وبعث الله رسوله ﷺ ، فأقام بمكَّةَ ما أقام لا أسمع له بذِكْرٍ مع ما أنا فيه مِنْ شُغْلِ الدَّوْلَج (١)، ثم هاجر إلى المدينة، فوالله إني لَفِي رأسِ عَذْقٍ لسيدي أعملُ فيه بعض العمل، وسيّدي جالسٌ، إِذْ أقبلَ ابنُ عم له حتى وقف عليه، فقال: فلان، قاتَلَ الله بَنِي قَيْلة، والله إنَّهم الآن ليجتمعون (٢) بِقُباء على رجُلٍ قدم عليهم من مكَّةَ اليوم، يزعمون أنه نبي، قال: فلما سمعتها أخذَتْني العُرَواءُ، حتى ظَنَنْتُ أني سأسقط على سيّدي، قال: ونزلت عن النخلة، فجعلت أقول لابن عمه ذلك: ماذا تقول؟ ماذا تقول؟ قال: فغَضِب سيدي، فلكمَني لَكْمةً شديدة، ثم قال: مالَكَ ولهذا؟! أَقْبِلْ على عملك، قال: قلتُ: لا شيء، إنما أرَدْتُ أَنْ أَستَثْبِتَه عما قال.
وقد كان عندي شيء قد جمَعْتُه، فلما أمسيتُ أخذته ثم ذهبت به إلى رسول الله ﷺ وهو بقباء، فدخلت عليه، فقلت له: إنه قد بلغني أنَّك رجل صالح، ومعك أصحاب لك غُرباءُ ذَوُو حاجةٍ، وهذا شيء كان عندي للصدقة، فرأيتكم أحَقَّ به من غيركم، قال: فقرَّبْتُه إليه، فقال رسول الله ﷺ لأصحابه: «كلوا» وأمسك يده فلم يأكل، قال: فقلتُ في نَفْسي: هذه واحدةٌ.
قال: ثم انصرفت عنه، فجمَعْتُ شيئًا، وتحول رسول الله ﷺ إلى المدينة، ثم جِئْتُه به، فقلتُ: إني رأيتُك لا تأكل الصَّدقة، وهذه هدية أكرمتك بها، قال: فأكل رسول الله ﷺ منها، وأمر أصحابه فأكلوا معه، قال: فقلتُ في نفسي: هاتان اثنتان.
قال: ثم جئتُ رسول الله ﷺ (٣) وهو ببقيع الغرقد، قال: وقد تبع جنازة - يعني - رجلٍ مِنْ أصحابه عليه شَمْلتان له، وهو جالس في
стр. 667
أصحابه، فَسَلَّمْتُ عليه، ثم استدرْتُ أنظر إلى ظهره، هل أرى الخاتم الذي وصف لي صاحبي؟ فلما رآني رسول الله ﷺ استدبرته، عرف أني أَسْتَثْبِتُ في شيءٍ وُصِفَ لي، فأَلْقَى رِداءه عن ظَهْرِه، فنظَرْتُ إلى الخاتم فعرَفْتُه، فانكبَبْتُ عليه أقبله وأبكي، فقال لي رسول الله ﷺ : «تحوَّل» فتحوَّلْتُ، فقصَصْتُ عليه حديثي كما حدَّثْتُكَ يا ابن عباس، فأَعْجَبَ رسول الله ﷺ أَنْ يَسمع ذلك أصحابه.
ثم شغل سلمان الرِّق حتى فاته مع رسول الله ﷺ بَدْرُ وأَحدٌ، قال: ثم قال لي رسول الله ﷺ : «كاتِبْ يا سلمان» فكاتَبْتُ صاحبي على ثلاث مئة نخلة أُحْيِيها له بالفَقِير، وبأربعين وُقِيَّةً، فقال رسول الله ﷺ لأصحابه: «أعينوا أخاكم» فأعانوني بالنَّخْل، الرَّجل بثلاثين وَدِيَّةً، والرَّجلُ بعشرين، والرَّجلُ بخمسَ عشرةَ، والرَّجلُ بِعَشْرِ - يعني: الرَّجل بقَدْرِ ما عنده - حتى اجتمعت لي ثلاث مئةِ وَدِيَّةٍ، فقال لي رسول الله ﷺ : «اذهب يا سلمان، ففَفِّرْ (١) لها، فإذا فَرَغْتَ فَأُتِني أكون أنا أضَعُها بيدي»، ففقَرْتُ لها، وأعانني أصحابي، حتى إذا فَرَغْتُ منها جِئْتُه فأَخبَرْتُه، فخرج رسول الله ﷺ معي إليها، فجعَلْنا نُقَرِّب له الوَدِيَّ، ويَضَعُه رسولُ الله ﷺ بيده، فوالذي نفسُ سَلمان بيده، ما ماتت منها وَدِيَّةٌ واحدة، فأَدَّيْتُ النَّخْل.
وبَقِيَ علي المال، فأُتِي رسولُ الله بمِثْلِ بيضة دجاجة من ذهب من بعض المغازي، فقال: ما فعل الفارسي المُكاتب؟ قال: فدعيت له، فقال: «خُذْ هذه، فأدّ بها ما عليكَ يا سلمان» قال: قلت: وأين تقع هذه يا رسول الله مما علَيَّ؟! قال: «خُذْها فإنَّ الله سيُؤدِّي بها عنك» قال: فأخذتها، فوزَنْتُ لهم منها - والذي نفسُ سَلمان بيده - أربعين أُوقِيَّةٌ، فَأَوْفِيتُهم حقهم وعتَقْتُ.
стр. 668
فشَهِدْتُ مع رسول الله ﷺ الخندق حُرًَّا (١)، ثم لم يفتني معه مشهد (٢).
زاد أحمد في روايته بإسناده عن ابن إسحاق، عن يزيد بن أبي حبيب، عن رجلٍ من عبد القيس، عن سلمان ﵁ قال: لما قلت: وأين تقع هذه من الذي علي يا رسول الله؟! أخذها رسول الله ﷺ فقلبها (٣) على لسانه، ثم قال: «خُذْها فأَوْفِهم منها»، فأخذتها فأوفَيْتُهم منها حقهم كله أربعين أُوقِيَّةً (٤).
زاد العَدَني في روايته بإسناده عن ابن إسحاق، قال: وحدثني عاصم بن عمر، عن رجل من عبد القيس أنَّه سمع عمر بن عبد العزيز يقول: حدثني من حدثه سلمان ﵁ أنه كان في حديثه حين ساقه لرسول الله ﷺ : أنَّ صاحب عمورية قال له: إذا رأيت رجلًا بكذا وكذا من أرض الشام بين غَيْضتين، يخرج من هذه الغيضة إلى هذه الغَيْضة في كلِّ سنَةٍ مرَّةً ثم يخرج مِثْلَها مِنْ العام القابل ليلةً مِنْ السَّنة معلومةً، يتعرَّضُه النَّاس، ويُداوي الأسقام، يدعو لهم فيُشْفَوْن، فَانْتِه فَسَلْه عن هذا الدين الذي تلتمس.
قال: فجِئْتُ، حتى أقَمْتُ مع النَّاس بين تَيْنِكَ الغَيْضتين، فلما كانت الليلة التي يخرج فيها من الغيضة إلى الغيضة، خرج وغلبني الناس عليه، حتى دخل الغَيْضة الأخرى، وتوارَى مِنِّي إلا مَنْكِبَيْه، فتناوَلْتُه فأَخَذْتُ بِمَنكِبَيْه، فلم يلتفت إليَّ، وقال: مالك؟ قلت: أسألُكَ عن دين إبراهيم الحنيفية، فقال: إنَّك
стр. 669
لتسأل عن شيء ما يسأل عنه النَّاسُ اليوم، وقد أظلك نبي يخرج من عند هذا البيت الذي بمكَّةَ يأتي بهذا الدِّينِ الذي تسأل عنه، فَالْحَقْبه، ثم انصرف، فقال رسول الله ﷺ حين حدثته هذا الحديث: «لَئِنْ كُنْتَ صَدَقْتَني يا سلمان، لقد لَقِيتَ عيسى ابن مريم ﵇» (١).
قال الإمام - حرسه الله -: هذا حديث غريب من هذا الوجه، ثابت الإسناد، تفرد به محمد بن إسحاق.
و (قاطن النار) مُلازِمُها الذي لا يُفارقها.
و (الدَّولج) الكناس، والسَّرَب، والمواضع التي يُسْتَتر فيها، شَبَّه داخل منزله في قلة وصول الأخبار إليه بذلك.
والعذق: النخلة.
وقوله (فلان) أي: يا فلان.
ويريد بـ (بني قيلة) الأنصار.
و (العُرواء) الرعدة.
واللكم: الضَّرْب باليد.
وقوله (هذه واحدة) أي: هذه خَصْلة من علاماته التي وصفها لي صاحبي.
والفقيرة، والفقرة - بضم الفاء -: الحُفْرة، يريد به الموضع الذي يُحْفَرُ لِغِراس النَّخل، وفقَرْتُ أي: حفَرْتُ فُقَرًا لِلغَرْس، وقوله (أُحْيِيها له بالفقير) أي: كاتبته على ثلاث مئة نخلة، وعلى أن أَفْقِرَ مواضِعَها.
والوُقِيَّة، والأُوقية: وَزْنُ (٢) أربعين دِرْهَمًا.
стр. 670
و (الوَدِيُّ) صِغار النَّخْل.
ولهذا الحديث طرق سواه، نذكر بعضها فيما بعد إن شاء الله .
وقوله (لقد لَقِيتَ عيسى ابن مريم) كذا في هذه الرواية، وأظُنُّ الصحيح: لَقِيتَ وَصِيَّ عيسى ابن مريم ﵇.
* * *
١٨٥ - أخبرنا الشيخ أبو شُكْر (١) حَمْدُ بنُ عليّ الحَبالُ ﵀ بقراءة والدي عليه رَحِمَهُما اللهُ سنة سبع وخمس مئة، وجعفر بن عبد الواحد الثقفي بعده ﵀،
قالا: أخبرنا أبو القاسم بن أبي بكر بن أبي علي.
وأخبرنا أبو علي الحداد بقراءة والدي أيضًا رَحِمَهُما اللهُ سنة ثمان وخمس مئة، قال: حدثنا أبو نعيم الحافظ.
قالا: حدثنا عبد الله بن محمَّدِ بن جعفر، قال: حدثنا القاسمُ بنُ فُورَكَ.
وأخبرنا أبو علي أيضًا، قال: حدثنا أبو نُعَيْم.
وأخبرنا أيضًا بعد ذلك أبو علي، قال: حدثنا إبراهيم بن محمد بن سليمان.
قالا: حدثنا عبيد الله بن يعقوب بن إسحاق بن جميل، قال: حدثنا جدي إسحاق بن إبراهيم (٢).
وأخبرنا الأستاذ الإمام قوام السُّنَّة أبو القاسم إسماعيل بن محمَّدِ بنِ الفضل الحافظ ﵀ بقراءتي عليه، قال: حدثنا محمد بن أحمد بن هارون، قال: حدثنا أحمد بن موسى قال: حدثنا أحمد بن كامل، قال: حدثنا أبو إسماعيلَ التِّرْمِذِيُّ.
стр. 671
قالوا: حدثنا أبو عبد الرحمن عبد الله بن أبي زياد القَطَوانيُّ - واللفظ لرواية ابن جميل، ولفظ الآخرين مختصر - قال: حدثنا سَيَّار بن حاتم العنزي، قال: حدثنا موسى بن سعيدٍ الرَّاسِبيُّ، قال: حدثنا أبو معاذ، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن سلمان الفارسي ﵁ قال:
إني كنتُ ممَّنْ وُلِد برامْهُرْمُزَ (١) وبها نشَأْتُ، وأما أبي فمن أهل أَصْبَهان، وكانت أُمِّي لها غنّى وعيش، فأسلمتني أُمِّي إلى الكُتَّاب، وكنتُ أنطلق مع غلمان من أهل قريتنا، إلى أَنْ دنا مِنِّي فراغ مِنْ كتاب الفارسية، ولم يكن في الغلمان أكبر مِنِّي ولا أطول.
