← Книги сунны

Книги сунны · id 30195

الطوالات - لأبي موسى المديني

أبو موسى المديني

Полный текст (962 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

لغالب، اقتلوا هذا الشيخ الأحمق، قال: فأَرْسِلي لحيتي، فأُقْسِمُ لَكِ لَئِنْ أنتِ لم تُسْلِمي لَتُضْرَبَنَّ عَنُقُكِ، ويُلكِ جاءنا بالحقِّ، فادخلي أريكتك - أَحْسَبُه قال: - واسْكُتِي. وفي رواية عُروة أيضًا: قال: فخَلَّصه عبَّاسٌ مِنْ أيديهم، وقال: إنَّك (١) مقتول إِنْ لم تُسْلِم وتَشْهد أنَّ محمَّدًا رسول الله، فجعل يريد أن يقول الذي يأمره عباس فلا ينطلق لسانه، فبات مع عباس، قال: فانطلق عباس بأبي سفيان حتى أدخله على النَّبيِّ ﷺ ، فقال أبو سفيان: يا محمد، إنِّي قد استَنْصَرْتُ إلهي، واستنصَرْتَ إلهك، فوالله ما لَقِيتُكَ مِنْ مَرَّةٍ إِلا ظَهَرْتَ عليَّ، فلو كان إلهي مُحِقًّا وإلهُكَ مُبْطِلًا لظهَرْتُ عليك، فشَهِد أَنْ لا إله الا الله، وأنَّ محمدًا رسول الله. أخبرني بذلك أبو غالب الكوشيذي، وأبو بكر القُرَاني، وأبو محمَّدٍ الديلمي قالوا: أخبرنا ابن ريذه، أخبرنا الطبراني، حدثنا محمد بن عمرو بن خالد الحراني، حدثنا أبي، حدثنا ابن لهيعة، عن أبي الأسود، عن عروة (٢). والحديث ثابت، أخرجه أبو داود السجستاني في سننه عن عثمان بن أبي شيبة، عن يحيى بن آدم، عن عبد الله بن إدريس، عن محمد بن إسحاق، كأن شيخي سمعه من صاحب أبي داود. وقصة الصوم: أخرجه البخاري ومسلم من حديث الزهري (٣)، من غير

стр. 842

رواية ابن إسحاق (١). و (الكَدِيد) و (عُسْفان) و (أَمَج) و (مَرُّ الظَّهْران): أسماء مواضع قريبة من مكَّةَ. وقولُه (وأَوْعَبَ) أي: خرجوا بأجمعهم. وقولُ أم سلمة (ابن عمك) تريد به أبا سفيان بن الحارث، وتريد بـ (ابن عَمَّتِك وصهرك) أخاها عبد الله بن أبي أمية؛ لأن جَدَّة رسول الله ﷺ أُمَّ عبد الله كانت من بني مخزوم، والصهر: كلُّ مَنْ كان مِنْ قَرابة الزَّوْجة. وقوله (هو الذي قال لي بمكة ما قال) يعني قوله: لن نُؤْمِنَ لك حتى تَرْقَى في السَّماء، ولن نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حتى تُنَزِّلَ علينا كتابًا نقرؤه منشورًا، واسم أبي سفيان بن الحارث: جعفر (٢). ويريد بـ (الحطابة) الذين يحتطبون خارج مكَّةَ مِنْ الحِلِّ. وقوله (حشتها الحرب) إن حَفِظَ ذلك (٣). وقوله (يا أبا حنظلة) يريد به أبا سفيان، كناه بابنه حنظلة. و (أبو الفضل) كنية العباس. وقوله (فحرَّكْتُ به) أي: حرَّكْتَ الدَّابَّة لِأُسْرِع به إلى رسول الله ﷺ . وقوله (فاقتحمتُ عن البغلة) أي: نزلت عنها بسرعة. و (عند حطم الخيل) أي: عند ازدحامهم. و (الخضراء) الخيل الكثير السلاح.

стр. 843

ومن مسند صهيب ﵁ - ٢٣١ - أخبرنا أبو القاسم غانم بن أبي نصر البرجي ﵀ سنة خمس وخمس مئة، أخبرنا أبو (١) نُعيم أحمد بن عبد الله الحافظ، ح. وأخبرنا أبو غالب الكُوشِيذي، وأبو بكرٍ القُرَاني، ونُوشَرْوانُ الدَّيْلمي ﵏ قالوا: أخبرنا أبو بكر بن ريده، أخبرنا أبو القاسم الطبراني، حدثنا إسحاق بن إبراهيم الدَّبَري، عن عبد الرَّزَّاق بنِ هَمَّام، عن معمر بن راشد، عن ثابت البناني، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن صهيب ﵁ ح. وأخبرنا به نازلًا أبو الرجاء أحمد بن محمد بن عبد العزيز القارئ ﵀ بقراءتي عليه، أخبرنا إبراهيم بن منصور، أخبرنا أبو بكر بن المقرئ، حدثنا أبو عَرُوبةَ الحَرَّاني، حدثنا سلمة بن شَبِيب، حدثنا عبد الرزاق - بإسناده - عن صهيب ﵁ قال: كان النَّبِيُّ ﷺ إذا صلى العصر همَس - والهَمْسُ في قول بعضهم: تحريك شفتيه كأنه يتكلم بشيء - فقيل له: يا نبي الله، إِنَّكَ إِذا صَلَّيْتَ العصر همَسْتَ؟ فقال: «إنَّ نبيًا من الأنبياء ﵇ كان أعجب بأُمَّتِه، فقال: مَنْ يقوم لهؤلاء؟ فأوحى الله - تعالى - إليه: أَنْ خَيَّرُهم بين أن أنتقم منهم، وبين أن أُسَلِّطَ عليهم عدوهم، فاختاروا النِّقْمة، فسُلِّطَ عليهم الموت، فمات منهم في يوم سبعون ألفًا». قال: وكان إذا حدَّث بهذا الحديث، حدَّث بهذا الحديث الآخر: قال: «كان مَلِكُ مِنْ الملوك، وكان لذلك الملك كاهن يتكهن له - وفي رواية سلمة: يَكْهَنُ له - فقال ذلك الكاهن: أنظروا لي غلامًا فطنًا - أو قال:

стр. 844

لَقِنًا - أُعَلِّمُه عِلْمي هذا؛ فإنِّي أخاف أن أموت فينقطع منكم هذا العلم، ولا يكون فيكم مَنْ يَعْلَمُه، فنظروا له غلامًا على ما وصف، [فأمروه] (١) أن يحضر ذلك الكاهن، وأن يختلف إليه. قال: وكان على طريق الغلام راهب في صومعة - قال مَعْمَرٌ: وأحسَبُ أن أصحاب الصوامع كانوا يومئذ [مسلمين] (٢) - فجعل الغلام [يسأل ذلك الرَّاهِبَ كُلَّما مرَّ به عن دينه، حتى أخبره، فقال: إِنَّما أعبد الله، وجعل الغلام] (٣) يَمكُث عند الرَّاهب، ويُبْطِئُ على الكاهن، فأرسل الكاهن إلى أهل الغلام: إنَّه لا يكاد يَحْضُرني فأخبر الغلامُ الرَّاهب بذلك، فقال له الراهب: إذا قال لك الكاهن: أين كنت؟ فقُل: عند أهلي وإذا قال لك أهلك: أين كنت؟ فأَخْبِرْهم أنك كنت عند الكاهن. فبينا الغلام على ذلك، إذ مَرَّ بجماعة من النَّاس كثيرة قد حبستهم دابَّةٌ - قال بعضُهم: إنَّ تلك الدَّابَّةَ كانت الأسد - فأخذ الغلام حجرًا فقال: اللهم إن كان ما يقول الراهب حقًا فأسأَلُكَ أَنْ أَقْتُلَ هذه الدَّابَّةَ، وإِنْ كان ما يقول الكاهن حقًا فأَسْأَلُك أَنْ لا أَقْتُلَها (٤)، ثم رماها فقتل الدَّابَّة. فقال الناس: من قتلها؟! فقالوا: الغلام، ففزع الناس إليه، وقالوا: قد علم هذا الغلامُ عِلْمًا لم يَعْلَمْه أحدٌ، فَسَمِع به أعمى فجاءه، فقال له الأعمى: إِنْ أَنْتَ رَدَدْتَ عليَّ بصري فإنَّ لك كذا وكذا، فقال له الغلام: لا أريد منك هذا، ولكن إِنْ رَجَعَ إليك بصَرُك أتُؤْمِنُ بالذي ردَّه عليك؟ قال: نعم، فدعا الله - تعالى - فرَدَّ عليه بصرَه، فآمن الأعمى، فبلغ الملِك أمرهم، فبعث إليهم، فأتي بهم، فقال: لأَقْتُلَنَّ كلَّ واحدٍ منكم قتْلةً لا أَقْتُلها صاحِبَه.

стр. 845

فأمر بالراهب وبالرجل الذي كان أعمى فوضع المنشار على مفرق أحدهما فقتل، وقتل الآخر بقتلة أخرى، ثم أمر بالغلام فقال: انطلقوا به إلى جبل كذا وكذا، فألقوه من رأسه، فلما انطلقوا به إلى ذلك الجبل، وانتهوا إلى المكان الذي أرادوا، جعلوا يتهافتون من الجبل ويترددون (١) منه، حتى لم يبق منهم إلا الغلام. ثم رجع الغلام، وأمر به الملك، فقال: انطلقوا به إلى البحر، فألقوه فيه، فانطلقوا به إلى البحر، فغرق الله - تعالى - الذين كانوا معه، وأنجاه الله - تعالى -. فقال الغلام: إنك لن تقتلني حتى تصلبني، ثم ترميني، وتقول إذا رميتني: باسم الله رب هذا الغلام - أو قال: باسم الله رب الغلام -، فأمر به فصلب، ثم قال: باسم الله رب الغلام، فوضع الغلام يده على صدغه، ثم مات. فقال الناس: لقد علم هذا الغلام علما ما علمه أحد، فإنا نؤمن برب هذا الغلام، فقيل للملك: أجزعت أن خالفك ثلاثة، فهذا الناس كلهم قد خالفوك، فخد أخدودا، ثم ألقى فيها الحطب والنار، ثم جمع الناس، ثم قال: من رجع إلى دينه تركناه، ومن لم يرجع ألقيناه في هذه النار، فجعل يلقيهم في تلك الأخدود، فذلك قوله ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ (٤) النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ (٥)﴾ حَتَّى بَلَغَ ﴿الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ (٢). فذكر أن الغلام أخرج في زمان عمر بن الخطاب ﵁ وإصبعه على صدغه كما كان وضعها حين قتل (٣).

