← Книги сунны

Книги сунны · id 30195

الطوالات - لأبي موسى المديني

أبو موسى المديني

Полный текст (962 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

ثم عرج بنا إلى السماء الثالثة، فاستَفْتَح جبريل ل فقيل له: من أنت؟ قال: جبريل ﵇، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد أُرْسِلَ إليه؟ قال: قد أُرْسِل إليه، ففتح لنا، فإذا أنا بابني الخالة: يحيى وعيسى ﵉، - وفي غير رواية حمَّادٍ: «شَبِيهٌ أحدُهما بصاحبه ثيابهما وشعرهما» - فرحبا، ودعيا لي بخير. ثم عرج بنا إلى السماء الرَّابعة، فاستَفْتَح جبريل ﵇ فقيل: من أنت؟ قال: أنا جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد أُرْسِلَ إليه؟ قال: قد أُرْسِل إليه، ففتح لنا، فإذا أنا بإِدْرِيسَ ﵇ فرحب، ودعا لي بخير، ثم تلا رسول الله ﷺ : ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾ [مريم: ٥٧]. ثم عرج بنا إلى السماء الخامسة، فاستَفْتَح جبريل ﵇ فقيل: من أنت؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد أُرْسِلَ إليه؟ قال: قد أُرْسِل إليه، ففتح لنا، فإذا أنا بهارون ﵇ وإذا هو أكثر من رأيتُ تبعًا، وإذا لحيته شطران شطر بياض، وشطر سواد، فقلتُ: مَنْ هذا يا جبريل؟ قال: هذا المُحبَّبُ في قومه - وفي غير رواية حمَّادٍ: «طويلُ اللحية، تكاد لحيته تَمسُّ سُرَّتَه» - فرحب، ودعا لي بخير. ثم عرج بنا إلى السماء السَّادسة، فاستَفْتَح جبريل ﵇ فقيل: من أنت؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد أُرسل إليه؟ قال: قد أُرْسِل إليه، ففتح لنا، فإذا أنا بموسى ﵇ فرحب بي، ودعا لي بخير، فقال موسى: يَزْعُم بنو إسرائيل أنّي أكرمُ الخَلْقِ على الله ، وهذا أكرم على الله مني، فلو كان وحده لهان عليَّ، ولكنَّ النَّبِيَّ بعده أتباعُه مِنْ أُمَّتِه - وفي غير رواية حمَّاد فوصفه رسول الله ﷺ فقال: «رجل كثير الشعر، لو كان عليه قميصان خرج (١) شعره منهما» - ثم عرج بنا إلى السماء السابعة، فاستَفْتَح جبريل ﵇ فقيل: من أنت؟

стр. 737

قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد أُرسل إليه؟ قال: قد أُرْسِل إليه، ففتح لنا، فإذا أنا بشيخ أبيضَ الرَّأْسِ واللحية، وإذا هو مُستند إلى البيت المعمور، وإذا هو يدخله كلَّ يوم سبعون ألف ملك، ثم لا يعودون إليه، فقلت: من هذا يا جبريل؟ قال: هذا أبوك إبراهيم ﵇ علي فرحب بي، ودعا لي بخير، ثم قال: يا محمد، هذه منزِلَتُكَ ومَنزِلةُ أُمَّتِك، ثم تلا رسول الله ﷺ : ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ٦٨]. ثم دخلت إلى البيت المعمور، فصلَّيتُ فيه، ثم نظرتُ فإذا أُمَّتي شطران: شطر عليهم - أي - ثيابٌ دَنِسة، وشطر عليهم ثياب البيض، فدخل الذي (١) عليهم الشّياب البيضُ، واحتبس الآخرون، وكل على خير. قال: ثم ذهب بي جبريل ﵇ إلى سدرة المنتهى، فإذا الورقة من ورقها لو غُطِّيَ بها هذه الأُمَّةُ لَغَطَّتْهم، وإذا السلسبيل قد انفجر من أسفلها نهران: نهرُ الرَّحْمة، ونهر الكوثر، فاغتسلتُ في الرَّحمة، فغُفر لي ما تقدَّم مِنْ ذَنْبي وما تأخر، وأُعْطِيتُ الكوثر، فسلَكْتُ حتى انفجر في الجنَّة. ونظَرْتُ إلى الجنَّةِ، فإذا طيرُها كالبُخْت، وإذا الرُّمَّانَةُ مِنْ رُمَّانِها كَجِلْد البعيرِ المُقْوَرٌ (٢) - وفي غيرِ رواية حماد: «كأنَّها جلود الإبل المُقَبَّبة» - وإذا أنا بجارية، قلت: يا جارية، لمن أنتِ؟ فقالت: لزيد بن حارثة، فبشَّرْتُ بها زيدًا، وإذا في الجنَّةِ ما لا عين رأت ولا أذُنٌ سَمِعَتْ، ولا خطر على قلب بشر. - وفي غير رواية حماد، عَقِيب ذِكْرِ الطَّيْر: قال أبو بكر ﵁: يا رسول الله، إنَّ تلك الطَّير لَناعمة، قال: «آكِلُها أنعَم منها يا أبا بكر، وإني أرجو أن تأكل منها» رجعنا إلى رواية حماد

стр. 738

قال: [ونظرتُ إلى النَّار] (١) فإذا عذاب الله شديد، لا تقوم له الحجارة ولا الحديد. قال: فرجَعْتُ في الكوثر (٢) حتى انتهَيْتُ إلى السِّدْرة المُنْتَهَى، فَغَشِيَها مِنْ أمر الله - تعالى - ما غَشِي، ووقع على كلِّ ورقةٍ منها ملك، وأيدها الله بأياديه، وأوحى الله - تعالى - إليه (٣) ما أوحى، وفرض علي في كلِّ (٤) يوم وليلة خمسين صلاةً. فنزَلْتُ حتى انتهيت إلى موسى ﵇، فقال: ما فَرَضَ رَبُّك على أُمَّتِك؟ فقلتُ: خمسين صلاة في كل يوم وليلة، فقال: إِنَّ أُمَّتَكَ لا تُطيق ذلك، وإني قد بلَوْتُ بني إسرائيل وخبَرْتُهم، فارجع إلى ربِّكَ وَعَزَّ فَسَلْهُ التَّخْفِيفَ لأُمَّتِك، فرجَعْتُ فقلت: أي رَبِّي خَفِّفْ عن أُمَّتِي، فحَطَّ عنِّي خمسًا - وفي غير رواية حماد: «عشرًا» - فرجَعْتُ إلى موسى، فقال: ما فعلت؟ فقلتُ: حَطَّ عنِّي خمسًا، قال: إِنَّ أُمَّتَك لا تُطِيق ذلك، فارجع إلى ربك فسله التخفيف، فقلت: أي ربِّ، خَفِّفْ عن أُمَّتِي فحَطَّ عنِّي خمسًا، فلم أزَلْ أرجع بين ربي وبين موسى ﵇ ويَحُطُّ عنِّي خمسًا، حتى فرَضَ عليَّ خمس صلوات في كلِّ يوم وليلة، ثم قال: يا محمد، لا يُبَدَّلُ القولُ لدي، هُنَّ خمس صلواتٍ، لِكُلِّ صلاةٍ عَشْرٌ، فَهُنَّ خمسون صلاةً، ومَن هَمَّ بحسنةٍ فلم يَعْمَلُها كُتِبَتْ حسنةً، ومن عَمِلَها كُتِبَتْ عشر أمثالها، ومن هم بسيئة فلم يعملها لم تُكْتَبْ عليه، فإِنْ عَمِلها كُتِبَتْ سَيِّئَةً واحدة، فرجَعْتُ إلى موسى فأخبَرْتُه، فقال: ارْجِعْ إِلى رَبِّكَ فَسَلْه التَّخْفِيفَ لأُمَّتِك، فقلتُ: قد رَجَعْتُ إلى ربي حتى استَحْيَيْتُ (٥).

стр. 739

هذا حديث مشهور من حديث أبي هارون عُمارة بن جُوَين، رواه عنه غيرُ هؤلاء الستة المذكورين، مع نسبتهم إيَّاه إلى الضعف. وقد رُوي من غير هذا الوجه عن أبي سعيد: ٢٠٠ - أخبرنا بذلك الحُسين بن عبد الملك الأديب ﵀ أخبرنا مُطيار بنُ أحمدَ وشَيْبانُ بنُ عبدِ الله وغيرهما، قالوا: أخبرنا علي بن يحيى الإمام، حدثنا سليمان بن أحمد، حدثنا علي بن المبارك الصنعاني، حدثنا زيد بن المبارك، حدثنا محمدُ بن ثَوْرٍ، عن ابن جُرَيج قال: حُدِّثْتُ عن أبي سعيدٍ الخُدْرِيِّ، وأنس بن مالك ﵄ يزيد أحدهما على صاحبه، وأكثر الحديث عن أبي سعيد قال: أتَى النَّبِيَّ ﷺ ملكان، وهو مُضطَجِعُ في رَجُلَيْن بباب الكعبة أو في الحِجْر، فقال أحدهما لصاحبه: أيُّهم هو؟ قال: هذا خيرهم وسَيِّدُهم. قال: «فانطلقا بي إلى زمزم، فشَقًا ما بين ثغرة نَحْري إلى شُرْسُوفي (١)، ثم غسلا جَوْفي من ماء زمزم، ثم أُتِيَ بطَسْتٍ مِنْ ذهب مَلا إيمانًا وحكمة، فمَلا جَوْفي إيمانًا وحكمة» (٢)، ثم ذكر الحديث نحو ما تقدم. وقال في صفة البراق: «لها (٣) جناحان مُحْمَرٌّ بهما رِجْلاها».

стр. 740

وقال فيه: «فناداني مُنادٍ عن يميني: يا محمد، على رِسْلِكَ أسألكَ، فأغشَيْتُه ولم أُعَرِّج عليه وكذلك قال في المُنادِيين الآخرين». وقال عقيب ذكر الرجال الذين رآهم ووصفهم: «هذا في برزخ ما بين الدُّنيا والآخرة، ثم مضينا إلى السماء الدُّنيا». وقال في ذكر يحيى وعيسى: «ويحيى أكبر من عيسى». وقال في صفة يوسف: «فإذا أنا فيها برجُلٍ فَضْلُ حُسْنِهِ كَضَوْء القمر ليلةَ البَدْرِ على سائر الكواكب». وقال في صفة موسى: «كأنَّه من رجال شنوءة». وقال في صفة إبراهيم ﵇: «فإذا أنا بشيخ أشد ما رأيتُ من النَّاس بياضًا، أشعر». وقال في صفة السدرة: «فإذا الورقة منها تُظِلُّ الأُمَّة مِنْ النَّاس، وإذا في أسفلها عَيْنٌ تُسمَّى سَلْسبيلًا». وقال في صِفَة الصَّلاة: «فرجع، فوضع عنه عشرين صلاة، حتى صارت إلى خمس وباقي الحديث بمعنى ما تقدم (١)». وقوله (دابَّة أبيضُ مُضطَرِبُ الأذُنَين) أراد: حيوان أبيض، فلذلك ذكره. وقوله (فلم أُعَرِّج عليه) أي: لم أقف عليه، ولم أمكث عنده. وفي قوله (ناداني مُنادٍ عن يميني) دليلٌ على أنَّ الشَّيطان قد يَعْرِضُ مِنْ قبل الخير والآخرة، حتى يُوقِعَ العبد في البدعة، ومِن قِبَلِ السُّنَّةِ حتى يَغْلُوَ فيها فَيُبتدع. وقوله (على رِسْلِكَ) أي: امكُث وتأَنَّ، وجَزْمُ (أَسْأَلْك) جوابًا للمعنى لا للفظ. وقوله في صفة الدُّنيا (ناشرةٌ يديها) وفي غير هذه الرواية: «رافعة يديها».

