← Книги сунны

Книги сунны · id 30195

الطوالات - لأبي موسى المديني

أبو موسى المديني

Полный текст (962 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

قال: فقال بعضُ المسلمين: يا رسول الله، وأولادُ المشركين؟ قال: «وأولادُ المشركين». قال: «وأما القوم الذين كانوا شَطْرًا منهم حسَنًا، وشطرًا منهم قبيحًا، فإنَّهم خلطوا عملًا صالحًا وآخَرَ سيّئًا، فتجاوز الله ﵎ عنهم» (١). أخبرنا بهذا الحديث أبو علي الحداد حلة سنة سبع وخمس مئة، حدثنا أبو نُعيم أحمد بن عبد الله الحافظ سنة خمس وعشرين وأربع مئة، حدثنا أبو عَمْرِو بن حمدان بنيسابور، حدثنا أبو محمَّد بن شِيرُويَة، حدثنا إسحاق بنُ إبراهيمَ الحَنْظَلِيُّ، أخبرنا النَّضْرُ بنُ شُمَيْلٍ. وأخبرنا الرئيس أبو القاسم هبة الله بن محمد بن عبد الواحد بن الحصين حلة ببغداد، أخبرنا أبو علي الحسن بن عليّ الواعظ، أخبرنا أحمدُ بنُ جعفر بن حمدان بن مالك، حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدثني أبي حلة، حدثنا محمد بن جعفر. قالا: حدثنا عَوْفٌ - قال إسحاق: وهو ابن أبي جَمِيلةَ الأَعرابي -، عن أبي رجاء، عن سَمُرَةَ ﵁ بِنَحْوِ ما ذكرناه (٢). قال عبد الله بن [أحمد] (٣): قال أبي: سَمِعْتُ عَبَّادَ بنَ عَبَّادٍ (٤) يُخْبِرُ به عن عَوْفٍ، عن أبي رجاء، عن سَمُرَةَ ﵁، عن النَّبيِّ ﷺ قال: «فَيَتَدَهْدَهُ الحجَرُ» هاهنا قال أبي: جَعَلْتُ أَتَعجَّبُ مِنْ فصاحةِ عَبَّادٍ.

стр. 772

ولفظ الحارث والطبراني قريبان، وروايةُ الرُّوياني الإسناد وطرفٌ مِنْ الحديث. وهذا حديث ثابت، رواه عن النَّبيِّ ﷺ سِوى سَمُرَةَ: عبدُ الرَّحمنِ بْنُ سَمُرَةَ القُرَشِيُّ (١)، وأبو أمامة الباهلي (٢)، ورُوي عن عليّ بن أبي طالب (٣) ﵁ أيضًا. ورواه عن أبي رَجَاءٍ سِوى عَوْفٍ: جَرِيرُ بنُ حازم (٤)، وخالد بن دينار البصري (٥)، وأبو الحارث العبدي (٦). ورواه عن عَوْفٍ سِوى مَنْ ذكَرْناهم: شُعْبَةُ بنُ الحَجَّاجِ (٧)، وإسماعيل ابنُ عُلَيَّة (٨). أخرجه البخاري ﵀ في صحيحه مُطَوَّلًا ومختصرًا في عدة مواضع عاليًا ونازلًا، رواه عن موسى بن إسماعيل، عن جرير (٩). وعن مُؤَمَّلِ بن إسماعيل، عن ابنِ عُليَّةَ، عن عَوْفٍ (١٠). وأخرجه مسلم والترمذي مُختصرًا عن محمَّدِ بنِ بشَّارٍ، عن وَهْبِ بنِ جَرِيرٍ، عن أبيه (١١). كلاهما عن أبي رجاء. وكأن شيوخي رووه لي عن أصحاب البخاري ومسلم والترمذي، وقد سمِعَه محمَّدُ بنُ بَشَّارٍ مِنْ يحيى بن سعيدٍ وهَوْدَةَ، عن عَوْفٍ كما روَيْناه، ومِنْ وَهْبِ بنِ جَرِير عن أبيه كما رواه عنه مسلم والتّرْمِذِيُّ.

стр. 773

وقوله (ابتعثاني) أي: هيجاني، وأقاماني. وقوله (يُهْوِي) بضم الياء (١)، يُقال: أَهْوَى يدَه، وأَهْوَى بيده إلى الشيء، إذا مدها وجعلها نحوه. والثَّل: الشَّدْخ، والكسر. و (يتَدَهْدَى) بغير همز، يقال: دَهْدَهَ الحَجَرَ ودَهْدَأَهُ، إِذا دَحْرِجَهِ مِنْ عُلْمٍ إلى سُفْلٍ، دَهْدَأَةً ودَهْدَهَةً، فَتَدَهْدَه وتَدَهْدَى، أي: تدَحْرجَ. والكَلُّوب: حديدةٌ رأسها مُتعَقِّفٌ. وشَرْشَرْتُ اللَّحْمَ، وَشَرْشَرْتُه (٢): قطَّعْتُه. واللغط: جلَبَةٌ وأصوات لا تُفْهَم. و (ضَوْضَوْا) بلا هَمْز، أي: صاحوا، ومصدرُه: الضَّوْضَى، والضَّوْضاء، وضَوَّةُ النَّاس: صوتُهم أيضًا. وفَغَر فاه: فتحه، فَفُغِرَ فُوه، أي: انفتح، لازم ومُتَعدِّ. و (أَلْقمه حجرًا) أي: وضعه في فِيه بمَنْزِلة اللُّقْمة. و (الكَرِيه) ضِدُّ المليح. و (المرأة) بفتح الميم، المَنْظَر واللقاء، مِنْ الرُّؤْية، كالمَسْمَع مِنْ السَّمْع. وقوله (كَأَكْرَهِ ما أنت راءٍ رَجُلًا مَرْآةً) فـ (مَرْآةً) نُصب على التمييز، وفي رواية الحارث: «راء رجلًا المَرْأَةَ»، وفي رواية إسحاق: «راء رجل مرآة»، ويجوز أن يكون المرآة (٣) بدلًا من رجل. وحَرَّ النَّارَ: أَوْقَدَها، وأصلح وَقُودَها.

стр. 774

والمعشبة: الكثيرة العشب، وهو النبات. والمعتمة: الكثيرة النبت طويلته. وفي نسخة من رواية أحمد: «من كل لون نور الربيع» (١) يقال: نور الشجر، أي: أخرج النور، وهو: الزهر. والدوحة: الشجرة الكبيرة العظيمة. والمحض: اللبن. وقوله (سما بصري صعدا) (سما) أي: ارتفع، و (صعدا) أكثر ما يروونه بضم الصاد والعين، وهو جمع الصعود، وإن رويته بفتح الصاد والعين، فهو مصدر صعد صعودا وصعدا. و (الربابة) السحابة. والذي ينام عن الصلاة المكتوبة مع حفظ القرآن، فالذي يتركها لغير النوم كان أشد تفريطا (٢). وقوله (وأولاد المشركين) إنما ذكر ذلك على ما تقدم من قوله: (مات على الفطرة) ومعناه الحديث الآخر: «كل مولود يولد على الفطرة حتى يعرب عنه لسانه» (٣) أي: على الميثاق الأول الذي قال: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف: ١٧٢] وقد وردت فيه أحاديث مختلفة. * * *

стр. 775

٢٠٨ - أخبرنا أبو غالب أحمدُ بنُ العباس الكُوشِيذِيُّ، وأبو بكر محمدُ بنُ أبي القاسم القُرانيّ -رحمهما الله-، قالا: أخبرنا أبو بكر بن رِيدَة، أخبرنا أبو القاسم الطبراني، حدثنا أحمد بن داود المكَّيُّ بمِصْرَ، حدثنا معاوية بن عطاء الخُزاعِيُّ، حدثنا شُعْبَةُ، عن عَوْفٍ، عن أبي رَجاءِ العُطاردي، عن سَمُرَةَ بنِ جُنْدَبٍ ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ كلما أصبح قال لأصحابه: «هل رأى أحد منكم رؤيا؟»، قال: وإنه أصبح ذات يوم فقال: «إنِّي رأيتُ كأَنَّ اثنين أتياني، فقالا: انْطَلِقْ، انْطَلِقْ، فانطلَقْتُ معهما حتى انتهيا بي على شيخ أبيض الرَّأْسِ واللحية، كئيب حزين، عنده نارٌ، وهو يَحُشُها ويُصْلِحُ منها، فقلتُ: يا بارك الله فيكما، من هذا الشَّيخُ؟ وما هذه النَّار؟ فقال لي: انْطَلِقْ، انْطَلِقْ. فانطلَقْتُ معهما، حتى انتهيا بي إلى رجُل، وإذا رجُلٌ قائم على رأسه، وإذا بيده كلوب من حديد، يُشَرْشِرُ فَمَه إلى قفاه، وعينه إلى قفاه، ثم يَفْعَلُ بهذه الناحية الأخرى، فما يفرغ منها حتى تعود تلك الناحية كأَصَح ما كانت، فقلتُ: يا بارك الله فيكما، ما هذان الرَّجُلان؟ قال لي: اِنْطَلِقْ، اِنْطَلِقْ. فانطلَقْتُ معهما، حتى انتهيا بي إلى رجُلٍ مُسْتَلْقٍ على قفاه، وإذا رجلٌ قائم على رأسه، بيده صخرة وهو يَتْلَعُ بها رأسه، فيُدَهْدِهُ الحجر (١) مكانًا أتاك، فيذهبُ فيأخُذُه، فما يرجع إلى صاحبه حتى يرجع رأسه كأَصَح ما كان، فَيَفْعَلُ نَحْوَ ما فعلَ، فقلتُ: يا بارك الله فيكما، ما هذان؟ قالا: انْطَلِقُ، انْطَلِقْ. فانطلَقْتُ معهما، حتى انتهيا بي إلى شبه البركة، وإذا فيها رجلٌ يَسْبحُ، وإذا رجلٌ قائم على شفَةِ البِرْكة بيدِه صخرةٌ، فَيَجِيءُ السَّابِحُ فَيَفْغَرُ له فاه، فيُلْقِمه ذلك الحجر، فقلتُ: يا بارك الله فيكما، ما هذان؟ قالا لي: انْطَلِقْ، انطلق. فانطلَقْتُ معهما، حتى انتهيا بي إلى شبه التَّنُّور، وإذا فيه رجال ونساء،

