المشرق إلى الفجر، فيقول: «لا» حتى إذا طلع الفجر نزل رسول الله ﷺ فتبرز، ثم انصرف إليَّ وقد تلاحق (١) أصحابه، فقال: «هل من ماء يا أخا صداء؟» فقلت: لا، إلا شيء قليل لا يكفيك، فقال النَّبِيُّ ﷺ : «اجعله في إناءٍ، ثم ائْتِني به» ففعَلْتُ، فوضع كفّه في الإناء - أو قال: في الماء -، قال الصُّدائي: فرأيتُ بين كلِّ أَصْبُعَيْن من أصابعه عَيْنًا تَفُور، فقال لي رسول الله ﷺ : يا أخا صداء، لولا أني أَسْتَحْيِي من ربي لسقينا واستقينا، نادِ في أصحابي: مَنْ له حاجةٌ في الماء؟ فنادَيْتُ فيهم، فأخذَ مَنْ أراد منهم، ثم قام رسولُ الله ﷺ إلى الصَّلاة فأراد بلال ﵁ أَنْ يُقيم، فقال له رسول الله ﷺ : «إِنَّ أخا صداء أذن، ومن أذن فهو يُقيم» قال الصدائي: فأقمتُ للصلاة.
فلما قضى رسول الله ﷺ الصَّلاة أتيته بالكتابين، فقلت: يا نبي الله، اغفني من هذين، فقال نبي الله ﷺ : «وما بدا لك؟»، فقلت: سمعتُك يا نبي الله (٢) تقول: «لا خير في الإمارة لرجل مؤمن» وأنا أؤمن بالله ورسوله، وسمعتُك تقول للسائل: «مَنْ سأل عن ظهر غنى، فهو صُداع في الرأس، وداء في البطن» وقد سألتُكَ وأنا غني، فقال نبي الله ﷺ : «هو ذاك، فإِنْ شِئْتَ فَاقْبَل، وإن شئتَ فَدَعْ»، فقلتُ: أَدَعُ، فقال لي رسول الله ﷺ : فدُلَّني على رجلٍ أُؤَمِّرُه عليكم، فدللته على رجلٍ من الوفد الذين قدموا عليه، فأمره عليهم - أو قال: علينا ..
ثم قلت: يا نبي الله، إنَّ لنا بئرًا، إذا كان الشّتاء وسعنا ماؤُها، واجتمعنا عليها، وإذا كان الصيف قلَّ ماؤها، فتفرَّقنا على مياه حولنا، وقد أسلمنا، وكلُّ مَنْ حولنا عدونا، فادْعُ الله - تعالى - لنا في بئرِنا أن يسعنا ماؤُها، فنجتمع عليها فلا تتفرق، فدعا بسَبْعِ حصَياتٍ، فعرَكهُنَّ في يده، ودعا فيهِنَّ،
стр. 632
ثم قال: «اذهبوا بهذه الحصيات، فإذا أتيتُم البئر فأَلْقُوا واحدةً واحدةً، واذكروا اسم الله ، قال الصدائي: ففعلنا ما قال لنا، فما استطعنا بعد أن ننظر إلى قَعْرِها، يعني البئر» (١).
ألفاظهم متقاربة غير لفظ الطبراني فإنه أنقصُ، والاختلاف فيه أكثر.
أخرجه أبو داودَ السِّجِسْتانيُّ في سَننِه: عن القَعْنبي، عن عبد الله بن عمر بن غانم، عن عبد الرحمن بن زياد.
وأخرج بعضًا منه في الأذان: أبو عيسى التَّرْمِذِيُّ عن هَنَّادٍ (٢)، عن عَبْدَةَ، ويَعْلَى.
وأخرجه ابن ماجه: عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن يَعْلَى بنِ عُبَيْد.
كلاهما عن عبد الرحمن بن زياد.
كأنَّ شيوخي سمعوه من أصحاب أبي داود والترمذي وابن ماجه.
ورواه الإمام أبو عبد الله بن منده: عن محمَّدِ بنِ محمد بن الأزهر، عن الحارث. فكأني سمعته من أصحابه.
стр. 633
ورواه ابنه: عن أبي عليّ الكُراعي سمعه منه بمرو، عن عبد الله بن الحسين، عن الحارث. فكأني سمعته منه.
ورواه سيدنا وأستاذنا الإمامُ قِوام السُّنَّة أبو القاسم إسماعيل بن محمد الحافظ الله، عن أبي الفتح الحسناباذي، عن عمر بن محمد المسوحي، عن كتاب أحمدَ بنِ محمَّد بن إسماعيل المهندس المِصْري، عن علي بن الحسن بن خلف، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الحكم، عن أبي عبد الرحمن المقرئ.
فكأني سمعته مع الحَسْناباذي من شيخه.
ورواه عن عبد الرحمن بن زياد سوى من ذكَرْنا: أبو موسى، ومروانُ بنُ معاوية، وسفيان الثوري، وعبد الله بن المبارك، وأبو معاوية، ويحيى بن العلاء، وعبد الرحمن بن سليمان، وعبد الله بن وهب، ومحمد بن يزيد الواسطي، في آخرين.
وهذه القِصَّة بعَيْنِها تُرْوَى عن حِبَّانَ بنِ بُحٌ الصدائي، وأنه صاحبها:
١٧٣ - أخبرنا بذلك أبو غالب الكوشيذي، وأبو بكر محمد بن أبي القاسم القُراني -رحمهما الله-، قالا: أخبرنا أبو بكر بن رِيدَه، ح.
وأخبرنا أبو علي، قال: حدثنا أبو نعيم.
قالا: حدثنا أبو القاسم الطبراني، قال: حدثنا عبد الله بن الحسين المصيصي، ح.
وأخبرنا هبة الله بن الحصين ﵀ ببغداد نازلًا، قال: أخبرنا أبو علي بن المُذْهِب، قال: أخبرنا أبو بكر بن مالك، قال: حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، قال: حدثني أبي.
قالا: حدثنا حسن بن موسى قال: حدثنا ابن لهيعة، قال: حدثنا بكر بن سوادة، عن زياد بن نُعيم عن حِبّانَ بنِ بُحٌ الصدائي ﵁ صاحب
стр. 634
رسول الله ﷺ ، قال: كفر قومي، فأُخْبِرْتُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ جهز إليهم جيشًا، فأتيته، فقلت: إنَّ قومي على الإسلام، قال: «كذلك؟»، قلت: نعم، فاتَّبَعْتُه ليلتي إلى الصباح. ثم ذكر قصَّةَ الأذان، ونبوع الماء من بين أصابعه، وتأميرِه عليهم، وظُلْمِ العامل، وذَمِّ الإمارة، والسُّؤال، نحو ما تقدَّم (١).
وهذا حديث عال أيضًا غريب.
رواه عن الحسن: أبو بكر بن أبي شيبة (٢).
ورواه عن ابن لهيعة: سعيد بن أبي مريم (٣).
* * *
١٧٤ - وأخبرنا أبو علي أيضًا، قال: حدثنا أبو نعيم (٤)، قال: حدثنا أبو عَمْرو بن حمدان، قال: حدثنا الحسن بن سفيان، قال: حدثنا قتيبة، قال: حدثنا ابن لهيعة، عن عبد الرحمن بن زياد بن أَنْعُم، عن بكر بن سوادة، عن زياد بن نعيم الحضرمي، عن حِبَّانَ بنِ بُح الصدائي ﵁ قال: كنتُ مع النَّبيِّ ﷺ في سفر، فحضرت صلاةُ الصُّبح، فقال لي: «يا أخا صُداء، أَذَّنْ» فأذَنْتُ، فجاء بلال لِيُقيم، فقال رسول الله ﷺ : «لا يُقيم إلا مَنْ أَذَن» (٥).
* * *
стр. 635
١٧٥ - وأخبرنا عبد الكريم بنُ عبدِ الرَّزَّاق ﵀، عن كتاب أبي القاسم بن أبي بكر، قال: حدثنا أبو محمَّد بن حَيَّان، قال: حدثنا ابن راشد، قال: حدثنا أبو عامر، قال: حدثنا الوليد قال: حدثنا ابن لهيعة، عن بكر بن سوادة، عن حِبَّانَ بنِ بُحٌ أنه سمع النبي ﷺ يقول: «إنما يُقيم مَنْ أذَن».
كذا رواه الوليد بخلاف رواية قُتيبة.
ورواه غير الحسن بن سفيان عن قتيبة، ولم يذكر بكرًا.
ويستحيل أن يكون زيادٌ وحِبَّانُ جميعًا صاحِبَيْ هذه الأقاصيص، وقد أورَدُوا التَّرجمتين كلتاهما في الكتب ولم يتحاشوا، وقد تمَّ الوَهْمُ على إحداهما بلا شَكٍّ، إلا أنَّ زيادًا أكثر.
و (حِبَّان) هو بكَسْرِ الحاءِ، وبالباء المعجمة بواحدة وقد تفتح الحاء منه، وأورَدُوه فيمن اسمُه حَيَّان، بالياء المنقوطة باثنتين من تحتها، ولم يفرقوا (١).
وقوله (اعْتَشى) أي: سار مِنْ أوَّل الليل، كما يقال: اغْتَدى، إذا سار من أول النهار، ومَن رواه (اغتسل) أو غير ذلك، بدل (اعتشى) فقد صحفه به.
وفي الحديث معان كثيرة فقهية وغيرها، ومعجزات للنبي ﷺ .
* * *
стр. 636
ومن حديث زيد بن أبي أَوْفَى ﵁ -
١٧٦ - أخبرنا أبو عليٍّ الحَدَّادُ ﵀، قال: حدثنا أبو نُعَيم الحافظ.
وأخبرنا أبو غالب أحمد بن العباس الكوشيذي، ونُوشروانُ بنُ شِيرزَاذَ الدَّيلميُّ -رحمهما الله- قالا: أخبرنا أبو بكر بن رِيذَه.
قالا: حدثنا أبو القاسم سليمان بن أحمد الطبراني، قال: حدثنا الحسين بن إسحاق التَّسْتَرِيُّ، ح.