стр. 846

هذا حديث مشهور من حديث ثابت صحيح، رواه عنه سوى مَعْمرٍ: حماد بن سلمة، وسليمان بن المغيرة. ٢٣٢ - أخبرنا بحديثهما أبو غالب الكوشيذي، وأبو بكر القرآني، ونوشروانُ بن شِيرْزاذَ الدَّيْلمي ﵏ قالوا: أخبرنا محمد بن عبد الله أبو بكر (١)، أخبرنا سليمان بن أحمد بنِ أَيُّوبَ، حدثنا محمد بن محمَّدٍ التَّمَارُ البصري، حدثنا علي بن عثمان اللاحقي، حدثنا حماد بن سلمة، أخبرنا ثابت، ح. وأخبرنا إسماعيل بن الفضل بن أحمد المقرئ أخبرنا أبو طاهر محمد بن أحمد بن عبد الرحيم، حدثنا أبو بكرٍ محمَّد بن إبراهيم بن علي، أخبرنا أبو يَعْلَى المَوْصلي، حدثنا أبو خالد هدبة بن خالد، حدثنا حماد بن سلمة، وسليمان بن المغيرة، عن ثابت، عن ابن أبي لَيْلَى، عن صُهَيبٍ ﵁، أَنَّ رسول الله ﷺ قال: «كان ملك فيمن كان قبلكم، وكان له ساحر، فلما كبر قال للمَلِكُ: إِنِّي قد كبِرْتُ، فابعَثْ إِليَّ غلامًا أُعلِّمُهُ السِّحْرَ. فكان في طريقه إذا سلك راهِبٌ، فقعد إليه وسمع كلامه فأعجبه، وكان إذا أتى السَّاحِر ضربه، وإذا رجع من عند الساحر قعد إلى الراهب فسمع كلامه، فإذا أتى إلى أهله ضرَبُوه، فشكا ذلك إلى الراهب، فقال: إذا خَشِيتَ السَّاحِرَ فَقُلْ: حبسني أهلي، وإذا خشيت أهلك فقُلْ: حبسني الساحر. فبينا هو كذلك إذ أتى عليه دابَّةٌ عظيمة قد حبست الناس، فقال: اليوم أعلمُ: الرَّاهِبُ أفضلُ أم السَّاحر، فأخذ حجرًا فقال: اللهم إنْ كانَ أَمْرُ

стр. 847

الراهب أحب إليكَ مِنْ أمر الساحر فاقتل هذه الدَّابَّةَ حتى يَمْضِيَ النَّاسُ، فرماها فقتلها ومضى النَّاسُ. فأتى الراهب فأخبره، فقال له الراهب: أيْ بُنَيَّ، أنتَ اليوم أفضلُ مِنِّي، قد بلغ من أمرك ما أَرَى، وإِنَّكَ ستُبْتَلى، فإِنْ ابْتُلِيتَ فلا تَدُلَّ عليَّ، وكان الغلامُ يُبْرِئُ الأكمه والأبرص، ويُداوي النَّاسَ سائر الأدواء. فَسَمِع جَلِيسٌ لِلمَلِكُ كان قد عَمِي، فأتاه بهدايا كثيرة، فقال: ما هاهنا لك أجمعُ إِنْ أَنْتَ شَفَيْتَني، قال: إنِّي لا أشفي أحدًا، فإِنْ أنت آمَنْتَ بالله - تعالى - دعَوْتُ الله فشفاك، فآمن بالله، فشفاه الله. فأتى الملك يمشي، فجلس إليه كما كان يجلس، فقال له الملك: مَنْ رَدَّ عليك بصرك؟ قال: ربّي، قال: ولك رب غيري؟! قال: ربِّي ورَبُّك، فأخذه فلم يزَلْ يُعذِّبُه حتى دلّ على الغلام، فجيء بالغلام، فقال له الملك: أي بُنَيَّ، قد بلغ مِنْ سِحْرِك ما يُبْرِئ الأكمة والأبرص، وتفعل وتفعل؟! [فقال: إني لا أشفي أحدًا، إنما يشفي الله] (١) فأخذه، فلم يزَلْ يُعَذِّبه حتى دَلَّ على الراهب، فقيل له: ارْجِع عن دينك، فأبى، فدعا بالمِنْشار، فوُضِعِ المِنْشَارُ في مَفْرِق رأسه حتى وقع شقاه إلى الأرض، فقيل للغلام: ارْجِعْ عن دينك، فأبى - إلى هنا سقط من رواية أبي يعلى، ورجعنا إلى (٢) روايته - فدفعه إلى نفر من أصحابه، فقال: اذهبوا به إلى جبل كذا وكذا، فاصعَدُوا به الجبل، فإذا بلغ ذِرْوَته، فإِنْ رَجَعَ عن دينه وإلا فاطرَحُوه، فذهَبُوا به إلى الجبل، فقال: اللَّهُمَّ الفنيهم بما شِئْتَ، فرجَف بهم الجبل، فسقطوا، وجاء يمشي إلى الملك، فقال له الملك: ما فعل أصحابك؟ قال: كفانيهم الله . فدفعه إلى نفر من أصحابه، فقال: اذهبوا به، فاجعلوه في قُرْقور، وتوسطوا به البحر، فلَجُجُوا به، فإن رجع عن دينه وإلا فاقْذفوه، فذهبوا به

стр. 848

فقال: اللَّهُمَّ اكْفِنيهم بما شِئْتَ، فانكفَأَتْ بهم السَّفينة، فغرقوا، وجاء يمشي إلى المَلِك، قال الملك: ما فعل أصحابُكَ؟! قال: كفانيهم الله - تعالى -. فقال للملك: إِنَّكَ لَسْتَ بقاتلي حتى تفعَلَ ما آمرك به، قال: وما هو؟ قال: تجمَعُ النَّاس في صعيدٍ واحد، وتَصْلِبُني على جِذْعِ، ثم تأخُذُ سَهْمًا مِنْ كنانتي، ثم ضَعُ السَّهْمَ في كَبِد القوس، ثم قُلْ: باسم الله ربِّ الغلام، ثم ارْمِني؛ فإنَّك إذا فعلت ذلك قتلتني. فجمع النَّاسَ في صعيدٍ واحد، وصلبه على جِذْع، ثم أخذ سَهْمًا من كنانته، ثم وضع السهم في كَبِد قوسه، ثم قال: باسم الله ربِّ الغلام، ثم رماه، فوضع السَّهْمَ في صُدْغه، فوضع يده في صُدْغه في مَوْضِع السهم، فمات، فقال النَّاس: آمَنَّا بربِّ الغلام، آمَنَّا برب الغلام - ثلاثًا -. فأُتي الملك، فقيل له: أرأيتَ ما كُنْتَ تحذَرُ، قد - والله - نزل بك حذَرُكَ، قد آمَن النَّاسُ، فأمَرَ بالأَخْدود بأفواه السِّكَكِ فَخُدَّت، وأَضْرَم النيران، وقال: مَنْ لم يَرْجِع عن دينه فأقحموه فيها - أو قيل له: اقتحم - حتى جاءت امرأة ومعها صبي، فتقاعستْ أَنْ تَقَعَ فيها، فقال لها الصَّبيُّ: يا أُمَّهُ، اِصْبِرِي؛ فإِنَّكِ على الحق» (١). هذا لفظ رواية هذبة، وأخرجه مسلم في صحيحه منفردًا به عن هذبة هذا، عن حماد وحده. ورواه عفَّانُ وغيره، عن حماد. ورواه النضر بن شميل، وأبو أسامة، وعَفَّانُ - أيضًا ـ، عن سليمان بن المغيرة، ولم يرفعوه، وكذلك رواه إسحاق بن راهويه وغيره، عن عبد الرزاق.

стр. 849

وأخرج ذِكْرَ الهَمْس أبو عيسى التَّرْمِذِيُّ، عن عبد بن حميد، ومحمود بن غيلان، عن عبد الرَّزَّاق (١)، كأن شيخي سمعه من صاحبه. والفطن: العاقل الكيس. واللقِن (٢): السريع الأخذ والفهم لما يسمعه. والقتلة: هيئة القتل والقُرْقُور: السفينة الصغيرة. و (لججُوا) أي: صَيّروه في لُجَّة البحر، وهي أكثر المواضع ماء. و (كبد القوس) الموضع الذي يوضع فيه السهم من القوس. و (الأخدود) الحفرة. و (أفواه السِّكَكَ) مَجْمَع الطُّرُق. و (أَقْحِمُوه فيها) أي: أَلْقُوه. و (تقاعست) أي: أبطأتْ وتأخَّرَتْ. وهذا الصَّبِيُّ أحَدُ الذين تكلموا قبل أوان التَّكَلُّمِ. وفي رواية النضر بن شميل: قال ثابتٌ: فَأُخْرِجَ - يعني: الغلام - في عهد عمر بن الخطاب ﵁ فكُتِبَ فيه إليه، وكتَبَ: أَنْ حَنِّطُوه، وكَفِّنوه، وواروه، قال: فبسطوا يدَه، حتى إذا غسَلُوه ردَّ يده كما كانت على خدّه. وهذا الحديثُ رُوِي مِنْ غير هذا الوجه، وذُكر فيه اسم الغلام واسم الملك، نذكره فيما بعد إن شاء الله : ٢٣٣ - أخبرنا أبو علي الحداد بقراءة والدي عليه حله سنة ست وخمس مئة، حدثنا أبو نُعَيم الحافظ، حدثنا أحمد بن السندي الحداد، أخبرنا

стр. 850

الحسن بن علي القطان، حدثنا إسماعيل بن عيسى العَطَارُ، أخبرنا إسحاق بن بشر، حدثنا سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن الحسن، وبشير مولى مقاتل بن حيان. وعن أبي سهل، عن الحسن. قالا: بينا رسول الله ﷺ له جالسًا إِذْ رفع بصره إلى السماء، ثم أرسل عينيه بالبكاء، فقال: «ماذا أُنْزِلَ!» قالوا: يا رسول الله، وماذا أُنْزِلَ؟ قال: «أخبرني جبريل ﵇ أنَّ ملكًا كان جبارًا عاتيًا، كان فشا الدِّينُ في أهل مملكته، وكانوا رجالًا أصحاب سحر ونجوم، وكان شيخ كبير ساحرٌ مُنَجِّمُ بَصِيرٌ يُعَلِّمُ الكهنة، هو الذي يَصْدُر المَلِكُ عن رأيه فقال: أيُّها الملك، إنَّه قد رقَّ عَظْمي، وكَبر سنّي، ولم أنصح أحدًا من هؤلاء؛ بقيا على منزلتي منك، وإِنِّي أرى أن تطلب غلامًا أديبًا فَطِنًا أُعَلِّمُه، فيكون خلفًا مِنِّي، قال: فطلب، فأصاب غلامًا ظريفًا فصيحًا لبيبًا، فأُدْخِلَ على الملك، فحاوره، فوجده من بغيته، فألزمه إيَّاه. فكان يختلف الغلامُ إليه ويَتعلَّم، إِذْ مرَّ ليلةً بفلاة من الأرض، فسمع بكاء من تحت الأرض، وقائلًا يقول: يا عزيز يا عزيز، ما الذي يُنْجِيني من عذابك، فوعِزَّتِكَ لأُنْحِلَنَّ جسمي في رضاك، ثم لأمنعَنَّ لذَّاتِها وشهواتها بعَوْنِك. قال: فسمع الفتى، فبكى لبكائه (١) قال: فنظر، فإذا هو بسِرْب من تحت الأرض، فطلب الموضع الذي يدخل فيه، فهيأه - تعالى - فدخل عليه، فإذا هو برجل عليه ثَوْبان من شعر، فقال له: مَنْ أدخلك عليَّ فإِنِّي فار بديني من هذا الطاغي، قد تراني وحالي آكُل العُشْبَ، وأَلْبَسُ الشَّعر، قال: فقص عليه الفتى قصته، وأخبره برغبته في الخير، فقال له: أَعْطِني مَوْثِقًا أَنْ لا تُخْبِرَ بمكاني وإِنْ قُتِلْتَ وإِنْ حُرِّقْتَ بالنَّار، قال: أَفْعَلُ، فأخبره، وعرض عليه الإسلام، قال: فأقام معه ليلته ويومه ومن الغد. فلما انصرف إلى أهله، سأله أبواه عن غيبته، فكَرِه أَنْ يَكْذِب، وأَنْ