وكان ثُمَّ جبل فيه كهفٌ في طريقنا، فمرَرْتُ ذات يوم وحدي، فإذا أنا برجُلٍ طويل عليه ثياب شعرٍ، ونَعْلاه شعر، فأشار إليَّ، فَدَنَوْتُ منه، فقال: يا غلام، تَعْرِفُ عيسى ابن مريم؟ فقلت: لا، ولا سمِعْتُ به، فقال: أتَدْري من عيسى ابن مريم؟ هو رسولُ الله، آمِنْ بعيسى أنه رسول الله، وبرسول يأتي من بعد (٢) اسمه أحمد، أخرجه الله - تعالى - مِنْ غَمِّ الدُّنيا إلى رَوْح الآخِرة ونعيمها، قلت: ما نعيم الآخرة؟ قال: نعيمها لا يَفْنى، وهوانُها لا يَفْنى، فرأيتُ الحلاوة والنُّورَ يخرج من شفتيه، فعَلِقَه فؤادي، وفارقتُ أصحابي، وجعلت لا أذهب ولا أجيء إلا وحدي، وكانت أُمِّي تُرسلني إلى الكتاب فأَنْقَطِعُ دونه.
وكان أوَّلَ (٣) ما علمني شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأنَّ عيسى ابن مريم رسول الله، ومحمَّد بعده رسولُ الله، والإيمان بالبعث بعد الموت، فأعطيته ذلك.
стр. 672
وعلمني القيام في الصَّلاة، فكان يقول لي: إذا قمت في الصَّلاة فاستقبلت القبلة، فإن احتوشَتْكَ النَّار فلا تلتفِتْ، وإِنْ دعَتْكَ أَمُّكَ وأبوك وأنت في الصَّلاة الفريضة فلا تلتفِتْ، إلا أَنْ يَدعُوَك رسولٌ من رسل الله، وإن دعاك وأنتَ في فريضة فاقطعها؛ فإنه لا يدعوك إلا بوحي من الله .
وأمرني بطول القنوت، وزعم أنَّ عيسى ابن مريم ﵇ قال: طول القنوت الأمان على الصراط، وأمرني بطول السُّجود، وزعم أن ثواب طول السجود الأمان من عذاب القبر.
وقال: لا تَكْذِبَنَّ مازحًا ولا جادًا حتى يُسَلِّمَ عليك ملائكة الله أجمعين.
وقال: لا تَعْصِيَنَّ الله في طمع ولا غضب، لا تُحْجَبْ عن الجنَّة طرفة عين.
ثم قال لي: إِنْ أدْرَكْتَ محمَّد بن عبد الله الذي يخرج من جبال تهامة فآمن به، واقْرَأْ -عليه¬ السلام- مِنِّي، فإنه بلغني أنَّ عيسى ﵇ قال: من سلَّم على محمد بن عبد الله رآه أو لم يرَهُ، كان له محمد ﵇ شافعًا ومصافحًا، فدخل حلاوة الإنجيل في صدري، وجعلتُ أَزْداد قُوَّةً.
فأقام في مُقامِه حَوْلًا، ثم قال: أي بُنيَّ، إنَّك قد أحببتني وأحببتك، وإنما قدِمْتُ بلادكم هذه أنَّه كان لي بها قريب فمات، فأحببت أن أكون قريبًا من قبره، أُصلّي عليه وأُسلّم عليه؛ لما عظم الله علينا في الإنجيل من حق القرابة، قال: قلت: فما حَقُّ القَرابة في الإنجيل؟ قال: يقول الله : من وصل قرابته فقد وصلني، ومن قطع قرابته فقد قطعني، وإنه قد بدا لي الشَّخوص من هذا المكان، فإنْ كنتَ تريد صُحْبَتي فأنا طَوْعُ يَدَيْك.
قال: قلتُ: عَظَّمْتَ حق القرابة (١)، وههنا والدتي وقرابتي، قال: إن كنت تريد أن تُهاجر مُهاجَرَ إبراهيم ﵇ فدَعْ الوالدة والقرابة، ثم قال:
стр. 673
إِنَّ الله يُصْلِحُ بينك وبينهم حتى لا تَدْعُو عليك الوالدة، ولا يَغْضب عليك ذو رَحِم.
فخرجت معه، حتى قدِمْنا بلادَ نَصِيبين، فاستقبله اثنا عشر رجلًا من الرُّهْبان، يبتدرونه ويَبْسُطون له أَرْدِيتَهُم، وقالوا (١): مرحبًا بسيدنا وواعي كتاب ربنا، قال: فحمد الله - تعالى - وأَثْنى عليه، ودمَعَتْ عَيْناه، وقال: إِنْ كنتم تعظموني لتعظيم جلال الله - تعالى - فأَبْشِرُوا بالنَّظر إلى الله يوم القيامة، ثم قال لهم: إني أريدُ أنْ أتعبَّدَ في محرابِكُم هذا شهرًا، فاستَوْصُوا بهذا الغلام خيرًا؛ فإني رأيته رقيقًا سريع الإجابة.
فمكث في محرابهم شهرًا لا يلتفِتُ إليَّ، ويجتمع الرهبان خلفه يرجون أن ينصرف، ولا ينصرف، فقالوا: لو تعرَّضت له، فقلت: أنتم أعظم عليه حقًا مني، قالوا: أنت ضعيفٌ غريب ابن سبيل، وهو نازل علينا، فلا نقطع عليه صلاته مخافة أن يرى أنا نستثقِله، قال سلمان ﵁: فعرَضْتُ له، فارتعد الراهب، ثم جثا على ركبتيه، ثم قال: ما لك يا بُنَيّ؟ جائع أنت؟ عطشان أنت؟ مَقْرُورٌ أنت؟ اِشْتَقْتَ إلى أهلِكَ؟ أردتَ الرُّجوع إليهم؟ قال: قلتُ: بل أطَعْتُ هؤلاء العلماء، قال: أي بني أتَدْري ما يقول الإنجيل؟ قال: قلت: وما يقول الإنجيل؟ قال: يقول: مَنْ أطاع العلماء فاسدًا كان أو مُصْلِحًا، فمات فهو صِدِّيق، أي بني، حين تعرَّضْتَ لي في ساعتي هذه بدا لي أن أتوجه إلى بيت المقدس، قال: فجاء العلماء، فقالوا: يا سيدنا، أمْكُتْ يومك هذا تُجِبْنا وتُكَلِّمْنا، قال: إِنَّ الإنجيل حدَّثني أنه مَنْ هم بخير فلا يُؤخِّرْه، فقام، فجاءه العلماء يُقبلون كفَّيْه وثيابه، ويتمسحون به، كلُّ ذلك يقول: أُوصيكم أن لا تحتقروا معصية الله، ولا تَعْجَبُوا بحسنةٍ تَعْمَلُونها، فإِنَّ بين الخصلتين الهلاك ورَدَّ الصّيام والفسادَ لِلدِّين، وإِنْ دَعاكم غني وفقير فأجيبوا الغني والفقير سواء، لا تُفارِقُكم رحمة الله طرفةَ عَيْن.
стр. 674
فمشى ما بين نصيبينَ والأرضِ المُقدَّسة شهرًا، يمشي نهاره ويقوم ليله، حتى دخل بيت المقدس، فقام شهرًا يصلي الليل والنهار، فاجتمع علماء بيت المقدس (١) فطلبوا إليَّ أَنْ أَتعرَّض له كما طلب الآخرون، ففعَلْتُ، فانصرف إليَّ، فقال لي كما قال في المرة الأولى، فلما تكلم اجتمع حوله علماء بيت المقدس، فحالوا بيني وبينه يومهم وليلتهم حتى أصبحوا (٢)، فمَلُّوا وتفرقوا.
فقال لي: أي بني، إني أريد أنْ أضَعَ رأسي قليلًا، فإذا بلغت الشَّمسُ (٣) قدمي فأيقظني، قال: وبينه وبين الشمس ذراعين، فبلغته الشَّمسُ، فَرَحِمْتُه لطول عنائه وتعبه في العبادة، فلما بلغتْ الشَّمسُ سُرَّته استيقظ بحر الشمس، فقال: أي بُني ما لك لم تُوقِظُني إذا (٤) بلغَتْ الشَّمسُ قدمي؟ قلتُ: إني رَحِمْتُكَ لِطول دَأْبِك وتعبك، قال: أي بُني، إني لا أُحِبُّ أن تأتي علي ساعة لا أذكر الله فيها، ولا أعبده، أفَلا رَحِمْتَني مِنْ طول الموقف بين يدي ربي يوم القيامة.
أي بني، إني أُريد الشخوص من هنا إلى جبل فيه خمسون ومئة رجل، أشَرُّهم خيرٌ مِنِّي، أتُريد أَنْ تَصْحبني؟ قلت: نعم، قال: فقام، فتعلق به أعمى على الباب، فقال: يا أبا الفضل، تخرُج ولم أُصِبْ منك خيرًا؟! فمسح يده على وجهه فصار بصيرًا، فوثَب مُقْعَدٌ إلى جَنْبِ الأعمى، فتعلَّق به فقال: أبا الفضل، مُنَّ عليَّ من الله - تعالى - عليك بالجنة، فمسح يده عليه.
فقام فمضَى، فقُمْتُ أنظر يمينًا وشمالًا لا أَرَى أحدًا، فرجَعْتُ فدخلت بيت المقدس، فإذا أنا برجل في زاويةٍ من زوايا بيت المقدس عليه المسوح، فجلست حتى انصرف، قلت: يا عبد الله ما اسمك؟ فذكر اسمه، قلتُ: أَتَعْرِفُ أبا الفضل؟ قال: إني لا أَعْرِفُه، ووَدِدْتُ أني لا أموتُ حتى
стр. 675
أراه، أما إنه هو الذي منَّ عليَّ بهذا الدِّين، فأنا أنتظر نبي الرحمة الذي وصفه لي، قلتُ: وكيف وصفه لك؟ قال: فإنه وصفه لي، وقال: إنَّ نبيًا يقال له: نبي الرحمة محمَّدُ بنُ عبدِ الله، يخرج من جبال تهامة، يركب الجمل والحمار والفرس والبَغْلَ والبَغْلةَ، ويكون الحُرُّ والمملوك عنده سواء، وتكون الرحمة في قلبه وجوارحه، لو قُسِمَتْ بين الدُّنيا كلها لم يكن لها مكان، بين كتفيه بَيْضةٌ كبيضة الحمامة عليها مكتوب باطنها الله وحده لا شريك له، محمد رسول الله، وظاهِرُها: توجه حيث شِئْتَ فإنَّك المنصور، يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة، ليس بحقود ولا حسود، ولا يَظْلِم مُعاهِدًا ولا مسلمًا، فمن صدق به ونصره كان معه يوم القيامة في النُّور الذي يُعطاه، والرَّوْحِ الذي يُعطاه، والأمن الذي يعطاه، فقُمْتُ مِنْ عنده، فقلت: لعلّي أقدر على صاحبي، وأسأل عنه.
فخرجت من بيت المقدس، فمشَيْتُ غير بعيد، فالتفت يمينًا وشمالًا لا أرى شيئًا، فمر بي أعرابٌ مِنْ كَلْب، فاحتملوني حتى أتوا بي (١) يثرب، وسمَّوْني مَيْسَرة، فجعلتُ أُناشدِهُم، فلا يَفْقهون كلامي، فاشترتني امرأة يقال لها: خُلَيسة بنتُ فلانٍ حليف بني النجار بثلاث مئة درهم، فقالت لي: ما تُحْسِن؟ قلت: أُصَلِّي لِرَبِّي، أعبد ربّى، وأَسُفُ الخُوصَ، قالت: ومَن ربُّك الذي تعبده؟ قلت: ربُّ محمَّدِ بنِ عبدِ الله، قالت: ويحك! ذاك بمكة، ولكن عليك هذه النَّخْلةَ وصَلِّ لِرَبِّك لا أمنَعُك، وسُفَ (٢) الخوص، واسْعَ على بناتي، فإنَّ ربَّك - يعني: إِنْ تُناصِحْه في العِبادة - يُعْطِكَ سُؤْلَك في الدُّنيا والآخرة.
فمكثت معها (٣) ستة عشر شهرًا حتى قدم رسول الله ﷺ المدينة، فبلغني ذلك بعد خمسة أيام وأنا في أقصى المدينة في زمن الخلال، فالتقطتُ شيئًا من الخلال، فجعلتُ في ثوبي، وأقبلت أسأل عنه ﷺ ، حتى دخلتُ عليه وهو في
стр. 676
منزل أبي أيُّوبَ الأنصاري، ورسول الله ﷺ داخل، وأبو أيُّوبَ وامرأتها ﵂ فوق البيت، وقد وقع حُبُّ لهم فانكسر، وانصب الماء، فقام أبو أيُّوبَ وامرأته يَلْتَقِطان الماء بقطيفة لهم لا يَكِفُ على النَّبِيِّ ﷺ ، فخرج رسول الله ﷺ ، فقال: «ما تصنَعُ يا أبا أيُّوب؟» قال: وقع حُبُّنا فانكسر وانصَبَّ الماء، فخَشِيتُ أن تكون نائمًا أو في الصَّلاة، فيكف عليك فيُؤذيك، فقال رسول الله ﷺ : «يا أبا أيوب، لك ولزوجتك الجنَّة».
