← Книги сунны

Книги сунны · id 30195

الطوالات - لأبي موسى المديني

أبو موسى المديني

Полный текст (962 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

ومن حديث أبي سفيان صخر بن حرب ﵁ - ٢٢٠ - أخبرنا أبو علي الحسن بن أحمد الحدَّادُ لله، حدثنا أبو نُعَيمٍ أحمد بن عبد الله الحافظ، أخبرنا سليمان بن أحمد، حدثنا علي بن عبد العزيز، حدثنا عبد الله بن شبيب الرَّبَعي، حدثنا محمد بن مسلمة بن هشام المخزومي، حدثنا إسماعيل بن الطَّريح (١) بن إسماعيل الثقفي، حدثني أبي، عن أبيه، عن مروان بن الحكم، ح. وأخبرنا ببعضه أبو غالب الكوشيذي، ومحمَّد بن أبي القاسم القُراني، ونُو شَرْوانَ بنُ شِيرْزاذَ الدَّيْلِمِيُّ ﵏ قالوا: أخبرنا محمد بن عبد الله بن ريده، أخبرنا أبو القاسم الطَّبَراني، حدثنا بكر بن محمد بنِ مُقْبِل، حدثنا عبد الله بن شَبِيب، حدثنا يعقوب بن محمَّد الزُّهْري، حدثنا مُجاشع بن عمرو الأسدي، حدثني ليث بن سعد، عن أبي الأسود محمَّدِ بن عبد الرحمن بن نوفل، عن عروة بن الزبير. كلاهما عن معاوية بن أبي سفيان ﵁، عن أبيه أبي سُفْيانَ بنِ حرب ﵁ قال: خرجت أنا وأُميَّةُ بنُ أبي الصَّلْتِ تجارًا إلى الشام، فكُلَّما نزلت منزلًا أخذ أميَّةُ سِفْرًا له يقرؤها (٢) علينا، فكُنَّا كذلك حتى نزلنا قرية (٣) من قرى النصارى، فجاؤوه وأهدوا له وأكرموه، وذهب معهم إلى بيوتهم، ثم رجع في وسط النهار، فطرح ثوبيه، وأخذ ثوبين له أسودين فلَبِسَهما، وقال لي: يا أبا سفيان، هل لك في عالم من علماء النصارى إليه يتناهى علم

стр. 807

الكتاب تسأله؟ قلت: لا أَرَب لي فيه؛ والله -ئن حدَّثني بما أحب لا أثق به، ولئن حدَّثني بما أكره لأَوْجَلَنَّ منه، قال: فذهب. وخالفه شيخ من النصارى، فدخل عليَّ، وقال: ما يمنعك أن تذهب إلى هذا الشيخ؟ قلتُ: لستُ على دينه، [قال] (١) وإِن صح فإنَّك تسمع منه عجيبًا وتراه، ثم قال لي: أثقَفِيٌّ أنت؟ قلت: ولكنّي قُرَشي، قال: فما يمنعُكَ مِنْ الشيخ؟ فوالله إنه لَيُحِبُّكم ويُوصِي بكم. قال: وخرج من عندنا، ومكث أُمية حتى جاءنا بعد هدأة من الليل، فطرح ثوبيه، ثم انجدَل على فراشه، فوالله ما نام ولا قام، حتى أصبح كئيبًا حزينًا، ساقطًا غَبُوقُه على صَبوحه، ما يُكلِّمنا ولا نُكَلِّمُه، ثم قال: ألا تَرْحَلُ؟ قلتُ: وهل بِكَ مِنْ رحيل؟! قال: نعم. قال: فَرَحَلْنا، فسرنا بذلك ليلتين؛ من همه، ثم قال في الليلة الثالثة: ألا تُحدِّث يا أبا سفيان؟ قلتُ: وهل بِكَ مِنْ حديث؟ والله ما رأيتُ مِثْلَ الذي رجعت به من عند صاحبك، قال: أمَا إِنَّ ذلك شيء لست فيه، إنَّما ذلك شيء وَجِلْتُ منه مِنْ مُنْقَلَبي، قال: قلت: وهل لك مِنْ مُنْقَلَب؟! قال: إي والله، لأموتَنَّ، ثم لأُحْيِيَنَّ، قال: قلتُ: هل أنت قابل أمانتي؟ قال: على ماذا؟ قلت: على أنَّك لا تُبْعَثُ ولا تُحاسَبُ، قال: فضَحِك، ثم قال: بلى والله يا أبا سفيان، لَتُبعثَنَّ، ثم لتُحاسَبَنَّ، ولَيدخُلَنَّ فريقٌ في الجنَّة، وفريق في النار، قلت: ففي أيهما أنتَ أخبرَكَ صاحِبك؟ قال: لا عِلْم لصاحبي بذلك في ولا في نفسه. قال: فكُنَّا في ذلك ليلتيْن يَعْجَبُ مِنِّي وأَضحك منه، حتى قَدِمْنا غُوطة دِمَشْقَ، فَبِعْنا مَتاعنا، فأقَمْنا بها شهرين، فارتحلنا حتى نزلنا قريةً من قرى النصارى، فلما رأوه جاؤوه وأهدوا له، وذهب معهم إلى بيعتهم، حتى جاء بعد ما انتصف النهار، فلبس ثوبَيْه وذهب إليهم حتى جاءنا بعد هدأة من الليل، فطرح ثوبيه، ورمى بنفسه على فراشه، فوالله ما نام ولا قام، وأصبح

стр. 808

حزينًا كثيبًا، لا يُكلِّمنا ولا نُكَلِّمُه، ثم قال: ألا تَرْحل؟ قلت: بلى إن شئت، فرحلنا كذلك من بنه وحزنه ليالي (١). ثم قال لي: يا أبا سفيان، هل لك في المسير نتقدم أصحابنا؟ قلت: هل لي فيه؟ قال: فسر، فسرنا حتى برزنا من أصحابنا ساعة، ثم قال: يا صخر! قلتُ: ما تشاء؟ قال: حدثني عن عُتْبَةَ بن ربيعة، أيجتنب المظالم والمحارم؟ قلت: إي والله، قال: ويَصِلُ الرَّحِمَ، ويأمر بصِلَتِها؟ قلت: إي والله، قال: وكريم الطرفين، وسيط في العشيرة؟ قلت: نعم، قال: فهل تعلم قُرَشِيًّا أشرف منه؟ قلت: لا والله ما أعلمه، قال: أمُحْوِجٌ هو؟ قلتُ: لا، بل هو ذو مالٍ كثير، قال: وكم أتى له مِنْ السِّنِّ؟ قلت: قد زاد على المئة، قال: فالشَّرف والسن والمال أَزْرَيْنَ به؟ قلتُ له: ولم ذاك يُزْرِي به؟! لا والله، بل يزيده خيرًا، قال: هو ذاك، هل لك في المبيت؟ قلتُ: هل لي فيه، قال: فاضطجعنا حتى مَرَّ الثَّقَلُ، قال: فسرنا حتى نزَلْنا في المنزل وبتنا به، ثم رحلنا منه. فلما كان الليل قال لي: يا أبا سفيان قلتُ: ما تشاء؟ قال: هل لك في مثل البارحة؟ قلتُ: هل لي فيه، قال: فسِرْنا على ناقتين نَجِيبتين، حتى إذا بَرَزْنا قال: يا صخر! هيه عن عتبة بن ربيعة، قلتُ: هيهًا فيه، قال: أيجتنب المظالم والمحارم، ويَصِل الرَّحِمَ ويأمر بصِلَتِها؟ قلت: إي والله، إنه ليفعل، قال: وذو مال؟ قلت: وذو مال، قال: أتَعْلم قُرشِيًّا أسودَ منه؟ قلتُ: لا والله ما أعلمه، قال: كم أتى له مِنْ السِّنِّ؟ قلتُ: قد زاد على المئة، قال: فإِنَّ السِّنَّ والشَّرف والمالَ أَزْرَيْنَ به؟ قلتُ: كلا والله ما أَزْرَى به ذلك، وأنتَ قائل شيئًا [فَقُلْه] (٢). قال: لا تذكر حديثي حتى يأتي منه ما هو آت، ثم قال: فإنَّ الذي رأيت أصابني أَنِّي جِئْتُ هذا العالم فسألته عن أشياء، ثم قلتُ: أخبرني عن هذا النَّبيِّ الذي يُنتظَرُ، قال: هو رجل من العرب، قلتُ: قد عَلِمْتُ أنَّه من العرب

стр. 809

[فمن أي العرب] (١) هو؟ قال: مِنْ أهل بيتٍ يَحجُّه العرب، قلتُ: وفينا بيت يحجه العرب، قال: هو من إخوانكم من قريش، قال: فأصابني والله شيء ما أصابني مثله قط، وخرج من يدي فوزُ الدُّنيا والآخرة، وكنتُ أرجو أن [أكون] (٢) إياه، فقلت: فإذا كان ما كان فصفه لي، قال: رجل شاب حين دخل في الكهولة بَدْءُ أمره، يجتنب المظالم والمحارم، ويصل الرحم ويأمر بصِلَتِها، وهو مُحْوِجٌ كريمُ الطَّرَفين، متوسط في العشيرة، أكثَرُ جُنْدِه الملائكة، قلت: وما آية ذلك؟ (٣) قال: قد رجفَتْ الشَّام منذ هلَكَ عيسى ابن مريم ﵇ ثلاثين رجفةً، كلُّها مصيبة، وبقِيَتْ رَجفةٌ عامة فيها مصائب. قال أبو سفيان: فقلتُ له: هذا والله الباطل، لئن بعث الله - تعالى - رسولًا لا يأخذه إلا مُسنًّا شريفًا، قال أُمية: والذي حلفت به، إنَّ هذا لهكذا يا أبا سفيان - يقول: إنَّ قولَ النَّصراني حق - هل لك في المبيت؟ قلت: هل لي فيه، قال: فبتنا حتى جاءنا الثَّقَلُ، ثم خرجنا حتى إذا كُنَّا وبيننا وبين مكَّةَ ليلتان أدركنا راكب من خلفنا، فسألناه، فإذا هو يقول: أصابَتْ أهل الشام بعدكم رجفة دمَّرَتْ أهلها، وأصابَتْهم فيها مصائب عظيمة، قال أبو سفيان: فأقبل عليَّ أُمية فقال: كيف ترى قول النصراني يا أبا سفيان؟ قلتُ: أرى والله، ما أظن (٤) أنَّ ما حدثك صاحِبُكَ حَقٌّ. قال: وقَدِمْنا مكَّة، فقضَيْتُ ما كان معي، ثم انطلقتُ حتى جِئْتُ اليمن تاجرًا، فكنتُ بها خمسة أشهر، ثم قدِمْتُ مكَّة، فبينا أنا في منزلي، جاءني النَّاس يُسلّمون ويسألون عن بضائعهم، ثم جاءني محمد بن عبد الله ﷺ وهند عندي تلاعب صبيانها، فسلَّم عليَّ ورحب بي، وسألني عن سفري ومقامي، ولم يسألني عن بضاعته، ثم قام، فقلتُ لهند: والله، إِنَّ هذا لَيُعْجِبُني، ما مِنْ