стр. 776

فيأتيهم لهبٌ أسفل منهم فيُضَوْضُوا، فقلتُ: يا بارك الله فيكما، ما هؤلاء؟ فقالا لي: إنطَلِقْ، انطلق. فانطلَقْتُ معهما، حتى انتهيا بي إلى أرض بيضاء كأنها الفِضَّة، وإذا فيها مِنْ كُلِّ نَوْرِ رَبيع، وإذا رجل أبيض الرأس واللحية، كأجمل ما أنت راءٍ مِنْ الرجال، وإذا عنده ولدان فهو يَحُوشُهم ويُصْلِحُ منهم، فقلت: يا بارك الله فيكما، من هذا الشيخ؟ ومن هؤلاء الولدان؟ قالا لي: انطلق، انطلق. فانطلَقْتُ معهما، حتى انتهيا بي إلى أرض بيضاء كأنَّها الفِضَّة، فإذا فيها نهر يجري، ويَجِيء قوم نصفُ أجسادهم كأحسن ما أنتَ راء، ونصف أجسادهم كأقبح ما أنتَ راء، فيَدْخُلون في ذلك النَّهَر كأنَّما أُمروا به، فيخرجون منه كأَنَّما دُهِنوا بالدهان، فقلتُ: يا بارك الله فيكما، ما هؤلاء؟ قالا: انطلق، انطلق. فانطلَقْتُ معهما، حتى انتهيا بي إلى سدرة - يعني - فقالا: هذه سِدْرة المُنْتَهَى، وهي جنَّةُ عَدْنٍ، وذلك مَنْزِلُك، قلتُ: يا بارك الله فيكما، إنِّي قد رأيت منذ الليلة عجَبًا؟! قالا: نُخْبِرُك. أما الذي رأيت الأسودُ الرَّأْسِ واللحية: فذلك مالك خازن جهنم، وأما الذي رأيتَ يُشَرْشَرُ فمُه إلى قفاه ومِنْخرُه إلى قفاه، فذاك رجل يخرج من منزله يكذب الكذبة، فتشيع في الآفاق، وأما الذي رأيتَ يُتْلَغُ رأسه فيُتْرَك كأَنَّه خُبْزة، فذلك الرَّجُل النمَّام، وأما الذي رأيت في البركة يُلْقَمُ حجرًا، فذاك الرَّجُل يأكل مال اليتيم، وأما الذي رأيت في شبه التَّنُّور، فأولئك الزواني والزناة، وأما الذي رأيت الأبيض الرأس واللحية، فذاك إبراهيم خليل الله، وا والولدان الذي رأيت فذاك ولدان المسلمين (١)، وكلُّ مولود يُولَدُ على الفطرة، وأما الذي رأيت نصفُ أجسادهم كأحسن ما أنتَ راء، ونصف أجسادهم كأقبح ما أنتَ راء، فأولئك قومٌ عمِلُوا عملًا صالحًا وآخَرَ سَيِّئًا،

стр. 777

فغفر الله - تعالى - لهم» (١). هذا حديث غريبٌ مِنْ حديث شُعبة عن عَوْف تفرَّد به عنه معاوية، وهو ابن عطاء بن رجاء، يُكْنى أبا سفيان، فيما ذكره أبو أحمد بنُ عَدِيٍّ، وذكر أنَّه يَرْوي عن الثَّوْرِيِّ وحماد بن سلمة ما لا يرويه غيره، وهذا الحديث أيضًا من غرائب طرق هذا الحديث، خالف في بعض الألفاظ رواية الثقات. وقوله (انطلق انطلق) يحتمل أنه إنما ذكره مرَّتين، يعني بذلك أنَّ كلَّ واحد منهما قال له: انطلق، ويحتمل أنه أرادَ به أنَّ كل واحد منهما قال له ذلك مرتين؛ تحريضًا منهما، واستعجالًا له. وقوله (حتى انتهيا بي على شيخ كذا وقع في هذه الرواية، والصحيح: إلى شيخ، إلا أن تُضْمِرَ فيه شيئًا، نحو: فوقفا على شيخ. وقوله (يا بارك الله فيكما) المُنادَى محذوف تقديره: يا هذان، أو يا أيها الرجلان، بارك الله فيكما، وباب النداء مبني على الحذف والتخفيف، فتارةً يُحذف حرف النداء، وهذا كثير في الكلام، كقوله تعالى: ﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا﴾ [يوسف: ٢٩] أي: يا يوسُفَ، وتارةً يُحْذَف المُنادى، كقراءة من قرأ: أَلَا يَسْجُدُوا الله (٢) أي: ألا يا قومُ اسْجُدُوا.

стр. 778

وقوله (فيدهْدِه الحجر) كذا في هذه الروايات، ولعل الصحيح: فيَتَدَهْدَهُ. وقوله (أتاك) كأنه يعني به سُرْعَةَ دوران الحجر، كما يُرْمَى بالحَجَرِ فَيَحْذَرُ منه المَرْمِيُّ إليه ومَنْ بِحضْرَتِه، أي: أتاك الحجر فاحذره. وقوله (فهو يحوشهم) أي: يَجْمَعُهم. و (الدهان) هاهنا جمعُ الدُّهْن، وقد يكون جمع دهين، ويكون واحدًا في اسمِ دُرْدِي الزَّيْت، والنطع الأحمر، والمكان الزلق. * * * ٢٠٩ - أخبرنا أبو غالب أيضًا، وأبو بكرٍ القُرَاني قالا: أخبرنا أبو بكر بن ريده، أخبرنا الطبراني، حدثنا الحُسَين بن إسحاقَ التَّسْتَرِيُّ، حدثنا محمَّدُ بنُ حُمَيدٍ الرَّازِيُّ، حدثنا هارون بن المغيرة، عن عنبسة بن سعيد، عن أبي هاشم الواسطي، عن أبي الحارث العَبْدِيِّ، عن أبي رَجاءِ العُطاردي، عن سَمُرَةَ بنِ جُنْدَبٍ ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا أصبح [قال] (١) «هل منكم من رأى (٢) رُؤْيا؟» فيَعْبُرها له، حتى إذا أصبح يومًا فقال: «هل منكم من أحدٍ رأى رُؤْيا؟» فسكت القوم. فقال: «ولكنّي أنا رأيتُ في المنام أتاني رجلان فقالا لي: انْطَلِقُ، فَمَرَّا بي على رجل في يده صَخْرَةٌ يَضرِبُ بها رأس رجلٍ، فَيَنْتَشِرُ دِماغه، فتعود الصخرة في يده، ويعود رأسه كما كان قال: فقلتُ: ما هذا؟ فقالا: انطلق، فمَرا بي على رجل في يده كُلَّابٌ مِنْ حديد يَشُقُّ به شِدْقَ رجل، حتى إذا بلغ أقصاه أخذ في الآخرِ - يعني: الشَّقَّ الآخر - عاد هذا كما كان، قلتُ: ما هذا؟ فقالا لي: انطلق، فمَرا بي على رجل في نهر من دَم وقد أَلْجَمَه، وعلى

стр. 779

شَطّ النَّهَر رجلٌ يُوقِدُ نارًا فيها حجارة، كلما أراد أن يخرجَ أخذ حجرًا منها فألقاه في فيه، فرجع، قلتُ: ما هذا؟ قالا لي: انطلق، فمرا بي على بيت أسفله أضيق من أعلاه، فيه ناس عُراة، تُوقَدُ النَّارُ تحتهم، كلَّما أُوقِدَتْ ضَجُّوا، فإذا طَفِئَتْ سكَتُوا، قلتُ: ما هذا؟ قالا لي: انطلق، فمرا بي على شجرة تحتها رجلٌ يُوقِدُ نارًا ويُصْلِحُها، فإذا تفرَّقَتْ جمعها، قلت: ما هذا؟ قالا لي: انطلق، فانطلقا بي، حتى أتيا بي وسط شجرة فإذا منازِلُ حِسان، فقلت: ما هذه؟ فقالا لي: انطلق، حتى أتيا بي أعلى الشجرة، فإذا منازل هي أحسنُ منها، وإذا غُرَفٌ ثلاثة، قلت: ما هذا؟ قالا: على رِسْلِك. أما الذي في يده صخرة يضرِبُ على رأس الرَّجُل، فأولئك الذين ينامون عن الصلاة - وقال ابن عباس ﵄: هذا الذي أُوتِيَ علمًا فهو يُوقَظُ له - وأما الرَّجُل الذي رأيتَ في يده كُلَّابٌ يَشُقُّ به شِدْقَ، رجل، فأولئك الذين يسعون بالنميمة، وأما [الذي] (١) رأيتَ في نهرٍ من دم قد ألجمه، فأولئك أكَلَةُ الرِّبا، وأما الذي رأيتَ أسفله أضيقُ مِنْ أعلاه فيه ناسٌ عُراة، فأولئك زناة هذه الأمة، وكذلك يكونون إلى يوم القيامة، وأما الرَّجُل الذي رأيت تحت الشجرة يُوقد النَّارَ ويُصْلِحُها، فمالك خازِنُ النَّار، وأما المنازل التي رأيت وسط الشَّجرة، فتلك منازل المؤمنين عامة، وهذه منازلُ النَّبيِّين والصديقين والشهداء، وهذه الغُرفة لك، وأنا جبريل، وهذا ميكائيل» (٢). هذا الطريق أيضًا غريب إسنادًا ومتنًا، وأبو الحارث العَبْدِيُّ إِنْ لم يَكُنْ الكِرْماني، فلا أَعْرِفُه. والكلاب: هو الكَلُّوب أيضًا.

стр. 780

وقوله (وقد ألجمه) أي: قد بلغ الدَّمُ الذي في النهر إلى فمه، فصار له مِثْلَ اللجام، وعقوبة كلّ واحدٍ منهم تُلائِمُ فِعله. وقوله (يُوقد نارًا فيها حجارة) هو معنى قوله ﵎ ﴿إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ [النساء: ١٠]. * * * ٢١٠ - أخبرنا هبة الله بن الحصين ﵀ ببغداد، أخبرنا أبو علي بن المُذْهب، أخبرنا أبو بكر بن مالك، حدثنا عبد الله بن أحمد، حدثني أبي ﵁، حدثنا يَزِيد بن هارون، ح. وأخبرنا أبو غالب، وأبو بكر أيضًا، قالا: أخبرنا ابنُ رِيدَه، أخبرنا الطبراني، حدثنا العباس بن الفضل، حدثنا موسى بن إسماعيل، ح. قال الطبراني: وحدثنا الهيثم بن خالد المصيصِيُّ، حدثنا داود بن المنصور القاضي. قالوا: أخبرنا جَرِيرُ بنُ حازم، ح. قال الطبراني: وحدثنا إبراهيم بن هاشم البَغَوِيُّ، حدثنا محمد بن أبي بكر المُقَدَّمِيُّ، حدثنا وهب بن جرير، حدثنا أبي، حدثنا أبو رجاء، عن سَمُرَةَ بهذا الحديث، نحو رواية عَوْفٍ، عن أبي رَجاء (١). وهذا الطريق هو الذي أخرجوه في الصحيح. * * *