قال سلمان ﵁: فقلتُ: هذا - والله - محمَّدٌ رسولُ الرَّحمة، فدنَوْتُ منه فسلَّمْتُ عليه، ثم أخَذْتُ ذلك الخلال فوضعته بين يديه، فقال: «ما هذا يا بني؟» قلتُ: صدقةٌ، قال: «إِنَّا لا نأكل الصَّدقة» فأخَذْتُه مِنْ بين يديه، وتناوَلْتُ إزاري وفيه شيءٌ آخَرُ، فقلتُ: هذه هديَّة، فأكَلَ وأطعم من حوله، ثم نظر إليَّ، فقال: «أحُرُّ أنت أم مملوك؟» فقلت: لا، يا رسول الله، بل مملوك، قال: ولمَ وصلتني بهذه الهدية؟ قلت: كان لي صاحب مِنْ أَمْرِه كذا، وصاحب من أمره كذا، فأخبرته بأَمْرِهما، فقال: «أمَا إِنَّ صاحبَيْكَ مِنْ الذين قال الله ﵎ ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ * وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾ الآية» (١).
ثم قال لي رسول الله ﷺ : «ما رأيت في ما أخبرك؟» قلت: نعم، إلا شيئًا بين كتفيك، فألقى ثوبه، قال: فإذا الخاتم، فانطلَقْتُ حتى قبلته، فقلت: أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله، فقال: «يا بني، أنت سلمان» (٢).
ودعا علي بن أبي طالب ﵁ فقال: «اذهب إلى خُليسة، فقُل لها: يقول لك محمَّدٌ: إما أن تَعْتِقي هذا، وإما أن أَعْتِقَه، فإنَّ الحكمة تُحرِّم عليكِ خدمته»، قلت: يا رسول الله، إنها لم تُسْلِم، قال: «يا سلمان، أو لا تدري ما حدث بعدك؟ دخل عليها ابن عمها، فعرض عليه الإسلام، فأسلمت».
стр. 677
قال سلمان: فانطلق علي وانطلَقْتُ معه، فإذا هي تَذْكُر: محمد رسول الله، فأخبرها علي ﵁ برسالة رسول الله ﷺ ، فقالت: انطلق إلى أخي - تعني النَّبِيَّ ﷺ فقُل له: إِنْ شِئْتَ فَأَعْتِقْه، وإِنْ شِئْتَ فهو لك، فأتاه علي ﵁ فأبلغه، فقال رسول الله ﷺ : «بل أعتقيه أنت»، قال سلمان: فقلتُ: يا رسول الله، أَعْتِقْني أنت، قال: «يا سلمان، أليس تُعْتِقُك بأمري، فأنا أَعْتقتُكَ»، قال: فكنتُ أَغْدو وأَرُوح إلى رسول الله ﷺ ، وتَعُولُني خُلَيسة.
قال: فقال لي رسول الله ﷺ ذات يوم: «انطلق بنا نُكافئ خُلَيسة كما أطاعَتْني فيك»، قلتُ: يا رسول الله، إني أظُنُّها أرادَتْ الله - تعالى - به، قال رسول الله ﷺ : «فإنَّ ثوابها على الله - تعالى -، ولكني أريد أن أكافئها»، قال: فكنتُ مع نبي الله ﷺ خمسة عشر يومًا في حائط خُلَيسةَ يُعلِّمُني وأُعِينُه، حتى غرسنا لها ثلاث مئةِ فَسِيلةٍ، فلا والله ما غادرَتْ منها فَسِيلةٌ، فكان رسول الله ﷺ إذا اشتد عليه حَرُّ الشَّمس وضع على رأسه مظلَّةً لي من صوف، فعرق فيها رسول الله ﷺ مرارًا، فما وضَعْتُها على رأسي بعد ما وضعها رسول الله ﷺ إعظامًا لرسول الله ﷺ ، وإبقاء على ريحه، وما زِلْتُ أَخْبأُها ويَنْجاب منها، حتى بَقِي منها أربع أصابع، فغزَوْتُ في غزوة لنا فسقطتْ مِنِّي (١).
قال الإمام - حرسه الله -: هذا حديث غريب علي هذا الوجه، لا أعرفه هكذا إلا من هذا الطريق، وأبو معاذ الرَّاوي له: مجهول لا يُعرف اسمه، وجليسة المذكورة في هذا الحديث لم يُوردوها في معرفة الصحابة (٢).
стр. 678
وقوله (١) (عليك هذه النخلة) نصب على الإغراء.
و (الخَلال) - بفتح الخاء -: البُسْر (٢).
و (لا يَكُفّ) لا يَقْطُر.
و (تَعُولُني) أي: تكفيني مؤونتي.
والفَسِيلة: مِثْلُ الوَدِي التي [ذكرناها] (٣).
والمظلة - بكسر الميم -: ما يُظلل به.
و (ينجاب) أي: يتخرَّق ويتقطَّع.
والمقرور: الذي أصابه البرد.
* * *
١٨٦ - أخبرنا الإمام أبو الحسن علي بن عُبيد الله بنِ نَصْرِ الزَّاغوني (٤) إمام الحنابلة فيما كتَبَ إِلَيَّ مِنْ بغداد ﵀، قال أخبرنا أبو القاسم علي بن أحمد بن محمد بن علي بن البشري.
وقرأت على الشيخ أبي طاهر محمَّدِ بنِ محمَّدِ التَّاجر، عن كتاب أبي القاسم ابن البشري، قال: أخبرنا أبو عبد الله عُبيد الله بن محمَّدِ بنِ محمَّدِ بنِ حمدان بنِ بَطَّةَ في كتابه، قال: حدثني أبو صالح محمد بن أحمد، قال: حدثنا الحسن بن عليّ القَطَّانُ، قال: حدثنا إسماعيل بن عيسى العطار، قال: حدثنا إسحاق بنُ بِشْرٍ، قال: حدثني أبو عبيد الله التَّيْمِيُّ، عن ابن لهيعة، عن أبي قُبَيْل قال: قيل لسلمان ﵁: أَخْبِرْنا عن إسلامك؟
стр. 679
قال: فقال سلمان: أما أوَّلي: فإني كنتُ مجوسي ابن مجوسي ابن مجوسية، فرأيت فيما يرى النائم أنَّ القيامة قد قامَتْ، فَحُشِرَ النَّاس على صورهم، وحُشِر المَجُوس على صُوَر الكِلاب، ففَزِعْتُ، فرأيت من القابلة أنَّ النَّاس أيضًا حُشِروا على صُوَرهم، وأنَّ المجوس حُشِروا على صُوَر الخنازير.
قال (١): فتركت ديني، وهرَبْتُ مِنْ قومي، وخرجت من بلدي، وأتيتُ الشام، فوجَدْتُ يهودَ، فدخلتُ في دينهم، وقرأت كتبهم، ورضيت بدينهم، وكنتُ عندهم حِجَجًا، فرأيتُ فيما يرى النائم أنَّ النَّاسِ حُشِروا، وأنَّ القيامة قد قامَتْ، وأنَّ اليهود أُتِي بهم فسُلِخوا، ثم أُلْقُوا فِي النَّار، فشُوُوا ثم أُخْرِجوا، فبُدِّلَتْ جلودهم، ثم أعادوهم في النَّار، قال: فلما انتبهت هربت من اليهودية، ورفضتُ دينهم، وخرجت من تلك الأرض.
فأتيتُ قومًا نصارى بالشام، فدخلتُ في دينهم، وكنتُ معهم في شركهم، فكنتُ عندهم حِجَجًا، أنا على النصرانية، أدين الله - تعالى - بها، فرأيتُ فيما يرى النائم كأنَّ ملكًا جاءني فأخذني، فجاء بي إلى صراط ممدود على النار، فقال: أعْبُر هذا، قال: فقال صاحب الصِّراط: انْظُروا فإن كان دينه النصرانية فأَلْقُوه في النَّار، قال: ثم انتبهتُ وفَزِعْتُ، ثم استَعْبَرْتُ راهبًا كان صديقًا لي، فقال: إنَّ الذي أنت عليه دينُ المَلِك، ولكن عليك باليعقوبية.
قال: فرفضت ذلك الدين، ولحِقْتُ بالجزيرة، وأتيتُ نَصِيبين، فلزِمْتُ راهبًا بها يَرَى رأي اليعقوبية، فدخلتُ في دينهم، فمكثتُ عندهم حِجَجًا، فرأيت فيما يرى النائم أن إبراهيم خليل الرحمن ﵇ قائم عند العرش (٢)، يميز مَنْ كان على مِلَّته فيُدْخِلُه الجنَّة، ومن كان على غيرِ مِلَّتِه ذهبوا به إلى النَّار، قال: فهرَبْتُ من ذلك الراهب الذي كنتُ عنده.
وأتيتُ راهبًا قد أتَتْ عليه خمسون ومئة سنة، فأخبرته بأمري وقصتي،
стр. 680
فقال لي: أيُّها الرَّجل، إنَّ الذي تطلبه ليس هو اليوم على ظهر الأرض، ذلك دين الحنيفية، وهو دين إبراهيم الخليل ﵇، وهو دين أهل الجنة، وقد اقترب، وأظلك، وأوشك أن يخرج من قريب، ويظهر نبي يثرب، يدعو إلى هذا الدين الذي تريد قال: قلت له: ما اسم هذا الرجل؟ وما هو؟ وما صفته؟
قال: اسمه خمسة أسماء، هو مكتوب في العرش: محمد، ومكتوب في الإنجيل: أحمد، ومكتوب يوم القيامة: محمود، ومكتوب على الصراط: حماد، ومكتوب على باب الجنَّة - أو قال: على الصراط -: حامد، والاسم الذي يُدْعَى به إذا ظهر: محمد، وأحمد.
قال: قلتُ له: صفه لي وانسبه لي.
قال: هو محمد من ولد إسماعيل بن إبراهيم ﵈، وهو قرشي، وأصله مكي تهامي، وهو أفصح العرب، وأحسَنُه وجهًا، وأحسنه خلقًا، وأسخاه كفًا، وأوسعُه صَدْرًا، وأعظمُ النَّاسِ حِلْمًا، وأرحَمُه رحمة، وفيه من رحمة إبراهيم مخلوطةٌ بقَلْبِه، لا يقول للسائل: لا، ومن سأله أعطاه، لا يَجُور في حكم، ولا يَرْتَشي في قضية، ولده والنَّاسُ عنده في الحقِّ سواء، يأتي بالدين السمح، ومن اتبعه دخل الجنة، يأتي النَّاس دليلًا، فيدعوهم إلى لين من دينهم، فإِنْ اتَّبعوه دخلوا الجنة، وإن عصوه دخلوا النَّار، يبعثه الله - تعالى - بالذبح لمن كفَرَ ولم يُصَدِّق به، يَنْزِلُ عليه كتاب اسمه: قُرْآن، واسمه: فُرْقان، فأما القرآن: فتفسير الحقِّ، وأما الفُرْقان: ففَصْلٌ بين الحقِّ والباطل، كتابه مُصدِّقٌ للتَّوراة والإنجيل والزَّبُور، يُؤْمِنُ بالنَّبيِّين الذين قبله، وهو خاتم كل نبي، ولا نبي بعده.
قال: فقلتُ: صف لي وَجْهَه وخَلْقَه ومَلْبَسه.
