← Книги сунны

Книги сунны · id 30195

الطوالات - لأبي موسى المديني

أبو موسى المديني

Полный текст (962 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

الشَّمس حتى يجعل اليوم كالشهر والجمعة، ويقول: أتريدون أَنْ أُسَيِّرَها لكم؟ فيقولون: نعم، فيجعل اليوم كالساعة، وتأتيه المرأة فتقول: يا رب، أحْيِ ابني وأخي وزوجي، حتى إنها تعانق شيطانًا، وتنكح شيطانًا، وبيوتهم مملوءة شياطين، ويأتيه الأعراب فيقولون: يا ربَّنا أَحْيِ لنا غنمنا، وإبلنا، فيعطيهم شياطين أمثال غنَمِهم وإبلهم سواء بالسِّنِّ والسِّمَة، على حال ما فارقوها عليه، مكتنزة شحمًا، يقولون: لو لم يكن هذا ربَّنا لم يُحْي لنا موتانا من الإبل والغنم، ومعه جبل من مرقٍ، وعراق اللحم حارٌ لا يبرد، ونهر جار، وجبل من جنان وخضرة، وجبل من نار ودخان، يقول: هذه جنتي، وهذه ناري، وهذا طعامي، وهذا، شرابي، واليَسَعُ معه يُنْذِر الناس، ويقول: هذا المسيح الكذاب فاحذروه، لعنه الله، ويعطيه الله من السُّرْعة والخفة ما لا يلحقه الدَّجَّال، فإذا قال: أنا ربُّ العالمين، قال له الناس: كذَبْتَ، ويقول اليَسَعُ: صدق النَّاس، فيمرُّ بمكة فإذا هو بخلق عظيم، فيقول: من أنتم؟ فإنَّ هذا الدجال قد أتاك، فيقول: أنا ميكائيل، بعثني الله - تعالى - أن أمنعه من حرمه، ويمر بالمدينة فإذا هو بخلق عظيم فيقول: من أنت؟ هذا الدجال قد أتاك، فيقول: أنا جبريل، بعثني الله - تعالى - لأمنعه من حرم رسول الله ﷺ ، ويمر الدجال بمكة، فإذا رأى ميكائيل ولى هاربًا، ولا يدخل الحرم، فيصيح صيحة يخرج إليه من مكة كلُّ منافق ومنافقة، ثم يمُرُّ بالمدينة فإذا رأى جبريل ولى هاربًا، فيصيح صيحة فيخرج إليه من المدينة كلُّ منافق ومنافقة، ويأتي النذير إلى الجماعة التي فتح الله على أيديهم القسطنطينية، ومن تألف إليهم من المسلمين ببيت المقدس، يقولون: هذا الدَّجَّال قد أتاكم، فيقولون: اجلس فإنا نريد قتاله، فيقول: بل أرجع حتى أخبر الناس بخروجه، فإذا انصرف تناوله الدَّجَّالُ، ثم يقول: هذا الذي يزعم أنِّي لم أكن أَقْدِر عليه، فاقتلوه شر قتلة، فينشر بالمناشير، ثم يقول: إِنْ أنا أحيَيْتُه لكم تعلمون أني ربكم؟ فيقولون: قد نعلم أنَّك ربُّنا وأحبُّ إلينا نزداد يقينًا، فيقول: نعم، فيقوم بإذن الله - تعالى ـ، لا يأذن الله لنفس غيرها للدَّجَّال أَنْ يُحْيِيَها، فيقول: أليس قد أمَتُكَ ثم

стр. 877

أحيتك؟ فأنا ربُّك، فيقول: الآن ازدَدْتُ يقينًا، أنا الذي بشرني رسول الله ﷺ أنَّك تقتلني، ثم أحيا بإذن الله - تعالى -، لا يُحْيِي الله لك نفسًا غيري، فيضع على جلد النذير صفائح من نحاس فلا يَحِيك فيه شيء من سلاحهم، لا بِضَرْب سيف ولا سكّين ولا حجَرٍ إلا تحوَّل عنه، ولم يضُرَّه منه شيء، فيقول: اطرحوه في ناري، ويُحَوِّل الله على ذلك الجبل على النذير جنانا وخُضْرة، فيَشُدُّ النَّاس فيه، ويبادر إلى بيت المقدس، فإذا صعد على عقبة أفيق وقع ظله على المسلمين، فيوترون قسيهم لقتاله، فأقوى المسلمين يومئذ من برك باركًا، أو جلس جالسًا من الجوع والضعف، ويسمعون النداء: يا أيها الناس، قد أتاكم الغوث»] (١).