وأخبرنا أبو عليٌّ أيضًا، قال: حدثنا أبو نُعَيم، قال: حدثنا عليُّ بن محمد بن نصر الوَرَّاقُ، قال: حدثنا خالد بنُ النَّضْرِ القُرَشِيُّ.
قال أبو نُعَيم: وحدثنا أبو عمرو بن حمدان، قال: حدثنا الحسن بن سفيان.
قالوا: حدثنا نَصْرُ بن عليٍّ، قال: حدثنا عبد المؤمن بنُ عَبَّادِ بنِ عَمْرٍو العَبْدِيُّ، قال: حدثنا يزيد بنُ مَعْن، قال: حدثني عبد الله بن شرحبيل، عن رجل من قريش، عن زيد بن أبي أَوْفَى ﵁ قال: دخلت على رسول الله ﷺ مسجد المدينة، فجعل يقول: أين فلان ابن فلان؟، فلم يزل يتفقدهم ويبعثُ إليهم حتى اجتمعوا عنده، فقال: «إني مُحدِّثُكم بحديث، فاحفظوه وعُوه، وحدِّثوا (١) به من بعدكم، إنَّ الله اصطفى من خلقه خَلْقًا» ثم تلا هذه الآية: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ﴾ [الحج: ٧٥] قال: «خَلْقًا يُدخِلُهم الجنَّة، وإنِّي مُصْطَفٍ منكم مَنْ أُحِبُّ أَنْ أَصْطَفِيه، ومُؤاخ بينكم كما آخي الله بين الملائكة، قُمْ يا أبا بكر» فقام، فجثا بين يديه، فقال:
стр. 637
«إنَّ لك عندي يدًا، إنَّ الله على يجزيك بها، فلو كُنْتُ مُتَّخِذًا خليلًا لاتَّخَذْتُك خليلًا، فأنتَ مِنِّي بمنزلة قميصي من جسدي» وحرك قميصه بيده.
ثم قال: «اُدْنُ يا عمر» فدنا، فقال: «قد كنت شديد الشَّغَبِ علينا أبا حفص، فدعوت الله على أن يُعِزَّ بك الدِّين، أو بأبي جهل، ففعل الله جل ذلك بك، وكنت أحبهما إليَّ، فأنت معي في الجنة ثالث ثلاثة من هذه الأمة» ثم تنحى، وأخى بينه وبين أبي بكر.
ثم دعا عثمان بن عفان، فقال: «ادْنُ يا عثمان، اُدْنُ يا عثمان» فلم يزل يدنو منه حتى ألصق رُكبته برُكْبة رسول الله ﷺ ، ثم نظر إليه، ثم نظر إلى السماء، فقال: «سبحان الله العظيم» ثلاثَ مِرار، ثم نظر إلى عثمان ﵁ به فإذا أَزراره محلولةٌ، فَزَّرها رسولُ الله ﷺ بيده، ثم قال: «إِجْمَعْ عِطْفَيْ رِدائك على نَحْرِك، فإنَّ لك شأنًا في أهل السَّماء، أنت مِمَّنْ يَرِدُ عليَّ الحوض وأوداجه تَشْخَبُ دمًا، فأقول: مَنْ فعل بك هذا؟ فتقول: فلان وفلان، وذلك كلام جبريل ﵇، وذلك إذ هتف من السماء: ألا إنَّ عثمان أمير على كل خاذل».
ثم دعا عبد الرحمن بن عَوْف ﵁، قال: «ادْنُ يا أمين الله، والأمين في السَّماء، يُسَلِّطك الله - تعالى - على مالك بالحقِّ، أما إنَّ لك عندي دعوةً وقد أخَّرْتُها» قال: خِرْ لي يا رسول الله، قال: «حمَّلْتَني يا عبد الرحمن أمانة، أكثر الله مالَكَ» قال: وجعلَ يُحرِّك يده، [وآخى] (١) بينه وبين عثمان ﵄
ثم دخل، أو قال: دعا طلحة والزبير ﵄ فقال: «ادْنُ مِنِّي» فدنوا منه، فقال: «أنتما حواريي كحواري عيسى ابن مريم ﵇» ثم أخي بينهما.
ثم دعا سعد بن أبي وقاص، وعمَّار بن ياسر ﵄ فقال: «يا عمار، تقتلك الفئة الباغية»، ثم أخي بينهما.
ثم دعا عُوَيْمِرًا أبا الدَّرْداء، وسلمان الفارسي ﵄، ثم قال: «يا سلمان،
стр. 638
أنت مِنَّا أهل البيت، وقد آتاك الله ﵎ العِلْمَ الأَوَّلَ، والعلم الآخِرَ، والكتاب الأول، والكتاب الآخر، ثم قال: «ألا أُرْشِدُك يا أبا الدرداء؟» فقال: بلى، بأبي أنت وأُمِّي يا رسول الله قال: «إِنْ تَنْقُدُهم يَنْقُدوك، وإن تَتْرُكْهم لا يتروك، وإن تَهْرُبْ منهم يُدْرِكوك، فأَقْرِضُهم عِرْضَك ليومِ فَقْرِك» وفي رواية: «واعلم أنَّ الجزاء أمامك» فأخى بينهما.
ثم نظر في وجوه أصحابه، فقال: «أبشروا، وقَرُّوا عَيْنًا، فأنتم أَوَّلُ مَنْ يَرِدُ عليَّ الحوض، وأنتم في أعلى الغُرف».
ثم نظر إلى عبد الله بن عمر ﵄ فقال: «الحمد لله الذي يهدي من الضلالة» وفي رواية: «ويُلْبِسُ الضَّلالَةَ على مَنْ أَحَبَّ».
فقال علي ﵁: يا رسول الله، ذهب رُوحي، وانقطع ظهري حين رأيتك فعلت ما فعلت بأصحابك غيري، فإن كان مِنْ سَخْطةٍ فَلَكَ العُتْبَى والكرامة، فقال: «والذي بعثني بالحقِّ، ما أخَّرْتُك إلا لنفسي، وأنتَ عندي بمنزلة هارون من موسى ﵇ ووارثي»، قال: يا رسول الله، ما أُرِثُ منك؟ قال: «ما أَوْرَثَتْ الأنبياء قبلي»، قال: وما أَوْرَثَتْ الأنبياء قبلك؟ قال: «كتاب الله - تعالى -، وسُنَّةَ نبيّهم، وأنت معي في قصري في الجنة مع فاطمة ابنتي ﵂، وأنت أخي ورفيقي»، ثم تلا رسولُ الله ﷺ : ﴿عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ [الحجر: ٤٧] الأَخِلَّاء في الله ينظر بعضُهم إلى بعض (١).
стр. 639
هذا حديث غريب، لا يُعرف من هذا الوجه إلا بهذا الإسناد، وزيد بن أبي أَوْفَى عَدُّوه في أهل البصرة، لا يُعْرَف بغير هذا الحديث، ولم يذكروا أخُوَّتَه لعبد الله بن أبي أَوْفَى.
رواه جماعة عن نَصْرِ بن علي.
ورواه الحسين بن محمَّدٍ الدَّارِعُ البصري، عن عبد المؤمن، ولم يذكر رجلًا من قريش في الإسناد:
١٧٧ - أخبرنا به أبو علي أيضًا، قال: حدثنا أبو نعيم، قال: حدثنا أحمد بن جعفر بن سلم، قال: حدثنا محمد بن جرير، قال: حدثنا حسين الذارع، قال: حدثنا عبد المؤمن بنُ عَبَّاد، قال: حدثنا يزيد بنُ مَعْن، عن عبد الله بنِ شُرحبيل، عن زيدٍ مِثْلَه (١).
ورواه يحيى بن زكريا، عن ابنِ شُرَحْبيل، مثل الأول:
١٧٨ - أخبرنا به محمَّدُ بنُ رَجاء، قال: أخبرنا أحمد بن عبد الرحمن، قال: أخبرنا أحمد بن موسى، قال: حدثنا عبد الله بن إسحاق بن إبراهيم، قال: حدثنا محمَّدُ من الجَهْم السِّمَّرِيُّ، قال: حدثنا عبد الرحيم بن واقد الخراساني، قال: حدثنا شعيب بن يونس الأعرابي، قال: حدثنا موسى بن صهيب، عن يحيى بن زكريا، عن عبد الله بن شرحبيل، عن رجلٍ من (٢) قريش، عن زيد (٣).
стр. 640
وروي عن عبد الله بن أبي أَوْفَى ﵁ أيضًا:
١٧٩ - أخبرنا محمَّدُ بنُ رَجاء هذا، قال: أخبرنا أحمد بن عبد الرحمن، قال: أخبرنا أحمد بن موسى قال: حدثنا أحمد بن محمد بن عثمان الصيدلاني الكوفي، قال: حدثنا محمَّد بن عبد الله الحضرمي، قال: حدثنا ثابت بن يعقوب، قال: حدثنا ثابت بنُ حَمَّادٍ البصري العدوي، عن موسى بن صُهَيب، عن عبادة بن نُسَيّ، عن عبد الله بن أبي أَوْفَى، بهذا الحديث مختصرًا (١).
وروي أيضًا عن سعيد بن عامر الجمحي ﵁:
١٨٠ - أخبرنا به أبو غالب أحمد بن العباس الكوشيذي، وجعفرُ بنُ عبد الواحد الثقفي -رحمهما الله- قالا: أخبرنا أبو بكر بن رِيدَه، قال: أخبرنا أبو القاسم الطبراني، قال: حدثنا محمد بن محمد بن عُقبة الشيباني، قال: حدثنا الحسن بن عليّ الحُلْوانيُّ الكوفي، قال: حدثنا شبابة بنُ سَوَّار، قال: حدثنا أبو عبد الله الباهلي - قيل: اسمه جعفر بن مرزوق، عن غياث بن سُقير (٢)، عن عبد الرحمن بن سابط عن سعيد بن عامر الجُمحي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ ذات يوم: «يا أبا بكر تعال ويا عمر تعال» وذكر حديث المؤاخاة، إلا أنه خالف في أسماء الإخوان بخلاف ما تقدم، وزاد ونقص في
стр. 641
الأسامي (١).