قال: هو أبيض، مُشْرَبٌ حُمْرةً، أَدْعَجُ العينين، أزَجُ، براقُ الثَّنايا، سائل الخدين، ممدود الحاجبين، رقيقُ الوجه، وَضِيءُ الجَبِين، حسَنُ الأَنْف، دقيق
стр. 681
الشَّفَة غَضِيضُ الطَّرْف، شديد الحياء، ليس بالطويل الفاحش (١)، ولا بالقصير، ممدود العنق، ليس بالقصير ولا بالطويل، جَعْدُ الشَّعَرِ، كَثُ اللَّحْية، حسَنُ الشَّيْبَة، بَشِرُ الوجه، سَمْحُ الخُلُق، شَتْنُ الكفين والرِّجْلَيْن، شديد التَّواضع، ليس في قلبه مِنْ الكِبر مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ، يُحِبُّه مِنْ أُمَّتِه مَنْ رآه ومن لم يره، قد وهب الله له شفاعةً يوم القيامة، بين كتفيه خاتَمُ النُّبوَّة، يقبل الهديَّةَ، ولا يَقْبل الصَّدقة، يُسَوِّي نفسه بالنَّاس، لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَدْعُوَ إلى الإسلام الصَّغير والكبير، والأسود والأحمر، والمرأة والرجل، أصدقُ النَّاس لسانًا، وأوفاه عَهْدًا، لا يَغْدُر ولا يخون، إذا سلَّم على الرجل عرَفَ أَنَّه رسول الله، نُصر بالرُّعْب شهرًا، وجُعِل رِزْقُه تحت رُمْحِه، إذا خرج كذَّبَ به قومه، ثم يُهاجِرُ إلى يثرب، فيَذْبَحُ مَنْ خالفه، يضَعُ الجِزْية، ويكسر الصليب، وتُفْتَحُ له البلاد، ويدين له الخَلْق، وهو النَّبيُّ حقًا، وهذا أوان خروجه، وأوشك أن يكون قد خرج، أو: قد هاجر.
قال: فلما سمِعْتُ مَقالته خرجتُ وسِرت في البرية، فسبَتْني العرب، فاستخدمتني، واستعبدَتْني سنين، فهرَبْتُ منهم، فأخذتُ طريق الحجاز، فلقيتُ قومًا جمالين غُرَباء، فقلت لهم: يا هؤلاء، إني أخاف أَنْ أُسْبَى، فاخْفِروني وأُعطيكم مثاقيل ذهبًا معي، فسِرْتُ معهم، فأغار عليهم قوم من العرب فسبوهم وسبوني معهم، وجاؤوا بي إلى المدينة، وكانوا تجارًا، فلما نزلوها سألت عن النَّبِيِّ ﷺ ، فَأُخْبِرْتُ أنه بها، فخرجتُ في طلبه.
فلما كنتُ في بعض أزِقَّةِ المدينة، جلستُ فنِمْتُ، فرأيتُ فيما يرى النائم أنِّي في دارٍ قد كُسِيتُ وحُلِّيتُ، وأُجْلِسْتُ على سرير، ووُضِعَ على رأسي تاج، وقيل لي: نجَوْتَ مِنْ النَّار، ودُفع إليَّ كتابٌ، فقيل لي: هذا رحمة لك، وسوف نُرِيك محمَّدًا الذي جِئْتَ في طَلَبِه، فأَرَوْني محمدًا ﷺ ، فأتيته
стр. 682
فعرفتُه، وكأنَّ ملَكًا يحمله على جناحه، وينادي بصوت عليَّ: هذا محمد رسول الله، خاتَمُ النَّبيِّين، مَنْ تَبِعه دخل الجنَّة.
قال سلمان: فاستَنْبَهْتُ، فَقُمْتُ مِنْ مَنامي، فأتيته، فإذا هو ﷺ جالس في المسجد من قبل أن يُبْنَى المسجد، فلما رأيته عرفتُ أنَّه الذي رأيتُ في المنام، وما خرج من صفة (١) الراهب لي بِرُمَّتِه ونَعْتِه، فرجَعْتُ فَأَخَذْتُ ثوبًا لي فبِعْتُه بتَمْراتٍ، فرفَعْتُ نصفَ التَّمْر، يعني: فجِئْتُه، به، فقال: «ما هو؟» قلت: صدقة عليك، فقال: «إِنَّ النَّبِيَّ لا يأكُل الصدقة، ولكن اذهب فتصَدَّق به على آل فلان»، قال سلمان: ففعلتُ.
ثم ذهبت إلى الرَّجُل فَجِئْتُه بالتَّمْر الباقي، فسلَّمْتُ عليه، فرد عليَّ السَّلامَ، وأَوْسَعَ لي وقرَّبَني، ووضَعْتُ التَّمْرَ بين يديه، فقال لي: «ما هذا؟» فقلت: هديَّةٌ أهدَيْتُه لك، فقال لأصحابه: «كلوا، بسم الله» قال سلمان: وقد كان عنده عشرين رجلًا، وأهدَيْتُ له خمسًا وعشرين تمرةً، قال سلمان: فعدَدْتُ أَلفَ نواة.
قال: فَقُمْتُ، فدُرْتُ، فرأيتُ بين كتفيه خاتَمَ النَّبُوَّةِ، فَحَوَّلْتُ وجهي إليه، فقلت: أشهدُ أنَّك رسولُ الله، فقام إليَّ علي بن أبي طالب ﵁ فقبل رأسي، وأمرَ رسولُ الله ﷺ أَنْ أُكْسَى، فكساني أبو بكرٍ الصِّدِّيقُ ﵁ ما كان عليه من الثياب، ودعا بكسوة غيرها فلَبِسَها.
فأخبرتُ رسول الله ﷺ أنِّي عبدٌ، وقصَصْتُ عليه قصتي من أولها إلى أنْ جنته، فبعث رسول الله ﷺ إلى مولاي، فقال: «تَبِيعُني عبدك هذا؟» قال: وكان للرجل بالمدينة نخل وأرض فقال: يا محمَّدُ، أَبِيعُك عبدي هذا بوَزْنِ هذا الحجر الموضوع عندك ذهَبًا، وأَنْ تَغْرِسَ لي مئة نخلةٍ تَحْمِلُ مِنْ عامها، فقال رسول الله ﷺ : «قد أخَذْتُه، ورَضِيت»، وقال مولاي: قد بعتك،
стр. 683
فجاءت الأنصار بأقرطة نسائهم ودَمالِجَتِهم (١) وخلاخيلهم، حتى أَوْفَى رسول الله ﷺ وَزْنَ الصَّخرة.
ثم مشى رسول الله ﷺ هو وأصحابه - وأنا معهم - معه إلى أرضه، فقال: «هات بالك» (٢)، فقال: ليس لي بال، فبعثني رسولُ الله ﷺ ، فجِئْتُه من ذلك النَّوى الذي أهدَيْتُ له مِئَةَ نواة، فأخذها رسول الله ﷺ بِكَفِّه اليُسْرَى، ثم وضعها في حَجْره، وأقبلَ يَغْرِسُ نَواةٌ نَواةٌ، ويقول: «بسم الله، أُنْبُتِي بإذن الله» قال سلمان: فلا والذي بعثه بالحَقِّ، ما تمَّتِ السَّنةُ حتى نَبَتَ النَّخْلُ وحمل، ثم دعاني رسول الله ﷺ ، فقال: «أنت حُرٌّ يا سلمان، أنت مولى الله ومولى رسوله» (٣).
هذا الحديث من أغرب الطُّرُقِ في إسلامِ سَلْمَانَ، لا أعرِفُه إلا من هذا الوجه.
* * *
١٨٧ - أخبرنا الشيخ الصالح أبو الفرج سعيد بن أبي الرجاء بن أبي منصور، بقراءة والدي عليه -رحمهما الله- سنة إحدى عشرة وخمس مئة، قال: أخبرنا أبو نَصْرٍ إبراهيم بن محمَّدِ بنِ عليّ الوَرَّاقُ المعروف بالكسائي، قال: حدثنا أبو بكر محمد بن أحمد بن محمَّدِ بنِ عيسى التَّاجرُ، قال: حدثنا أبو بِشْرٍ إسماعيل بن عبد الله العَبْديُّ المعروف بسَمُّويَهْ، قال: حدثنا عَمْرُو بنُ حَمَّادِ بنِ طلحةَ القَنَّادُ، قال: حدثني أَسْبا بنُ نَصْرٍ الهَمْداني، عن إسماعيل بن
стр. 684
عبد الرحمن السُّدِّيُّ، يرويه عن أبي مالك وعن أبي صالح، عن ابن عباس.
وعن مُرَّةَ الهَمْدَاني، عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النَّبيِّ ﷺ ورضي عنهم، أو عن بعض هؤلاء.
قال: قوله ﵎: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ الآية (١)، قال: نزلت هذه الآية في أصحابِ سَلْمَانَ الفارسي ﵃، وكان سلمان رجلًا من أهلِ جُنْدَيْسابور، وكان من أشَارِفهم، وكان ابنُ المَلِك صديقًا له مُؤاخيًا، لا يقضي واحد منهما أمرًا دون صاحبه، وكانا يركبان إلى الصيد جميعًا.
فبينما هما في الصيد، إذ رُفِع لهما بيتٌ من عباء، فأتياه، فإذا هما فيه برجل بين يدَيْه مُصْحَف يقرأ فيه وهو يبكي، فسألاه: ما هذا؟ فقال: الذي يريد أَنْ يَعْلمَ هذا لا يقف موقِفَكُما، فإن كنتما تُريدان أن تَعْلَما ما فيه فانْزِلا حتى أُعْلِمَكُما، فنزلا إليه، فقال لهما: هذا كتاب جاء من عند الله ، أمَرَ فيه بطاعته، ونهى عن معصيته فيه: أن لا نَزْني، ولا نَسْرِقَ، ولا نأخُذَ أموال النَّاس بالباطل، فقص عليهما ما فيه، وهو الإنجيل الذي أُنْزِلَ على عيسى ابن مريم ﵇، فوقع في قلوبهما وتابعاه، فأسلما.
وقال: إنَّ ذبيحة قومكُما عليكما حرام، ولم يزل معهم كذلك يتعلمان منه حتى كان عيد للملوك (٢)، فجعل طعامًا، ثم جمع النَّاس والأشراف، وأرسل إلى ابن الملك، فدعاه إلى صَنِيعه ليأكُلَ مع النَّاس، فأبى الفتى، وقال: إنّي عنك مشغول، فكل أنت وأصحابك، فلما أكثر عليه الرُّسُلَ أخبرهم أنَّه لا يأكل من طعامهم، فأرسل الملك إلى ابنه فدعاه، فقال: ما أَمْرُكَ هذا؟! قال: إنَّا لا نأكل من ذبائحكم؛ إنكم كُفَّار، ليس يَحِلُّ لنا ذبائحكم، فقال له الملك:
стр. 685
مَنْ أخبرك بهذا؟ فأخبره أنَّ الرَّاهب أمره بذلك، فدعا الراهب، فقال (١): ماذا يقول ابني؟ قال: صدَقَ ابنُكَ، فقال: لولا أنَّ الدَّمَ فينا عظيمٌ لَقَتَلْتُك، ولكن اخرُجْ مِنْ أرضنا، فأجَّله أجَلًا، قال سَلْمان: فقُمْنا نَبْكي عليه، فقال: إِنْ كُنْتُما صادقين فأنا في بيعة في المَوْصِل مع سِتِّين رجُلًا، نعبد الله - تعالى - فيها، فَأْتُونا فيها.
فخرج الراهب، وبقي سَلْمانُ وابنُ المَلِك، فجعل سلمان يقول لابن الملك: انْطَلِقْ بنا، وابنُ المَلِك يقول: نعم، فجعل ابنُ المَلِك يبيع متاعه يريد الجهاز، فلما أبطأ على سَلْمَانَ خرج سَلْمانُ حتى أتاهم، فنزل على صاحبه - وهو رَبُّ البيعة -، وكان أهل تلك البيعة أفضل مرتبة من الرهبان.
فكان سلمان معه يجتهد في العبادة، ويُتعب نفسه، فقال له الشيخ: إنَّك غلام حدَثُ، تَكْلَفُ من العبادة ما لا تُطِيق، وأنا خائفٌ أَنْ تَفْتُرَ وتَعْجِزَ، فارفق بنفسك، وخَفِّف عنها، فقال له سلمان: أرأيتَ الذي تأمرني به أفضل أو الذي أصنع؟ قال: بل الذي تصنَعُ، قال: فخلِّ عنّي.
ثم إنَّ صاحب البيعة دَعاه، فقال: أَتَعْلَمُ أنَّ هذه البيعة لي، وأنا أحَقُّ النَّاس بها، ولو شِئْتُ أن أُخْرِجَ هؤلاء منها لفعَلْتُ، ولكني رجل أضعُفُ عن عبادة هؤلاء، وأنا أريد أن أتحوَّلَ من هذه البيعة إلى بيعة أخرى، هم أهون عبادةً من هؤلاء، فإن شئتَ أن تُقيم ها هنا فأَقِمْ، وإن شئت أن تنطلق معي فانطلق، فقال له سلمان: أيُّ البيعتين أفضل؟ قال: هذه، قال سلمان: فأنا أكون في هذه، فأقامَ سَلمان بها، وأوصى صاحب البيعة عالم البيعة بسلمان، فكان سلمان يتعبَّد معهم.