стр. 741

أي: كما تَفْعَل العَرُوسُ عند الاجتلاء؛ لأنَّ أكثر ما يكونُ الحُلِيُّ والخضاب والزينة في اليد. وقوله (لاختَرْتَ الدُّنيا على الآخرة) وفي غير هذه الرواية: «لاختارَتْ أُمَّتُك الدُّنيا على الآخرة» وهو أحسن في المعنى. وقوله (ألم ترَوْا إلى الميت إذا شَقَّ بصره) أي: إذا فتحه. وقوله (فإذا أنا بأخاوين) كأنَّه جمع الخوان (١). وقوله (فَيَضْفِزونهم إيَّاها) أي: يُلْقِمونهم ويُطْعِمونهم، وفي صِفَة الروافض: يُضْفَزون الإسلام، فيَلْفِظُونه (٢). وقوله (فإذا أُمَّتي شطران) يمكن أن يُريد به المُلوثِين بالخطايا والمُنَقَّيْن. وقوله (فسلَكْتُ) أي: سِرْتُ (٣) يعني على حافة الكوثر. وقوله (كجلد البعير المُقْوَرُّ) أي: الذي خيط جلده حتى يصير كهيئة الجراب أو نحوه مُدَوَّرًا، وكذا المُقبَّب. وقوله (وأيدها الله بأياديه) كذا في الرواية، ولعل الصواب: وأَيَّدَني الله، وكذلك (وأوحى الله إليه) يريد: أوحى الله إليَّ، إلا أن يكون أبو سعيد الخُدْرِيُّ يقولُ: وأيَّده الله، يعني النَّبِيَّ ﷺ ، وكذا (وأوحى الله إليه)، والله أعلم.

стр. 742

وقد رأيتُ في موضع آخر هذا الحديث منسوبًا إلى رواية أبي سعيد الخُدْري بغير إسناد، زاد فيه زياداتٍ كثيرةً لم أجدها في غير ذلك الموضع، فلم أعتمد عليه، إلا أَنْ أَجدَه بإسناده. * * * ٢٠١ - أخبرنا أبو علي الحداد بقراءة والدي عليه -رحمهما الله- سنة سبع وخمس مئة، حدثنا أبو نعيم أحمد بن عبد الله، حدثنا فاروق بن عبد الكبير الخطابي، حدثنا أبو مسلم إبراهيم بن عبد الله الكَشْيُّ، حدثنا حَجَّاج بنُ مِنْهال، حدثنا حماد - يعني ابن سلمة، عن الحَجَّاج - هو ابنُ أَرْطَاةَ - عن عَطِيَّة بن سعد، ح. وأخبرنا إسماعيل بن الفضل بن أحمد، أخبرنا أحمد بن الفضل بن حمد، حدثنا محمَّد بن إسحاقَ، أخبرنا محمَّدُ بنُ يعقوب، حدثنا محمد بن إسحاق الصَّنْعانِيُّ، وجعفر الصائغ، قالا حدثنا محمَّدُ بنُ سابق، حدثنا شيبان، عن فراس، عن عَطِيَّة، عن أبي سعيد ﵁. وأخبرنا أبو الفرج سعيد بن أبي الرجاء ﵀ بقراءتي عليه - والسياق لروايته - أخبرنا أبو أحمد عبد الواحد بن أحمد بن محمَّدٍ المُعَلِّمُ، أخبرنا عبيد الله بن يعقوب، أخبرنا جَدِّي إسحاقُ بْنُ جَمِيل، أخبرنا أحمدُ بنُ مَنِيع بن عبد الرحمن، حدثنا حُسَينُ بنُ حسنِ بنِ عَطِيَّةَ، عن أبيه، عن جده أنه سأل أبا سعيد الخُدْرِي ﵁ عن الدَّجَّالِ؟ فقال أبو سعيد ﵁: إنَّ رسول الله ﷺ قال: «ألا إِنَّ كلَّ نبي قد أنذره قومه، ألا وإنه يومَ قد أكل الطَّعام، ألا إني عاهِدٌ إليكم فيه عَهْدًا لم يَعْهَدْه نبي إلى أمته، ألا وإنَّ عينه اليمنى ممسوحةٌ كأَنَّها نُخاعةٌ في أَمَّتِه (١) ألا وإنَّ عينه اليُسْرَى كأنَّها كوكبٌ دُرِّيٌّ، معه مِثْلُ الجنَّةِ والنَّار، فالنَّار روضة خضراء،

стр. 743

والجنة غبراء [ذات] (١) دخان، وبين يديه رجلان ينذران أهل القرى، كلما دخلا قرية أنذرا أهلها، فإذا خرجا منها دخل أول أصحاب الدجال، فيدخل القرى كلها غير مكة (٢) والمدينة حرمتا عليه. والمؤمنون متفرقون في الأرض، فيجمعهم الله ، فيقول رجل منهم: والله لأنطلقن فلأنظرن أهذا الذي أنذرناه رسول الله ﷺ ؟ فيقول له أصحابه: إنا لا ندعك ثانية، ولو علمنا أنه يقتلك لخلينا سبيلك، ولكنا نخاف أن يفتنك فتتبعه، فيأبى إلا أن يأتيه، فينطلق، حتى إذا [أتى] (٣) أدنى مسلحة من مسالحه أخذوه، فسألوه: ما شأنك؟ وأين تريد؟ فيقول: أريد الدجال الكذاب، فيقول (٤): أنت تقول ذاك! فيكتبون إليه: إنا أخذنا رجلا يقول كذا وكذا، فنقتله أم نبعث به إليك؟ فيقول: أرسلوا به إلي. فانطلقوا به، فلما رآه عرفه بنعت رسول الله ﷺ ، فقال له: أنت الدجال الكذاب الذي أنذرناه رسول الله ﷺ ، فقال له الدجال: أنت تقول ذاك! لتطيعني فيما آمرك به، أو لأشقنك شفتين - وفي غير هذه الرواية: «أو لأشقنك بسيفي» - فنادى العبد المؤمن في الناس: يا أيها الناس، هذا المسيح الكذاب، فأمر به فمد برجليه، ثم أمر بحديدة فوضعت على عجب ذنبه، فشقه شقتين، ثم قال الدجال لأوليائه: أرأيتم إن أحييت هذا، ألستم تعلمون أني ربكم؟ فأخذ عصى فضرب أحد شقيه، أو الصعيد، فاستوى قائما، فلما رأى أولياؤه صدقوه وأحبوه - وفي غير هذه الرواية: «وأجابوه، وأيقنوا أنه ربهم، واتبعوه» -، فقال الدجال للعبد المؤمن: ألا تؤمن بي؟ فقال: أنا الآن فيك أشد بصيرة.

стр. 744

ثم يُنادي في الناس: يا أيُّها النَّاس، هذا المسيح الكذاب، من أطاعه فهو في النَّار، ومن عصاه فهو في الجنَّة، فقال الدَّجَّال: لَتُطِيعَنِّي أو لأذبحنك، فقال: والله لا أُطيعك، إنَّك لأنتَ الكذَّابُ، فأمَرَ به فأُضْجِعَ، وأمَرَ بِذَبْحِه، فلم يَقْدِرُ عليه، لم يُسَلَّط عليه إلا مرَّةً واحدة، فأُخِذَ بيديه ورجليه فأُلْقِيَ في الجنَّة، وهي غَبْراء ذاتُ دُخان». فقال رسول الله ﷺ : «ذاك الرَّجُل أقرب أُمَّتِي مِنِّي، وأرفَعُهم درجةً يوم القيامة». - وفي رواية الحجاج: «قُمْ، قال: ثم يعود فيَذْبَحُه، فَيَضْرِبُه بعصى معه، فيقول (١): قُمْ، فيقوم - ثلاث مَرَّات ـ، فيعود الرابعة ليذبحه، فيضرب الله تعالى - على حَلْقِه صَفِيحةً مِنْ نُحاس فيريد أن يذبحه» قال أبو سعيد ﵁: فما درَيْتُ ما النُّحاس إلا يومئذ. روايةُ الحَجاج إلى هنا - قال أبو سعيد: ما كان يَحْسَبُ أصحاب محمد ﷺ أَنَّ ذلك الرَّجُلَ إلا عمر بن الخطاب ﵁ حتى مضى لسبيله. قلت: وكيف يَهْلِك؟ قال: الله على أعلم. قلت: إنَّ عيسى ابن مريم ﵉ هو يُهْلِكه؟ قال: الله أعلم، غير أنَّ الله يُهْلِكُه ومن معه. قلت: فماذا يكون بعده؟ قال: حدثنا رسول الله ﷺ : «إِنَّ النَّاسِ يَغْرِسون من بعده الغُروس، ويَتَّخِذون من بعده الأموال». فقلت: سبحان الله! أبعد الدَّجَّال؟! قال: نعم. فيَمْكُثون ما شاء الله أن يمكثوا، ثم يُفْتَحُ يأجوج ومأجوج، فيُهْلِكون من في الأرض إلا مَنْ تَعلَّق بحِصْنٍ، فلما فرغوا من أهل الأرض، أقبل بعضُهم على بعض فقالوا: إنما بَقِي مَنْ في الحُصون ومَن في السَّماء، فَرَمَوْا بنبالٍ لهم

стр. 745

فخَرَّتْ عليهم مُتمغّرةً دمًا، فقالوا: قد استرَحْتم مِمَّنْ في السماء، وبَقي مَنْ في الحصون، فحاصروهم حتى اشتَدَّ عليهم الحَصْرُ والبلاء، فبينما هم كذلك إذ أرسل الله عليهم نَغَفًا في أعناقهم، فقطعَتْ أعناقهم، فمال بعضُهم على بعض مَوْتى، فقال رجل: قتلهم الله ورب الكعبة، فقالوا: إنما يفعلون هذا مخادعةً، فنَخْرُجُ إليهم فيُهْلكونا كما أهلَكُوا إخواننا، فقال: افتحوا لي الباب، فقال أصحابه: لا نفتح لك، فقال: دَلُّوني بحبل، فلما نزل وجدَهم مَوْتى، فخرج النَّاس من حصونهم. فحدثني أبو سعيد ﵁ أَنَّ مَواشِيَهم جعل الله لهم حياةً يَقْضَمُونها، وما يجدون غيرها. قال: وحدثنا رسول الله ﷺ : «إِنَّ النَّاسِ يَغْرِسون بعدهم الغُروس، ويتخذون الأموال» قلت: سبحان الله! أبعد يأجوج ومأجوج؟! قال: نعم، حدثنا بذلك رسول الله ﷺ . فبينما هم في تجاراتهم، إِذْ نادى مُنادٍ مِنْ السَّماء: أتى أَمْرُ الله، فَفَزِعَ من في الأرض حين سمعوا الدَّعْوةَ، وأقبل بعضُهم على بعض، وفَزِعوا فزَعًا شديدًا، ثم أقبلوا بعد ذلك على تجاراتهم وأسواقهم وضياعهم (١). فبينما هم كذلك، إذ نودوا نادية أخرى: يا أيُّها الناس، أتى أمر الله، فانطلَقُوا نحو الدعوة التي سَمِعوا، وجعل الرَّجلُ يَفِرُّ مِنْ غنمه وتَتْبَعُه، وذَهَلُوا من مواشيهم، وعند ذلك عُطَّلَتْ العِشار. فبينما هم كذلك يَسْعَوْن قِبَلِ الدَّعوة، إذ نُفِخ في الصور، فصعق من في السَّماوات ومن في الأرض، فمَكَثُوا ما شاء الله، ثم نُفخ فيه أخرى، فإذا هم قيام ينظرون، ثم جيء بجهنّم لها زَفِيرٌ وشهيق، ثم جاءت عنق مِنْ النَّارِ تَسِير، تَكَلَّمُ تقول: إِنِّي وُكِّلْتُ اليوم بثلاث: إِنِّي وُكِّلْتُ بكلِّ جَبَّارٍ عَنِيد، ومن دعا

