، غير أنَّ بعضًا منه في كتب اللغة على غير ما ذكره. وقوله (تَركَتْ المُخَ رِزامًا كذا في رواية الطبراني، وفي رواية غيره: تركت المُخ زارًا، والمَطِيَّ هارًا). فأما الرّزام: فكأنه من الرَّازم، وهو المُعْيِي المُشْرِفُ على الهلاك، يقال: رَزَم رَزْمة مات، ورَزَم رُزومًا، أي: خَوي من الجوع، فعلى

стр. 615

هذا يكون معنى (تركَتْ المُخّ) أي: تركَتْ ذَوِي المُخّ، كما قالوا في قوله ﵎: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] يعني: أهل القرية. و (المَطِي) جمع المَطِيَّة. والهام: جمع الهائم، وهو الذاهب على وجهه، أو: جمع الهامة التي كانوا يقولون في الجاهلية: إِنَّ عِظام الموتى تَصِير هامة فتطير، أو تخرج من هامة الميت هامة، أو كما كانوا يقولون، فيكون معناه: إِنَّ المَطِيَّ مِنْ قِلَّة الاعتلاف ذهبت على وجهها في طلبِ الخِصْب، أو إنها ماتَتْ مِنْ القَحْط. وقوله (غاضَتْ لها الدِّرَّةُ) أي: نقصَتْ دِرَّة اللَّبَن. وقوله (تبعَتْ لها الشَّرَّةُ) إِنْ حُفِظ هذا اللفظ، فمعناه: تبعتها في النُّقصان، يقال: تبعته، وتبعَتْ له، و (الثَّرَّة) كثرةُ اللَّبَن، وفي غير هذه الرواية: (ونقَصَتْ (١) لها الشَّرَّة) وأظُنُّه كان لم يُجَوِّدْ كِتْبةَ لفظة (نقَصَت) فصُحفَتْ بـ (تبعَتْ)، وأما ما ذكره عن التَّوَّزي (٢)، فلا أتحقَّقُ لفظه، ولا أعرف تفسيره. و (النقاد) جمع النَّقَدِ، وهو رُذال الغنم، وقيل: هو من الضَّأْن خاصةً. و (اليعار) الذي رواه ابنُ خُرُّوزاذ، وما ذكره من تفسيره عن التَّوَّزي، فلا أعرفه، وفي رواية أخرى: (اليراع) وهو الضعاف من الغنم وغيرها. والمُتَجَرْثِم: الذي سقط مِنْ عُلْمٍ إلى سُفْلٍ - فيما قيل، أي: صارَتْ بمنزلة ذلك، ويُرْوَى (مُجْرنثمًا) أي: مُتقَبِّضًا من الجوع، غيرَ مُتَشرِّفٍ طلب الكلا، وقيل: المُجْرَنْثِم والمُتَجَرْثِم: المُتَجَمِّع. و (العِضاه) من شجر البادية. وقوله (مُسْتَخْلِفًا) تصحيف ها هنا، وفي غير هذه الرواية: (مُسْتَحْلِكًا) وهو الصحيح، أي: أسود. و (الوشيج) قيل: نبات له أغصان وورق لطاف.

стр. 616

وقوله (مُسْتَحْنِكًا)، في غير هذه الرواية: (مُسْحَنْكِكًا) أي: أسود أيضًا، والمُسْتَحْنِك قريب منه، يقال: أسود حالك وحانك. و (الوديس) ما يطول من النبات. و (اجتاحَتْ) أي: استأصلَتْ. و (اليبيس) يابس الكلا. وقوله (قُطَّتْ القَنِطَةُ) كذلك هو في رواية ابن خُروزاذَ أيضًا، وأظُنُّه تصحيفًا، والقَط: القَطْعُ عَرْضًا، كما أنَّ القَدَّ هو القطع طُولًا، وأما (القنطة) فلا أَعْرِفُها إلا أن يكون أراد القطنة - بتقديم الطاء على النُّون - وهي هنة دون القُبَّة، ويقال لِلَّحمة بين الوَرِكَيْن أيضًا: قَطَنة. وقوله (عن ما للولد من الرَّجُل) كذا في الرّوايتين، وصوابه: عن ما لِلرَّجُل من الولد. وقوله (تَقاعَسُ) أصله: تتقاعس بتاءين، حُذِف إحداهما تخفيفًا، أي: تتأخر وتتباطأ. وقوله (يُؤخّر النائية) أظُنُّه تصحيفًا أيضًا، وصوابه: يَزْجُر، أو: يُلْجِم، كما في الرواية الأخرى، أي: يُدني بعضها من بعض، ويُلْزِقُ بعضها ببعض. و (صعَقَتْ) أي: أصابَتْ بصاعقة. وهذا الحديث لم يورده الحافظ أبو عبد الله بنُ مَنْدَه، ولا أبو نعيم في «معرفة الصحابة»، ولا الطبراني في «المعجم الكبير»، وله طرق سواه بألفاظ غير ما ذكرناها مع الاختلاف في نسب خزيمة نذكره فيما بعد إن شاء الله تعالى (١). * * *

стр. 617

١٧٠ - ذكر أبو بكرٍ محمَّدُ بنُ القاسم (١) بنِ بَشَّارِ الأَنباري ﵀، قال: أخبرنا عبد الله بن بيان (٢) الأنباري، قال: حدثنا محمَّد بن يعقوب الرازي، قال: حدثنا محمدُ بنُ سَلْمِ بنِ عبدِ الرَّحمن الحَرَّانِيُّ، قال: حدثنا محمدُ بنُ بَكَّارِ بن أبي ميمونة، قال: حدثنا عبد الله بن مَعَبَّة (٣) - وأَثْنى عليه خيرًا - قال: حدثنا أبو مَعْشَر. قال أبو بكر: وكتبتُ من كتاب أبي بَرْزَةَ الحاسب، وصِرْتُ إليه فلم يقرأ علي ليمين لحقته في أن لا يُحَدِّثَ ما حَيِيَ، قال: حدثنا أبو بكر أحمدُ بنُ عبد الرحمن بن المُفَضَّل، قال: سمعت أبي، قال: حدثنا عُبَيْدُ بنُ حَكِيم. كلاهما عن ابن جريج، عن الزهري - رفع الحديث - أنَّ خُزَيمة بنَ حَكِيمِ السُّلَمِيَّ ثُمَّ البَهْزِيَّ ﵁ كانت بينه وبين خديجة بنت خويلد ﵂ قرابة، وأنه قدم عليها، وكان إذا قَدِم عليها أصابَتْه بخير، فوجَهته مع رسول الله ﷺ ، وغلام لها - يُقال له: مَيْسرة - في تجارة إلى بصرى من أرض الشام، فأحب خُزَيمة رسول الله ﷺ حبًا شديدًا، فكان لا يُفارقه في نومه ولا في يقظته. فساروا حتى إذا كانوا بين الشَّام والحجاز، قام على ميسرة بعيران لخديجة، وكان رسولُ الله ﷺ في أوَّل الرَّكب، فخاف ميسرة على نفسه وعلى البعيرين، فانطلق يَسْعى إلى رسول الله ﷺ فأخبره بذلك، فأقبل النَّبِيُّ ﷺ إلى البعيرين، فوضع يديه على أَخْفافِهما وعوَّذهما، فانطلق البعيران يَسْعَيان في أوائل الركب لهما رُغاء، فلما رأى خزيمة ذلك علم أن له شأنًا عظيمًا، فحرص على لزومه ومحافظته. وساروا حتى إذا دخلوا الشَّامَ نزلوا براهب من رهبان الشَّام، فنزل رسول الله ﷺ تحت شجرة، ونزل النَّاس مُتَفرِّقين، وكانت الشجرة التي نزل

стр. 618

تحتها شجرةً يابسةً فَحْلةً، قد تساقط ورَقُها، ونَخِرَ عُودُها، فلما نزل رسول الله ﷺ واطمأن تحتها، أَنْورَتْ وأَشْرَقَتْ، واعشَوْشَبَ ما حولها، وأَيْنعَ ثمرها، وتدَلَّتْ أغصانها، فرَفْرَفَت على رسول الله ﷺ ، وكلُّ ذلك بعين الراهب، فلم يتمالك أن انحدر من صومعته، فقال له: سألتك باللات والعُزَّى، ما اسمك؟ فقال: «إليكَ عَنِّي، ثكِلَتْكَ أمُّك، فما تكلَّمَتْ العرب بكلمة أثقل عليَّ مِنْ هذه الكلمة»، وكان ذلك مَكْرًا من الراهب، وكان معه حين نزل مِنْ صَوْمَعتِه رَقٌ أبيضُ، فجعل ينظر فيه مرَّةً، وإلى النبي ﷺ أخرى، ثم أكَبَّ ينظر فيه مَلِيًّا، فقال: هو هو ومُنْزِلِ الإنجيل (١). فلما سمع بذلك خزيمة ظنَّ أَنَّ الرَّاهِبَ يريد بالنَّبيِّ ﷺ مَكْرًا، فضرب بيده إلى قائمة سيفه فانتزعه، وجعل يصيح بأعلى صوته: يال غالب، يال غالب، فأقبل النَّاس يُهرعون إليه من كلِّ ناحية، يقولون: ما الذي راعَكَ؟! ما الذي أفزَعَك؟! فلما نظر الراهب إلى ذلك أقبل يَسْعَى إلى صومعته، فدخلها وأغلق عليه بابها، ثم أشرف عليهم فقال: يا قوم، ما الذي راعَكُم مِنِّي؟ فوالذي رفع السَّماواتِ بغير عمدٍ، ما نزل بي رَكْبٌ هو أحبُّ إليَّ منكم، وإني لأجد في هذه الصحيفة أنَّ النَّازل تحت هذه الشجرة - وأومأ بيده إلى الشجرة التي تحتها رسول الله ﷺ هو رسولُ ربّ العالمين، يُبْعَثُ بالسيف المسلول، وبالذَّبْح الأكبر، وهو خاتم النبيين، فمن أطاعه نجا، ومن عصاه غوى. ثم أقبل على خُزيمة فقال: ما تكون من هذا الرجل؟ أَرَجُلًا مِنْ قومه؟ قال: لا، ولكن خادم له - وحدَّثه بحديث البعيرين - فقال له الراهب: أيُّها الرجل، إنه النَّبيُّ الذي يُبعث في آخر الزمان، وإني مُفَوِّضُ إليك أمرًا، ومُسْتَكْتِمُكَ خبَرًا، وعاهِدٌ إليكَ عهدًا، فقال: ما هو؟ فإني سامع لقولك، وكاتم لسرِّك، ومطيع لأمرك، فقال: إني أجِدُ في هذه الصحيفة أنه يَظْهَرُ على