стр. 878

[ مسند عبد الله بن عباس (١)] ٢٤٥ - النيسابوري، أخبرنا عبد الله بن حامد، أخبرنا أبو محمد أحمد بن عبد الله المزني، حدثنا أبو الحسن محمد بن أحمد بن سهيل بن عليّ بنِ مِهْرانَ الباهلي بالبصرة، حدثني محمَّدُ بنُ زكريا البَصْري، حدثني شعيب بن واقد المزني. قالا: حدثنا القاسم بن بهرام، عن ليث، عن مجاهد، عن ابن عباس ﵄. قال ابن مهران: وحدثنا أبو مسعود عبد الرحمن بن فهد بن هلال، حدثني القاسم بن يحيى، عن أبي عليّ الغُبَري أو العنبري، عن محمد بن السائب، عن أبي صالح، عن ابن عباس ﵄ في قول الله : ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا *﴾ [الإنسان: ٧] قال: مرض الحسن والحسين ﵄، فعادهما جدهما رسول الله ﷺ ، وعادَهُما عامة العرب، فقالوا: يا أبا الحسن، لو نذَرْتَ على ولدَيْك نَذْرًا، وكلُّ نَذْرٍ لا يكون له وفاء فليس بشيء، فقال علي ﵁: إِنْ بَرِئا مما بهما صُمْتُ الله جلَّ ثَلاثة أيَّام شُكْرًا، وقالت فاطمة ﵂: إِنْ بَرِئ ولداي ممَّا بهما صُمْتُ الله - تعالى - ثلاثة أيام شُكرًا، وقالت جارية لهم، يقال لها: فِضَّة، نُوبِيَّةٌ: إِنْ بَرِئ سيداي مما بهما صمت الله ثلاثةَ أَيَّامٍ شُكرًا، فأُلْبِسَ الغلامان العافية، وليس عند آل محمد ﷺ قليل ولا كثير، فانطلق علي ﵁ إلى شمعون الخيبري - وكان يهوديًا - فاستقرض منه ثلاثة أضواع من شعير. وفي حديث المُزَني عن ابن مهران: فانطلق علي إلى جار له من اليهود

стр. 879

يُعالج الصُّوف، يقال له: شمعون بن جابا، فقال: هل لك أن تعطيني جَزَّةً مِنْ صوف تَغْزِلها لك بنت محمَّدٍ بثلاثةِ أصواعٍ من شعير؟ قال: نعم، فأعطاه، فجاء بالصُّوف والشعير، فأخبر فاطمة بذلك، فقبلت وأطاعت، فقامت فاطمة ﵂ إلى صاع فطحَنْتُه، واختبرته - وفي رواية أبي نَصْرٍ: واختبزَتْ منه خمسة أقراص، لِكُلِّ واحدٍ منهم قُرْص. وصلى علي ﵂ مع النَّبيِّ ﷺ المغرب، ثم أتى المنزل، فوضع الطعام بين يديه، إذ أتاهم مسكين فوقف بالباب، فقال: السَّلام عليكم أهل بيت محمد، مسكين من أولاد المسلمين - وفي رواية (١) أبي نَصْر: من مساكين المسلمين - أطعموني أطعمكم الله على موائد الجنَّة، فسمعه علي ﵁ فأنشأ يقول: أفاطم ذات المجد واليقين … يا بنت خير الناس أجمعين أما ترَيْنَ البائس المسكين … قد قام بالباب له خنين يشكو إلى الله ويستكين … يشكو إلينا الجائع الحزين كل امرئ بِكَسْبِه رَهِين زاد في رواية أبي نصر: وفاعل الخيرات يستبين … مَوْعِدُه جنَّةُ عليّين حرمها الله على الضَّنِين … وللبخيل موقف مُبين تَهْوي به النَّار إلى سجين … شرابه الحميم والغسلين فأجابته فاطمة ﵂: أمرك سمع لي وطاعة (٢) … ما بِيَ مِنْ لُؤم ولا [وضاعة] (٣) أُطْعِمُه ولا أبالي الساعة … أرجو إذا أُشْبِعَ مِنْ مجاعة أن ألحق الأخيار والجماعة … وأدخُلَ الخُلْدَ ولي شفاعة

стр. 880

قال: فأعطوه الطَّعام، ومكثوا يومَهُم وليلتهم لم يذوقوا إلا الماء. فلما كان اليوم الثاني، قامت فاطمة ﵂ إلى صاع فطحنته واختبرته، وصلى علي ﵁ مع النبي ﷺ يعني: ثم أتى - فوضع الطعام بين يَدَيْهِ إِذْ أتاهم يتيم، فوقف بالباب فقال: السَّلام عليكم أهل بيت محمد، يتيم من أولاد المهاجرين استشهد والدي يوم العقبة، أطْعِموني أطعمكم الله على موائد الجنَّة، فسمعه علي ﵁ فأنشأ يقول: فاطمَ بنتَ السَّيِّد الكريم … بنت نبي ليس بالزنيم قد جاءنا الله بذا اليتيم … مَنْ رَحِم اليوم فهو رحيم (١) قد حُرِّم الخُلْدُ على اللئيم … يَزِلُّ في النار إلى الجحيم شرابه الصديد والحميم (٢) فقالت فاطمة ﵂: أُطْعِمُه اليوم ولا أبالي وأُوثِرُ الله على عيالي أمسَوْا جِياعًا وهم أشبالي يَكفيني الرحمن ذو الجلال فأعطوه الطعام، فمكثوا يومين وليلتين ولم يذوقوا إلا الماء. فلما كان في اليوم الثالث قامت فاطمة ﵂ إلى الصاع الباقي، فطحنته واختبرته، وصلى علي ﵁ مع النبي ﷺ ، ثم أتى المنزل ووضع الطعام بين يديه، فأتاهم أَسِيرٌ، فوقف بالباب فقال: السَّلام عليكم أهل بيت النبوة، تأسروننا وتَشُدُّوننا، ولا تُطْعِمُوننا! أَطْعِموني؛ فإنِّي أسير محمد ﷺ ، فأنشأ علي ﵁ يقول: فاطم يا بنتَ النَّبيِّ أحمد … بنتَ النَّبي السيد المسود هذا أسير للنبي المهتد … مُثقّل في غلّه مُقيَّد يشكو إلينا الجوع قد تمدد … من يُطْعِم اليوم يجده في غد