ثم إنَّ الشيخ العالم أراد أن يأتي بيت المقدس ودعا سلمان، وقال: إنّي أريد أن آتِيَ بيت المقدس، فإن شئتَ أن تنطَلِقَ معي فانطلق، وإِنْ شِئْتَ أن تُقِيمَ فَأَقِمْ، فقال سلمان: أيُّهما أفضلُ: أَنْطَلُق معك أو أُقيم؟ قال: بل تنطلق.
стр. 686
معي، فانطلَقَ معه، فمَرُّوا بِمُقْعَدٍ على ظهر الطَّريق مُلْقَى، فلما رآهما ناداه: يا سيِّدَ الرُّهْبان، ارْحَمْنِي، رَحمك الله، فلم يُكلِّمه، ولم ينظر إليه، حتى أتى بيت المقدس، فقال الشيخ لِسَلمان: أخْرُجْ فاطلب العلم؛ فإنَّه يحضر المسجد علماء أهل الأرض.
فخرج سلمان يسمع منهم، فرجع يومًا حزينًا، فقال له الشيخ: مالك يا سلمان؟ قال: أَرَى الخيرَ كُلَّه قد ذهب به مَنْ (١) كان قَبْلَنا من الأنبياء وأتباعهم، فقال له الشيخ: أجَلْ، لا تحزن؛ فإنه قد بقي نبي ليس من نبي بأفضل تبعًا منه، وهذا زمانه الذي يخرج فيه، ولا أراني أُدْرِكُه، وأما أنت فشابٌ، ولعلَّك تُدْرِكُه، وهو يخرُج في أرض العرب، فإن أدركته فآمن به واتَّبِعْه، فقال له سلمان: فأَخْبِرْني عن علامتِه، فقال: نعم، هو مختوم في ظهره بخاتَمِ النُّبُوَّةِ ﷺ ، وهو يأكل الهدية، ولا يأكل الصدقة.
ثم رجعا، حتى بلغا مكان المُقْعَد، فناداهما، فقال: يا سيد الرُّهْبان، ارْحَمْنِي، رَحِمَك الله، فعطف إليه حماره، فأخذ بيده، ثم رفعه، فضرب به الأرض، ودعا له، فقال: قُم بإذن الله، فقام صحيحًا يشتد، فجعل سلمان يتعجَّبُ منه، وهو ينظرُ إليه ويَشْتَدُّ.
وسار الراهب، فتغيب عن سَلْمَانَ، ولا يَعْلم سلمان، ثم إِنَّ سَلْمَانَ فَرَغَ فطلب الراهب، فلقيه رجلان مِنْ العرب مِنْ كَلْب، فسألهما: هل رأيتُما الراهب؟ فأنا أحدهما راحلته وقال: نعم، راعي الصِّرمة هذا، فحمله فانطلق به إلى المدينة.
قال سلمان: فأصابني مِنْ الحُزْن شيءٌ لم يُصِبْنِي مِثْلُه قطُّ، فاشترته امرأةٌ من جهينة، فكان يَرْعَى عليها هو وغلام لها، يتراوحان الغنم: هذا يومًا، وهذا يومًا، وكان سَلْمانُ يجمَعُ الدَّراهم، ينتظر خروج محمد ﷺ .
стр. 687
فبينا هو يرعى إذ أتاه صاحبه الذي كان يَعْقُبه، فقال: أَشْعَرْتَ أَنَّه قَدِمَ اليوم المدينةَ رجلٌ يَزْعُم أنه نبي؟ فقال سلمان: أَقِم في الغنم حتى آتيك، فهبط سلمان إلى المدينة، فنظر إلى النَّبيِّ ﷺ ، ودار حوله، فلما رآه النَّبِيُّ ﷺ عَرَفَ ما يُريد، فأرسل ثوبه حتى خرج خاتمه، فلما رآه أتاه وكلمه.
ثم انطلق، فاشترى بدينارٍ: بنِصْفِه شاةً فشَواها، وبنصفه خُبزًا، ثم أتى به النَّبِيَّ ﷺ ، فقال: «ما هذا؟»، قال سلمان: هذه صدقة، قال: «لا حاجة لي بها، أَخْرِجُها فليَأْكُلْها المسلمون».
ثم انطلق، فاشترى بدينار آخَرَ خُبْزًا ولحمًا، فأتى به النبي ﷺ ، فقال: «ما هذا؟»، قال: هذه هديَّةٌ، قال: «فاقعُدْ، فَكُلْ»، فأكلا جميعًا منها.
فبينما هو يُحدِّثُه إِذْ ذكرَ سَلْمانُ أصحابه، فأخبره خبرهم، فقال: كانوا يصومون، ويُصَلُّون (١)، ويشهدون (٢) أَنَّك ستُبْعَثُ نبيًا، فلما فرغ سلمان من ثنائه عليهم، قال النَّبِيُّ ﷺ : «يا سَلْمَانُ هُمْ مِنْ أهل النار»، فاشتد ذلك على سلمان، وقد كان قال له سَلْمانُ: لو أَدْرَكوك صدَّقوك واتَّبعوك، فأنزل الله هذه الآية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ﴾ إلى آخر الآية (٣).
* * *
стр. 688
١٨٨ - أخبرنا الشيخ المقرئ والدي ﵀ فيما أذن لي أن أرويه عنه، قال: أخبرنا أحمد بن علي الشيرازي فيما كتب إلي، قال: أخبرنا محمد بن عبد الله النيسابوري سماعا أو إجازة، قال: حدثنا أبو الفضل الحسن بن يعقوب العذلي، قال: حدثنا يحيى بن أبي طالب، قال: حدثنا علي بن عاصم، قال: حدثنا حاتم بن أبي صغيرة، عن سماك بن حرب، عن زيد بن صوحان: أن رجلين من أهل الكوفة كانا صديقين ليزيد بن صوحان، أتياه ليكلم لهما سليمان ﵁، كيف كان إسلامه؟
فأقبلا معه، حتى لقوا سليمان وهو بالمدائن أميرا عليها، وإذا هو على كرسي قاعدا، وإذا خوص بين يديه وهو يزتقه، قالا: فسلمنا وقعدنا، فقال له زيد: يا أبا عبد الله، إن هذين صديقان، ولهما إخاء، وقد أحبا أن يسمعا حديثك، كيف كان بدء إسلامك؟
قال سليمان ﵁: كنت يتيما من رامهرمز، بتلك البلاد (١)، وكان ابن دهقان رامهرمز يختلف إلى معلم يعلمه، فلزمته لأكون في كنفه، وكان لي أخ أكبر مني، وكان مستغنيا بنفسه، وكنت غلاما.
وكان إذا قام من مجلسه تفرق من يحفظهم، فإذا تفرقوا خرج فتقنع بثوبه، ثم صعد الجبل، وكان يفعل ذلك غير مرة متنكرا، فقلت له: إنك تفعل كذا وكذا، فلم لا تذهب بي معك؟ قال: أنت غلام، وأنا أخاف أن يظهر منك شيء، قال: قلت: لا تخف، قال: فإن في هذا الجبل قوما في برطيل (٢)، لهم عبادة، ولهم صلاح، يذكرون الله - تعالى -، ويذكرون الآخرة، ويزعمون أنا عبدة النيران وعبدة الأوثان، وأنا على غير دينهم.
قال: قلت: فاذهب بي معك إليهم، قال: لا أقدر على ذلك حتى أستأمرهم، أنا أخاف أن يظهر منك شيء فيعلم - أو فيقتل - القوم،
стр. 689
فيكون هلاكهم على يدي، قلت: لن يظهر مِنِّي ذلك، فاستَأْمِرْهم فآتِيَهم.
فقال: غلام عندي يتيم، فأحبَّ أن يأتيَكُم ويسمع كلامَكُم؟ قالوا: إِنْ (١) كنت تثق به، قال: أرجو أن لا يَجِيءَ منه إلا ما أُحِبُّ، قال: فجئ به، فقال لي: قد استأذنت القوم في أن تجيء معي، فإذا كانت الساعة التي رأيتني أَخْرُج فيها فَأُتِني، ولا يعلم بك أحدٌ، فإنَّ أبي إن علم بهم قتلهم.
قال: فلما كانت الساعة التي يخرج تَبِعْتُه، فصَعِد الجبل، فانتهينا إليهم، فإذا هم في برطيلهم - قال علي بن عاصم: وأُراه قال: وهم سِتَّة، أو سبعة - قال: وكان الرُّوح قد خرج منهم من العبادة، يصومون النهار، ويقومون الليل، ويأكلون عند السَّحَر ما وجدوا، فقعدنا إليهم، فأثنى ابنُ الدِّهْقان عليَّ خيرًا، فتكلموا، فحمدوا الله - تعالى -، وأَثْنَوْا عليه، وذكروا من مضى مِنْ الرُّسل والأنبياء، حتى خلصوا إلى ذكر عيسى ابن مريم ﵉.
فقالوا: بعث الله - تعالى - عيسى رسولًا، وسخَّر له ما كان يفعل من إحياء الموتى، وخَلْقِ الطَّير، وإبراء الأكمه والأبرص والأعمى، فكفر به قوم، وتبعه قوم، وإنَّما كان عَبْدَ الله ورسوله، ابتلى به خَلْقَه.
قال: وقالوا (٢): اقْبَلْ ذلك يا غلام: أنَّ لك لَربًّا، وأنَّ لك معادًا، وأنَّ بين يديك جنَّةً ونارًا إليهما تَصِير، وأنَّ هؤلاء القوم الذين يعبدون النيران أهلُ كُفْرٍ وضَلالةٍ، لا يَرْضَى الله - تعالى - ما يصنعون، وليسوا على دين، فلما حضرتْ السَّاعةُ التي ينصرف فيها الغلامُ انصرف، وانصرَفْتُ معه، ثم غدَوْنا إليهم، فقالوا مِثْلَ ذلك وأحسَنَ، ولَزِمْتُهم، فقالوا لي: يا سَلْمانُ، إِنَّكَ غلام، وإنك لا تستطيع أن تَصْنَعَ كما نصنع فصلِّ ونَمْ، وَكُلِّ وَاشْرَبْ.
قال: فاطلع المَلِكُ على صَنِيع ابنه، فرَكِب في الخيل، حتى أتاهم في برطيلهم، فقال: يا هؤلاء، قد جاوَرْتُموني فأحْسَنْتُ جواركم، ولم ترَوْا مِنِّي
стр. 690
سُوءًا، فعمَدْتُم إلى ابني فأَفْسَدْتُموه علَيَّ، قد أجَلْتُكم ثلاثًا، فإِنْ قَدَرْتُ عليكم بعد ثلاث أحرَقْتُ عليكم بِرْطِيلَكُم هذا، فالْحَقُوا ببلادِكُم، فإنِّي أكره أن يكون مِنِّي إليكم سوء، قالوا: نعم، ما تعمَّدْنا مساءتك، ولا أرَدْنا إلا الخير.
وكَفَّ ابنه عن إتيانهم، فقلت له: اِتَّقِ الله، فإنَّك تعرِفُ أَنَّ هذا الدِّينَ دين الله، وأنَّ أباك ونحن على غير دين، إنَّما هم عبدة النيران، لا يعبدون الله تعالى ـ، فلا تبع آخرتك بدنيا غيرك، قال: يا سلمان، هو كما تقول، وإنما أتخلَّفُ عن القوم بقيا عليهم (١)، طلبني أبي في الجبل، وقد حرج في إتياني إيَّاهم، وقد أعرفُ أنَّ الحق في أيديهم.
فأتيتهم في اليوم الذي أرادوا أن يرتحلوا فيه، فقالوا: يا سلمان، قد كنا نحذَرُ ما رأيت، فاتَّقِ الله واعلَمْ أَنَّ الدِّين ما أَوْصَيْناكَ به، وأنَّ هؤلاء عبدة النيرانِ لا يَعْرِفون الله - تعالى -، ولا يَذْكُرونه، فلا يَخْدعَنَّك أحد عن دينك، قلت: ما أنا بِمُفارقِكُم، قالوا: أنت لا تَقْدِر أن تكون معنا، نحن نصوم النهار، ونقوم الليل، ونأكلُ الشَّجر وما أصبنا، وأنت لا تستطيع ذلك، قال: فقلت: لا أُفارِقُكم، قالوا: أنت أعلم، قد أعلَمْناك حالنا، فإِذْ أَبَيْتَ خُذْ شيئًا تأكُله، فإنك لا تستطيع ما نستطيع نحن، قال: ففعَلْتُ، ولَقِيتُ أخي فعرَضْتُ عليه.