стр. 746

مع الله إلهًا آخر، ومَن قتلَ نَفْسًا بغير نَفْس، فتنطوي عليهم فتَقْذِفُهم في غمرات جهنم، وحدثني أنها أشَدُّ سوادًا من الليل. ثم يُنادى آدم ﵇ فيقال: أَخْرِجْ بَعْثَ النَّارِ مِنْ ولدك، قال: يا ربّ، وما هو؟ قيل: مِنْ كلِّ ألفٍ تِسْعَ مئةٍ وتسعةً وتسعين إلى النار، وواحدًا إلى الجنَّة، فذلك حين شابَ الوِلْدان. وكبر ذلك في صدورنا، حتى عرفه في وجوهنا، فقال رسول الله ﷺ : «أَبْشِرُوا، فإِنَّ مَنْ سِواكم من أهل الشرك كثير. ويُحْبَسُ النَّاسِ، يَبْلُغ العرَقُ ثُدِيَّهُم، فبينما هم إذ عرف رجل أباه، وهو مؤمن وأبوه كافر، فقال: يا أبه، ألم أكُنْ آمُرك أَنْ تُقدّم ليومك هذا؟ فقال: يا بُنَيَّ، اليوم لا أَعْصِيك شيئًا، والأُمَمُ جُنُوًا، كلُّ أُمَّةٍ على ناحيتها. فأُتي باليهود، فقيل لهم: ما كنتم تَعْبُدون؟ فقالوا: كُنَّا نَعْبُد كذا وكذا، فمُثْلَ لهم، وقيل لهم: رِدُوا، فورَدُوا يَحْسَبُونه ماءً، فوجدوا الله فَوَفَّاهم حسابهم، والله سريع الحساب، ثم فُعِل بالنَّصارى والمجوس وسائر الأمم مِثْلُ ذلك، ثم أُتي بالمسلمين، فقيل لهم: مَنْ ربُّكم؟ قالوا: الله ربنا، قيل: ومَن نبيكم؟ قالوا: نبينا محمد. وعلى الصراط مَحاجِن مِنْ حديد والملائكةُ يَخْتَطِفون رجالًا فيُلْقُونَهُم في جهنم، وجعلت المَحاجِنُ تُمْسِكُ رِجالًا، فتأكلُهم النَّارُ إلا صورة وجهه لا تمَسُّه النَّار، فإذا خَلَص من جهنَّمَ ما شاء الله أن يَخْلُصَ، وخلَصَ ذلك الرَّجُل بأبيه فيمن خلص، قيل له: هذه الجنَّةُ فادخُل مِنْ أي أبوابها شِئْتَ، وَأَرْسِلْ هذا الرَّجُلَ، فقال: يا ربِّ، هذا أبي، وقضَيْتَ لي أنْ لا تُخْزِيَنِي، فَشَفِّعْنِي في أبي، فأعرض عنه، ثم قيل له (١): هذه أبواب الجنَّةِ، فَادخُلْ مِنْ أيها شِئْتَ، وأَرْسِلْ هذا الرَّجُلَ، فقال: ربِّ، هذا أبي، وقضَيْتَ أن لا تُخْزِيَنِي، فَشَفِّعْنِي

стр. 747

في أبي، فقيل له: انْظُرْ فوقك، ثم قيل: انْظُرْ أسفل منك، فإذا بدابَّة خبيثة الرِّيح، في مراغة خبيثة، فرأيتُه مُمْسِكًا بأَنْفِه وجبهته، قال: يقول ذلك الرَّجلُ وهو آخذ بأنفه وجبهته مِنْ خُبْثِ ريحه: أي ربِّ، ليس هذا أبي، فأخذ أبوه فأُلْقِي في النَّار، وحرَّمَ الله - تعالى - الجنَّةَ على الكافرين. فلما خلص ما شاء الله أن يَخْلُصَ، يفقد النَّاسُ بعضُهم بعضًا، فقالوا: ربَّنا، أين رجال كانوا يُصَلُّون ويصومون ويجاهدون معنا؟ قيل لهم: ادخلوا، فمن عرَفْتُم فأَخْرِجوه، فوجدوا المَحاجِنَ التي على الصراط قد أمسكت رجالًا قد أكلتهم النَّارُ إلا صورة أحدهم يُعْرَفُ بها، فاكتَبَسُوا فَأُلْقُوا على باب الجنَّةِ، قالوا: ربَّنا، نحن الآن في مسألتنا أشَدُّ رَغْبةً، أرأيت رجالًا كانوا يُصَلُّون ويصومون ويجاهدون معنا، قيل لهم: ادخلوا، فمن عرَفْتُم فأَخْرِجوه، ونُضِحَتْ حتى بَرَدَتْ على المؤمنين، فدخلوا فوجدوا الذين تَخْطَفُهم الملائكة فأَلْقَوْهم يمينًا وشمالًا قد أكلتهم النَّارُ إلا صورة أحدهم يُعرف بها، فاكْتَبَسُوهم فأخرَجُوهم فَأَلْقَوْهم على باب الجنَّة». قال: وحدثني أنَّ نبي الله ﷺ قال: «إِنَّ كلَّ نبي أُعْطِيَ عَطِيَّةً يُنَجِّزُها، وإنِّي اختبأت عطيتي شفاعةً لأُمَّتي يوم القيامة، ووُضِعَتْ الميزان، وأُذن في الشَّفاعة، فأُعْطِيَ كلُّ ملَكٍ أو نبي أو صِدِّيقٍ أو شهيد شفاعته حتى يَرْضَى، فقال لهم ربهم : أَقَدْ رَضِيتُم؟ قالوا: نعم، قد رضينا ربَّنا، فقال ﵎: أنا أَرْحَمُ بخَلْقي منكم، أَخْرِجُوا مِنْ النَّارِ مَنْ في قلبه وَزْنُ حَبَّةِ خَرْدَلٍ مِنْ إيمان، فأُخْرِجَ بذلك شيء لا يَعْلَمُ عدده إلا الله فَأُلْقُوا على باب الجنة، فأُرْسِلَ عليهم من ماء الجنَّةِ، فَنَبَتُوا فيه نبات التعارير. وأُدْخِلَ الذين أُخْرِجوا من النَّار الجنَّةَ كلُّهم إلا رجلًا واحدًا، وأُغْلِقَ باب الجنة دونه، ووُجّهَ تِلقاءَ النَّار، فقال ذلك الرَّجُل: يا ربِّ، لا أَكُون أَشْقَى خَلْقِكَ، اصْرِفْ وجهي عن النار إلى الجنَّة، فقيل له: لعلّكَ تسأل غير هذا؟ فقال: لا، فصُرِفَ وجهه عن النار إلى الجنَّة، فيقول: ربِّ قَرِّبْني مِنْ هذا

стр. 748

الباب (١) أَلْزَقُ به وأكونُ في ظلّه، فقيل له: ألم تَزْعُمُ أَنَّكَ لا تَسْأَل شيئًا إلا أن يُصْرَفَ وجهك عن النار؟ فقال: يا ربِّ، لا أَسْأَلُك غير هذا، فقُرِّبَ إلى الباب فلَزِقَ به وكان في ظلّه، ففُرج من الباب فُرْجةً إلى الجنَّة، فحدثني أنَّ فيها صراطًا أبيض في أدناه شجرة، وفي أوسطه شجرة، وفي أقصاه شجرة، فقال: أديني من هذه الشجرة فأكونُ في ظلّها، فقيل له: ألم تَزْعُم أَنَّك لست بسائل شيئًا؟ فقال: يا رب أسألك هذا ثم لا أسألك غيره، ففتح له الباب، فدخل، فلما أتى الشَّجرة فإذا الوُسْطَى أحسنُ مِنْ التي هي تحتها، فقال: قَرِّبْني إلى تلك الشجرة، وكانت تلك مسألته حتى صار إلى الوُسْطى، وإلى القُصْوَى، فلما أتى القُصْيَا (٢) أُرْسِل إليه رسولان، فقالا له: سَلْ ربَّك، فقال: ماذا أَسْأَلُه سوى ما أنا فيه، فقال: نعم، سَلْ رَبَّكَ، فسأله، وجعل الرَّسُولان يقولان له: سَلْ ربَّك من كذا وكذا، وسَلْ ربَّك من كذا وكذا، شيئًا لم يخطر على قلبه أنه خُلق أو أنَّه كان، فسأل ربه مما يعلمُ، ومما يَأْمُر به الرَّسُولان، حتى انتهت نفسه، فقيل له: فإِنَّه لكَ وعَشْرَةَ أَمْثالِه». قال: وحدثني أبو سعيد ﵁ أنَّ ذلك الرَّجُلَ أَدْنَى أَهلِ الجنَّةِ مَنْزِلَةٌ (٣).

стр. 749

هذا الحديث بهذا السياق لم نكتبه إلا من حديث عطية، عن أبي سعيد. ورواه عبيد الله الوصافي، عن عطية، مطولا (١). ورواه محمد بن العباس بن أيوب، عن الصنعاني. ورواه بعضهم الأعمش، عن عطية (٢). وترجمة عطية عن أبي سعيد من شرط أبي داود والترمذي وابن ماجه. وقد أخرج البخاري ومسلم - رحمهما الله - طرفا منه في ذكر الدجال من رواية عبيد الله بن عبد الله، عن أبي سعيد (٣). وقصة بعث النار أيضا مخرجة من حديث أبي سعيد (٤). وكذلك عامة الحديث قد توبع عطية على روايته عن أبي سعيد (٥). وقوله (إني عاهد إليكم فيه عهدا) أي: موص وصية، وواصفه وصفا. والمسلحة: موضع يقوم فيه جماعة من جند الملك بأسلحتهم من دون الملك، يحفظون مرهم، كما يسمون الطليعة، ويريد به مقدمة خيل الدجال. وعجب الذنب: عظم صغير منه يركب الخلق في القيامة، يكون (٦) في منتصف العجز فوقه. وقوله (فشقه شقتين) في نسخة أخرى: شقين، أي: قطعه نصفين.