стр. 881

عِنْدَ العَلِيِّ الوَاحِدِ المُوَحَّدِ … مَا يَزرَعُ الزَّارِعُ سَوفَ يَحصُد زاد أبو نصر في روايته: فَأَطعِمي من غَيرِ مَنْ أَنكَد … حَتَّى نُجَازَى بِالَّذِي لَا يَنفَد فقالت فاطمة ﵂: لَم يَبقَ مِمَّا جِئتَ غَيرُ صَاع … قَدْ دَمِيَت كَفِّي مِنَ الذِّرَاع ابنايَ وَاللهِ مِنَ الجِيَاع … أَبُوهُمَا فِي المَكرُمَاتِ سَاع يَصطَنِعُ المَعرُوفَ بِابتِدَاع … عَبْلَ الذِّرَاعَينِ (١)، شَدِيدُ البَاع يَا رَبِّ لَا تَترُكهُمَا ضَيَاع قال: فأعطوه الطعام، ومكثوا ثلاثة أيام ولياليها لم يذوقوا إلا الماء. فلما كان في اليوم الرابع، وقد قضَوْا نَذْرَهم، أخذ على ﵁ الحسن ﵁ بيمناه، والحسين ﵁ بيسراه، وأقبل نَحْوَ رسول الله ﷺ ، وهم يرتعشون كالفراخ من شدة الجوع، فلما أبصر ما بهم النَّبِيُّ ﷺ (٢) قال: «يا أبا الحسن، ما أشد ما يسوؤني ما بكم؟! انطلقوا» يعني: إلى فاطمة ﵂، فانطلقوا إليها وهي في محرابها، قد لصق بطنها بظهرها من شِدَّة الجوع، وغارت عيناها، فلما رآها النَّبيُّ ﷺ قال: واغوثاه بالله، أهل بيت محمد يموتون جوعًا! فهبط جبريل ﵇ فقال: يا محمد خُذْ، هناك الله في أهل بيتك، قال: وما أخُذُ يا جبريل؟ فأقرأه: ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا (٩)﴾ الآيات (٣)، هذا لفظ رواية جعفر. وفي رواية الآخر: قال: فوثب النَّبيُّ ﷺ حتى دخل على فاطمة ﵂،

стр. 882

فلما رأى ما بهم انكب عليهم يبكي، ثم قال لهم: «أنتم منذ ثلاث فيما أرى وأنا غافل؟!» فهبط جبريل ﵇ بهذه الآية (١). هذا حديث غريب جدًا. وروي عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس: أَنَّ عليًا ﵃ آجر نفسه ليلةٌ يَسْقِي النَّخْل بشيء من الشعير معلوم، فلما أصبح أتى به فاطمة، وذكر به نحوه. وروى الضحاك، عن ابن عباس ﵄ بنحو من هذه القصة بزيادات فيه، من غير ذكر الشَّعْر. وكذلك رُوي عن زيد بن أرقم، وكلها غرائب. والخنين - بالخاء المعجمة -: صوت الباكي. ٢٤٦ - أخبرنا الإمام أبو طاهر عبد الكريم بنُ عبدِ الرَّزَّاقِ الحَسْناباذي بقراءتي عليه ﵀، أخبرنا أبو الفتح منصور بن الحسين بن علي بن القاسم، أخبرنا أبو بكرٍ محمَّد بن إبراهيم بن المقرئ، أخبرنا إسحاق بن جميل. وأخبرنا أبو الفرج سعيد بن أبي الرَّجاء الصَّيْر في ﵀، أخبرنا أبو أحمد عبد الواحد بن أحمد المُعَلِّم، أخبرنا عُبَيد الله بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم بن جميل، أخبرنا جَدِّي، حدثنا أحمد بن منيع بن عبد الرحمن، ح. وأخبرنا سعيد هذا - فيما أُرَى -، أخبرنا أبو العباس أحمد بن محمد بن