стр. 810

أحد من قريش له معي بضاعةٌ إلا وقد سألني عنها، وما سألني هذا عن بضاعته، فقالت لي هند: أوَ ما عَلِمْتَ شأنه؟ قلتُ - وفزِعْتُ -: ما شأنه؟ قالت: يَزْعُم أَنَّه رسولُ الله، فوقَطَتْني، وذكرت قول النَّصْراني، ووَجَمْتُ، حتى قالت هند: مالك؟ فانتبهت فقلت: إنَّ هذا لهو الباطل، لهو أعقل من أن يقول هذا، قالت: بلى والله إنه ليقول ذاك ويُواتى عليه، وإنَّ له لصحابةً على دينه، قلت: هذا الباطل. قال: وخرجت، فبينا أنا أطوف بالبيت لَقِيتُه، فقلت: إنَّ بضاعتك قد بلغتْ كذا وكذا، وكان فيها خيرٌ، فأرسل فيها فخُذها، ولستُ أخُذُ منك فيها ما أخُذُ مِنْ قومك، فأبى علي، وقال: «إذًا لا آخذها» قلت: فأرسل فخُذها، وأنا أخُذُ منك ما أخُذُ مِنْ قومك، فأرسل إلى بضاعته فأخذها، وأخذتُ منه ما كنتُ أخُذُ مِنْ غيره. ولم أَنْشَبْ أَنْ خرجت تاجرًا إلى اليمن فقدِمْتُ الطائف، فنزلتُ على أُمية بن أبي الصَّلْت (١) فقلت له: أبا عثمان! قال: ما تشاء؟ قلت: هل تذكر حديث النَّصْراني؟ قال: أذكره، قلتُ: قد كان قال: ومن؟ قلت: محمد بن عبد الله ﷺ ، قال: ابن عبد المطلب؟ قلتُ: ابن عبد المطلب، ثم قصَصْتُ عليه خبر هند، قال: فالله يَعْلَمُ لتَصبَّبَ عرقًا، ثم قال: والله يا أبا سفيان لعله، إنَّ صفتَه لَهِيَ، وإِنْ ظهر وأنا حي لأُبْلِيَنَّ الله في نَصْرِه عُذْرًا. قال: ومضَيْتُ إلى اليمن، فلم أنشَبْ أَنْ جاءني هنالك استهلاله، فأقبلت حتى نزلتُ على أمية بن أبي الصَّلت بالطائف، فقلت: أبا عثمان، قد كان من أمر الرجل ما قد بلغك وسمِعْتَ، قال: قد كان لَعَمْرِي، قلت: فأين أنت منه يا أبا عثمان؟ قال: والله ما كنتُ لِأُؤمن لرسول من غير ثقيف أبدًا، قال أبو سفيان ﵁ وأقبلت إلى مكة، فوالله ما أنا ببعيد حتى جئتُ مكَّةَ، فوجدت [أصحابه] (٢) يُضربون ويُعْقَرون، قال أبو سفيان ﵁: فجعلت أقول: فأين

стр. 811

جنده من الملائكة؟ قال: فدخلني ما يدخل الناس من النفاسة (١). هذا حديث عزيز حسن، مدني الإسناد، عال. رواه أبو عبد الله بن منده الحافظ (٢)، عن عمر بن محمد بن سليمان، عن محمد بن أحمد بن أبي العوام، عن أبيه، عن سليمان بن الحكم بن عوانة، عن أبيه، عن إسماعيل بن طريح (٣)، فكأني سمعته منه.

стр. 812

ورواه الحُسين بن إسماعيل المحاملي، عن عبد الله بن أبي عدي، عن محمد بن مسلمة. وطريح (١): مدني، من الأسماء المفردة. ومن قِصَّة أُمَيَّةَ بن أبي الصلت (٢) أيضًا ٢٢١ - أخبرنا أبو علي الحسن بن أحمد الحداد خلاله سنة ست وخمس مئة، حدثنا أبو نعيم أحمدُ بنُ عبدِ الله سنة ثلاث وعشرين وأربع مئة، حدثنا أحمد بن السِّنْدي الحدَّادُ ببغداد، حدثنا الحسن بن عَلُّويَهُ القَطَّان، حدثنا إسماعيل بن عيسى العطار، أخبرنا إسحاق بن بشر، عن محمد بن إسحاق، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، ح. وعثمان بن عبد الرحمن، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، ح. وأخبرنا أبو علي أيضًا، حدثنا أبو نعيم، حدثنا الحسن بن عبد الله بنِ سعيد الأديب، حدثنا إبراهيم بن محمَّدِ بنِ عرفة، حدثنا أحمد بن يحيى ثعلب، عن ابن الأعرابي قال: قال محمَّدُ بنُ إسحاق، عن الزُّهْري، عن ابن المُسيّب. والسياق لرواية إسحاق بن بشر، قال: قدِمَتْ الفارعة أختُ أُمَيَّةَ بنِ أبي الصلت على رسول الله ﷺ (٣) بعد فتح مكَّةَ، وكانت ذاتَ لُب وعقل وجمال، فكان رسول الله ﷺ بها مُعْجَبًا، فقال لها النَّبِيُّ ﷺ ذات يوم: «يا فارعة، هل تحفظين من شعر أخيك شيئًا؟» فقالت: نعم، وأَعْجَبُ منه ما قد رأيت. قالت: كان أخي في سفر، فلما انصرف بدأ بي، فدخل علي، فرقد على السرير وأنا أَخْلُق أَدِيمًا في يدي، إذ أقبل طائران أبيضان - أو:

стр. 813

كالطَّيْرَيْنِ أبيضين - فوقع أحدهما على الكَوَّة، ودخل الآخَرُ فوقع عليه، فشَقَّ الواقع عليه ما بين قلبه [إلى] (١) عانته، ثم أدخل يده في جوفه، فأخرج قلبه، فوضعه في كَفّه ثم شَمَّه، فقال له الطائر الأعلى: أوَعَى؟ قال: وعى، قال: أَزَكَا؟ قال: أبى، ثم رَدَّ القلب إلى مكانه، فَالْتَأَمَ الجُرْحُ أسرعَ مِنْ طَرْفَةِ عَيْن، ثم ذهبا. فلما رأيتُ ذلك - يعني - ارتَعْتُ منه فحرَّكْتُه، فقلت: يا أخي، هل تجد شيئًا؟ قال: لا، إلا توصيمًا في جسدي. وقد كنتُ ارتَعْتُ مما رأيتُ، فقال لي: مالي أراك مرتاعة؟ قالت: فأخبرته الخبر، فقال: خيرٌ أُرِيدَ بي، ثم أُصْرِفَ عَنِّي، فأنشأ يقول: باتَتْ هُمومي تَسْرِي طَوارِقُها … أكُفُّ عَيْني والدَّمْعُ سابقها مما أتاني من اليقين، ولم … أُوتَ بَراةً يقُصُّ ناطِقُها أَمْ مَنْ تلَظَّى عليه مُوقَدَةُ النّـ ار … محط بهم سُرادِقُها أم أسكن الجنَّةَ التي وُعِدَ الـ أبرار … مصفوفة نَمارِقُها لا يستوي المنزلان ثمّ [ولا] (٢) الـ أعمال، لا تستوي طرائقها هما فريقان: فرقةٌ تدخُل الـ جنَّةَ … حَفَّت بهم حدائقها وفرقة دخلوا النا ر، … فساءَتْ بهم مَرافِقُها تُعاهِدُ هذي القلوب حتى … إذا همت بخير عاقَتْ عوائقها وصدها للشقاء عن طلب الـ جنَّةِ … دُنيا الله ماحقها إنَّ عبدًا دعا نفسه فعاتبها … يعلَمُ أَنَّ البصير رامقها ما رغبةُ النَّفْس في الحياة، وإن … تحيا قليلًا فالموتُ لاحِقُها (٣)

стр. 814

يُوشِكُ مَنْ فرَّ مِنْ مَنِيَّتِه يومًا على غِرَّةٍ يُوافِقُها إن لم يمت عَبْطةً يَمُتْ هرَمًا … [الموت] (١) كأس والمرء ذائقها (٢) قال: ثم انصرف إلى رحْله، فلم يَلْبَثْ إلا يسيرًا حتى طعن في بعض جسده، فأتاني الخبر، فانطلقتُ إليه، فوجدته منعوشًا قد سُجِّيَ عليه، فدنَوْتُ منه فشَهَق شَهْقة، وشَقَّ بصره ونظر نحو السقف، ورفع صوته فقال: لبيكما لبيكما، ها أنا ذا لديكما، لا ذو مال فيُغنيني، ولا ذو أهل فيحميني، ثم أُغْمِي عليه، إذ شهق شهقة، قلت: قد هلك الرجل، فشَقَّ بصره نحو السقف، ورفع صوته فقال: لبَّيْكُما لبّيكما ها أنا ذا لديكما، لا ذو براءة فأعتذر، ولا ذو عشيرة فأنتصر، ثم أُغْمي عليه، إذ شهق شهقة، ونظر نحو السقف، وقال: لبَّيْكُما لبيكما، ها أنا ذا لدَيْكُما، بالنّعم محفود، وبالذَّنْب مخضود، ثم أُغْمِي عليه، إذ شهق شهقةً، فقال: لبَّيْكُما لبّيكُما، ها أنا ذا لدَيْكُما. رَبِّ إِنْ تَعْفُوَ تَعْفُو جَمًّا … وأيُّ عبد لك لا ألما ثم أُغمي عليه، إذ شهق شهقة، فقال: لبيكما لبيكما، ها أنا ذا لديكما. كلُّ عيش ولو تطاول دهرا … صائر يومًا إلى أن يزولا ليتني كنتُ قبل ما قد بدا لي … في قِلال الجبال أرعى الوعولا ثم مات. قال: فقال لها النَّبيُّ ﷺ : «يا فارعة، كان مثل أخيك مثلُ الذي آتاه الله آياتنا فانسلخ منها، فأتبعه الشَّيطان فكان من الغاوين» (٣).

стр. 815

٢٢٢ - أخبرنا أبو عليّ أيضًا، أخبرنا أبو نعيم، حدثنا عبد الله بن محمد، حدثنا ابن أبي عاصم، حدثنا كَهْلٌ مِنْ أصحاب الحديث، ح. قال أبو نعيم: وحدَّثناه جماعة عن الحسين بن إسماعيل، حدثنا عبد الله بن شَبِيب. قالا: حدثنا إبراهيم بن محمد بن هانئ، حدثنا أبي، حدثنا محمد بن إسحاق، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس ﵄، عن فارعة بنت أبي الصلت: أنَّها قدِمَتْ على رسول الله ﷺ بعد فتح الطائف، وذكر الحديث (١). ٢٢٣ - ورواه أبو الحسن محمد بن القاسم الفارسي الخراساني، حدثنا إبراهيم بن العباس، حدثنا أسَدُ بنُ رُسْتَم، حدثنا منصور بن محمد القاضي، = الأديب به، وضعف الخبر ابن حجر في «الإصابة» ١٤: ٨٣. قلت: في الطريق الأول (إسحاق بن بشر) جاء في الميزان ١ (٧٣٩): «إسحاق بن بشر، أبو حذيفة البخاري صاحب كتاب المبتدأ تركوه، وكذبه علي بن المديني، وقال ابن حبان: لا يحل حديثه إلا على جهة التعجب وقال الدارقطني: كذاب متروك، قلت: يروي العظائم عن ابن إسحاق وابن جريج والثوري» انتهى، والطريق الثاني: منقطع؛ فيه ابن الأعرابي عن ابن إسحاق، وولادة ابن الأعرابي بعد (٢٤٠)، ووفاة ابن إسحاق سنة (١٥٠). (١) أسنده المصنف من طريق أبي نعيم، وهو في «المعرفة» ٦ (٧٨١١). وأخرجه ابن أبي عاصم وابن منده من طريق إبراهيم بن محمد، به. وفي سنده إلى ابن إسحاق ضعف، قاله ابن حجر في «الإصابة» ١٤: ٨٤. قلت: (إبراهيم بن محمد بن هانئ) هو: إبراهيم بن يحيى بن محمد بن عباد بن هانئ الشَّجَري، لين الحديث، قاله في «التقريب» (٢٦٨)، وتصحف (الشجري) في مطبوعة «الإصابة» بـ (السجزي) فليصحح. وفي الطريق الأول إلى إبراهيم هذا راو مجهول، وفي الطريق الثاني: عبد الله بن شبيب، وهو ذاهب الحديث، كما تقدم تعليقًا ص ٨٢٦.

стр. 816

حدثنا المزني،، حدثنا محمد بن زكريا البصري، حدثنا العتبي (١)، حدثني أيُّوب بن سليمان المِنْقَري، عن محمد بن إسماعيل بن طريح الثقفي، عن جده، عن جَد أبيه (٢) قال: شهِدْتُ أُمَيَّةَ بن أبي الصَّلت وهو منزول به، وذكر نحوه. ويقال: إنَّ أُمية أقبل يريد الإسلام، فلما انتهى إلى بدر وافق قتلاها، فقال: من قتل هؤلاء؟ قالوا: محمد ﷺ ، قال: لا حاجة لي في دين من قتل هؤلاء، فانصرف راجعًا، وقد كان حرَّم الخمر على نفسه، فقال: اليوم حلَّتْ لي الخمر. وكان نديمًا لملوك حمير، فبينا هو جالس معهم في مَشْرَبة والقدَحُ يَدُور عليهم إذ جاء غُراب فسقط ثم نعَبَ، فقال أُميَّةُ: إِنَّ هذا الغراب ليُخْبِرُنِي أَنْ لن أشرب هذا القدَحَ حتى أموتَ، فقال القوم: ما تزال تأتينا من العيافة بما لا نعرفه، فأقبلوا يشربون، فلما انتهى القدَحُ إلى أُميَّةَ خَرَّ، فظنَّ القوم أنه يَمْزَحُ، فلبث طويلًا ثم رفع رأسه وهو يقول: لبَّيْكُما لبّيكما، ها أنا ذا لديكما، لا بريء فأعتذر، ولا قوي فأنتصر، ثم ضُرِب به، فلبث طويلًا ثم رفع رأسه وهو يقول: لبيكما لبيكما، ها أنا ذا لدَيْكُما، مَنْ أُعْطِيَ فلم يَشْكُر، ومَنْ ابْتُلِي فلم يَصْبِر، وقد اعترف بالنعم. إِنْ تَغْفِرُ اللَّهُمَّ تَغْفِرْ جَمًّا … وأيُّ عبد لك لا ألما ثم أنشأ البيتين الذين ذكرناهما، وزاد: اجعل الموت نُصْبَ عينيك واحذَرْ غَوْلةَ الدَّهرِ؛ إِنَّ لِلدَّهر غُولا

стр. 817

ثم مات من ساعته. ولأميَّةَ شِعْر كثير في ذِكْر البَعْثِ والحساب وعظمة الرَّبِّ وقدرته، ولهذا رُوِي أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال: «كاد أُمية بن أبي الصَّلْت أَنْ يُسْلِمَ» (١)، وفي بعض الروايات: أنه لما سمع شِعْرَه قال: «آمَنَ شِعْرُه، وكفَرَ قلبه» (٢)، وفي رواية أخرى: «آمن لسانه، وكفر قلبه» (٣)، ورُوِي أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صدقه في بعض شعْرِه. وقولُها (أَخْلُق أَدِيمًا) أي: أَفْرِيه، وأُقَدِّرُه. وقولُها (في يدي) أي: موضوعًا، أو: واقعًا في يدي. وقوله (أَوَعَى؟) أي: هل حفِظَ العِلْمَ وفَهِمَه؟ قال: نعم. وقوله (أَزَكَى؟) أي: هل طهر من الشِّرْك؟ (قال: أبى) يعني: أَبَى أَنْ يعملَ بِعِلْمِه ويُؤْمِنَ بما يأمره به عِلْمُه. والتوصيم: الفترة، والكسل. وارتاع، أي: خاف. و (يَقُصُّ ناطقها) أي: لم أُعْطَ يقينًا هل أنا (٤) من أهل الجنة، أو من أهل النار. وقوله (ساءَتْ بهم مَرافِقُها) معنى قوله : ﴿وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا﴾ [الكهف: ٢٩]. ومَوتُ العَبْطة: موتُ الشَّباب.

стр. 818

(وشَقَّ بصره) بفتح الشين، وضَمِّ الرَّاء، أي: انفتح، وشَقَّ ناب البعير، أي: ظهر، وهو هاهنا لازم. والمحفود: المُسارَعُ إليه بالنعم. والمخضود من الشَّجَر: المكسورُ الشَّوْك، وها هنا: المُنقطع الحجة. وأما الألفاظ التي في الحديث الذي ذكرناه قبل هذا: قوله (وخالفه شيخ من النصارى) أي: لما خرج هو جاءه الشيخ بعده. وقوله (وإن) محذوف الجواب، أي: وإن لم تكن على دينه. وقوله (قلتُ: ولكني قرشي) لكنَّ: للاستدراك بعد النفي، فهو يدلُّ على النفي وإنْ لم يُصرِّح بلفظه، أي: قلتُ: لا، ولكِنِّي قُرَشِيٌّ. و (بعد هدأة من الليل) أي: بعد سُكونِ الرَّحْل. وقوله (ثم انْجَدل) أي: سقط. وقوله (ساقطًا غَبُوقُه على صَبوحه) أي: يُؤخِّرُ هذا إلى ذاك. وقوله (أَمَا إِنَّ ذلك شيء لست فيه) أي: ليس مما تَظُنُّ، كما يقال: أنتَ في واد وأنا في واد. وقوله (قلتُ: هل لي فيه؟) كأنَّ معناه: أتقول لي: هل لك في المسير رغبة؟ نعم لي فيه رَغْبة، وكذلك ما بعده من هذا النحو. و (الثَّقَل) الرَّحْل، وآلات المسافر، يعني: حتى مرَّ النُّوقُ التي عليها رحالنا. وقوله (هيه) الهاء مُبْدَلة من الهمزة، يقال: إيه، أي: زِدْنا، وكذلك قوله (هيهًا فيه) يقال: إيهًا، أي: كُفَّ، كأنَّ معناه: أي: كُفَّ عن حديثه والقول فيه. وقوله (فوقظتني) كذا في الرّواية، وأظُنُّ الصَّواب: فوقَذَتْني، بالذال بدل الظاء، ومعناه: هدَّتْني، وكسرتني.

стр. 819

وقوله (يا أبا سفيان لعله، إِنَّ صفتَه لَهِيَ) أي: لعله هو الذي وجَدْنا صفته في الكتب؛ لأنَّ صِفته هي التي قرأناها فيها. وقوله (لأُبْلِيَنَّ الله في نَصْره عُذْرًا) أي: لأَجْهدَنَّ فِي نَصْرِه حتى يعلم الله مِنِّي أَنْ قد بلغت مجهودي فيه. (ولم أَنْشَب) أي: لم أَبْرَحْ، ولم أَلْبَثْ إلا قليلًا. واسْتِهْلالُه، أي: ظهوره. و (النفاسة) الحسد. وهذا من دلائل النبوة، وأنَّ الله يُظهِرُ دلائل رسولهِ ﷺ على لسان مَنْ يَحْرِمُه الإيمان به؛ لِيُعْلَمَ أنَّ الإيمان بتوفيق الله -ا بالعلم، يُضِلُّ مَنْ يشاء، ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم (١). ومن بقية حديث أبي سفيان ﵁: ٢٢٤ - أخبرنا أبو القاسم غانم بن أبي نَصْرِ البُرْجي بقراءة والدي عليه رحمهما الله وأبو علي الحسن بن أحمد الحداد ﵀ قالا: حدثنا أبو نُعَيمٍ أحمد بن عبد الله، ح. وأخبرنا أبو غالب أحمد بن العباس الكُوشِيذي، وأبو بكر محمد بن أبي القاسم القُرَاني، ونُو شروانُ بنُ شِيرْزاذَ الدَّيْلمي ﵏ قالوا: أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله بنِ رِيْدَهُ. قالا: أخبرنا أبو القاسم سليمانُ بنُ أحمدَ الطَّبَراني، أخبرنا إسحاق بن إبراهيم الدَّبَرِيُّ، ح. وأخبرنا أبو علي أيضًا غيرَ مرَّة، حدثنا أبو نُعَيمٍ، حدثنا أبو عَمْرِو بْنُ حمدان، حدثنا الحسن بن سفيان، حدثنا إسحاق بن إبراهيم، ح.

стр. 820

قال أبو نعيم: وحدثنا محمد بن إبراهيم، حدثنا إسحاق بن أحمد الخزاعي، ح. وأخبرنا سعيد بن أبي الرجاء الصيرفي ﵀ فيما أُرَى، أخبرنا أحمد بن النعمان، أخبرنا محمد بن إبراهيم، حدثنا إسحاق الخزاعي، حدثنا ابن أبي عمر. ثلاثتهم عن عبد الرزاق، عن معمر، ح. وأخبرنا الكوشيذي - أيضًا - والقُرَاني ونُوشَرْوان، قالوا: أخبرنا ابن ريده، أخبرنا الطبراني، حدثنا هارون بن كامل السَّرَّاجُ المصري، حدثنا عبد الله بن صالح، حدثني الليث - يعني ابن سعد ـ، حدثني يونس - هو ابن يزيد الأيلي -، ح. قال الطبراني: وحدثنا أبو زُرْعة الدِّمَشْقي، حدثنا أبو اليمان، حدثنا شعيب - هو ابن أبي حمزة - ح. وأخبرنا أبو علي، حدثنا أبو نعيم، حدثنا أبو بكر بنُ خَلادٍ، حدثنا إسماعيل بن إسحاق القاضي، ح. قال أبو نُعَيمٍ: وحدثنا عبد الله بن محمد، حدثنا بهلول بن إسحاق الأنباري. قالا: حدثنا إبراهيم بن حمزة، ح. وأخبرنا أبو الرجاء أحمدُ بنُ محمَّدِ بنِ عبد العزيز القارئ بقراءة والدي عليه -رحمهما الله-، حدثنا أبو الفضل الرازي، أخبرنا جعفر بن فناكي، حدثنا محمد بن هارون الرُّوياني، حدثنا ابن المثنى - يعني أبا موسى ـ، حدثنا أبو داود. قالا: حدثنا إبراهيم بن سعد، ح. وأخبرنا أبو عليّ، حدثنا أبو نعيم، حدثنا محمد بن أحمد، حدثنا أحمد بن موسى، حدثنا عباس بن محمد بن حاتم حدثنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد، حدثنا أبي، عن صالح بن كيسان، ح. وأخبرنا الكوشيذي والقُرَاني ونُوشَرْوان، قالوا: أخبرنا ابن ريده، أخبرنا

стр. 821

الطبراني، حدثنا عمرو بن أبي الطَّاهر بنِ السَّرْح المصري، حدثنا محمد بن عزيز، حدثنا سلامة بن رَوْحٍ. خمستُهم (١) عن ابن شهاب الزُّهْري - واللفظ لرواية يونس، عنه - عن عُبيد الله بن عبد الله بن عتبة، أنَّ عبد الله بن عباس ﵄ ما أخبره أن أبا سفيان بن حرب بن أُمية ﵁ أخبره أنَّ هِرَقْلَ أرسل إليه في رَكْبٍ (٢) من قريش وكانوا تجارًا بالشام في المدة التي ما فيها رسول الله ﷺ أبا سفيان وكُفَّار قريش، فأتوه بإيلياء، فدعاهم في مجلسه وحوله عظماء الرُّوم، ثم دعا تُرْجُمانَه، فقال: قُلْ لهم: أيُّهم أقرب نسَبًا بهذا الرَّجُل الذي يَزْعُم أنه نبي؟ قال أبو سفيان: أنا أقربهم به نسبًا، فقال: ادْنُ مِنِّي، وقرّبوا أصحابه - يعني: فاجعلوهم عند ظهره - ثم قال لِتُرْ جُمانه: قُلْ لهم: إنّي سائل هذا عن هذا الرَّجُل، فإِنْ كَذَبَني فكَذَّبُوه. قال أبو سفيان ﵁: فوالله لولا الحياء أن يَأْثروا علي الكذب لكذبته عنه. ثم قالَ أوَّلَ شيءٍ سألني عنه، قال: كيف نسبه فيكم؟ قلت: هو فينا ذو نسب، قال: فهل قال هذا القول منكم أحد قبله؟ فقلت: لا، [قال] (٣) فهل كان من آبائه ملك؟ قلت: لا، قال: فأشرافهم اتَّبَعُوه أم ضعفاؤهم؟ قلت: بل ضعفاؤهم، قال: يزيدون أم يَنْقُصون؟ قلت: بل يزيدون، قال: فهل منهم أحد يَرتدُّ سَخْطةً لدينه بعد أن يدخُل فيه؟ فقلت: لا، قال: فهل تتهمونه بالكذب؟ قلت: لا، قال: فهل يَغْدُر؟ قلت: لا، ونحن معه في مُدَّة لا ندري ما هو فاعل فيها - قال: ولم يُمْكِنِّي كلمة أدخُلُ فيها غير هذه الكلمة - قال: هل قاتَلْتُموه؟ قال: قلت: نعم، قال: كيف كان قتالكُم إِيَّاه؟ فقلت: الحرب تكون

стр. 822

بيننا وبينه سجالًا ودُوَلًا، ينال مِنَّا ونَنال منه، قال: فماذا يأمركم به؟ فقلتُ: يقول: اعْبُدُوا الله ولا تُشْرِكوا به شيئًا، واتركوا ما كان يَعبُد آباؤكم، ويأمرنا بالصلاة والصدقة، وبالعفاف وبالصلة. قال: فقال لِلتَّرْجُمان: إِنِّي أسألُكَ (١) عن نسبه؟ فزعمت أنَّه فيكم ذو نسب، وكذلك الرُّسُل تُبْعَثُ في نسَبٍ مِنْ قومهم، وسألتك: هل قال أحد منكم هذا القول قبله؟ فزعمتَ ألَّا (٢)، فقلتُ: لو قال هذا القول أحد قبله قلتُ: رجل ائتم بقول قيل قبله، وسألتك: هل كان من آبائه ملك؟ فزعمتَ أَلَّا، فقلتُ: لو كان من آبائه مَلِكٌ قلتُ: يَطْلُب مُلْكَ آبائه، وسألتك: هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ فزعمتَ أَلَّا، فقد أعرِفُ أنه لم يَكُنْ لِيَدْرَ الكذب على النَّاسِ ويَكْذِبَ على الله وسألتك: أشراف النَّاسُ اتَّبعوه أم ضعفاؤهم؟ فزعمت أنَّ ضُعفاءَهم الذين اتَّبَعُوه، وهم أتباع الرُّسُل، وسألتك: هل يزيدون أم يَنْقُصون؟ (٣) فزعمت أنهم يزيدون، وكذلك الإيمان حتى يَتِمَّ، وسألتك: هل يَرْتَدُّ أحد منهم سَخْطةً لدينه بعد أن يدخل فيه؟ فزعمتَ أَلَّا، وكذلك الإيمان حين يُخالِطُ بَشاشَتُه القلوب، وسألتك: هل يَغْدُر؟ فزعمت أَلَّا، وكذلك الرُّسُل لا يَغْدُرون، وسألتك: كيف قتالكم إياه؟ [فزعَمْتَ أَنَّ الحرب بينكم سجال ودول، وكذلك الرُّسُل تُبْتَلى ثم تكون لهم العاقبة، وسألتك عما يأمركم به؟] (٤) فزعمتَ أنَّه يأمُرُكم أَنْ تَعْبُدُوا الله - تعالى - ولا تُشْرِكوا به شيئًا، وينهاكم عن عبادة الأوثان، ويأمركم بالصلاة والصدقة والعفاف والصلة. وإن كان ما تقول فيه حقًا، فيُوشِكُ أَنْ يَمْلِكَ مَوْضِعَ قدمَيَّ هاتين، وهو

стр. 823

نبي، وقد كنتُ أعلَمُ أنَّه خارج، ولكن لم أكُنْ أظُنُّ أنَّه منكم، ولو أعلَمُ أنّي أخلص إليه لَالْتَمَسْتُ لُقِيَّه، ولو كنتُ عنده لغسَلْتُ قدميه. ثم دعا بكتاب رسول الله ﷺ الذي بعث به دِحيةَ الكَلبي ﵁ إلى عظيم بُصْرَى، فدفعه إلى هِرَقْلَ فقرأه، فإذا فيه: «بسم الله الرحمن الرحيم، من محمَّد عبد الله ورسوله إلى هِرَقْلَ عظيم الرُّوم، السَّلامُ على مَنْ اتَّبَعَ الهُدَى، أما بعد، فإِنِّي أدعوك بدعاية الإسلام، أَسْلِمْ تَسْلَمْ، وأَسْلِمْ يُؤْتِكَ الله - تعالى - أَجْرَكَ مرَّتَيْن، فَإِنْ تَوَلَّيْتَ فَإِنَّ عليك إِثْمَ الأَرِيسيِّين - قال الليث: الأريسيين: العشارين - ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٦٤]». قال أبو سفيان: فلما قال ما قال، وفرغ من قراءة الكتاب، كَثُرَ عنده اللَّجَبُ، وارتفعت الأصوات، وخرجنا، وقلتُ لأصحابي حين خرجنا: لقد ارتفع أمر ابن أبي كبشة أنَّه يَخافُه مَلِكُ بني الأصفر، فما زِلْتُ مُستيقنًا أنَّه سيظهر حتى أدخل الله علي الإسلام. وكان ابن قاطور - كذا في الرواية، وفي غير هذه الرواية: ابن الناطور - صاحبُ إِيلياء - وهِرَقْلُ سقفه على نصارى الشَّام - يُحَدِّثُ أَنَّ هِرَقْلَ حين قَدِم إيلياءَ أصبح يومًا خبيثَ النَّفْس، فقال له بعض بطارقتِه: لقد استنكرنا هيئتك، قال: وكان هِرَقْلُ رجلًا حَزَاءً يَنظُر في النُّجوم، فقال لهم حين سألوه: إنّي رأيتُ الليلة حين نظرتُ في النُّجوم مَلِكَ الختان قد ظهر، قال: فَمَنْ يَخْتَتِن مِنْ هذه [الأمم] (١)؟ قال: يختتن [اليهود] (٢)، قالوا: فلا يُهِمَّنَّكَ شأنُهم (٣)، واكتُبْ إلى مدائن مُلْكِكَ فليَقْتُلُوا مَنْ فيها من اليهود، فبينا هم على ذلك أتى هِرَقْلَ

стр. 824

رجل أرسل به مَلِكُ غسَّانَ يُخْبِرُه حين ظهر رسول الله ﷺ قبلَ أَنْ يَأْتِيَه كتاب رسول الله ﷺ ، قال: فاذهبوا فانظروا أَمُخْتَتِن أم لا؟ فنظروا إليه، فحدثوه أنَّه مُخْتَتِن، فسأله عن العرب، فأخبره أنَّهم يختتنون، وقال هِرَقْلُ: هذا مَلِكُ هذه الأُمَّة، ثمَّ كتب هِرَقْلُ إلى صاحب له بِرُومِيَّةَ، يعني: وكان نظيرًا له في العلم، فسار هِرَقْلُ إلى حِمْصَ، فلم يَرِمْ حِمْصَ حتى جاءه كتاب صاحبه، فوافق رأي هِرَقْلَ على خروج رسول الله ﷺ أَنَّه نبيٌّ، فَأَذِنَ هِرَقْلُ لِعُظماء الرُّوم في دَسْكَرةٍ له، ثم أمر بالأبواب فأُغْلِقَتْ، ثم اطَّلَع عليهم فقال: يا معشر الرُّوم، هل لكم في الفلاح والرشاد، وأن يَثْبُتَ لكم مُلْكُكم، تَتَّبِعون هذا النَّبِيَّ؟ فحاصُوا حَيْصة حمر الوحش إلى الأبواب فوجدوها قد أُغْلِقَتْ، فلما رأى هِرَقْلُ ذلك، ويَئِس من إيمانهم، قال: رُدُّوهم عليَّ، فقال: إني قُلتُ لكم مقالتي التي قلتُ لكم آنفًا لأختبر بها شِدَّتَكُم على دينكم، فقد رأيتُ منكم الذي أُحِبُّ، فسجدوا له ورَضُوا عنه، وكان ذلك من آخر حديثه (١) وهذا حديث صحيح ثابت الإسناد، رواه عن الزُّهْرِيِّ سِوى من ذكرناهم - وهم: معمر بن راشد، وشعيب بن أبي حمزة، وصالح بن كيسان، ويونس بن يزيد، وعُقيل بن خالد (٢) - جماعة آخرون: كمحمد بن عبد الله ابن أخي الزهري، ومحمد بن إسحاق بن يسار، ويزيد بن يزيد بن جابر، وعُبَيدِ الله بن أبي زياد، وعبد الرزاق بن عمر، وقيل: عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، عن الزهري أيضًا. أخرجه محمد بن إسماعيل البخاري في صحيحه في غير موضع، كبدء

стр. 825

الوحي، والإيمان والعلم، والأحكام والجهاد والشهادات، والمغازي، وخبر الواحد، والاستئذان، والأدب، والتفسير، من حديث شُعيب، وصالح، ومَعْمر، ويونُسَ، وابن أخي الزهري، وعُقيل (١). ورواه مسلم بن الحجاج في صحيحه في المغازي من حديث صالح، ومَعْمر، أورده مُطوّلًا ومختصرًا، وعاليًا ونازلًا (٢). وأخرجه أبو عيسى الترمذي في جامعه مختصرًا من حديث يونس (٣). وفي جملة ما أورده البخاري: رواه عن (٤) إسحاق، عن يعقوب بن إبراهيم بن سعد؛ ومسلم أيضًا: أخرج فيما أخرج عن عبد بن حميد وغيره، عن يعقوب، عن أبيه، عن صالح، عن الزهري؛ فإذا وازنا روايتنا لطريق الدَّبَري عن عبد الرزاق، مع روايتيهما هاتين إلى الزُّهْرِيِّ، كنتُ كأَنِّي سَمِعْتُه من البخاري ومسلم، وفي رواياتٍ أُخَرَ كأَنِّي سَمِعْتُ مِنْ أصحابهما. وذكر بعض أهل التواريخ (٥) أَنَّ بَعْثَ رسول الله ﷺ بكتابه إلى قيصر مع دِحْية كان في سنة سبع من الهجرة، وكذلك بعثه عبد الله بن حذافة بكتابه إلى كسر. وقوله (ماد فيها) أي: صالحهم مُدَّة على أن لا يَقْصِدَ أحدهما الآخر.

стр. 826

و (هِرَقْل) مَلِكُ الرُّوم، قيل: ملَك إحدى وثلاثين سنة، وفي ملكه مات النَّبِيُّ ﷺ ، ثم ملك ابنُه قُسْطَنطين بنُ هِرَقْلَ خمسًا وعشرين سنة (١)، وفي مُدَّتِه وقع قتل عثمان ﵁ وحرب صفين. و (التَّرْجُمان) الذي يُبيِّنُ كلام الملك لغيره، وكلامَ الغَيْر له، إذا كانوا مختلفي الألسن؛ لعلمه بالألسنة كلها. و (إيلياء) اسم لبيت المقدس. وقول أبي سفيان (أنا أقربهم به نسبًا) لأنَّه كان في النَّسَب إلى عبد مناف مع رسول الله ﷺ في درجة؛ لأنه ﷺ محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، وأبو سفيان: صخر بن حرب بن أُمية بن عبد شمس بن عبد مناف. وقوله (يَأْثروا عليَّ) أي: يَذْكُرُوا، وأكثر ما يُقال: أَثَرْتُ عنه الحديث، وإنما قال (علي) لأنه أراد: لولا الحياءُ أن يذكروا عَنِّي الكَذِبَ ويُدَنِّسوني به ويُؤْرِكونه (٢) عليَّ، لكذبت. وقوله (لكذَبْتُه عنه) عداه إلى مفعولين، وهذا من غرائب اللغة؛ أنَّ كذَبَ - بالتخفيف - يتعدَّى إلى مفعول واحد، وكذلك صدق، وصدق. وقوله (إني سائل هذا) بِضمَّتَيْن، يُفرِّقون بين الماضي والمستقبل؛ بأنهم إذا أرادوا الإخبار عن الماضي قالوا: إنّي فاعلُ كذا، بالإضافة، وإذا أرادوا المستقبل قالوا: إنّي فاعل كذا، أي: مُريد له. والسجال والدول: قريبا المعنى، تفسيرهما: ينال منا، وتنال منه.

стр. 827

وقوله (فَزِعَمْتَ أَلَّا) كذا في الرواية، وأصلُه: أن لا، فأُدْغِم. والبشاشة: الفرح، والأبهة (١)، والوضوح. وقوله (وكذلك الرُّسُل تُبْتَلى ثم تكون لهم العاقبة) معنى قوله (٢): ﴿وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [الصَّافات: ١٧٣]، ولذلك قال بعض السلف: هم الأكثرون وإن قَلُّوا، والأعَزُّون وإن ذَلُّوا، والغالبون وإن فَلُّوا. وتفسير (الأريسيين) كما ذكره الليث (٣) غريب، وفي رواية محمد بن إسحاق لهذا الحديث: الأَكَّارون (٤)، بدل: الأَرِيسِيِّين، وقيل: هم الأتباع والخَوَل، واحِدُه: الأَرِيس، وجمعُه: أراريس، فنُسِب توكيدًا، كما قالوا: والدَّهْرُ بالإنسان دوَّارِيُّ (٥)، أصله: دَوَّار، نُسِب توكيدًا، وفي بعض روايات الصَّحِيح: «اليرسيين» بالياء (٦)، وقيل: لا وجه له. و (اللَّجَب) في غير هذه الرواية: الصَّحَب، واللغط، ومعناها قريب بعضها من بعض. وفي تسميتهم رسول الله ﷺ بابن أبي كبشة أقوال ليس هذا موضعه (٧).

стр. 828

وأَمِرَ (١)، أي: عظمَ. و [سقفه] (٢) أي: صيَّره أُسْقُفًا، وهو قاضي النصارى. والحَزَاء: المُنَجِّم. وقوله (بِرُومِيَّةَ) أي: بدار مملكة الروم. و (لم يَرِمْ) أي: لم يَبْرَح، وأكثر ما يُستعمل مع حرف الجر. والدسكرة: بناء عظيم كالقصر. و (حاصوا) أي: نفروا. وفي الحديث عِبَر لمن أَنْعَمَ النَّظر فيه. ٢٢٥ - أخبرنا أبو غالب أحمد بن العباس الكوشيذي، ومحمد بن الفضل القَصَّارُ، ونُوشَروانُ بنُ شِيرْزاذَ الدَّيْلمي، قالوا: أخبرنا محمد بن عبد الله بن ريده، أخبرنا أبو القاسم سليمان بن أحمد، حدثنا أبو شعيب عبد الله بن الحسن الحراني، حدثنا أبو جعفر النفيلي، حدثنا محمد بن سلمة، عن محمد بن إسحاق، حدثني محمد بن مسلم بن شهاب الزُّهْرِيُّ، عن عُبيد الله بنِ عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: حدثني أبو سفيان بنُ حَرْب ﵁ قال: كُنَّا قومًا تجارًا، وكان الحرب بيننا وبين رسول الله ﷺ قد حصرتنا حتى هلكت أموالنا، فلما كانت الهدنة بيننا وبين رسول الله ﷺ يعني: التي عُقِدَتْ يوم الحديبية - لم نَأْمَنْ في أموالنا.

стр. 829

كذا في رواية الطَّبَراني، وفي رواية غيره: كانت الحرب قد حصرتنا فلم نَأْمَنْ في أموالنا، يعني: فلما عُقِدَتْ الهُدْنةُ أَمِنَّا. قال: فخرجت في نفرٍ من قريش آخذًا إلى الشَّام، وكان وجهَ مَتْجَرِنا، فقَدِمْتُها حين ظهرَ هِرَقْلُ على مَنْ كان عارضه من فارس، فأخرهم منها، وانتزَعَ له صَلِيبَه الأعظم، وقد كانوا سلبوه إيَّاه، فلما بلغه ذلك منهم (١)، وبلغه أنَّ صليبه قد استُنْقِذَ له، وكانت حِمْصُ منزِلَه، فخرج منها على قدميه متشكرًا لله حين رَدَّ عليه ما رَدَّ لِيُصلِّيَ في بيت المقدس، يُبْسَط له الطريق بالبسط، ويُلْقَى عليها الرياحين، فلما انتهى إلى إيلياء وقضى فيها صلاته ومعه بطارِقتُه وأَساقِفُ الروم. قال: وقَدِم عليه كتاب رسول الله ﷺ مع دِحْية بن خليفة الكلبي ﵁: «بسم الله الرحمن الرحيم، من محمَّد رسول الله، إلى هِرَقْلَ عظيم الرُّوم، السَّلام على من اتَّبَعَ الهُدَى، أما بعد، فأَسْلِمْ تَسْلَمْ، وَأَسْلِمْ يُؤْتِكَ الله أجرك مرَّتين، وإِنْ تَتَوَلَّ فَإِنَّ [إِثْمَ] (٢) الأَكَّارين عليك». قال محمد بن إسحاق: قال ابن شهاب: أُسْقُف النَّصارى أدرَكْتُه في زمان عبد الملك بن مروان، زعم لي أنه أدرك ذلك من أمر رسول الله ﷺ ، وأَمْرِ هِرَقْلَ وعقلِه، قال: لما قَدِم عليه كتاب رسول الله ﷺ مع دحية، أخذه فجعله بين فخذيه وخاصِرَتِه، قال: ثم كتب إلى رجُلٍ بِرُومِيَّةَ كان يقرأ من العبرانية ما يقرأ، يَذْكُر له أمره، ويصف له شأنه وبخبر ما جاء منه، قال: فكتب إليه صاحبُ رُومِيَّة أنَّه النَّبِيُّ الذي كُنَّا ننتظرُ لا شك فيه، فاتَّبِعْه وصَدِّقه. فأمرَ هِرَقْلُ بِبَطارقة الرُّوم فجُمِعوا له في دَسْكرة مُلْكِه، وأَمر بها فأُشْرِجَتْ عليهم بأبوابها، ثم اطلع عليهم مِنْ عِلِّيَّةٍ وخافَهم على نفسه، وقال: يا معشر الرُّوم، إنِّي قد جمعتكم لخير، إنَّه قد أتاني كتاب هذا الرَّجُل، يدعوني إلى

стр. 830

دينه، وإنه والله -لرَّجُل الذي كُنَّا نَنتَظِرُ ونَجِدُ في كتُبِنا، فَهَلُمَّ فَلْنَتَّبِعْه ولْنُصَدِّقه فتَسْلَمَ لنا دُنْيانا وآخِرَتُنا، فنَخَرُوا نَحْرةَ رجل واحد، ثم ابتدَرُوا أبوابَ الدَّسْكرةِ لِيَخْرُجوا منها، فوجدوها قد أُغْلِقَتْ، دونهم، فقال: كُرُّوهم عليَّ وخافهم على نفسه، فكرُّوا عليه فقال يا معشر الرُّوم، إنما قلتُ لكم هذه المقالة التي قلت لكم لأنظُرَ كيف صَلابتكم على دينكم لهذا الأمر الذي حدث، فقد رأيتُ منكم الذي أُسَرُّ به، فوقَعُوا له سُجودًا، وأمر بأبواب الدَّسْكرة فَفُتِحَتْ لهم، فانطلقوا (١). هذا حديث مشهور من حديث محمد بن إسحاق، رواه عنه: جرير بن حازم، ويحيى بن محمد (٢) الشَّجَريُّ، وغير واحد (٣)، وساقوا الحديث بتمامه، وإنَّما اختصره الطبراني قصد بذلك إلى إخراج ما لم يكن في رواية الآخرين؛ لأنَّ محمَّد بن إسحاق كان ذا علم وبصيرة بهذا الشأن، يحفظُ ما لا يحفظه غيره. وقوله (قد حصرتنا) أي: منعتنا من التجارة. و (الهدنة) الصلح. والعِليَّة: الغُرفة. و (أُشْرِجَتْ عليهم) أي: أُغْلِقَتْ بأبواب لها شَرَجٌ وفُرَجٌ يُنْظَرُ مِنْ داخله إلى خارجه.

стр. 831

٢٢٦ - أخبرنا أبو عليٍّ الحسن بن أحمد الحداد ﵀، حدثنا أحمد بن عبد الله بن أحمد بن إسحاق، ح. وأخبرنا أبو غالب، ومحمَّد بن الفضل، ونُوشَروان ﵏، قالوا: أخبرنا محمد بن عبد الله. قالا: حدثنا سليمان بن أحمد، حدثنا محمد بن عبد الله الحضرمي، والحسين بن إسحاقَ التَّسْتَرِيُّ، ح. وأخبرنا أبو عليّ أيضًا، حدثنا أحمد، حدثنا محمد بن أحمد بن الحسن، حدثنا محمد بن عثمان بن أبي شَيْبَةَ. قالوا: حدثنا يحيى الحماني، حدثنا يحيى بن سلمة بن كهيل، عن أبيه، ح. قال أحمد: وحدثنا محمد بن أحمد بن حَمْدَان، حدثنا الحسن بن سفيان، حدثنا إبراهيم بن إسماعيل بن يحيى بن سلمة بن كهيل، حدثنا أبي، عن أبيه، عن سلمة بن كهيل، عن عبد الله بن شداد، عن دِحْيةَ الكَلْبي ﵁ قال: بعث النبيُّ ﷺ معي بكتاب إلى قَيْصَرَ، فقمتُ بالباب فقلت: أنا رسولُ رسول الله ﷺ ، ففزعوا لذلك، فدخل عليه الآذِنُ، فقال: هذا رجل بالباب، يَزْعُم أَنَّه رسول رسول الله، فأذن لي، فدخلت عليه، فأعطيته الكتاب، وقُرِئ عليه: «بسم الله الرحمن الرحيم، إلى قيصر صاحبِ الرُّوم». فتخر ابن أخ له أحمرُ أزرقُ سَبِطٌ، فقال: لا تَقْرَأُ الكتاب اليوم؛ لأنه بدأ بنفسه، وكتب: صاحب الرُّوم، ولم يكتب: مَلِك الرُّوم، قال: فقُرِئ الكتاب حتى فرغ منه، ثم أمرهم فخرجوا من عنده، ثم بعث إليَّ فدخلت عليه، فسألني فأخبرته، فبعث إلى الأُسْقُفٌ فدخل عليه، وكان صاحِبَ أمرهم، يَصْدُرون عن رأيه وعن قوله، فلما قرأ الكتاب قال الأُسْقُفُ: هو - والله - الذي بشرنا به موسى وعيسى ﵇ الذي كنا ننتظره. قال قيصر: فما تأمرني؟ قال الأُسْقُفُ: أما أنا فإِنِّي مُصدِّقُه ومُتَّبِعُه، فقال قيصر: أَعرِفُ أنَّه كذلك، ولكن لا أستطيع أن أفعل، إِنْ فَعَلْتُ ذهبَ مُلْكي،

стр. 832

وقتلني الرُّوم (١). هذا حديث لا يُعْرَف (٢) إلا من رواية سلمة بن كهيل، تفرد به ابنه يحيى عنه، وهذا لفظ رواية ابن أبي شيبة. رواه الإمام أبو عبد الله بنُ مَنْدَه ﵀ عن محمد بن عمر الرازي، عن محمد بن الحسين، عن أبي غَسَّان مالك بن إسماعيل، عن يحيى بن سلمة، نحوه. فكأَنِّي سَمِعْتُه مِنْ أصحابه. ورواه أيضًا عن محمد بن جعفر، والحسن بن مهران، عن عبد الرحمن بن موسى السباك، عن إبراهيم بن إسماعيل، وزاد فيه: قال: وأما الأُسْقُفُ فَإِنَّ النصارى كانوا يجتمعون إليه في كلِّ يوم، فيخرج إليهم فيُذَكِّرُهم ويَقُصُّ عليهم، ثم يقعد إلى الأحد الآخر - يعني - قال دِحْية: فكنتُ أدخل عليه، فيُكَلِّمُني ويَسْأَلُني، فلما جاء الأحَدُ الآخَرُ انتظره (٣) ليخرج إليهم، فلم يخرج، واعتل بالمرض، ففعل ذلك مرارًا، فحصروه ثم بعثوا إليه: لتَخْرُجَنَّ إلينا أو لنَدْخُلَنَّ عليك؛ فإنَّا قد أنكَرْناك مُذْ قَدِم عليك هذا العربي. قال دحية: ودخلت إلى الأُسْقُفٌ، فقال: اذهب إلى صاحبك، فاقرأ عليه¬ السلام، وأَخْبِرْه أَنِّي أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وأني قد صدَّقْتُه واتَّبَعْتُه، وأنهم قد أنكَرُوا عليَّ ذلك، فبَلِّغه ما تَرى، ثم خرج إليهم فقتلوه.

стр. 833

وفي رواية أخرى عن محمَّد بن إسحاق، قال: كان وجهُ مَتْجرنا مِنْ الشام غزَّةَ، وفيه: قال: قال أبو سفيان ﵁: والله قد عرفت أنْ [لو] (١) كذبتُ ما رَدُّوا عليَّ، ولكن كنتُ امرًا سيّدًا أستَحْيِي مِنْ الكذب، فعرَفْتُ أَنَّ أَدْنَى ما في الكذب أنْ [يرووه] (٢) عليَّ بِمكَّةَ (٣). ٢٢٧ - قال محمد بن إسحاق: وأخبرني خالد بن يسار، عن رجلٍ من أهل الشَّام، قال: لما قَدِم على هِرَقْلَ كتاب رسول الله ﷺ ، جمَعَ أشراف الرُّوم، فقال: يا معشر الرُّوم، إِنِّي قد جاءني مِنْ هذا الرجل كتاب يدعوني إلى ما هو عليه، فهَلُمُّو فَلْندخُلْ في دِينه، تَسْلَمْ لنا دُنْيانا وآخِرَتُنا، قالوا: لا نكون تحت أيدي العرب أبدًا، قال: فإِذْ أَبَيْتُم فَلْنُعْطِه الجِزْية وأَكْسِرُ عنِّي شوكته، وأستريح من مؤنته وحربه، قالوا: فنحن نُعطي الصغار ونحن أكثر الناس عددًا وعُدَّةً وسَعةَ بلدٍ! ألا والله يكون ذلك أبدًا، قال: فإِذْ أَبَيْتُمْ على هذا فهَلُمُّو فَلْنُقَاسِمه أرضنا، فنُعطيه أرضَ سُورِيَّة وأرضَ الشَّام، قالوا: قد عرفت أنَّ أرض سوريَّةَ خير بلاد الرُّوم، وهي أرض الشام، والله ا نفعل ذلك (٤) أبدًا، قال: أما والله -يأتِيَنَّ عليكم - يعني: ما تَكْرَهون - تُرَوْنَ أَنَّكم قد ظَفِرْتُم إذا امتنعتم في مدينتكم القُسطنطينية؟! ثم قال لغلام له: ائتني ببغلتي، فأتاه بها، فركبها وركضها، حتى إذا مَرَّ بالدَّرْبِ حول وجهه فنظر إلى أرض الشَّام، فقال: عليكِ السَّلام يا أرض سورية تسليم الوداع، ثم سار حتى دخل القسطنطينية، وكان آخر العهد - يعني: به -.

стр. 834

وأخذ كتاب رسول الله ﷺ ، فجعله في قصبة من ذهب، وأمسكها عنده، ثم كتب: إلى أحمد رسول الله ﷺ ، مِنْ هِرَقْلَ أميرِ الرُّوم الذي يؤمن بعيسى ابن مريم، يعني: وبا الذي يؤمن به عيسى ابن مريم ﵇ سلام عليك يا رسول الله، فإنه قد جاءني كتابك مع رسولك، وإِنِّي أَشْهَدُ أَنَّك رسول الله، وإِنَّا نَجِد عندنا مكتوبًا في الإنجيل، بشَّرَ بك عيسى ابن مريم، وإِنِّي دعوتُ الرُّوم ليؤمنوا بك فأبَوْا، ولو أطاعوني لكان خيرًا لهم، ولوَدِدْتُ أنّي عندك فأَغْسل قدميك وأخدمك أيَّام حياتي. فلما رجع دحية بن خليفة ﵁ إلى رسول الله ﷺ ، فأخبره خبرَ هِرَقْلَ وما قال وفعل، وقرأ كتابه، فقال رسول الله ﷺ : «ثَبَتَ مُلْكُهم». أخبرني بجميع ذلك الشيخ الزاهد أبو العباس أحمد بن علي الأسواري ﵀ فيما أذن لي، أنَّ أحمد بن جعفر بن أحمد أجاز لهم، حدثنا أبو بكر أحمد بن موسى، حدثنا أحمد بن محمَّدِ بنِ السَّرِيِّ ابن أخي هَنَّادِ بنِ السري، حدثنا المنذر بن محمد بن المنذر القابوسي، حدثني أبي، حدثنا يحيى بن محمد بنِ عَبَّاد بن هانئ الشَّجَرِيُّ المدني، حدثنا محمد بن إسحاق، قال: وأخبرني خالد بن يسار بذلك (١). وهذا غريب من هذا الوجه، لم أرَ أحدًا يُتابعه على هذا السياق. وقوله ﷺ : «إذا هلك كسرى فلا كِسْرى بعده، وإذا هلك قيصر فلا قيصر بعده» (٢) أصح وأشهر، إلا أن يكون أراد بقيصر ابنَ هِرَقْلَ حين لم يُسْلِم، على أنَّ الرُّوم يُسَمُّون ملوكهم قياصرة.

стр. 835

٢٢٨ - أخبرنا أبو غالب، ومحمد بن الفضل، ونُوشروان، قالوا: أخبرنا ابن ريذه، أخبرنا سليمان بن أحمد، حدثنا مسعدة بن سعد العطار، حدثنا سعيد بن منصور، حدثنا خالد بن عبد الله، عن حُصَين، عن عبد الله بن شداد قال: قال أبو سفيان بن حرب ﵁: إِنَّ أَوَّلَ يوم رغبت فيه في محمد ﷺ ليوم قال قيصر في ملكه وسلطانه وحضرته ما قال - يعني (١) قوله: لو علِمْتُ أنَّه هو لمَشَيْتُ إليه حتَّى أُقبل رأسه وأغسل قدميه .. قال أبو سفيان ﵁: وحضَرْتُه يَتحادَرُ جَبِينُه عَرَقًا مِنْ كَرْبِ الصَّحِيفة التي كتب إليه النَّبِيُّ ﷺ ، قال أبو سفيان ﵁: فما زِلْتُ مَرْعُوبًا مِنْ محمد ﷺ حتى أسلمت. وفي رسالته: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ﴾ الآية (٢). ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ﴾ إلى آخر الآية (٣). ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ الآية (٤) (٥)

стр. 836

ذكر إسلام أبي سفيان ﵁ - ٢٢٩ - أخبرنا أبو علي الحداد لله، حدثنا أبو نعيم أحمد بن عبد الله، حدثنا أبو علي محمد بن أحمد بن الحسن، ح. وأخبرنا أبو غالب الكُوشِيذي، وأبو بكرٍ محمَّد بن أبي القاسم القصار، ونُوشَروانُ بنُ شِيرزاذَ الدَّيْلمي ﵏، قالوا: أخبرنا أبو بكر بن ريده، أخبرنا أبو القاسم الطبراني - واللفظ لروايته -. قالا: حدثنا أبو شعيب الحراني، حدثنا أبو جعفر النفيلي، حدثنا محمد بن سلمة، عن محمد بن إسحاق. قال الطبراني: وحدثنا الحسن بن عليّ المَعْمَرِيُّ، حدثنا إسحاق بن موسى الأنصاري، حدثنا يونس بن بكير، عن جعفر بن برقان، ح. وأخبرنا أبو علي أيضًا، أخبرنا أبو طاهر بن عبد الرحيم، حدثنا عبد الله بن محمَّدٍ أبو الشَّيْخ، حدثنا أبو عبد الله محمد بن الحسين بن علي الطبركي، حدثنا محمد بن عيسى الدامغاني، حدثنا سلمة بن الفضل، عن محمد بن إسحاق. كلاهما عن الزهري، عن عُبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن ابن عباس ﵄ قال: ثم مضى رسول الله ﷺ ، واستخلف على المدينة أبا رُهم كُلْثُومَ بنَ حُصَين الغفاري، وخرج لِعَشْرٍ مضَيْنَ مِنْ رمضان - يعني: سنة ثمانٍ - فصام رسولُ الله ﷺ وصام النَّاسُ معه، حتى إذا كان بالحديد ما بين عُسْفانَ وأمَجَ أفطر، ثم مضى حتى نزل مَرَّ الظَّهْران في عشرة آلاف من المسلمين، ألفٍ مِنْ مُزَينة وسليم، وفي كل القبائل عدد وإسلام. وفي رواية أخرى: مِنْ مُزَينة ألفُ، رجل، ومن بني سليم سبع مئة رجل،

стр. 837

ومن أسلم خمس مئة رجل، ومن غفار أربع مئة وخمسون رجلًا، وسائر الناس من المهاجرين والأنصار. وفي هذه الرواية قال: وأَوْعبَ مع رسول الله (١) ﷺ المهاجرون والأنصار، فلم يتخلّف منهم أحد. فلما نزل رسول الله ﷺ بِمَرِّ الظَّهْران وقد عَمِيَتْ الأخبار على قريش، فلم يأتهم عن رسول الله ﷺ خبرٌ، ولا يَدْرُون ما هو فاعل، خرج في تلك الليلة أبو سفيان بن حرب، وحَكِيم بن حزام، وبديل بنُ وَرْقاء - يعني: يتحسسون وينظرون - هل يجدون خبرًا ويسمعون به، وقد كان العباس بن عبد المطلب ﵁ تلقى رسول الله ﷺ ببعض الطريق. وقد كان أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، وعبد الله بن أبي أُمية بن المغيرة قد لقيا رسول الله ﷺ فيما بين مكة والمدينة، فالتمسا الدخول عليه، فكلمته أم سلمة ﵂ فيهما، فقالت: يا رسول الله، ابنُ عَمِّك، وابنُ عَمَّتِكَ وصِهْرُك، قال: «لا حاجة لي بهما، أمَّا ابْنُ عَمِّي فهتَكَ عِرْضي، وأما ابن عمتي وصهري فهو الذي قال لي بمكة ما قال». فلما أُخْرِجَ إليهما بذلك - ومع أبي سفيان بُنَيَّ له - فقال: والله لَيَأْذَنَّنَ لي، أو لأخُذَنَّ بيدِ بُنَيَّ هذا، ثم لنذهبَنَّ في الأرض حتى نموت عطشًا وجوعًا، فلما بلغ ذلك [رسول الله ﷺ ] (٢) رق لهما، ثم أذن لهما، فدخلا، فأسلما. قال الحافظ: من هنا في رواية سلمة، رواه عن محمد بن إسحاق، عن العباس بن عبد الله بن معبد، عن بعض أهله، عن ابن عباس ﵄. وفي رواية محمد بن سلمة ساقه بالإسناد الأول قال: فلما نزل رسول الله ﷺ بِمَرِّ الظهران، قال العباس ﵁ واصباح قريش، والله لَئِنْ دخل

стр. 838

رسول الله ﷺ مَكَّةَ عَنُوةً قبل أن يَسْتَأْمِنوه إنَّه لَهلاك قريش إلى آخر الدهر. قال: فجلَسْتُ على بغلةِ رسول الله ﷺ البيضاء، فخرجت عليها حتى جِئْتُ الأراكَ، فقلت: لَعَلِّي أَلْقَى بعض الحَطَّابة، أو صاحب لبن، أو ذا حاجةٍ يأتي مكَّةَ، فيُخْبِرُهم بمكان رسول الله ﷺ لِيَخْرُجوا إليه فيستأمنوه قبل أن يدخُلَها عليهم عنوة، قال: فوالله إنِّي لأسير عليها، وأَلْتَمِس ما خرجت له، إذ سمِعْتُ كلامَ أبي سُفْيانَ وبُدَيْلِ بنِ وَرْقاء وهما يتراجعان، وأبو سفيان يقول: ما رأيتُ كاليوم قط نيرانًا ولا عسكرًا! قال: يقول بديل: هذه والله نيران خُزاعة حشتها (١) الحرب، قال: يقول أبو سفيان: خُزاعة والله أذَلُّ وأَلْأَمُ من أن تكون هذه نيرانها وعسكرها، قال: فعرفتُ صوته، فقلت: (٢): يا أبا حنظلة، فعرف صوتي، فقال: أبو الفضل؟ فقلت: نعم، قال: مالك فداك أبي وأمي؟ [فقلت: ويحك يا أبا سفيان هذا رسول الله ﷺ في الناس، واصباح قريش والله، قال: فما الحيلة، فداك أبي وأمي؟] (٣) قال: قلت: والله، لَئِنْ ظَفِر بك ليضرِبَنَّ عنُقَكَ، فاركب معي هذه البغلة، حتى آتِيَ بكَ رسول الله ﷺ فَأَسْتَأْمِنَه لك. قال: فركب خلفي، ورجع صاحباه، فحركت به، كُلَّما مررتُ بنارٍ مِنْ نيران المسلمين قالوا: من هذا؟ فإذا رأَوْا بغلةَ رسول الله ﷺ قالوا: عَم رسول الله ﷺ على بغلته، حتى مررتُ بنارِ عمر فقال: من هذا - وقام إليَّ؟! فلما رأى أبا سُفْيانَ على عَجُزِ البغلة، قال: أبو سفيان، عدو الله؟! الحمد لله الذي أمكن منك بغير عَقْد ولا عَهْد، ثم خرج يشتد نحو رسول الله ﷺ ، وركَضْتُ البغلة فسبَقْتُه بما تَسْبق الدَّابَّةُ البطيئةُ الرَّجُل البطيء، فاقتحمتُ عن البغلة، فدخلتُ على رسول الله ﷺ ، ودخل عمر ﵁ فقال: يا رسول الله، هذا أبو سفيان، قد أمكن الله - تعالى - منه بغير عَقْد ولا عهد،

стр. 839

فدَعْني فَلْأَضْرِبْ عَنُقَه، قال: قلت: يا رسول الله، إنِّي أَجَرْتُه، ثم جلستُ إلى رسول الله، فأخذتُ برأسه فقلت: لا والله لا يناجيه الليلة رجل دوني. قال: فلما أكثر عمر في شأنه، قلتُ: مَهْلًا، أما والله لو كان من رجال بني عَدِيٍّ بن كعب ما قُلْتَ هذا، ولكنك عرفت أنه رجلٌ مِنْ رِجال عبد مناف، قال: مهلًا يا عباس، فوالله لإسلامُكَ يومَ أسلمتَ كان أحبَّ إليَّ من إسلام الخطاب لو أسلم، وما بي إلا أني قد عرفتُ أنَّ إسلامك كان أحب إلى رسول الله ﷺ من إسلام الخطاب. فقال رسول الله ﷺ : «اذْهَبْ به إلى رَحْلِك يا عبّاس، فإذا أصبح فاتتني به»، فذهبتُ به إلى رَحْلي، فبات عندي، فلما أصبح غدَوْتُ به إلى رسول الله، فلما رآه رسول الله ﷺ قال: ويحك يا أبا سفيان، ألم يَأْنِ لك أن تعلم أَنْ لا إله إلا الله؟ قال: بأبي أنت وأُمِّي، ما أكرمك وأحلمك وأَوْصَلَكَ! والله لقد ظَنَنْتُ أَنْ لو كان مع الله غيره لقد أَغْنَى عَنِّي شيئًا، قال: «ويحك يا أبا سفيان، ألم يَأْنِ لك أَنْ تعلمَ أَنِّي رسول الله؟» قال: بأبي أنت وأُمِّي، ما أحلمك وأكرمك وأوصلك! هذه والله كان في النفس منها شيء حتى الآن، قال العباس ﵁: قلت: ويحك يا أبا سفيان أَسْلِمْ، واشْهَدْ أَنْ لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، قبلَ أَنْ تُضْرَبَ عنقُكَ، قال (١): فشَهِد شهادة الحَقِّ، وأسلم. قلتُ: يا رسول الله، إنَّ أبا سُفْيان رجلٌ يُحِبُّ هذا الفَخْرَ، لو تجعل له شيئًا، قال: «نعم، مَنْ دخل دار أبي سفيان فهو آمِنٌ، ومن أغلق بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمِنٌ»، فلما ذهب لينصرف قال رسول الله ﷺ : «ا عباس، اِحْبِسْه بِمَضِيق الوادي عند حَطْمِ الخيل، حتى تمر به جنود الله - تعالى - فيراها». قال: فخرجت به حتى حبَسْتُه حيث أمرني رسول الله ﷺ أَنْ أَحْبِسَه،

стр. 840

قال: ومرَّتْ عليه القبائل على راياتها، كُلَّما مرَّتْ قبيلة قال: من هؤلاء يا عباس؟ فأقول: سليم، فيقول: ما لي ولِسُلَيم، قال: ثم تمر القبيلة، قال: من هؤلاء؟ فأقول: مُزَينة، فيقول: ما لي ولمُزَينة حتى نَفِدَت القبائل، لا تمر قبيلة إلا قال: مَنْ هؤلاء؟ فأقول: بنو فلان، فيقول: ما لي ولبني فلان، حتى مر رسول الله ﷺ في الخضراء كتيبةٍ فيها المهاجرون والأنصار، لا يُرى منهم إلا الحدق، قال: سبحان الله! من هؤلاء يا عباس؟ قلت: هذا رسول الله ﷺ في المهاجرين والأنصار، قال: ما لأحد بهؤلاء قِبَل ولا طاقة، والله يا أبا الفضل لقد أصبح مُلْكُ ابن أخيك الغداة عظيمًا، قلت: يا أبا سفيان، إنَّها النُّبوَّة، قال: فنعم إذًا، قلتُ: النَّجاءَ إلى قومك. قال: فخرج، حتى إذا جاءهم صرخ بأعلى صوته: يا معشر قريش، هذا محمد قد جاءكم بما لا قِبَلَ لكم به فمَنْ دخل دار أبي سفيان فهو آمن، فقامَتْ إليه امرأته، فأخذَتْ بِشاربه فقالت: اقتلوا الدَّسِمَ الأحمش (١)، فَبِئْسَ مِنْ طليعة قوم، قال: ويُحكُم، لا تَغُرَّنَّكُمْ هذه مِنْ أنفسكم، فإنَّه قد جاء ما لا قبل لكم به مَنْ دخل دار أبي سفيان فهو آمِنٌ، قالوا: ويلك، وما تُغْنِي عنَّا دارك! قال: ومَنْ أغلق بابه فهو آمِنٌ، ومن دخل المسجد فهو آمن، فتفرق النَّاسُ إِلى دُورِهم وإلى المسجد (٢). ٢٣٠ - وفي رواية عروة بن الزبير: قال: ونادى أبو سفيان: أَسْلِموا تَسْلَموا، وأقبلَتْ هند بنتُ عُتْبَةَ فأخذَتْ بلِحْية أبي سفيان، ثم نادت: يا

стр. 841

لغالب، اقتلوا هذا الشيخ الأحمق، قال: فأَرْسِلي لحيتي، فأُقْسِمُ لَكِ لَئِنْ أنتِ لم تُسْلِمي لَتُضْرَبَنَّ عَنُقُكِ، ويُلكِ جاءنا بالحقِّ، فادخلي أريكتك - أَحْسَبُه قال: - واسْكُتِي. وفي رواية عُروة أيضًا: قال: فخَلَّصه عبَّاسٌ مِنْ أيديهم، وقال: إنَّك (١) مقتول إِنْ لم تُسْلِم وتَشْهد أنَّ محمَّدًا رسول الله، فجعل يريد أن يقول الذي يأمره عباس فلا ينطلق لسانه، فبات مع عباس، قال: فانطلق عباس بأبي سفيان حتى أدخله على النَّبيِّ ﷺ ، فقال أبو سفيان: يا محمد، إنِّي قد استَنْصَرْتُ إلهي، واستنصَرْتَ إلهك، فوالله ما لَقِيتُكَ مِنْ مَرَّةٍ إِلا ظَهَرْتَ عليَّ، فلو كان إلهي مُحِقًّا وإلهُكَ مُبْطِلًا لظهَرْتُ عليك، فشَهِد أَنْ لا إله الا الله، وأنَّ محمدًا رسول الله. أخبرني بذلك أبو غالب الكوشيذي، وأبو بكر القُرَاني، وأبو محمَّدٍ الديلمي قالوا: أخبرنا ابن ريذه، أخبرنا الطبراني، حدثنا محمد بن عمرو بن خالد الحراني، حدثنا أبي، حدثنا ابن لهيعة، عن أبي الأسود، عن عروة (٢). والحديث ثابت، أخرجه أبو داود السجستاني في سننه عن عثمان بن أبي شيبة، عن يحيى بن آدم، عن عبد الله بن إدريس، عن محمد بن إسحاق، كأن شيخي سمعه من صاحب أبي داود. وقصة الصوم: أخرجه البخاري ومسلم من حديث الزهري (٣)، من غير

стр. 842

رواية ابن إسحاق (١). و (الكَدِيد) و (عُسْفان) و (أَمَج) و (مَرُّ الظَّهْران): أسماء مواضع قريبة من مكَّةَ. وقولُه (وأَوْعَبَ) أي: خرجوا بأجمعهم. وقولُ أم سلمة (ابن عمك) تريد به أبا سفيان بن الحارث، وتريد بـ (ابن عَمَّتِك وصهرك) أخاها عبد الله بن أبي أمية؛ لأن جَدَّة رسول الله ﷺ أُمَّ عبد الله كانت من بني مخزوم، والصهر: كلُّ مَنْ كان مِنْ قَرابة الزَّوْجة. وقوله (هو الذي قال لي بمكة ما قال) يعني قوله: لن نُؤْمِنَ لك حتى تَرْقَى في السَّماء، ولن نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حتى تُنَزِّلَ علينا كتابًا نقرؤه منشورًا، واسم أبي سفيان بن الحارث: جعفر (٢). ويريد بـ (الحطابة) الذين يحتطبون خارج مكَّةَ مِنْ الحِلِّ. وقوله (حشتها الحرب) إن حَفِظَ ذلك (٣). وقوله (يا أبا حنظلة) يريد به أبا سفيان، كناه بابنه حنظلة. و (أبو الفضل) كنية العباس. وقوله (فحرَّكْتُ به) أي: حرَّكْتَ الدَّابَّة لِأُسْرِع به إلى رسول الله ﷺ . وقوله (فاقتحمتُ عن البغلة) أي: نزلت عنها بسرعة. و (عند حطم الخيل) أي: عند ازدحامهم. و (الخضراء) الخيل الكثير السلاح.

стр. 843

ومن مسند صهيب ﵁ - ٢٣١ - أخبرنا أبو القاسم غانم بن أبي نصر البرجي ﵀ سنة خمس وخمس مئة، أخبرنا أبو (١) نُعيم أحمد بن عبد الله الحافظ، ح. وأخبرنا أبو غالب الكُوشِيذي، وأبو بكرٍ القُرَاني، ونُوشَرْوانُ الدَّيْلمي ﵏ قالوا: أخبرنا أبو بكر بن ريده، أخبرنا أبو القاسم الطبراني، حدثنا إسحاق بن إبراهيم الدَّبَري، عن عبد الرَّزَّاق بنِ هَمَّام، عن معمر بن راشد، عن ثابت البناني، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن صهيب ﵁ ح. وأخبرنا به نازلًا أبو الرجاء أحمد بن محمد بن عبد العزيز القارئ ﵀ بقراءتي عليه، أخبرنا إبراهيم بن منصور، أخبرنا أبو بكر بن المقرئ، حدثنا أبو عَرُوبةَ الحَرَّاني، حدثنا سلمة بن شَبِيب، حدثنا عبد الرزاق - بإسناده - عن صهيب ﵁ قال: كان النَّبِيُّ ﷺ إذا صلى العصر همَس - والهَمْسُ في قول بعضهم: تحريك شفتيه كأنه يتكلم بشيء - فقيل له: يا نبي الله، إِنَّكَ إِذا صَلَّيْتَ العصر همَسْتَ؟ فقال: «إنَّ نبيًا من الأنبياء ﵇ كان أعجب بأُمَّتِه، فقال: مَنْ يقوم لهؤلاء؟ فأوحى الله - تعالى - إليه: أَنْ خَيَّرُهم بين أن أنتقم منهم، وبين أن أُسَلِّطَ عليهم عدوهم، فاختاروا النِّقْمة، فسُلِّطَ عليهم الموت، فمات منهم في يوم سبعون ألفًا». قال: وكان إذا حدَّث بهذا الحديث، حدَّث بهذا الحديث الآخر: قال: «كان مَلِكُ مِنْ الملوك، وكان لذلك الملك كاهن يتكهن له - وفي رواية سلمة: يَكْهَنُ له - فقال ذلك الكاهن: أنظروا لي غلامًا فطنًا - أو قال:

стр. 844

لَقِنًا - أُعَلِّمُه عِلْمي هذا؛ فإنِّي أخاف أن أموت فينقطع منكم هذا العلم، ولا يكون فيكم مَنْ يَعْلَمُه، فنظروا له غلامًا على ما وصف، [فأمروه] (١) أن يحضر ذلك الكاهن، وأن يختلف إليه. قال: وكان على طريق الغلام راهب في صومعة - قال مَعْمَرٌ: وأحسَبُ أن أصحاب الصوامع كانوا يومئذ [مسلمين] (٢) - فجعل الغلام [يسأل ذلك الرَّاهِبَ كُلَّما مرَّ به عن دينه، حتى أخبره، فقال: إِنَّما أعبد الله، وجعل الغلام] (٣) يَمكُث عند الرَّاهب، ويُبْطِئُ على الكاهن، فأرسل الكاهن إلى أهل الغلام: إنَّه لا يكاد يَحْضُرني فأخبر الغلامُ الرَّاهب بذلك، فقال له الراهب: إذا قال لك الكاهن: أين كنت؟ فقُل: عند أهلي وإذا قال لك أهلك: أين كنت؟ فأَخْبِرْهم أنك كنت عند الكاهن. فبينا الغلام على ذلك، إذ مَرَّ بجماعة من النَّاس كثيرة قد حبستهم دابَّةٌ - قال بعضُهم: إنَّ تلك الدَّابَّةَ كانت الأسد - فأخذ الغلام حجرًا فقال: اللهم إن كان ما يقول الراهب حقًا فأسأَلُكَ أَنْ أَقْتُلَ هذه الدَّابَّةَ، وإِنْ كان ما يقول الكاهن حقًا فأَسْأَلُك أَنْ لا أَقْتُلَها (٤)، ثم رماها فقتل الدَّابَّة. فقال الناس: من قتلها؟! فقالوا: الغلام، ففزع الناس إليه، وقالوا: قد علم هذا الغلامُ عِلْمًا لم يَعْلَمْه أحدٌ، فَسَمِع به أعمى فجاءه، فقال له الأعمى: إِنْ أَنْتَ رَدَدْتَ عليَّ بصري فإنَّ لك كذا وكذا، فقال له الغلام: لا أريد منك هذا، ولكن إِنْ رَجَعَ إليك بصَرُك أتُؤْمِنُ بالذي ردَّه عليك؟ قال: نعم، فدعا الله - تعالى - فرَدَّ عليه بصرَه، فآمن الأعمى، فبلغ الملِك أمرهم، فبعث إليهم، فأتي بهم، فقال: لأَقْتُلَنَّ كلَّ واحدٍ منكم قتْلةً لا أَقْتُلها صاحِبَه.

стр. 845

فأمر بالراهب وبالرجل الذي كان أعمى فوضع المنشار على مفرق أحدهما فقتل، وقتل الآخر بقتلة أخرى، ثم أمر بالغلام فقال: انطلقوا به إلى جبل كذا وكذا، فألقوه من رأسه، فلما انطلقوا به إلى ذلك الجبل، وانتهوا إلى المكان الذي أرادوا، جعلوا يتهافتون من الجبل ويترددون (١) منه، حتى لم يبق منهم إلا الغلام. ثم رجع الغلام، وأمر به الملك، فقال: انطلقوا به إلى البحر، فألقوه فيه، فانطلقوا به إلى البحر، فغرق الله - تعالى - الذين كانوا معه، وأنجاه الله - تعالى -. فقال الغلام: إنك لن تقتلني حتى تصلبني، ثم ترميني، وتقول إذا رميتني: باسم الله رب هذا الغلام - أو قال: باسم الله رب الغلام -، فأمر به فصلب، ثم قال: باسم الله رب الغلام، فوضع الغلام يده على صدغه، ثم مات. فقال الناس: لقد علم هذا الغلام علما ما علمه أحد، فإنا نؤمن برب هذا الغلام، فقيل للملك: أجزعت أن خالفك ثلاثة، فهذا الناس كلهم قد خالفوك، فخد أخدودا، ثم ألقى فيها الحطب والنار، ثم جمع الناس، ثم قال: من رجع إلى دينه تركناه، ومن لم يرجع ألقيناه في هذه النار، فجعل يلقيهم في تلك الأخدود، فذلك قوله ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ (٤) النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ (٥)﴾ حَتَّى بَلَغَ ﴿الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ (٢). فذكر أن الغلام أخرج في زمان عمر بن الخطاب ﵁ وإصبعه على صدغه كما كان وضعها حين قتل (٣).
следующие страницы →