стр. 750

والصَّعِيد: التراب. والمتمغّرة: المُتَغيّرةُ اللَّوْن [بالمَغْرة] (١) والمُتمَعرة: قريب منه. والنَّغَف: دُودٌ صِغار تكون في أنوف الغنم. وقوله (فقطعَتْ أعناقهم) في نسخة: فقصَمَتْ أعناقهم، أي: كسرتها. وقوله (يَقْضَمونها) أي: يأكلونها بأسنانهم يريد: أنَّ مواشي يأجوج ومأجوج جُعِلَتْ سببًا لحياة المسلمين؛ لأنهم لا يجدون غيرها. ويريد بالنادية: دَعْوةً ونداء واحدًا. و (غمرات جهنم) المواضع التي تكثر فيها النار. والرجل الذي يعرف أباه كافرًا وهو مؤمن: يتبين في غير هذا الحديث أنه إبراهيم خليل الرحمن - صلوات الله عليه -. و (المحاجن) جمعُ مِحْجَن، وهو حديدةٌ عُوجَ رأسها، يُعلَّق عليها اللَّحْمُ وغيره، ويُختطف بها الشيء. والمراغة: الموضع الذي يكون فيه التراب الناعم، يتمرغ فيه الدَّوابُ. و (يفقد النَّاس) أي: يطلبه. وقوله (فاكتبسوا) كأنه من قولهم: كبس الرَّجُل رأسه في ثوبه، أي: أدخله فيه، وفي مَقْتَل حمزة ﵁: «وهو مُكَبِّس» (٢) قال صاحب «الغريبين»: أي: «يَقْتَحِم النَّاسَ فَيُكَبِّسُهُم» (٣) والتنجز: أخذُ الشَّيء سريعًا. وقوله (نُضِحَت) أي: رُش عليها الماءُ، كأنَّها سكنتْ حتى صار [ت] (٤) كالمنضوحة.

стр. 751

و (الثعارير) الطراثيث (١)، وهو أسرع الأشياء نباتًا، شُبِّه سُرْعة نباتهم وصلاح أبدانهم بها. و (الصِّراط) الطريق، ويُرِيد بالأبيض: المُنير، كأنه يعني صَفًا من الشَّجَر. و (في أقصاه) أي: في أبعد موضع منه. وسائر ألفاظ الحديث قد وردَتْ مِنْ رِواياتٍ شَتَّى فَعُرف معناها. * * * ٢٠٢ - أخبرنا أبو علي الحسن بن أحمد الحداد حمله قراءة عليه، في مُحرَّمِ سنة ست وخمس مئة، حدثنا أبو نعيم أحمدُ بنُ عبد الله الحافظ، حدثنا أبو بكر أحمدُ بنُ السِّنْدي الحداد ببغداد، حدثنا إسماعيل بن عيسى العطار أبو محمدٍ، أخبرنا إسحاق بنُ بِشْر، أخبرنا سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن الحسن في هذه الآية: ﴿لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ﴾ إلى آخر الآية (٢). قال الحسن: حدثني أبو سعيد الخُدْرِيُّ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا كان المؤمن - يعني - في إقبال من الآخرة، وانقطاع من الدُّنيا، بعث الله إليه ملك الموت، ومعه سبعون ألف ملك، حسان الوجوه (٣)، مع كلِّ واحدٍ منهم رَيْطةٌ (٤) من رياط الجنة، ومِسْكُ أَذْفُرُ مِنْ مِسْك الجنَّة، قد بسطوا أيديهم، يَتبادرون مَنْ يَلي رَفْعَ رُوحِه، وملَكُ الموتِ ﵇ لا يُعالِجُ رُوحَه على ترسل ومهل، يقول: يا روح الطَّيِّب، أخْرُجي من الجسدِ الطَّيِّب، إلى رَوْح وريحان،

стр. 752

وجنة نعيم، فإذا رأى ذلك المؤمن، وتكشف له ما عند الله يتهوّع بنفسه لتخرج روحه شوقًا مما يرى، قال: فإذا انتهى الروح إلى الحلقوم، يقول الجسد: جزاك الله عني من صاحب خير، قَرَّبْتَنِي إلى طاعة الله - تعالى -، وباعدتني من معصية الله - تعالى -، ويقبض مَلَكُ الموتِ ﵇ روحه، فيبادره الملائكة، فيلف في تلك الرياط. ثم عُمِدَ إلى السماء، فتفتح له أبواب السماء، فليس باب إلا وهو يحب أن يصعد منه، فتتلقاه ملائكة السماء فتقبضه منهم، ثم يُرْفَعُ إلى السماء السابعة، ويشيّعه من كل سماء مَلَكُ من مُقَرَّبِها، حتى يُوافى به العرش، فيقول الله : مرحبًا بالروح الطيبة من الجسد الطيب، ثم يُدْعَى بصحيفة عمله، فيتجاوز عن سيئاته، ويتقبل حسناته، ثم يُخْتَمُ له بالرحمة بشهادة المقربين، ثم يضعه من تحت قائمة العرش اليمنى، فذلك قوله : ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ (١٨) وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ (١٩) كِتَابٌ مَرْقُومٌ (٢٠) يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ [المطففين: ١٨ - ٢١] أني قد تجاوزت عن سيئاته، وتقبلت حسناته. ثم يُؤمر بالروح إلى الجنة، فيُعرض على منازله، ثم يُقال: ردّوه إلى جسده، فيقول: يا رب، أين تَرُدُّني؟ كنتُ على وَجَلٍ، فيُقال: للوعد الذي لا خُلْفَ له ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ﴾ الآية كلها (١). قال: فيُرَدُّ إلى جسده، فيوضع بين الكفن والصدر، فإذا وضع في قبره تقول له الأرض: مرحبًا بعبدٍ كنتَ أحبه وهو فوقي فكنتَ وقد وَلِيْتَ أمره، قال: فإذا سُوِّيَ عليه دخل عليه الملكان: مُنْكَرٌ ونكير، أصواتهما كالرعد القاصف، وأعينهما كالبرق الخاطف، وأنيابهما كأزجة الرُّمح، يطأن في أشعارهما، ويَحْفِرَان بأنيابهما، وبيد كل واحد منهما مِقْمَعَةٌ من حديد، لو وضعت بالأرض ثم اجتمع من خلق الله ما حَرَّكَهُما إلا بإذن الله، ولهَبٌ

стр. 753

النار يخرج من أفواههما (١) ومَسامِعِهما ومناخرهما، فيدخلان عليه، فيُقْعِدانه في قبره، ويَسْلُكان رُوحَه في جسده، ثم يقولان له: أنت في البرزخ، قد ذهبت عنك الدُّنيا، فمَنْ ربُّك؟ وما دِينُك؟ ومَن نبيك؟ قال: فيقول: الله - ربي والإسلام ديني، ومحمد نبيي، فيقولان له الثانية: تثبت، فيُلقي الله تعالى - عليه الأمن، فيقول: أبالله تُهَدِّداني بِأَنْ أَشُلَّ فيه! لا إله إلا الله ربي، الله فاطِرُ السَّماوات والأرض، إيَّاه كنتُ أعبد، ومحمد ﷺ نبيي، فيضحكان إليه ويُؤْنِسانه، ويقولان له: ثبت ووقَفْتَ، ثبتك الله بالقول الثابت، ثم يُوسِعان له في قبره هكذا مَدَّ البصر، ثم يفتحان له بابًا إلى الجنة، ويأتيانه بثلاثة فُرُشٍ مِنْ فرشِ الجنَّة، فيُقْعِدانه عليها، فيَسْتأنس بهما آنس ما كان إلى أهل وولد، فيقولان له: أيَسُرُّكَ أَنْ تُرَدَّ إلى الدُّنيا؟ فيقول: لا، قُدمًا قُدمًا إلى ربي، قال: فيأتيانه بريحانة من الجنَّة، فإذا شَمَّها وقع عليه السبات، فيقولان له: اُرْقُدْ رَقْدة العَرُوس، في صورة حسنة، وريح طيبة، حتى تسمع الصيحة، وهي صيحة القيامة، قال: فينام وهو يقول: رَبِّ عَجِّلْ قيام الساعة، رَبِّ عَجِّلْ قِيامَ السَّاعة، ويُمَثَّلان له عمله في أحسن صورة فيُؤْنِسُه في قبره، ويضعان مصباحًا عند رأسه، وآخَر عند رجليه، ثم يطيران عنه، ويقولان له: السلام عليك. وإذا كان الكافر والمنافق في انقطاع من الدُّنيا، بعث الله إليه ملك الموت، ومعه ملائكة وجوههم كوجوه الكِلاب، ومعهم المَقامِعُ، ومع كل واحد منهم قطعة مِسْحٍ مِنْ مُسوح جهنّم، فيقول ملك الموت ﵇: يا رُوحَ الخبيث، أخرجي من الجسد الخبيث، إلى عذاب وهوان دائم، قال: فيَخْرُج، فإذا انتهى إلى الحلقوم يقول الجسد: لا جزاك الله عنِّي خيرًا، أَوْبَقْتَني وأَوْبَقْتَ نفسك، فالوَيْلُ لك، والوَيْلُ لي معك، قال: فيُنْزَعُ رُوحُه غَرَقًا شَرَقًا كَأَنَّما يُنْشَطُ الصُّوف مِنْ الشَّوْكَ، فَتَبْتَدِرُه الملائكة، فذلك قوله : ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ

стр. 754

الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ﴾ إلى آخر الآية (١). قال: فيُوضَعُ رُوحه على جمرةٍ منها، فيَصْعَدُ دُخانه إلى السماء، فتُغلق أبواب السَّماء دونه، فإذا (٢) انتهى الرُّوح إلى السَّماء، ضربَتْه السَّماء ضربةً فيهوي إلى الأرض السابعة، ثم تَلْفِظُه الأرض، فلا أرضَ تَقْبَلُه ولا سماء، فذلك قوله : ﴿لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ﴾ إلى آخر الآية (٣). فأَوْحَى الله إلى الأرض أن اقبليه، فتَقْبَلُه، ثم يُعْرَض على منازله في النَّار، ويُؤْتَى بكتابه مختومًا بأنَّ الله لم يقبل حسناته، ولم يتجاوز عن سيئاته، فيُوضع في السجين من تحت خَدٌ إبليس، فذلك قوله : ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ﴾ إلى آخر الآية (٤). ثم يُرَدُّ الرُّوح إلى جسده، فيُوضَع بين الكفَنِ والصَّدْر، فإذا حمل على سريره يقول الرُّوح: رُدُّوني رُدُّوني، ويقول روحُ المؤمن: أَسْرِعوا بي أَسْرِعوا بي، فلا يسمع أحدٌ، ولو سَمِعوا لجَزِعوا، فإذا وُضِع في حُفرته قال له القبر: لا مرحبًا بك، قد كنتُ أُبْغِضُك وأنتَ فوقي، فكيف وقد وَلِيتُ أمرك؟ قال: فَيَضْغَطُه ضغطة تختلف أضلاعُه، قال: قال رسول الله ﷺ : يُهَوِّنُ الله ذلك على المؤمن. قال: وقال: إِنَّ القبرَ رَوْضَةٌ مِنْ رياض الجنَّة، أو حُفْرَةٌ مِنْ حُفَر النَّار، فإذا وضع فيه دخل عليه الملكان، فأَقْعَداه وسلَكا رُوحَه في جسده، م يضربانه ضربةً على مَفْرِق رأسه، فيتقَعْقَعُ جميعُ عِظامه ومفاصله، ويَقعُ مَغْشِيًّا عليه لا عَقْلَ له،