стр. 851

يُفْشِيَ على صاحبه، قال: فسكت، فضرباه فأَوْجَعَاه، فلما أصبح غدا على السَّاحِر، فسأله عن غَيْبته عنه، فسكت عنه مِثْلَ ما سكت عن أبويه، قال: فضربه فأوجعه، فلما أمسى انصرف إلى أهله فمرَّ بالرّاهب، فدخل عليه فأخبره بما لقي، فقال له: إذا كان ذلك فقُل لأبيك: كنتُ عند مُعلِّمي السَّاحِرِ، وإذا سألك الساحر فقل: عند أبوَيَّ، تَدْرَأُ شَرَّهُما عن نفسك، قال: فلبث بذلك زمانًا حتى استفرغ عِلْمَ الرَّاهب ونفَذَ فيه، واستفرغ عِلْمَ السَّاحر غير مكترث به. فمر ذات يوم برجُلٍ مِنْ فئة المَلِك، وكان من وجوه أصحابه، وكان أعمى، فقال: يا فلان، أخبرني عنك، إن سألتُ رَبِّي أَنْ يَرُدَّ عليك بصرك أتُؤْمِنُ به؟ قال: نعم، قال: ولي عليكَ أَنْ لا تُفْشِيَ ذلك حتى تضطر إليه من قتل؟ قال: نعم، فأكد عليه، فدعا ربهُ فردَّ الله عليه بصره. قال: فدخل على الملك، فقال له المَلِك: يا فلان، من فعل بك هذا؟ قال: إلهُ السَّماء وإله الأرض، لا إله إلا هو، إِيَّاه أعبد، فإنَّه على ما يشاء قدير، قال: فأمر فأُخِذ، ثم عَرَض عليه أَنْ يَرْجِع عن رأيه، فأبى، قال له: مَنْ غرك؟ قال: ما غرني أحد، ولكن نصحني، قال: فدلني عليه، قال: لا أفعل، قال: فلما أَنْ قُرِّبَ للقتل ذكَرَ قولَ الفتى أنه جعله في حلّ عند الضرورة أن يُخْبِرَ به، قال: فعل بي هذا فلان بن فلان. قال: فأُتِي به، فأُسْقِطَ في يدي الشيخ الساحر، فقال للغلام: ويلك ما هذا الذي يقول هذا الشيخ؟! قال: يقول الحق، لا إله إلا هو، ربُّ السَّماوات والأرض، يحيي ويميت، ويفعل ما يريد (١)، قال: فلم يُلْبِثْه الملكُ أَنْ أَمَرَ بصَلْبِه، فصلِب، فطعن بالرِّماح، فلم يَحُلَّ فيه رُمْحٌ، وَأُشْعِلَ فيه النيران وهو على الخشبة، فلم تُحْرِقْه النَّارُ ولا خشبته، قال: فدعا بالرماة الحُذَّق، فجعلوا يرمونه، ما يصل إليه، حتى دام ذلك عليه سبعةَ أيَّام. فقال له الغلام: أيُّها الطاغي، أمَا إِذْ أَبَيْتَ إلا قَتْلي، فَلَنْ تَقْتُلَني حتى

стр. 852

تشهد شهادة الحقِّ، وتقول: آمنتُ بالله ربِّ الغلام، قال: فقاله لا يُلَجْلِجُ به لسانه، ثم رماه، فأصابه فقتله، فعند ذلك خدَّ الأُخْدود في الأرض اثني عشر خدًا، وبنى بروجًا فارتفع هو وملوكه (١) على تلك البروج، ثم أمر بالنيران فأُوقِدَتْ في تلك الأخدود، وقُذِف فيها حطَبُ الجَزْل، ثم عرض النَّاسَ على دينه، فمَنْ قَبل منهم دينه خلَّى عنه، ومَنْ ثبت على الإسلام أُلْقِيَ في تلك الأخدود، حتى أحرقَ فِئامًا من الناس. فكان آخِرَ مَنْ أُتِي به مِنْ النَّاس امرأة ومعها طفل لها، فعرض عليها الكفر فأبَتْ، فانطلق بها إلى الأخدود، فلما عاينت النَّار نظرَتْ إلى طِفْلِها فأشفقت عليه، فهمت أن تَرْجِع، فأَنْطَقَ الله الطفل، فقال: يا أُمَّتاه، إِيَّاكِ أَنْ تُنافِقي بعد إيمانك قالت: والله يا بُنيَّ، ما أُشْفِقُ إلا عليك، قال: يا أمتاه، إِنَّ الذي آمنت به سَيُعافينا مما أراكِ تخافين، قال: فأقحمت نفسها في النار، فجعل الله عليها النَّارَ بَرْدًا وسلامًا، وفيهم نزلت: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ البروج﴾ [البروج: ١]، ثم قال: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ [البروج: ١٢] يعني: حين سلّط على ذلك الملك العدو، ثم خذله، فغرقه في البحر، وعجله إلى النار (٢). ٢٣٤ - أخبرنا أبو عليّ أيضًا بقراءة والدي عليها -رحمهما الله- سنة سبع وخمس مئة، حدثنا علي بن القاسم المقرئ، حدثنا أبو بكر محمد بن عمر بن حزم، حدثنا إبراهيم بن محمَّدٍ الطَّيَّانُ، حدثنا الحسين بن القاسم الكوكبي، حدثنا إسماعيل بن أبي زياد، عن جُوَيبرٍ، عن الضَّحَّاك، عن ابن عباس ﵄ في قوله : ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ﴾ [البروج: ٤] يعني: لعن أصحاب الأخدود، وذلك أنَّ أصحاب الأخدود كانوا قبل أن يبعث الله نبيه ﷺ بأربعين سنة،

стр. 853

أخذهم يوسف بن شراحيل بن تُبَّعِ الحِمْيَريُّ، وكانوا بضعًا وثمانين نَفْسًا مُتمسكين بدين عيسى ل مُشتاقين (١) إلى الإسلام، فبلغ ذلك يوسف، فأخذهم فقال: لَتَكْفُرُنَّ بدين عيسى ﵇ أو لأعذبنَّكم بالنار، وخُدَّ في الأرض أُخْدودًا كهيئة الخنادق، وأوقد فيها النيران، ثم جاء بهم، فقال: أتكفرون؟ قالوا: لا، فكان يُلقي ولدَ الرَّجُل بين يديه لكي يَجْزَعَ فَيَرْجِعَ، فمضَوْا أجمعون، وبقيت امرأة ومعها صبي لها تُرْضِعُه، فجعلَتْ تُرْضِعُ ولدها وتنظر إلى النار، إذ أنطق الله - تعالى - الصَّبِيَّ، فقال: أي أُمَّهُ، انْظُري أمامك ولا تَعْجَزي، فنظرت، فإذا الذين أُحْرِقُوا بالنَّار في رَوْضةٍ خضراء يضحكون ويتحدَّثون، فَرَمَتْ بِصبيها في النَّار واتَّبعته، فأخبر الله نبيه بما فعل بهم، فقال: ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ﴾ [البروج: ٤] يعني: لُعِن أصحاب الأخدود بأرض اليمن ﴿إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ﴾ [البروج: ٦] يعني: يوسف بن شراحيل ومن معه (٢). وفي رواية أخرى عن ابن عباس ﵄ أنَّ اسمَ المَلِك كان يوسف بنَ شراحيل، ويقال: ذُو نُواس، وكان قبلَ مَوْلِد النَّبِيِّ ﷺ بسبعين سنة، وكان اسم الغلام: عبد الله بن ثامر (٣). ٢٣٥ - أخبرنا والدي يخطئه بقراءتي عليه في جامعِ جُورْجِيرَ (٤)، أخبرنا مسعود بن أبي القاسم الحافظ، حدثنا أبو الحسن علي بن محمد الفقيه، حدثنا أبو عمرو بن الحكيم المديني، حدثنا محمد بن عبد الوهاب بن تمام العسقلاني بها، حدثنا آدم بن أبي إياس، حدثنا أبو عصام، عن سعيد بن بشير، عن قتادة، عن أبي حسان، عن عليّ بن أبي طالب ﵁ في قوله :

стр. 854

﴿أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ﴾ [البروج: ٤] قال: كان باليمن قوم مؤمنون، وجيران لهم مشركون، فاقتتلوا، فظهر المشركون على المؤمنين، فخَدُّوا لهم خدودًا، وحشوه نارًا، فمن تابعهم تركوه، ومن أبى ألقوه في النار، وكانوا ثمانين إنسانًا، وفيهم امرأة وصبي لها، وكانت في آخِرِهم، [فقالت] (١) لصبيها: ما ترى؟ فقال لها: تقدَّمي ولا تُنافِقي، فأُلْقِيَتْ في النَّار، وحُسِم الصَّبيُّ بالمقاريض، وكان إذا قحطوا استَسْقَوْا به (٢). ويقال: إِنَّ المَلِك الذي خدَّ لهم وأحرقهم ابن شراحيل بن تُبَّع (٣) ٢٣٦ - وبه، حدثنا آدم، حدثنا المُبارَكُ بن فضالة، عن الحسن قال: كان أصحاب الأخدود خَدُّوا أَخْدودًا، وملَؤُوها نارًا، فألقوا فيها من آمن بالله، وتركوا مَنْ كفر، فأَلْقَوْا بِضْعًا وثمانين مؤمنًا، حتى (٤) أتوا على عجوز كبيرة وابنها خلفها صبي صغير، فلما رأت النار كيف تأخذهم جَزِعَتْ، وقالت: يا بني، أما ترى؟! فقال لها ابنها: يا أُمَّتاه، امضي ولا تُنافِقي، فمضَتْ، فاقتحم ابنها على إثرها. قال الحسن: كانت [لذعة] (٥) نارٍ، لا نار عليهم آخر ما عليهم، ثم قال الحسن: يا سبحان الله! ما أحلم الله! إنَّهم يُعذِّبون أولياءه بالنار وهو يدعوهم

стр. 855

إلى التَّوْبة، ثم قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ يقول: أحرقوا المؤمنين والمؤمنات ﴿ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا﴾ [البروج: ١٠] أي: فلو تابوا كتاب الله عليهم (١). ٢٣٧ - وبه، قال: حدثنا آدم، حدثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال: الأخدود: شَقُّ في الأرض بنجران، كانوا يُعذِّبون النَّاس فيها. وفي قوله ﴿فَتَنُوا﴾ قال: عَذَّبوا (٢). ٢٣٨ - أخبرنا السيد أبو القاسم عباد بن محمد الجعفري ﵀ إذنًا، أخبرنا أبو أحمد محمَّد بن عليّ المُؤَدِّبُ، حدثنا عبد الله بن محمد، حدثنا إبراهيم بن محمَّدِ بنِ الحسن، حدثنا أحمد بن موسى بن صاعد، حدثنا موملُ بنُ إسماعيل، حدثنا حماد بن سلمة، حدثنا قتادة، أن عمر بن الخطاب ﵁ بعثَ يَعْلَى بنَ أُمَيَّةَ على اليمن، فبنى ماء بنجران، كلما ارتفع البناء سقط شِقٌ منه، فيُعاد، فإذا ارتفع سقط، فحفروا أصله فإذا هم بشاب واضع يده على صدغه فلما نحوا يده عن صُدْغه انبعثَ الدَّمُ، فإذا تركوها عادت إلى صُدْغِه، فكتب بذلك إلى عمر ﵁، فكتب إليه عمر ﵁: ذاك عبد الله بن ثامر صاحب الأخدود، وإنَّ الأرض لا تأكل (٣) الأنبياء، فإذا جاءك كتابي هذا فمر به أن يُدفن في مكان لا يَعْلَم به أحد. قال حماد: وسمِعْتُ أنه كانت الأخدود ثلاثة: أُخْدود باليمن، وأُخْدود ببابل، وأُخْدُودُ بالمَوْصِل. ٢٣٩ - وبه، قال: حدثنا عبد الله بن محمد، حدثنا الوليد، أخبرنا الحسين بن علي قال: قُرِئ على عامر، عن أسباط، عن السُّدِّي قال: كان

стр. 856

الأخدود ثلاثة: خَدُّ بالشَّام، وخَدُّ باليمن، وخَدٌ بالعراق ﴿إذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ﴾ [البروج: ٦] وهم في الحد الذي باليمن (١). وروي عن علي ﵁ أنَّ أصحاب الأخدود هم الحبشة (٢). وعن عكرمة قال: كانوا من النبط. وقال الربيع بن أنس: قُبِضَتْ أرواحهم قبل أن يَمسَّهُم حرُّها، وخرجَتْ النار (٣) من مكانها فأحاطَتْ بالجبارين، فأحرقهم الله - تعالى - بها.

стр. 857

ومن حديث الطُّفَيل بنِ عَمْرو ﵁ ٢٤٠ - أخبرنا أبو عليٍّ الحدَّاد ﵀، أخبرنا أبو طاهر محمد بن أحمدَ بنِ عبد الرحيم، حدثنا أبو محمد عبد الله بن محمد بن جعفر، حدثنا محمدُ بنُ الحسين الطَّبْركي، حدثنا محمد بن عيسى الدَّامغاني، حدثنا سلمة بن الفضل الأنصاري، ح. وأخبرنا محمد بن الفضل بن أبي الحسن، وغير واحد فيما أذنوا لي، قالوا: أخبرنا أبو القاسم بن محمد، أخبرنا محمد بن محمد بن الحسن بن سليمان، أخبرنا عبد الله بن محمد بن جعفر، أخبرنا محمد بن الحسين، حدثنا إسماعيل بن توبة، حدثنا سلمة بن الفضل، عن محمد بن إسحاق، ح. وأخبرنا أبو علي أيضًا - فيما أُرَى -، حدثنا أبو نُعيم الحافظ، حدثنا حبيب بن الحسن، حدثنا محمد بن يحيى، حدثنا أحمد بن محمد بن أيوب، [عن] (١) إبراهيم بن سعد، عن محمد بن إسحاق قال: كان الطفيل بن عمرو [الدَّوْسي] (٢) ﵁ يُحدِّث أنَّه قَدِم مكَّةَ ورسول الله ﷺ بها، فمشى إليه رجال من قريش - وكان الطفيل رجلًا شريفًا شاعرًا لبيبًا - فقالوا له: يا طفيل، إنَّك قدِمْتَ بلادنا، وهذا الرجل الذي بين أَظْهُرِنا قد أعضَل بنا، وفرق جماعتنا، وشتت أمرنا، وإنما قوله كالسِّحْر، يُفرِّق به بين الرجل وبين أبيه، وبين الرجل وبين أخيه، وبين الرجل وبين زوجته، وإِنَّا نَخْشَى عليك وعلى قومك ما قد دخل علينا، فلا تُكَلِّمَنَّه، ولا تَسْمَعَنَّ منه.

стр. 858

قال: فوالله ما زالوا بي حتى أَجْمَعْتُ أن لا أسمع منه شيئًا ولا أُكَلِّمَه، حتى [حشَوْتُ] (١) في أذني حين غدوتُ إلى المسجد كُرْسُفًا فَرَقًا أَنْ يَبْلُغَنِي شيء من قوله، وأنا لا أريد أن أسمعه. فغدَوْتُ إلى المسجد، فإذا رسول الله ﷺ قائم يُصلّي عند الكعبة، قال: فقمت قريبًا منه، فأبى الله - تعالى - إلا أن يُسْمِعَني بعض قوله، قال: فسمعْتُ كلامًا حسنًا، فقلت في نفسي: واثْكُلَ أُمِّي، والله إنِّي لرجلٌ لَبِيبٌ شاعر، ما يَخْفَى عليَّ الحَسَنُ من القبيح، فما يَمْنَعُنِي أَنْ أسمعَ من هذا الرجل ما يقول، وإن كان الذي يأتي به حسَنًا قبلته، وإن كان قبيحًا تركته. قال: فمكَثْتُ حتى انصرف رسول الله ﷺ (٢) إلى بيته، فاتبعته، حتى إذا دخل بيته دخلت عليه، فقلت: يا محمد، إنَّ قومَك قد قالوا لي كذا وكذا - الذي قالوا - فوالله ما برحوا يُخوّفونني أمرك حتى سدَدْتُ أَذُنِيَّ بِكُرْسُفٍ؛ لئلا أسمع قولك، ثم أبى الله - تعالى - إلا أن يُسْمِعَنيه، فسمعت قولًا حسنًا، فاعرض عليَّ أمرك، فعرض رسول الله ﷺ علي الإسلام، وتلا علي القرآن، قال: فلا والله ما سمعتُ قطُّ قولًا أحسن منه، ولا أمرًا أعدل منه، فأسلمتُ، وشهِدْتُ شهادة الحق، وقلتُ: يا نبي الله، إِنِّي امْرُةٌ مُطاع في قومي، وإنِّي راجع إليهم فداعيهم إلى الإسلام، فادع الله أن يجعل لي آية تكون لي عَوْنًا عليهم فيما أدعوهم إليه، فقال: «اللهم اجعل له آية». قال: فخرجت إلى قومي، حتى إذا كنتُ بِثَنِيَّةٍ تُطْلِعُني على الحاضرين، وقع نور بين عينيَّ مِثْلُ المصباح، قال: قلت: اللهم في غير وجهي؛ فإنِّي أَخْشَى أَنْ يَظُنُّوا أَنَّها مُثْلةٌ وقعت في وجهي؛ لفراقي دينهم، قال: فتحول فوقع في رأس سوطي، فجعل أهل الحاضر يتراءَوْن ذلك النُّورَ في سَوْطي كالقنديل المعلق، وأنا أتهبط إليهم من الثَّنِيَّة، حتى جِئْتُهم فأصبحتُ فيهم.

стр. 859

فلما نزلتُ أتاني أبي - وكان شيخًا كبيرًا - فقلت: إليكَ عَنِّي يا أَبَةِ، فَلَسْتَ مِنِّي ولستُ منك، قال: لم يا بني؟! قلت: أسلمتُ، وتابعت دين محمد ﷺ ، قال: أي بُنيَّ، فَدِيني دِينُك، قال: قلتُ: فاذهَبْ يا أَبَةِ فَاعْتَسِلْ، وطَهِّرْ ثيابك، ثم تعال حتى أُعلِّمَكَ ما عَلِمْتُ، قال: فذهب واغتسل، وطهر ثيابه، ثم جاء، فعرَضْتُ عليه الإسلام، فأسلم. قال: ثم أتتني صاحبتي، فقلتُ لها: إليكِ عَنِّي، فلستُ منكِ ولست مِنِّي، قالت: لم - بأبي أنت وأمي؟! قال: قلتُ: فرق الإسلام بيني وبينك؛ أسلمتُ، وتابعت دين محمد ﷺ ، قالت: فديني دينك، قال: قلتُ لها: فاذهبي إلى حنا ذي الشَّرَى - وفي رواية أبي نُعيم: إلى حمى ذي الشَّرَى - فتطهري منه - وكان ذو الشرى صنمًا لِدَوْس، وكان الحنا حموه له، به وشَلٌ مِنْ ماءٍ يَهْبِط إليه من جبل - قالت بأبي أنتَ وأُمِّي، أتخشى علي الصبية - وفي رواية أبي نُعيم: أتخشى (١) علي الفتنة من ذي الشَّرى شيئًا؟ قال: قلتُ: لا، أنا ضامن لذلك، قال: فذهبَتْ فاغتسلت ثم جاءت، فعرَضْتُ عليها الإسلام، فأسلمت. ثم دَعَوْتُ دَوْسًا إلى الإسلام، فأبطؤوا عليَّ، فَجِئْتُ رسول الله ﷺ بمكة، فقلت: يا نبي الله، إنَّه قد غلبني على دوس في الرياء - كذا في رواية أبي عليّ عن أبي طاهر، وفي رواية أبي نُعيم: الرِّبا، وفي رواية أخرى: الزنا - فادع الله - تعالى - عليهم، فقال: «اللهُمَّ اهْدِ دَوْسًا»، ثم قال: «ارْجِعْ إلى قومك فادعهم إلى الله - تعالى -، وارفق بهم». قال: فرجَعْتُ إليهم، فلم أزَلْ بأرضِ دَوْسٍ أدعوهم إلى الله - تعالى - وإلى الإسلام، حتى هاجر رسول الله ﷺ إلى المدينة، ومضى بدر وأحدٌ والخندق، ثم قدِمْتُ على رسول الله ﷺ بمن أسلم معي من قومي، ورسول الله ﷺ بخيبر، فنزلت المدينة بسبعين أو ثمانين بيتًا من دوس، ثم لَحِقْنا برسول الله ﷺ بخيبر، فأسهم لنا مع المسلمين.

стр. 860

ثم لم نزَل مع رسول الله ﷺ ، حتى إذا فتح الله - تعالى - عليه مكَّةَ قلت: يا رسول الله، اِبْعَثْني إلى ذي الكَفَّين: صَنَمِ عَمْرِو بنِ حُمَمَة حتى أُحَرِّقَه، قال: فبعثني إليه فحَرَّقْتُه، فقال الطُّفيل بن عمرو في تحريقه صنم عَمْرِو بنِ حُمَمة - وفي رواية أبي نُعيم: وكان من خشب -: ياذا الكفين لستُ مِنْ عُبَّادِك … ميلادنا أقدم من ميلادك أنا حشَوْتُ النَّارَ في فؤادك وفي رواية أخرى: إنّي وجدتُ الله قد أهانك. قال: ثم رجع إلى رسول الله ﷺ ، فكان عنده بالمدينة. وقال الطفيل فيما كانت قريش حذَّرَتْه مِنْ رسول الله ﷺ حين قدم مكَّة قبل إسلامه: تُحذِّرُني محمَّدَها قريش … وما أنا بالمهين لدى الخصام ولا أخشى المقالة تَزْدَهيني … ولا يخفى عليَّ نَثا كلامي (١) ولا أنا مُفْحَمٌ فيقول علمي … ولا رِخْو الفرائص في مقامي فسوف لَعَمْرُكم أَبْلُوه حتى … أُبَيِّن ما احتيالي واغترامي وأعلم ما يروم، وأي وجه … يَؤُمُّ بقوله، أو ما يُسامي فإِنْ يَكُ شاعرًا أو رام مُلْكًا … ففينا الشِّعر والمُلْك القُدَامي (٢) وإِنْ يَكُ مُرْسَلًا يُوحَى إليه … أجَبْنا المرسلين بلا اكتتام علانية، ولم نَرْهَبْ عَدُوًّا … ولم نَرْقُب صديقًا ذا حزام فقام إلى المقام وقمت منه … ومنهم حيث أنجو من ملام أصُدُّ إليهم عنه بوجهي … وسمعي حيث هَيْنَمَ في المقام فأبصَرْتُ الهدى، وسمعت قولًا … كريمًا، ليس من سجع الأنام وصدَّقْتُ الرَّسول، وهان قوم … عليَّ رَمَوْه بالبهت العظام

стр. 861

وقال الطفيل أيضًا في النُّور الذي رأى، ودعا به رسول الله ﷺ : ألا أَبْلِغْ لديك بني لُؤَيِّ … بأَجْمَعِها بأنَّ الله حق وفي رواية: ألا أَبْلِغْ لديك بني لُؤَيِّ … بأنَّ الله حق أي حق إله فوقنا عنَّا غَنِيٌّ … ويُنْزِلُ مِنْ سماء كُلَّ وَدْقِ يَشُقُّ الأرض للأشجار حتَّى … تَمكَّنَها البهائم أي شَقٌ ويسمع قولنا سِرًّا وجَهْرًا … ويعلَمُ كلَّ مُنْكَمِن بِأُفْقِ ويُحْصِي ما تُقَدِّمُ كلُّ نَفْسٍ … فَيَجْزِيها به وفقًا بِوَفْقِ له مِنَّا الحياة وحين تُقْضَى … وَمَرْجِعُنا إليه وكلّ خَلْقٍ وأن محمدًا عبد نبي … رسولُ الله أرسله بحق وخصه بالنبوة، وفي رواية: وشُرِّف بالنُّبوَّةِ، واصطفاه … وأَلْقَى عن وَتِينِهِ كلَّ وَسْقِ فإِنْ صدَّقْتُموه كأنَّ منكم … ومنهم أنتم إِنْ لم تَعُقُوا وإِنْ كَذَّبتموه كأنَّ منكم … شجي بين الوريد وبين حَلْقِ رأيتُ علامة والليل داج … على ظهر الطريق كضَوْء بَرْقِ علامة أحمد إذ سَالَ ربًّا … تَكُنْ لي آيةً مصداق صدق قال: فلما قبض الله رسوله ﷺ ، وارتدت العرب، خرج الطفيل مع المسلمين وسار معهم، حتى فرغوا من طليحة ومن أرض نجد كُلّها، ثم سار (١) مع المسلمين إلى اليمامة ومعه ابنه عَمْرُو بن الطُّفَيل، فرأى رُؤْيا وهو مُوَجِّه إلى اليمامة، فقال لأصحابه: إني قد رأيتُ رُؤْيا فاعْبُروها لي، رأيتُ أَنَّ رأسي حُلق، وأنه خرج من فمي طائر، وأنه لقيتني امرأة فأدخلتني في فَرْجِها، ورأيت ابني يطلبني طلبًا حثيثًا، ثم رأيته خنَس عَنِّي - وفي رواية: حبَس عَنِّي - قالوا: خيرًا، قال: أما والله فقد أوَّلْتُها، قالوا: وما ذاك؟ قال: أَمَّا حَلْقُ رأسي

стр. 862

فوضعه، وأما الطائر الذي خرج من فمي فروحي، وأما المرأة التي أدخلتني في فرجها، فالأرض تُحْفَرُ لي فأُغَيَّبُ فيها، وأما طلب ابني إياي أو حبسه عنِّي، فإني أراه سيَجْهَدُ أَنْ يُصِيبَه ما أصابني. فقُتِل الطفيل ﵁ شهيدًا باليمامة، وجُرح ابنه جراحًا شديدة، ثم استبل منها، ثم قُتِل عام اليرموك في زمان عمر ﵁ شهيدًا (١). هذا لفظ رواية سلمة من طريق الدامغاني، وهو حديثٌ حَسَنٌ، لا يُعْرَفُ إلا هكذا مُنْقَطِعُ الإسناد. وقوله (قد أعضل بنا) أي: أثقل، وضيق. و (أجمعت) أي: عزمت. والكُرْسُف: القُطن. قوله (وأنا أتهبط) كذا في الرّوايات، ولو كان: أَنْهَبِط، أو: أَهْبِط، لكان بمعناه. وقوله (هَيْنَم) أي: قرأ (٢). ويريد بـ (المقام) مقام إبراهيم ﵇. وقوله (رموه بالبهت العِظام) فالبَهْت: مصدر لا يتغيَّر في الواحد والجمع. وقوله (تمكَّنَها البهائم) أي: تَمْكُن منها، والمُتمكِّن: المُسْتَتِر. وقوله (وَفْقًا بوَفْق) معنى قوله تعالى: ﴿جَزَاءً وِفَاقًا﴾ [النبأ: ٢٦].

стр. 863

وقوله (وخصه بالنُّبوَّة (١) ضمة الهاء مُختلسةٌ غيرُ مُشْبَعةٍ، على لغةِ مَنْ قرأ: ﴿يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ [الزمر: ٧] بالاختلاس (٢). وكذا قوله (عن وَتِينه) باختلاس الكسرة في النُّون والهاء. و (سَالَ) على لغةِ مَنْ لا يَهْمِز، بمعنى: سأل. * * *

стр. 864

من حرف العين: مسند عبد الله بن مسعود ﵁ ٢٤١ - أخبرنا الأديب أبو عبد الله الحسين بن عبد الملك الخَلَّالُ ﵀ بقراءتي عليه، أخبرنا أبو المظفّر عبد الله بن شبيب المقرئ، حدثنا أبو عمر عبد الله بن أبي بكر بن عبد الوَهَّاب، حدثنا أبو الحسن أحمد بن محمد بن عمر اللنباني - واللفظ لروايته - حدثنا عبد الله (١) بن أحمد بن حنبل. وقرأت على الأديب أيضًا ﵀، أخبرنا مطيار بن أحمد، وشيبانُ بنُ عبد الله، ورجاء الدليلي، وغيرهم، قالوا: أخبرنا علي بن يحيى بن جعفر، حدثنا سليمان بن أحمد، حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، ومحمد بن عبد الله الحضرمي، وموسى بن هارون، قالوا: أخبرنا إسماعيل بنُ عُبَيدِ بن أبي كَرِيمة الحراني - قال عبد الله بن أحمد: أملاه علينا إملاء في دار كعب، قال: يعني ويكنى أبا أحمد - حدثني محمد بن سلمة، عن أبي عبد الرحيم خالد بن أبي يزيد، حدثني زيد بن أبي أنيسة، عن المنهال بن عمرو، عن أبي عُبيدة بن عبد الله، عن مسروق بن الأجدع، حدثنا عبد الله بن مسعود ﵁، عن النبي ﷺ . وبه، قال الطبراني: حدثنا علي بن عبد العزيز، حدثنا أبو غسَّانَ مالك بن إسماعيل النَّهْدي. قال علي بن عبد العزيز: وحدثنا أبو عُبَيد القاسم بن سلام، عن أبي غسَّانَ مالك بن إسماعيل. وأخبرنا محمَّد بن رَجاءِ وغيره - بقراءتي عليهما -، قالا: أخبرنا أحمد بن

стр. 865

أبي القاسم، أخبرنا أحمد بن موسى، حدثنا عبيد الله بن الحسن، وأحمد بن الحسن بن أيوب، قالا: حدثنا عباس بن محمد [ … ]، حدثنا أبو غسان مالك بن إسماعيل (١). حدثنا عبد السلام بن حرب، أخبرنا يزيد بن عبد الرحمن أبو خالد الدالاني، حدثنا المنهال بن عمرو، عن أبي عبيدة، عن مسروق، عن عبد الله بن مسعود ﵁. لم يرفعه ابنُ النُّعْمان (٢)، ولم يذكر الطَّبَراني رفعه ولا وقفه، ولكنه أضافه إلى الرواية المتقدمة، ح. وأخبرنا أبو منصور محمد بن عبد الله بنِ مَنْدُويَة إجازةً، أخبرنا أبو نُعَيم أحمد بن عبد الله إن لم يكن سماعًا، حدثنا أبو أحمد محمد بن أحمد القاضي، حدثنا إبراهيمُ بنُ السِّنْدي بن علي، حدثنا محمد بن عبد الله بن يزيد المقرئ، حدثنا أبي، حدثنا وَرْقاءُ بْنُ عَمْرٍو اليَشْكُرِيُّ، حدثني أبو طيبة، عن كرز بن وبرة، عن نُعيم بن أبي هند عن أبي عُبيدة بن عبد الله بن مسعود، عن أبيه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : يجمع الله ﵎ الأولين والآخرين لميقات يوم معلوم قيامًا أربعين سنةً، شاخصةً أبصارهم إلى السَّماء، ينتظرون فَصْلَ القضاء. قال: وينزل الله ﵎ في ظُلَل مِنْ الغَمام من العرش إلى الكرسي، ثم ينادي منادٍ: ألم ترضَوْا مِنْ ربِّكم الذي خلقكم ورزقكم، وأمركم أن تَعْبُدوه ولا تُشْرِكوا به شيئًا، أَنْ يُوَلِّيَ كلَّ ناس منكم ما كان يتولَّى ويَعْبُد في الدُّنيا، أليس ذلك عَدْلًا مِنْ رَبِّكُمْ ؟ قالوا: بلى، قال: [فلينطلق] (٣) كل

стр. 866

قوم [إلى] (١) ما كانوا (٢) يعبدون ويتولَّوْن في الدُّنيا، قال: فينطلقون، ويُمثّلُ لهم أَشْباهُ ما كانوا يَعْبُدُون، فمنهم من ينطلق إلى الشمس، ومنهم من ينطلق إلى القمر وإلى الأوثان من الحجارة وأشباه ما كانوا يعبدون، قال: ويُمثل لمن كان يَعْبُد عيسى شيطانُ عيسى، ويُمَثَلُ لمن كان يعبد عُزيرًا شيطان عُزير، ويَبْقَى محمد ﷺ وأُمَّتُه. وفي رواية كرز بن وبرة: قال: فينطلق من كان تَولَّى حجرًا أو عُودًا أو دابَّةً يَطْلبُه، فتَفِرُّ منهم آلهتهم، ويقولون: ما شعَرْنا بهذا، ويَتْبَعُ اليهود والنصارى وأصحاب الملائكةِ الشَّياطين الذين أمروهم بعبادتهم، فيسوقونهم حتى يُلقوهم في جهنم - وزاد أيضًا في روايته - ينتظرون فَصْلَ القضاء، حتى يُلْجِمَهُم العرقُ مِنْ شِدَّةِ الكَرْب. - رجعنا إلى روايتنا - قال: فيَتمثَلُ الرَّبُّ ﵎، فيأتيهم، فيقول لهم: ما لكم لا تَنْطَلِقون كما انطلق النَّاس؟ فيقولون: إنَّ لنا إلهًا، فيقول: وهل تعرفونه إن رأيتموه؟ فيقول: بيننا وبينه علامة إذا رأيناها عرفناها، فيقول: ما هي؟ قال: فيقولون: يَكْشِفُ عن ساقه، قال: فعند ذلك يَكْشِف عن ساقه، قال: فَيَخِرُّ كلُّ مَنْ كانَ لِظَهْرِه طبق، ويَبْقَى قوم ظهورهم كصياصي البقر - يعني: يريدون السجود فلا يستطيعون - وقد كانوا يُدْعَوْن إلى السُّجود وهم سالمون، ثم يقول: ارفعوا رؤوسكم قال: فيرفعون رؤوسهم، فيُعطيهم نورهم على قَدْرِ أعمالهم، فمنهم من يُعطى نورُه مِثْلَ الجبَل العظيم يَسْعَى بين يديه، ومنهم مَنْ يُعْطَى نوره أصغر من ذلك، ومنهم من يُعْطَى نوره كالنَّخْلة بيمينه، ومنهم من يُعْطَى نوره أصغر من ذلك، حتى يكونَ آخِرُهم رجلًا يُعْطَى نوره على إبهام قدمه، فيُضِيء مرَّةً ويُطْفِئُ مرَّةً، فإذا أضاء قدَّم قدمه فمشى، وإذا أُطْفِئ قام، قال: والرَّبُّ - تعالى - أمامهم، حتى يَمُرَّ في النَّار، ويبقى أثَرُه كَحَدٌ السَّيْف دَحْ مَزَلَّة.

стр. 867

قال: ويقول: مُرُّوا، فَيَمُرُّون على قَدْر نورهم منهم من يَمُرُّ كطرف العين، ومنهم من يمُرُّ كالبَرْق، ومنهم من يمُرُّ كالسحاب، ومنهم [من يمر] (١) كانقضاض الكوكب، ومنهم من يمُرُّ كالرِّيح، ومنهم (٢) من يمر كشَدّ الفرس، ومنهم من يمر كشَدّ الرّجل، حتى يمُرَّ الذي أُعْطِيَ نوره على إبهام قدمه، يحبو على وجهه ويدَيْه ورِجلَيْه تَخِرُّ يدٌ، وتَعْلَقُ يدٌ، وتَخِرُّ رِجْلٌ، وتُصيب جوانِبه النَّارُ، قال: فلا يزال كذلك حتى يَخْلُصَ، فإذا خَلُصَ وقف عليها، قال: الحمد لله، لقد أعطاني الله - تعالى - ما لم يُعْطِ أحدًا؛ إذ نجاني منها بعد إذ رأيتُها، فيُنْطلَقُ به إلى غدير عند باب الجنة فيغتسل. قال: فيعود إليه ريح أهل الجنَّة وألوانهم، ويرى ما في الجنَّة من خلال الباب، فيقول: يا رب أدخلني الجنة، فيقول الله ﵎ له: أتسأل الجنَّة وقد نجيتك من النار؟ فيقول: ربِّ اجعل بيني وبينها حِجابًا لا أسمع حَسِيسَها، قال: فيدخل الجنَّة، قال: ويرى - أو يرفع له - منزلًا أمام ذلك كأنما هو فيه إليه حلم، قال: فيقول: ربِّ أعطني ذلك المنزل، قال: فيقول له: فلعلك إِنْ أُعْطِيتَ تسأل غيره؟ قال: فيقول له: لا وعِزَّتِكَ لا أسأل غيره، وأيُّ منزل يكون أحسن منه! قال: فيُعطاه، فينزله، ويرى أمام ذلك منزلًا كأنما هو فيه إليه حلم، قال: رب أعطني ذلك المنزل، قال: فيقول الله ﵎ له: فلعلك إن أُعْطِيتَه تسأل غيره؟ فيقول: لا وعِزَّتِك لا أسألك غيره، وأي منزل يكون أحسن منه! قال: فيُعطاه، فينزله، قال: ويرى - أو يرفع له - أمام ذلك منزلًا آخر، كأنما هو فيه إليه حلم، قال: فيقول: ربِّ أعطني ذلك المنزل، فيقول الله ﵎ له: فلعلَّك إِنْ أُعْطِيتَه تسأل غيره؟ قال: لا وعِزَّتك، وأي منزل يكون أحسن منه! قال: فيُعْطاه، فيَنْزِله، قال: ثم يسكت فيقول الله ﵎ له: ما لَكَ لا تسأل؟ فيقول: ربِّ لقد سألتك حتى قد استحيَيْتُك، وأقسمت لك حتى قد

стр. 868

استحييتك، فيقول الله ﵎ له: ألم تَرْضَ أَنِّي أُعْطِيكَ مِثْلَ الدُّنيا منذُ يومِ خَلَقْتُها إلى يوم أفنَيْتُها وعشرة أضعافها؟ فيقول: أتستهزئ بي وأنتَ ربُّ العالمين! قال: فيضحك الرَّبُّ ﵎ من قوله». قال: فرأيت عبد الله بن مسعود ﵁ إذا بلغ هذا المكان من الحديث ضحك، قال: فقال له رجل: يا أبا عبد الرحمن، قد سمِعْتُك تُحدِّث هذا الحديث مِرارًا، كلَّما بلغتَ هذا المكان من هذا الحديث ضحِكْتَ؟ فقال (١): ابن مسعود ﵁: إني سمعْتُ رسول الله ﷺ يُحدِّث بهذا الحديث مرارًا كلَّما بلغ هذا المكان من هذا الحديث ضحِكَ حتى تبدو أضراسه. قال: فيقول الرَّبُّ ﵎: لا، ولكني على ذلك قادر، سَلْ، فيقول: رَبِّ الْحِقْني بالنَّاس، فيقول: الْحَقِّ النَّاس، فيَنْطَلِق يَرْمُل في الجنة، حتى إذا دنا من النَّاسِ رُفع له قصرٌ مِنْ دُرَّة، فيَخِرُّ ساجدًا، فيقال له: ارفع رأسك، ما لك؟ فيقول: رأيتُ ربِّي، أو تراءى لي ربي ، فيقول له: إنما هو منزل من منازلك، قال: ثم يَلْقَى رجلًا فيتهيَّأُ ليسجد فيقال له: مَه ما لك؟ فيقول: رُئِيتَ (٢) أنَّك ملَكُ من الملائكة، فيقول: إنَّما أنا خازن مِنْ خُزانك، عبد من عبيدك، تحت يدي ألف قَهرمان على مِثْل ما أنا عليه، قال: فينطلق أمامه حتى يفتح له القصر، وهو دُرَّةٌ مُجوّفة، سقائِفُها وأبوابها وأغلاقها ومفاتيحها منها، تستقبله جوهرة خضراء مُبطّنةٌ بحمراء، فيها سبعون بابًا، كلُّ بابٍ يُفضي إلى جوهرة غير لون الأخرى، في كل جوهرة [سُرر] (٣) وأزواج ووصائِفُ، أدناهنَّ حَوْراءُ عَيْناءُ، عليها سبعون حُلَّة، يُرَى مُخُ ساقِها من وراء حُلَلِها، كَبِدُها مراته، وكَبِدُه مِرْآتُها، إذا أعرض عنها إعراضةً ازدادَتْ في عينه سبعين ضعفًا عما كانت قبل ذلك، وإذا أعرضَتْ عنه إعراضة ازداد في عينها سبعين ضعفًا

стр. 869

عما كان قبل ذلك، فيقول لها: والله لقد ازددت في عيني سبعين ضعفًا، فتقول له: وأنتَ والله لقد ازدَدْتَ في عيني سبعين ضعفًا، قال: فيقال له: أَشْرِف، قال: فيُشْرِفُ، قال: فيُقال له: [مُلْكُكَ] (١) مسيرة [مئة] (٢) عام ينفذه بصرك». قال: فقال عمر ﵁: ألا تسمع إلى ما يُحدِّثنا ابنُ أَمِّ عَبْدٍ يا كعب عن أدنى أهل الجنَّة منزلةً، فكيف أعلاها؟! فقال كعب: يا أمير المؤمنين، ما لا عين رأت، ولا أذُنٌ سَمِعَتْ، إنَّ الله ﵎ خلق لنفسه دارًا، وجعل فيها ما شاء من الأزواج والثمرات والأشربة، ثم أطبقها، ثم لم يرها أحد مِنْ خَلْقِه، لا جبريل ولا غيره من الملائكة، قال: ثم قرأ كعب: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لهم﴾ الآية (٣). قال: وخلق دون ذلك جنتين زينهما بما شاء وأراهما من شاء من خلقه، ثم قال: فمن كان كتابه في عِلِّيِّين نزل تلك الدَّارَ (٤) التي لم يرها أحدٌ، حتى إِنَّ الرَّجل من أهل عليين ليخرُج فيَسير في مُلْكِه، فما تَبْقَى خيمةٌ مِنْ خِيام الجنَّةِ إلا دخلَها ضَوْءٌ مِنْ ضَوْء وجهه، ويستبشرون بريحه، ويقولون: واهًا لهذه الريح الطيبة! هذا رجلٌ مِنْ أهل عِلِّيِّين قد خرج يسير في مُلْكِه. فقال عمر ﵁: ويحك يا كعب، إنَّ هذا القلوب قد استرسَلَتْ فاقبضها، فقال كعب والذي نفسي بيده، إِنَّ لِجَهَنَّمَ يوم القيامة لزَفْرةً، ما مِنْ ملَكِ مُقرَّب، ولا نبي مُرسَلٍ إِلا يَخِرُّ لِركبتيه، حتى إنَّ إبراهيم خليل الله ليقول: ربِّ نَفْسي نَفْسي حتى لو كان لك عمل سبعين نبيًا إلى عملك، لظَنَنْتَ أَنَّكَ لَنْ تَنْجُو (٥).

стр. 870

أخبرنا بهذا الحديث كُلِّه أبو غالب أحمد بن العباس الكوشيذي، وأبو بكر محمد بن أبي القاسم القصَّارُ، وأبو الطَّيِّب طلحة بن الحسين بن أبي ذَرٍّ، وأبو القاسم إبراهيم بن عبد الواحد بن أبي ذَرِّ الصَّالحانِيَّان (١) ﵏ قراءة عليهم معًا سنة أربع وخمس مئة، قالوا: أخبرنا أبو بكر ابنُ رِيده، أخبرنا أبو القاسم الطبراني، حدثنا علي بن عبد العزيز، حدثنا أبو غسان مالك بن إسماعيل، بالإسناد الذي تقدم، ح. قال الطبراني: وحدثنا محمد بن النضر الأزدي، وعبد الله بن أحمد بن حنبل، ومحمد بن عبد الله الحضرمي، قالوا: حدثنا إسماعيل بن عُبيد، بإسناده المتقدم مرفوعًا مُسْنَدًا إلى رسول الله ﷺ ، ح. وقال الطبراني أيضًا: حدثنا الحسين بن إسحاق التُسْتَريُّ، حدثنا محمد بن عبد الله بن يزيد المقرئ، بإسناده الذي تقدم. وهذا حديث مشهور، له طرق سواه ثابتةٌ صحيحة عن ابن مسعود ﵁، وله شواهد عدلٍ من رواية غير ابن مسعود ﵃. ٢٤٢ - أخبرنا أبو غالب أيضًا، وأبو بكر، وطلحة، وإبراهيم، وجعفر بن عبد الواحد بن محمود، قالوا: أخبرنا أبو بكر بن ريده، أخبرنا الطبراني، حدثنا علي بن عبد العزيز، حدثنا حجاج بن المنهال، ح. وأخبرنا أبو علي الحسن بن أحمد الحداد ﵀، حدثنا أبو نعيم أحمد بن

стр. 871

عبد الله الحافظ،، ح. وأخبرنا أبو القاسم هبة الله بن محمد بن الحصين الشَّيْباني ببغداد، أخبرنا أبو عليّ بنُ المُذْهِب التَّمِيمي. قالا: حدثنا أبو بكر أحمد بن جعفر بن حَمْدان بن مالك، حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدثني أبي ﵁، حدثنا يزيد - يعني: ابن هارون ـ، وحدثنا عَفَّانُ، ح. وأخبرنا سعيد بن أبي الرَّجاء (١) الصيرفي، أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المُعَلِّمُ، أخبرنا عبيد الله بن يعقوب، أخبرنا جَدِّي إسحاق بن جميل، حدثنا أحمد بن منيع، حدثنا يزيد - هو: ابن هارون، ح. وأخبرنا أبو علي أيضًا، حدثنا أبو نعيم، حدثنا أبو عَمْرِو بْنُ حَمْدان، حدثنا الحسن بن سفيان، حدثنا هدبة بن خالد. قال أبو نعيم: وحدثنا أبو بكر الطلحي، حدثنا عبيد بن غَنَّام، حدثنا أبو بكر - يعني ابن أبي شيبة، حدثنا عفان، ح. قال أبو نُعيم: وحدثنا عبد الله بن محمد بن جعفر، ومحمد بن إبراهيم بن علي، قالا: حدثنا أبو يعلى الموصلي، حدثنا هدبة. قالوا: أخبرنا حماد بن سلمة، أخبرنا ثابت، عن أنسِ بن مالك، عن عبد الله بن مسعود به، عن رسول الله ﷺ قال: «آخِرُ مَنْ يدخُل الجنَّةَ رجل يمشي على الصراط، فهو يمشي مرَّةً، ويَكْبو مرَّة، وتَسْفَعُه النار مرة، فإذا جاوزها، التفت إليها فقال: تبارك الذي نجاني مِنْكِ، لقد أعطاني الله - تعالى - شيئًا ما أعطاه أحدًا من الأولين والآخرين. فتُرْفَعُ له شجرة، فيقول: أَيْ رَبِّ، أَدْنِنِي مِنْ هذه الشَّجرةِ؛ فَلِأَسْتَظِلَّ بظلها، وأشرب من مائها، فيقول الله ﵎: يا ابن آدم، فلعلي إذا أعطَيْتُكَها سألتني غيرها، فيقول: لا يا رب، ويُعاهِدُه أَنْ لا يسأله غيرها، قال: ورَبُّه - تعالى - يَعْذِرُه؛ لأنَّه يرى ما لا صبر له عليه - وفي بعض الروايات: والرَّبُّ

стр. 872

يعلم أنه سيسأله؛ لأنه يرى ما لا صبر له عليه - فيُدْنِيه منها، فيَسْتظِلُّ بِظُلّها ويشرب من مائها. ثمَّ تُرفَع له شجرة هي أحسنُ من الأولى، فيقول: أي ربِّ، هذهِ فَلِأَشْرِبَ من مائها وأَسْتظِلَّ بِظَلّها، لا أَسْأَلُك غيرها، فيقول: ابن آدم، أَلَمْ تُعاهدني أَنْ لا تسألني غيرها، لَعَلِّي إِنْ أَدْنِيتُكَ منها تسألني غيرها، فيُعاهده أَنْ لا يسأله غيرها، ورَبُّه يَعْذِرُه لأنه يرى ما لا صبر له عليه، فيدنيه منها، فيَسْتظِلُّ بظلها، ويشرب من مائها. ثمَّ تُرفعله شجرة عند باب الجنَّة، هي أحسنُ من الأوليين، فيقول: أي ربِّ، أَدْنِنِي مِنْ هذه، فلأستظل بظلها، وأشرب من مائها، لا أسألك غيرها، فيقول: يا ابن آدم، أَلَمْ تُعاهِدْني أنْ لا تسألني غيرها، فيُعاهِدُه أَنْ لا يسأله غيرها، وربُّه يَعْذِرُه لأنه يرى ما لا صبر له، فيدنيه منها، فيَسْمَع أصوات أهل الجنَّةِ، فيقول: أي ربِّ، أَدْخِلْنِيها، فيقول: يا ابن آدم، ما يَصْريني (١) منك؟ أيُرْضِيكَ أَنْ أُعْطِيَكَ الدُّنيا ومِثْلَها معها؟ فيقولُ: أي ربِّ، أَتَسْتَهْزِئُ مِنِّي وأنتَ رب العالمين!. فضحك ابن مسعود ﵁ فقال: ألا تَسْألوني مِمَّ أضحك؟ فقالوا: مِمَّ تضحك؟ فقال: هكذا ضَحِك رسولُ الله ﷺ ، فقال: «ألا تسألوني مِمَّ أضحك؟» فقالوا: مِمَّ تضحك يا رسول الله؟ فقال: «مِنْ ضَحِكِ ربِّ العالمين حين قال: أتَسْتَهْزِئُ مِنِّي وأنتَ ربُّ العالمين؟! فيقول: إِنِّي لا أستهزئ منك، ولكني على ما أشاء قادر» (٢).

стр. 873

هذا لفظ رواية أحمد عن عفان، ولفظ الآخرين نحوه. وهو حديث صحيح ثابت، أخرجه مسلم بن الحجاج في صحيحه، عن أبي بكر بن أبي شيبة هذا، عن عفان. ٢٤٣ - وأخبرنا أبو منصور محمد بن عبد الله بنِ مَنْدُويه، وأبو علي الحداد، قالا: حدثنا أبو نُعَيم الحافظ، حدثنا أبو بكر بن خلاد، حدثنا الحارث بن أبي أسامة، ح. وأخبرنا أبو علي أيضًا، حدثنا أبو نعيم، حدثنا محمد بن إبراهيم بن علي، وعبد الله بن محمَّدٍ، قالا: حدثنا أحمد بن عليّ أبو يَعْلَى. قالا: حدثنا أبو خيثمة زهير بن حرب، ح. قال أبو نُعيم: وحدثنا أبو أحمد محمَّدُ بنُ أحمد، حدثنا عبد الله بن محمد بن شيرويه، حدثنا إسحاق بن إبراهيم. قالا: حدثنا جَرِير، ح. وأخبرنا سعيد بن أبي الرَّجاء، أخبرنا عبد الواحد بن أحمد، أخبرنا عبيد الله بن يعقوب، أخبرنا جَدِّي، حدثنا أحمدُ بنُ مَنِيع، حدثنا الحسن بن موسى، والحُسَين بن محمد، قالا: حدثنا شَيْبان. قالا: عن منصور، عن إبراهيم، ح. وأخبرنا أبو علي، حدثنا أبو نُعَيم، حدثنا أبو بكر الطلحي، حدثنا عبيد بن غَنَّام، حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن عبيدة - يعني السَّلْماني -، عن ابن مسعود ﷺ قال: قال رسول الله ﷺ : «إِنِّي لأعلَمُ آخِرَ أهلِ النَّار خروجًا منها، وآخِرَ أهل الجنَّةِ دخولًا الجنة، رجل يخرج من النَّارِ حَبوًا، فيقول الله : اذْهَبْ وادخل

стр. 874

الجنَّة، فيَأْتيها فيُخَيَّلُ إليه أنَّها مَلْأَى، يقول: يا ربِّ، وَجَدْتُها مَلْأَى، فيقول الله : اِذْهَبْ فادخُل الجنَّة، فيأتيها فيُخيَّل إليه أنَّها مَلْأَى، قال: فيرجِعُ فيقول: يا ربِّ، وجَدْتُها مَلْأَى، قال: فيقول: اذهَبْ فَادخُل الجنَّة، فإِنَّ لكَ مِثْلَ الدُّنيا وعَشْرَةَ أمثالها - أو: إِنَّ لك عشرة أمثال الدنيا، قال: فيقول: أتَسْخَرُ بي - أو: تضحَكُ - وأنتَ المَلِك!». قال: لقد رأيتُ رسول الله ﷺ ضَحِك حتى بدَتْ نَواجِذُه، قال: فكان يقال: ذلك أَدْنَى أَهلِ الجنَّةِ منزلة (١). هذا لفظ رواية الحارث، وهو حديث (٢) صحيح، مُتَّفَقٌ على صحته، باتفاق محمَّد بن إسماعيل البخاري ومسلم بن الحجاج، وأبي عبد الله ابن ماجه، وأبي عيسى التّرْمِذيّ، وغيرهم من أئمة الحديث. أخرجه البخاري في صفة الجنَّة، وابن ماجه جميعًا عن عثمان بن أبي شيبة، عن جَرِير. وأخرجه البخاري أيضًا في التَّوحيد نازِلًا عن محمد بن خالد، عن عُبيد الله بن موسى، عن إسرائيل، عن منصور. فكأن شيوخي سمعوه من أصحاب البخاري. وأخرجه مسلم بن الحجاج عن عثمان أيضًا، وإسحاق بن إبراهيم هذا، عن جرير. وأخرجه أيضًا عن أبي بكر بن أبي شَيْبَةَ، وأبي كريب، عن أبي مُعاوية.

стр. 875

وكذلك أخرجه التَّرْمِذِيُّ عن هَنَّادٍ، عن أبي مُعاوية. ومِثْلُ هذا الحديث إذا رُوِي بمِثْلِ هذه الأسانيد الصحاح، من هذه الطُّرُقِ المشهورة، بنقل هؤلاء الأئِمَّة، يجب قبولها، وتَلَقِّيها بالإيمان به، اقتداءً بالسلف الماضين فيه، من غير إنكار له، ولا تَكلُّفٍ فيما ورد فيها من صفات الله - تعالى ـ، ولا تعسف في تأويله، فإِنَّ مَنْ مال فيه إلى تأويل لا يخلو إِمَّا أن يقول بعد ما تأوَّلَه عليه: إنَّه صفةٌ كصفات الخلق، فيكون قد شَبَّه، أو يقول: صفةٌ لا تُشْبِه صفاتِ الخلق، فليقله في ظاهره: إنَّه صفة له لا تُشْبِهُ صفات المخلوقين، كما أنَّه ليس كمِثْلِ ذاتِه شِبْه؛ لِيَسْلَمَ مِنْ التَّكَلُّفِ، ولا يَضِلَّ في التَّعسُّف. ثبتنا الله - تعالى - على طريق السلف الصالح، وأعاذنا مِنْ مُضِلَّات الأهواء، فإنَّه على ما يشاء قدير. * * * ٢٤٤ - أخبرنا الشيخ الصالح أبو بكر محمد بن أبي القاسم بن محمد القَصَّارُ المعروف بالقُرَاني - مِنْ محلَّتِنا هذه، وكان يُقال: إنَّه من الأبدال - بقراءة والدي عليه رَحِمَهُما اللهُ سنة خمس وخمس مئة، أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن أحمد بن إبراهيم التاني، أخبرنا أبو القاسم بن أحمدَ بنِ أَيُّوبَ الطبراني الحافظ، حدثنا أبو زيد عبد الرحمن بن حاتم المرادي، حدثنا نُعيم بن حمَّادِ المَرْوَزِيُّ، حدثنا أبو عمر، عن ابن لهيعة، عن عبدِ الوَهَّاب بن حسين، عن محمد بن ثابت، عن أبيه، عن الحارث، عن عبد الله ﵁، عن النبي ﷺ قال: «بين أذُنَي الدَّجَّالِ أربعون ذراعًا، وخَطْوُ حماره مسيرة ثلاثة أيام، يخوض البحر على حماره كما يخوض أحدُكم السَّاقية على فرسه، يقول: أنا ربُّ العالمين، وهذه الشمس تجري بإذني (١) [فتريدون أن أَحْبِسَهَا؟ فَيَحْبِسُ