стр. 781

٢١١ - وبه، قال الطبراني: حدثنا يعقوب بنُ غَيْلان العماني، حدثنا أبو كريب، حدثنا يونس بن بكير، حدثنا خالد بن دينار البَصْرِيُّ، حدثنا أبو رجاء العطاردِيُّ، حدثنا سَمُرَةُ بنُ جُنْدَبٍ ﵁ قال: دخل رسول الله ﷺ يومًا المسجد، فقال: «أيكم رأى رُؤْيا فَلْيَتَحدَّث بها» ثم ذكره نحوه (١). وهذا أيضًا طريق غريب. وهذه الرُّؤْيا من جملة ما ذُكر أنَّ رُؤْيا الأنبياء ﵈ وَحْيٌ، فهي على ظاهرها، لا تحتاج إلى تأويل وتعبير. وسائر الألفاظ الغريبة قد شرحناه في الإملاء الذي قبله. * * *

стр. 782

ومن مسند شداد بن أوس ﵁ - ٢١٢ - أخبرنا الرئيس أبو الفضل جعفر بن عبد الواحد بن محمدِ بنِ محمود الثقفي حاله، أخبرنا أبو منصور عبدُ الرَّزَّاقِ بن أحمد بن عبد الرحمن الخطيب القاضي، أخبرنا أبو محمَّدٍ عبد الله بن محمد بن جعفر بن حَيَّان، حدثنا أحمدُ بنُ محمدِ بنِ مَصْقلة، حدثنا رِزق الله بن موسى، حدثنا محمدُ بنُ يَعْلَى الكوفي، حدثنا عُمر بنُ صُبْح، عن ثَوْرِ بنِ يَزِيد، عن مكحول، عن شداد بن أوس ﵁ قال: بينما رسول الله ﷺ يُحدِّثنا، ح. قال ابنُ مَصْقَلة: وحدثنا علي بن حرب، حدثنا محمد بن (١) يَعْلَى، حدثنا أبو نُعَيمِ العَسْقَلانيُّ، عن ثور بن يزيد، عن مكحول، عن شداد بن أوس ﵁ قال: بينما رسول الله ﷺ يُحدِّثنا على باب الحُجُرَاتِ إِذْ أَقبل شيخ من بني عامرٍ هُوَ مِدْرَهُ قومهم وسَيِّدُهم، شيخ كبير يتوكَّأُ على عصا، فمَثَل بين يدي رسول الله، ونسبه إلى جَدِّه فقال: يا ابن عبد المطلب، إِنِّي أُنْبِئْتُ أَنَّكَ رسول الله إلى الناس، أرسلك بما أرسل به إبراهيم وموسى وعيسى وغيرهم من الأنبياء ﵈، ألا وإنَّكَ تَفوَّهْتَ بعظيم، إنَّما كانت الأنبياء والخُلفاء في بيتين من بيوت بني إسرائيل: بيت خلافة، وبيت نُبوَّة، فلا أنتَ مِنْ هذا البيت، ولا من أهل هذه البيت، إنَّما أنت رجل من العرب، ممن كان يعبد هذه الحجارة والأوثان، فما لك ولِلنُّبوَّة، ولكن لِكُلِّ قول حقيقةٌ، فَأُتْني بحقيقة قولك، وبَدْءِ شأنك. فأَعْجَبَ النَّبِيَّ ﷺ مُساءلته، ثم قال: «يا أخا بني عامر، إنَّ للحديث

стр. 783

الذي تسأل عندنا، فاجلس فسل»، فثنى رجله وبرك كما يبرك البعير، فاستقبله رسول الله ﷺ بالحديث، فقال: «يا أخا بني عامر، إن حقيقة قولي وبدء شأني أني دعوة إبراهيم، وبشرى أخي عيسى ابن مريم، وأني كنت بكر أمي، وأنها حملتني كأثقل ما تحمل النساء، حتى جعلت تشتكي إلى صواحباتها ثقل ما تجد، ثم إن أمي رأت في المنام أن الذي في بطنها نور حتى أضاءت له مشارق الأرض ومغاربها، ثم ولدتني. فلما نشأت بغضت إلي الأوثان، وبغض إلي الشعر، وكنت مسترضعا في بني بكر، فبينا أنا ذات يوم مع أتراب لي من الصبيان في بطن واد إذا أنا برهط معهم طست من ذهب ملان ثلجا، فأخذوني من بين أصحابي، وانطلق أصحابي هرابا، حتى إذا انتهوا إلى شفير الوادي أقبلوا على الرهط فقالوا: ما رابكم إلى هذا الغلام؟ فإنه ليس منا، هذا ابن سيد قريش، وهو مسترضع - يعني - فينا من غلام ليس له أب ولا أم، فماذا يرد عليكم قتله، وما تصيبون من ذلك، فإن كنتم لا بد قاتلة فاختاروا منا أينا شئتم فاقتلوه مكانه، ودعوا هذا الغلام، فلما رأى الصبيان أن القوم لا يحيرون (١) إليهم جوابا، انطلقوا هرابا مسرعين إلى الحي يؤذنونهم بي، ويستصرخونهم على القوم، فعمد أحدهم فأضجعني على الأرض إضجاعا لطيفا، ثم شق ما بين مفرق صدري إلى منتهى عانتي، وأنا أنظر إليه لا أجد لذلك مسا، ثم أخرج أحشاء بطني فغسلها بذلك الثلج، فأنعم غسلها، ثم أعادها مكانها. ثم قام الثاني منهم فقال لصاحبه: تنح، فنحاه عني، ثم أدخل يده في جوفي، فأخرج قلبي فصدعه، فأخرج منه مضغة سوداء، فرمى بها، ثم قال بيده يمنة منه، كأنه تناول شيئا، فإذا أنا في يده بخاتم نور تحار أبصار الناظرين دونه، فختم به قلبي، فامتلأ نورا، وذلك نور النبوة والحكمة، ثم أعاده إلى مكانه، فوجدت برد ذلك الخاتم في قلبي دهرا.

стр. 784

ثم قام الثالث منهم، فقال لصاحبه: تَنَحَّ، فنحاه عنِّي، وأمَرَّ يده ما بين مَفْرِق صَدْري إلى مُنْتَهى عانَتِي، فَالْتَأَم ذلك الشَّقُّ بإذن الله ، ثم أخذ بيدي وأنهضَنِي مِنْ مكاني إِنْهاضًا لطيفًا. ثم قال للأول الذي شَقَّ بَطْني: زِنْه بعشرة [مِنْ أُمَّتِه] (١)، فوزَنوني بهم فرجَحْتُهم، ثم قال: زِنْه بِمثَةٍ مِنْ أُمَّتِه، فوزَنوني فرجَحْتُهم، فقال: دَعُوه، فلو وزَنْتُموه بِأُمَّتِه كُلِّها رجحَهُم، ثم انكَبُّوا عليَّ فضَمُّوني إلى صدورهم، فقبلوا رأسي وما بين عيني، ثم قالوا: يا حبيب، لم تُرَعْ، إنَّك لو تدري ما يُراد بك من الخير لقرَّتْ عينك. فبينا نحن كذلك، إذا نحن بالحي قد جاؤوا بحذافيرهم، وإذا أُمِّي - وهي ظئري - أمام الحيّ تَهْتِفُ بِأَعْلَى صوتِها، وهي تقول: يا ضَعِيفاه، اسْتُضْعِفْتَ مِنْ بين أصحابِكَ فقُتِلْتَ لِضَعْفِكَ، وانْكَبُّوا عليَّ وضَمُّوني إلى صدورهم، وقَبَّلوا رأسي وما بين عينيَّ، وقالوا: حبَّذا أنت من ضعيف، قالت ظهري: يا وَحِيْداه، فانكَبُّوا عليَّ وقالوا: حبَّذا أنتَ من وحيد، وما أنتَ بوحيد؛ إنَّ الله معك، وملائكته والمؤمنون من أهل الأرض، ثم قالت ظري: يا يتيماه، فانكبوا عليَّ وقالوا: حبَّذا أنت من يتيم، ما أكرمك على الله - تعالى -، ولو تدري ما يُراد بك من الخير. فلما بَصُرَتْ بي أمي - وهي ظئري - قالت: يا بني ألا أراك حيًا بعد، فجاءت فأخذَتْني فضمَّتْني إلى صَدرِها، وأجلسَتْني (٢) في حجرها، فوالذي نفسي بيده، إِنِّي لَفِي حَجْرِها وإِنَّ يَدِي لَفِي يَدِ بعضهم، فجَعَلْتُ أَلْتَفِتُ إليهم، وظَنَنْتُ أنَّ القوم يُبْصِرونهم، فإذا هم لا يُبْصِرون، فيقول بعض القوم: قد أصابَ هذا الغلامَ لمَمٌ وطَيْفٌ مِنْ الجِنِّ، اذهبوا (٣) به إلى كاهننا حتى ينظر إليه.

стр. 785

ويُداويه، فقلت: يا هذا، ما بي شيءٌ مِمَّا تذكرون، إنِّي لأرى نفسي سليمة وفؤادي صحيحًا، ليس بي قلبة. فقال أبي - وهو زوج ظتري -: ألا ترَوْنَ إلى كلامه صحيحًا؟ إني لأرجو أَنْ لا يكونَ بِبُنَيَّ بأس. فأَتَوْا به كاهِنَهُم، فَقَصُّوا عليه، فقال: أسكتوا حتى أسمع من الغلام أَمْرَه، فهو أعلم بأمره منكم، فسألني، فقصَصْتُ عليه أمري من أوله إلى آخره، فوثب إليَّ فضمَّني إلى صَدْرِه، ثم نادى بأعلى صوته: يا للعرب - مرتين! أقتلوا هذا الغلام، واقتلوني معه، فواللات والعُزَّى لَئِنْ تركتموه وأدركَ لَيُخالِفَنَّ أمرَكُم، ولَيُسفَهنَّ عقولَكُم وعقول آبائكم، ولَيُبدِّلَنَّ دينَكُم، وليأتِينَّكُم بدين لم تَسْمَعُوا بمِثْله. فعَمَدَتْ ظئري، فانتزَعَتْني مِنْ حَجْره، وقالت: لأَنتَ أَعْتَهُ وأَجَنُّ مِنْ بُنِيَّ هذا، ولو علِمْتُ أنَّ هذا قولك ما أتيتُك به، فاطلُبْ لِنفسكَ مَنْ يقتُلكَ، فأنا غير قاتل هذا الغلام، ثم احتملُوني فأَدَّوْني إلى أهلي. وأصبحتُ مُعَرَّى مما فُعِل بي، وأصبح أثَرُ الشَّقِّ ما بين مَفْرِقِ صَدْري إلى منتهى عانتي كأنه الشراك، فذاك يا أخا بني عامر حقيقة أمري، وبدء شأني». فقال العامري: أشهَدُ بالله الذي لا إله غيرُه أَنَّ أَمرَكَ لَحقِّ، فَأَنْبِثْني بأشياء أسألك عنها، قال: سَلْ عنك كلمة بلغة بني عامر. فقال: يا ابن عبد المطلب، ماذا يزيد في العلم؟ قال: «التَّعلم»، قال: فما يزيد في الشَّرِّ؟ قال: «التَّمادي»، قال: فهل البِرُّ بعد الفجور؟ قال: «نعم، التَّوْبَةُ تَغْسِلُ الحَوْبة، والحسناتُ يُذْهِبْنَ السَّيِّئات، وإذا ذكر العبد ربه في الرخاء أجابه عند البلاء»، قال: يا ابن عبد المطلب، وكيف ذاك؟ قال: لأنَّ الله يقول: وعِزَّتي وجلالي لا أَجْمَعُ أبدًا لِعَبْدِي أَمْنَيْن، ولا أجمَعُ عليه أبدًا خَوْفَيْن، إِنْ هو أَمِنَنِي في الدُّنيا خافَني يومَ أجمع فيه عبادي لميقات يوم معلوم، فيدوم له خوفه، وإن هو خافني في الدُّنْيا أَمِنَنِي يوم أجمَعُ فيه