стр. 755

ويسمع تلك الضَّرْبةَ الخلائق غيرَ الثَّقَلين، فيَفْزَعُ منها كلُّ مَنْ من سمع، فيقال لهم: هذا كافر أو منافق يُعذَّب في قبره، فيقال: العنوا، لعنه الله، فيقولون جميعًا: عليه لعنة الله، ثم يقول له الملكان: يا هذا، فقد ذهبَتْ عنك الدُّنيا، فاعْقِلْ أمرك، مَنْ ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ فيقول: ربّي الله، والإسلام ديني، ومحمد نبيي، فيَضْرِبانه ضربة أخرى ويَنْتَهِراه، فيقولان له: تَثَبَّتْ، فيُضِلُّه الله - تعالى - عن حُجَّتِه، كما ثبت الله المؤمنين، فذلك قول الله : ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾ إلى قوله: ﴿وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ (١) فيقول: هاه هاه لا أدري سمعتُ النَّاس يقولون شيئًا فقلتُ كما قالوا، فيَضْرِبانه الثالثة، ثم يفتحان له بابًا إلى النار، ويأتيانه بطبق من أطباق جهنم، فيضجعانه فيما بينهما، ويُضيّقان عليه قبره حتى تختلف (٢) أضلاعه، ويُمثلان له عمله في أقبح صورة وأنتنِ رِيح، فيقول لهما: أَخْرِجا هذا عَنِّي، يكفي بي ما أنا فيه، فيقولان له: هذا عملك، يُوافي بك يوم القيامة، ثم يملآن قبره نارًا، ثم يخرجان عنه (٣). هذا حديث غريب جدًا إسنادًا ومتنًا، لا أعرِفُه بهذا السياق إلا من هذا الوجه، وسماع الحسن البصري من أبي سعيد الخُدْرِي ﵁ لا يُثْبِتُه أهلُ النقل، وبرواية إسحاقَ بنِ بِشْرٍ وحده لا يَثْبُت حُكم، والله أعلم.

стр. 756

حديث سواد بن قارب ﵁ ٢٠٣ - أخبرنا أبو غالب أحمد بن العباس الكُوشِيذِيُّ، وأبو بكر محمد بنُ أبي القاسم القراني رحمها الله سنة أربع وخمس مئة، قالا: حدثنا أبو بكر محمَّدُ بنُ عبد الله بنِ رِيذَهُ، قال الكُوشِيذي: حدثنا سنة خمس وثلاثين، ح. وأخبرنا أبو علي الحداد رحمهما الله، حدثنا أبو نعيم أحمد بن عبد الله. قالا: حدثنا سليمان بن أحمد الطبراني، حدثنا محمد بن محمد التمارُ البصري. قال أبو نعيم: وحدثنا أبو جعفر محمَّدُ بنُ محمد، حدثنا عبد الله بن أيُّوبَ القِرَبيُّ. وقال أبو نعيم: وحدثنا أبو عَمْرِو بن حمدان، حدثنا الحسن بن سفيان، ح. وأخبرنا به نازلًا أبو الرَّجاء أحمدُ بنُ محمدِ بنِ عبد العزيز الشَّيخُ النَّبِيلُ الأوحد ﵀، أخبرنا أبو بكرٍ محمَّدُ بنُ أحمدَ الصَّفَّارُ، أخبرنا أبو سعيد محمَّدُ بنُ عليّ بنِ عَمْرِو، أخبرنا أبو جعفرٍ أحمدُ بنُ إبراهيم بن يوسف الضرير، حدثنا أبو بكر عبد الله بن محمَّدِ بنِ النُّعْمَانِ التَّيْمِيُّ. قالوا - أربعتهم -: حدثنا بِشْرُ بنُ حُجْرٍ السَّامِيُّ، حدثنا علي بن منصور الأبناوي، عن عثمان بن عبد الرَّحمنِ الوَقَاصي، عن محمد بن كعب القُرَظِي قال: بينما عمر بن الخطاب ﵁ قاعد في المسجد إِذْ مرَّ به رجلٌ في مُؤخَّرِ المسجد، فقال رجل: يا أمير المؤمنين، أتَعْرِفُ هذا المار؟ قال: لا، فمن هو؟ قال: هذا سواد بن قارب، وهو رجل من أهل اليمن، له فيهم شرفٌ وموضع، وهو الذي أتاه رَئِيه بظهورِ النَّبيِّ ﷺ ، فقال عمر ﵁: علي به،

стр. 757

فدُعِي (١)، فقال: أنتَ سواد بن قارب؟ قال: نعم، قال: أنت الذي أتاك رَئِيك بظهور رسول الله ﷺ ؟ قال: نعم، قال: فأنتَ على ما كُنْتَ عليه من كهانتك؟ فغَضِب غضبًا شديدًا، فقال: يا أمير المؤمنين، ما استقبلني بها أحد منذ (٢) أسلمت، فقال عمر ﵁: سبحان الله! ما كُنَّا عليه من الشَّرْك أعظم مما كُنْتَ عليه من كهانتك، أخبرني بإتيانك رَئِيكَ بظهور رسول الله ﷺ ، قال: نعم، يا أمير المؤمنين. بينا أنا ذات ليلة بين النائم واليقظان إِذْ أتاني رئيي، فضربني برجله، وقال: قُمْ يا سواد بن قارب، فافهم واعْقِلْ إن كنتَ تَعْقِل؛ إنَّه قد بعث رسولٌ مِنْ لُؤَيِّ بنِ غالب، يدعو إلى الله - تعالى - وإلى عبادته، ثم أنشأ يقول: عجِبْتُ للجِنِّ وتَجْساسِها … وشَدِّها العيس بأخلاسها تهوي إلى مكَّةَ تَبْغِي الهدى … ما خَيْرُ الجِنِّ كأَنجاسها فارحل إلى الصَّفُوةِ مِنْ هاشم … واسْمُ بعَيْنَيْكَ إلى راسها قال: فلم أرفع بقوله رَأْسًا، وقلتُ: دَعْنِي أَنَمْ؛ فَإِنِّي أَمْسَيْتُ ناعسًا. فلما كان الليلة الثانية أتاني، فضربني برجله، وقال: أَلَمْ أَقُلْ لك يا سواد بن قارب: قُمْ فافهم واعقِلْ إِنْ كنتَ تَعْقِل؛ فإنه قد بعث رسولٌ مِنْ لُؤَيِّ بنِ غالب، يدعو إلى الله وإلى عبادته؟! ثم أنشأ يقول: عجِبْتُ للجن وتطلابها … وشَدِّها العِيس بأقتابها تهوي إلى مكَّةَ تَبْغِي الهدى … ما صادِقُ الجِنِّ ككَذَّابِها فارحل إلى الصفوة من هاشم … ليس قُداماها كأذنابها قال: فلم أرفع بقوله رَأْسًا. فلما أن كانت الليلة الثالثة أتاني، فضربني برجله، وقال: ألم أقل لك يا

стр. 758

سواد بن قارب: اِفْهَمْ واعْقِلْ إِنْ كنتَ تعقل؛ فإنَّه قد بعث رسولٌ مِنْ لُؤَيِّ بنِ غالب، يدعو إلى الله وإلى عبادته؟! ثم أنشأ يقول: عجبتُ للجن وأخبارها … وشَدِّها العِيس بأكوارها تهوي إلى مكَّةَ تَبْغِي الهدى … ما مؤمنُ الجِنِّ كَكُفَّارِها فارحل إلى الصفوة من هاشم … بين روابيها وأحجارها قال: فوقع في نفسي حُبُّ الإسلام ورَغِبْتُ فيه. فلما أصبحت شدَدْتُ على راحلتي (١) فانطلَقْتُ مُتوجهًا إلى مكة، فلما كنتُ ببعض الطريق، أُخْبِرْتُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ هاجر إلى المدينة، فأتيتُ المدينة، فسألت عن النَّبيِّ ﷺ ، فقيل لي: في المسجد، فانتهيتُ إلى المسجد، فعقَلْتُ ناقتي ودخلتُ، وإذا رسول الله ﷺ والنَّاسُ حوله، فقلتُ: اِسْمَع مقالتي يا رسول الله، فقال أبو بكر ﵁: ادْنُهُ، ادْنُهُ، فلم يزل بي حتى صِرْتُ بين يديه، فقال: «هاتِ، فَأَخْبِرْني بإتيانك رئيك» فقلت: أتاني نَجِيِّي بعد هَدْءٍ ورَقْدَةٍ … ولم يَكُ فيما قد بلَوْتُ بِكاذب ثلاث ليال قوله كلَّ ليلة … أتاك رسولٌ مِنْ لُؤي بن غالب فشَمَّرْتُ عن ذَيْلِ الإِزارِ، ووسَّطَتْ … بيَ الذِّعْلبُ الوَجْنَاءُ بين السَّباسِبِ فأَشْهَدُ أَنَّ الله لا رَبَّ غيرُه … وأَنَّك مأمون على كل غائب وأنَّكَ أَدْنَى المرسلين وسيلةً … إلى الله يا ابنَ الأَكْرَمِين الأطايب فمرنا بما يأتيك يا خير من مشى … وإن كان في ماجاء شَيْبُ الذَّوائب وكُنْ لي شفيعًا يوم لا ذو شفاعةٍ … سِواكَ بِمُغْنٍ عن سواد بن قارب قال: ففرح رسول الله ﷺ هو وأصحابه بإسلامي فرحًا شديدًا، حتى رُؤيَ في وجوههم. فوثب إليه عمر ﵁ والتزمه، وقال: قد كنتُ أُحِبُّ أَنْ أَسمَعَ هذا منك.

стр. 759

هذا لفظُ رِوايةِ ابنِ رِيذَةَ عن الطَّبَرانيِّ، ورواية أبي نُعَيمٍ الإسنادُ وحدَه، وزادَ عبدُ اللهِ بنُ محمَّدِ بنِ النُّعمانِ في آخر حديثه: قال عمرُ ﵁: فأخبرني عن رَئِيك، هل يأتيك اليوم؟ فقال: أما منذ قرأتُ كتابَ اللهِ فلا، ونِعْمَ العِوَضُ كتابُ اللهِ مِنْ الجِنِّ (١). هذا الحديثُ من هذا الطريق مَدارُه على بِشْر بنِ حُجر، وهو منسوب إلى سَامَة بن لُؤَيِّ، من ثقات أهل البصرة. عن عليِّ بنِ منصور، ولا أحفظ له غير [هذا] (٢) الحديث، وكلُّ مَنْ كان باليمن من أبناء الموالي يُدْعَى الأَبْناوي. عن عثمان بن عبد الرحمن، وهو من ولد سعد بن أبي وَقَّاصِ ﵁، عنه عن سعد (٣)، وعثمان: ليس بذاك (٤).