стр. 883

النعمان، أخبرنا أبو بكر بن المقرئ، أخبرنا إسحاق بن أحمد بن نافع الخزاعي بمكة، حدثنا محمد بن يحيى بن أبي عُمر العدني. قالا: حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا أصبغ بن زيد الجهني، حدثنا القاسم بن أبي أيُّوبَ، حدثنا سعيد بن جبير (١) قال: سألت عبد الله بن عباس ﵄ عن قول الله ﵎ لموسى عليه ﵇: ﴿وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا﴾ [طه: ٤٠] فسألته عن الفتون؟ فقال: اِسْتأنف النَّهارَ يا بنَ جُبَير، فإنَّ لها حديثًا طويلًا، قال: فغدَوْتُ على ابن عباس ليتنجز ما وعدني من حديث الفتون، فقال: تذاكر فرعون وجلساؤه ما كان الله وعد إبراهيم ﵇ من أن يجعل في ذُرِّيته أنبياء وملوكًا، فقال بعضهم: إنَّ بني إسرائيل لينتظرون ذلك، ما يَشُكُون فيه، وقد كانوا يظُنُّون أنَّه يوسف بن يعقوب ﵇، فلما هلك قالوا: ليس هكذا كان وعد الله إبراهيم، قال فرعون: فكيف ترَوْن؟ قال: فائتمروا، وأجمعوا أمرهم على أن يبعث رجالًا معهم الشفار، يطوفون في بني إسرائيل، فلا يجدون مولودًا ذكرًا إلا ذبحوه، ففعلوا ذلك، فلما رأوا أنَّ الكبار من بني إسرائيل يموتون بآجالهم والصغارَ يُذْبَحون، قال: تُوشِكون أن تُفْنُوا بني إسرائيل، فتصيرون إلى أَنْ تُبَاشِروا من الأعمال والخدمة التي كانوا يَكْفُونكم، فاقتلوا عامًا كل مولود ذكَرٍ فَيَقِلَّ نباتهم، ودَعُوا عامًا فلا تقتلوا منهم أحدًا فيَشِبَّ الصغار مكانَ مَنْ يموت من الكبار، فإنَّهم لن يكثروا بمن تستحيون وتخافون مكاثرتهم إيَّاكم، ولن يَفْنَوْا بِمَنْ تقتلون فتحتاجون إليهم، فأجمعوا أمرهم على ذلك. فحملت أم موسى بهارون في العام الذي لا يُذبح فيه الغلمان، فولدته علانية آمنة، فلما كان من قابل حملتْ بموسى، فوقع في قلبها من الهم والحزن، فذلك من الفتون يا ابنَ جُبَير، مادخل عليه في بطن أُمِّه مِمَّا يُراد به، فأوحى الله إليها أَنْ: ﴿لَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص: ٧] وأمرها إذا ولدت أن تجعله في التابوت، ثمَّ تُلْقِيَه في

стр. 884

اليم، فلما ولدته فعلت ذلك به، فألقته في اليم، فلما توارى عنها ابنها أتاها الشَّيطان، فقالت في نفسها: ما فعلتُ بابني! لو لَبِثَ عندي فوارَيْتُه وكَفَّنْتُه كان أحبَّ إليَّ مِنْ أَنْ أُلْقِيَه بيدي إلى دواب البحر وحيتانه. فانتهى الماءُ به (١) حتى أرفًا به عند فُرْضة مُسْتقَى جواري امرأة فرعون، فلما رأينَه أَخَذْنَه، فهمَمْنَ أن يفتَحْنَ التَّابوت، فقال بعضُهنَّ: إِنَّ في هذا مالًا، وإِنَّا إِنْ فتَحْناه لم تُصدِّقنا امرأة الملك بما وجَدْنا فيه، فحملنه بهيئته لم يُحرِّكن منه شيئًا، حتى دفَعْنَه إليها، فلما فتحته رأت فيه غلامًا، فأُلْقِي عليها منه محبةً لم يُلْقَ مِثْلُها على أحد من البشر قط. وأصبح فؤاد أم موسى فارغًا مِنْ ذِكْرِ كلِّ شيء إلا من ذكر موسى، فلما سمع الذباحون بأمره أقبلوا بشفارهم إلى امرأة فرعون ليذبحوه، وذلك من الفتون يا ابن جبير، فقالت للذباحين: أَقِرُّوه؛ فإنَّ هذا الواحد لا يزيد في بني إسرائيل، حتى آتي فرعون فأَسْتوهبه منه، فإن وهبه لي كنتُم قد أحسنتم وأجمَلْتُم، وإِنْ أمر بذَبْحِه لم ألمْكُم، فأَتَتْ به فرعون، فقالت: ﴿قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ﴾ [القصص: ٩] قال فرعون: يكون لكِ، فأمَّا لي فلا حاجة لي في ذلك، قال رسول الله ﷺ : «والذي يُحْلَف به، لو أقرَّ فرعون بأن يكونَ قُرَّةَ عَيْن له كما أقرَّتْ امرأته، لهداه الله - تعالى - به كما هد به امرأته، ولكنَّ الله - تعالى - حرمه ذلك». فأرسلت إلى من حولها من كلِّ امرأةٍ لها لبن تختار له ظئرًا، فجعل كلَّما أخذته امرأةٌ منهنَّ لِتُرْضِعَه لم يُقْبِلْ على ثديها، حتى أشفقت امرأة فرعون أن يمتَنِعَ مِنْ اللبن فيموت، فأحزنها ذلك، فأمرت به فأُخْرِجَ إلى السوق ومجتمع الناس؛ ترجو أن تجد له ظئرًا تأخذه منها، فلم يقبل، فأصبحَتْ أم موسى والها، فقالت لأخته: ﴿قُصِّيهِ﴾ [القصص: ١١] قُصِّي أثره واطلبيه، هل تسمعين له ذكرًا؟ أحي ابني أم قد أكله الدَّوابُّ؟ ونسِيَتْ ما كان الله وعدها فيه. ﴿فَبَصُرَتْ بِهِ﴾ أخته ﴿عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [القصص: ١١] والجنب:

стр. 885

أن يَسْمُوَ بصَرُ الإنسان إلى الشيء البعيد وهو إلى جَنْبِهِ لا يُشْعَر به، فقالت من الفرح حين أعياهم الطلب: أَنَا ﴿أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ﴾ [القصص: ١٢] فأخذوها، فقالوا: ما يُدْريكِ ما نُصْحُهم له؟ هل تعرفينه؟ حتى شكوا في ذلك، وذلك من الفتون يا ابن جبير، فقالت: نصيحتهم له وشفقتهم عليه: رغبتهم في صِهْر الملك، ورجاء منفعته، فأرسلوها (١). فانطلقت إلى أمها فأخبرتها الخبر، فجاءت أمه، فلما وضعته في حَجْرِها نَزَى إلى ثَدْيِها، فمَصَّه حتى امتلأ جَنْباه رِيًّا، وانطلق البُشَراءُ إلى امرأة فرعون: إِنَّا قد وجدنا لابنك ظهرًا، فأرسلت إليها، فأُتِيَتْ بها وبه، فلما رأت ما يصنع بها، قالت لها: أمْكُثِي عندي تُرْضِعين ابني هذا؛ فإنِّي لم أُحِبَّ حبَّه شيئًا قط، فقالت أم موسى: لا أستطيعُ أَنْ أدَعَ بيتي وولدي فيَضِيعَ، فإِنْ طَابَتْ نفسكِ أن تُعْطِينيه فأذهب به إلى منزلي، فيكون معي لا آلوه خيرًا، فعَلْتُ، وإلا فإنّي غير تاركة بيتي وولدي، وذكرت أم موسى ما كان الله - تعالى - وعدها، فتعاسرَتْ على امرأة فرعون، وأيقنَتْ بأنَّ الله - تعالى - مُنْجِزُ موعوده، فرجعت إلى بيتها بابنها من يومها. فأنبته الله - تعالى - نباتًا حسنًا، وحفظه لما قد قضى فيه، فلم يزل بنو إسرائيل وهم في ناحية القرية ممتنعين به مِنَ السُّخْرة ما كان فيهم، فلما ترعرع قالت امرأة فرعون لأم موسى: أَنْ تُرِيني ابني، فوعدتها يومًا تُرِينَها إِيَّاه فيه، فقالت امرأة فرعون لخزانها وظُؤَارتها وقَهارِمَتِها: لا يبقين أحد منكم إلا استقبل ابني اليوم بهديَّةٍ وكرامة؛ لأرى ذلك فيه، وأنا باعثة أمينًا يُحصي كل ما يصنع كلُّ إنسان منكم، فلم تزل الهدايا والكرامة والنِّحَلُ تستقبله من حين خرج من بيت أمه إلى أن دخل على امرأة فرعون، فلما دخل عليها نحلته وأكرمته وفرحَتْ به وأعجبها، ونحلَتْ أمه لحسن أثَرِها عليه، ثم قالت: لآتِيَنَّ به فرعون فلينحلَنَّه وليُكْرمِنَّه، فلما دخلت به عليه جعله في حجره، فتناول موسى لحية فرعون فمدَّها إلى الأرض، فقال الغُواة من أعداء الله - تعالى - لفرعون:

стр. 886

ألا ترى إلى ما وعد الله - تعالى - نبيه إبراهيم ﵇: إِنَّه يَرِثُك ويعلوك ويَصْرَعك، فأرسل إلى الذَّبَّاحين ليذبحوه، وذلك من الفتون يا ابنَ جُبَير، بعد كل بلاء ابتلي به وأُريد به فتونًا. فجاءت امرأة فرعون تسعى إلى فرعون، فقالت: ما بدا لك في هذا الغلام الذي وهَبْتَه لي؟ فقال: ألا ترَيْنَه؟ يزعم أنه سيصرَعُني ويعلوني، قالت: اجعل بيني وبينك أمرًا تَعْرِفُ فيه الحقَّ، ائت (١) بجمرتين ولؤلؤتين، فقربهما إليه، فإن بطش باللؤلؤتين واجتنب الجمرتين عرفت أنَّه يَعْقل، وإن تناول الجمرتين ولم يُرِدْ اللؤلؤتَيْن عَلِمْتَ أنَّ أحدًا لا يُؤْثِرُ الجمرتين على اللؤلؤتين وهو يعقل، فقرَّب ذلك إليه، فتناول الجمرتين فانتزعوهما منه، وخافَتْ أن تحرقا يديه، فقالت المرأة: ألا ترى؟ فصرفه الله - تعالى - عنه بعد ما كان قد هم به، وكان الله - تعالى - بالغًا فيه أمره. فلما بلغ أشُدَّه وصار من الرجال لم يكن أحد من آل فرعون يخلص إلى أحد من بني إسرائيل معه بِظُلْم ولا سُخرة، حتى امتنعوا كل الامتناع. فبينا موسى ﵇ يمشي في ناحية المدينة، إذا هو برجلين يقتتلان، أحدهما فِرعَوْني، والآخر إسرائيلي، فاستغاثه الإسرائيلي على الفِرْعَوْني، فغضب موسى ﵇ غضبًا شديدًا؛ لأنه تناوله وهو يعلم منزلة موسى من بني إسرائيل وحفظه لهم، لا يعلم النَّاسُ إلا إنما ذلك من الرضاع، إلا أم موسى، إلا أن يكون الله أطلع موسى من ذلك على ما لم يُطلع عليه غيره، فوكز موسى ﵇ الفرعوني فقتله، وليس يراهما أحد إلا الله والإسرائيلي، فقال موسى ﵇ حين قتل الرجل: ﴿هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ﴾ [القصص: ١٥] ثم قال: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [القصص: ١٦]، وأصبح في المدينة خائفًا يترقب الأخبار. فأُتِي فرعون فقيل: إنَّ بني إسرائيل قتلوا رجلًا من آل فرعون، فخُذْ لنا