فأَتَيْتُهم يمشون، وأَمْشي معهم، فرزَقَ الله - تعالى - السلامة، حتى قدمنا المَوْصِلَ، فَأَتَيْنا بِيعَةً بالمَوْصِل، فلما دخلوا أحَفُوا بهم، وقالوا: أين كنتم؟ قالوا: كُنَّا في بلادٍ لا يَذْكُرون الله - تعالى -، بها عبدةُ النيران، فطردونا، فقدمنا عليكم.
فلما كان بعد قالوا: يا سلمان، إنَّ هاهنا قومًا في هذه الجبال هم أهل دين، وإِنَّا نريد لِقاءَهُم، فكُنْ أنت هاهنا مع هؤلاء فإنَّهم أهل الدين، وسترى منهم ما تُحِبُّ، وأَوْصَوْا بي أهل البيعة، فقالوا: أَقِمْ معنا يا غلام، فإِنَّه لا يُعْجِزُك شيء، قلت لهم: ما أنا بِمُفارِقِكُم.
стр. 691
فخرجوا وأنا معهم، فأصبحوا بين جبال، وإذا ماء كثير، وخير كثير، وإذا صخرة، فقعَدْنا عند الصَّخرة، فلما طلَعَتْ الشَّمس خرجوا من بين تلك الجبال، يخرج رجل رجلٌ مِنْ مكانه، كأَنَّ الأَرْواحَ قد انْتُزِعَتْ منهم، حتى كَثُروا، فرحبوا بهم وحَفُوا، وقالوا: أين كنتم لم نرَكُم؟ قالوا: كُنَّا في بلاد لا يذكرون الله - تعالى - فيها عبدةُ نِيران، فكُنَّا نَعْبُد الله - تعالى -، فطردونا، فقالوا: ما هذا الغلام؟ فطَفِقوا يُثنون عليَّ، وقالوا: صَحِبَنا من تلك البلاد، فلم نَرَ منه إلا خيرًا.
قال سلمان ﵁: فوالله إنَّهم لكذلك إِذْ طلع عليهم رجلٌ مِنْ كَهْفٍ، قال: فجاء حتى سلم وجلس، فحَفُّوا به، وعظمه أصحابي الذين كنتُ معهم، وأحدقوا به، فقال: أين كنتم؟ فأخبروه فقال: ما هذا الغلام معكم؟ فأَثْنَوْا عليَّ خيرًا، وأخبروه باتِّباعي إيَّاهم، ولم أَرَ مِثْلَ إِعْظامهم إيَّاه.
فحمد الله - تعالى -، وأَثْنَى عليه، ثم ذكرَ مَنْ أُرْسِلَ مِنْ رُسُلِهِ وأنبيائه، وما لَقوا، وما صُنع بهم، وذَكَر مَوْلِدَ عيسى ابن مريم ﵇، وأنَّه وُلِد بغير ذلك (١)، فبعثه الله رسولًا، وأَجْرَى على يديه إحياء الموتى، وأنَّه يَخْلُق من الطين كهيئة الطير، فيَنْفُخ فيه فيكون طيرًا بإذن الله، وأَنْزَل عليه الإنجيل، وعلمه التوراة، وبعثه رسولًا إلى بني إسرائيل، فكفر به قوم، وآمن به قوم، وذكر بعض ما لَقِي عيسى ابن مريم، وأنه كان عبدًا الله، أنعم عليه فشكر ذلك له، ورَضِي الله عنه، حتى قبضه الله - تعالى -، فهو يَعِظُهم، ويقول: اتَّقُو الله، والزموا ما جاء به عيسى، ولا تُخالفوا فيُخالف بكم.
ثم قال: من أراد أن يأخُذَ مِنْ هذا شيئًا فليأخُذ، فجعل الرَّجلُ يقوم فيأخذُ الجَرَّةَ مِنْ الماء والطَّعامَ والشَّيءَ، فقام إليه أصحابي الذين جِئْتُ معهم فسلموا عليه وعظموه، وقال لهم: الزموا هذا الدِّين، وإِيَّاكم أن تَفَرَّقوا، واستَوْصُوا بهذا الغلام خيرًا، وقال لي: يا غلام هذا دين الله الذي تسمعني
стр. 692
أقولُه، وما سواه الكفر، قال: قلتُ: ما أنا بِمُفارِقِك، قال: إنك لا تستطيع أنْ تكون معي؛ إني لا أخرُجُ مِنْ كَهْفي هذا إلا كلَّ يوم أحَدٍ، ولا تَقْدِرُ على الكينونة معي، قلت: ما أنا بِمُفارقك، قال له أصحابه: يا أبا فلان، إنَّ هذا غلام، ونخاف عليه، فقال لي: أنت أعلم، قلت: فإني لا أُفَارِقُك، فبكى أصحابي الذين كنتُ معهم عند فراقهم إيَّاي.
فقال: يا غلام، خُذْ مِنْ هذا الطعام ما تَرى أَنَّه يَكْفيك إلى الأَحَدِ الآخر، وخُذْ مِنْ الماء ما تُكْفَى به ففعلتُ، فما رأيته نائمًا ولا طاعمًا، إلا راكعًا وساجدًا، إلى الأحد الآخَرِ، فلما أصبَحْنا قال لي: خُذْ جَرَّتكَ هذه وانطلق، فخرجتُ معه أَتْبَعُه، حتى انتهينا إلى الصخرة، وإذا هم قد خرجوا من تلك الجبال ينتظرون خروجه، فقعدوا، وعاد في حديثه نحو المرة الأولى، فقال: الْزَموا هذا الدِّينَ ولا تَفرَّقوا، واذكروا الله - تعالى ـ، واعلموا أن عيسى ابن مريم ﵉ كان عَبْدًا الله أنعم عليه، ثم ذكر، فقالوا له: يا فلان، كيف وجَدْتَ هذا الغلام؟ فأَثْنَى عليَّ، وقال خيرًا، فحَمدوا الله - تعالى -، وإذا خبز كثير، وماء كثير، فأخذوا، وجعل الرَّجلُ يأخذ ما يكتفي به، وفعلتُ، فتفرقوا (١) في تلك الجبال، ورجع إلى كَهْفِه، ورجَعْتُ معه، فلَبِثْنا ما شاء الله - تعالى - يخرج في كلِّ يوم أحَدٍ ويخرجون معه، ويحفون به، ويُوصيهم بما كان يُوصيهم به.
فخرجَ في يوم أحَدٍ، فلما اجتمعوا حَمد الله - تعالى -، ووعظهم، وقال مِثْلَ ما كان يقول لهم، ثم قال لهم آخِرَ ذلك: يا هؤلاء، إنه قد كبر سنّي، ورَقَّ عَظْمي، واقترب أجلي، وإنَّه لا عَهْدَ لي بهذا البيتِ مُذْ كذا وكذا، ولا بُدَّ من إتيانه، فاستَوْصُوا بهذا الغلام خيرًا، فإنّي رأيتُه لا بأس به، قال: فجزع القوم، فما رأيتُ مِثْلَ جَزَعِهم، وقالوا: يا أبا فلان أنت كبير، وأنت وحدك، فلا نَأْمَنُ أَنْ يُصِيبَكَ الشَّيءُ ولَسْنا عندك أحوج ما كُنَّا إليك، قال: لا
стр. 693
تراجعوني، لا بد من إتيانه، ولكن استوصوا بهذا الغلام خيرًا، وافعلوا، وافْعَلُوا، قال: فقلتُ: ما أنا بِمُفارِقِك، قال: يا سلمان، قد رأيت حالي، وما كنتُ عليه، وليس هذا كذلك، أنا أَمْشِي أصومُ النَّهار وأقوم الليل، ولا أستطيع أن أحمل معي زادًا ولا غيره، وأنت لا تَقْدِر على هذا، قلت: فما أنا بِمُفارقك، قال: أنت أعلم، فقالوا: يا أبا فلان، فإنَّا نخاف على هذا الغلام، قال: فهو أعلم، قد أعلَمْتُه الحال، وقد رأى ما كان قبل هذا، قلت: لا أُفَارِقُك، قال: فبَكَوْا، وودَّعُوه، وقال لهم: اتَّقُوا الله، وكونوا على ما أَوْصَيْتُكم به، فإِنْ أَعِشْ فَلَعَلِّي أَرْجِع إليكم، وإِنْ مُتُّ فَإِنَّ الله حي لا يموت، فسلم عليهم.
وخرج وخرجت معه يمشي واتَّبعتُه، يَذْكُر الله - تعالى -، ولا يَلْتَفِتُ، ولا يَقِفُ على شيء، حتى إذا أمسينا قال: يا سلمان، صلِّ أنت ونَمْ، وكُلْ واشرب، ثم قام وهو يُصلِّي، حتى إذا انتهينا إلى بيت المقدس، وكان لا يرفَعُ طَرْفَه إلى السماء، حتى إذا انتهينا إلى باب المسجد إذا على الباب مُقْعَدٌ، فقال: يا عبد الله، قد تَرَى حالي فتصدَّقْ عليَّ بشيء، فلم يلتفت إليه، ودخل المسجد ودخلت معه، فجعل يتتبع أمكنة من المسجد يُصلِّي فيها، ثم قال: يا سلمان، إني لم أنم منذ كذا وكذا، ولم أجِدْ طَعْمَ النَّوْمِ، فَإِنْ أنت جَعَلْتَ أَنْ توقظني إذا بلغ الظُّلُّ مكانَ كذا وكذا نِمْتُ، فإِنِّي أُحِبُّ أن أنام في هذا المسجد، وإلا لم أنم، قال: قلتُ: فإني أفعل، قال: فإذا بلغ الظُّلُّ مكان كذا وكذا فأيقظني (١) إذا غلبتني عيني، فنام، فقلتُ في نفسي: هذا لم ينم منذ كذا وكذا، لأدعَنَّه ينام.
وكان فيما يمشي وأنا معه يُقْبِل عليَّ فَيَعِظُني، ويُخْبِرُني أَنَّ لي رَبًِّا، وأنَّ بين يدي جنَّةً ونارًا وحسابًا، ويُعلِّمُني ويُذَكِّرُني نحو ما كان يُذَكِّرُ القوم يوم الأحد، حتى قال فيما يقولُ: يا سلمان، إِنَّ الله ﵎ سوف يبعث رسولًا اسمه
стр. 694
أحمد، يخرج بتهامة، وكان رجُلًا أعجميًا لا يُحْسِنُ أن يقول: محمد، علامته أنه يأكل الهديَّة، ولا يأكل الصَّدقة، بين كتفيه خاتَمُ النُّبوَّة، وهذا زمانه الذي يخرج فيه قد تقارب، فأما أنا فإنّي شيخ كبير، ولا أَحْسَبُني أُدْرِكُه، فَإِنْ أنت أدركته فصَدِّقه واتَّبِعْه، قال: قلت: وإِنْ أمرني بتَرْكِ دينك وما أنت عليه؟ قال: وإِنْ أمرك؛ فإِنَّ الحَقَّ فيما يأمر به، ورِضَى الرَّحمن فيما قال.
فلم يَمْضِ إلا يسيرًا حتى استيقظ فَزِعًا يَذْكُر الله - تعالى ـ، فقال لي: يا سلمان، مضى الفَيْءُ مِنْ هذا المكان، ولم أَذْكُر الله - تعالى! أين ما كنت جعلت على نفسك؟!، قلت: أَخْبَرُ في نَفْسي أَنَّك لم تنم منذ كذا وكذا، وقد رأيتُ بعض ذلك، فأحبَبْتُ أَنْ تَسْتوفي من النوم، فحمد الله - تعالى - وقام.
فخرج فتَبِعْتُه، فمَرَّ بالمُقْعَد، فقال المُقعَد: يا عبد الله، دخلت فسألتك فلم تُعْطِني، وخرجت فسألتك فلم تُعْطِني؟! فقام ينظر: هل يرى أحدًا؟ فلم يره، فدنا منه، فقال له: ناولني يدك، فناوله، فقال: بسم الله، فقام كأنَّه نَشِط من عقال صحيحًا لا عيب به، وخلَّى عن يده، فانطلق ذاهبًا، وكان لا يلوي على أحد، ولا يقوم عليه، فقال لي المُقعَد: يا غلامُ، اِحْمِلْ عليَّ ثِيابي حتى أنطلق فأُبشِّرَ أهلي، فحملتُ عليه ثيابه، وانطلق لا يلوي عليَّ.