стр. 760

وللحديث طرق سواه. والتجساس: هو (١) التَّجَسُّس، على وزن: التَّرْحال، وكذلك: التَّظَلاب، بمعنى الطلب. والعيس: الإبل. والأخلاس: جمع الحِلْس، وهو كِساء يُطْرَحُ على ظهر البعير. والرَّئِيُّ: بفتح الراء، على وزن النَّجِيّ، ومعناه قريب من معناه، هو جِنِّي يَتْبَعُ إِنْسِيًّا، يَظْهَرُ له ويَأْتيه بالأخبار، ويجوز بكسر الراء، على وزن القسي، أصله من الإراءة والرُّؤْية. و (خير الجِنِّ) قد يُرْوَى بالواو على لفظ الجمع، وكذا: (صادق الجِنِّ) و (مؤمن الجن) وهي تلائم الألفاظ التي بعدها من قوله: (كأنجاسها) و (ككُفَّارها) و (ككذَّابها)، أما في هذه الرواية فقد جاء على لفظ الواحد، إلا أنَّه يدلُّ على الجمع بالألفاظ التي بعدها. و (الصفوة) المختارون. وقوله (إلى راسها) أي: إلى رئيس القبيلة. وقوله (دَعْني أَنَمْ) أَنَمْ: جزم؛ جوابُ: دَعْ. وقوله (أمسَيْتُ ناعسًا) أي: يَغْلِبُني النَّوم ولم أَقْضِ منه وطَرِي. وقوله (يا سواد بن قارب) الاختيار رفعُ الدَّال؛ لأنَّه مُنادى مفرد، ليس بمضاف، والاختيار في النُّون النصب؛ لأنه مُضاف، ولِنَصْبِ الدَّال ورَفْعِ النُّونِ أيضًا وَجْهُ. والأقتاب، والأكوار: جمعُ القتَبِ والكُور، وهما: الرَّحْل الذي يُشَدُّ على البعير. وقوله (وَاعْقِلْ إِنْ كُنْتَ تَعْقِل) أي: اِعْقِلْ كلامي إن كان لك عقل ومعرفة.

стр. 761

والقدامى: المتقدمة، والأذناب: المتأخرون، أي: ليس متقدمو بني هاشم كالنبي ﷺ وأصحابه الذين آمنوا به، مثل [المتأخرين] (١) في الكفر عنهم، ويحتمل أن يريد به: ليس متقدمو المسلمين والسابقون إلى الإسلام، كمن تأخر، كما قال الله مثنيا على السابقين: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ﴾ (٢)، وكما قال ﷻ : ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ﴾ الآية (٣). وقوله (فقال أبو بكر ﵁) كذا وقع في رواية الطبراني، وليس في رواية غيره ذكر أبي بكر ﵁، وكأنه الأولى. وقوله (أدنه) الهاء للوقف. والهدء: هو الهدوء، بمعنى السكون، أي: بعد ما رقدت وهدأت. و (ثلاث ليال) ظرف قوله (أتاني). و (كل ليلة) ظرف (قوله) أي: يقول لي كل ليلة. و (الذعلب) الناقة القوية. و (الوجناء) (٤) الناقة الصلبة. و (السباسب) المفاوز، جمع سبسب. و (الأطايب) جمع الأطيب. وقوله (وإن كان في ما جاء شيب الذوائب) أي: بلغنا ما يأتيك به الوحي من الله وإن كان فيه أمور شداد تشيب منه الذوائب، فإنا نأخذ به ونتبعك عليه.

стр. 762

والوسيلة: القُرْب، والمَنْزِلة. وهذا الحديث من دلائل النبوة لرسول الله ﷺ . والروابي: جمع الرابية، وهي: المرتفع من الأرض، يريد: بين الجبال. * * * ٢٠٤ - أخبرنا أبو علي الحسن بن أحمد الحداد الله، حدثنا أبو نعيم أحمدُ بنُ عبدِ الله، حدثنا محمد بن أحمد بن الحسن، حدثنا محمدُ بنُ عثمان بن أبي شيبة، ح. وأخبرنا أبو الرجاء أحمدُ بنُ محمَّدِ بنِ عبد العزيز القارئ بقراءة والدي عليه -رحمهما الله-، أخبرنا عبد الرحمن بن أحمد بن الحسن أبو الفضل الرازي الإمام، حدثنا جعفر بن عبد الله بن يعقوب، حدثنا أبو بكر محمد بن هارون الروياني، حدثنا عبد الله بن محمد، ح. وأخبرنا أبو الخير عمر، وأبو سهل عبد الله ابنا محمَّدِ بنِ عُمَرَ بنِ عُزَيْزَةَ (١) المُعَدِّلان بقراءتي عليهما معًا، قالا: أخبرنا شُجاع وأحمد المَصْفَلِيَّان، قالا: أخبرنا محمَّد بن إسحاق الحافظ، أخبرنا الهيثم بنُ كُليب إجازة، حدثنا أحمد بن زهير بن حرب. قالوا: أخبرنا محمدُ بنُ عِمْرانَ بنِ محمَّدِ بنِ عبدِ الرحمن بن أبي لَيْلَى، حدثني [سعيدُ] (٢) بنُ عُبَيدِ الله بن الوليد الوَصَّافي، عن أبيه، عن أبي جعفر هو محمد بن علي بن الحسين - قال: دخل سواد بن قارب السَّدُوسِيُّ على عمر بن الخطاب ﵄ فقال: نشَدْتُك بالله يا سواد بن قارب، هل تُحْسِنُ اليوم من كهانتك؟ قال: سبحان الله يا أمير المؤمنين، والله ما استقبلني أحد من جلسائك بمثل الذي استقبلتني به فقال عم ﵁: سبحان الله! يا سواد، ما

стр. 763

كُنَّا عليه مِنْ شِرْكِنا أعظمُ مما كُنْتَ عليه مِنْ كَهانتِك، والله يا سواد، لقد بلغني عنك حديث إنه لَعَجَبٌ من العجب! قال: إي والله يا أمير المؤمنين، إنَّه لَعَجَبٌ من العجب، قال: فحَدِّثْنيه. قال: كنتُ كاهنًا في الجاهلية، فبينا أنا ذات ليلة نائم إذ أتاني نَجِيِّي - وفي رواية الرُّوياني: إذ أتاني جِنّيٌّ - فضربني برِجْلِه، ثم قال: يا سواد، اسْمَعْ أَقُلْ لك، قال: قلتُ: هات، قال (١): عجبتُ للجن وأنجاسها … ورَحْلِها العِيسَ بأَحْلاسها تَهْوِي إلى مكَّةَ تَبْغِي الهدى … ما مُؤْمِنوها مِثْلُ أَرْجَاسِها فارحل إلى الصفوة مِنْ هاشم … وَاسْمُ بعينيك إلى راسها قال: فنِمْتُ، ولم أَحْفِل بقوله شيئًا. فلما كانت الليلة الثانية أتاني فضربني برجله، ثم قال: يا سواد، اِسْمَعْ أقل لك، قلتُ: هات، قال: عجِبْتُ لِلجِنِّ وتَطْلابها … ورَحْلِها العِيس بأقتابها تَهْوي إلى مكَّةَ تَبْغِي الهُدى … ما صادِقُ الجن ككَذَّابِها فارحل إلى الصفوة من هاشم … ليس المقاديم كأذنابها زاد في رواية محمد بن عثمان بن أبي شيبة: قال: فحرك قوله مِنِّي شيئًا، ونمت. فلما كانت الليلة الثالثة أتاني فضربني برجله، وقال: يا سواد بن قارب، اسْمَعْ ما أقولُ لك - وفي رواية الرُّوياني: قال: يا سوادُ، تَعْقِلُ أم لا تَعْقِلُ؟ قال: قلت: وما ذاك؟ قال: ظهر بمكة نبي يدعو إلى عبادة ربه، فَالحَقِّ، اِسْمَعْ أَقُلْ لك، قال: قلتُ: هات، قال: عجبتُ للجن وأخبارها … ورَحْلِها العِيس بأكوارها

стр. 764

تَهْوي إلى مكَّةَ تَبْغِي الهدى … ما مُؤْمنوها مِثْلُ كُفَّارِها فَارْحَلْ إلى الصفوة من هاشم … بين روابيها وأحجارها قال: فعلِمْتُ أَنَّ الله قد أراد بي خيرًا. فقُمْتُ إلى بُرْدَةٍ لي ففتَقْتُها، فَلَبِسْتُها، ووضَعْتُ رِجْلِي فِي غَرْزِ رَحْلِ الناقة، ثم أقبلت حتى انتهيت إلى رسول الله ﷺ ، فأخبرته - وفي رواية الرُّوياني: فعرَضَ عليَّ الإسلام فأسلمتُ، وأخبَرْتُه الخبر، فقال: «إذا اجتمع المسلمون فأَخْبِرْهم». فلما اجتمع المسلمون فقُمْتُ فقلت: أتاني نَجِيِّي بعدَ هَدْءٍ ورَقْدَةٍ … ولم يَكُ فيما قد بلَوْتُ بكاذب ثلاث ليال قوله كلَّ ليلة: … أتاك رسول من لؤي بن غالب فشَمَّرْتُ عن ذَيْلِ الإِزار، ووسَّطَتْ … بيَ الذُّعْلبُ الوَجْنَاءُ عِينَ السَّبَاسِبِ فأعلم أنَّ الله لا ربَّ غيرُه … وأَنَّك مأمون على كل غائب (١) وأنك أدنى المرسلين وسيلةً … إلى الله يا ابن الأكرَمِينَ الأَطايب فمُرْنا بما قد شِئْتَ يا خيرَ مُرْسَلٍ … وإِنْ كان في ماجاء شَيْبُ الذَّوائب وفي رواية ابن أبي شيبة: فمُرْنا بما يأتيك، قال: فسُرَّ المسلمون بذلك. قال: فقال عمر ﵁: هل تُحْسِنُ اليوم منها شيئًا؟ قال: أما منذ علمني الله - تعالى - القرآن فلا (٢).