стр. 887

بحقنا ولا تُرخّص لهم، فقال: ابغُوني قاتله ومن يشهد عليه، فإنَّ الملك وإن كان صَفْوه مع قومه، لم يقد بغير بينة ولا تبت، فانظروا في علم ذلك أخُذْ لكم بحقكم، فبينا هم يطلبون لا يجدون ثبتًا، إذا موسى ﵇ قد رأى من الغد ذلك الإسرائيلي يُقاتل رجُلًا من آل فرعون آخر، فاستغاثه الإسرائيلي على الفرعوني، فصادف موسى ﵇ له قد نَدِم على ما كان منه، وكَرِه الذي رأى، فغضب الإسرائيلي، وهو يريد أن يبطش بالفرعوني (١)، فقال للإسرائيلي بما فعل أمس واليوم: ﴿إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾ [القصص: ١٨] فنظر الإسرائيلي إلى موسى ﵇ بعد ما قال له ما قال فإذا هو غضبان كغضَبِه بالأمس الذي قتل به الفرعوني، فخاف أن يكون بعد ما قال له: ﴿إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾ [القصص: ١٨] أن يكون إيَّاه أراد، ولم يكن أراده، أرادَ الفِرْعوني، فخاف الإسرائيلي، فحاجز الفرعوني، فقال: ﴿يَامُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ﴾ [القصص: ١٩] وإنما قال ذلك مخافة أن يكون إياه أراد موسى أن يقتله، فتتاركا. وانطلق الفرعوني إلى قومه، فأخبرهم بما سمع من الإسرائيلي من الخبر يقول: ﴿أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ﴾ فأرسل فرعونُ الذَّبَّاحين ليقتلوا موسى، فأخذ رسُلُ فرعونَ الطَّريقَ الأعظم، يمشون على هينتهم يطلبون موسى، وهم لا يخافون أن يفوتهم، فجاء رجلٌ مِنْ شيعة موسى من أقصى المدينة، فاختصر طريقًا قريبًا حتى سبقهم إلى موسى، فأخبره الخبر، وذلك من الفتون يا ابن جبير. فخرج موسى ﵇ متجهًا نحو مَدينَ، لم يَلْقَ بلاء قبل ذلك، وليس له عِلْمٌ بالطريق، إلا حُسْنُ الظَّنِّ بِرَبِّه ، فإنه ﴿قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ * وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ﴾ [القصص: ٢٢ - ٢٣] يعني بذلك: حابستين غنمهما، فقال لهما ﴿مَا خَطْبُكُمَا﴾ [القصص: ٢٣] معتزلتين لا تَسْقِيان مع الناس؟ قالتا: ليس لنا قُوَّةٌ نُزاحِم القومَ، وإنما ننتظر فُضول حياضهم ﴿فَسَقَى لَهُمَا﴾ [القصص: ٢٤]

стр. 888

فجعل يغرف بالدلو ماءً كثيرًا، حتى كانتا أوَّلَ الرّعاء فراغًا، فانصرفتا بغنمهما إلى أبيهما، وانصرف موسى ﵇ فاستظل بشجرة، وقال: ﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ [القصص: ٢٤]. فاستنكر أبوهما سُرْعَةَ صَدْرِهما بغنَمِهما حُفَلًا بطانًا، فقال: إنَّ لكما اليوم لشأنًا، فأخبرتاه بما صنع موسى، فأمر إحداهما أن تدعوه له، فأتَتْ موسى فدعَتْه، فلما كلَّمه ﴿قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [القصص: ٢٥] ليس لفرعون ولا لقومه علينا سلطان، ولسنا في مملكته، قال: فقالت إحداهما: ﴿يَاأَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ [القصص: ٢٦] (١) فاحتملته الغَيْرةُ على أن قال: وما يُدْرِيكِ ما قُوَّتُه؟ وما أمانته؟ قالت: أما قُوَّتُه: فما رأيت منه في الدلو حين سقى لنا، لم أرَ رجُلًا قط أقوى في ذلك السقي منه، وأما أمانته: فإنه نظر إليَّ حين أقبَلْتُ إليه وشخَصْتُ له، فلما عَلِم أنِّي امرأة صوب رأسه، فلم يرفعه ولم ينظر إليَّ حتى بلغته رسالتك، ثم قال لي: اِمْشِي خَلْفي وانعَتِي لي الطريق، فلم يفعل هذا إلا وهو أمين، فسُرِّي عن أبيها وصدقها، وظن به الذي قالت. فقال له: هل لك إلى ﴿أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [القصص: ٢٧] وكانت على نبي الله موسى ﵇ ثمان سنين واجبة، وكانت سنتان عِدَةً منه، فقضى الله - تعالى - عنه عدتَه، فأتمها عَشْرًا. قال سعيد: فلقيني رجل من أهل النصرانية من علمائهم، فقال: هل تدري أي الأجلين قضى موسى - وأنا يومئذ لا أدري -؟ فَلَقِيتُ ابن عباس ﵄ فذكرت ذلك له، فقال: أما علِمْتَ أنَّ ثمانية كانت على نبي الله ﷺ واجبةً لم يكن نبي الله لينقص منها شيئًا، ويعلم أنَّ الله كان قاضيًا عن موسى عِدَتَه التي وعد، فإنه قضى عشر سنين، فلقيت النصراني، فأخبرته بذلك، فقال: الذي سألته فأخبرك أعلم منك بذلك؟ قلتُ: أَجَلْ وأَوْلى.