وهذا حَدِيثٌ يُعَدُّ في أَفراد شَبَابَةَ، غَرِيب أَيضًا، رواه عن الحسن بن عَلِيٍّ غَيْرُ واحد.
ورُوي عن عمر بن عبد الله بن يَعْلَى، عن أَبِيهِ، عن جَدِّهِ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ آخَى بين الناس، وترك عَلِيًّا ﵁، وذكر قِصَّةَ عَلِيٍّ ﵁ وحده (٢).
وفي رِوَايَةِ بعضهم: أَنَّ ذلك كان في دَارِهِ بالمدينة (٣)، أَظنه يَعْنِي دار النَّبِيَّ ﷺ ، وفي الرِّوَايَةِ التي ذكرناها: أَنه كان في المسجد.
والأصح في المؤاخاة: حديث حُمَيْدٍ الطويل، عن أنس ﵁، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا قَدِمَ عبد الرحمن بن عوف ﵁ آخَى بينه وبين سعد بن الربيع ﵁ (٤)، وذلك بخلاف ما في هذه الروايات، والله أعلم.
* * *
стр. 642
من حديث زُبَيْبِ بن ثعلبة ﵁ -
١٨١ - أخبرنا أبو غالب أحمد بن العباس الكوشيذي ﵀، قال: أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله بنِ رِيدَه، قال: أخبرنا أبو القاسم سليمان بن أحمد بنِ أَيُّوبَ الطَّبرانيُّ، قال: حدثنا العباس بن الفضل الأسفاطي، قال: حدثنا موسى بن إسماعيل، قال: حدثنا شُعَيثُ بنُ عبد الله بن زُبيب بن ثعلبة.
قال الطبراني: وحدثنا محمَّد بن الوليد النَّرْسِيُّ، قال: حدثنا سَعْدُ بنُ عمَّار بن شُعَيثِ بن ثعلبة بن عُبَيد الله بن زُبَيبٍ بن ثعلبة العنبري، قال: حدثني أبي عمار، عن جدي شُعَيثٍ، قال: حدثني عُبيد الله بنُ زُبَيْبٍ، أَنَّ أَباه زُبَيْبَ بنَ ثعلبة حدثه ﵁.
وأخبرنا أبو علي الحداد ﵀، قال: حدثنا أبو نُعَيم أحمد بن عبد الله الحافظ، قال: حدثنا أحمد بن يعقوب بن المهرجان، قال: حدثنا الحسن بن علي المَعْمَري.
قال أبو نُعَيم: وحدثنا محمد بن محمَّدٍ، قال: حدثنا محمد بن (١) عبد الله (٢) الحضرمي.
قال أبو نعيم: وحدثنا أبو عمرو بن حمدان، قال: حدثنا الحسن بن سفيان، ح.
وأخبرنا الحافظ أبو الحسين هبة الله بن الحسن الأَبَرْقُوهي (٣)
стр. 643
إجازة ﵀، قال: أخبرنا أبو طاهر محمَّد بن أحمدَ بنِ عبدِ الرَّحيم، قال: أخبرنا عبد الله بن محمَّد بن جعفر - واللفظ لروايته - قال: حدثنا محمد بن عبد الله بن رُسْتَه.
قالوا: حدثنا أحمد بن عَبْدة، قال: حدثنا عمار بنُ شُعَيث بنِ عُبَيد الله بنِ الزُّبَيب بن ثعلبة العنبري، قال: حدثني أبي شُعَيثُ - وكان قد بلغ سَبْعَ عَشْرَةَ ومئة سنة - قال: سمعتُ جدّي الزُّبَيب ﵁ يقول: بعث رسول الله ﷺ جيشًا إلى بني العنبر، فأدركوهم بِرُكْبَةَ بناحية الطائف، فاستاقوهم إلى نبي الله ﷺ ، فأخذونا وقد كُنَّا أسلمنا قبل ذلك، وخَضْرَمْنا آذان الأنعام.
قال الزبيب: فركبت بكرةً مِنْ إبلي، فسبَقْتُهم إلى نبي الله ﷺ بثلاثة أيام، فقلت: السلام عليك يا نبي الله ورحمة الله وبركاته، أتانا جُنْدُك فأخَذُونا وقد كُنَّا أَسْلَمْنا يومَ كذا وكذا، وخَضْرَمْنا آذان الأنعام، ثم أتيتُ راحلتي فجلَسْتُ عندها، فبعث إليَّ رسول الله ﷺ بغداء، فقلت: ما أنا بآكله حتى أعلم ما يصنع الله - تعالى - ورسوله بالعنبر، فقال لي رسول الله ﷺ : «تَغدَّ، فخيرًا يصنعه الله - تعالى - ورسوله بالعنبر»، فتغدَّيْتُ.
فقال نبي الله ﷺ : «هل لك بيّنةٌ على أنكم أسلَمْتُم قبل أن تُؤْخَذوا في هذه الأيام؟ قلت: نعم، قال: «مَنْ بَيِّنتُك؟»، قلت: سَمُرَةُ، رجلٌ مِنْ بَلْعَنْبرِ - وفي رواية الطبراني: سَمُرَةُ بنُ عَمْرٍو، ورجلٌ آخَرُ سَمَّاه، فشَهِد الرجل، وأبَى سَمُرة أن يَشْهدَ - وفي رواية الطبراني: فشَهِد سَمرة ..
قال زُبَيْب: فقلتُ لِسَمُرَةَ: أَخُدْعةً سائرَ اليوم؟ فقال: يا رسول الله، ينبزني عندك، فقلتُ: يا رسول الله، إنَّ هذا اسم له، فقال النَّبِيُّ ﷺ : قد أبى هذا أن يَشْهدَ لك أفتَحْلِف مع شاهدِك الآخَرِ؟»، قلت: نعم، فاستحلفني، فحلفت بالله لقد أسلمنا كذا وكذا، وخَضْرَمْنا آذانَ يوم الأنعام، فقال النَّبيُّ ﷺ : «اِذْهَبوا فقاسِمُوهم أَنْصاف الأموال، ولا تَمسُّوا ذراريهم، لولا أنَّ الله لا يُحِبُّ ضَلالة العمل ما رزاناكم عقالًا».
стр. 644
قال زُبيب: ودعتني أُمِّي كَلْبة (١) - وفي غير هذه الرواية: كلثمة (٢) - بنتُ بُرْثُنِ العَنْبريَّة، فقالت: يا بُنيَّ، إِنَّ هذا أخذ (٣) زِرْبِيَّتي التي كنتُ أَلْبَسُ - وفي رواية الطبراني: قال: والزِّرْبيَّة: القطيفة - فأتيتُ به النبي ﷺ ، فقلت: السلام عليك يا نبي الله ورحمة الله وبركاته، أعْدِني على رجل من جُنْدِكَ ضَمَّ مِنِّي ما حرم الله - تعالى - ورسوله، قال: ماذا ضَمَّ؟ قلتُ: زِرْبِيَّةٌ لأمي عجوز كبيرة، فقال النبي ﷺ : تعرف صاحبك؟ قلت: نعم - وهو قائم إلى جَنْبِه ـ، فقال النبي ﷺ : «اِحْبِسْه» فأخذتُ بتَلْبِيبه، وقمتُ معه مكاننا والنَّبيُّ ﷺ يَقُصُّ على الناس، فنظر إلينا النَّبِيُّ ﷺ قائمين، فقال: «يا أخا بَلْعَنبر، ما تُريد بأَسِيرك؟» قلت: ما شاء الله ورسوله، وأرسلته من يدي ورفضتُه، فقام إليَّ النَّبِيُّ ﷺ فمسح وجهي ثلاثًا، وقال: «اللهم ارزقه العفو والعافية»، وقال للرجل: رُدَّ عليه زِرْبِيَّةَ أُمِّه التي أخَذْتَ منها، قال: يا رسول الله، إنها خرجَتْ مِنْ يَدِي، فاختلع رسول الله ﷺ سَيْفَ الرَّجل بيده، فأعطانيه، وقال له: اِذْهَبْ فَزِدْه أصعًا مِنْ طعام، فزادَني أصعًا من شعير.
قال عمار: فلم يزالوا إلى يومهم هذا أهل عافية، لم يسفكوا دمًا، ولم يشهدوا يومَ شَرِّ بدعوة رسول الله ﷺ .
قال الطبراني: وحدثنا محمَّد بن عبد الله الحضرمي، قال: حدثنا أحمد بن عَبْدة بإسنادهِ مِثْلَه.
وقال أبو الشيخ: حدثنا الحسن بن عليّ الطُّوسي، قال: حدثنا سعيد بنُ
стр. 645
عمَّارِ بنِ شُعَيث. وفي هذه الرواية ورواية الطبراني: قال: ثم انصرف زُبَيبٌ بالسيف، فباعه ببكْرتَيْن مِنْ صدقةِ النَّبيِّ ﷺ ، فتوالدتا حتى بلغتا مئةً ونيفًا (١).
هذا حديث حسن غريب، لا يُعْرَف إلا من رواية أولاد زبيب.
رواه العلاء وعلي ابنا شُعَيث عن أبيهما كما رواه أخوهما عمار بن شُعيث.
وروى قصة اليمين مع الشاهد: أحمدُ بنُ محمدِ بن عُمر اليمامي، عن النضر بن محمد، عن محمد بن عبد الله بن شُعَيث، عن أبيه.
وكذلك رواه محمد بن موسى السَّامِيُّ، عن [الأزرق] (٢) بنِ عَذَوَّرٍ العنبري، عن شُعيث.
و (شُعيث) هذا بالثاء المعجمة بثلاث كان ينزل الطُّنُبَ مِنْ طريق مكة.
و (زُبَيب) بضم الزاي، وثانيه باء مفتوحة منقوطة بواحدة، وآخر الاسم أيضًا كذلك، اسمٌ مُفْرَدٌ لا يُعرف له ثان.
وعبد الله والد شُعَيث قد يقال (٣) له: عُبيد الله، وذكر بعضُ الحُفَّاظ أنَّ الصحيح عبد الله.