فخرجت في إثره أطلبه، فكلما سألتُ عنه، قالوا: أمامك، حتى لَقِيَني رَكْبٌ من كَلْبِ، فسألتهم، فلما سَمِعُوا لُغَتي أناخ رجلٌ منهم بعيره، فجعلني خلفه، حتى أتوا بي بلادهم، فباعوني، فاشترتني امرأة من الأنصار، فجعلتني في حائط لها.
وقدم رسول الله ﷺ ، فأُخْبِرْتُ به، وأخذتُ شيئًا من تمر حائطي، فجعلته على شيء، ثم أتيتُه فوجدتُ عنده ناسًا، وإذا أبو بكر ﵁ أقرب الناس إليه، فوضعته بين يديه، فقال لي: «ما هذا؟» قلت: صدقة، فقال (١) للقوم: «كُلوا»
стр. 695
ولم يأكل هو، ثم لبِثْتُ ما شاء الله، ثم أخذتُ مِثْلَ ذلك، فجعلته على شيء، ثم أتيته به فوجدت عنده ناسًا، وإذا أبو بكر ﵁ أقرب القوم منه، فوضعته بين يديه، فقال لي: ما هذا؟ قلت: هدية، فقال: «بسم الله» وأكل، وأكل القومُ، فقلتُ في نفسي: هذه من آياته - كان صاحبي رجلًا أعجميًا لم يُحْسِنُ أن يقول: تهامة، قال: تهمة، وقال: أحمد - فدُرْتَ خلفه، ففَطِن لي، فَأَرْخَى ثوبه، فإذا الخاتم في ناحية كتِفِه الأيـ الأيسر، فتبينته، ثم دُرْتُ حتى جلست بين يديه، فقلت: أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله، قال: «من أنت؟» قلت: مملوك، قال: فحدَّثْتُه حديثي وحديثَ الرَّجُلِ الذي كنت معه، وما أمرني به، قال: «لمن أنت؟» قلت: لامرأة من الأنصار، جعلتني في حائط لها، قال: «يا أبا بكر قال: لبيك، قال: «اِشْتَرِه» فاشتراني أبو بكر ﵁ فأعتقني، فلَبِثْتُ ما شاء الله أن أَلْبَثَ.
ثم أتيته، فسلَّمْتُ عليه، وقعدت بين يديه، فقلت: يا رسول الله، ما تقول في دين النصارى؟ قال: لا خير فيهم، ولا في دينهم»، فدخلني أمر عظيم، فقلتُ في نفسي: هذا الذي كنتُ معه، ورأيتُ ما رأيته، ثم رأيته أخذ بيد المقعد فأقامه الله - تعالى - على يديه، لا خير في هؤلاء، ولا في دينهم! فانصرفتُ وفي نَفْسي ما شاء الله، وأنزل الله على النَّبِيِّ ﷺ : ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ إلى آخر الآية (١).
فقال رسول الله ﷺ : «عليَّ بِسَلْمان»، فأتاني الرَّسُولُ وأنا خائف، فجئتُ حتى قعدتُ بين يديه، فقرأ: ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ
стр. 696
قسِيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ إلى آخر الآية «يا سلمان، إنَّ الذين كنت معهم وصاحبك لم يكونوا نصارى، إنما كانوا مسلمين» فقلتُ: يا رسول الله، فوالذي بعثك بالحقِّ، لهو الذي أمرني باتباعك، فقلت له: وإِنْ أمرني بتَرْكِ دينك وما أنتَ عليه، أَتْرُكه؟ قال: نعم فاتْرُكه، فإِنَّ الحقَّ وما يجِبُ فيما يأمرُكَ (١).
هذا حديث غريب، غير أنَّ الحاكم أبا عبد الله النيسابوري حكم بصحته، ولا أَعْرِفُه هكذا إلا من هذا الطريق (٢)
* * *
١٨٩ - أخبرنا أبو غالب أحمد بن العباس الكوشيدي الله في شوال سنة أربع وخمس مئة، قال: أخبرنا أبو بكر محمدُ بنُ عبدِ الله بن رِيدَه، قال: أخبرنا أبو القاسم سليمان بن أحمدَ بنِ أَيُّوبَ الطَّبَرانيُّ، قال: أخبرنا أحمدُ بنُ القاسمِ بنِ مُساور الجوهري، قال: حدثنا سعيد بن سليمان الواسطي، ح.
وأخبرنا أبو علي الحسن بن أحمد الحداد، قال: حدثنا أبو نعيم أحمدُ بنُ عبد الله، قال: حدثنا حَبِيب بن الحسن قال: حدثنا الحسن بن علي بن الوليد الفَسَوِيُّ، قال: حدثنا أحمد بن حاتم، ح.
стр. 697
وأخبرنا أبو علي أيضًا، قال: حدثنا أبو نعيم، قال: حدثنا محمدُ بنُ أحمد بن حمدان، قال: حدثنا الحسن بن سفيان، قال: قرأت على محمَّدِ بنِ حُمَيد الرازي، ح.
وأخبرنا أبو شُكْرٍ حَمْدُ بنُ عليّ الحبَّالُ، وجعفر بن عبد الواحد المحمودي -رحمهما الله- قالا: أخبرنا أبو القاسم بن أبي بكر الذكواني، قال: حدثنا عبد الله بن محمد بن جعفر، قال: حدثنا إبراهيم بن محمد بن مالك القطان، قال: حدثنا ابنُ حُمَيدٍ، ح.
وأخبرنا به نازلًا الإمام أبو الطَّيِّبِ حبيبُ بنُ محمد الفقيه، قال: أخبرنا أحمد بن الفضل بن محمَّدٍ، قال: حدثنا محمَّد بن إسحاق الحافظ، قال: حدثنا (١) أحمد بن عُبَيدِ الصَّفَّارُ بحمص، قال: حدثنا أحمد بن علي بن سعيد، قال: حدثنا أبو موسى إسحاق بن إبراهيم، ح.
وقرأته على أستاذنا الإمامِ قِوامِ السُّنَّة أبي القاسم إسماعيل بن محمَّدِ بنِ الفضل الحافظ ﵀ أخبركُم محمَّدُ بنُ أحمدَ الإمامُ، قال: أخبرنا أحمدُ بنُ موسى الحافظ، قال: حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم، قال: حدثنا إبراهيم بن محمَّدِ بنِ مالكِ القَطَّانُ، قال: حدثنا ابنُ حُمَيدٍ.
قالوا أربعتهم: حدثنا عبد الله بن عبدِ القُدُّوس الرازي - والسياق لرواية سعيد بن سليمان، وأحمد بن حاتم، والآخرون ساقوا بعض الحديث - قال: حدثنا عُبَيدُ المُكْتِبُ، قال: حدثني أبو الطفيل عامر بن واثلة، قال: حدثني سَلْمانُ الفارسي ﵄ قال: كنت رجلًا من أهل جَيٍّ، وكان أهل قريتي يعبدون الخيل البُلْقَ (٢)، فكنتُ أعرِفُ أنهم ليسوا على شيء - وفي روايةِ حَمْدٍ
стр. 698
وجعفر: وكنتُ أطلب الدِّين، ثم اتَّفَقوا - فقيل لي: إنَّ الدِّين الذي تطلب إنَّما هو بالمغرب، فجِئْتُ حتى أتيتُ المَوْصِل، فسألتُ عن أفضل رجلٍ فيها، فدُلِلْتُ على رجل في صومعة، فأتيته فقلتُ له: إنِّي رجل من أهلِ جَيٍّ، وإنِّي جئتُ أطلب العلم وأتعلم، فضُمَّني إليك أَخدُمْكَ وأَصْحبكَ، وتُعلِّمُني شيئًا مما علمك الله، قال: نعم.
فأَجْرَى عليَّ مِثْلَ ما كان يُجْرَى عليه، وكان يُجْرَى عليه (١) الخَلُّ والزَّيتُ والحبوب، فلم أزَلْ معه حتى نزل به الموتُ، فجلست عند رأسه أبكيه، فقال: ما يُبكيك؟ قلت: يُبكيني أنِّي خرجتُ من بلادي أطلب الخير، فرزقني الله ، فَصَحِبْتُك، فعلَّمْتَني، وأحسنتَ صُحْبتي، فنزل بك الموتُ، فلا أدري أين أذهب، فقال: لي أخ بالجزيرة، بمكان كذا وكذا، فهو على الحقِّ، فَانْتِه فَأَقْرِئُه مِنِّي السَّلام، وأَخْبِرْه أنِّي أوصَيْتُ إليه، وأَوْصَيْتُكَ بِصُحْبَتِه.
قال: فلما أَنْ قُبض الرَّجل، خرجتُ حتى أتيتُ الرَّجُلَ الذي وَصَف لي، فأخبرته بالخبر، وأَقْرَأْتُه السَّلَامَ مِنْ صاحبه، وأخبرته أنه هلك وأمرني بصُحبتِه، فَضَمَّني إليه، وأَجْرَى عليَّ كما كان يُجْرَى عليَّ مع الآخر (٢)، فصحبته ما شاء الله - تعالى -، ثم نزل به الموتُ، فلما أن نزل به الموتُ، جلست عند رأسه أبكي فقال: ما يبكيك؟ قلت: خرجت من بلادي أطلب الخير، فرزقني الله - تعالى - صُحْبة فلان، فأحسنَ صُحْبتي وعلَّمَني، فلما نزل به الموتُ أوصى بي إليك، فضمَمْتَني وأحسنتَ صُحْبتي وعلَّمْتَني، وقد نزل بك الموت، فلا أدري أين أتوجه قال: تأتي أخًا لي على قرب الرُّوم، فهو على (٣) الحق، فالتِه وأَقْرِئُه مِنِّي السَّلامَ واصْحَبه؛ فإنَّه على الحق.
فلما قبض الرجل، خرجتُ حتى أتيتُه، فأخبرته بخبري وبوصيَّةِ الآخَرِ
стр. 699
قبله قال: فضَمَّني إليه، وأَجْرَى عليَّ كما كان يُجْرَى عليَّ، فلما نزل به الموتُ جلستُ أبكي عند رأسه فقال: ما يُبْكِيك؟ فقصَصْتُ قِصَّتي، قلت له: إِنَّ الله رزقني صُحْبتك، فأحسنتَ صُحْبَتي، وقد نزل بك الموتُ، ولا أدري أين أتوجه، قال: لا، أينَ ما بَقِي أحدٌ أعلَمُه على دين عيسى ﵇ في الأرض، ولكن هذا أوان يخرج فيه نبي، أو قد خرج بتهامة، فأنتَ على الطريق لا يَمُرُّ بك أحد إلا سألته عنه، فإذا بلغك أنه قد خرج فإنَّه النَّبيُّ الذي بشر به عيسى ﵇ وآية ذلك: أنَّ بين كتِفَيْه خاتَمَ النُّبوَّة، وأنه يأكل الهدية، ولا يأكل الصدقة.
قال: فكان لا يَمُرُّ بي أحدٌ إلا سألته عنه، فمرَّ بي ناس من أهل مكة، فسألتهم، فقالوا: نعم، قد ظهر فينا رجلٌ يزعم أنه نبي، فقلت لبعضهم: هل لكم إلى أن (١) أكون عبدًا لبعضِكُم، على أَنْ تَحْمِلوني عُقْبةً، وتُطْعِموني من الكسر، فإذا بلغتم (٢) إلى بلادكم، فإن شاء أن يبيع، باع، وإن شاء أن يَسْتَعْبِدَ - يعني: أُسْتَعْبَد -، فقال رجل منهم: أنا، فصِرْتُ عبدًا له، حتى قدم بي مكَّةَ، فجعلني في بستان له مع حبشان كانوا فيه، فخرجتُ وسألتُ، فَلَقِيتُ امرأةً من أهل بلادي، فسألتها، فإذا أهل بيتها قد أسلموا، وقالت لي: إنَّ النَّبِيَّ ﷺ يجلس في الحجر هو وأصحابه إذا صاحَ عُصْفُورُ مكَّةَ، حتى إذا أضاء لهم الفجر تفرقوا.
فانطلقت إلى البستان، فكنتُ أَخْتَلِفُ ليلتي، فقال لي الحبشان: مالك؟ فقلت: أَشْتَكي بطني، قال: وإنما صنعت ذلك لئلا يفقدوني إذا ذهبت إلى النبي ﷺ ، قال: فلما كانت السَّاعةُ التي أخبرتني المرأة التي يجلس فيها هو وأصحابه، خرجتُ أمشي حتى رأيتُ النَّبِيَّ ﷺ ، فإذا هو مُحْتَبٍ، وإذا أصحابه حوله، فأتيته من ورائه، فعرف نبي الله ﷺ الذي أريد، فأرسل حَبْوته، فنظرت إلى خاتم النبوة بين كتفيه (٣)، فقلت: الله أكبر، هذه واحدة، ثم انصرفت.