стр. 876

الشَّمس حتى يجعل اليوم كالشهر والجمعة، ويقول: أتريدون أَنْ أُسَيِّرَها لكم؟ فيقولون: نعم، فيجعل اليوم كالساعة، وتأتيه المرأة فتقول: يا رب، أحْيِ ابني وأخي وزوجي، حتى إنها تعانق شيطانًا، وتنكح شيطانًا، وبيوتهم مملوءة شياطين، ويأتيه الأعراب فيقولون: يا ربَّنا أَحْيِ لنا غنمنا، وإبلنا، فيعطيهم شياطين أمثال غنَمِهم وإبلهم سواء بالسِّنِّ والسِّمَة، على حال ما فارقوها عليه، مكتنزة شحمًا، يقولون: لو لم يكن هذا ربَّنا لم يُحْي لنا موتانا من الإبل والغنم، ومعه جبل من مرقٍ، وعراق اللحم حارٌ لا يبرد، ونهر جار، وجبل من جنان وخضرة، وجبل من نار ودخان، يقول: هذه جنتي، وهذه ناري، وهذا طعامي، وهذا، شرابي، واليَسَعُ معه يُنْذِر الناس، ويقول: هذا المسيح الكذاب فاحذروه، لعنه الله، ويعطيه الله من السُّرْعة والخفة ما لا يلحقه الدَّجَّال، فإذا قال: أنا ربُّ العالمين، قال له الناس: كذَبْتَ، ويقول اليَسَعُ: صدق النَّاس، فيمرُّ بمكة فإذا هو بخلق عظيم، فيقول: من أنتم؟ فإنَّ هذا الدجال قد أتاك، فيقول: أنا ميكائيل، بعثني الله - تعالى - أن أمنعه من حرمه، ويمر بالمدينة فإذا هو بخلق عظيم فيقول: من أنت؟ هذا الدجال قد أتاك، فيقول: أنا جبريل، بعثني الله - تعالى - لأمنعه من حرم رسول الله ﷺ ، ويمر الدجال بمكة، فإذا رأى ميكائيل ولى هاربًا، ولا يدخل الحرم، فيصيح صيحة يخرج إليه من مكة كلُّ منافق ومنافقة، ثم يمُرُّ بالمدينة فإذا رأى جبريل ولى هاربًا، فيصيح صيحة فيخرج إليه من المدينة كلُّ منافق ومنافقة، ويأتي النذير إلى الجماعة التي فتح الله على أيديهم القسطنطينية، ومن تألف إليهم من المسلمين ببيت المقدس، يقولون: هذا الدَّجَّال قد أتاكم، فيقولون: اجلس فإنا نريد قتاله، فيقول: بل أرجع حتى أخبر الناس بخروجه، فإذا انصرف تناوله الدَّجَّالُ، ثم يقول: هذا الذي يزعم أنِّي لم أكن أَقْدِر عليه، فاقتلوه شر قتلة، فينشر بالمناشير، ثم يقول: إِنْ أنا أحيَيْتُه لكم تعلمون أني ربكم؟ فيقولون: قد نعلم أنَّك ربُّنا وأحبُّ إلينا نزداد يقينًا، فيقول: نعم، فيقوم بإذن الله - تعالى ـ، لا يأذن الله لنفس غيرها للدَّجَّال أَنْ يُحْيِيَها، فيقول: أليس قد أمَتُكَ ثم

стр. 877

أحيتك؟ فأنا ربُّك، فيقول: الآن ازدَدْتُ يقينًا، أنا الذي بشرني رسول الله ﷺ أنَّك تقتلني، ثم أحيا بإذن الله - تعالى -، لا يُحْيِي الله لك نفسًا غيري، فيضع على جلد النذير صفائح من نحاس فلا يَحِيك فيه شيء من سلاحهم، لا بِضَرْب سيف ولا سكّين ولا حجَرٍ إلا تحوَّل عنه، ولم يضُرَّه منه شيء، فيقول: اطرحوه في ناري، ويُحَوِّل الله على ذلك الجبل على النذير جنانا وخُضْرة، فيَشُدُّ النَّاس فيه، ويبادر إلى بيت المقدس، فإذا صعد على عقبة أفيق وقع ظله على المسلمين، فيوترون قسيهم لقتاله، فأقوى المسلمين يومئذ من برك باركًا، أو جلس جالسًا من الجوع والضعف، ويسمعون النداء: يا أيها الناس، قد أتاكم الغوث»] (١).

стр. 878

[ مسند عبد الله بن عباس (١)] ٢٤٥ - النيسابوري، أخبرنا عبد الله بن حامد، أخبرنا أبو محمد أحمد بن عبد الله المزني، حدثنا أبو الحسن محمد بن أحمد بن سهيل بن عليّ بنِ مِهْرانَ الباهلي بالبصرة، حدثني محمَّدُ بنُ زكريا البَصْري، حدثني شعيب بن واقد المزني. قالا: حدثنا القاسم بن بهرام، عن ليث، عن مجاهد، عن ابن عباس ﵄. قال ابن مهران: وحدثنا أبو مسعود عبد الرحمن بن فهد بن هلال، حدثني القاسم بن يحيى، عن أبي عليّ الغُبَري أو العنبري، عن محمد بن السائب، عن أبي صالح، عن ابن عباس ﵄ في قول الله : ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا *﴾ [الإنسان: ٧] قال: مرض الحسن والحسين ﵄، فعادهما جدهما رسول الله ﷺ ، وعادَهُما عامة العرب، فقالوا: يا أبا الحسن، لو نذَرْتَ على ولدَيْك نَذْرًا، وكلُّ نَذْرٍ لا يكون له وفاء فليس بشيء، فقال علي ﵁: إِنْ بَرِئا مما بهما صُمْتُ الله جلَّ ثَلاثة أيَّام شُكْرًا، وقالت فاطمة ﵂: إِنْ بَرِئ ولداي ممَّا بهما صُمْتُ الله - تعالى - ثلاثة أيام شُكرًا، وقالت جارية لهم، يقال لها: فِضَّة، نُوبِيَّةٌ: إِنْ بَرِئ سيداي مما بهما صمت الله ثلاثةَ أَيَّامٍ شُكرًا، فأُلْبِسَ الغلامان العافية، وليس عند آل محمد ﷺ قليل ولا كثير، فانطلق علي ﵁ إلى شمعون الخيبري - وكان يهوديًا - فاستقرض منه ثلاثة أضواع من شعير. وفي حديث المُزَني عن ابن مهران: فانطلق علي إلى جار له من اليهود

стр. 879

يُعالج الصُّوف، يقال له: شمعون بن جابا، فقال: هل لك أن تعطيني جَزَّةً مِنْ صوف تَغْزِلها لك بنت محمَّدٍ بثلاثةِ أصواعٍ من شعير؟ قال: نعم، فأعطاه، فجاء بالصُّوف والشعير، فأخبر فاطمة بذلك، فقبلت وأطاعت، فقامت فاطمة ﵂ إلى صاع فطحَنْتُه، واختبرته - وفي رواية أبي نَصْرٍ: واختبزَتْ منه خمسة أقراص، لِكُلِّ واحدٍ منهم قُرْص. وصلى علي ﵂ مع النَّبيِّ ﷺ المغرب، ثم أتى المنزل، فوضع الطعام بين يديه، إذ أتاهم مسكين فوقف بالباب، فقال: السَّلام عليكم أهل بيت محمد، مسكين من أولاد المسلمين - وفي رواية (١) أبي نَصْر: من مساكين المسلمين - أطعموني أطعمكم الله على موائد الجنَّة، فسمعه علي ﵁ فأنشأ يقول: أفاطم ذات المجد واليقين … يا بنت خير الناس أجمعين أما ترَيْنَ البائس المسكين … قد قام بالباب له خنين يشكو إلى الله ويستكين … يشكو إلينا الجائع الحزين كل امرئ بِكَسْبِه رَهِين زاد في رواية أبي نصر: وفاعل الخيرات يستبين … مَوْعِدُه جنَّةُ عليّين حرمها الله على الضَّنِين … وللبخيل موقف مُبين تَهْوي به النَّار إلى سجين … شرابه الحميم والغسلين فأجابته فاطمة ﵂: أمرك سمع لي وطاعة (٢) … ما بِيَ مِنْ لُؤم ولا [وضاعة] (٣) أُطْعِمُه ولا أبالي الساعة … أرجو إذا أُشْبِعَ مِنْ مجاعة أن ألحق الأخيار والجماعة … وأدخُلَ الخُلْدَ ولي شفاعة

стр. 880

قال: فأعطوه الطَّعام، ومكثوا يومَهُم وليلتهم لم يذوقوا إلا الماء. فلما كان اليوم الثاني، قامت فاطمة ﵂ إلى صاع فطحنته واختبرته، وصلى علي ﵁ مع النبي ﷺ يعني: ثم أتى - فوضع الطعام بين يَدَيْهِ إِذْ أتاهم يتيم، فوقف بالباب فقال: السَّلام عليكم أهل بيت محمد، يتيم من أولاد المهاجرين استشهد والدي يوم العقبة، أطْعِموني أطعمكم الله على موائد الجنَّة، فسمعه علي ﵁ فأنشأ يقول: فاطمَ بنتَ السَّيِّد الكريم … بنت نبي ليس بالزنيم قد جاءنا الله بذا اليتيم … مَنْ رَحِم اليوم فهو رحيم (١) قد حُرِّم الخُلْدُ على اللئيم … يَزِلُّ في النار إلى الجحيم شرابه الصديد والحميم (٢) فقالت فاطمة ﵂: أُطْعِمُه اليوم ولا أبالي وأُوثِرُ الله على عيالي أمسَوْا جِياعًا وهم أشبالي يَكفيني الرحمن ذو الجلال فأعطوه الطعام، فمكثوا يومين وليلتين ولم يذوقوا إلا الماء. فلما كان في اليوم الثالث قامت فاطمة ﵂ إلى الصاع الباقي، فطحنته واختبرته، وصلى علي ﵁ مع النبي ﷺ ، ثم أتى المنزل ووضع الطعام بين يديه، فأتاهم أَسِيرٌ، فوقف بالباب فقال: السَّلام عليكم أهل بيت النبوة، تأسروننا وتَشُدُّوننا، ولا تُطْعِمُوننا! أَطْعِموني؛ فإنِّي أسير محمد ﷺ ، فأنشأ علي ﵁ يقول: فاطم يا بنتَ النَّبيِّ أحمد … بنتَ النَّبي السيد المسود هذا أسير للنبي المهتد … مُثقّل في غلّه مُقيَّد يشكو إلينا الجوع قد تمدد … من يُطْعِم اليوم يجده في غد
следующие страницы →