стр. 786

عِبَادِي فِي خُظِيرَةٍ (١) الْقُدْسِ، فَيَدُومُ لَهُ أَمْنُهُ، وَلَا أَمْحَقُهُ فِيمَنْ أُمْحِقُ». قَالَ: يَا ابْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَإِلَى مَا تَدْعُو؟ قَالَ: «أَدْعُو إِلَى عِبَادَةِ اللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنْ تَخْلَعَ الْأَنْدَادَ، وَتَكْفُرَ بِاللَّاتِ وَالْعُزَّى، وَتُقِرُّ بِمَا جَاءَ مِنَ اللَّهِ مِنْ كِتَابٍ أَوْ رَسُولٍ، وَتُصَلِّي الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ بِحَقَائِقِهِنَّ، وَتُؤَدِّيَ زَكَاةَ مَالِكَ، يُطَهِّرُكَ اللَّهُ بِهَا، وَيُطَيِّبُ لَكَ مَالَكَ، وَتَصُومَ شَهْرًا مِنَ السَّنَةِ، وَتَحُجَّ الْبَيْتَ إِذَا وُجِدَتْ إِلَيْهِ سَبِيلًا، وَتَغْتَسِلَ مِنَ الْجَنَابَةِ، وَتُؤْمِنَ بِالْمَوْتِ، وَبِالْبَعْثِ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَبِالْجَنَّةِ وَالنَّارِ». قال: يا ابن عبد المطلب، فإذا فعلت ذلك، فما لي؟ قال: «جنات عدن تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها، وذلك جزاء من تزكى». قال: يا ابن عبد المطلب، فهل مع هذا شيء من الدنيا؟ فإنه تعجبني الوطاءة في العيش. قال: «نعم، النصر والتمكين في البلاد» فأجاب، وأناب (٢).

стр. 787

هذا حديث حسن غريب بهذا السياق، يُعَدُّ في أفراد محمَّدِ بنِ يَعْلَى، وكان يُلقَّبُ بِزُنبور، ليس بذاك. ولمكحول عن شَدَّادٍ أحاديثُ غيرَ أنَّها مُرْسِلَةٌ. ومِدْرَهُ القوم: خَطيبهم، والمتكلم عنهم. وقوله (فَمَثَل) أي: قام. و (تَفوَّهْتَ) أي: تكلَّمْتَ. وقوله: دعوة أبي إبراهيم، قوله تعالى عن إبراهيم ﵇: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ [البقرة: ١٢٩]، وقوله: ﴿قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ [البقرة: ١٢٤]. وقولُه: (إِنِّي كُنْتُ بِكْرَ أُمِّي) أي: أَوَّلَ ولَدٍ ولدته، وفي نسخة: كنتُ في بطن أُمِّي. وقولُه (ما رابَكُم؟) أصلُه: ما شكَّكَكُم؟ ومعناه - ها هنا: ما دعاكم إلى أخذ هذا الغلام؟. وقوله (فماذا يَرُدُّ عليكم قتله) أي: ما يَنفَعُكم ذلك. و (لا يُحِيرون) أي: لا يَرْجِعون، ولا يَرُدُّون. و (يُؤْذِنونهم) يُعلمونهم. و (يَسْتَصْرِ خونهم) أي: يَسْتَغِيثون بهم. وقوله (فَأَنْعَمَ غَسْلَها) أي: بالغ فيه. وقوله (فصدعه) أي: فشقه. وقوله (ثم قال بيدِه يَمْنةً منه) أي: أشار بيده إلى جانب يمينه. وقوله (فإذا أنا في يده بخاتم نور) أي: رأيتُ حينئذ ذلك في يده.

стр. 788

وقوله (رَجحَهُم) أي: رجح بهم وعليهم. وقوله (لم تُرَعْ) أي: لا تخف. وجواب قوله (ولو تَدْري ما يُراد بك في المرة الأخيرة محذوف، تقديره: لَقَرَّت عَيْنُكَ (١). والقلبة: الداء. ويا للعرب) لام الاستغاثة. وقوله (وأصبحتُ مُعَرَّى) في نسخة: أصبحتُ صَفِرًا، ومعناهما واحد. وقوله (سَل عنك) في رواية أخرى: قال: كان النَّبيُّ ﷺ يقول للسائلين قَبْلَ ذلك: سَلْ عَمَّا شِئْتَ، وعما بدا لك، فقال للعامري: (سَلْ عنك) لأنَّها لغةُ بني عامر، فكلمه بِما يَعْرِف. وقوله (فأتني بحقيقة ذلك) (٢) في رواية: فأَنْبِثْني. و (الحوبة) الإثم. و (الوَطأة) النعمة. وروى هذا الحديث عبدُ الصَّمد بن محمَّدٍ العاصِمِيُّ بِبَلْخَ مِنْ نَحْو مِنْ عشرين ومئة سنة، عن إبراهيم بن أحمد المستملي، عن إسحاق بن حمدان، عن نصر بن المكي، عن يزيد بن سنان البصري، عن محمد بن زنبور، فكأَنِّي سمِعْتُه من عبد الصمد.

стр. 789

ومن مسند أبي أمامةَ الصُّدَيِّ بنِ عَجْلانِ ﵁ ٢١٣ - أخبرنا أبو عليٍّ الحدادُ بقراءة والدي عليه غير مرَّةٍ رحمهما الله (١) إحداهما سنة ست وخمس مئة، حدثنا أبو نُعَيْمٍ أحمدُ بنُ عبدِ الله سنة ست وعشرين وأربع مئة، حدثنا أبو عَمْرو محمدُ بنُ أحمدَ بنِ حَمْدان، وأبو أحمد محمدُ بنُ أحمد الغطريفي، قالا: حدثنا عبد الله بن محمَّدِ بنِ شِيرُويَة، حدثنا إسحاق بنُ إبراهيم الحنظلي، أخبرنا عَمْرو بنُ محمَّدٍ القُرَشِيُّ، حدثنا إسماعيل بن رافع، قال: سمعت أبا زُرْعَةَ السَّيْباني يقول: سَمِعْتُ أبا أمامة الباهلي ﵁. وأخبرنا سعيد بن أبي الرَّجاء الصيرفي ﵀ قرأته عليه فيما أُرَى، أخبرنا أحمدُ بنُ محمَّدٍ أبو العباس الفَضَّاضُ، أخبرنا محمَّد بن إبراهيم أبو بكر بن المقرئ، حدثنا إسحاق بن أحمد بن نافع بمكة، حدثنا محمد بن يحيى بن أبي عُمر، حدثنا هشام بن سليمان المخزومي، حدثنا إسماعيل بن رافع، عمَّنْ أخبره عن أبي أمامة ﵁ قال: خطبنا رسول الله ﷺ ذات يوم، فكان أكثر خُطبته حديثًا يُحدثنا عن الدَّجَّال ويُحذِّرُناه، فكان من قوله يومَئِذٍ أَنْ قال: «أيُّها الناس، إنَّه لم تكن فتنة في الأرض منذ ذرَأَ الله - تعالى - ذُرِّيةَ آدم أعظم من فتنة الدجال، وإنَّ الله - تعالى - لم يبعث نبيًا بعد إلا حذره أُمَّتَه، وإنِّي آخر الأنبياء [وأنتم] (٢) آخِرُ الأُمم، وهو خارج فيكم لا محالة، فَإِنْ يخرُج وأنا حي بين أَظْهُرِكُم فأنا حَجِيجُ كلّ مؤمن، وإِنْ يخرج بعدي فكلُّ امرئٍ حَجِيجُ نفسه (٣)، والله خليفتي على كل مسلم.

стр. 790

إنه يخرجُ مِنْ خَلَّةٍ بين العراق والشَّام، فَيَعِيثُ يمينًا ويَعِيثُ شِمالًا، يا عباد الله فاثبتوا، فيَبْدَأُ فيقول: أنا نبي، ولا نبي بعدي، ثم يُثَنِّي فيقول: أنا ربُّكم، ولَنْ تَرَوْا رَبَّكُم حتى تموتوا، وإِنِّي سأصِفُه لكم صفةً لم يصفها نبي لأُمَّتِه، إنَّه أعورُ، وإِنَّ رَبَّكُم ليس بأعور، مكتوب بين عينيه: كافر، يَقْرؤُه كلُّ مؤمن كاتب أو غير كاتب، وإِنَّ مِنْ صِفَتِه أَنَّ معه جنَّةً ونارًا، فناره جنَّةٌ، وجنَّتُه نار، فمَنْ لَقِيه منكم فَلْيَتفُلْ في وجهه، ومن ابْتُلِي بنارِه فَلْيَستَعِذْ - أو قال: «فليَسْتَغِثْ» - بالله، وَلْيَقرأُ فَواتِحَ الكهف، تكونُ النَّارُ بَرْدًا وسلامًا عليه، كما كانت النَّارُ على إبراهيم ﵇. وإِنَّ مِنْ فتنتِه أَنْ يَأْمُرَ السَّمَاءَ أَنْ تُمْطِرَ فَتُمْطِرُ، وَيَأْمُرَ الأَرضَ أَنْ تُنْبِتَ فتُنْبِتُ، وإِنَّ مِنْ فتنته أن يقول للأعرابي: أرأيتَ إِنْ بَعَثْتُ لك أباك وأُمَّكَ، أتَشْهدُ أنّي ربُّك؟ فيقول: نعم، فيُمَتِّلُ له شيطانين على صورة أبيه وأُمه، فيقولان: يا بُنَيَّ اتَّبِعْه فإنَّه ربُّك، وإِنَّ مِنْ فتنته أنَّه يركب حمارًا ما بين أذنيه أربعون ذراعًا، وإِنَّ مِنْ فتنتِه أَنْ يَصِيح ثلاثَ صَيْحات يسمعها أهل المشرق وأهل المغرب، وإِنَّ مِنْ فتنته أنَّه يَتناوَلُ الشَّمسَ فَيَشُقُّها، وإِنَّ مِنْ فتنته أنه يتناول الطير في الهواء». زاد العدني في روايته: «وإِنَّ مِنْ فتنته أنَّه يقول للأعرابي: أرأيت إن بعَثْتُ لكَ إِبِلَكَ، أَتَشْهدُ أنّي ربُّك؟ فيقول: نعم، فيتمثلُ له الشَّياطين على صورة إبله، عليها وسومها، وإِنَّ مِنْ فتنته أنه يُسلّط على نفس واحدة، فينشرها بالمنشار حتى يُلْقِيَها، ثم يقول: أنظروا إلى عبدي هذا فإنِّي أبعثه الآن، ثم يَزْعُم أنَّ له ربًّا غيري، ثم يَبْعثه الله - تعالى - فيقول: رَبِّيَ الله، وأنت عدو الله الدَّجَّالُ، والله ما كنتُ قط أشدَّ بصيرةً، يعني: فيكَ مِنِّي الآن». رجعنا إلى رواية إسحاق: قال: وإِنَّ مِنْ فتنته أَنْ لا يَبْقَى شيء في الأرض إلا وَطِئَه وظهر عليه في سبعةِ أيَّام إلا مكَّةَ والمدينة؛ فإنَّه لا يأتيهما من نَقْب مِنْ نِقابهما إلا لَقِيَتْه الملائكةُ بالسُّيوفِ مُصْلَتةً حتى ينزل عند الظُّرَيب

стр. 791

الأَحْمَر (١) عِنْدَ مُنْقَطَعِ السَّبْخَةِ، فَتَرْجُفُ المَدِينَةُ بِأَهْلِهَا ثَلَاثَ رَجَفَاتٍ، فَلَا يَبْقَى فِيهَا مُنَافِقٌ وَلَا مُنَافِقَةٌ إِلَّا خَرَجَ إِلَيْهِ مِنْهُ، تَنْفِي المَدِينَةُ الخَبَثَ مِنْهَا يَوْمَئِذٍ كَمَا يَنْفِي الكِيرُ خَبَثَ الحَدِيدِ، يُدْعَى ذَلِكَ اليَوْمُ يَوْمَ الخَلَاصِ». فَقَالَتْ أُمُّ شَرِيكٍ بِنْتُ أَبِي العَكْر ﵂: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَأَيْنَ النَّاسُ يَوْمَئِذٍ؟ - قَالَ: «هُمْ يَوْمَئِذٍ قَلِيلٌ، جُلُّهُمْ بِبَيْتِ المَقْدِسِ، وَإِمَامُهُمْ رَجُلٌ صَالِحٌ. وَإِنَّ مِنْ فِتْنَتِهِ أَنْ يَمُرَّ بِالحَيِّ فَيُصَدِّقُونَهُ، فَيَأْمُرَ السَّمَاءَ أَنْ تُمْطِرَ فَتُمْطِرُ، فَتَرُوحُ عَلَيْهِمْ مَوَاشِيهِمْ فِي يَوْمِهِمْ ذَلِكَ أَعْظَمَ مَا كَانَتْ وَأَسْمَنَهُ، أَدَرَّهُ ضُرُوعًا، وَأَمَدَّهُ خَوَاصِرَ، وَإِنَّ مِنْ فِتْنَتِهِ أَنَّهُ يَمُرُّ بِالحَيِّ فَيُكَذِّبُونَهُ، فَلَا تَبْقَى لَهُمْ مَاشِيَةٌ إِلَّا هَلَكَتْ. ثُمَّ يَسِيرُ حَتَّى يَأْتِي بَيْتَ المَقْدِسِ، وَفِيهِ إِمَامُ النَّاسِ، فَيُحَاصِرُهُمْ، فَبَيْنَا هُوَ مُحَاصِرُهُمْ إِذْ نَزَلَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ ﵇ حِينَ يَدْخُلُ أَمَامَ النَّاسِ فِي صَلَاةِ الغَدَاةِ، فَإِذَا رَآهُ الإِمَامُ عَرَفَهُ، فَيَرْجِعُ وَيَمْشِي القَهْقَرَى لِيَتَقَدَّمَ عِيسَى فَيُصَلِّي، فَيَضَعُ عِيسَى يَدَهُ بَيْنَ كَتِفَيْ ذَلِكَ الإِمَامِ، فَيَقُولُ: صَلِّ؛ فَإِنَّهَا لَكَ أُقِيمَتْ، فَيُصَلِّي عِيسَى وَرَاءَهُ، فَإِذَا انْصَرَفَ الإِمَامُ قَالَ عِيسَى: افْتَحُوا البَابَ، وَوَرَاءَ البَابِ الدَّجَّالُ، مَعَهُ سَبْعُونَ أَلْفَ يَهُودِيٍّ، كُلُّهُمْ ذُو سَيْفٍ مُحَلَّى وَسَاجٍ، فَإِذَا فُتِحَ البَابُ نَظَرَ الدَّجَّالُ إِلَى عِيسَى، فَإِذَا رَآهُ ذَابَ كَمَا يَذُوبُ المِلْحُ فِي المَاءِ، وَكَمَا يَذُوبُ الرَّصَاصُ فِي النَّارِ، ثُمَّ وَلَّى هَارِبًا، فَيَقُولُ عِيسَى ﵇: إِنَّ لِي فِيكَ ضَرْبَةً لَنْ تَفُوتَنِي بِهَا، فَيَضْرِبُهُ عِنْدَ بَابِ لُدّ الشَّرْقِي فَيَقْتُلُه. وَيَهْزِمُ اللَّهُ - تَعَالَى - اليَهُودَ، فَيُقْتَلُونَ قَتْلًا مَا قُتِلَ مِثْلَهُ قَوْمٌ قَطُّ، فَلَا يَبْقَى شَيْءٌ يَتَوَارَى بِهِ يَهُودِيٌّ إِلَّا أَنْطَقَ اللَّهُ - تَعَالَى - ذَلِكَ الشَّيْءَ، لَا حَجَرَ وَلَا شَجَرَ وَلَا بَهِيمَةً إِلَّا أَنْطَقَهُ اللَّهُ - تَعَالَى - فَيَقُولُ: يَا عَبْدَ اللَّهِ المُسْلِمُ، هَذَا يَهُودِيٌّ فَتَعَالَ فَاقْتُلْهُ - زَادَ فِي رِوَايَةِ العَدَنِيِّ: «إِلَّا الغَرْقَدَ، فَإِنَّهُ لَا يَنْطِقُ، وَيُقَالُ: إِنَّهُ مِنْ شَجَرِهِمْ» - فَيَكُونُ عِيسَى فِي أُمَّتِي حَكَمًا عَدْلًا وَإِمَامًا مُقْسِطًا، يَدُقُّ الصَّلِيبَ، وَيَذْبَحُ الخِنْزِيرَ، وَيَرْفَعُ الجِزْيَة.

стр. 792

وتُترك الصدقة فلا يُسْعَى على شاة ولا بعير، وتُرْفَع الشحناء والتباغض، وتُنْزَع حُمَةٌ (١) كلِّ ذاتِ حُمَة، حتى يُدْخِلَ الوَلِيدُ يدَه في في الحنش فلا يَضُرُّه، وتُفِرَّ الوَلِيدةُ الأسد فلا يَضُرُّها، ويكون الذِّئب في الغنم كأنَّه كَلْبُها، وتُمْلَأ الأرض مِنْ السِّلْم كما يُمْلأ الإناء من الماء، وتكون الكلمة واحدةً، فلا يُعبَدُ غير الله، وتَضَعُ الحرب أوزارها، ويُسْلَب قريش مُلْكَها، وتكون الأرض كفاثور الفِضَّة، تُنْبِتُ نباتها بعهد آدم حتى يجتمع النَّفَر على القطف فيُشبعُهم، ويجتمع النَّفْرُ على الرُّمَّانَةِ فَتُشْبِعُهم، ويكون الفرَسُ بالدُّرَيهِمات، ويكون الثَّوْرُ بكذا وكذا من المال». قيل: يا رسول الله، فما يُرْخِصُ الفرس؟ قال: «لا يُرْكَبُ لحرب أبدًا»، قيل: فما يُغْلِي الثَّوْر؟ قال: «تُحرَثُ الأرض عليها. وتكونُ أَيَّامُ الدَّجَّالِ أربعين سنةً، تكون السَّنةُ كنِصْف سنةٍ، وسَنةٌ كثُلُثِ سنة، ويكون الشَّهرُ كالجمعة، والجمعة كاليوم، وآخِرُ أَيَّامِه مِثْلُ الشَّرَارة، يُصبح أحدكم على باب المدينة فلا يَبْلُغ بابَها الآخر حتى يُمْسِي». قيل: يا رسول الله، فكيف نُقدِّر الصَّلاة في تلك الأيام القصار؟ قال: «تُقدّرون فيها ما تُقدّرون في أيامكم هذه الطوال». قال: «وقبل خروج الدَّجَّال ثلاث سنواتٍ شداد، يأمر الله - تعالى - السَّماءَ أن تَحْبِسَ ثُلُثَ قَطَرِها، ويأمر الأرض أن تَحْبِسَ ثُلُثَ نباتها، فإذا كانت السنة الثانية أمر الله - تعالى - السَّماء أن تَحْبِسَ ثُلُثَيْ قَطْرِها، والأرض ثُلُثَيْ نباتها، فإذا كانت السَّنةُ الثَّالثة أمر الله - تعالى - السَّماءَ فلم تَقْطُرْ قَطْرةً، وأمر الأرض فلم تُنْبِتْ خَضِرًا، فلا يَبْقَى ظُلْفٌ إلا هلك، إلا ما شاء الله - تعالى -». قيل: يا رسول الله، مماذا يعيش الناس؟ قال: «التسبيح والتهليل والحمد والتكبير يُجزئ عنهم مجزأ الطعام».

стр. 793

زاد العدني في روايته وكان أبو أمامة ﵁ يُحدث هذا الحديث، ثم يقول: وما نَسِيتُ أكثر (١). هذا الحديث بهذا السياق تفرد به إسماعيل بن رافع من هذا الوجه، وقد خالف غيره في الإسناد والمتن جميعًا، حيث قال في الإسناد: سمِعْتُ أبا زُرْعَةَ السَّيْباني يقول: سمِعْتُ أبا أمامة؛ لأنَّ أبا زُرْعة لم يسمع (٢) منه. ورواه ضَمْرةُ بن ربيعة، وعَطاءُ الخُراساني، ومحمَّدُ بنُ شُعَيب بن شابور، عن أبي زُرْعَةَ - واسمُه: يحيى بن أبي عمر الشيباني، بالسين المهملة ـ، عن عَمْرِو بن عبد الله الحضرمي، عن أبي أمامة، واتَّفَقوا في ألفاظهم، ولم يسوقوا سياقة إسماعيل بن رافع. وأخرجه أبو عبد الله بن ماجة القزويني عن علي بن محمد، عن المُحارِبيّ، عن إسماعيل، على أن أبا الشيخ رواه عن أبي يحيى الرازي، عن سهل بن عثمان، عن المحاربي، عن إسماعيل بن رافع، عن أبي زُرْعة، عن عمرو، عن أبي أمامة، والمشهور من حديث إسماعيل هو الأوَّلُ (٣) فأما حديثُ ضَمْرة:

стр. 794

٢١٤ - فأخبرنا به محمود بن إسماعيل الصيرفي ﵀ سنة تسع وخمس مئة، أخبرنا أبو بكر بن شاذان الأديب، أخبرنا أبو بكر القباب، حدثنا أبو بكر بن أبي عاصم، ح. وأخبرنا أبو غالب الكُوشِيذِيُّ، ومحمَّدُ بنُ أبي القاسم القَصَّارُ، ونُو شَرْوانَ الديلمي ﵀ سنة أربع وخمس مئة، قالوا: أخبرنا أبو بكر بن رِيدَه، ح. وأخبرنا أبو علي الحداد بقراءة والدي عليه رَحِمَهُما اللهُ سنة ثمان، حدثنا أبو نُعَيمٍ. قالا: حدثنا الطبراني، حدثنا يحيى بن عبد الباقي [الأذني] (١). قالا: حدثنا أبو عُمَيرٍ بنُ النَّحَّاس، [حدثنا ضَمْرة] (٢)، عن يحيى بن أبي عَمْرٍو السَّيْباني، عن عَمْرِو بنِ عبدِ الله الحضرمي، عن أبي أمامة ﵁، ح. وأخبرنا الكوشيذي، والقُرانِيُّ، ونُو شَرْوانَ، قالوا: أخبرنا ابن ريده، ح. وأخبرنا أبو علي، حدثنا أبو نُعَيم. قالا: حدثنا الطبراني، حدثنا محمَّد بن رُزَيقِ بن جامع المصري، حدثنا عَمْرُو بنُ سَوَّادٍ السَّرْحِيُّ، أخبرني ابن وهب، أخبرني يونس بن يزيد، عن عطاء الخراساني. زاد أبو نعيم (٣) عن الطبراني، حدثنا بكر بن سهل، حدثنا نُعيم بنُ حماد، حدثنا ضمرة. كلاهما عن يحيى بن أبي عمرو، عن حديثِ عَمْرٍو الحَضْرمي من أهل حمص، عن أبي أمامة (٤).

стр. 795

قَالَ ابْنُ أَبِي عَاصِمٍ: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ، يَعْنِي حَدِيثَ أَبِي عُمَيْرٍ عَنْ ضَمْرَةَ. وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ السِّجِسْتَانِيُّ فِي سُنَنِهِ عَنْ عِيسَى بْنِ مُحَمَّدٍ الرَّمْلِيِّ، عَنْ ضَمْرَةَ. وَقَوْلُهُ (مِنْ خَلَّةٍ) الْخَلُّ: الطَّرِيقُ فِي الرَّمْلِ (١) يُقَالُ لِلْوَاحِدَةِ مِنْهُ: الْخَلَّةُ، كَمَا يُقَالُ لِلْخَلِّ الَّذِي يُؤْتَدَمُ بِهِ: خَلَّةٌ. وَالْعَيْثُ: الْفَسَادُ. وَقَوْلُهُ (إِنْ بَعَثْتُ) أَيْ: أَحْيَيْتُ. وَفِي أَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ: (فَوَاتِحُ الْكَهْفِ)، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي عَاصِمٍ: «خَوَاتِمُ الْكَهْفِ» (٢). وَذَكَرَ (سَبْعَةَ أَيَّامٍ) فِي رِوَايَةِ إِسْحَاقَ وَحْدَهُ. وَالنَّقْبُ: الطَّرِيقُ فِي الْجَبَلِ، كَالْخَلِّ فِي الرَّمْلِ. وَالْمُصْلَتَةُ: الْمُجَرَّدَةُ. وَ (الظَّرِيبُ) بِالظَّاءِ، تَصْغِيرُ الظَّرِبِ، وَجَمْعُهُ: الظِّرَابُ، وَهِيَ صِغَارُ الْجِبَالِ. وَالرَّجْفَةُ: الزَّلْزَلَةُ.

стр. 796

والسَّاج: الطيلسان، وفي بعض الروايات بدل الساج: السلاح. و (الحنش) هاهنا: الحية خاصة. وفي أكثر الروايات (فتُفِرُّ الوَلِيدةُ الأسدَ) أي: تُهْزِمه، أو تَفِرُّ الوليدةُ للأسد، وفي رواية: «وتَلْقَى الوليدة الأسد». والفاثور: الخوان، والطستخان. وفي رواية غير إسماعيل: «وتكون أيامه أربعين يومًا، يوم كسنة، ويوم كشهر، ويوم كجمعة، ويوم كسائر الأيام». وفي بعض الروايات: «كالسراب» بدل (الشرارة). وهذه الفِتَنُ التي يَفْتَتِنُ بها النَّاسُ تَلْبيساتٌ وخِدَعُ واحتيالات يُرِيها النَّاسَ كذلك، ولا حقيقة لها، وبذلك سُمِّيَ الدَّجَّالَ، والله أعلم. ٢١٥ - أخبرنا أبو منصور عبد الرحمن بن محمَّدِ بنِ عبدِ الواحد بن زُرَيقٍ القَزَّازُ ﵀ قرأته عليه في الحريم الطاهري (١) من غربي بغداد، أخبرنا أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت الحافظ، حدثني عُبَيدُ الله بن أبي الفتح الأزهري، حدثنا أبو أحمد عبدُ الرَّزَّاق بنُ إسماعيل الفوارسي (٢). ثم قرأته عاليًا على أستاذنا الإمام قوام السُّنَّةِ أبي القاسم إسماعيل بن محمد الحافظ ﵀ أنَّ موسى بنَ عِمرانَ الصُّوفيَّ بنيسابور أخبرهم، أخبرنا محمَّد بن الحسين بن داود.

стр. 797

قالا: أخبرنا أبو نصرٍ محمَّدُ بنُ حَمْدُويه بن سهل المَرْوَزِيُّ، حدثنا عبد الله بن حماد الآمُلِيُّ، حدثنا مالك بنُ سَلَامٍ - وهو بغدادي -، حدثنا الفضل بن عمار، عن فطر بن خليفة، عن أبي الطُّفيل عامر بن واثلة، عن أبي أمامة الباهلي ﵁ قال: لما نزلت ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾ [البقرة: ٢٤٥] قام رجلٌ مِنْ الأنصار، فقال: فداك أبي وأُمِّي يا رسول الله، الله ﷻ يحتاج إلى القَرْض، وهو عن القَرْض غني؟! قال: «يُريد أَنْ يُدْخِلَكم بذلك الجنَّةَ». قال: فأقبل الأنصاري إلى أبي الدحداح ﵄ فقال له: يا أبا الدحداح، أنزل الله (١) على النبي ﷺ آيةً مُحْكَمةٌ، فيها شِفاء الصدور، يبلغ بها صاحبها دنياه وآخرته: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾ [البقرة: ٢٤٥]. فأقبل أبو الدحداح إلى النبي ﷺ ، فقال له: فداك أبي وأُمِّي يا رسول الله، أنزل الله عليك هذه الآية: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾ [البقرة: ٢٤٥]؟ قال: «نعم، يا أبا الدحداح» قال: يا رسول الله، يسأل النَّاسَ القَرْضَ وهو عن القرضِ غَنِيٌّ؟! قال: «يا أبا الدحداح، يريد أَنْ يُدخلهم بذلك الجنَّة». قال: يا رسول الله، فإِنْ أَقرَضْتُ الله قَرْضًا، تَضْمَنْ لي الجنَّة؟ قال: «نعم، يا أبا الدَّحْداح» قال: وزوجتي؟ قال: «وزوجتك» قال: وصبياني؛ فإنَّ الله واسع كريم؟ قال: «والصبيان، يا أبا الدخداح». قال: يا رسول الله، فإِنِّي أُشْهِدُك أنِّي قد جَعَلْتُ حَائِطَيَّ لله قَرْضًا، قال: يا أبا الدخداح، إنا لم نسألك كلَيْهِما، فاجعل أحدهما الله - تعالى -، ويكون الآخَرُ مَعِيشَةً لك ولعيالك قال: يا رسول الله، فإِنِّي أُشْهِدُكَ أَنِّي قد جَعَلْتُ خِيرَهُما الله - تعالى - فقال: «يا أبا الدحداح، إذًا يجزيك الله به الجنَّة».

стр. 798

فانطلق أبو الدحداح الأنصاري ﵁ يقول: هداك الهادي إلى سبيل الخير والرشاد، بيني من الحائط الذي بالوادي. هكذا رواه الإمام إسماعيل ﵀، وفي رواية أخرى: هداكِ رَبِّي سُبُلَ الرَّشاد … إلى سبيل الخير والسداد بيني من الحائط لي بالوادي رجعنا إلى روايتنا: ...................... … فقد مضى قَرْضًا إلى التناد أقرَضْتُه الله على اعتمادي … طَوْعًا بِلا مَنْ ولا ارتداد إلا رَجَا التَّضْعيف في المعاد … فودعي الحائط وداع الجادِ وارتحلي بالفَضْل والأولاد … واستبقي هدِيتِ لِلرَّشاد إِنَّ التَّقَى والبر خير زاد … قدمه المرء إلى المعاد قالت أم الدحداح ﵂: أما إذا بِعْتَ مِنْ الله ورسوله فبيع مُرْبحٌ لا يُقال ولا يستقال، ولولا ذلك - أيم الله - لم تَمْلِكُ إلا حِصَّتَك، قال لها (١): يا أُمَّ الدحداح، لا يَأْلِتُكِ (٢) الله شيئًا، فأنشأت تقول: مثال أجري ما لديه ونصح … ولك الحظ إذا الحظ وضح قد مَتَّعَ الله عيالي ما صَلُحْ … بالعجوة السوداء والزَّهْوِ البَلَحْ والعبدُ يَسْعَى، وله ما قد كدَحْ … طول الليالي، وعليه ما اجترح ثم أقبلت على صبيانها، تُخْرِج مِنْ أفواههم (٣)، وتنفض ما في أكمامهم، حتى أفضتْ إلى الحائط الآخَرِ (٤).

стр. 799

هذا سياق رواية الإمام إسماعيلَ ﵀، ورواية بغداد لم يَسُقْ تمامَ الحديث. وهو غريب بهذا السياق، ومالك غير مشهور، والفَضْلُ لا أعلم له ذِكْرًا في كتُبِ الأَئِمَّة، وباقي الإسناد صالحون، وعبد الله بنُ حَمَّادٍ مِنْ آمُلِ جَيْحُونَ، لا أَمْلِ طَبَرِسْتانَ (١). وللحديث طرق سواه من دون الشِّعْر أَشْهَرُ من هذا الطريق، منه: ٢١٦ - ما أخبرنا أبو غالب الكوشيذي ﵀، أخبرنا أبو بكر بن رِيدَه، أخبرنا أبو القاسم الطبراني، حدثنا محمد بن عليّ الصائغ المكي، حدثنا سعيد بن منصور، ح. وأخبرنا به عاليًا علي بن أبي طالب أبو القاسم فيما كتب إليَّ من بغداد غير مرَّةٍ، أنَّ أبا الحسن محمَّد بن محمَّدِ بنِ محمَّدِ بنِ مَخْلَدٍ أخبرهم، أخبرنا أبو علي إسماعيل بن محمَّدٍ الصَّفَّارُ، حدثنا الحسنُ بنُ عرفةَ. قالا: حدثنا خلف بن خليفة، عن حميد الأعرج، عن عبد الله بن الحارث، عن ابن مسعود ﵁ قال: لما نزلت ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [البقرة: ٢٤٥] قال أبو الدحداح: يا رسول الله، إِنَّ الله يريد مِنَّا القرض؟ قال: «نعم، يا أبا الدَّحْداح» قال: أَرني يدك، فناوله يده، فقال: إني قد أقرَضْتُ رَبِّي حائطي، وفي حائطي سِتُّ مئةِ نخلة.

стр. 800

ثم جاء إلى الحائط، فنادى: يا أُمَّ الدَّخداح - وهي في الحائط ـ، فقالت: لبيك، فقال: اخْرُجِي؛ فقد أقرَضْتُه رَبِّي (١). رواه الإمام أبو عبد الله بنُ مَنْدَه نَعَ اللهُ ومَن هو أقدَمُ منه، عن إسماعيل الصَّفَّار، فكأَنِّي سمِعتُه من أصحابهم، ورواه محمد بن صالح، وإسماعيل بن توبة، عن خلف. ٢١٧ - وأخبرنا عمر بن محمد بنِ عمرَ المُعدِّل ﵀، أخبرنا أبو منصور وأبو زيد ابنا أبي الحسن الصُّوفي، قالا: أخبرنا محمَّد بن إسحاق، أخبرنا أحمدُ بنُ محمدِ بنِ إبراهيم أبو عَمْرٍو، حدثنا أبو حاتم، حدثنا المُؤَمَّلُ بنُ

стр. 801

الفضل، حدثنا محمَّد بن سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن (١) مولى لآل زيد بن ثابت - وهو محمَّدُ بنُ أبي محمد -، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄ قال: نزلَتْ هذه الآيةُ في أبي الدَّخداحة: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [البقرة: ٢٤٥] (٢). رواه إبراهيم بن سعد، عن ابن إسحاق، فقال: عن عكرمة أو سعيد بن جبير، وقال: ثابت بن الدَّخداح، بدل أبي الدحداحة. ورواه جويبر (٣)، عن الضحاك، عن ابن عباس نحو رواية ابن مسعود ﵄. ٢١٨ - وأخبرنا محمدُ بنُ أبي الفتح التاجرُ، أخبرنا أحمد بن أبي القاسم، أخبرنا أحمد بن موسى، حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم، حدثنا الحسن بن أحمد بن الليث، حدثنا عمر بن أيُّوبَ الغِفاري، حدثنا ابن أبي فديك، حدثني مالك بن أنس، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، وعن الأعرج، عن أبي هريرة ﵁ قال: لما نزلَتْ ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [البقرة: ٢٤٥] قال ابن الدَّخداح: يا رسول الله، يا رسول الله، لي حائطان: أحدهما بالسَّافلة، والآخَرُ بالعالية، وقد أقرَضْتُ

стр. 802

ربي أحدهما، فقال النَّبِيُّ ﷺ : «قد قبله منك فأعطاه النبي ﷺ اليتامى الذين في حَجْرِه، فكان النَّبِيُّ ﷺ يقول: رُبَّ عِذْق لابن الدحداح مُدَلَّى في الجنة» (١). رواه عبد الرحمن بنُ أَبْزَى (٢)، عن النَّبِيِّ ﷺ ، مِثْلَه وروي عن أنس بن مالك ﵁ على غير هذا النسق: ٢١٩ - أخبرنا به أبو علي الحداد لله، حدثنا أبو نُعَيم الحافظ، حدثنا القاضي أبو أحمد، أخبرنا محمَّد بن أحمد بن النضر، ح. قال أبو نُعَيمٍ: وحدثنا الحسن بن محمد بنِ كَيْسان، حدثنا موسى بن هارون. وأخبرنا أبو غالب الكُوشِيذي، أخبرنا ابن رِيذَه، أخبرنا الطبراني، حدثنا علي بن عبد العزيز. قالوا: حدثنا أبو نَصْرِ التَّمَّارُ، حدثنا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس ﵁ أنَّ رجلًا أتى النَّبِيَّ ﷺ فقال: إنَّ لفلان نخلة، وإنما أُقيم حائطي بها، فمُرْه أَنْ يُعْطِينِيها حتى أقيم بها حائطي، فقال له رسول الله ﷺ : «أَعْطِه

стр. 803

إيَّاها بنخلة في الجنة فأبى، فأتى أبو الدحداح ﵁ الرَّجُلَ، فقال: بِعْني نخلتك بحائطي، ففعل. فأتى أبو الدحداح النبي ﷺ ، فقال: يا رسول الله، إنِّي قد ابتَعْتُ النَّخلة بحائطي، فاجعلها له، فقال رسول الله ﷺ : «كم مِنْ عَذْقٍ رداح لأبي الدحداح» مرارًا. فأتى أبو الدحداح امرأته، فقال: يا أُمَّ الدَّحْداح، أُخْرُجِي (١) من الحائط؛ فإِنِّي قد بِعْتُه بنَخْلةٍ في الجنَّة، فقالت: ربح البيع - أو كلمةً تُشْبِهُها - (٢). رواه سَلَّامُ بن أبي الصَّهْباء (٣)، عن ثابت، نحوه. ورَوَى الأنصاري (٤)، عن حميد، عن أنس أنَّ هذه الآية، أو قوله تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُوا﴾ [آل عمران: ٩٢] نزلت في أبي طلحة.

стр. 804

وثابت بن [الدحداح] (١) أو الدخداحة، قيل: سأل النبي ﷺ عن المَحِيض، فنزلَتْ ﴿وَيَسْأَلُونَكَ﴾ (٢) رواه محمَّد بن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد، عن عكرمة أو سعيد، عن ابن عباس ﵁ (٣). وروى جابر بن سَمُرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صلى على ابن الدحداح، واختلف على سماك بن حرب فيه؛ فقيل: ابن الدحداح، وقيل: أبو الدحداح، قال: ثم قال: «كَمْ مِنْ عِذْق لابنِ الدَّحْداح» (٤). وروى حمَّادُ بن سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن يحيى بن حبان، عن عمه واسع: أنَّ ثابت بن الدَّحْداح مات، فقال النبي ﷺ لعاصم بن عَدِيٍّ: هل تعلم له [نسَبًا] (٥) في العرب؟ قال: لا، كان رجلًا أَتِيًا (٦)، فزوج أخته عبد المنذر، فولدت أبا لبابة، فجعل النَّبيُّ ﷺ ميراثه لأبي لبابة ابن أخته (٧).

стр. 805

فيحتمل أن ثابت بنَ الدَّحْداح اسم لأبي الدحداح، ويحتمل أنه غيره (١).

стр. 806

ومن حديث أبي سفيان صخر بن حرب ﵁ - ٢٢٠ - أخبرنا أبو علي الحسن بن أحمد الحدَّادُ لله، حدثنا أبو نُعَيمٍ أحمد بن عبد الله الحافظ، أخبرنا سليمان بن أحمد، حدثنا علي بن عبد العزيز، حدثنا عبد الله بن شبيب الرَّبَعي، حدثنا محمد بن مسلمة بن هشام المخزومي، حدثنا إسماعيل بن الطَّريح (١) بن إسماعيل الثقفي، حدثني أبي، عن أبيه، عن مروان بن الحكم، ح. وأخبرنا ببعضه أبو غالب الكوشيذي، ومحمَّد بن أبي القاسم القُراني، ونُو شَرْوانَ بنُ شِيرْزاذَ الدَّيْلِمِيُّ ﵏ قالوا: أخبرنا محمد بن عبد الله بن ريده، أخبرنا أبو القاسم الطَّبَراني، حدثنا بكر بن محمد بنِ مُقْبِل، حدثنا عبد الله بن شَبِيب، حدثنا يعقوب بن محمَّد الزُّهْري، حدثنا مُجاشع بن عمرو الأسدي، حدثني ليث بن سعد، عن أبي الأسود محمَّدِ بن عبد الرحمن بن نوفل، عن عروة بن الزبير. كلاهما عن معاوية بن أبي سفيان ﵁، عن أبيه أبي سُفْيانَ بنِ حرب ﵁ قال: خرجت أنا وأُميَّةُ بنُ أبي الصَّلْتِ تجارًا إلى الشام، فكُلَّما نزلت منزلًا أخذ أميَّةُ سِفْرًا له يقرؤها (٢) علينا، فكُنَّا كذلك حتى نزلنا قرية (٣) من قرى النصارى، فجاؤوه وأهدوا له وأكرموه، وذهب معهم إلى بيوتهم، ثم رجع في وسط النهار، فطرح ثوبيه، وأخذ ثوبين له أسودين فلَبِسَهما، وقال لي: يا أبا سفيان، هل لك في عالم من علماء النصارى إليه يتناهى علم

стр. 807

الكتاب تسأله؟ قلت: لا أَرَب لي فيه؛ والله -ئن حدَّثني بما أحب لا أثق به، ولئن حدَّثني بما أكره لأَوْجَلَنَّ منه، قال: فذهب. وخالفه شيخ من النصارى، فدخل عليَّ، وقال: ما يمنعك أن تذهب إلى هذا الشيخ؟ قلتُ: لستُ على دينه، [قال] (١) وإِن صح فإنَّك تسمع منه عجيبًا وتراه، ثم قال لي: أثقَفِيٌّ أنت؟ قلت: ولكنّي قُرَشي، قال: فما يمنعُكَ مِنْ الشيخ؟ فوالله إنه لَيُحِبُّكم ويُوصِي بكم. قال: وخرج من عندنا، ومكث أُمية حتى جاءنا بعد هدأة من الليل، فطرح ثوبيه، ثم انجدَل على فراشه، فوالله ما نام ولا قام، حتى أصبح كئيبًا حزينًا، ساقطًا غَبُوقُه على صَبوحه، ما يُكلِّمنا ولا نُكَلِّمُه، ثم قال: ألا تَرْحَلُ؟ قلتُ: وهل بِكَ مِنْ رحيل؟! قال: نعم. قال: فَرَحَلْنا، فسرنا بذلك ليلتين؛ من همه، ثم قال في الليلة الثالثة: ألا تُحدِّث يا أبا سفيان؟ قلتُ: وهل بِكَ مِنْ حديث؟ والله ما رأيتُ مِثْلَ الذي رجعت به من عند صاحبك، قال: أمَا إِنَّ ذلك شيء لست فيه، إنَّما ذلك شيء وَجِلْتُ منه مِنْ مُنْقَلَبي، قال: قلت: وهل لك مِنْ مُنْقَلَب؟! قال: إي والله، لأموتَنَّ، ثم لأُحْيِيَنَّ، قال: قلتُ: هل أنت قابل أمانتي؟ قال: على ماذا؟ قلت: على أنَّك لا تُبْعَثُ ولا تُحاسَبُ، قال: فضَحِك، ثم قال: بلى والله يا أبا سفيان، لَتُبعثَنَّ، ثم لتُحاسَبَنَّ، ولَيدخُلَنَّ فريقٌ في الجنَّة، وفريق في النار، قلت: ففي أيهما أنتَ أخبرَكَ صاحِبك؟ قال: لا عِلْم لصاحبي بذلك في ولا في نفسه. قال: فكُنَّا في ذلك ليلتيْن يَعْجَبُ مِنِّي وأَضحك منه، حتى قَدِمْنا غُوطة دِمَشْقَ، فَبِعْنا مَتاعنا، فأقَمْنا بها شهرين، فارتحلنا حتى نزلنا قريةً من قرى النصارى، فلما رأوه جاؤوه وأهدوا له، وذهب معهم إلى بيعتهم، حتى جاء بعد ما انتصف النهار، فلبس ثوبَيْه وذهب إليهم حتى جاءنا بعد هدأة من الليل، فطرح ثوبيه، ورمى بنفسه على فراشه، فوالله ما نام ولا قام، وأصبح

стр. 808

حزينًا كثيبًا، لا يُكلِّمنا ولا نُكَلِّمُه، ثم قال: ألا تَرْحل؟ قلت: بلى إن شئت، فرحلنا كذلك من بنه وحزنه ليالي (١). ثم قال لي: يا أبا سفيان، هل لك في المسير نتقدم أصحابنا؟ قلت: هل لي فيه؟ قال: فسر، فسرنا حتى برزنا من أصحابنا ساعة، ثم قال: يا صخر! قلتُ: ما تشاء؟ قال: حدثني عن عُتْبَةَ بن ربيعة، أيجتنب المظالم والمحارم؟ قلت: إي والله، قال: ويَصِلُ الرَّحِمَ، ويأمر بصِلَتِها؟ قلت: إي والله، قال: وكريم الطرفين، وسيط في العشيرة؟ قلت: نعم، قال: فهل تعلم قُرَشِيًّا أشرف منه؟ قلت: لا والله ما أعلمه، قال: أمُحْوِجٌ هو؟ قلتُ: لا، بل هو ذو مالٍ كثير، قال: وكم أتى له مِنْ السِّنِّ؟ قلت: قد زاد على المئة، قال: فالشَّرف والسن والمال أَزْرَيْنَ به؟ قلتُ له: ولم ذاك يُزْرِي به؟! لا والله، بل يزيده خيرًا، قال: هو ذاك، هل لك في المبيت؟ قلتُ: هل لي فيه، قال: فاضطجعنا حتى مَرَّ الثَّقَلُ، قال: فسرنا حتى نزَلْنا في المنزل وبتنا به، ثم رحلنا منه. فلما كان الليل قال لي: يا أبا سفيان قلتُ: ما تشاء؟ قال: هل لك في مثل البارحة؟ قلتُ: هل لي فيه، قال: فسِرْنا على ناقتين نَجِيبتين، حتى إذا بَرَزْنا قال: يا صخر! هيه عن عتبة بن ربيعة، قلتُ: هيهًا فيه، قال: أيجتنب المظالم والمحارم، ويَصِل الرَّحِمَ ويأمر بصِلَتِها؟ قلت: إي والله، إنه ليفعل، قال: وذو مال؟ قلت: وذو مال، قال: أتَعْلم قُرشِيًّا أسودَ منه؟ قلتُ: لا والله ما أعلمه، قال: كم أتى له مِنْ السِّنِّ؟ قلتُ: قد زاد على المئة، قال: فإِنَّ السِّنَّ والشَّرف والمالَ أَزْرَيْنَ به؟ قلتُ: كلا والله ما أَزْرَى به ذلك، وأنتَ قائل شيئًا [فَقُلْه] (٢). قال: لا تذكر حديثي حتى يأتي منه ما هو آت، ثم قال: فإنَّ الذي رأيت أصابني أَنِّي جِئْتُ هذا العالم فسألته عن أشياء، ثم قلتُ: أخبرني عن هذا النَّبيِّ الذي يُنتظَرُ، قال: هو رجل من العرب، قلتُ: قد عَلِمْتُ أنَّه من العرب

стр. 809

[فمن أي العرب] (١) هو؟ قال: مِنْ أهل بيتٍ يَحجُّه العرب، قلتُ: وفينا بيت يحجه العرب، قال: هو من إخوانكم من قريش، قال: فأصابني والله شيء ما أصابني مثله قط، وخرج من يدي فوزُ الدُّنيا والآخرة، وكنتُ أرجو أن [أكون] (٢) إياه، فقلت: فإذا كان ما كان فصفه لي، قال: رجل شاب حين دخل في الكهولة بَدْءُ أمره، يجتنب المظالم والمحارم، ويصل الرحم ويأمر بصِلَتِها، وهو مُحْوِجٌ كريمُ الطَّرَفين، متوسط في العشيرة، أكثَرُ جُنْدِه الملائكة، قلت: وما آية ذلك؟ (٣) قال: قد رجفَتْ الشَّام منذ هلَكَ عيسى ابن مريم ﵇ ثلاثين رجفةً، كلُّها مصيبة، وبقِيَتْ رَجفةٌ عامة فيها مصائب. قال أبو سفيان: فقلتُ له: هذا والله الباطل، لئن بعث الله - تعالى - رسولًا لا يأخذه إلا مُسنًّا شريفًا، قال أُمية: والذي حلفت به، إنَّ هذا لهكذا يا أبا سفيان - يقول: إنَّ قولَ النَّصراني حق - هل لك في المبيت؟ قلت: هل لي فيه، قال: فبتنا حتى جاءنا الثَّقَلُ، ثم خرجنا حتى إذا كُنَّا وبيننا وبين مكَّةَ ليلتان أدركنا راكب من خلفنا، فسألناه، فإذا هو يقول: أصابَتْ أهل الشام بعدكم رجفة دمَّرَتْ أهلها، وأصابَتْهم فيها مصائب عظيمة، قال أبو سفيان: فأقبل عليَّ أُمية فقال: كيف ترى قول النصراني يا أبا سفيان؟ قلتُ: أرى والله، ما أظن (٤) أنَّ ما حدثك صاحِبُكَ حَقٌّ. قال: وقَدِمْنا مكَّة، فقضَيْتُ ما كان معي، ثم انطلقتُ حتى جِئْتُ اليمن تاجرًا، فكنتُ بها خمسة أشهر، ثم قدِمْتُ مكَّة، فبينا أنا في منزلي، جاءني النَّاس يُسلّمون ويسألون عن بضائعهم، ثم جاءني محمد بن عبد الله ﷺ وهند عندي تلاعب صبيانها، فسلَّم عليَّ ورحب بي، وسألني عن سفري ومقامي، ولم يسألني عن بضاعته، ثم قام، فقلتُ لهند: والله، إِنَّ هذا لَيُعْجِبُني، ما مِنْ

стр. 810

أحد من قريش له معي بضاعةٌ إلا وقد سألني عنها، وما سألني هذا عن بضاعته، فقالت لي هند: أوَ ما عَلِمْتَ شأنه؟ قلتُ - وفزِعْتُ -: ما شأنه؟ قالت: يَزْعُم أَنَّه رسولُ الله، فوقَطَتْني، وذكرت قول النَّصْراني، ووَجَمْتُ، حتى قالت هند: مالك؟ فانتبهت فقلت: إنَّ هذا لهو الباطل، لهو أعقل من أن يقول هذا، قالت: بلى والله إنه ليقول ذاك ويُواتى عليه، وإنَّ له لصحابةً على دينه، قلت: هذا الباطل. قال: وخرجت، فبينا أنا أطوف بالبيت لَقِيتُه، فقلت: إنَّ بضاعتك قد بلغتْ كذا وكذا، وكان فيها خيرٌ، فأرسل فيها فخُذها، ولستُ أخُذُ منك فيها ما أخُذُ مِنْ قومك، فأبى علي، وقال: «إذًا لا آخذها» قلت: فأرسل فخُذها، وأنا أخُذُ منك ما أخُذُ مِنْ قومك، فأرسل إلى بضاعته فأخذها، وأخذتُ منه ما كنتُ أخُذُ مِنْ غيره. ولم أَنْشَبْ أَنْ خرجت تاجرًا إلى اليمن فقدِمْتُ الطائف، فنزلتُ على أُمية بن أبي الصَّلْت (١) فقلت له: أبا عثمان! قال: ما تشاء؟ قلت: هل تذكر حديث النَّصْراني؟ قال: أذكره، قلتُ: قد كان قال: ومن؟ قلت: محمد بن عبد الله ﷺ ، قال: ابن عبد المطلب؟ قلتُ: ابن عبد المطلب، ثم قصَصْتُ عليه خبر هند، قال: فالله يَعْلَمُ لتَصبَّبَ عرقًا، ثم قال: والله يا أبا سفيان لعله، إنَّ صفتَه لَهِيَ، وإِنْ ظهر وأنا حي لأُبْلِيَنَّ الله في نَصْرِه عُذْرًا. قال: ومضَيْتُ إلى اليمن، فلم أنشَبْ أَنْ جاءني هنالك استهلاله، فأقبلت حتى نزلتُ على أمية بن أبي الصَّلت بالطائف، فقلت: أبا عثمان، قد كان من أمر الرجل ما قد بلغك وسمِعْتَ، قال: قد كان لَعَمْرِي، قلت: فأين أنت منه يا أبا عثمان؟ قال: والله ما كنتُ لِأُؤمن لرسول من غير ثقيف أبدًا، قال أبو سفيان ﵁ وأقبلت إلى مكة، فوالله ما أنا ببعيد حتى جئتُ مكَّةَ، فوجدت [أصحابه] (٢) يُضربون ويُعْقَرون، قال أبو سفيان ﵁: فجعلت أقول: فأين
следующие страницы →