стр. 700
فلما أَنْ كانت الليلةُ المُقْبِلةُ لقَطْتُ تمرًا جيّدًا ثم انطلقت حتى أتيتُ به النبيَّ ﷺ ، فوضعته بين يديه - زاد في رواية ابن حاتم: فقال: «ما هذا؟» قلت: صدقة، فقال لأصحابه: «كُلوا» ولم يَمُدَّ يدَه، فقلت في نفسي: الله أكبر، هذه ثنتان.
فلما كانت الليلة الثالثة جمعت شيئًا من تمر، ثم جئتُ في الساعة التي يجلس فيها، فوضعته بين يديه - وفي رواية حبيب وجعفر: وحملت معي تمرًا رديئًا، رجعنا إلى رواية سعيد بن سليمان - فقال: «ما هذا؟» قلت: هدية، فأكل منها، وقال للقوم: «كُلوا»، قال: قلت: أشهد أن لا إله إلا الله، وأنَّك رسول الله.
فسألني عن أمري، فأخبرته، قال: «اذهب فاشتَرِ نفسك»، فانطلقتُ إلى صاحبي، فقلت: بعني نَفْسي، قال: نعم، على أَنْ تُنْبِتَ لي مئة نخلة، فإذا نبَتَتْ جِئْتَني بوَزْنِ نَواةٍ مِنْ ذهب.
فأتيت رسول الله ﷺ ، فأخبرته، فقال لي رسول الله ﷺ : «اشْتَرِ نفسك بالذي سألك، والتِني بدَلْوًا من ماء البئر الذي كنتَ تَسْقي منها (١) ذلك النَّخْلَ» (٢)، فقال: فدعا لي رسول الله ﷺ فيها، ثم سقَيْتُها، فوالله لقد غرست مئة نخلة، فما غادَرَتْ منها نخلة إلا نبتَتْ، فأتيتُ رسول الله ﷺ فأخبرته أنَّ النخل قد نبَتْنَ، فأعطاني قطعة من ذهب، فانطلقتُ بها فوضَعْتُها في كِفَّة الميزان، ووضَعَ في الجانب الآخَرِ نَواةٌ، قال: فوالله ما استقلَّتْ القطعةُ الذَّهَبُ من الأرض، قال: وجِئتُ رسول الله ﷺ فأخبرته فأعتقني.
زاد ابن حاتم في روايته: قال: فقال - يعني النَّبِيَّ ﷺ -: «لو كُنْتَ شرطت له وَزْنَ كذا وكذا لرجَحَتْ تلك القطعة عليه» (٣)
стр. 701
هذا الحديث من هذا الوجه تفرد به عبد الله بن عبد القُدُّوس بهذا السياق، وهو يتكلم (١) فيه، وقد تابعه سفيان وشَرِيكَ على بعض الحديث.
وعن أبي الطفيل رواية أخرى تُخالِفُ هذه الرواية في بعض الألفاظ (٢).
وقد حكم الحاكم أبو عبد الله النَّيْسابوري بصحة حديث أبي الطفيل، عن سلمان في إسلامه، فلا أدري أراد به هذا الطريق، أو الطريق الآخر؟ (٣).
وهذا الذي أمليناه لفظ رواية سعيد (٤) إلا ما بينته.
* * *
стр. 702
١٩٠ - أخبرنا أبو علي الحداد ﵀ غير مرَّةٍ، قال: حدثنا أبو نُعَيمٍ الحافظ في غير كتاب، ح.
وأخبرنا أبو غالب الكوشيذي ﵀، قال: أخبرنا أبو بكر بن رِيدَه.
قالا: حدثنا سُلَيمانُ بنَ أحمد أبو القاسم الطبراني، قال: حدثنا أبو حبيب يحيى بن نافع المصري، ح.
وأخبرنا به نازلًا حبيب بن محمَّدٍ الفقيه، قال: أخبرنا أحمد بن الفضل بن محمد، قال: حدثنا محمَّدُ بنُ إسحاق الحافظ، قال: أخبرنا محمد بن أحمد بن كامل المصري، قال: حدثنا يحيى بن نافع أبو حبيب، ح.
وأخبرنا أستاذنا الإمامُ قِوام السُّنَّةِ أبو القاسم إسماعيل بن محمد الحافظ ﵀ قرَأْتُه عليه، قال: أخبرنا محمَّدُ بنُ أحمدَ الفقيه، قال: أخبرنا أحمد بن موسى قال: حدثنا عبد الرحمن بن الحسن بن أحمد الأسَدِيُّ، قال: حدثنا إبراهيم بنُ الحُسين بن علي الكسائي.
قالا: حدثنا سعيد بن أبي مريم، قال: حدثنا ابن لهيعة، قال: حدثني يزيد بن أبي حبيب قال: حدَّثني السَّلْمُ بنُ الصَّلْتِ العَبْدِيُّ، عن أبي الطفيل البكري ﵁ أَنَّ سَلْمَانَ الخير ﵁ حدثه، قال: كنتُ رجلًا من أهل جي مدينة أصبهان، فبينا أنا إِذْ أَلْقَى الله ﵎ في قلبي: مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ والأرض؟
فانطلقت إلى رجلٍ لم يكُنْ يُكلِّمُ النَّاس - وفي رواية غير الطبراني: لم يكن يَظْلِمُ النَّاس (١) - يتحرَّج، فسألته: أيُّ الدِّينِ أفضل؟ قال: ما لَكَ ولهذا الحديث، أتريد دينًا غير دين أبيك؟! قلتُ: لا، ولكنّي أُحِبُّ أَنْ أعلمَ مَنْ رَبُّ السَّماواتِ والأرض؟ وأي دين أفضل؟ قال: ما أعلم أحدًا على هذا غير راهب بالموصل.
стр. 703
قال: فذهبت إليه، فكنتُ عنده، فإذا هو قد أُقْتِر عليه في الدُّنيا، فكان يصوم النهار، ويقوم الليل، فكنتُ أعبد كَعِبادته، فلبِثْتُ عنده ثلاث سنين، ثم تُوفِّي، فقلتُ: إلى مَنْ تُوصِي بي؟ فقال: ما أعلَمُ أحدًا من أهل المشرق على ما أنا عليه، فعليك براهب وراء الجزيرة، فأَقْرِتُه مِنِّي السَّلام.
قال: فجِئْتُه، وأقرَأْتُه منه السَّلام، وأخبرته أنه قد تُوفّي، فمكَثْتُ عنده أيضًا ثلاث سنين، ثم تُوفّي فقلتُ: إلى من تأمرني أن أذهب؟ قال: ما أعلم أحدًا من أهل الأرض على ما أنا عليه غير راهب بعمورية شيخ كبير، وما أرى تلحقه أم لا؟ فذهبت إليه، فكنتُ عنده، فإذا رجلٌ مُوَسَّع عليه، فلما حضرته الوفاة قلت له: أين تأمرني أن أذهب؟ قال: ما أعلم أحدًا من أهل الأرض على ما أنا عليه، ولكن إن (١) أدركت زمانًا تسمعُ برجل يخرج من بيت إبراهيم ﵇، وما أُراكَ تُدْرِكُه، وقد كنتُ أرجو أن أُدْرِكَه (٢)، فإن استطعت أن تكون معه فافعل؛ فإنه الدِّين، وأمارة ذلك: أنَّ قومَه يقولون: ساحر، مجنون، كاهن، وأنه يأكل الهدية، ولا يأكل الصَّدقة، وأنَّ عند غُرْضوف (٣) كتفه خاتَمَ النُّبُوَّةِ.
قال: فبينا أنا كذلك، حتى أَتَتْ عِيرٌ مِنْ نَحْوِ المدينة، فقلت: من أنتم؟ فقالوا: نحن من أهل المدينة، ونحن قوم تجار نعيش بتجارتنا، ولكنه قد خرج رجلٌ مِنْ أهل بيت إبراهيم، فقَدِم علينا، وقومه يقاتلونه، وقد خَشِينا أن يَحُولَ بيننا وبين تجارتنا، ولكنه قد ملك المدينة، قال: فقلتُ: ما يقولون فيه؟ قال: يقولون: ساحر، مجنون كاهن، فقلت: هذه الأمارة، دُلُّوني على صاحبكم، فجِئْتُه، فقلت: تَحْمِلُني إلى المدينة؟ فقال: ما تُعطيني؟ فقلتُ: ما أَجِدُ شيئًا أُعطيك غير أنِّي لك عبد، فحملني.
стр. 704
فلما قدِمْتُ جعلني في نَخْلِه، فكنتُ أَسْتَقي كما يَسْتَقي البعير حتى دبر ظهري وصَدْري من ذلك، ولا أجد أحدًا يَفْقَهُ كلامي، حتى جاءت عجوز فارسية (١) تَسْتَقي، فكلَّمْتُها، ففَهِمَتْ كلامي، فقلتُ لها: أين هذا الرَّجُل الذي خرج؟ دليني عليه، قالت: سَيَمُرُّ عليك بكرةً إذا صلَّى الصُّبْحَ مِنْ أَوَّل النَّهار.
فخرجتُ، فجمعت تمرًا، فلما أصبحتُ جِئْتُ، ثم قرَّبْتُ إليه التَّمْرَ، فقال: «ما هذا، أصدقةٌ أم هديَّةٌ؟ فأشَرْتُ أنَّه صدقة، فقال: «انْطَلِقْ إلى هؤلاء» وأصحابه عنده، فأكَلُوا، ولم يأكُل، فقلتُ: هذه الأمارة.
فلما كان من الغد، جئتُ بتمر، فقال: ما هذا؟» فقلت: هذه هديَّةٌ، فأكل، ودعا أصحابه، فأكَلُوا.
ثم رآني أتعرَّض لأنظُرَ إلى الخاتم، فعرَفَ، فَأَلْقَى رِداءَه، فأخذتُ أُقبِّلُه والتزمه، فقال: «ما شأنك؟» فسألني، فأخبَرْتُه خبَرِي، فقال: «اشترطت لهم أنك عبد، فاشتر نفسك منهم».
فاشتراه النبي ﷺ على أَنْ يُحْيِيَ (٢) له ثلاث مئة نخلة، وأربعين أُوقِيَّةِ ذهب، ثم هو حُرّ، قال النَّبِيُّ ﷺ : «اِغْرِس» فغرس، ثم قال: «انْطَلِقْ فَأَلْقِ الدَّلْوَ على البئر، ثم لا ترفعه حتى يرتَفِعَ، فإنه إذا امتلأ ارتفع، ثم رُش في أصولها» ففعل، فنبَتَتْ النَّخْلُ أسرعَ النَّبات، فقالوا: سبحان الله ما رأينا مثل هذا العبد إنَّ لهذا العبد لَشَأْنًا، فاجتمع عليه النَّاس، فأعطاه النبي ﷺ تبرًا، فإذا فيه أربعون أُوقِيَّة (٣).
стр. 705
قال الإمام - حرسه الله -: قد ذكرنا هذا الحديث من رواية عبد الله بن عبد القدوس، عن عُبَيدِ المُكْتِب، عن أبي الطُّفَيل، عن سلمان (١)، وأن سفيان الثوري وشَرِيكًا رَوَيا بعضَه عن عُبَيدٍ، عن أبي الطُّفيل.
ورواه أبو أحمد الزبيري، عن سفيان، عن العلاء، عن عامر - وهو أبو الطفيل ..
ورواه المبارك بن سعيد أخو سفيان، عن أبيه، عن عُبَيدٍ المُكْتِب، عن أبي البختري، عن سلمان.
وفي جميع هذه الروايات قال: كنتُ رجلًا من أهل جيّ.
ورواه الفِرْيابي وغيره عن سفيان، عن عوف، عن أبي عثمان، عن سلمان قال: كنتُ مِنْ أهلِ رامَهُرْمُزَ (٢).
والمرأة الفارسية التي لَقِيها سَلْمانُ: سمَّاها أبو عبد الله بنُ مَنْدَه: أَمَةَ الله (٣)، وفي رواية قال: فرأيتُ امرأةً تَغْزِلُ غَزْلًا قد أسلمت، أصلها من أصبهان.
وهذا الطريق الذي أمليناه عالٍ، كأنّي سَمِعْتُه مِنْ أصحاب أبي عبد الله، وأبي بكر بن مَرْدُويَها رحمهما الله.
* * *
١٩١ - أخبرنا أبو غالب أحمد بن العباس بن محمد الكوشيذي، قال: