← Книги сунны

Книги сунны · id 30195

الطوالات - لأبي موسى المديني

أبو موسى المديني

Полный текст (962 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

هذا الحديث من هذا الوجه تفرد به عبد الله بن عبد القُدُّوس بهذا السياق، وهو يتكلم (١) فيه، وقد تابعه سفيان وشَرِيكَ على بعض الحديث. وعن أبي الطفيل رواية أخرى تُخالِفُ هذه الرواية في بعض الألفاظ (٢). وقد حكم الحاكم أبو عبد الله النَّيْسابوري بصحة حديث أبي الطفيل، عن سلمان في إسلامه، فلا أدري أراد به هذا الطريق، أو الطريق الآخر؟ (٣). وهذا الذي أمليناه لفظ رواية سعيد (٤) إلا ما بينته. * * *

стр. 702

١٩٠ - أخبرنا أبو علي الحداد ﵀ غير مرَّةٍ، قال: حدثنا أبو نُعَيمٍ الحافظ في غير كتاب، ح. وأخبرنا أبو غالب الكوشيذي ﵀، قال: أخبرنا أبو بكر بن رِيدَه. قالا: حدثنا سُلَيمانُ بنَ أحمد أبو القاسم الطبراني، قال: حدثنا أبو حبيب يحيى بن نافع المصري، ح. وأخبرنا به نازلًا حبيب بن محمَّدٍ الفقيه، قال: أخبرنا أحمد بن الفضل بن محمد، قال: حدثنا محمَّدُ بنُ إسحاق الحافظ، قال: أخبرنا محمد بن أحمد بن كامل المصري، قال: حدثنا يحيى بن نافع أبو حبيب، ح. وأخبرنا أستاذنا الإمامُ قِوام السُّنَّةِ أبو القاسم إسماعيل بن محمد الحافظ ﵀ قرَأْتُه عليه، قال: أخبرنا محمَّدُ بنُ أحمدَ الفقيه، قال: أخبرنا أحمد بن موسى قال: حدثنا عبد الرحمن بن الحسن بن أحمد الأسَدِيُّ، قال: حدثنا إبراهيم بنُ الحُسين بن علي الكسائي. قالا: حدثنا سعيد بن أبي مريم، قال: حدثنا ابن لهيعة، قال: حدثني يزيد بن أبي حبيب قال: حدَّثني السَّلْمُ بنُ الصَّلْتِ العَبْدِيُّ، عن أبي الطفيل البكري ﵁ أَنَّ سَلْمَانَ الخير ﵁ حدثه، قال: كنتُ رجلًا من أهل جي مدينة أصبهان، فبينا أنا إِذْ أَلْقَى الله ﵎ في قلبي: مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ والأرض؟ فانطلقت إلى رجلٍ لم يكُنْ يُكلِّمُ النَّاس - وفي رواية غير الطبراني: لم يكن يَظْلِمُ النَّاس (١) - يتحرَّج، فسألته: أيُّ الدِّينِ أفضل؟ قال: ما لَكَ ولهذا الحديث، أتريد دينًا غير دين أبيك؟! قلتُ: لا، ولكنّي أُحِبُّ أَنْ أعلمَ مَنْ رَبُّ السَّماواتِ والأرض؟ وأي دين أفضل؟ قال: ما أعلم أحدًا على هذا غير راهب بالموصل.

стр. 703

قال: فذهبت إليه، فكنتُ عنده، فإذا هو قد أُقْتِر عليه في الدُّنيا، فكان يصوم النهار، ويقوم الليل، فكنتُ أعبد كَعِبادته، فلبِثْتُ عنده ثلاث سنين، ثم تُوفِّي، فقلتُ: إلى مَنْ تُوصِي بي؟ فقال: ما أعلَمُ أحدًا من أهل المشرق على ما أنا عليه، فعليك براهب وراء الجزيرة، فأَقْرِتُه مِنِّي السَّلام. قال: فجِئْتُه، وأقرَأْتُه منه السَّلام، وأخبرته أنه قد تُوفّي، فمكَثْتُ عنده أيضًا ثلاث سنين، ثم تُوفّي فقلتُ: إلى من تأمرني أن أذهب؟ قال: ما أعلم أحدًا من أهل الأرض على ما أنا عليه غير راهب بعمورية شيخ كبير، وما أرى تلحقه أم لا؟ فذهبت إليه، فكنتُ عنده، فإذا رجلٌ مُوَسَّع عليه، فلما حضرته الوفاة قلت له: أين تأمرني أن أذهب؟ قال: ما أعلم أحدًا من أهل الأرض على ما أنا عليه، ولكن إن (١) أدركت زمانًا تسمعُ برجل يخرج من بيت إبراهيم ﵇، وما أُراكَ تُدْرِكُه، وقد كنتُ أرجو أن أُدْرِكَه (٢)، فإن استطعت أن تكون معه فافعل؛ فإنه الدِّين، وأمارة ذلك: أنَّ قومَه يقولون: ساحر، مجنون، كاهن، وأنه يأكل الهدية، ولا يأكل الصَّدقة، وأنَّ عند غُرْضوف (٣) كتفه خاتَمَ النُّبُوَّةِ. قال: فبينا أنا كذلك، حتى أَتَتْ عِيرٌ مِنْ نَحْوِ المدينة، فقلت: من أنتم؟ فقالوا: نحن من أهل المدينة، ونحن قوم تجار نعيش بتجارتنا، ولكنه قد خرج رجلٌ مِنْ أهل بيت إبراهيم، فقَدِم علينا، وقومه يقاتلونه، وقد خَشِينا أن يَحُولَ بيننا وبين تجارتنا، ولكنه قد ملك المدينة، قال: فقلتُ: ما يقولون فيه؟ قال: يقولون: ساحر، مجنون كاهن، فقلت: هذه الأمارة، دُلُّوني على صاحبكم، فجِئْتُه، فقلت: تَحْمِلُني إلى المدينة؟ فقال: ما تُعطيني؟ فقلتُ: ما أَجِدُ شيئًا أُعطيك غير أنِّي لك عبد، فحملني.

стр. 704

فلما قدِمْتُ جعلني في نَخْلِه، فكنتُ أَسْتَقي كما يَسْتَقي البعير حتى دبر ظهري وصَدْري من ذلك، ولا أجد أحدًا يَفْقَهُ كلامي، حتى جاءت عجوز فارسية (١) تَسْتَقي، فكلَّمْتُها، ففَهِمَتْ كلامي، فقلتُ لها: أين هذا الرَّجُل الذي خرج؟ دليني عليه، قالت: سَيَمُرُّ عليك بكرةً إذا صلَّى الصُّبْحَ مِنْ أَوَّل النَّهار. فخرجتُ، فجمعت تمرًا، فلما أصبحتُ جِئْتُ، ثم قرَّبْتُ إليه التَّمْرَ، فقال: «ما هذا، أصدقةٌ أم هديَّةٌ؟ فأشَرْتُ أنَّه صدقة، فقال: «انْطَلِقْ إلى هؤلاء» وأصحابه عنده، فأكَلُوا، ولم يأكُل، فقلتُ: هذه الأمارة. فلما كان من الغد، جئتُ بتمر، فقال: ما هذا؟» فقلت: هذه هديَّةٌ، فأكل، ودعا أصحابه، فأكَلُوا. ثم رآني أتعرَّض لأنظُرَ إلى الخاتم، فعرَفَ، فَأَلْقَى رِداءَه، فأخذتُ أُقبِّلُه والتزمه، فقال: «ما شأنك؟» فسألني، فأخبَرْتُه خبَرِي، فقال: «اشترطت لهم أنك عبد، فاشتر نفسك منهم». فاشتراه النبي ﷺ على أَنْ يُحْيِيَ (٢) له ثلاث مئة نخلة، وأربعين أُوقِيَّةِ ذهب، ثم هو حُرّ، قال النَّبِيُّ ﷺ : «اِغْرِس» فغرس، ثم قال: «انْطَلِقْ فَأَلْقِ الدَّلْوَ على البئر، ثم لا ترفعه حتى يرتَفِعَ، فإنه إذا امتلأ ارتفع، ثم رُش في أصولها» ففعل، فنبَتَتْ النَّخْلُ أسرعَ النَّبات، فقالوا: سبحان الله ما رأينا مثل هذا العبد إنَّ لهذا العبد لَشَأْنًا، فاجتمع عليه النَّاس، فأعطاه النبي ﷺ تبرًا، فإذا فيه أربعون أُوقِيَّة (٣).

стр. 705

قال الإمام - حرسه الله -: قد ذكرنا هذا الحديث من رواية عبد الله بن عبد القدوس، عن عُبَيدِ المُكْتِب، عن أبي الطُّفَيل، عن سلمان (١)، وأن سفيان الثوري وشَرِيكًا رَوَيا بعضَه عن عُبَيدٍ، عن أبي الطُّفيل. ورواه أبو أحمد الزبيري، عن سفيان، عن العلاء، عن عامر - وهو أبو الطفيل .. ورواه المبارك بن سعيد أخو سفيان، عن أبيه، عن عُبَيدٍ المُكْتِب، عن أبي البختري، عن سلمان. وفي جميع هذه الروايات قال: كنتُ رجلًا من أهل جيّ. ورواه الفِرْيابي وغيره عن سفيان، عن عوف، عن أبي عثمان، عن سلمان قال: كنتُ مِنْ أهلِ رامَهُرْمُزَ (٢). والمرأة الفارسية التي لَقِيها سَلْمانُ: سمَّاها أبو عبد الله بنُ مَنْدَه: أَمَةَ الله (٣)، وفي رواية قال: فرأيتُ امرأةً تَغْزِلُ غَزْلًا قد أسلمت، أصلها من أصبهان. وهذا الطريق الذي أمليناه عالٍ، كأنّي سَمِعْتُه مِنْ أصحاب أبي عبد الله، وأبي بكر بن مَرْدُويَها رحمهما الله. * * * ١٩١ - أخبرنا أبو غالب أحمد بن العباس بن محمد الكوشيذي، قال:

стр. 706

أخبرنا أبو بكر محمَّدُ بنُ عبد الله الضَّبِّيُّ التَّانيُّ، قال: أخبرنا أبو القاسم سليمانُ بنُ أحمدَ الطَّبَرانيُّ، قال: حدثنا أحمد بن داود المكي، قال: حدثنا قيس (١) بن حفص الدارمِيُّ، قال: حدثنا مسلمة بن علقمة المازني، قال: حدثنا داود بن أبي هند عن سماك بن حرب، عن سلامة العِجْلي قال: جاء ابن أخت لي من البادية، يقال له: قدامة، فقال لي ابنُ أختي: أُحِبُّ أَنْ أَلْقَى سلمان الفارسي ﵁ فأُسَلِّم عليه. فخرجنا إليه، فوجَدْناه بالمدائن، وهو يومئذ على عشرين ألفًا، ووجدناه على سرير يَسُفُ خُوصًا، فسلَّمنا عليه، قلتُ: يا أبا عبد الله، هذا ابن أخت لي قدم عليَّ من البادية، فأَحَبَّ أَنْ يُسَلِّمَ عليك، قال: و ﵇ ورحمة الله، قلتُ: يَزْعُم أَنَّه يُحِبُّك، قال: أَحبَّه الله، قال: فتُحدِّثنا؟ وقُلْنا له: يا أبا عبد الله، ألا تُحدّثنا عن أَصْلِك، ومِمَّنْ أنت؟ قال: أمَّا أَصْلي ومِمَّنْ أنا، فأنا مِنْ أهل رامَهُرْمُزَ، كُنَّا قومًا مجوسًا، فأتانا رجل نصراني من أهل الجزيرة، كانت أمه مِنَّا، فنزل فينا، واتَّخذ فينا ديرًا، وكنتُ في كُتّاب الفارسية، فكان لا يزال غلام معي في الكتاب يجيء مضروبًا يبكي قد ضربه أبواه، فقلتُ له يومًا: ما يُبكيك؟ قال: يَضْرِبُني أبواي، قلت: ولِمَ يَضْرِبانك؟ قال: آتي هذا الدَّيْرَ، فإذا عَلِما ذاك ضرباني، وأنتَ لو أتيته سمِعْتَ منه حديثًا عجبًا، قلت: فاذهب بي معك. فأَتَيْناه، فحدَّثنا عن بَدْءِ الخَلْق، وعن بَدْء خَلْقِ السَّماء والأرض، وعن الجنَّةِ والنَّار، قال: فحدثنا بأحاديثَ عجَبٍ، فكنتُ أختلِفُ إليه معه، ففَطِن لنا علمان من الكتاب، فجعلوا يجيئون معنا. فلما رأى ذلك أهل القرية أتوه، فقالوا له: يا هناه، إِنَّكَ قد جاوَرْتَنا فلم تَرَ مِنْ جوارنا إلا الحسَنَ، وإِنَّا نَرى غلمانَنا يختلفون إليك، ونحن نخاف أَنْ تُفْسِدَهم علينا، اُخْرُج عنَّا، قال: نعم، فقال لذلك الغلام الذي كان يأتيه:

стр. 707

أخْرُجْ معي، قال: لا أستطيع ذاك، قد عَلِمْتَ شِدَّةَ أبوي عليَّ، قلت: لكني أنا أخرُج معك، وكنتُ يتيمًا لا أب لي، فخرجت معه، فأَخَذْنا جبل رامَهُرْمُزَ، فجَعَلْنا نمشي ونتَوكَّلُ ونأكل من ثمر الشجر، حتى قدمنا الجزيرة، فقَدِمْنا نَصِيبينَ، فقال لي صاحبي يا سلمان، إنَّ هاهنا قومًا هم (١) عُبَّاد أهل الأرض، وأنا أُحِبُّ أَنْ أَلْقاهم. قال: فجئنا إليهم يوم الأحد وقد اجتمعوا، فسلَّم عليهم صاحبي، فحيوه وبَشُوا به (٢)، وقالوا: أين كانت غَيْبتُك؟ قال: كنتُ في إخوان لي مِنْ قِبَل فارس، فتَحدَّثنا ما تحدَّثنا (٣)، ثم قال لي صاحبي: قُمْ يا سلمان انطلق قلت: لا، دعني مع هؤلاء، قال: إنَّك لا تُطِيق ما يُطيق هؤلاء، هؤلاء يصومون الأحد إلى الأحد، ولا ينامون هذا الليل، وإذا فيهم رجل من أبناء الملوك، ترك (٤) المُلْك ودخل في العِبادة، فكنتُ فيهم حتى أمسينا، فجعلوا يذهبون واحدًا واحدًا إلى غارِه الذي يكون فيه، فلما أمسينا قال ذاك الرَّجلُ الذي من أبناء الملوك هذا الغلامُ فلا تُضيِّعُوه، لِيَأْخُذه رجلٌ منكم، فقالوا: خُذْه أنت، فقال لي: هلم يا سلمان، فذهب بي حتى أتى غاره الذي يكون فيه، فقال لي: يا سلمان، هذا خبز، وهذا أُدم، فكُلْ إِذا غَرِثْتَ (٥)، وصُمْ إذا نَشِطْتَ، وصَلِّ ما بدا لك، ونَمْ إذا كَسِلْتَ، ثم قام في صلاته، فلم يُكلِّمني إلا ذاك، ولم ينظر إليَّ، فأخذني الغَمُّ تلك السَّبْعَةَ الأيام، لا يُكَلِّمُني أَحَدٌ حتى كان الأحَدُ، فانصرف إليَّ (٦)، فذهبنا إلى مكانهم الذي كانوا يجتمعون، قال: وهم يجتمعون كلَّ أحَدِ، يُفْطِرون فيه، فيَلْقَى بعضُهم بعضًا، ويُسَلِّم بعضُهم على بعض، لا يَلْتَقون إلى مِثْله، قال: فرجَعْنا إلى منزلنا، فقال لي مِثْلَ ما قال

стр. 708

لي أَوَّلَ مرَّة: هذا خُبْزٌ، وهذا أُدْمٌ، فكُلِّ منه إذا غَرِثْتَ، وصُمْ إِذا نَشِطْتَ، وصل ما بدا لك، ونَمْ إذا كسلت، ثم دخل في صلاته، فلم يلتفت إليَّ ولم يُكلِّمني إلى الأحد، فأخذني (١) غَمٌ، وحدَّثْتُ نفسي بالفرار، فقلت: أَصْبِرُ أحَدَيْن أو ثلاثةً. فلما كان يوم الأحدِ رَجَعْنا إليهم، وأفطروا واجتمعوا، فقال لهم: إني أريد الخروج إلى بيت المقدس، فقالوا له: وما تريد إلى ذلك؟ قال: لا عهد لي به، فقالوا: إنا نَخَافُ أَنْ يَحْدُثَ بكَ حِدَثٌ فَيَلِيَكَ غيرُنا، وكُنَّا نُحِبُّ أن نليك، قال: لا عَهْدَ لي به (٢)، فلما سمِعْتُه يذكر ذاك فَرِحْتُ، قلت (٣): نُسافر ونَلْقَى النَّاسَ، فيذهب عنِّي الغَم الذي كنتُ أجِدُ. فخرجنا أنا وهو، وكان يصوم من الأحد إلى الأحد، ويُصلّي الليل كُلَّه، ويمشي بالنهار، فإذا نزلنا قام يُصلِّي، فلم يزَلْ ذاك دابه حتى انتهينا إلى بيت المقدس، وعلى الباب رجُلٌ مُقْعَدٌ يَسأل الناس، فقال: أعطني، فقال: ما معي شيء، فدخلنا بيت المقدس، فلما رآه (٤) أهل بيت المقدس بَشُوا به واستبشروا به، فقال لهم: غلامي هذا، فاستَوْصُوا به، فانطلقوا بي (٥) فأطعموني خُبزًا ولحمًا. ودخل في الصلاة، فلم يَنْصَرِف إِليَّ حتى كان يوم الأحد الآخر، ثم انصرف فقال لي: يا سلمان، إني أُرِيد أَنْ أضَعَ رأسي، فإذا بلغ الظُّلُّ مكان كذا وكذا فأيقظني، فوضع رأسَه فنام، فبلغ الظُّلُّ الذي قاله، فلم أُوقِظه مَأْواةً له (٦) مما دأب من اجتهاده ونصبه، فاستيقظ مذعورًا، فقال لي: يا سلمان، ألم أكُنْ قلتُ لك: إذا بلغ الظُّلُّ مكانَ كذا وكذا فأَيْقِظُني؟! قلتُ: بلى، ولكن إنَّما

стр. 709

مَنَعَنِي مَأْواةٌ لكَ من دَابِّكَ، قال: ويحك يا سلمان، إِنِّي أكره أن يَفُوتَنِي شيء من الدهر لم أَعْمَلْ الله فيه خيرًا. ثم قال لي: يا سلمان، اِعْلَمْ أنَّ أفضل دين اليوم النصرانية، قلت: ويكون بعد اليوم دين أفضل من النصرانية - كلمةً أُلْقِيَتْ على لساني؟ قال: نعم، يُوشِك أن يُبْعَثَ نبي يأكل الهديَّةَ، ولا يأكل الصَّدقة، وبين كتفيه خاتَمُ النُّبوَّة، فإذا أدْرَكْتَه فاتَّبِعْه وصَدِّقه، قلت: وإِنْ أمرَني أَنْ أَدَعَ النَّصْرانية؟ قال: نعم؛ فإنَّه نبي لا يأمر إلا بحقِّ، ولا يقول إلا حقًا، والله لو أدركتُه ثم أمرني أَنْ أَقعَ في النَّار، لوقَعْتُ فيها. ثم خرجنا من بيت المقدس، فمرَرْنا على ذلك المُقْعَد، فقال له: دخلت فلم تُعْطِني، وهذا (١) تخرج فأَعْطِني، فالتفتَ فلم يَرَ حوله أحدًا، قال: فأَعْطِني يدك، فأخذ بيده، فقال: قُم بإذن الله - تعالى -، فقام صحيحًا سَوِيًّا، فتوجه نَحْوَ أهله، فَأَتْبَعْتُه بصري تَعجُبًا مما رأيتُ. وخرج صاحبي فأسرعَ المَشْيَ وتَبِعْتُه، فتَلقَانِي رُفْقَةٌ مِنْ كَلْبٍ أعراب، فسبوني، فحملوني على بعير، وشَدُّوني وثاقًا، فتداوَلَني البياع حتى سقطت إلى المدينة، واشتراني رجل من الأنصار، فجعلني في حائط من نخل، فكنتُ فيه. قال: ومِن ثَمَّ تَعلَّمْتُ عمل الخوص، أشتري خُوصًا بدرهم فَأَعْمَلُه فَأَبيعُه بدرهمين، فأرُدُّ درهمًا إلى الخوص، وأسْتَنفِقُ درهمًا، أُحِبُّ أَنْ أَكُلَ مِنْ عَمَلِ يدي - وهو يومئذ أمير على عشرين ألفًا -. فبلغنا ونحن بالمدينة أنَّ رجُلًا قد خرج بمكَّةَ يَزْعُم أَنَّ الله أرسله، فمكثنا ما شاء الله أن نَمْكُث، فهاجر إلينا، وقَدِم علينا، فقلت: والله لأجرِّبَنَّه، فذهبت إلى السُّوق (٢)، فاشتريت لحمَ جَزُورٍ بدرهم، ثم طبخته، فجعلتُ قَصْعة من تريد فاحتمَلْتُها حتى أتيتُه بها على عاتقي، حتى وضعتها بين يديه، فقال:

стр. 710

«ما هذه، أصدقةٌ أم هديَّةٌ؟» قلت: بل صدقة، فقال لأصحابه: «كلوا، بسم الله» وأمسك ولم يأكُل، فمكَثْتُ أيامًا، ثم اشتريت لحمًا أيضًا (١) بدرهم جَزُورًا، فأَصْنَعُ مِثْلَها، فاحتمَلْتُها حتى أتيتُه بها، فوضعتها بين يديه، فقال: «ما هذه، هدية أم صدقة؟» قلتُ: لا، بل هديَّة، قال لأصحابه: «كلوا، بسم الله» وأكل معهم، قلت: هذا (٢) - والله - يأكل الهديَّةَ، ولا يأكل الصدقة، فنظَرْتُ، فرأيتُ بين كتِفَيْه خاتَمَ النُّبوَّة مِثْلَ بَيْضة الحمام (٣)، فأسلمتُ. ثم قلت له ذات يوم: يا رسول الله، أيُّ قومِ النَّصارى؟ قال: «لا خير فيهم» وكنتُ أُحِبُّهم حُبًّا شديدًا؛ لما رأيتُ من اجتهادهم، ثم إني سألته أيضًا بعد أيام يا رسول الله، أيُّ قومِ النَّصارى؟ قال: «لا خير فيهم، ولا في من يُحِبُّهم»، قلتُ في نفسي: فأنا - والله - أُحِبُّهم، قال: وذاك - والله - حين بَعثَ السرايا، وجرَّدَ السَّيف فسَرِيَّةٌ تدخُل، وسَرِيَّةٌ تخرج، والسيف يَقْطر، قلتُ: يُحَدَّثُ بِيَ الآن أنِّي أُحِبُّهم، فيَبْعَثُ إِليَّ فَيَضْرِب عنقي، فقعَدْتُ في البيت فجاءني الرَّسُولُ ذات يوم، فقال: يا سلمانُ، أَجِبْ، قلتُ: من؟ قال: رسول الله، قلتُ: هذا - والله - الذي كنتُ أَحْذَر، قلتُ: نعم، اِذْهَبْ حتى الحقك، قال: لا والله، حتى تَجِيء - وأنا أُحدِّثُ نفسي أَنْ لو ذهبَ أَنْ أَفِرَّ -. فانطلق بي، فانتهيت إليه، فلما رآني تبسم، وقال لي: «يا سلمان، أبشر؛ فقد فرج الله - تعالى - عنك»، ثم تلا علي هؤلاء الآياتِ: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ (٥٢) وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا﴾ إلى قوله: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾ (٤).

стр. 711

قلت: والذي بعثك بالحق، لقد سمعته يقول: لو أدركته فأمرني أَنْ أَقَعَ في النَّار، لوقعت فيها، إنه نبي لا يقول إلا حقًا، ولا يأمر إلا بحق (١). هذا طريق عزيز لهذا الحديث، وسلامةُ العِجْلي لا يُعْرَفُ إلا في هذا الإسناد. * * * ١٩٢ - أخبرنا أبو غالب الكُوشِيذي، أخبرنا أبو بكر (٢) بن ريده، أخبرنا أبو القاسم الطبراني، حدثنا أبو القاسم بن محمَّد الدَّلالُ الكوفي، حدثنا مخول بن إبراهيم، ح. وأخبرنا هبة الله بن الحصين ﵀ ببغداد، قال: أخبرنا أبو علي بن المُذْهب، قال: أخبرنا أبو بكر بن مالك، قال: حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، قال: حدثني أبي، قال: حدثنا أبو كامل، ح. وأخبرنا أبو علي الحداد، قال: حدثنا أبو نُعَيم الحافظ، قال: حدثنا محمد بن أحمد بن الحسن، قال: حدثنا محمد بن عثمان - هو ابن أبي شيبة ـ، قال: حدثنا القاسم بن خليفة، قال حدثنا عمرو بن محمَّدٍ العَنْقَزيُّ، ح. وأخبرنا أبو علي قراءةً أو إجازةً، قال: حدثنا أبو نعيم، قال: حدثنا أبو أحمد الغطريفي، قال: حدثنا عبد الله بن شِيرُويَه، قال: حدثنا إسحاق بن

стр. 712

إبراهيم، قال: حدثنا عمرو (١) بن محمد القرشي. وقال إسحاق: أخبرنا المُصْعَبُ بنُ المِقْدام الخَثْعَمي - وأَثْنَى إسحاق عليه خيرًا - ح. وأخبرنا الإمام قوام السُّنَّةِ أبو القاسمِ إسماعيل بن محمد الحافظ ﵀، قال: أخبرنا محمد بن أحمد، قال: أخبرنا أحمد بن موسى، قال: حدثنا عبد الله بن إسحاق بن إبراهيم قال: حدثنا أبو قلابة الرقاشي، قال: حدثنا عبد الله بن رجاء. قالوا: حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق - وفي رواية أحمد: قال: حدثنا أبو إسحاق - عن أبي قُرَّة الكِنْدي، عن سَلْمَانَ الفارسي - وفي رواية عبد الله بن رجاء قال: قال لي سلمان ﵁: كان أبي من أبناء الأساورة (٢)، فأسلمني إلى الكتاب، فكنتُ أَخْتَلِفُ، ويختلف غلامان معي، وكنا إذا رجعنا مررنا على راهب أو قس، فدخلتُ عليه، فقال الراهب لهما: ألم أَنْهَكُما أن تُدْخِلا علي أحدًا أو تُخبرا بي أحدًا؟ فكنتُ أختلِفُ إليه معهما، حتى كنتُ أحب إليه منهما. فقال لي: يا سلمان، إذا سألك أهلك ما حبسك؟ فَقُلْ: مُعلِّمي، وإذا سألك مُعلِّمك: ما حَبَسَكَ؟ فَقُلْ: أهلي. ثم قال: يا سلمان إني أريد أن أخرُجَ من هذه الأرض، قال: قلت: فأنا أخرج معك، قال: فخرج، فأتى قريةً فنزلها، وكانت امرأة تختلف إليه،

стр. 713

فلما حضر قال: يا سلمان، اِحْفِرْ تحت رأسي، فحفَرْتُ، فاستخرجتُ جَرَّةً مِنْ دراهم، فقال: صُبَّها على صدري، فصبَبْتُها على صدره، فجعل يضرب بيده على صدره، ويقول: ويل لكذا وكذا (١)، ثم مات، فنفختُ بِبُوقِهم، فاجتمع القِسِّيسُون والرهبان، وكنتُ هَمَمْتُ أن أَحْتَمِل المال، ثم صدني الله - تعالى - عنها، فلما اجتمع القِسِّيسُون والرُّهْبان قلتُ لهم: مات هذا، وترك هذا المال، فوثب شباب (٢) في القرية، فقالوا: هذا مالُ أبينا، كانت سُرِّيَتُه تختلف إليه (٣). فلما دفن قلت لهم: يا معشر القسيسين والرُّهْبان، دُلُّوني على عالم أكون معه، فقالوا: ما نَعْلَمُ أحدًا أعلم في الأرض من راهب يكون بحمص، فانطلقت إليه، فوجدتُه، فقصَصْتُ عليه القِصَّة، فقال: ما جاء بك إلا طلَبُ العلم؟ فقلت: نعم، فقال: فإني لا أعلَمُ أحدًا في الأرض أعلم من رجل يأتي بيت المقدس في هذا الشهر، وإن انطلقت الآن وافَقْتَه، وحماره على باب بيت المقدس. فانطلقتُ، فوجدتُ حماره عنده، فجلستُ حتى خرج إليَّ، فقصَصْتُ عليه القِصَّة، فقال لي: اجلس حتى أَرْجِعَ إليك، قال: فجلستُ، فلم يَأْتِني إلى العام المقبل، وكان لا يأتي بيت المقدس إلا في كلِّ سنة في هذا الشهر، فلما رجع قلتُ له: حبَسْتَني حتى الآن؟! فقال: أو أنك لَهاهنا؟! قلت: نعم، قال: فإني لا أعلَمُ أحدًا في الأرض أعلم من رجل خرج في أرض تهامة، وهو نبي، وفيه علامات ثلاث: لا يأكُل الصدقة، ويأكل الهديَّة، وعند غُضْروفِ كتفه خاتَمُ النُّبوَّة كأَنَّها بَيْضةُ حَمامة، لونُها لونُ جِلْده.

стр. 714

فخرجتُ، فانطلقت إليه، فأصابني قوم من الأعراب، فاستعبدوني، فباعوني (١)، فخرجت حتى وقعتُ بالمدينة، فسمِعْتُهم يذكرون النَّبِيَّ ﷺ ، فسألت أهلي أن يَهَبُوا لي يومًا، ففعلوا، فخرجت فاحتطبْتُ، فَبِعْتُه بشيء يسير، ثم جئتُ بطعام اشتريته، فوضعته بين يدي رسول الله ﷺ ، فقال: «ما هذا؟» فقلت: صدقةٌ، فأبى أن يأكُلَ منها، وأمر أصحابه فأكَلُوا، وكان العَيْشُ يومئذ عزيزًا، فقلت: هذه واحدة. ثم أمكث ما شاء الله أن أَمْكُثَ، ثم قلتُ لأهلي: هَبوا لي يومًا، فوهَبوا لي يومًا، فخرجتُ فاحتطبْتُ، فَبِعْتُه بأفضل مما كنتُ بِعْتُ به - يعني الأَوَّلَ - فاشتريت به طعامًا، ثم جئتُ فوضعته بين يدي رسول الله ﷺ ، فقال: «ما هذا؟ فقلتُ: هديَّةٌ، فقال: «كلوا، بسم الله» فوضع يده، فأكل هو وأكلوا، فقلتُ: هذه أخرى. ثم قمتُ خلفه، فوضع رِداءَه، فرأيتُ عند غُضْروف (٢) كتفه خاتَمَ النُّبوَّة كأَنَّها بَيْضة حمامة، لونُها لونُ جِلْده، فقلتُ: أشهد أنَّك رسول الله، فقال: «ما هذا؟» قال: فحدَّثْتُه، فقلت: يا رسول الله، هذا الراهب أفي الجنة هو، وهو يزعم أنَّك نبي الله؟ فقال: «إنَّه لا يدخُل الجنَّةَ إِلا نَفْسٌ مسلمة»، فقلت: يا رسول الله، إنه أخبرني أنَّك نبي، فقال: «إنَّه لا يدخل الجنَّةَ إلا نفس مسلمة» (٣)

стр. 715

هذا سياقُ روايةِ إسحاقَ عن المُصْعَب، وروايةُ الآخرين مختصرة، ولا يُعرف هذا الطريق إلا (١) من رواية إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق. وأبو قُرَّةَ: لا يُسَمَّى، ولا يُعْرَف إلا في هذا الإسناد، ولعله الذي كان عرَضَ على سلمان أَنْ يُزَوِّجَه أُخْتَه فَأَبَى (٢)، والدُ عَمْرِو بن أبي (٣) قُرَّة. * * * ١٩٣ - أخبرنا أبو علي الحداد، قال: حدثنا أبو نُعَيم، قال: حدثنا القاضي أبو أحمد - هو العسال ـ، قال: حدثنا محمدُ بنُ محمدِ بنِ سُلَيمان، قال: حدثنا عبد الله بن العباس البَخْترِيُّ، قال: حدثنا خالد بن الحباب، قال: حدثنا سليمان التيمي، عن أبي عثمان النهدي،، عن سلمان الفارسي ﵁ أنه قال: تداولني بِضْعَةَ عَشَرَ مِنْ رَبِّ إِلى رَبِّ (٤). هذا صحيح، أخرجه البخاري من حديث مُعتمر بن سليمان، عن أبيه. * * * ١٩٤ - وأخبرنا أبو علي، قال: حدثنا أبو نعيم، ح.

стр. 716

وأخبرنا حَمْدُ الحبال وغيره، قالا: أخبرنا عبد الرحمن بن محمد. قالا: حدثنا عبد الله بن محمَّد بن جعفر، قال: سمعت جعفر بن فارس يقول: سمعت العباس بن يزيد - هو البَحْراني - يقول لمحمَّدِ بنِ النعمان - يعني: ابنَ عبد السلام -: يقول أهل العلم: عاش سلمان ثلاث مئةٍ وخمسين سنةً، فأما مئتين وخمسين فلا يَشُكُون فيه (١). قال أبو نُعَيم: سلمان، يُقال: إِنَّ اسمه مَاهُويَه، وقيل: مَابِه، وقيل: يَهْبُوذُ بنُ بذَخْشان بن آذر جشنس، من ولد مَنُوجِهر المَلِك. وقيل: ابن بوذ بن بذَخْشان بن مُورَسلان بنِ بَهْبُوذان بنِ فَيروز بنِ شَهْرَكْ، من ولد آب الملك (٢). قيل: تُوفي سنة ثلاث وثلاثين بالمدائن. وتاريخ كتاب عشقه الذي رُوِي: يوم الاثنين في جمادى الأولى مهاجر رسول الله ﷺ ، وإن مولاه الذي باعه عثمان بن الأشهل اليهوديُّ القُرَظِيُّ. وقيل: إنه عاد إلى أصبهان في زمن عمر ﵁. وقيل: إنه كان له أخ بشيراز، له نسل ثَمَّ، وبنت بأصبهان لها (٣) نسل، وبنتان بمصر، وقيل: كان له ابن، يقال له: كثير (٤). ويُرْوَى إِسلامُ سَلْمَانَ ﵁ من طريق أبي عثمانَ النَّهْدي (٥) وغيره، تركناه خشية الإملال والإطالة.

стр. 717

قصة مائدة عيسى ﵇ : ١٩٥ - أخبرنا هبة الله بن محمد بن عبد الواحد بن الحصين ببغداد، قال: أخبرنا أبو طالب محمَّدُ بنُ محمَّدِ بنِ إبراهيمَ بنِ غَيْلَانَ، قال: أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله الشافعي، قال: حدثني أحمد بن يوسف (١) - هو ابن تميم - البصري، قال: حدثنا بحر بن نصر الخولاني، قال: حدثنا عافية بنُ أيُّوبَ، عن سعيد بن عبد العزيز، ح. وأخبرنا أبو علي الحداد سنة ست وخمس مئةٍ، قال: حدثنا أبو نُعَيمٍ الحافظ، قال: حدثنا أحمدُ بنُ السِّندي أبو بكر الحداد ببغداد، قال: حدثنا الحسنُ بنُ عليّ أبو محمَّدٍ القَطَّانُ، قال: حدثنا إسماعيل بن عيسى العطار، قال: حدثنا إسحاق بنُ بِشْرٍ، قال: أخبرنا محمَّدُ بنُ الفَضْلِ، عن أبان بن أبي عياش، ح. وأخبرنا أبو الفتح محمد بن عبد الله بن أحمد الخرقي العطار ﵀ إذنًا، أنَّ أبا الفتح محمَّد بن عبد الرزاقِ أَذِنَ لهم، قال: أخبرنا جَدِّي أبو الشَّيْخ، قال: حدثنا الوليد بن أَبانَ، قال: حدثنا الحسنُ بنُ أحمد بن الليث، قال: حدثنا جعفر بن علي الحنفي - وكان من المُصلِّين ـ، قال: حدثنا إسماعيل بن أبي أُوَيس، قال: حدثني أبو عبد الله عبد القدوس بنُ إبراهيم مولى بَنِي عبدِ الدَّارِ الصَّنْعانِيُّ، عن إبراهيم بن عمر، عن وهب بن منبه. ثلاثتهم عن أبي عثمانَ النَّهْدِيِّ، عن سَلْمَانَ الخير ﵁ أنه قال: لما سأل الحواريون عيسى ﵇ المائدة، كره ذلك جدًا، وقال: يا قوم، اتَّقُوا الله، واقْنَعُوا بما رزقكم الله - تعالى - في الأرض، ولا تسألوا المائدة من السَّماء؛ فإنَّها إِنْ أُنْزِلَتْ عليكم كانت آيةً من ربكم ، وإنما هلَكَتْ

стр. 718

ثمود حين سألوا نبيهم ﵇ آيةً فابتلوا بها حتى كان تَوَاهُمْ - يعني: هلاكهم - فيها، فأبوا إلا أن تأتيهم، فلذلك ﴿قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا﴾ الآية (١). فلما رأى عيسى ﵇ أنهم قد أَبَوْا إلا أن يَدْعو لهم بها، قام فألقى عنه الصُّوفَ، ولبس الشَّعرَ الأسودَ: جُبَّةٌ من شَعر، وعباءة من شعر، ثم توضأ واغتسل ودخل مُصَلَّاه، وصلَّى ما شاء الله - تعالى ـ، فلما قضى صلاته قام قائمًا مُستقبِلَ القِبْلة، وصَفَ قدميه حتى استوتا، فلصق الكعب بالكعب، وحاذى الأصابع بالأصابع، ووضع يده اليمنى على يده اليسرى فوق صَدْرِه، وأَغْضَى بصرَه، وطَأطأ رأسَه خُشوعًا، ثم أرسل عينيه بالبكاء، فما زالت دموعه تسيل على خدَّيْه، وتَقْطُر من أطراف لحيته، حتى ابتلت الأرض حيال وجهه من خشوعه، فلما رأى ذلك دعا الله فقال: ﴿اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ﴾ (٢) أي: علامة منك تكون بيننا وبينك ﴿وَارْزُقْنَا﴾ عليها طعامًا نأكله ﴿وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [المائدة: ١١٤]. قال: فأُنْزِلَ عليهم سُفْرةٌ حمراء، بين غمامةٍ فوقها وغمامةٍ تحتها، وهم ينظرون إليها في الهواء، تَنْقَضُّ مِنْ ظِلال السَّماء، تَهْوي إليهم، وعيسى ﵇ يبكي خوفًا للشروط التي اتَّخذ الله عليهم فيها: أنه يُعذِّبُ مَنْ يكفر بها منهم بعد نزولها عذابًا لم يُعذِّبه أحدًا من العالمين، وهو يدعو الله - تعالى - في مكانه، ويقول: إلهي اجعلها رحمةً، إلهي لا تجعلها عذابًا، إلهي كم من عَجِيبةٍ سألتُك فأعطيتني، إلهي اجعلنا لك شاكرين، إلهي أعوذُ بك أن تكون أنزلتها غضَبًا ورِجْزًا، إلهي اجعلها سلامةً وعافية، ولا تجعلها فتنة ومثلة، فما زال يدعو بذلك حتى استقَرَّتْ السُّفْرة بين يدي عيسى والحواريين، وأصحابه

стр. 719

حوله يجدون رائحةً طيبةً لم يجدوا فيما مضى رائحةً مِثْلَها قط، وخرَّ عيسى ساجدًا شُكرًا له بما رزقهم من حيث لم يحتسبوا، وأراهم فيه آيةً عظيمة ذات عجب وعبرة. وأقبلت اليهود ينظرون فرأَوْا أمرًا عجَبًا، أَوْرَتْهُم كمدًا وغمًا، ثم انصرفوا بغيظ شديد، وأقبل عيسى ابن مريم ﵉ والحواريون وأصحابه حتى جلسوا حول السُّفْرة، فإذا عليها مِنْديلٌ مُغطَّى، قال عيسى: مَنْ أَجْرَؤُنا على كشف المنديل عن هذه السُّفْرة، وأوثَقُنا بنفسه، وأحسَنُنا بلاء عند ربه فيَكْشِفُ عن هذه الآية حتى نراها، ونَحْمَدُ رَبَّنا ، ونَذْكُر اسمه، ونأكل من رزقه الذي رزقنا؟ قال الحوارِيُّون: يا رُوحَ الله وكلِمَتَه، أنتَ أَوْلانا بذلك، وأحقنا بالكشف عنه. فقام عيسى، فاستأنف وضوءًا جديدًا ثم دخل مُصَلَّاه، فصَلَّى كذلك أربع ركعات، ثم بكى طويلًا، ودعا الله - تعالى - أَنْ يَأْذَنَ له في الكشف عنها، ويجعل له ولقومه فيها بركةً ورِزْقًا، ثم انصرف وجلس إلى السفرة، وتناول المنديل، وقال: بسم الله خير الرازقين، وكشف عن السفرة، فإذا هو عليها سمكة ضخمة مَشُويَّة (١)، ليس عليها فلوس، ولا في جوفها شَوْكَ، يَسِيل السَّمْن منها سَيْلًا، قد نُضّد حولها بقولٌ مِنْ كلِّ صِنف غيرِ الكُرَّاثِ، وعند رأسها خَلٌ، وعند ذنَبِها مِلْح، وحول البقولِ خمسةُ أَرْغِفة، على واحدة منها زيتون، وعلى الأخرى تمرات، وعلى الأخرى خمسُ رُمَّانات - وفي رواية غير وهب: على كل واحد منها زيتون، وخمسُ رُمَّاناتٍ، وخمس تمرات (٢). فقال شمعون رأس الحواريين لعيسى: يا رُوحَ الله من طعام الدُّنيا هذا أم من طعام الجنة؟ فقال: أما آن لكم أن تَعْتبروا بما ترَوْنَ من الآيات، وتنتهوا عن المسائل؟! ما أَخْوَفَنِي عليكم! - يعني: أن تُعاقبوا في سبب هذه الآية -

стр. 720

فقال شمعون: لا - وإلهِ بني إسرائيل - ما أردتُ بهذا سُوءًا يا ابن الصديقة، فقال عيسى: ليس بشيء مما ترَوْنَ عليها من طعام الجنَّةِ ولا من طعام الدُّنيا، إنما هو شيء ابتدعه الله - تعالى - في الهواء بالقدرة الغالبة القاهرة، فقال له: كُنْ، فكان أسرع من طرفة عين، فكلوا ما سألتم باسم الله ، واحمدوا عليه ربَّكُم - تعالى - يُمْدِدْكم منه ويَزِدْكم، فإنَّه بديع قادر شاكر. قالوا: يا رُوحَ الله وكلِمتُه، إِنَّا نُحِبُّ أَنْ يُرِيَنا الله في هذه آيةً، فقال عيسى: سبحان الله! ما اكتفيتُم بما رأيتُم من هذه الآية، حتى تسألوا إليها آية أخرى؟! ثم أقبل على السمكة، فقال: يا سمكة، عُودِي بإذن الله - تعالى - حيَّةٌ كما كُنْتِ، فأَحْياها الله - تعالى - بِقُدْرته، فاضطَرَبَتْ، وعادَتْ بإذن الله - تعالى - حيَّةً طرِيَّة، تَلمَّظُ كما يتلمَّظُ الأسد، تدور عيناها لها بَصِيص، وعادَتْ عليها فلوسها، ففَزِع القومُ منها فانْحَاشوا، فلما رأى عيسى ابن مريم ذلك منهم، قال: ما لكم تسألون الآية، فإذا أراكموها ربُّكم كرِهْتُموها؟! ما أَخْوَفَني عليكم أَنْ تُعاقبوا بما تصنعون! يا سمكة، عُودي بإذن الله - تعالى - كما كنت، فعادَتْ بإِذنِ الله مَشْوِيَّةٌ كما كانت في خَلْقِها الأول. فقالوا لعيسى: كُنْ أنت - يا رُوحَ الله وكلمته - الذي يبدأ بالأكل، - يعني - قال عيسى: مَعاذ الله، بل يأكل منها من طلبها، فلما رأى الحواريين وأصحابهم دعا لها الفقراء - يعني - وأصحاب العاهات، وقال: كُلوا مِنْ رِزْقِ ربِّكُم ودَعْوةِ نبيكم، واحْمَدوا الله الذي أنزلها؛ ليكونَ مَهْنوها لكم، وعقوبتها على غيركم (١)، وافتتحوا أكلكُم باسم الله، واختموه بحمد الله، ففعلوا. فأكل منها ألف وثلاث مئة إنسانٍ بين رجل وامرأة، يَصْدُرون عنها كلُّ واحد منهم شبعان يتجشأ، ونظر عيسى والحواريون فإذا ما عليها كهيئتها إذ نزلَتْ من السماء، لم ينتقص منه شيء، ثم إِنَّهَا رُفِعَتْ إِلى السَّماء وهم

стр. 721

ينظرون، فاستغنى كلُّ فقير أكل منها، وبرَأَ كلُّ من أكل منها، فلم يزالوا أغنياء صحاحًا حتى خرجوا من الدُّنيا، ونَدِم الحواريون وأصحابه الذين أبوا أن يأكلوا منها نَدامةً شابَتْ منها أَشْفَارُهم، وبقِيَتْ حسرتها في قلوبهم إلى يوم الممات. قال: فكانت المائدة إذا نزلَتْ بعد ذلك أقبلَتْ بنو إسرائيل إليها من كل مكان، يُزاحِمُ بعضُهم بعضًا، الأغنياء والفقراء والنِّساء والصغار والكبار، من الأصحاء والمرضى، يَرْكَبُ بعضُهم بعضًا، فلما رأى ذلك جعلها - يعني - نَوْبًا بينهم، وكانت تنزِلُ غِبًّا، تنزِلُ يومًا ولا تنزل يومًا، كناقة ثمود تَرِدُ ماءَهُم يومًا، وتغيب عنهم في رَعْيِها يومًا، فلَبِثُوا في ذلك أربعين يومًا تَنْزِل عليهم غِبًا عند ارتفاع الضُّحَى، فلا تزال موضوعةً يُؤكَلُ منها، حتى إذا قاموا ارتفعت عنهم بإذن الله - تعالى - إلى جَوِّ السَّماء، وهم ينظرون إلى ظلها في الأرض، حتى توارى عنهم. فأَوْحَى الله - تعالى - إلى نبيه ﵇ أن اجعَلْ رِزْقي في المائدة لليتامى والمساكين والزَّمْنَى، دون الأغنياء من النَّاس، فلما فعل ذلك ارتاب بها الأغنياء، وغَمِصُوا (١) ذلك حتى شَكُوا فيها وشككوا فيها الناس، وأذاعوا في أمرها القبيح والمنكر، وأدرك الشَّيطان منهم حاجته، وقذف وساوسه في قلوب المرتابين، حتى قالوا لعيسى ﵇: أخبرنا عن المائدة ونزولها من السماء حق؛ فإنه قد ارتاب بها بشر منا كثير؟ قال عيسى: هلَكْتُم - وإله المسيح -، طَلَبْتُم المائدة إلى نبيكم أَنْ يَطْلُبَها لكم إلى ربكم ، فلما أَنْ فعل كذَّبْتُم بها، وشككتُم فيها، فأبشروا بالعذاب، فإنه نازل بكم إلا أن يرحم (٢) الله . فأوحى الله ﵎ إلى عيسى ﵇ (٣): إِنِّي آخِذُ المُكذِّبين بشرطي، فإني

стр. 722

معذب منهم من كفر بالمائدة بعد نزولها عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين، فقال عيسى ﵇ مستكينا (١) إلى ربه: إلهي إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم [المائدة: ١١٨]. فلما أمسى المرتابون بها، أخذوا مضاجعهم في أحسن صورة مع نسائهم آمنين، فلما كان في آخر الليلة مسخهم الله - تعالى - خنازير، وأصبحوا يتبعون الأقذار في الكناسات، وأمسى سائر بني إسرائيل يطيفون بعيسى خوفا ورعبا مما لقي أصحابهم، فلما خرج عيسى أقبلت الخنازير تسعى إليه وتلوذ به، فلما اجتمعت إليه خرت له سجدا ودموعها تسيل، فجعل عيسى ﵇ يسمي رجالا منهم، يدعونهم بأسمائهم: يا فلان يا فلان، فيومئ كل واحد منهم برأسه، لا يستطيعون الكلام، فقال: قد كنت أحذركم عقاب الله - تعالى - وأنذركم عذابه، وكأني كنت أنظر إليكم ممسوخين مثلة من المثلات، فأخبر عنهم نبينا محمدًا ﷺ وأمته ذلك حين استعجل كفار قريش بالعذاب، وقال: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلَاتُ﴾ [الرعد: ٦] وقال: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ الآية (٢). فأقاموا بذلك ثلاثة أيام، وأهلوهم يكون حولهم، وقد رق لهم الناس، وخافوا ما نزل بهم، فلما رأى ذلك عيسى ﵇ دعا الله - تعالى - أن يميتهم، فأماتهم يوم الرابع، فلم تر لهم (٣) جيفة في الأرض، فالله أعلم أين كانت جيفهم، غير أنها كانت عقوبة استأصلت أهلها، حتى لم يبق لهم أثر في الأرض (٤).

стр. 723

هذا لفظ رواية وهب، ورواية الآخَرِين قريب بعضها من بعض، وسياق وهب أتم. وقد رواه ابن جريج عن عطاء، عن سلمان، مختصرًا: ١٩٦ - أخبرنا به السيد أبو القاسم عباد بن محمد الجعفري إذنًا، قال: أخبرنا أبو أحمد المكفوف، قال: حدثنا أبو محمَّدٍ بنُ حيَّان، قال: حدثنا أبو بكرٍ أحمد بن هارونَ بنِ رَوْحٍ، قال: حدثنا العباس بن الوليد، قال: أخبرني أبي، عن ابن جريج، عن عطاء، عن سلمان: ﴿أَنزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ [المائدة: ١١٤] وذكر بعض هذا الحديث، وفيه: قال: وحواليها خمسة أرغفة (١)، على ثلاثة أرغفةٍ منها رُمَّان، وعلى الرّغيفَيْن تمر، وذكر باقيه (٢) نحوه. وقوله (تَنْقَضُّ) أي: تَنْحَدِر. والفلوس: ما على ظهر السَّمَكَ مِنْ التَّدْويرات. ويريد بالشَّوْك: العظم. والتَّلمُّظ: إخراج اللسان وتحريكه. والبصيص: البريق. وفي رواية ابن جريج: قال: (تَتلمَّظُ بلسانها، وتَمصَّعُ بذنبها) أي: تُحرِّكه.

стр. 724

وقوله (فانحاشوا) أي: تأخروا عنها. والغَمْص: العيب. وفي غير هذه الرواية قال: (فأُمروا أن لا يَتَّخِذُوا خُبْنًا) أي: لا يأخذون في يومهم لِغَدِهم. وفي رواية إسحاق بن بَشِير، عن مشايخ سماهم قال: (فصدر عنها سبعة آلاف شباعًا)، قال إسحاق: وقال بعض هؤلاء المُسمَّيْنَ بإسنادهم: (اثنا عشر ألفًا)، قال: (فلما كان وَجْهُ الصُّبْح بعث الله عَلى جَبرِيل ﵇ فصاح عليهم صَيْحَةً فَزِعوا منها، فحُوِّلُوا عن صُوَرِهم خنازير). * * * ١٩٧ - قال أبو الشيخ: حدثنا أبو بكرٍ البَزَّارُ، وزكريا الساجي، قالا: حدثنا الحسن بن قزعة، قال: حدثنا سفيان بن حَبِيب، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة، عن خلاس بنِ عَمْرو، عن عمار بن ياسر -رحمهما الله- قال: قال رسول الله ﷺ : «أُنْزِلَت المائدة من السَّماء خُبْزًا ولحمًا، وأُمِرُوا أَنْ لا يَخُونوا، ولا يَدَّخِروا، ولا يَخْبَؤُوا لغد، فخانوا وادَّخَروا وخَبَؤُوا لغد، فرُفِعَتْ» (١). وفي غير حديث ابن قزعة - رحمة الله عليه -: «فمُسِحُوا قِرَدَةً وخنازير». * * *

стр. 725

ومن مسند أبي سعيد سعد بن مالك بن سنان الخدري ﵁ ١٩٨ - أخبرنا أبو علي الحداد، قال: حدثنا أبو نعيم أحمد بن عبد الله الحافظ، حدثنا أبو بكر عبد الله بن يحيى بن معاوية الطلحي، قال: حدثنا عبيد بن غنام - والسياق لروايته - ح. وأخبرنا محمود بن إسماعيل الصيرفي أخبرنا أبو بكر بن شاذان الأديب، قال: أخبرنا أبو بكر عبد الله بن محمد القباب، قال: حدثنا أبو بكر بن أبي عاصم. قالا: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا جعفر بن عون، قال: حدثنا هشام بن سعد، ح. وقرأت على الحسين بن عبد الملك الأديب ﵀، قال: أخبرنا مطيار بن أحمد، وشيبان بن عبد الله، ورجاء الدليلي، وغير واحد، قالوا: أخبرنا علي بن يحيى بن جعفر، قال: أخبرنا سليمان بن أحمد، قال: حدثنا بكر بن سهل الدمياطي، قال: حدثنا عبد الله بن صالح، قال: حدثني الليث بن سعد، قال: حدثني هشام بن سعد. قال: حدثنا زيد بن أسلم، عن عطاء (١) بن يسار، عن أبي سعيد ﵁ قال: قلنا: يا رسول الله، هل نرى ربنا يوم القيامة؟ قال: «هل تضارون في رؤية الشمس بالظهيرة صحوا ليس فيها سحاب؟» قال: قلنا: لا، يا رسول الله، قال: «هل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر صحوا ليس فيها

стр. 726

سحاب؟» قالوا: لا، يا رسول الله، قال: «ما تَضارُّون في رؤيته يوم القيامة إلا كما تُضَارُّون في رؤية أحدِهما». إذا كان يوم القيامة نادى مُناد: ألا لَيَلْحَقْ كلُّ أُمَّةٍ بما كانت تَعْبُد، فلا يَبْقَى أحدٌ كان يعبد صنمًا ولا وَثَنًا ولا صورة إلا ذهبوا، حتى يتساقطوا في النَّار، ويبقى من كان يعبد الله - تعالى - وحده من بَرٍّ أو فاجر، وغُبَّرات أهل الكتاب، ثمَّ تُعْرَضُ جهنم كأنها سراب، يُحَطِّمُ بعضُهم بعضًا. ثمَّ يُدْعَى اليهود، فيقال: ما كُنتم تَعْبُدون؟ فيقولون: عُزَيرًا ابن الله، فيقول: كَذَبْتُمْ، ما اتخذ الله - تعالى - صاحبة ولا ولدًا، فما تريدون؟ قال: فيقولون: أيْ رَبَّنا، ظَمِئْنا، فيقول: ألا تَرِدُون؟ فيذهبون حتى يتساقطون في النَّار. قال: «ثم يُدْعَى النَّصارى، فيقول: ماذا كنتم تعبدون؟ فيقولون: المسيح ابن الله، فيقول: كَذَبْتُمْ ما اتخذ الله - تعالى - من صاحبة ولا ولد، فماذا تريدون؟ فيقولون: رَبَّنا، ظَمِئْنا فاسْقِنَا، فيقول: أفلا تَرِدُون (١)؟ فيذهبون حتى يتساقطون في النَّار، ويبقى من كان يعبد الله - تعالى - من بَرٍّ وفاجر. ثم يتبدَّى الله ﵎ في صورة غير صورته التي رأيناه فيها أوَّل مرَّة، فيقول: يا أيُّها النَّاس، لَحِقَتْ كلُّ أُمَّةٍ بما كانت تعبد، وبقيتم، فلا يُكلِّمُه يومئذٍ إلا الأنبياء، فيقول: فارقْنا النَّاسَ في الدُّنيا وكُنَّا إلى صُحبتِهم أحوج، لَحِقَتْ كلُّ أُمَّةٍ بما كانت تعبد، ونحن ننتظر ربَّنا الذي كُنَّا نعبد، فيقول: أنا ربُّكم، فيقولون: نعوذ بالله منك، فيقول: هل بينكم وبين الله - تعالى - من آيةٍ تعرفونها؟ فيقولون: نعم، فَيُكْشَفُ عن ساق، فيَخِرُّ سُجَّدًا أجمعون، ولا يَبْقى أحد كان يسجد في الدُّنيا سُمْعةً ولا رياء ولا نِفاقًا إلا عاد ظهره طَبَقًا واحدًا، كلَّما أراد أن يسجد خَرَّ على قفاه، ثم يرفع برُّنا ومُسِيئُنا وقد عاد لنا في صورته التي رأيناه في أوَّل مرَّة، فيقول: أنا ربُّكم، فيقولون: أنت ربُّنا - ثلاث مرات -.

стр. 727

ويُضرب الجسر على جهنّم» قال: قُلْنا: وما الجسر، يا رسول الله، بأبينا أنت وأُمِّنا؟ قال: «دَحْضُ مَزِلَّةٌ، له (١) كَلاليب وخطاطيف وحسَك تكون بِنَجْد عُقَيفاءُ، يُقال لها: السَّعْدان، فيَمُرُّ المؤمنون كلَمْحِ البَرْق، وكالطَّرْف، وكالرِّيح، وكأَجْوَدِ الخَيْلِ والرِّكاب، فناج مُرْسَلٌ، ومخدوش مُرْسَلٌ، وَمَكدوس في نار جهنم. والذي نفسي بيده، ما أحَدُكم بأشدَّ مناشدةً في الحقِّ يراه - يعني: من مناشدة المؤمنين في إخوانهم - إذا رأَوْا أَنْ قد خَلَصوا من النار، يقولون: أي ربنا إخواننا إخواننا (٢) كانوا يُصَلُّون معنا، ويصومون معنا، ويَحُجُّون معنا، ويُجاهِدُون معنا، قد أخَذَتْهم النَّارُ، فيقول: اِذْهَبوا، فمن عرَفْتُم صورته فأَخْرِجوه - وتُحرَّم صُوَرُهم على النَّار - فيجدون الرَّجُلَ قد أخذَتْه (٣) النَّارُ إلى قدميه، وإلى أَنْصافِ ساقيه، وإلى رُكْبَتَيْه، وإلى حَقْوَيْه، فيُخْرِجون منها بشرًا كثيرًا، ثم يعودون فيتكلمون فيقول: اِذْهَبوا، فَمَنْ وجَدْتُم في قلبه نِصْفَ قِيراط خير فأخرجوه، فيُخْرُجون منها بشرًا كثيرًا، ثم يعودون فيتكلمون، فيقول: اذْهَبُوا فَمَنْ وَجَدْتُم في قلبه مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فَأَخْرِجوه». قال: فكان أبو سعيد ﵁ إذا حدث بهذا الحديث قال: إِنْ لم تُصَدِّقوني فاقرؤوا ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٤٠]. «فيقولون: ربَّنا، لم نَذَرْ فيها خيرًا، فيقول: قد شفَعَتْ الملائكة والأنبياء، وشفَع المؤمنون، فهل بَقِي إلا أرحمُ الرّاحمين؟ قال: فيَأْخُذ قَبْضةً من النار، فيَخْرُجون قومًا قد عادوا حُمَمًا لم يَعْمَلُوا خيرًا قط، فيطرحون في

стр. 728

نهر الجنة، يُقَالُ له: نهر الحياة، فيَنْبُتون فيه - والذي نفسي بيده - كما تَنْبُتُ الحِبَّة في حَميل السَّيْل، ألمْ تروها وما يَليها من الظلّ أَصيْفَر، وما يَليها من الشَّمس أخْضر؟». قال: قُلْنا: يا رسول الله، كأنّك كنت في الماشية؟ قال: «فَيَنْبُتون كَذلك». قال: «فيَخْرُجون أمْثال اللُّؤْلُؤ، فيُجْعَلُ في رِقابهم الخواتيم، ثم يُرْسَلون في الجنّة، فيقال: هؤلاء الجَهَنَّميُّون، هؤلاء الذين أخرجهم الله - تعالى - من النّار بغير عملٍ عَمِلوه، ولا خير قَدَّموه، فيقول الله يعني: ما وَجَدْتم فَلَكم، فيأخذون حتى ينتهون، ثم يقولون: لو يُعْطينا الله - تعالى - ما أَخَذْنا، فيقول الله : فإني أُعْطِيْكم أفضل مما أخذتم، فيقولون: يا ربَّنا، وما أفضل مما أخذنا؟! فيقول: رضواني، فلا سَخَط» (١). هذا حديث كبيرٌ صحيح، من أُصول (٢) الدِّين، مما يتميّز به المُرْتَاب من المؤمنين، مُخَرَّجٌ في الصِّحاح والدَّواوين، ثابتٌ باتفاق أئمة النَّقْدِ المُميزين، لكُلِّ لفظ منه شاهدٌ عَدْلٌ من نص الكتاب المُبين، أو صحاح أحاديث خاتم النبيين. أخرجه الإمام أبو عبد الله البخاري في غير موضع من كتابه، من (٣)

стр. 729

التوحيد والتفسير وغيرهما، ومسلم أيضًا أخرجه في أول كتابه، من طُرُق (١) عن هشام بن سعد. وأخرج بعضًا منه: أبو عبدِ الرَّحمن النّسَائِيُّ، وأبو عبد الله بن ماجه، وأبو عيسى الترمذي. وتَصْحِيحُ بعض الحديث تصحيح لجملته، هذا مع تركهم جملةً مِنْ صحاح الأحاديث؛ لاستغنائهم بغيرها عنها، دالين بذلك أنَّ هذا الحديث وما يُشْبِهُه مما يُحتاج إلى معرفته والإيمان به، ولا يسع أحدًا جَهْلُه، سبيله الإيمان به والتسليم له، إذ لا شك أنَّ الصَّحابة ﵃ كانوا أحوج إلى كشف ما يجب الكشف عنه، وتَحقُّقِ ما يمكن الإحاطة به؛ ليعرفوا ذلك، ويُبيِّنوا لمن بعدهم؛ إذ هم القدوة في الدِّين، وبهم أُسْوة الخائفين. فلما علموا (٢) أنَّ نبينا ﷺ صادق فيما يحكي، وأن صفات الرَّبِّ مما لا تُدْرِكُه عقولهم، ولا يُحيطون به علمًا، وأنَّ سبيلها الإيمان والتسليم، سمعوه وصدقوا به، ولم يتكلموا فيه، ولم يَعْترضوا عليه، فلما آل كلامه إلى ما عسى أَنْ يَفْهَموه، سألوه، ألا تراهم كيف قالوا: وما جِسْرُ جَهنَّم؟ وكذلك في آخر الحديث حين صار إلى ما عرفوه، قالوا: كأنك كنت في الماشية؟ وكذلك التابعون فمن بعدهم مِنْ أئِمَّة المسلمين، كأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وغيرهما، دونوه في كتبهم، ورووه ولم يُنكروه، ولا تكلموا فيه بتأويل ولا تكييف؛ لأنَّه كما لا يسع أحدًا أَنْ يتكلم في الله ، لا يجوز لأحد أن يتكلم في صفاته، ولنا فيهم أُسْوة حسنة، جعلنا الله - تعالى - من المُتَّبعين، لا المنكرين المبتدعين. والغُبرات: البقايا.

стр. 730

والسَّراب: ما يَلْمَعُ من القاعِ (١) المستوي عند الظهيرة في الحَرِّ، فَيَحْسَبُه الرائي ماء، كما قال ﵎: ﴿كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ﴾ الآية (٢). وقوله (يَحْطِم بعضُها بعضًا) أي: مِنْ شِدَّة الاتقاد في النار يتخيل له أنه تلاطم أمواج الماء. وقوله (فيذهبون حتى يتساقطون) (٣) إنما لم يحذف النون بحتَّى؛ لأنَّه جعلها بمنزلة سائر العاطفات، ولم يُعْمِلْها. وقولهم (نعوذ بالله منك) ليس مما يضرُّهم شيئًا، وإنما هو كما قال ﷺ : «أعوذُ بكَ منك» (٤) أي: نعوذ بالله منك وأنت الله. وقوله (فَيُكْشَفُ عن ساقٍ) في كتاب البخاري: «عن ساقه»، وهذا أيضًا على الطريق الأولى مما يجب إمراره على ظاهره من غير خوض فيه. والطَّبَقُ: فَقار الظهر، أي: صارَ ظَهْرُه كأنَّه فَقارة واحدة، لا عَطْفَ فيها ولا انثناء. والدَّحْضُ، والمَزِلَّة: الذي يَزْلَقُ عنه القدم، ولا تثبت عليه. والخطاطيف: جمعُ الخُطَّاف. والكلاليب: جمع الكَلُّوب. والمكدوس: المجموع المُلْقَى في النار.

стр. 731

و (مُرْسَلٌ) أي: من الكلاليب. والمناشدة: الطلب منه، والإِقْسام عليه في تخليص المؤمنين. والعقيفاء: تصغير تأنيث الأعْقَف، وهو: المُنْحَنِي المُعْوَجٌ. والوقت لا يَحْتَمِلُ أكثر من ذلك. وقوله (ولا وثنًا ولا صورةً) في أوَّلِ الحديث: تفرد بهذه اللفظة في ذكر الصورة [ … ] (١) وقد رواه غير واحد عن هشام، لم يذكروا هذه اللفظة فيه. وقد أورد مسلم إسناد هذا الطريق من دون لفظه؛ لكون هذه اللفظة الشَّاذَّةِ فيه (٢)، وقد نُقِضَتْ هذه اللفظة بما بعده في الحديث من ذكر الصورة لله وهذا يُرْوَى ويُسلَّم، ولا يُتَفَكَّرُ فيه، والله أعلم (٣).

стр. 732

١٩٩ - أخبرنا أبو منصور محمد بن عبد الله بن مَنْدُويه، حدثنا أبو نعيم أحمد بن عبد الله الحافظ، حدثنا أبو بكر أحمد بن يوسف بن خلاد، حدثنا الحارث بن أبي أسامة التميمي، حدثنا داود بن المُحبَّر، حدثنا حماد بن سلمة - واللفظ لروايته -. وأخبرنا أبو علي الحداد ﵀ سنةَ سِتٌ، حدثنا أبو نعيم الحافظ إجازة، حدثنا أبو أحمد الغطريفي، حدثنا عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن شيرويه، حدثنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي، أخبرنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، ح. وأخبرنا بالإسناد وأوّل الحديث أبو علي أيضًا سنة (١) في مجلس آخر، حدثنا أبو نُعَيم أحمدُ بنُ عبدِ الله الحافظ، حدثنا سُلَيمانُ بنُ أحمد، حدثنا سعيد بن عبدِ الرَّحْمنِ التَّسْتَرِيُّ، حدثنا الحسن بن عرفة، حدثنا عمَّارُ بنُ محمَّدٍ ابن أخت سفيان، حدثنا سفيان - يعني الثوري - ح. وأخبرنا الحُسَين بن عبد الملك الأديب بقراءتي عليه، أخبرنا مطيار بن أحمد، وشَيْبان بن عبد الله، والفضلُ بنُ محمَّدٍ المُعلّم، قالوا: أخبرنا علي بن يحيى الإمامُ، أخبرنا سليمان بن أحمد، حدثنا المقدام بن داود، حدثنا أسد بن موسى، حدثنا مُبارَكُ بن فضالة، ح. قال سليمان: وحدثنا أحمدُ بنُ داودَ المَكِّيُّ، حدثنا محمد بن كثير، حدثني سليمان بن كثير، ح. قال سليمان: وحدثنا محمد بن جعفر بن الإمام الدمياطي، حدثنا الفضل بن غانم، حدثنا سلمة بن الفضل، عن محمد بن إسحاق، حدثني رَوْحُ بن القاسم. قالوا - سِتَّتُهم -: عن أبي هارونَ العَبدي، عن أبي سعيد

стр. 733

الخُدْري (١) ﵁ عن النبي ﷺ قال: «أُتِيتُ بالبراق، وهو دابَّةٌ أبيض، مضطرب الأذنين، فوق الحمار ودون البغل، يضَعُ حافِرَه عند منتهى طَرْفه - وفي غير رواية حماد: «وهو الذي كان يَركَبُه الأنبياءُ قَبْلي» - فركبته، فسار بي نَحْوَ بيت المقدس، فبينا أنا أسير إِذْ نادى مُنادٍ عن يميني: يا محمد، على رِسْلِك أَسْأَلُكَ، حتى ناداني ثلاثًا، فلم أُعَرِّج عليه، ثم ناداني مُنادٍ عن يَساري: يا محمد، على رِسْلِك أسأَلْكَ، حتى ناداني ثلاثًا، فلم أُعَرِّج عليه، ثم استقبلتني امرأةٌ عليها مِنْ كُلِّ حُلِيّ وزينةٍ، ناشرةٌ يديها، تقول: يا محمد، على رِسْلِك أسألك، تقول ذلك ثلاثًا، حتى كادَتْ تَغْشاني، فلم أُعَرِّج عليها، حتى أتَيْتُ بيت المقدس، فربَطتُ الدَّابَّةَ بالحلقة التي ربطها الأنبياء، ثم دخلتُ المسجد فصلَّيتُ فيه ركعتين، ثم خرجت، فجاءني جبريل ﵇ بإناء فيه لبن، وإناء فيه خمرٌ، فاختَرْتُ اللَّبنَ، قال: أَصَبْتَ الفِطرة. ثم قال: ما لَقِيتُ في وجهك هذا؟ فقلت: بينما أنا أسير إذ ناداني مُنادٍ عن يميني: يا محمد، على رِسْلِك أسأَلْكَ، حتى ناداني بذلك ثلاثًا، قال: فما فعلت؟ قلتُ: فلم أُعَرِّج عليه، قال: ذاك داعي اليهود، لو كُنْتَ عَرَّجْتَ عليه لَتَهوَّدَتْ أُمَّتُك. قلتُ: ثم ناداني مُنادٍ عن يساري: يا محمد على رِسْلِك أسأَلُكَ، حتى ناداني بذلك ثلاثًا، قال: فما فعلتَ؟ قلتُ: فلم أُعَرِّج عليه، قال: ذاك داعي النَّصْرانِيَّة، لو كنتَ عَرَّجْتَ عليه لَتَنصَرَّتْ أُمَّتُك. قلتُ: ثم استقبلتني امرأةٌ، عليها من كلِّ حُليّ وزينة، ناشرة يديها، تقول: يا محمد، على رِسْلِكَ أسأَلْكَ، حتى كادَتْ أَنْ تَغْشاني، قال: فما فعلت؟ قلتُ: فلم أُعَرِّج عليها، قال: تلك الدُّنيا، لو أَنَّكَ عَرَّجْتَ عليها لاختَرْتَ الدُّنيا على الآخرة. قال: ثم أتينا بالمعراج - وفي غير رواية حماد: «الذي تَعْرُج فيه

стр. 734

أرواح بني آدم - فإذا أحسَنُ ما خلَقَ الله عَلَى أَلَمْ تَرَوْا إلى الميِّتِ إذا شَقَّ بصرَه إِنَّما يَتْبَعُه المعراج عجبًا به، ثم قال رسول الله ﷺ : ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج: ٤]. قال: فقعَدْتُ في المعراج أنا وجبريلُ، فَعُرِج (١) حتى انتهينا إلى باب الحفظة - وفي غير رواية حمَّادٍ: «إلى بابِ السَّماء الدُّنيا» - فإذا (٢) عليه ملك يُقال له: إسماعيل، معه سبعون ألفَ ملَكٍ، مع كلِّ ملك سبعون ألف ملك - وفي غير رواية حمَّادٍ: «مع كلِّ ملَكٍ ألفُ مَلَكٍ» - ثم قال رسول الله ﷺ : ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ [المدثر: ٣١]، فاستفتح جبريل ﵇، فقيل: مَنْ أنت؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمَّد، قيل: وقد أُرْسِلَ إليه؟ قال: قد أُرْسِلَ إليه، ففتح لنا - وفي غير رواية حماد: «ففتَحُوا لي، وسلَّمُوا علي» - فإذا أنا بآدم ﵇ كهيئته يومَ خُلِق، فقلتُ: مَنْ هذا يا جبريل؟ قال: هذا أبوك آدم، ودعا لي بخير، وإذا الأرواح تُعْرَضُ عليه، فإذا مَرَّ به رُوحُ مؤمن، قال: رُوح طَيِّبٌ، وريح طيبةٌ، وإذا مُرَّ عليه بِرُوحِ كافر، قال: رُوحٌ خبيث، وريح خبيثة. قال: ثم مضَيْتُ فإذا أنا بأخَاوينَ عليها لحوم مُنْتِنَةٌ، وأَخَاوينَ عليها لحوم طيبة، وإذا رجال ينهشون اللحومَ المُنْتِنَةَ، ويدعون اللحوم الطَّيِّبة، قلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الزناة، يدعون الحلال، ويَتْبَعُون الحرام. ثم مضَيْتُ، فإذا أُناسٌ قد وُكِلَ - يعني - بهم رِجالٌ [يَفُكُون] (٣) لحِيَّهُم (٤)، وآخَرُون يَجيئون بالصخور مِنْ النَّار، فيَقْذِفونها في أفواههم، فتَخْرُج من أَدْبارِهم، قلتُ: مَنْ هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ

стр. 735

الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء: ١٠]. قال: ثم مضَيْتُ، فإذا أنا برجال قد وُكِل بهم رجال [يَفُكُّون لُحِيَّهُم] (١)، وآخرون يُقَطِّعون لحومَهُم فيَضْفِزونهم إيَّاها بدمائها، قلتُ: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الهمازون اللمازون، ثم قال رسول الله ﷺ : ﴿وَلَا يَغْتَب بَعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا﴾ [الحجرات: ١٢]. قال: ثم مضَيْتُ، فإذا أنا بنساءٍ مُعلَّقاتٍ بِأُدِيهِنَّ، قلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الظهورات (٢) - وفي غير رواية حماد: «قال: هؤلاء اللاتي تزنين وتَقْتُلْن أولادَهنَّ». قال: ثم مضَيْتُ، حتى انتهَيْتُ إلى سَابلةِ (٣) آلِ فِرْعَونَ، فإذا رجال بطونهم كالبيوت، فإذا عُرِض آلُ فِرْعونَ على النَّارِ غُدْوةً وَعَشِيًّا، فَيَقْذِفون آلَ فرعون لظهورهم وبطونهم، يَثْرُدهم آل فرعون ثَرْدًا بأَرْجُلِهم، فقلت: مَنْ هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء أكَلَةُ الرِّبا، ثم تلا رسول الله ﷺ : ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ [البقرة: ٢٧٥] (٤) فإذا عُرِض آلُ فِرْعونَ على النَّار، قالوا: ربَّنا لا تُقِمْ السَّاعَةَ؛ لما يَرَوْنَ مِنْ عذاب الله . قال: ثم عرج بنا إلى السماء الثانية، فاستفتح جبريل فقيل: من أنت؟ قال: جبريل ﵇، قال: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد أُرْسِلَ إليه؟ قال: قد أُرْسِلَ إليه، ففتح لنا، فإذا أنا بيوسف ﵇، وإذا قد أُعْطِي شَطْرَ الحسن، قلت: من هذا يا جبريل؟ قال: أخوك يوسف، فرحب ودعا لي بخير.

стр. 736

ثم عرج بنا إلى السماء الثالثة، فاستَفْتَح جبريل ل فقيل له: من أنت؟ قال: جبريل ﵇، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد أُرْسِلَ إليه؟ قال: قد أُرْسِل إليه، ففتح لنا، فإذا أنا بابني الخالة: يحيى وعيسى ﵉، - وفي غير رواية حمَّادٍ: «شَبِيهٌ أحدُهما بصاحبه ثيابهما وشعرهما» - فرحبا، ودعيا لي بخير. ثم عرج بنا إلى السماء الرَّابعة، فاستَفْتَح جبريل ﵇ فقيل: من أنت؟ قال: أنا جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد أُرْسِلَ إليه؟ قال: قد أُرْسِل إليه، ففتح لنا، فإذا أنا بإِدْرِيسَ ﵇ فرحب، ودعا لي بخير، ثم تلا رسول الله ﷺ : ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾ [مريم: ٥٧]. ثم عرج بنا إلى السماء الخامسة، فاستَفْتَح جبريل ﵇ فقيل: من أنت؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد أُرْسِلَ إليه؟ قال: قد أُرْسِل إليه، ففتح لنا، فإذا أنا بهارون ﵇ وإذا هو أكثر من رأيتُ تبعًا، وإذا لحيته شطران شطر بياض، وشطر سواد، فقلتُ: مَنْ هذا يا جبريل؟ قال: هذا المُحبَّبُ في قومه - وفي غير رواية حمَّادٍ: «طويلُ اللحية، تكاد لحيته تَمسُّ سُرَّتَه» - فرحب، ودعا لي بخير. ثم عرج بنا إلى السماء السَّادسة، فاستَفْتَح جبريل ﵇ فقيل: من أنت؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد أُرسل إليه؟ قال: قد أُرْسِل إليه، ففتح لنا، فإذا أنا بموسى ﵇ فرحب بي، ودعا لي بخير، فقال موسى: يَزْعُم بنو إسرائيل أنّي أكرمُ الخَلْقِ على الله ، وهذا أكرم على الله مني، فلو كان وحده لهان عليَّ، ولكنَّ النَّبِيَّ بعده أتباعُه مِنْ أُمَّتِه - وفي غير رواية حمَّاد فوصفه رسول الله ﷺ فقال: «رجل كثير الشعر، لو كان عليه قميصان خرج (١) شعره منهما» - ثم عرج بنا إلى السماء السابعة، فاستَفْتَح جبريل ﵇ فقيل: من أنت؟

стр. 737

قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد أُرسل إليه؟ قال: قد أُرْسِل إليه، ففتح لنا، فإذا أنا بشيخ أبيضَ الرَّأْسِ واللحية، وإذا هو مُستند إلى البيت المعمور، وإذا هو يدخله كلَّ يوم سبعون ألف ملك، ثم لا يعودون إليه، فقلت: من هذا يا جبريل؟ قال: هذا أبوك إبراهيم ﵇ علي فرحب بي، ودعا لي بخير، ثم قال: يا محمد، هذه منزِلَتُكَ ومَنزِلةُ أُمَّتِك، ثم تلا رسول الله ﷺ : ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ٦٨]. ثم دخلت إلى البيت المعمور، فصلَّيتُ فيه، ثم نظرتُ فإذا أُمَّتي شطران: شطر عليهم - أي - ثيابٌ دَنِسة، وشطر عليهم ثياب البيض، فدخل الذي (١) عليهم الشّياب البيضُ، واحتبس الآخرون، وكل على خير. قال: ثم ذهب بي جبريل ﵇ إلى سدرة المنتهى، فإذا الورقة من ورقها لو غُطِّيَ بها هذه الأُمَّةُ لَغَطَّتْهم، وإذا السلسبيل قد انفجر من أسفلها نهران: نهرُ الرَّحْمة، ونهر الكوثر، فاغتسلتُ في الرَّحمة، فغُفر لي ما تقدَّم مِنْ ذَنْبي وما تأخر، وأُعْطِيتُ الكوثر، فسلَكْتُ حتى انفجر في الجنَّة. ونظَرْتُ إلى الجنَّةِ، فإذا طيرُها كالبُخْت، وإذا الرُّمَّانَةُ مِنْ رُمَّانِها كَجِلْد البعيرِ المُقْوَرٌ (٢) - وفي غيرِ رواية حماد: «كأنَّها جلود الإبل المُقَبَّبة» - وإذا أنا بجارية، قلت: يا جارية، لمن أنتِ؟ فقالت: لزيد بن حارثة، فبشَّرْتُ بها زيدًا، وإذا في الجنَّةِ ما لا عين رأت ولا أذُنٌ سَمِعَتْ، ولا خطر على قلب بشر. - وفي غير رواية حماد، عَقِيب ذِكْرِ الطَّيْر: قال أبو بكر ﵁: يا رسول الله، إنَّ تلك الطَّير لَناعمة، قال: «آكِلُها أنعَم منها يا أبا بكر، وإني أرجو أن تأكل منها» رجعنا إلى رواية حماد

стр. 738

قال: [ونظرتُ إلى النَّار] (١) فإذا عذاب الله شديد، لا تقوم له الحجارة ولا الحديد. قال: فرجَعْتُ في الكوثر (٢) حتى انتهَيْتُ إلى السِّدْرة المُنْتَهَى، فَغَشِيَها مِنْ أمر الله - تعالى - ما غَشِي، ووقع على كلِّ ورقةٍ منها ملك، وأيدها الله بأياديه، وأوحى الله - تعالى - إليه (٣) ما أوحى، وفرض علي في كلِّ (٤) يوم وليلة خمسين صلاةً. فنزَلْتُ حتى انتهيت إلى موسى ﵇، فقال: ما فَرَضَ رَبُّك على أُمَّتِك؟ فقلتُ: خمسين صلاة في كل يوم وليلة، فقال: إِنَّ أُمَّتَكَ لا تُطيق ذلك، وإني قد بلَوْتُ بني إسرائيل وخبَرْتُهم، فارجع إلى ربِّكَ وَعَزَّ فَسَلْهُ التَّخْفِيفَ لأُمَّتِك، فرجَعْتُ فقلت: أي رَبِّي خَفِّفْ عن أُمَّتِي، فحَطَّ عنِّي خمسًا - وفي غير رواية حماد: «عشرًا» - فرجَعْتُ إلى موسى، فقال: ما فعلت؟ فقلتُ: حَطَّ عنِّي خمسًا، قال: إِنَّ أُمَّتَك لا تُطِيق ذلك، فارجع إلى ربك فسله التخفيف، فقلت: أي ربِّ، خَفِّفْ عن أُمَّتِي فحَطَّ عنِّي خمسًا، فلم أزَلْ أرجع بين ربي وبين موسى ﵇ ويَحُطُّ عنِّي خمسًا، حتى فرَضَ عليَّ خمس صلوات في كلِّ يوم وليلة، ثم قال: يا محمد، لا يُبَدَّلُ القولُ لدي، هُنَّ خمس صلواتٍ، لِكُلِّ صلاةٍ عَشْرٌ، فَهُنَّ خمسون صلاةً، ومَن هَمَّ بحسنةٍ فلم يَعْمَلُها كُتِبَتْ حسنةً، ومن عَمِلَها كُتِبَتْ عشر أمثالها، ومن هم بسيئة فلم يعملها لم تُكْتَبْ عليه، فإِنْ عَمِلها كُتِبَتْ سَيِّئَةً واحدة، فرجَعْتُ إلى موسى فأخبَرْتُه، فقال: ارْجِعْ إِلى رَبِّكَ فَسَلْه التَّخْفِيفَ لأُمَّتِك، فقلتُ: قد رَجَعْتُ إلى ربي حتى استَحْيَيْتُ (٥).

стр. 739

هذا حديث مشهور من حديث أبي هارون عُمارة بن جُوَين، رواه عنه غيرُ هؤلاء الستة المذكورين، مع نسبتهم إيَّاه إلى الضعف. وقد رُوي من غير هذا الوجه عن أبي سعيد: ٢٠٠ - أخبرنا بذلك الحُسين بن عبد الملك الأديب ﵀ أخبرنا مُطيار بنُ أحمدَ وشَيْبانُ بنُ عبدِ الله وغيرهما، قالوا: أخبرنا علي بن يحيى الإمام، حدثنا سليمان بن أحمد، حدثنا علي بن المبارك الصنعاني، حدثنا زيد بن المبارك، حدثنا محمدُ بن ثَوْرٍ، عن ابن جُرَيج قال: حُدِّثْتُ عن أبي سعيدٍ الخُدْرِيِّ، وأنس بن مالك ﵄ يزيد أحدهما على صاحبه، وأكثر الحديث عن أبي سعيد قال: أتَى النَّبِيَّ ﷺ ملكان، وهو مُضطَجِعُ في رَجُلَيْن بباب الكعبة أو في الحِجْر، فقال أحدهما لصاحبه: أيُّهم هو؟ قال: هذا خيرهم وسَيِّدُهم. قال: «فانطلقا بي إلى زمزم، فشَقًا ما بين ثغرة نَحْري إلى شُرْسُوفي (١)، ثم غسلا جَوْفي من ماء زمزم، ثم أُتِيَ بطَسْتٍ مِنْ ذهب مَلا إيمانًا وحكمة، فمَلا جَوْفي إيمانًا وحكمة» (٢)، ثم ذكر الحديث نحو ما تقدم. وقال في صفة البراق: «لها (٣) جناحان مُحْمَرٌّ بهما رِجْلاها».

стр. 740

وقال فيه: «فناداني مُنادٍ عن يميني: يا محمد، على رِسْلِكَ أسألكَ، فأغشَيْتُه ولم أُعَرِّج عليه وكذلك قال في المُنادِيين الآخرين». وقال عقيب ذكر الرجال الذين رآهم ووصفهم: «هذا في برزخ ما بين الدُّنيا والآخرة، ثم مضينا إلى السماء الدُّنيا». وقال في ذكر يحيى وعيسى: «ويحيى أكبر من عيسى». وقال في صفة يوسف: «فإذا أنا فيها برجُلٍ فَضْلُ حُسْنِهِ كَضَوْء القمر ليلةَ البَدْرِ على سائر الكواكب». وقال في صفة موسى: «كأنَّه من رجال شنوءة». وقال في صفة إبراهيم ﵇: «فإذا أنا بشيخ أشد ما رأيتُ من النَّاس بياضًا، أشعر». وقال في صفة السدرة: «فإذا الورقة منها تُظِلُّ الأُمَّة مِنْ النَّاس، وإذا في أسفلها عَيْنٌ تُسمَّى سَلْسبيلًا». وقال في صِفَة الصَّلاة: «فرجع، فوضع عنه عشرين صلاة، حتى صارت إلى خمس وباقي الحديث بمعنى ما تقدم (١)». وقوله (دابَّة أبيضُ مُضطَرِبُ الأذُنَين) أراد: حيوان أبيض، فلذلك ذكره. وقوله (فلم أُعَرِّج عليه) أي: لم أقف عليه، ولم أمكث عنده. وفي قوله (ناداني مُنادٍ عن يميني) دليلٌ على أنَّ الشَّيطان قد يَعْرِضُ مِنْ قبل الخير والآخرة، حتى يُوقِعَ العبد في البدعة، ومِن قِبَلِ السُّنَّةِ حتى يَغْلُوَ فيها فَيُبتدع. وقوله (على رِسْلِكَ) أي: امكُث وتأَنَّ، وجَزْمُ (أَسْأَلْك) جوابًا للمعنى لا للفظ. وقوله في صفة الدُّنيا (ناشرةٌ يديها) وفي غير هذه الرواية: «رافعة يديها».
следующие страницы →