стр. 765

هذا لفظ رواية الروياني وابن أبي شيبة، ورواية الآخر الإسناد وحده وطرف من الحديث. * * * ٢٠٥ - أخبرنا أبو غالب أحمد بن العباس الكوشيذي، ومحمد بن أبي القاسم القراني -رحمهما الله- قالا: أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن ريدة، أخبرنا أبو القاسم سليمان بن أحمد الطبراني. وأخبرنا أبو علي الحداد ﵀ خلاله، حدثنا أبو نعيم أحمد بن عبد الله، حدثنا سليمان، حدثنا محمد بن هارون بن محمد بن بكار بن بلال الدمشقي. وأخبرنا به نازلا القاضيان ابنا عزيزة -رحمهما الله- قالا: أخبرنا المصقليان، قالا: أخبرنا إسحاق بن إسحاق، أخبرنا محمد بن إبراهيم بن مروان، حدثنا أبو عبد الملك - هو الدمشقي -. قالا: حدثنا سليمان بن عبد الرحمن الدمشقي، حدثنا الحكم بن يعلى بن عطاء، حدثنا أبو معمر عباد بن عبد الصمد، قال: سمعت سعيد بن جبير يقول: أخبرني سواد بن قارب الأزدي ﵁ قال: كنت نائما على جبل من جبال الشراة، فأتاني آت فضربني برجله وقال: قم يا سواد بن قارب، أتاك رسول من لؤي بن غالب، فاستويت قاعدا، وأدبر وهو يقول: عجبت للجن للجن وتحساسها … وشدها العيس بأحلاسها تهوي إلى مكة تبغي الهدى … ما صالحوها مثل أرجاسها قال: ثم عدت فنمت، فأتاني فضربني برجله وقال: قم يا سواد بن قارب، أتاك رسول من لؤي بن غالب، وأدبر وهو يقول: عجبت للجن وأخبارها … ورحلها العيس بأكوارها تهوي إلى مكة تبغي الهدى … ما مؤمنوها مثل كفارها قال: ثم عدت فنمت، فأتاني فضربني برجله، وقال: قم يا سواد بن

стр. 766

قارب، أتاك رسولٌ مِنْ لُؤي بن غالب، فاستويت قاعدًا، وأدبر وهو يقول (١): عجِبْتُ للجِنِّ وتَطْلابها … وشَدِّها العِيس بأقتابها تَهْوِي إلى مكَّةَ تَبْغِي الهدى … ما صادِقُوها مِثْلُ كَذَّابِها فارحل إلى الصَّفْوةِ مِنْ هاشم … واسم بعينيك إلى راسها قال: فأصبحتُ، فاقتعَدْتُ بعيرًا إليَّ حتى أتيتُ مكَّةَ، فإذا رسول الله ﷺ قد ظهر، فأخبرته الخبر، واتَّبَعْتُه (٢) * * * ٢٠٦ - أخبرنا أبو علي الحداد، حدثنا أبو نعيم أحمدُ بنُ عبدِ الله، حدثنا أبو عمرو بن حمدان، حدثنا الحسن بن سفيان، حدثنا هشام بن عمار، حدثنا عراك بن خالد، عن أبيه، عن الحسن بن عُمارة، عن عبد الله بن عبد الرحمن قال: دخل سواد بن قارب على عمر بن الخطاب ﵁، فقال له عمر ﵁: هل أنت اليوم على شيء من كهانتك في الجاهلية؟ فذكر نحو رواية أبي جعفر محمَّدِ بنِ علي، وزاد في الأبيات: فكن لي شفيعًا يوم لا ذو شفاعةٍ … سِواكَ بِمُغْنٍ عن سواد بن قارب وقال: ففرح رسول الله ﷺ والمهاجرون والأنصار ﵃ بما قلت فرحًا شديدًا، وعلموني الإسلام (٣).

стр. 767

حديث سواد بن قارب لا أعرفه إلا من [هذه الطرق] (١) الأربعة (٢) التي ذكرتها، وكلها مراسيل في الظاهر، إلا رواية سعيد بن جبير إن ثبتت عنه. وفي بعض الروايات أنه أزدي، وفي بعضها أنه سدوسي، وهما قبيلتان مختلفتان، إلا أن يكون من إحداهما وحالف الأخرى، أو نزل فيما بين أهلها، فنسب إليهما جميعا. وقوله (ولم أحفل) أي: لم أبال. وقوله (ورحلها العيس) هو مصدر رحلت البعير، إذا وضعت عليه الرحل. والتحساس: بالحاء المهملة، قريب من التجساس - بالجيم -. وقوله (فاتخذت بعيرا) أي: قعدت عليه وركبته، وذلك البعير يسمى: القعود. وجبل الشراة - بالشين المعجمة المضمومة -: باليمن، منسوب إلى جماعة من الخوارج، يقال لأحدهم: شاري. وفي بعض الروايات: أنه أتى رسول الله ﷺ بمكة، وفي رواية محمد بن كعب: أنه أدركه بعدما هاجر (٣) إلى المدينة، والله أ علم بصحة ذلك، وباقي الألفاظ قد شرحناها فيما قبل، والله أعلم. * * *

стр. 768

ومن مسند سَمُرَةَ بن جُنْدَب ﵁ - ٢٠٧ - أخبرنا أبو منصورٍ محمَّدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ مَنْدُويَة سنة خمس وخمس مئة، حدثنا أبو نُعَيم أحمدُ بنُ عبدِ الله، حدثنا أبو بكر أحمدُ بنُ يوسُفَ بنِ خَلَّادٍ، حدثنا الحارث بن أبي أسامة، ح. وأخبرنا أبو غالب أحمدُ بنُ العبَّاسِ الكُوشِيذِيُّ، وأبو بكر محمد بن أبي القاسم القُرَانِيُّ -رحمهما الله- قالا: أخبرنا أبو بكر محمَّدُ بنُ عبد الله بن رِيدَه، أخبرنا أبو القاسم سليمان بن أحمد الطبراني، حدثنا محمَّدُ بنُ العِبَّاسِ المُؤَدِّبُ. قالا: حدثنا هَوْذة بنُ خَلِيفة، ح. وأخبرنا به نازلًا أبو الرَّجاء أحمدُ بنُ محمَّدِ بنِ عبد العزيز القارئ بقراءة والدي عليه -رحمهما الله-، أخبرنا أبو الفضل عبدُ الرَّحمن بن أحمد الرازي، أخبرنا جعفر بن عبد الله بن يعقوب، حدثنا أبو بكرٍ محمَّدُ بنُ هارونَ الرُّوياني، حدثنا محمد بن بشار، حدثنا يحيى بن سعيد، وهَوْدَةُ بنُ خَليفة. قالا: حدثنا عَوْفٌ الأعرابي، عن أبي رَجاءِ العُطارِدِيِّ، حدثنا سَمُرَةُ بنُ جُنْدَبِ الفزاري ﵁ انه قال: كان رسول الله ﷺ يقول لأصحابه: «هل رأى أحدٌ منكم رُؤْيا؟» قال: فَيَقُصُّ عليه من شاء الله أن يَقُصَّ، فقال لنا ذاتَ غَداة: «إنَّه أتاني الليلةَ آت - أو: «آتيان» شَكٍّ هَوْدَةُ، وفي رواية الطبراني: قال: «اثنان» أو «آتيان» - فابتعثاني، وقالا لي: اِنْطَلِقْ اِنْطَلِقْ. فانطلَقْتُ معهما، وإِنَّا أَتَيْنا على رجُلٍ مُضْطَجع، وإذا آخَرُ قائم عليه بصخرة، وإذا هو يُهْوِي بالصَّخْرةِ إلى رأسه، فَيَثْلَغُ رَأْسَه فَيَتَدَهْدَى الحَجَرُ - وفي رواية الطبراني: «فيتَدَهْدَهُ الحجرُ» - فَيَذْهَبُ هاهنا، فيَتْبَعُه فَيَأْخذه، فلا يَرْجِعُ إليه حتَّى يَصِحَ رأسه كما كان، ثم يعود إليه، فيَفْعَلُ مِثْلَ ما فعل المرَّةَ

стр. 769

الأولى، قال: قلتُ لهما: سُبْحانَ الله، ما هذا؟! قالا لي: اِنْطَلِقْ، انْطَلِقْ. فانطلقنا، فأتينا على رَجُلٍ مُسْتَلْقٍ لِقَفاهُ، وإذا آخَرُ قائم عليه بِكَلُّوبِ مِنْ حديد، وإذا هو يأتي أحَدَ شِقَيْ وجهه، فيُشَرْشِرُ شِدْقَه إلى قفاه - زاد في رواية الحارث: «وعَيْنَه إلى قفاه، ومِنْخَرَه إلى قفاه» - ثم يَتحَوَّلُ إلى الجانب الآخر، فيفعل به مِثْلَ ذلك، فما يَفْرُغ منه حتى يَصِحَ (١) ذلك الجانب كما كان، ثم يعود إليه فيَفْعلُ به كما فعل المرَّةَ الأُولى، قال: قلت لهما: سبحان الله، ما هذان؟! - أو: «ما هذا؟!» - قالا لي: انطلق، انطلق. فانطلقنا، فأتينا على بناء مِثْلِ التَّنُّورِ - قال: فَأَحْسِبُ أَنَّه قال - فَسَمِعْنا فيه لغطًا وأصواتًا، فاطَّلَعْنا فيه، فإذا فيه رجال ونساء عُراة، وإذا هُمْ يَأْتِيهِم لَهبٌ من أسفل منهم، فإذا أتاهم ذلك اللَّهَبُ ضَوْضَوْا، قلتُ لهما: سبحان الله، ما هؤلاء؟! قالا لي: اِنْطَلِقْ، اِنطَلِقْ. قال: فانطلقنا، فأتَيْنا على نهَرٍ - حَسِبْتُ أنَّه قال - أحمرَ مِثْلِ الدَّم، وإذا في النَّهَرِ رَجلٌ يَسْبَحُ، وإذا على شاطئ النَّهَرِ رجلٌ قد جمع عنده حجارة كثيرة، وإذا ذلك السَّابح يَسْبَحُ ما يَسْبَحُ، ثم يأتي الذي قد جمع عنده الحجارة فيَفْغَرُ له فَاهُ، فَيُلْقِمُه حجرًا، فيَذْهَبُ فَيَسْبحُ ما يَسْبحُ، ثم يَرْجِعُ إليه، كلَّما رجع إليه فَغَرَ له فَاهُ، فَأَلْقَمَهُ حجَرًا، قال: قلتُ: ما هذا؟! قالا لي: انْطَلِقْ قال: فانطلقنا، فأتَيْنا على رَجُلٍ كَرِيه المَرْأَةِ كَأَكْرَهِ ما أَنْتَ رَاء رَجُلًا مرآة، وإذا هو عنده نار - وفي رواية الطَّبَراني: «وإذا عنده نار له» - يَحُشُها ويَسْعَى حولها، قال: قلتُ لهما: ما هذا؟! قالا لي: انْطَلِقْ، انطلق. فانطلَقْنا، فأَتَيْنا رَوْضَةً مُعْشِبةً - وفي رواية غيرِ الطبراني: «فانطلقنا، حتى أتَيْنا على رَوْضَةٍ مُعْتَمَّةٍ» - فيها مِنْ كُلِّ نَوْرِ الرَّبِيع، وإذا بينَ ظَهْرَانَيِ الرَّوْضِةِ رجل طويل، لا أكاد أرى رأسَه طُولًا في السَّماء، وإذا حَوْلَ الرَّجُلِ مِنْ أكثرِ

стр. 770

ولدان رأيتهم قط وأحسنه، قال: قلت لهما: ما هذا؟! - أو: «ما هؤلاء؟!» -. قالا لي: انطلق، انطلق. فانتهينا إلى دوحة عظيمة، لم أر دوحة قط أعظم منها ولا أحسن، قال: قالا لي: ارق فيها، فارتقينا فانتهينا إلى مدينة مبنية بلبن ذهب ولبن فضة، فأتينا باب المدينة فاستفتحناها، ففتح لنا، فدخلناها، فتلقانا فيها رجال شطر من خلقهم كأحسن ما أنت راء، وشطر كأقبح ما أنت راء، قال: فقالا لهم: اذهبوا فقعوا في ذلك النهر، وإذا نهر معترض يجري، كأن ماءه المحض بالبياض، قال: فذهبوا فوقعوا فيه، ثم رجعوا إلينا وقد ذهب عنهم السوء، وصاروا في أحسن صورة، قال: قالا لي: هذه جنة عدن (١) وها هو ذا منزلك، قال: فسما بصري صعدا - وفي رواية الطبراني: «مصعدا» - قال: فإذا قصر مثل الربابة البيضاء، قالا لي: ها هو ذا منزلك، فقلت لهما: بارك الله فيكما، ذراني فلأدخله - وفي رواية الطبراني: «خلياني أدخله» - قالا لي: أما الآن فلا، وأنت داخله، قلت لهما: إني قد رأيت منذ الليلة عجبا، فما هذا الذي رأيت؟! قال: قالا لي: أما إنا سنخبرك. أما الرجل الأول الذي أتيت عليه يتلغ رأسه بالحجر، فإنه رجل يأخذ القرآن وينام عن الصلاة المكتوبة، وأما الرجل الذي أتيت عليه يشرشر شدقه وعينه ومنخره إلى قفاه، فإنه الرجل الذي يغدو من بيته فيكذب الكذبة تبلغ الآفاق، وأما الرجال والنساء العراة الذين في مثل بناء التنور، فإنهم الزناة والزواني، وأما الرجل الذي يسبح في النهر ويلقم الحجارة، فإنه آكل الربا - وقد سقط من نسختي في رواية الحارث ذكر هذا الرجل السابح - وأما الرجل الذي عنده النار الكريه المرآة، فإنه مالك خازن جهنم، وأما الرجل الطويل الذي في الروضة، فإنه إبراهيم ﵇، وأما الولدان الذين حوله، فكل مولود مات على الفطرة.