стр. 619

البلاد، ويُنْصَرُ على العباد، ولا تُرَدُّ له راية، ولا تُدْرَكُ له غاية، وأنَّ له أعداء أكثرهم اليهود أعداء الله فاحذرهم عليه، فأسر خزيمة ذلك في نفسه. ثم أقبل على رسول الله ﷺ ، فقال: يا محمد إني لأرى فيك شيئًا ما رأيته في أحد من الناس، إني لأَحْسَبُكَ النَّبِيَّ الذي يُذْكَرُ أنه يخرج من تهامة، وإنَّك لصريح في ميلادك، ولأمين في أنفُسِ، قومك، وإني لأرى عليك من الناس محبَّةٌ، وإني مُصدِّقُكَ في قولك، وناصِرُكَ على عدوّك، فانطلقوا يَؤُمُّون الشَّام، فقضوا بها حوائِجَهُم، ثم انصرفوا، ورجع خزيمة إلى بلاده، وقال لرسول الله ﷺ : إذا سمعتُ بخروجك أتيتُكَ. فأبطأ عن رسول الله ﷺ ، حتى كان فتح مكة فوقف على رسول الله ﷺ ، فلما نظر إليه قال: «مرحبًا بالمهاجر الأول، ما الذي بطأ بك يا خزيمة؟ أين ما وعَدْتَني أنك تأتيني إذا سمعت بخروجي؟» فقال خزيمة: والله - يا رسول الله - لقد أتيتُكَ وعُذْري عدد أصابعي هذه، فما نهنهني عنك أن لا أكون أَوَّلَ مَنْ دان بدينك، وأجاب دعوتك، وأقرَّ برسالتك، لأني مُقِرٌّ بالقرآن، كافر بالطغيان، بريء من الأوثان، مؤمن بالرحمن ، ولكنها - يا رسول الله - أصابَتْنا سَنواتٌ شِداد، تركَتْ المُخّ رارًا، والمَطِيَّ هارًا، غاضَتْ لها الدِّرَّةُ، ونقَصَتْ لها الشَّرَّة، وعاد لها النّقادُ مُجْرَنْثِمًا، والدِّيخُ مُحْرَنْجِمًا، والفَرِيسُ مُسْحَنْكِكًا، والعِضاهُ مُسْتَحْلِكًا، أيبسَتْ الأرضَ الوَدِيس - وفي رواية: أيبسَتْ بارِضَ الوَدِيس - واجتاحَتْ جميمَ اليَبِيس، وأفنَتْ أصول الوَشِيج، حتى آل السلامي، وأخلفَ الخُزامى، وأينَعَتْ العَنَمة، وسقطَتْ البَرمة، وبَضَّتْ الحلمة، وتفر اللحاء، وحمل الراعي العُجَالةً، واكتفى مِنْ حَمْله بالقَيْلة، أتيتُك مُسْرِعًا غير مُبدِّل لقولي، ولا ناكثًا لبيعتي. فقال رسول الله ﷺ : «إِنَّ الله ﵎ يَعْرِضُ على عبده في كل يوم نصيحة، فإِنْ قَبِلَها سَعِد، وإِن تركها شَقِي، وإِنَّ الله عَلى يَبْسُط يده لمسيء الليل بالنهار ليتوب، فإِنْ تابَ تابَ الله - تعالى - عليه، ولمسيء النهار بالليل ليتوب، فإنْ

стр. 620

تاب تاب الله عليه، وإنَّ الحقَّ ثقيل كثِقَلِه يوم القيامة، وإنَّ الباطل خفيف كخِفَّتِه يوم القيامة، وإنَّ الجنَّة محظور عليها بالداليل، وإنَّ النَّار محظور عليها بالشهوات، أَنْعِمْ صباحًا، تَرِبَتْ يداك». فقال خزيمة: يا رسول الله، حدثني عن ظُلمة الليل، وعن ضوء النهار، وعن حَرِّ الماء في الشتاء، وبَرْدِه في الصيف، وعن مَخْرَجِ السَّحاب، وعن موضع الماء، وعن قرار ماء الرجل وماء المرأة، وعن موضع النَّفْس من الجسد، وما شراب المولود في بطن أمه، وعن مخرج الجراد، وعن البلد الأمين. فقال رسول الله ﷺ : «أما ظُلْمة الليل وضوء النهار: فإِنَّ الله - تعالى - خلق خلقًا من غُثاء الماء، باطِنُه أسود، وظاهره أبيض، طرفٌ له بالمشرق، وطرفٌ له بالمغرب، تُمدّده الملائكة، فإذا أشرق الصُّبح طَرَدَتْ الملائكة الظُّلْمةَ، وسُلِخ الجلباب حتى يجعلوه في المغرب في طرف الهواء، وإذا أظلم الليلُ طَرَدَتْ الملائكة الضوء حتى يجعلوه في المشرق في طرف الهواء، وهما يتراوحان، لا يَبْليان ولا يتغيَّران. وأما حر الماء في الشتاء وبَرْدُه في الصيف: فإِنَّ الشَّمس إذا سقطتْ تحت الأرض سارَتْ حتى تَطْلُعَ من مكانها، فإذا طال ليلها (١) في الشتاء طال لبتها تحت الأرض فيَسْخُن الماء لذلك، وإذا كان الصيف مرَّتْ مُسْرِعةً لا تَلْبَثُ تحت الأرض لقصرِ اللَّيل، فيَبِيتُ الماء باردًا على حاله. وأما مَخْرج السَّحاب: فإنه ينشأ من طرَفِ الخافقين بين السماء والأرض، فيُطِلُّ عليه العنان الملفوف من المزاد المكفوف، حوله الملائكة الصفوف، تَلْحَمُه الجَنوبُ والصَّبا، وتَخْرِقُه الشَّمالُ والدَّبُور. وأما موضع النفس من الجسد: فإِنَّ القلبَ مُعلَّق بالنِّياط، والنِّياط عِرْقُ يَسْقِي العروق، فإذا هلك القلب انقطع الدَّمُ.