стр. 646
وفي رواية الأكثرين: عن شُعَيث بن عبد الله بن زُبيب، عن أبيه، عن جده، وفي رواية أحمد بنِ عَبْدة: قال: عن شُعَيث قال: سمعت جَدِّي الزبيب.
و (رُكبة) موضع (١).
والخَضْرمة: شَقُّ آذان الأنعام، كانوا يُعلمون بذلك في أول الإسلام لئلا يغار عليهم، وأصحاب الحديث يُسمونهم المُخَضْرَمين، بفتح الراء على غير قياس.
والبكرة: الفَتِيُّ مِنْ النُّوق.
والنَّبَر: اللقب.
و (ما رَزَأْناكم) أي: ما نقصنا من أموالكم.
والعقال: الحبل الذي يُشَدُّ به رِجْلُ الإبل.
وقوله (أَعْدِني) بسكون العين وكسر الدال، أي: أَنْصِفْني، وخُذْ حَقِّي منه، من العدوان، وهو الظلم.
وقوله (ضَمَّ مِنِّي) أي: أخذ مِنِّي وضمَّه إلى ماله.
وقوله (بَلْعَنْبَرِ) الرَّاء مكسورة بواحدة؛ لأنَّ أصله: بني العنبر، فركب الاسمان، وجُعِلا اسمًا واحدًا، فبقي إعراب الراء بحاله.
وفي الحديث دليل على الحكم باليمين مع الشاهد الواحد.
* * *
стр. 647
حديث زرعة بن سيف ذي يزن (١)
١٨٢ - أخبرنا أبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن محمد التاجر (٢) ﵀ إذنًا، قال: أخبرنا أبو القاسم بن محمَّد بن إسحاق، قال: أخبرنا والدي أبو عبد الله الحافظ، قال: أخبرنا إبراهيم بن عبد الله بن محمد بن عبد العزيز بن عُفَير بن عبد العزيز بنِ السَّفَر بنِ عُفَير بنِ زُرْعَةَ بنِ سيف ذي يزن - يكنى أبا يزن - قال: حدثنا عمي (٣) أبو رُحَيّ أحمدُ بنُ خَنْبشِ بن عبد العزيز، قال: حدثني عَمِّي محمَّدُ بنُ عبد العزيز، قال: حدثني أبي عبد العزيز بن عُفَير، قال: حدثني أبي عُفَيرُ بنُ عبد العزيز، قال: حدثني أبي عبد العزيز بن السَّفَرِ (٤)، قال: حدثني أبي السَّفَرُ بنُ عُفَير، عن أبيه عُفَيْرٍ، عن أبيه زُرْعَةَ بنِ سَيْف ذي يزن الحميريّ ﵁ قال: لما ظهر جَدِّي سَيْفٌ على الحبشة، وذلك بعد مولد النبي ﷺ بسنتين، أتَتْه وُفود العرب وأشرافها وشعراؤها لِتُهنئه وتَذْكُرَ ما كان من بلائه وطلبه بثأر قومِه، وأتاه وفد قُرَيش، فيهم: عبد المطلب بن هاشم، وأُميَّةُ بنُ عبدِ شمس، وعبد الله بن جدعان، وأَسَدُ بنُ عبدِ العُزَّى، ووَهْبُ بنُ عبد مناف، وقُصَيُّ بنُ عبدِ الدَّار، فدخل عليه آذنه وهو في رأس قصر له، يقال له: غُمْدان، وهو الذي يقول فيه
стр. 648
أُميَّةُ بن أبي الصَّلْتِ الثَّقَفِيُّ (١):
اشرب هنيئًا عليك التَّاجُ مُرْتَفِقا … في رأسِ غُمْدان دارًا منك محلالا
واشرب هنيئًا فقد شالَتْ نَعَامَتُهم … وأَسْبِل اليومَ فِي بُرْدَيْكَ إِسْبالا (٢)
تلك المكارم لا قَعْبان من لبن … شِيبا بماء فعادا بعد أبوالا
قال: والملكُ مُتضَمِّخُ بالعَبِير، يَنْطِفُ وَبِيصُ المسكِ مِنْ مَفْرِق رأسه، وعليه بردان أخضران، مُرْتَدٍ بأحدهما، مُتَّزرُ بالآخر، عن يمينه الملوك، وعن شماله الملوك وأبناء الملوك والمَقاوِلُ، فأُخْبِرَ بِمَكانِهم، فأذن لهم، فدخلوا عليه، فدنا منه عبد المطلب، فاستأذنه في الكلام، فقال: إِنْ كنتَ ممَّن يتكلم بين يدي الملوك فقد أذنا لك.
فقال: إِنَّ الله على أحلك - أيها الملك - محلًّا رفيعًا باذخًا شامخًا منيعًا، وأنبتك نباتًا طابَت أَرُومَتُه، وعظُمَتْ جُرْثومتُه، وثَبَتَ أصله، وبصق (٣) فرعُه، في أطيب موطن، وأكرم مَعْدِن، وأنتَ أبَيْتَ اللَّعْنَ ملِكُ العرب ونابها، وربيعها الذي به تُخْصِبُ، وأنت - أيُّها الملك - ملك العرب - وفي رواية:
стр. 649
رأس العرب - الذي له تنقاد، وعمودها الذي عليه العماد، ومعقلها الذي يلجأ إليه العباد، سلفك خير سلف، وأنت لنا منه خير خلف، فلن يهلك من أنت خلفه، ولن يخمل ذكر من أنت سلفه، نحن أهل حرم الله وسدنة بيته، أشخصنا إليك الذي أبهجنا لكشف الكرب الذي فدحنا، فنحن وفد التهنئة، لا وفد المرزئة.
فقال له الملك: من أنت، أيها المتكلم؟
قال: أنا عبد المطلب بن هاشم.
قال: ابن أختنا؟
قال: نعم.
قال: أذنه.
ثم أقبل عليه وعلى القوم، فقال: مرحبا وأهلا، وناقة ورحلا - فأرسلها مثلا، وكان أول من تكلم بها - ومستناخا سهلا، وملكا ربحلا، - يعطي عطاء جزلا، قد سمع الملك مقالتكم، وعرف قرابتكم، وقبل وسيلتكم، فأنتم أهل الليل والنهار، لكم الكرامة ما أقمتم، والحباء إذا عنتم، انهضوا إلى دار الضيافة والوفود، وأجرى عليهم الأنزال (١)، فأقاموا بذلك شهرا، لا يصلون إليه، ولا يؤذن لهم بالانصراف.
ثم إن الملك انتبه لهم انتباهة، فأرسل إلى عبد المطلب فأذناه (٢)، ثم قال له: يا عبد المطلب، إني مفوض إليك من سر علمي أمرا، لو غيرك يكن لم أبح له به، ولكن رأيتك معدنه، فأطلعتك طلعه (٣)، فليكن عندك مطويا حتى يأذن الله فيه، إني أجد في الكتاب المكنون، والعلم المخزون الذي ادخرناه لأنفسنا، واحتجناه دون غيرنا، خيرا (٤) عظيما، وخطرا جسيما، فيه
стр. 650
شرف الحياة، وفضيلة الوفاة، للنَّاس عامَّةً، ولرَهْطك كافة، ولك خاصةً (١).
فقال له عبد المطلب: لقد أُبْتُ بخير ما آبَ - أيُّها الملك - بمِثْلِه وافد قوم، ولولا هيبة الملك وإجلاله وإعظامه لسألته: من ساره إيَّاي ما أزداد به سرورًا.
فقال له الملك: هذا حينه الذي يُولد فيه، أو قد وُلد، اسمه محمد، يموت أبوه وأمه، ويَكْفَلُه جدُّه وعمه، وقد ولَدْناه مرارًا، والله باعثه جهارًا، وجاعل له مِنَّا أنصارًا، يُعِزُّ بهم أولياءه، ويُذِلُّ بهم أعداءه، ويَضْرِب بهم النَّاسَ عن عُرْضِ، ويستبيح بهم كرائم أهل الأرض، تُحْمَد به النيران، ويُعبد الرحمن، ويُدْحَر الشَّيطان، وتُكْسَر الأوثان، قولُه فَضْل، وحكمه عدل، يأمر بالمعروف ويفعله، وينهي عن المنكر ويُبْطِلُه.
فقال له عبد المطلب: عزَّ جارُك، ودامَ مُلْكُك، وعلا كَعْبُك، [فهل] (٢) الملك ساري بإفصاح، فقد أوضح لي بعض الإيضاح.
فقال له ابن ذي يزن والبيت ذي الحجبِ، والعلامات على النصب، إنك لجده يا عبد المطلب غير كذب.
فخر عبد المطلب ساجدًا، فقال له ابن ذي يزن: ارْفَعْ رأسك، ثَلِج صدرك، وعلا كَعْبُك (٣)، فهل أحسست بشيء مما ذكرتُ لك؟.
قال: نعم أيُّها الملك، إنه كان لي ابن وكنت به مُعْجَبًا، وعليه رفيقًا، و به شفيقًا، وإني زوَّجْتُه كريمةً من كرائم قومي آمنة بنتَ وَهْبِ بنِ عبدِ مَنافِ بنِ زُهْرةَ، فجاءت بغلام سميته محمدًا، مات أبوه وأمه، وكَفِلْتُه أنا وعمه.
فقال له الملك: إنَّ الذي قلتُ لَكَما قلتُ، فاحفظ ابنك، واحذر عليه اليهود، فإنهم له أعداء، ولن يجعل الله لهم عليه سبيلًا، واطو ما ذكَرْتُ
стр. 651
لك دون هؤلاء الرَّهْط الذين معك، فإني لستُ آمَنُ أَنْ تُداخِلَهُم النَّفاسة، في أن تكون لك الرئاسة، فيَنْصِبون له الحبائل، ويَبْتَغون له الغوائل، وهم (١) فاعلون ذلك أو أبناؤهم غيرَ شَكٍّ، ولولا أنّي أعلم أنَّ الموتَ لَمُجْتاحي قبل مَبْعِثِهِ لَسِرْتُ بِخَيْلي ورجلي حتى أجعلَ يَثْرِبَ دارَ مُلْكي؛ فإنِّي أجد في الكتاب الناطق والعلم السابق أنَّ في يثرب دار استحكام أمره، وأهل نُصْرته، وموضع قبره، ولولا أني أقيه الآفات، وأحذر عليه العاهات، لأعلَنْتُ على حداثة سنّه أَمْرَه، ولأوطَأْتُ أسنان العرب كعبه، ولكنّي صارف ذلك إليك عن غير تقصير بمن معك.