стр. 771

قال: فقال بعضُ المسلمين: يا رسول الله، وأولادُ المشركين؟ قال: «وأولادُ المشركين». قال: «وأما القوم الذين كانوا شَطْرًا منهم حسَنًا، وشطرًا منهم قبيحًا، فإنَّهم خلطوا عملًا صالحًا وآخَرَ سيّئًا، فتجاوز الله ﵎ عنهم» (١). أخبرنا بهذا الحديث أبو علي الحداد حلة سنة سبع وخمس مئة، حدثنا أبو نُعيم أحمد بن عبد الله الحافظ سنة خمس وعشرين وأربع مئة، حدثنا أبو عَمْرِو بن حمدان بنيسابور، حدثنا أبو محمَّد بن شِيرُويَة، حدثنا إسحاق بنُ إبراهيمَ الحَنْظَلِيُّ، أخبرنا النَّضْرُ بنُ شُمَيْلٍ. وأخبرنا الرئيس أبو القاسم هبة الله بن محمد بن عبد الواحد بن الحصين حلة ببغداد، أخبرنا أبو علي الحسن بن عليّ الواعظ، أخبرنا أحمدُ بنُ جعفر بن حمدان بن مالك، حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدثني أبي حلة، حدثنا محمد بن جعفر. قالا: حدثنا عَوْفٌ - قال إسحاق: وهو ابن أبي جَمِيلةَ الأَعرابي -، عن أبي رجاء، عن سَمُرَةَ ﵁ بِنَحْوِ ما ذكرناه (٢). قال عبد الله بن [أحمد] (٣): قال أبي: سَمِعْتُ عَبَّادَ بنَ عَبَّادٍ (٤) يُخْبِرُ به عن عَوْفٍ، عن أبي رجاء، عن سَمُرَةَ ﵁، عن النَّبيِّ ﷺ قال: «فَيَتَدَهْدَهُ الحجَرُ» هاهنا قال أبي: جَعَلْتُ أَتَعجَّبُ مِنْ فصاحةِ عَبَّادٍ.

стр. 772

ولفظ الحارث والطبراني قريبان، وروايةُ الرُّوياني الإسناد وطرفٌ مِنْ الحديث. وهذا حديث ثابت، رواه عن النَّبيِّ ﷺ سِوى سَمُرَةَ: عبدُ الرَّحمنِ بْنُ سَمُرَةَ القُرَشِيُّ (١)، وأبو أمامة الباهلي (٢)، ورُوي عن عليّ بن أبي طالب (٣) ﵁ أيضًا. ورواه عن أبي رَجَاءٍ سِوى عَوْفٍ: جَرِيرُ بنُ حازم (٤)، وخالد بن دينار البصري (٥)، وأبو الحارث العبدي (٦). ورواه عن عَوْفٍ سِوى مَنْ ذكَرْناهم: شُعْبَةُ بنُ الحَجَّاجِ (٧)، وإسماعيل ابنُ عُلَيَّة (٨). أخرجه البخاري ﵀ في صحيحه مُطَوَّلًا ومختصرًا في عدة مواضع عاليًا ونازلًا، رواه عن موسى بن إسماعيل، عن جرير (٩). وعن مُؤَمَّلِ بن إسماعيل، عن ابنِ عُليَّةَ، عن عَوْفٍ (١٠). وأخرجه مسلم والترمذي مُختصرًا عن محمَّدِ بنِ بشَّارٍ، عن وَهْبِ بنِ جَرِيرٍ، عن أبيه (١١). كلاهما عن أبي رجاء. وكأن شيوخي رووه لي عن أصحاب البخاري ومسلم والترمذي، وقد سمِعَه محمَّدُ بنُ بَشَّارٍ مِنْ يحيى بن سعيدٍ وهَوْدَةَ، عن عَوْفٍ كما روَيْناه، ومِنْ وَهْبِ بنِ جَرِير عن أبيه كما رواه عنه مسلم والتّرْمِذِيُّ.

стр. 773

وقوله (ابتعثاني) أي: هيجاني، وأقاماني. وقوله (يُهْوِي) بضم الياء (١)، يُقال: أَهْوَى يدَه، وأَهْوَى بيده إلى الشيء، إذا مدها وجعلها نحوه. والثَّل: الشَّدْخ، والكسر. و (يتَدَهْدَى) بغير همز، يقال: دَهْدَهَ الحَجَرَ ودَهْدَأَهُ، إِذا دَحْرِجَهِ مِنْ عُلْمٍ إلى سُفْلٍ، دَهْدَأَةً ودَهْدَهَةً، فَتَدَهْدَه وتَدَهْدَى، أي: تدَحْرجَ. والكَلُّوب: حديدةٌ رأسها مُتعَقِّفٌ. وشَرْشَرْتُ اللَّحْمَ، وَشَرْشَرْتُه (٢): قطَّعْتُه. واللغط: جلَبَةٌ وأصوات لا تُفْهَم. و (ضَوْضَوْا) بلا هَمْز، أي: صاحوا، ومصدرُه: الضَّوْضَى، والضَّوْضاء، وضَوَّةُ النَّاس: صوتُهم أيضًا. وفَغَر فاه: فتحه، فَفُغِرَ فُوه، أي: انفتح، لازم ومُتَعدِّ. و (أَلْقمه حجرًا) أي: وضعه في فِيه بمَنْزِلة اللُّقْمة. و (الكَرِيه) ضِدُّ المليح. و (المرأة) بفتح الميم، المَنْظَر واللقاء، مِنْ الرُّؤْية، كالمَسْمَع مِنْ السَّمْع. وقوله (كَأَكْرَهِ ما أنت راءٍ رَجُلًا مَرْآةً) فـ (مَرْآةً) نُصب على التمييز، وفي رواية الحارث: «راء رجلًا المَرْأَةَ»، وفي رواية إسحاق: «راء رجل مرآة»، ويجوز أن يكون المرآة (٣) بدلًا من رجل. وحَرَّ النَّارَ: أَوْقَدَها، وأصلح وَقُودَها.

стр. 774

والمعشبة: الكثيرة العشب، وهو النبات. والمعتمة: الكثيرة النبت طويلته. وفي نسخة من رواية أحمد: «من كل لون نور الربيع» (١) يقال: نور الشجر، أي: أخرج النور، وهو: الزهر. والدوحة: الشجرة الكبيرة العظيمة. والمحض: اللبن. وقوله (سما بصري صعدا) (سما) أي: ارتفع، و (صعدا) أكثر ما يروونه بضم الصاد والعين، وهو جمع الصعود، وإن رويته بفتح الصاد والعين، فهو مصدر صعد صعودا وصعدا. و (الربابة) السحابة. والذي ينام عن الصلاة المكتوبة مع حفظ القرآن، فالذي يتركها لغير النوم كان أشد تفريطا (٢). وقوله (وأولاد المشركين) إنما ذكر ذلك على ما تقدم من قوله: (مات على الفطرة) ومعناه الحديث الآخر: «كل مولود يولد على الفطرة حتى يعرب عنه لسانه» (٣) أي: على الميثاق الأول الذي قال: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف: ١٧٢] وقد وردت فيه أحاديث مختلفة. * * *

стр. 775

٢٠٨ - أخبرنا أبو غالب أحمدُ بنُ العباس الكُوشِيذِيُّ، وأبو بكر محمدُ بنُ أبي القاسم القُرانيّ -رحمهما الله-، قالا: أخبرنا أبو بكر بن رِيدَة، أخبرنا أبو القاسم الطبراني، حدثنا أحمد بن داود المكَّيُّ بمِصْرَ، حدثنا معاوية بن عطاء الخُزاعِيُّ، حدثنا شُعْبَةُ، عن عَوْفٍ، عن أبي رَجاءِ العُطاردي، عن سَمُرَةَ بنِ جُنْدَبٍ ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ كلما أصبح قال لأصحابه: «هل رأى أحد منكم رؤيا؟»، قال: وإنه أصبح ذات يوم فقال: «إنِّي رأيتُ كأَنَّ اثنين أتياني، فقالا: انْطَلِقْ، انْطَلِقْ، فانطلَقْتُ معهما حتى انتهيا بي على شيخ أبيض الرَّأْسِ واللحية، كئيب حزين، عنده نارٌ، وهو يَحُشُها ويُصْلِحُ منها، فقلتُ: يا بارك الله فيكما، من هذا الشَّيخُ؟ وما هذه النَّار؟ فقال لي: انْطَلِقْ، انْطَلِقْ. فانطلَقْتُ معهما، حتى انتهيا بي إلى رجُل، وإذا رجُلٌ قائم على رأسه، وإذا بيده كلوب من حديد، يُشَرْشِرُ فَمَه إلى قفاه، وعينه إلى قفاه، ثم يَفْعَلُ بهذه الناحية الأخرى، فما يفرغ منها حتى تعود تلك الناحية كأَصَح ما كانت، فقلتُ: يا بارك الله فيكما، ما هذان الرَّجُلان؟ قال لي: اِنْطَلِقْ، اِنْطَلِقْ. فانطلَقْتُ معهما، حتى انتهيا بي إلى رجُلٍ مُسْتَلْقٍ على قفاه، وإذا رجلٌ قائم على رأسه، بيده صخرة وهو يَتْلَعُ بها رأسه، فيُدَهْدِهُ الحجر (١) مكانًا أتاك، فيذهبُ فيأخُذُه، فما يرجع إلى صاحبه حتى يرجع رأسه كأَصَح ما كان، فَيَفْعَلُ نَحْوَ ما فعلَ، فقلتُ: يا بارك الله فيكما، ما هذان؟ قالا: انْطَلِقُ، انْطَلِقْ. فانطلَقْتُ معهما، حتى انتهيا بي إلى شبه البركة، وإذا فيها رجلٌ يَسْبحُ، وإذا رجلٌ قائم على شفَةِ البِرْكة بيدِه صخرةٌ، فَيَجِيءُ السَّابِحُ فَيَفْغَرُ له فاه، فيُلْقِمه ذلك الحجر، فقلتُ: يا بارك الله فيكما، ما هذان؟ قالا لي: انْطَلِقْ، انطلق. فانطلَقْتُ معهما، حتى انتهيا بي إلى شبه التَّنُّور، وإذا فيه رجال ونساء،
следующие страницы →