стр. 621

وأما قرار مني الرجل: فإنه يخرج ماؤه من الإحليل، وهو عرق يجري في ظهره، حتى يستقر قراره في بيضته اليسرى، وأما المرأة: فإنه يلقى ولا يحرك حتى تدنو عسيلتها. وأما شراب المولود في بطن أمه: فإنه يكون منيا أربعين، ومشيجا أربعين، ثم علقة أربعين، ثم مضغة أربعين (١)، ثم يكون العظم صكيكا، ثم جنينا، ثم يستهل وينفخ فيه الروح، فإذا أراد الله - تعالى - أن يخرجه قبل تمامه أخرجه، وإن أراد أن يؤخره في الرحم أخره، أمر الله نافذ، وقوله صادق، تتحلب عليه عروق الرحم، وفيها يكون اللبن. وأما مخرج الجراد: فمن بطن الحوت في البحر، يقال له: الإيوان. وأما البلد الأمين: فتلك مكة، مهاجر الغيث والرعد والبرق إليها، لا يدخلها الدجال، وآية ذلك: إذا منع الحمى، وفشا الربا، وظهر الزنى، ونقص المكيال والميزان، وقام الصغير إلى الكبير» (٢). أخبرنا الشيخ الإمام الزاهد أبو الرجاء أحمد بن محمد بن عبد العزيز القارئ ﵀ بقراءتي عليه، قال: أخبرنا الإمام أبو الفضل عبد الرحمن بن أحمد بن الحسن الرازي المقرئ - قدم علينا -، قال: سمعت أبا القاسم جعفر بن عبد الله بن يعقوب بن فناكي، قال: سمعت أبا بكر محمد بن هارون الروياني يقول: سمعت يونس بن عبد الأعلى، يقول: سمعت الشافعي ﵀ عليه - يقول: «أصحاب العربية جن الإنس» زاد حرملة عن الشافعي ﵀ عليه -: «لأنهم يبصرون ما لا يبصر غيرهم» (٣).

стр. 622

حديثُ خُزيمة الذي أمليناه، طريق ابن جريج عن الزُّهْرِيِّ مُرْسَلًا، أَوْلَى به من رواية ابن جريج عن عطاء عن جابر. وخزيمة (١) بابن حَكِيم أَشْبه منه بابن ثابت (٢). وله طريق آخر: ١٧١ - رواه أحمدُ بنُ سَيَّارِ المَرْوَزِيُّ، قال: حدثنا أحمدُ بنُ النُّعْمَانِ بنِ الوجيه بن النُّعْمان أبو الحسن قال: حدثني أبي، قال: حدثني رجل من بني سليم، عن أخيه، عن منصور بن المعتمر، عن قَبِيصة بن عمرو بن إسحاق الخزاعي، عن خُزيمة بن حَكِيم السُّلَمِيِّ البَهْزي ﵁، وكان صهرًا لخديجة ﵂ وذكر الحديث بطوله (٣). وقال الإمام أبو عبد الله ابن منده ﵀: «روى حديثه أحمد بن النعمان، عن أبيه، عن جده الوجيه، عن منصور، عن قبيصة بن إسحاق» (٤). وقال: (النَّهْدي) مكان: (البَهْزي) وصحف (٥)؛ لأنَّ البَهْزِيِّين من بني سليم. والرُّغاء: صوت الناقة. والقحلة: اليابسة أيضًا. و (نخر) أي: بَلِيَ، وتفتت.

стр. 623

و (أَنْورَتْ) أي: أخرجَتْ النَّوْرَ. و (اعشوشب ما حولها) أي: نَبَتَ فيه العُشْبُ. و (أَيْنعَ) أي: أدرك، ويقال: ينع أيضًا، فهو يانع. و (رَفْرفَتْ) من قولهم: رَفْرفَ الطَّائرُ جناحَيْه، إذا نشرهما وحرَّكَهُما. و (لم يتمالك) أي: لم يَقْدِرْ على أن يَمْلِكَ نفسه. و (يال غالب) استغاثة، أي: أغيثوني يا آل غالب. و (يُهْرَعون إليه) أي: يُساقون، بمعنى: يُسْرِعون، وقيل: هو إسراع فيه رغدة. والصريح الخالص، أي: لَسْتَ بكاذب عندهم، كما أخبر الله ﷻ بقوله: ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ﴾ الآية (١). و (ما نَهْنَهَني) أي: ما دفعني، وما منعني. ومن رار، أي: رقيقٌ لِشدَّة الجَدْب والهزال، والرِّير بمعناه. و (المَطِي) جمع المَطِيَّة، وهي: الناقة التي يركب مطاها، أي: ظهرها، وقيل: لأنها يُمْطَى بها في السير، أي: يُمد. والهارُ: السَّاقط الضعيف، وهو من أحد شيئين، إما أن يكون أصله هائرًا، فترك همزه، أو يكون أصله هاريًا، فنُقلت ياؤه من موضع العين إلى موضع اللام، فيَجْري مَجْرى قولهم: عاقني وعقاني، وعاث في الأرض وعثا، وجذب وجبد. و (الدرة) و (الثرة) قد ذكرناهما. و (النقاد) جمع النقد، وهي رُذال الضَّأْن وفي رواية أبي برزة: (وعاد لها اليراع) يريد به الضّعاف من الغنم وسائر الحيوان، والأصل في اليراع:

стр. 624

القصب، ثم يُسمَّى (١) به كلُّ ضعيف، واليراع الجبان أيضًا، الذي كأنه لا جوف له، تشبيهًا بالقصب المُجوّف. والمُجْرَنْثِم (٢) المُجتمعُ المُتقَبِّض، وتَجمُّع الغنم من الجدوبة؛ لأنها لا تجد مرعى تنتشر فيه. و (عاد) بمعنى: صارَ، يُستعمَلُ في موضعه وإن لم يكن كذلك قبله، وإلى هذا المعنى ذهب قوم من المُفسّرين في قوله - تعالى - في قِصَّة شُعَيب: ﴿أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا﴾ [الأعراف: ٨٨] أي: لتَصِيرُنَّ؛ لأنَّ شُعَيبًا ﵇ لم يكن قط في مِلَّتِهم، وقال قوم: إنَّما الخطاب لأتباعه فأدخلوا شُعيبًا فيه؛ لأنهم كانوا من قبل كفارًا، ثم اتَّبَعوا شُعَيبًا. و (الذيخ) الذَّكَر من الضباع، والأنثى: ذيخة، وقد يقال للذكر منها أيضًا: ضبعان، كما يقال لذكر الثعالب: تُعْلُبان، ولذكر الأفاعي: أُفْعُوان. والمُحْرَنْجِم: المُتقبض الكالح من شِدَّة الجَدْب. وقوله (والفَرِيش مُسْحَنْكِكًا) ذكر بعضُهم أنَّ الفَرِيشَ صِغَارُ الإبل، وأنكره أبو بكر الأنباري (٣)، وقال: إنما هي الفَرْش، كما قال ﵎: ﴿حَمُولَةً وَفَرْشًا﴾ [الأنعام: ١٤٢]، وذكر القُتَبِيُّ (٤) أَنَّ الفَرِيشَ الناقة التي ولدت حديثًا، كالنفساء من النساء، وقيل: الفَرِيش من النبات: ما انبسط على وجه الأرض، ولم يَقُمْ على ساقٍ، كأنه مفروش عليها (٥)، وقال الأصمعي: فرس فَرِيش، إذا

стр. 625

حمل عليها بعد النتاج بسَبْع (١)، وقال الأزهري: الفَرِيش الموضع الذي يكثر فيه النبات (٢)، وقال أبو جعفرٍ أحمدُ بنُ عُبَيد (٣): الفَرِيش: الفرسُ أو الأتان تَشْتَهي الفَحْل، والحديث يحتمل كل ما قالوه. والمُسْحَنْكِك: الشَّديد السواد من الاحتراق، وكذلك: المُسْتَحْلِك. و (العِضاه) كلُّ شجرٍ له شَوْكٌ، وهو بالهاء، واحدتُها: عِضَةٌ، بالتاء، وجمع السلامة منه: عِضوات. والبارض: أوَّل ما يبدو من البُهْمَى، وهو نَبْتٌ يَنْبُت في السهل، وقال سلمان الأديب (٤) ﵀: البارض: ما بَرَض مِنْ النَّبْت، وهو أن يَكْسُو الأرض. و (الوديس) ما أخرجَتْه الأرضُ من النَّبات فيطول، قال ابن السكيت: إذا طال النبات حتى تطمع فيه الماشية، يقال: أَوْدَسَتْ الأَرضُ، فهي مُوَدَّسة (٥) والجَمِيم: نَبْتٌ يَطول حتى يَصِيرَ مثلَ الجُمَّة، وقيل: أَوَّلُ ما يبدو من البُهْمَى بارِضُ، فإذا زاد وطال فهو جَمِيم، والعميم: أكثر منه. و (آل) أي: عاد ورجع. و (السُّلامَى) عظام الأصابع، ويقال: آخِرُ ما يَبْقَى المُخُ في السلامي،

стр. 626

وأنشد بعضهم (١): لا يَشْتَكِينَ عمَلًا ما أَنْقَيْنْ (٢) … ما دام مُخ في سلامى أو عَيْن أي: عاد المخ إلى العظم. و (الخزامى) خِيرِيُّ البَرِّ (٣) عند العرب. و (أخلف) أي: أخرج نباتًا وزَهْرًا، وأَطْلَعَ خِلْفةً، فصار يَخْلُف نباتًا قبله. والعنم: شجر له أغصانٌ دِقاقٌ، وثمر أحمر ناعم، يُشَبَّه به البَنانُ، و (العَنَمة) واحدتُه. و (أَيْنعَتْ) أي: أَدْرَكَتْ ونضِجَتْ. و (البرمة) واحدة البرم، وهو ثمَرُ الأراك، لا طعم له، كانوا يُضطرون إليه عند الجَدْب، فلما جاء الخِصْب سقَطَ واستُغْنِيَ عنه، فلذلك قال: (سقطتْ البرمة). و (بَضَتْ) أي: قطَرَتْ وسالَتْ وتحَلَّبَتْ، وكذلك: ضَبَّتْ (٤). و (الحكمة) نبات ينبت في السَّهْل، والحلمة أيضًا: رأسُ الثَّدْي، والحديث يحتملهما (٥). و (اللحاء) قشور الأشجار. و (تفطر) تشقق، أي: تشقَّقَ الشَّجرُ عن النَّبات حتى خرج منها الثمر. و (العُجالة) قيل: هي اللبن يحمله الراعي من المرعى إلى أصحاب الشاء قبل أن تَصْدر الغنم، وإنما يفعل ذلك إذا كَثُرَ اللَّبَنُ، وغَزُرَتْ الشَّاةُ.

стр. 627

وفي رواية أبي بَرْزَة: (العِجالة) بالكسر، وهي ما يحمل الراعي عليه زاده، كالتيس، والكبش، وقيل: إنما هو الإعجالة، وهو اللبن يتعجله الراعي، وقال أبو عبيد: العُجالة: ما يتعجَّلُه الإنسان، لم يُخصِّص لبنًا ولا غيره، وقال الفراء: هما لغتان: عُجالة، وعجالة، كالبشارة، والعمالة، والخلاصة، بالضم والكسر. و (القَيْلة) شُرب نصف النهار، أي: يكتفي بِشُرْبه نصف النهار، ولا يعرض لما يحمله من كثرة اللبن وشِدَّة الري. و (الداليل) الشَّدائد والمكاره والدواهي، واحدها: دُولولٌ. وقوله (أَنْعِم صباحًا) أي: نَعِمْتَ في صباحك، دعاء، وكذلك: أَنْعِمْ ظلامًا ومساء، ويُقال أيضًا: أَنْعِم صباحًا، وعِمْ ظَلامًا، وأنشد الفَرَّاء: أتَوْا ناري، فقلت: مَنُونَ أنتم؟ … فقالوا: الجِنُّ، قلتُ: عِمُوا ظلاما (١) أي: أَنْعِموا. وقوله (تربَتْ يداك) أكثرُ المُفسّرين على أنه بمعنى دعاء الخير، أي: الله دَرُّك إِنْ اتَّعَظْتَ بِمَواعظي، وكذلك في الحديث: «تُنْكَحُ المرأة لميسمها، ولمالها، وحسبها، فعليك بذاتِ الدِّين تَرِبَتْ يداك» (٢) أي: الله دَرُّك (٣) إِنْ تَزوَّجْتَ ذاتَ الدِّين وترَكْتَ ما سواها، ومنهم من ذهب إلى ظاهر لفظه، وقال: معناه (٤): إِنْ عَدَلْتَ عن ذاتِ الدِّين تَرِبَتْ يداك، وقال الزُّهْرِيُّ في حديثه ﷺ لعائشة ﵂: «ترِبَتْ يمينك» (٥) أي: احتاجت؛ لأنه رأى الحاجة خيرًا لها من الغنى.

стр. 628

واستدل بعضُهم في أنَّ معناه: الله دَرُّك؛ لأنَّ النَّبِيَّ ﷺ قرنه بقوله (أَنْعِمْ صباحًا)، ويحتمل أن يكون (تَرِبَتْ يداك) ها هنا على ظاهره وإن كان مقرونًا بقوله (أَنْعِم صباحًا)؛ لأنه إذا ترِبَتْ يمينه وافتقر وصار مع ذلك ناعم البالِ قَرِيرَ العين بفَقْرِه، فلا درجة فوقه. و (العنان) السحاب المتراكم. والمشيج: المُختلط من ماء الرجل والمرأة. والصكيك: الصُّلْبُ الشَّديد (١). وقوله (ثم يستهل) ذهب ابن الأنباري إلى أنه بتشديد اللام، من الإهلال، وهو رفع الصوت، ويحتمل أن يكون غير صحيح؛ لأنه يصف حاله وهو بعد في الرَّحِم، والجنين في الرَّحِم لا يَرْفَعُ صوته، ويمكن أن يكون بتخفيف اللام، يَفْتَعِلُ من السُّهولة، وقد يكون من الاستنهال، أي: ثم يتيسر ويَتِمُّ خَلْقُه، ويكون أهلًا لأَنْ يُنْفِخَ فيه الرُّوحُ، ويَصْلُح لذلك بكونه تام الخَلْق. و (الوَشِيج) ما التفَّ من الشجر، ومنه: واشجة الرَّحِم. وفي رواية: (وتبجح الحيا) أي اتسع الغيث. وفي رواية أيضًا: (ثم يكون غميسًا أربعين) أي: مغموسًا في الرَّحِم. وباقي الألفاظ قد فسَّرْناه فيما أَقْبَلَ.

стр. 629

ومن حديث زياد بن الحارث الصدائي ﷺ - ١٧٢ - أخبرنا القاضي أبو منصور محمد بن عبد الله بن مندويه، وأبو علي الحسن بن أحمد الحداد -رحمهما الله- قالا: حدثنا أبو نعيم أحمد بن عبد الله، قال: حدثنا أبو بكر أحمد بن يوسف بن خلاد، قال: حدثنا الحارث بن أبي أسامة. وأخبرنا أبو علي أيضا، قال: حدثنا أبو نعيم، قال: حدثنا محمد بن أحمد بن الحسن. وأخبرنا أبو غالب أحمد بن العباس الكوشيذي وغيره -رحمهما الله- قالا: أخبرنا محمد بن عبد الله بن ريدة، قال: أخبرنا أبو القاسم سليمان بن أحمد الطبراني. وقرأت على أبي غالب أحمد بن الحسن بن البناء ﵀ قال: أخبرنا الحسن بن علي أبو محمد الجوهري، قال: أخبرنا أبو بكر أحمد بن جعفر بن حمدان بن مالك. قالوا: حدثنا بشر بن موسى. قالا (١): حدثنا أبو عبد الرحمن المقري، قال: حدثنا عبد الرحمن بن زياد بن أنعم، قال: حدثني زياد بن نعيم الحضرمي - من أهل مصر - قال: سمعت زياد بن (٢) الحارث الصدائي ﵁ صاحب رسول الله ﷺ يحدث قال: أتيت رسول الله ﷺ فبايعته على الإسلام، وأخبرته أنه بعث جيشا إلى قومي،

стр. 630

فقلت: يا رسول الله، اُرْدُدْ الجيش، فأنا لك بإسلام جيشي وطاعتهم، فقال لي: «اذهب فرُدَّهم» فقلت: يا رسول الله، إنَّ راحلتي قد كلَّتْ، فبعثَ رسول الله ﷺ رجلًا فرَدَّهم. قال الصدائي: وكتبتُ إليهم كتابًا، فقَدِم وفدهم بإسلامهم، فقال لي رسول الله ﷺ : «يا أخا صداء، إِنَّكَ لَمُطاعٌ في قومك» فقلت: بل الله لك هو هداهم للإسلام، فقال لي رسول الله ﷺ : «أفلا أُؤَمِّرُك عليهم؟» فقلت: بلى، يا رسول الله، قال: فكتب لي بإِمْرَتي كتابًا، فقلت: يا رسول الله، مُرْ لي بشيء من صدقاتهم، فقال: «نعم» فكتب لي كتابًا آخر بذلك. فقال الصدائي: وكان ذلك في بعض أسفاره، فنزل رسول الله ﷺ منزلًا، فأتاه أهلُ ذلك المنزلِ يَشْكون عاملهم، ويقولون: أخذنا بشيء كان بيننا وبين قومه في الجاهلية، فقال النَّبيُّ ﷺ : «أو فعل ذلك؟» قالوا: نعم، فالتفت النَّبيُّ ﷺ إلى أصحابه وأنا فيهم، فقال: «لا خير في الإمارة لِرَجُلٍ مؤمن»، قال الصدائي: فدخل قوله في نَفْسي، ثم أتاه آخَرُ فسأله، فقال: يا نبي الله، أَعْطِني، فقال نبي الله ﷺ : «مَنْ سأَلَ النَّاسِ عن ظَهْرِ غِنى، فصُداعٌ في الرأس، وداء في البطن»، فقال السائل: فأَعْطِني من الصدقة، فقال له رسول الله ﷺ : «إِنَّ الله ﵎ لم يَرْضَ بِحُكْمِ نبي ولا غيره في الصدقات، حتى حكم هو فيها، فجزاها ثمانية أجزاء، فإنْ كنتَ من تلك الأجزاء أعطيتك - أو «أعطيناك» - حقَّكَ»، قال الصدائي: فدخل ذلك في نَفْسي أني سألته من الصدقات وأنا غني. ثم إنَّ رسول الله ﷺ اغتسل من أول الليل - كذا في رواية جماعة منهم، وفي رواية الطبراني: فأَعْرَسْنا من أول الليل، وفي غير هذه الروايات: اعْتَشَى من أول الليل، وهو الصحيح - فلَزِمْتُه وكنتُ قويًّا، وكان أصحابه ينقطعون عنه ويستأخرون، حتى لم يَبْقَ معه أحدٌ غيري، فلما كان أوان أذان الصبح أمرني فأذَنْتُ، فَجَعَلْتُ أقول: أُقِيمُ يا رسول الله؟ فجعلَ رسولُ الله ﷺ يَنظُر ناحية

стр. 631

المشرق إلى الفجر، فيقول: «لا» حتى إذا طلع الفجر نزل رسول الله ﷺ فتبرز، ثم انصرف إليَّ وقد تلاحق (١) أصحابه، فقال: «هل من ماء يا أخا صداء؟» فقلت: لا، إلا شيء قليل لا يكفيك، فقال النَّبِيُّ ﷺ : «اجعله في إناءٍ، ثم ائْتِني به» ففعَلْتُ، فوضع كفّه في الإناء - أو قال: في الماء -، قال الصُّدائي: فرأيتُ بين كلِّ أَصْبُعَيْن من أصابعه عَيْنًا تَفُور، فقال لي رسول الله ﷺ : يا أخا صداء، لولا أني أَسْتَحْيِي من ربي لسقينا واستقينا، نادِ في أصحابي: مَنْ له حاجةٌ في الماء؟ فنادَيْتُ فيهم، فأخذَ مَنْ أراد منهم، ثم قام رسولُ الله ﷺ إلى الصَّلاة فأراد بلال ﵁ أَنْ يُقيم، فقال له رسول الله ﷺ : «إِنَّ أخا صداء أذن، ومن أذن فهو يُقيم» قال الصدائي: فأقمتُ للصلاة. فلما قضى رسول الله ﷺ الصَّلاة أتيته بالكتابين، فقلت: يا نبي الله، اغفني من هذين، فقال نبي الله ﷺ : «وما بدا لك؟»، فقلت: سمعتُك يا نبي الله (٢) تقول: «لا خير في الإمارة لرجل مؤمن» وأنا أؤمن بالله ورسوله، وسمعتُك تقول للسائل: «مَنْ سأل عن ظهر غنى، فهو صُداع في الرأس، وداء في البطن» وقد سألتُكَ وأنا غني، فقال نبي الله ﷺ : «هو ذاك، فإِنْ شِئْتَ فَاقْبَل، وإن شئتَ فَدَعْ»، فقلتُ: أَدَعُ، فقال لي رسول الله ﷺ : فدُلَّني على رجلٍ أُؤَمِّرُه عليكم، فدللته على رجلٍ من الوفد الذين قدموا عليه، فأمره عليهم - أو قال: علينا .. ثم قلت: يا نبي الله، إنَّ لنا بئرًا، إذا كان الشّتاء وسعنا ماؤُها، واجتمعنا عليها، وإذا كان الصيف قلَّ ماؤها، فتفرَّقنا على مياه حولنا، وقد أسلمنا، وكلُّ مَنْ حولنا عدونا، فادْعُ الله - تعالى - لنا في بئرِنا أن يسعنا ماؤُها، فنجتمع عليها فلا تتفرق، فدعا بسَبْعِ حصَياتٍ، فعرَكهُنَّ في يده، ودعا فيهِنَّ،

стр. 632

ثم قال: «اذهبوا بهذه الحصيات، فإذا أتيتُم البئر فأَلْقُوا واحدةً واحدةً، واذكروا اسم الله ، قال الصدائي: ففعلنا ما قال لنا، فما استطعنا بعد أن ننظر إلى قَعْرِها، يعني البئر» (١). ألفاظهم متقاربة غير لفظ الطبراني فإنه أنقصُ، والاختلاف فيه أكثر. أخرجه أبو داودَ السِّجِسْتانيُّ في سَننِه: عن القَعْنبي، عن عبد الله بن عمر بن غانم، عن عبد الرحمن بن زياد. وأخرج بعضًا منه في الأذان: أبو عيسى التَّرْمِذِيُّ عن هَنَّادٍ (٢)، عن عَبْدَةَ، ويَعْلَى. وأخرجه ابن ماجه: عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن يَعْلَى بنِ عُبَيْد. كلاهما عن عبد الرحمن بن زياد. كأنَّ شيوخي سمعوه من أصحاب أبي داود والترمذي وابن ماجه. ورواه الإمام أبو عبد الله بن منده: عن محمَّدِ بنِ محمد بن الأزهر، عن الحارث. فكأني سمعته من أصحابه.

стр. 633

ورواه ابنه: عن أبي عليّ الكُراعي سمعه منه بمرو، عن عبد الله بن الحسين، عن الحارث. فكأني سمعته منه. ورواه سيدنا وأستاذنا الإمامُ قِوام السُّنَّة أبو القاسم إسماعيل بن محمد الحافظ الله، عن أبي الفتح الحسناباذي، عن عمر بن محمد المسوحي، عن كتاب أحمدَ بنِ محمَّد بن إسماعيل المهندس المِصْري، عن علي بن الحسن بن خلف، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الحكم، عن أبي عبد الرحمن المقرئ. فكأني سمعته مع الحَسْناباذي من شيخه. ورواه عن عبد الرحمن بن زياد سوى من ذكَرْنا: أبو موسى، ومروانُ بنُ معاوية، وسفيان الثوري، وعبد الله بن المبارك، وأبو معاوية، ويحيى بن العلاء، وعبد الرحمن بن سليمان، وعبد الله بن وهب، ومحمد بن يزيد الواسطي، في آخرين. وهذه القِصَّة بعَيْنِها تُرْوَى عن حِبَّانَ بنِ بُحٌ الصدائي، وأنه صاحبها: ١٧٣ - أخبرنا بذلك أبو غالب الكوشيذي، وأبو بكر محمد بن أبي القاسم القُراني -رحمهما الله-، قالا: أخبرنا أبو بكر بن رِيدَه، ح. وأخبرنا أبو علي، قال: حدثنا أبو نعيم. قالا: حدثنا أبو القاسم الطبراني، قال: حدثنا عبد الله بن الحسين المصيصي، ح. وأخبرنا هبة الله بن الحصين ﵀ ببغداد نازلًا، قال: أخبرنا أبو علي بن المُذْهِب، قال: أخبرنا أبو بكر بن مالك، قال: حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، قال: حدثني أبي. قالا: حدثنا حسن بن موسى قال: حدثنا ابن لهيعة، قال: حدثنا بكر بن سوادة، عن زياد بن نُعيم عن حِبّانَ بنِ بُحٌ الصدائي ﵁ صاحب

стр. 634

رسول الله ﷺ ، قال: كفر قومي، فأُخْبِرْتُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ جهز إليهم جيشًا، فأتيته، فقلت: إنَّ قومي على الإسلام، قال: «كذلك؟»، قلت: نعم، فاتَّبَعْتُه ليلتي إلى الصباح. ثم ذكر قصَّةَ الأذان، ونبوع الماء من بين أصابعه، وتأميرِه عليهم، وظُلْمِ العامل، وذَمِّ الإمارة، والسُّؤال، نحو ما تقدَّم (١). وهذا حديث عال أيضًا غريب. رواه عن الحسن: أبو بكر بن أبي شيبة (٢). ورواه عن ابن لهيعة: سعيد بن أبي مريم (٣). * * * ١٧٤ - وأخبرنا أبو علي أيضًا، قال: حدثنا أبو نعيم (٤)، قال: حدثنا أبو عَمْرو بن حمدان، قال: حدثنا الحسن بن سفيان، قال: حدثنا قتيبة، قال: حدثنا ابن لهيعة، عن عبد الرحمن بن زياد بن أَنْعُم، عن بكر بن سوادة، عن زياد بن نعيم الحضرمي، عن حِبَّانَ بنِ بُح الصدائي ﵁ قال: كنتُ مع النَّبيِّ ﷺ في سفر، فحضرت صلاةُ الصُّبح، فقال لي: «يا أخا صُداء، أَذَّنْ» فأذَنْتُ، فجاء بلال لِيُقيم، فقال رسول الله ﷺ : «لا يُقيم إلا مَنْ أَذَن» (٥). * * *

стр. 635

١٧٥ - وأخبرنا عبد الكريم بنُ عبدِ الرَّزَّاق ﵀، عن كتاب أبي القاسم بن أبي بكر، قال: حدثنا أبو محمَّد بن حَيَّان، قال: حدثنا ابن راشد، قال: حدثنا أبو عامر، قال: حدثنا الوليد قال: حدثنا ابن لهيعة، عن بكر بن سوادة، عن حِبَّانَ بنِ بُحٌ أنه سمع النبي ﷺ يقول: «إنما يُقيم مَنْ أذَن». كذا رواه الوليد بخلاف رواية قُتيبة. ورواه غير الحسن بن سفيان عن قتيبة، ولم يذكر بكرًا. ويستحيل أن يكون زيادٌ وحِبَّانُ جميعًا صاحِبَيْ هذه الأقاصيص، وقد أورَدُوا التَّرجمتين كلتاهما في الكتب ولم يتحاشوا، وقد تمَّ الوَهْمُ على إحداهما بلا شَكٍّ، إلا أنَّ زيادًا أكثر. و (حِبَّان) هو بكَسْرِ الحاءِ، وبالباء المعجمة بواحدة وقد تفتح الحاء منه، وأورَدُوه فيمن اسمُه حَيَّان، بالياء المنقوطة باثنتين من تحتها، ولم يفرقوا (١). وقوله (اعْتَشى) أي: سار مِنْ أوَّل الليل، كما يقال: اغْتَدى، إذا سار من أول النهار، ومَن رواه (اغتسل) أو غير ذلك، بدل (اعتشى) فقد صحفه به. وفي الحديث معان كثيرة فقهية وغيرها، ومعجزات للنبي ﷺ . * * *
следующие страницы →