ثم دعا بالقوم، فأمر لكلِّ واحد منهم بعشرة أعبدٍ سُودٍ، وعَشْرِ إماء سود، وحُلَّتيْن مِنْ حُلَلِ البُرود، وخمسة أرطال ذهب، وعشرة أرطال فِضَّة، و كَرِش مملوء عنبرًا، ومئة من الإبل، وأمر لعبد المطلب بعشرة أضعاف ذلك، وقال: إذا كان الحَوْلُ فأَنْبِثْني بما يكون منه فمات سيف ذي يزن قبل أن يَحُول عليه الحَوْل.
قال: فكان عبد المطلب كثيرًا مما يقول: يا معشر قريش، لا يَغْبِطُني أحد منكم بجزيل عطاء الملك وإِنْ جَلَّ، فإنه إلى نفاد، ولكن يَغْبِطُني بما يَبْقَى لي ولِعَقِبي ذِكْرُه وفَخْرُه، فإذا سئل ما هو؟ قال: ستَعْلَمُ ما أقولُ ولو بعد حين.
وفيه يقول أُمية بن عبد شمس (٢) - وفي مسيرهم إلى سيف ذي يَزَن -:
جلبنا النُّصْح تحمله المطايا … على أكوار أجمال ونوق
مُغَلْغِلَةٌ مَرافِقُها تَعالى … إلى صنعاء من فج عميق
توم بنا ابن ذي يزَنٍ وتَفْري … ذوات بطونها أُمَّ الطريق
стр. 652
وتَرْعَى من مَخايله بُروقًا … مُواصِلةَ الوَميض إلى بروق
فلما وافقتْ صنعاء حَلَّتْ … بدار الملك والحسب العتيق
قال أبو عبد الله (١): هذا الإسناد مُتَّصل مشهور من حديث أولاده بحمص وعقبهم بها.
وهذا الحديث الذي ذكَرْناه يُرْوَى بغير ذلك الإسناد:
١٨٣ - أخبرنا به الأديب أبو عبد الله الحُسَين بن عبد الملك الخَلّالِ ﵀ إِذْنًا، أنَّ أبا القاسم وأبا عَمْرو ابني أبي عبد الله، ومحمد بن عمر صاحب أبي عثمان أجازوا له، قالوا: أخبرتنا ليلى بنت أحمد بن مسلم الوَلادِيَّة، قالت: أخبرنا سليمان بن أحمد، قال: حدثنا أحمد بن يحيى بن خالد بن حَيَّانِ الرَّقِّي بمصر سنة ثمانين ومئتين، قال: حدثنا عَمْرو بن (٢) بكر بن بكار القُعَيني (٣)، عن أحمد بن القاسم الطائي، عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس ﵄ قال: لما ظهر سيف ذي يزن على اليمن، وظفر بالحبشة ونفاهم عنها، وساق الحديث نحو ما تقدم، إلا أنه قال: خُوَيلد بن أسد، بدل (٤) أسد بن عبد العُزَّى، ولم يذكر قُصيَّ بن عبد الدار، وتَرْكُه أصوب.
وقال: فقدموا عليه بصنعاء.
وزاد في شعر أُمية قوله:
стр. 653
لا يَطْلُبُ الثَّارَ إلا كابن ذي يزن … خيَّمَ في البحر للأعداء أحوالا
وفي رواية: يَمَّمَ، بدل: خيَّمَ.
أتى هِرَقْلًا وقد شالَتْ نَعَامَتُه … فلم يجد عنده النَّصْرَ الذي سألا
وفي رواية: الذي قالا.
ثم انتحى نحو كسرى بعد تاسعة … من السنين يُهين النَّفْسَ والمالا
حتى أتى ببني الأحرار يحملهم … تَخالُهم فوق متن الأرض أجبالا
مَنْ مِثْلُ كِسْرى شهَنْشاءِ الملوك لهم … ومِثْلُ وَهْرِزَ (١) يوم الجيش إذ صالا
لله دَرُّهُمُ مِنْ فتية صُبُرٍ … ما إن رأيتُ لهم في النَّاسِ أَمْثالا
بِيضِ مَرازِبة غُلْبٍ جَحَاجِحَةٍ … أُسْدٍ تُرَبِّبُ في الغَيْضات أشبالا
يرمون عن شُدُفٍ كأَنَّها خَبَطٌ … فِي زَمْخَرٍ يُعْجِلُ المَرْمِيَّ إعجالا
وفي رواية: كأنها غُبُط في زَمْخَر.
لا يَضْجَرون وإِنْ كَلَّتْ نَيَازِكُهم … ولا تَرى منهم في الطَّعْن مَيَّالا
أرسلت أسدًا على سود الكلاب، فقد … أضحى شريدهم في البحر ضُلالا
فاشرب هنيئًا، ثم ذكر الأبيات الثلاثة.
وقال: عَذُبَتْ جُرْثومَتُه، وفي رواية: عزَّتْ.
وقال: لم يَهْلِكُ مَنْ أنت خَلْفَه، ولم يَخْمُل ذِكْرُ مَنْ أنت سلَفُه.
وقال: فأرسل إلى عبد المطلب دونهم، فلما دخل عليه أدناه، وقرَّبَ مجلسه واستخلاه.
وقال: حتى يأذن الله - تعالى - فيه، فإنَّ الله بالغ أمره.
وقال: اخترناه، وفي رواية: اخترناه لأنفسنا.
стр. 654
وقال بعد قوله (ولك خاصة): قال عبد المطلب: مِثْلُك - أيُّها الملك - سَرَّ وبَرَّ، فما هو؟ فِداكَ أهلُ الوبر، زُمَرًا بعد زُمَر.
قال: إذا وُلِد بِتِهامة غلامٌ به علامة بين كتفيه شامة، كانت له الإمامة، ولكم به الزعامة إلى يوم القيامة.
وقال: إنَّك يا عبد المطلب لجده غيرَ كَذِب.
وقال: وكفلته أنا وعمه بين كتفيه شامة، وفيه كلُّ ما ذكرت من علامة (١).
وقال: أشراف العرب، بدل: أسنان العرب.
وقال: لأعلنتُ على حداثة سِنّه أَمْرَه.
وذكر أن الشعر الأخير لأمية بن أبي الصلت أيضًا دون أُمية بن عبد شمس.
وقال: جلَبْنا النُّصْح تَحْقِبُه المطايا.
وقال:
يَؤُمُّ بها ابن ذي يزَنٍ وتَفْري … بطونُ خِفافها أُمَّ الطريق
قال الطبراني: حدثنا علي بن عبد العزيز، قال: حدثنا عبد الله بن شبيب المدني، قال: حدثنا عمرو بن بكرٍ، بإسنادِه مِثْلَه.
ورواه علي بن حرب الطائي، عن أحمد بن عثمان بن حكيم، عن عمرو بن بكر، عن عمرو بن القاسم (٢)، عن الكلبي محمد بن السائب.
ورواه عبد الواحد بن أبي عَمْرو الأسَدِيُّ، عن الكلبي (٣).
стр. 655
وروي بإسناد مجهول عن عبد الله بن عبد الغفار، عن مستقيم (١)، عن ابن عباس، عن أبيه، عن جده عبد المطلب. رواه أبو علي أحمد بن عثمان الأبهري (٢) الأصبهاني بإسناده عن عبد الله بن عبد الغفار، وهو غريب جدًا.
والطريق الذي رواه أبو عبد الله بن منده اشتهر بروايته، لا أَعْرِفُه من غير طريقه، غير أنَّ النَّسَب الذي ساقه لشيخه إلى زُرْعةً لا يُوافِقُ الإسناد الذي ساقه، يَعْرِف ذلك كلُّ مَنْ تأمله (٣).
وأبو رُحَيَّ: بضم الراء وفتح الحاء المهملتين، كنية مفردة لا ثاني لها.
ووالده خَنْبَش: بفتح الخاء المعجمة، وبعده نون، ثم باء معجمة بواحدةٍ، وشين معجمة.
والقُعَيْني: بضم القاف، وفتح العين، ثم ياء معجمة باثنتين من تحت تليهما، ثم نون، منسوب إلى قُعَين بطنٍ مِنْ الأَزْد، يشتبه بالقَعْنَبي.
وأبو صالح: هو مولى أم هانئ اسمه باذان، وقيل: باذام.
وقوله (ما كان من بلائه) أي: من كفايته وجَلادته.
و (خيم) أي: أقام، ومن رواه: (يمم) فمعناه: قصَدَ، وأم.
стр. 656
وقوله (شالت نعامتهم) ذكر أبو منصورٍ الجَبَّانُ أنَّ النعامة جماعة القوم، و (شالت) أي: ارتفعت ومعناه: تفرقوا، وفسد أمرهم.
وقوله (انتحى) أي: قصد.
و (بعد تاسعة) أي: تسع سنين.
ويريد (ببني الأحرار) أهل فارس.
و (وَهْرِز) قيل: هو اسم رجل من رؤساء خيل فارس، وفي رواية: و هراز (١).
و (صال) أي: حمل على الخيل حملة.
والمرازبة: جمع المَرْزُبان، وهو كالبطريق لِلرُّوم.
والغلب: جمع أغلب (٢)، وهو الغليظ العنق.
والجحاجِحة: جمعُ الجَحْجاح، وهو الكريم السيد.
و (تُربِّبُ) أي: تُربِّي، وهو أبلغ مِنْ تَرُبُّ.
و (الغَيْضات) الأجم.
و (الأشبال) جمع شبل، وهو جَرْوُ الأسد.
والشدف: ذكر الأصمعي أنها جمع شُدفاء، وهي: العوجاء، ويريد بها: القِسِيَّ الفارسية، وفي أكثر الرّوايات بالسِّين المهملة، ولا معنى له.
والغبط: جمع غَبيط، وهو خشَبُ الرَّحْل، شَبَّه القوس في الحناية به.
والزَّمْخَر: السَّهم.
و (المَرْمِي) الذي يُرْمَى.
وإعجالُه: قَتْله سريعًا.
стр. 657
ومَن رواه (كأَنَّها خَبَطٌ) فالخَبَط مِنْ علَفِ الإبل، ولا معنى له ها هنا.
والنَّيْزَكَ: رُمْح قصير، وجمعه: نيازك.
و (سود الكلاب) أراد بهم الحبش (١).
والشريد: المُتفرِّق.
والمرتفق (٢): المُتَّكِئ.
والمخلال: التي يكثر الحلول بها.
و (شيبا) أي: خلطا.
والمُتَضَمِّخ: المُتلطخ.
و (العبير) أخلاط من الطيب فيها الزعفران.
و (يَنْطِف) أي: يسيل.
والوبيص: البريق.
و (المقاول) الملوك الذين يَلُونَ الملك الأكبر.
والأرومة - بفتح الهمزة -: الأصل، وكذلك: الجرثومة.
و (بصق) كذا وقع في هذه الرواية، بمعنى: طال، والصواب: بسق - بالسين، وقد تُبْدَل الصَّاد فيه مِنْ السِّين إذا كان من البصاق، فأما ها هنا: فلا يُقال إلا بالسِّين، على أنَّ الفَرَّاءَ قال: لا يجوز من البصاق إلا بالصاد، ولا تُبْدَلُ السِّين منه (٣).
وقوله (أَبَيْتَ اللَّعْنَ) دعاء للملوك، كما يُكلَّمُ الملوك والسادة فيقال (٤): أنت أطال الله بقاءك كذا وكذا، ومعنى (أبَيْتَ اللَّعن) أي: لا تفعَلُ ما تُلْعَنُ فيه، أو: أجارك الله من أن تفعل ما تُلْعَنُ به.
стр. 658
والسدنة: جمع السادن، وهو الخادم.
ويريد بالبيت: الكعبة.
و (أشخصنا) أي: أتى بنا.
و (أبهجنا) أي: أفرحنا.
وقوله (فَدَحَنا) أي: ثَقُل علينا، والفادحة: المصيبة.
و (المَرْزِيَّة) مُخفَّفَةٌ: المُصيبة.
والرِّبَحْل: الواسع العطاء.
و (الحباء) العطية.
و (إذا طعنتم) أي: ارتحلتم.
و (انتبه لهم) أي: ذكَرَهُم مُفاجأة.
وباح به، أي: أظهره.
والطلع: بكسر الطاء وسكون اللام، الاسم من الاطلاع، فقوله (أطلعتك طَلْعَه) أي: وقَفْتُك على حقيقة الأمر.
والمطوي - ها هنا -: المستور.
واختزن: هو افتعل، من الخزن.
واحتجن: أي: حجَنَ، ومعناهما: السَّتْر والحِفْظ.
والشامة (١): العلامة.
و (الزعامة) - بالفتح -: السيادة.
والسَّارُ: الذي يَسُرُّ.
وقوله (ولَدْناه مرارًا) أي: كانت غير واحدة من جَدَّاته من قبيلتنا من اليمن، ولذلك قال لعبد المطلب: (ابن أختنا).
стр. 659
وَقَوْلُهُ (عَنْ عُرْضٍ) أي: مِنْ اعتراض لهم من أي ناحية وجانب كان، يعني: إذا لم يوافقوهم في دينهم.
و (يُدْحَر) يُطْرَد.
وَ (النُّصُب) حجارة كانوا يذبحون عليها للأصنام.
وقوله (ثَلج صَدْرَكَ) أي: سُرِرْتَ.
وَ (أَحْسَسْتَ) أي: عَلِمْتَ.
و (النفاسة) - هاهنا -: الحسد.
و (الغوائل) جمع الغائلة، وهي: الشَّرُّ.
و (الحبائل) المصائد، أي: يحتالون له.
والمجتاح: المُهْلِك المُسْتأصل.
و (يثرب) اسم المدينة في الجاهلية، ورُوي أنَّ رسول الله ﷺ قال: «مَنْ سَمَّاها يثرب فليستغفر الله، فإنما هي طيبة» (١)، فأما ما في القرآن؛ فعلى حكاية قول أهل الجاهلية، وإنما كُره ذلك لأنه من التَّثريب، وهو اللَّوْم والمخالفة والتخليط والإفساد والتغيير.
وقوله (أسنان العرب) أي: ذوي أسنانهم، حذف المضاف، وأقامَ المضاف إليه مُقامَه ومعنى قوله: (لأوطَأْتُ أسنان العرب كَعْبَه) أي: لرفَعْتُه على أشرافهم وذوي أقدارهم، وجعلتهم موضع وطء قدمه.
والمُغَلغلة - بكسر الغين الثانية -: المُسْرِعة، والغَلْغَلَة: سُرعة السير.
و (تعالى) أصله تتعالى، أي: تتصاعد وتذهب.
و (تفري) أي: تقطع.
стр. 660
و (أم الطريق) مُعْظَمُه.
والوميض: لمعان البَرْق.
والمخيلة: خَلاقَةُ السَّحابِ للمطر، وتَهيؤها له، وجمعه: مخايل.
وهذا مما كان من علامات نُبوَّة النَّبِيِّ ﷺ قبل مَوْلدِه.
* * *
стр. 661
قصة إسلام سلمان الفارسي ﵁ -
١٨٤ - أخبرنا أبو غالب أحمدُ بنُ العبَّاسِ الكُوشِيذيُّ ﵀ قال: أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن رِيذَه، قال: أخبرنا أبو القاسم سليمان بن أحمد الطبراني، قال: حدثنا أحمدُ بنُ عبدِ الله بنِ عبدِ الرَّحيم البَرْقيُّ، قال: حدثنا عبد الملك بن هشام السَّدُوسيُّ، قال: حدثنا زياد بن عبد الله البكائي.
قال الطبراني: وحدثنا محمَّدُ بنُ عبدِ الله الحَضْرَمِيُّ، قال: حدثنا محمَّدُ بنُ عبدِ الله بن نُمَيرٍ، قال: حدثنا يونُسُ بنُ بُكَير. وحدثنا الحسن بنُ العباس الرَّازِيُّ، قال: حدثنا سَهْلُ بنُ عثمانَ، قال: حدثنا يحيى بن زكريا بن أبي زائدة.
وأخبرنا هبة الله بن محمَّدِ بنِ الحُصَين ﵀ ببغداد، قال: أخبرنا أبو علي بن المذهب، قال: أخبرنا أبو بكر بن مالك، قال: حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، قال: حدثني أبي، قال: حدثنا يعقوب - هو [ابن] (١) إبراهيم بن سعد، قال: حدثنا أبي - واللفظ لروايته -.
وأخبرنا سعيد بن أبي الرجاء أبو الفرج ﵀ فيما أُرَى، قال: أخبرنا أحمدُ بنُ محمدِ بنِ النعمان، قال: أخبرنا أبو بكر بن المقرئ، قال: حدثنا إسحاق بن أحمد بن نافع الخزاعيُّ بمكة، قال: حدثنا محمدُ بنُ يحيى بن أبي عُمرَ العَدَنِيُّ، قال: حدثنا رجلٌ، قال: حدثنا يحيى بن آدم، قال: حدثنا ابن إدريس.
وأخبرنا ببعضه أبو علي الحداد ﵀ قال: حدثنا أبو نعيم الحافظ، قال:
стр. 662
حدثنا محمد بن أحمد بن الحسن قال: حدثنا محمَّدُ بنُ عثمان بن أبي شَيْبَةَ، قال: حدثنا مَسْروقُ بنُ المَرْزُبان، قال: حدثنا يحيى بن زكريا بن أبي زائدة.
قال أبو نعيم: وحدثنا أبو محمَّد بن حَيَّان، قال: حدثنا محمدُ بنُ أحمدَ بنِ معدان، قال: حدثنا حجاج بن قتيبة، قال: حدثنا زُفَرُ بنُ قُرَّةَ بن خالد.
ستتهم عن محمَّد بن إسحاق بن يسار، عن عاصم بن عمر بن قتادة، عن محمود بن لبيد، عن ابن عباس ﵄، حدَّثني سلمان الفارسي ﵁ حديثه من فيه، قال: كنت رجلًا فارسيًّا من أهل أَصْبَهانَ، مِنْ أهل قرية منها يقال لها: جي (١)، فكان أبي دِهْقانَ قريته، وكنتُ أَحَبَّ خَلْقِ الله - تعالى - إليه، لم يزل بي (٢) حبُّه إيَّاي حتى حبَسَني في بيته كما تُحْبَسُ الجارية، واجتهدتُ في المَجُوسِيَّةِ حتى كنتُ قاطِنَ النَّار الذي يُوقِدُها لا يتركها تخبو ساعةً.
قال: وكانت لأبي ضَيْعَةٌ عظيمةٌ، قال: فشُغِل في بنيان له يومًا، فقال لي: يا بُنيَّ، إِنِّي قد شُغِلتُ في بُنْياني هذا اليوم عن ضيعتي، فاذهب فاطلعها، فأمرني فيها ببعض ما يريد، فخرجتُ - وفي غير رواية أحمد: قال: ثم قال لي: لا تَحْتَبِسْ عليَّ؛ فإنَّك إن احتبَسْتَ عليَّ كنت أهم إليَّ من ضيعتي، وشغلتني عن كلِّ شيء من أمري، فخرجتُ - أريدُ ضَيْعتَه.
فمررتُ بكنيسة من كنائس النَّصارى، فسمعتُ أصواتهم فيها وهم يُصلُّون، وكنت لا أدري ما أَمْرُ النَّاسِ بِحَبْس أبي إِيَّايَ في بيته، فلما مَرَرْتُ بهم، وسمعتُ أصواتهم، دخلتُ عليهم أنظر ما يصنعون.
قال: فلما رأيتهم، أعجَبَتْني صلاتُهم، ورَغِبْتُ في أمرهم، وقلتُ: هذا والله خير من الدِّين الذي نحن عليه، فوالله ما تركتهم حتى غربَتْ
стр. 663
الشَّمس، وتركتُ ضَيْعةَ أبي ولم آتِها، فقلتُ لهم: أين أصل هذا الدين؟ فقالوا: بالشام.
قال: ثم رجعت إلى أبي، وقد بعث في طلبي، وشغلته عن عمله كله، قال: فلما جِئْتُه قال: أيْ بُنيَّ، أين كنتَ؟ ألم أكُنْ عَهِدْتُ إليك ما عَهِدتُ؟ قال: قلت: يا أَبَه، مررتُ بناس يُصلُّون في كنيسة لهم، فأعجبني ما رأيتُ من دينهم، فوالله ما زِلْتُ عندهم حتى غربَتْ الشَّمس، قال: أَي بُنيَّ، ليس في ذلك الدين خير دينك ودين آبائك خير منه قال: قلت: كلا والله، إنه لخير من ديننا، قال: فخافَني، فجعل في رِجْلي قَيّدًا، ثم حبسني في بيته.
قال: وبعثتُ إلى النصارى فقلت لهم: إذا قَدِم عليكم [رَكْبٌ] (١) من الشام، [تجار] (٢) مِنْ النَّصارى، فأخبروني بهم قال: فقَدِم عليهم رَكْبٌ مِنْ الشام تجارٌ مِنْ النَّصارى، قال: فأخبروني بهم، قال: فقلتُ لهم: إذا قضوا حوائجهم وأرادوا الرَّجْعة إلى بلدهم فآذنوني بهم، قال: فلما أرادوا الرَّجْعة إلى بلادهم أخبروني بهم، فألقَيْتُ الحديد من رِجْلي، ثم خرجت معهم حتى قدِمْتُ الشَّام.
فلما قدمتها، قلتُ: مَنْ أفضل أهل هذا الدين؟ قالوا: الأُسْقُفُّ في الكنيسة، قال: فجِئْتُه، فقلتُ: إني قد رغِبْتُ في هذا الدِّين، وأحببت أن أكون معك أخدمك في كنيستك، وأتعلم منك، وأُصَلِّي معك، قال: فادخُلْ، فدخلت معه.
قال: فكان رجل سَوْءٍ، يأمرُهم بالصَّدقةِ ويُرغَبُهم فيها، فإذا جمعوا إليه منها شيئًا اكتنزه لنفسه، ولم يُعْطِه المساكين، حتى جمع سبع قلال من ذهب ووَرِقٍ، قال: فأبغَضْتُه بُغْضًا شديدًا لما رأيته يصنع، ثم مات، فاجتمعت إليه النصارى لتدفنه، فقلتُ لهم: إِنَّ هذا كان رَجُلَ سَوْءٍ، يأمركم بالصدقة ويُرغَبُكم
стр. 664
فيها، فإذا جئتموه بها اكتنزها لنفسه، ولم يُعْطِ المساكين منها شيئًا، فقالوا: وما عِلْمُكَ بذلك؟ قال: قلتُ: أَنْ أَدُلُّكُم على كَنْزِه، قالوا: فدُلَّنا عليه، قال: فأَرَيْتُهم مَوْضِعَه، قال: فاستخرجوا منه سبع قلال مملوءة ذهبًا وورقًا، قال: فلما رأوها قالوا: والله لا نَدْفِنُه أبدًا، فصلبوه، ثم رمَوْه (١) بالحجارة.
ثم جاؤوا برجل آخر، فجعلوه بمكانه، قال: يقول سلمان ﵁ فما رأيت رجلًا - يعني لا يُصلِّي الخمسَ - أُرَى أنه أفضل منه، أزهد في الدُّنيا ولا أرغب في الآخرة، ولا أَدْأَبُ ليلًا ونهارًا منه، قال: فأحببتُه حُبًّا لم أُحِبَّه من قبله، فأقمتُ معه زمانًا، ثم حضرته الوفاة، فقلتُ له: يا فلان، إني قد كنتُ معك، وأحببتك حُبًّا لم أُحِبَّه من قبلك، وقد حضرك ما ترى من أمر الله فإلى مَنْ تُوصِيني؟ وما تأمرني؟ قال: أي بُنيَّ، والله ما أعلم أحدًا اليوم على ما كنتُ عليه، لقد هلَكَ النَّاسُ وبدَّلوا، وتركوا أكثر ما كانوا عليه، إلا رجل بالموصل وهو فلان، فهو على ما كنتُ عليه، فالحق به.
قال: فلما مات وغُيِّبَ، لَحِقتُ بصاحبِ المَوْصل، فقلتُ له: يا فلان، إنَّ فلانًا أوصاني عند موته أَنْ أَلحق بك، وأخبرني أنَّك على أَمْرِه، قال: فقال لي: أَقِمْ عندي، قال: فأقمتُ عنده، فوجَدْتُه خير رجُلٍ، على أَمْرِ صاحبه، فلم يَلْبثْ أَنْ مات، فلما حضرته الوفاة، قلتُ: يا فلان، إنَّ فلانًا أوصى بي إليك، وأمرني باللحوق بك، وقد حضركَ من أمر الله ما ترى، فإلى من توصي بي؟ وما تأمرني؟ قال: أيْ بُنَيَّ، والله ما أعلَمُ رجُلًا على مثلِ ما كُنَّا عليه إلا رجلًا بنصيبين، وهو فلان، فالْحَقِّ به.
قال: فلما مات وغُيِّبَ لَحِقْتُ بصاحبِ نَصِيبينَ، فجئتُه فأخبرته خبري، وما أمرني به صاحبي، قال: فأَقِمْ عندي، فأقَمْتُ عنده، فوجَدْتُه على أمرِ صاحبه، فأقَمْتُ مع خير رجل، فوالله ما لبثْتُ أَنْ نزل به الموت، فلما
стр. 665
حضر، قلتُ: يا فلانُ، إِنَّ فلانًا كان أوصى بي إلى فلان، ثم أوصى بي فلانٌ - يعني إلى فلان - وفلان إليك، فإلى مَنْ توصي بي؟ وما تأمرني؟ قال: أي بُنيَّ، والله ما أعلَمُ أحدًا بقي على أمرنا آمُرُكَ أن تأتيه إلا رجلًا بعمورية فإنه على مثل ما نحن عليه، فإن أحببت فَالتِه، فإنَّه على أمرنا.
قال: فلما مات وغُيِّب لحِقْتُ بصاحبِ عَمورية، وأخبرته خبري، فقال: أقِمْ عِندي، فأقمتُ عند خير رجل، على هَذي أصحابه وأمرهم، قال: واكتسَبْتُ حتى كانت لي بقَراتُ وغُنيمةٌ، قال: ثم نزل به أمر الله - تعالى - فلما حضر، قلت له: يا فلان، إني كنتُ مع فلان فأوصى بي فلان إلى فلان، وأوصى بي فلان إلى فلان، ثم أوصى بي فلان إليك، فإلى من توصي بي؟ وما تأمرني؟ قال: أي بُنيَّ، والله ما أعلَمُه أصبح على ما كُنَّا عليه أحدٌ من النَّاس آمُرُك أن تأتيه، ولكن أظلَّكَ زمان نبي هو مبعوث بدين إبراهيم ﵇ يخرج بأرض [العرب] (١) مهاجرًا إلى أرض بين حرَّتَيْن، بينهما نخل، به علامات لا تخفى: يأكل الهديَّة، ولا يأكل الصَّدقة، بين كتفيه خاتَمُ النُّبوَّة، فإِنْ اسْتَطَعْتَ (٢) أن تلحق بتلك البلاد فافعل، قال: ثم مات وغيب.
فمكَثْتُ بِعَمورية ما شاء الله أن أُمْكُث، ثم مرَّ بي نفَرٌ مِنْ كَلْبٍ تجارًا، فقلتُ لهم: تَحْمِلوني إلى أرضِ العرب، وأُعطيكم بقراتي هذه وغُنَيْمَتي؟ قالوا: نعم، فأعطَيْتُهموها، وحملوني، حتى إذا قَدِموا بي وادي القُرى ظلموني، فباعوني من رجلٍ مِنْ يهود عبدًا، فكنتُ عنده، ورأيتُ النخل، ورجَوْتُ أن يكون البلد الذي وصف لي صاحبي، ولم يَحِقَّ لي في نَفْسي.
فبينما أنا عنده، قدم عليه ابن عم له من المدينة من بني قريظة، فابتاعني منه، فاحتملني إلى المدينة، فوالله ما هو إلا أن رأيتها فعرفتها بصفة صاحبي، فأقمت بها.
стр. 666
وبعث الله رسوله ﷺ ، فأقام بمكَّةَ ما أقام لا أسمع له بذِكْرٍ مع ما أنا فيه مِنْ شُغْلِ الدَّوْلَج (١)، ثم هاجر إلى المدينة، فوالله إني لَفِي رأسِ عَذْقٍ لسيدي أعملُ فيه بعض العمل، وسيّدي جالسٌ، إِذْ أقبلَ ابنُ عم له حتى وقف عليه، فقال: فلان، قاتَلَ الله بَنِي قَيْلة، والله إنَّهم الآن ليجتمعون (٢) بِقُباء على رجُلٍ قدم عليهم من مكَّةَ اليوم، يزعمون أنه نبي، قال: فلما سمعتها أخذَتْني العُرَواءُ، حتى ظَنَنْتُ أني سأسقط على سيّدي، قال: ونزلت عن النخلة، فجعلت أقول لابن عمه ذلك: ماذا تقول؟ ماذا تقول؟ قال: فغَضِب سيدي، فلكمَني لَكْمةً شديدة، ثم قال: مالَكَ ولهذا؟! أَقْبِلْ على عملك، قال: قلتُ: لا شيء، إنما أرَدْتُ أَنْ أَستَثْبِتَه عما قال.
وقد كان عندي شيء قد جمَعْتُه، فلما أمسيتُ أخذته ثم ذهبت به إلى رسول الله ﷺ وهو بقباء، فدخلت عليه، فقلت له: إنه قد بلغني أنَّك رجل صالح، ومعك أصحاب لك غُرباءُ ذَوُو حاجةٍ، وهذا شيء كان عندي للصدقة، فرأيتكم أحَقَّ به من غيركم، قال: فقرَّبْتُه إليه، فقال رسول الله ﷺ لأصحابه: «كلوا» وأمسك يده فلم يأكل، قال: فقلتُ في نَفْسي: هذه واحدةٌ.
قال: ثم انصرفت عنه، فجمَعْتُ شيئًا، وتحول رسول الله ﷺ إلى المدينة، ثم جِئْتُه به، فقلتُ: إني رأيتُك لا تأكل الصَّدقة، وهذه هدية أكرمتك بها، قال: فأكل رسول الله ﷺ منها، وأمر أصحابه فأكلوا معه، قال: فقلتُ في نفسي: هاتان اثنتان.
قال: ثم جئتُ رسول الله ﷺ (٣) وهو ببقيع الغرقد، قال: وقد تبع جنازة - يعني - رجلٍ مِنْ أصحابه عليه شَمْلتان له، وهو جالس في
стр. 667
أصحابه، فَسَلَّمْتُ عليه، ثم استدرْتُ أنظر إلى ظهره، هل أرى الخاتم الذي وصف لي صاحبي؟ فلما رآني رسول الله ﷺ استدبرته، عرف أني أَسْتَثْبِتُ في شيءٍ وُصِفَ لي، فأَلْقَى رِداءه عن ظَهْرِه، فنظَرْتُ إلى الخاتم فعرَفْتُه، فانكبَبْتُ عليه أقبله وأبكي، فقال لي رسول الله ﷺ : «تحوَّل» فتحوَّلْتُ، فقصَصْتُ عليه حديثي كما حدَّثْتُكَ يا ابن عباس، فأَعْجَبَ رسول الله ﷺ أَنْ يَسمع ذلك أصحابه.
ثم شغل سلمان الرِّق حتى فاته مع رسول الله ﷺ بَدْرُ وأَحدٌ، قال: ثم قال لي رسول الله ﷺ : «كاتِبْ يا سلمان» فكاتَبْتُ صاحبي على ثلاث مئة نخلة أُحْيِيها له بالفَقِير، وبأربعين وُقِيَّةً، فقال رسول الله ﷺ لأصحابه: «أعينوا أخاكم» فأعانوني بالنَّخْل، الرَّجل بثلاثين وَدِيَّةً، والرَّجلُ بعشرين، والرَّجلُ بخمسَ عشرةَ، والرَّجلُ بِعَشْرِ - يعني: الرَّجل بقَدْرِ ما عنده - حتى اجتمعت لي ثلاث مئةِ وَدِيَّةٍ، فقال لي رسول الله ﷺ : «اذهب يا سلمان، ففَفِّرْ (١) لها، فإذا فَرَغْتَ فَأُتِني أكون أنا أضَعُها بيدي»، ففقَرْتُ لها، وأعانني أصحابي، حتى إذا فَرَغْتُ منها جِئْتُه فأَخبَرْتُه، فخرج رسول الله ﷺ معي إليها، فجعَلْنا نُقَرِّب له الوَدِيَّ، ويَضَعُه رسولُ الله ﷺ بيده، فوالذي نفسُ سَلمان بيده، ما ماتت منها وَدِيَّةٌ واحدة، فأَدَّيْتُ النَّخْل.
وبَقِيَ علي المال، فأُتِي رسولُ الله بمِثْلِ بيضة دجاجة من ذهب من بعض المغازي، فقال: ما فعل الفارسي المُكاتب؟ قال: فدعيت له، فقال: «خُذْ هذه، فأدّ بها ما عليكَ يا سلمان» قال: قلت: وأين تقع هذه يا رسول الله مما علَيَّ؟! قال: «خُذْها فإنَّ الله سيُؤدِّي بها عنك» قال: فأخذتها، فوزَنْتُ لهم منها - والذي نفسُ سَلمان بيده - أربعين أُوقِيَّةٌ، فَأَوْفِيتُهم حقهم وعتَقْتُ.
стр. 668
فشَهِدْتُ مع رسول الله ﷺ الخندق حُرًَّا (١)، ثم لم يفتني معه مشهد (٢).
زاد أحمد في روايته بإسناده عن ابن إسحاق، عن يزيد بن أبي حبيب، عن رجلٍ من عبد القيس، عن سلمان ﵁ قال: لما قلت: وأين تقع هذه من الذي علي يا رسول الله؟! أخذها رسول الله ﷺ فقلبها (٣) على لسانه، ثم قال: «خُذْها فأَوْفِهم منها»، فأخذتها فأوفَيْتُهم منها حقهم كله أربعين أُوقِيَّةً (٤).
زاد العَدَني في روايته بإسناده عن ابن إسحاق، قال: وحدثني عاصم بن عمر، عن رجل من عبد القيس أنَّه سمع عمر بن عبد العزيز يقول: حدثني من حدثه سلمان ﵁ أنه كان في حديثه حين ساقه لرسول الله ﷺ : أنَّ صاحب عمورية قال له: إذا رأيت رجلًا بكذا وكذا من أرض الشام بين غَيْضتين، يخرج من هذه الغيضة إلى هذه الغَيْضة في كلِّ سنَةٍ مرَّةً ثم يخرج مِثْلَها مِنْ العام القابل ليلةً مِنْ السَّنة معلومةً، يتعرَّضُه النَّاس، ويُداوي الأسقام، يدعو لهم فيُشْفَوْن، فَانْتِه فَسَلْه عن هذا الدين الذي تلتمس.
قال: فجِئْتُ، حتى أقَمْتُ مع النَّاس بين تَيْنِكَ الغَيْضتين، فلما كانت الليلة التي يخرج فيها من الغيضة إلى الغيضة، خرج وغلبني الناس عليه، حتى دخل الغَيْضة الأخرى، وتوارَى مِنِّي إلا مَنْكِبَيْه، فتناوَلْتُه فأَخَذْتُ بِمَنكِبَيْه، فلم يلتفت إليَّ، وقال: مالك؟ قلت: أسألُكَ عن دين إبراهيم الحنيفية، فقال: إنَّك
стр. 669
لتسأل عن شيء ما يسأل عنه النَّاسُ اليوم، وقد أظلك نبي يخرج من عند هذا البيت الذي بمكَّةَ يأتي بهذا الدِّينِ الذي تسأل عنه، فَالْحَقْبه، ثم انصرف، فقال رسول الله ﷺ حين حدثته هذا الحديث: «لَئِنْ كُنْتَ صَدَقْتَني يا سلمان، لقد لَقِيتَ عيسى ابن مريم ﵇» (١).
قال الإمام - حرسه الله -: هذا حديث غريب من هذا الوجه، ثابت الإسناد، تفرد به محمد بن إسحاق.
و (قاطن النار) مُلازِمُها الذي لا يُفارقها.
و (الدَّولج) الكناس، والسَّرَب، والمواضع التي يُسْتَتر فيها، شَبَّه داخل منزله في قلة وصول الأخبار إليه بذلك.
والعذق: النخلة.
وقوله (فلان) أي: يا فلان.
ويريد بـ (بني قيلة) الأنصار.
و (العُرواء) الرعدة.
واللكم: الضَّرْب باليد.
وقوله (هذه واحدة) أي: هذه خَصْلة من علاماته التي وصفها لي صاحبي.
والفقيرة، والفقرة - بضم الفاء -: الحُفْرة، يريد به الموضع الذي يُحْفَرُ لِغِراس النَّخل، وفقَرْتُ أي: حفَرْتُ فُقَرًا لِلغَرْس، وقوله (أُحْيِيها له بالفقير) أي: كاتبته على ثلاث مئة نخلة، وعلى أن أَفْقِرَ مواضِعَها.
والوُقِيَّة، والأُوقية: وَزْنُ (٢) أربعين دِرْهَمًا.
стр. 670
و (الوَدِيُّ) صِغار النَّخْل.
ولهذا الحديث طرق سواه، نذكر بعضها فيما بعد إن شاء الله .
وقوله (لقد لَقِيتَ عيسى ابن مريم) كذا في هذه الرواية، وأظُنُّ الصحيح: لَقِيتَ وَصِيَّ عيسى ابن مريم ﵇.
* * *
١٨٥ - أخبرنا الشيخ أبو شُكْر (١) حَمْدُ بنُ عليّ الحَبالُ ﵀ بقراءة والدي عليه رَحِمَهُما اللهُ سنة سبع وخمس مئة، وجعفر بن عبد الواحد الثقفي بعده ﵀،
قالا: أخبرنا أبو القاسم بن أبي بكر بن أبي علي.
وأخبرنا أبو علي الحداد بقراءة والدي أيضًا رَحِمَهُما اللهُ سنة ثمان وخمس مئة، قال: حدثنا أبو نعيم الحافظ.
قالا: حدثنا عبد الله بن محمَّدِ بن جعفر، قال: حدثنا القاسمُ بنُ فُورَكَ.
وأخبرنا أبو علي أيضًا، قال: حدثنا أبو نُعَيْم.
وأخبرنا أيضًا بعد ذلك أبو علي، قال: حدثنا إبراهيم بن محمد بن سليمان.
قالا: حدثنا عبيد الله بن يعقوب بن إسحاق بن جميل، قال: حدثنا جدي إسحاق بن إبراهيم (٢).
وأخبرنا الأستاذ الإمام قوام السُّنَّة أبو القاسم إسماعيل بن محمَّدِ بنِ الفضل الحافظ ﵀ بقراءتي عليه، قال: حدثنا محمد بن أحمد بن هارون، قال: حدثنا أحمد بن موسى قال: حدثنا أحمد بن كامل، قال: حدثنا أبو إسماعيلَ التِّرْمِذِيُّ.