стр. 889

فلما سار موسى ﵇ بأهله، كان مِنْ أَمْرِ النَّار ما قص الله - تعالى - عليكَ في القرآن، وأَمْرِ العصا ويده، فشكا إلى ربه و ما يَتَخوَّفُ مِنْ آل فرعون في القتيل، وعُقْدةَ لسانه، فإنه كان في لسانه عُقْدةٌ تمنعه من كثير من الكلام، وسأل ربه أن يُعينه بأخيه هارون يكون له رِدْءًا، يتكلم عنه بكثير مما لا يُفصح به لسانه، فآتاه الله سُؤله، وحَلَّ عُقْدَةً مِنْ لسانه، فأوحى الله ﵎ إلى هارون ﵇، وأمره أن يلقاه، واندفع موسى بعصاه حتى لقي هارون، فانطلقا جميعًا إلى فرعون، فأقاما على بابه حينًا لا يُؤذَن (١) لهما، ثم أذن لهما بعد حجاب شديد. فقالا: ﴿إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ﴾ [طه: ٤٧] ﴿قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَامُوسَى﴾ [طه: ٤٩] فأخبراه بالذي قصَّ الله - تعالى - عليك في القرآن، فقال: ما تريدان؟ وذكَّرَه القتيل، واعتذر بما قد سمعت، وقال: أريد أن تؤمن بالله، وأن تُرْسِلَ معي بني إسرائيل، فأبى عليه ذلك، وقال: اِئتِ بآيةٍ إن كنتَ من الصادقين، فألقى عصاه فإذا هي حيَّةٌ عظيمة فاغرة فاها، مُسْرِعةٌ إلى فرعون، فلما رآها فرعون قاصدةً إليه خافَها، فاقتحم عن سريره، واستغاث بموسى له أن يكفها عنه، ففعل، ثم أخرجَ [يدَه] (٢) مِنْ جَيْبه، فرآها ﴿بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾ [طه: ٢٢] يعني: من غير برص، ثم ردَّها فعادت إلى لونها الأول، فاستشار الملأ حوله فيما رأى، فقالوا له: هذان ساحران يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُم مِّنْ أَرْضِكُم بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ المثلى [طه: ٦٣] يعني: مُلْكَهم الذي هم فيه والعَيْشَ، فأبَوْا على موسى أن يُعطوه شيئًا مما طلب، وقالوا له: اِجمَعْ لهما السَّحَرةَ، فإنَّهم بأرضك كثير، حتى تَغْلِبَ بسحرهم سِحْرَهُما ﴿وَأَرْسِلْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ﴾ [الأعراف: ١١١]. فحشر له كل ساحر متعالم، فلما أتوا على فرعون قالوا: بم يعمل هذا الساحر؟ قالوا: يعمل بالحيَّات، قالوا: فلا والله ما أحد في الأرض يعمل السِّحْرَ بالحيَّات والحبال والعصِيّ الذي نعمَلُ، فما أَجْرُنا إِنْ نحن غلَبْنا؟ قال:

стр. 890

قال لهم: أنتم أقاربي وخاصتي وأنا صانع إليكم كلَّ شيء أحببتم، فتواعَدُوا يوم الزينة ﴿وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى﴾ [طه: ٥٩]. قال سعيد: فحدثني ابن عباس ﵄ أنَّ يوم الزينة اليوم الذي أظهر الله فيه موسى على فرعون والسَّحَرةِ، هو يوم عاشوراء. فلما اجتمعوا في صعيد، قال النَّاس بعضُهم لبعض: انْطَلِقُوا فَلْنحضُرُ هذا الأمر ﴿لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ﴾ [الشعراء: ٤٠] يعنون موسى وهارون ﵇ استهزاء بهما، فـ ﴿قَالُوا يَامُوسَى﴾ لِقُدْرَتِهم في أنفسهم بسحرهم ﴿قَالُوا يَامُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ﴾ [الأعراف: ١١٥] ﴿قَالَ بَلْ أَلْقُوا﴾ [طه: ٦٦] ﴿فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ﴾ [الشعراء: ٤٤] فرأى موسى ﵇ من سِحْرهم ما أَوْجَس في نفسه خِيفَةً، فأوحى الله إليه ﴿أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ﴾ [الأعراف: ١١٧] فلما ألقاها (١) صارت ثعبانًا فاغرةً [فاها] (٢)، فجعلَتْ العصِيُّ بدعوة موسى ﵇ تلتبس بالحبال، حتى صارت جَزَرًا (٣) إلى الشُّعْبان تدخل فيه حتى ما أبقَتْ عصا ولا حَبْلًا إلا ابتلعته، فلما عرف السحرة ذلك قالوا: لو كان هذا سِحْرًا لم يبلغ من سخرنا كل هذا، ولكنَّه أمرٌ مِنْ أمر الله ، آمَنَّا به وبما جاء به موسى، ونتوب إلى الله مما كُنَّا عليه، وكسَرَ الله - تعالى - ظَهْرَ فرعون في ذلك الموطن وأشياعه، وأظهر الحقَّ ﴿وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١١٨) فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانقَلَبُوا صَاغِرِينَ (١١٩)﴾ [الأعراف: ١١٨ - ١١٩] وامرأة فرعون بارزة متبذلة تدعو بالنصر لموسى على فرعون، فمن رآها من آل فرعون ظنَّ أنَّها إنما تبدَّلَتْ لِلشَّفقة على فرعون وأشياعه، وإنما كان حُزْنُها وهمها لموسى ﵇. فلما طال مُكْثُ موسى ﵇ بمواعيد فرعونَ الكاذبة، كلما جاءه بآية وعده عندها أن يُرْسِل معه بني إسرائيل، فإذا مضَتْ أخلفَ مَوْعِدَه، وقال:

стр. 891

هل تستطيع أن تصنع غير هذا؟ فأرسل الله عليه وعلى قومه: ﴿الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ﴾ [الأعراف: ١٣٣]، كلّ يشكو إلى موسى ﵇ ويطلب إليه أن يَكُفَّها عنه، ويوافِقُه على أن يرسل معه بني إسرائيل، فإذا كفَّ ذلك عنه أخلف مَوْعِدَه ونكَثَ عهده. فأُمِرَ موسى ﵇ بالخروج بقومه، فخرج بهم ليلًا، فلما أصبح فرعون ورأى أنهم قد مضوا أرسل في المدائن حاشرين، فتبعهم بجنود عظيمة كثيرة، فأوحى الله إلى البحر أن إذا ضربك موسى بعصاه فانْفَرِقْ له ثنتي عشرة فِرْقةً حتى يجوز موسى ومن معه، ثم الْتَقِ على مَنْ بَقِي بعده من فرعون وأشياعه، فنسي موسى ﵇ أن يضرب البحر بالعصا، فانتهى إلى البحر وله قَصِيفٌ مَخافة أن يضربه موسى بعصاه وهو غافل فيصير عاصيًا الله - تعالى -، ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ﴾ وتقاربا ﴿قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ [الشعراء: ٦١] إفْعَلْ ما أمرك به ربك فإنك لم تُكذب ولم تَكْذِب (١)، فقال: وعدني ربي أني إذا أتيتُ البحر انفرق لي اثنتي عشرةَ فِرقةً حتى أُجاوِزَه، ثم ذكر بعد ذلك العصا، فضرب البحر بعصاه حين دنا [أوائل جُنْد فرعون من أواخر جند موس ل] فانفرق البحر كما أمره الله وكما وعد موسى ﵇، فلما أن جاوز موسى ﵇ وأصحابه البحر، ودخل فرعون وأصحابه، التقى عليهم البحر كما أُمر، فلما جاوز موسى ﵇ البحر، قال أصحابه: إنَّا نخاف أن لا يكون فرعون غرق، ولا نؤمن بهلاكه، فدعا ربه فأخرجه له ببدنه، حتى استيقنوا بهلاكه. ثم مَرُّوا بعد ذلك على قوم يَعْكُفون على أصنام لهم ﴿قَالُوا يَامُوسَى اجْعَل لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ إلى ﴿وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٢) قد رأيتُم مِنْ العِبر، وسمعتم ما يكفيكم، ومضى فأنزلهم موسى ﵇ منزلًا، ثم قال لهم: أطيعوا

стр. 892

هارون ﵇ فإني قد استخلفتُه عليكم، وإنِّي ذاهب إلى ربي وأَجَلَهُم ثلاثين يومًا أَنْ يَرْجِع إليهم فيها، فلما أتى ربَّه وأراد أن يُكَلِّمَه ثلاثين يومًا، وقد صامَهُنَّ ليلَهُنَّ ونهارَهُنَّ، كَرِه أَنْ يُكَلِّمَ رَبَّه ورِيحُ فَمِهِ رِيحُ فم الصائم، فتناول موسى ﵇ من نبات الأرض شيئًا فمضغه، فقال له ربُّه حين لقائه: لم أفطرت - وهو أعلم بالذي كان؟ قال: يا ربِّ، إنِّي كَرِهْتُ أن أُكلِّمَك إلا وفمي طَيِّبُ الرِّيح، قال: أوَ ما عَلِمْتَ يا موسى أنَّ ريح فم الصائم أطيب عندي من ريح المسك، ارْجِعْ حتى تصوم عشرًا، ثم ائتني، ففعل موسى ﵇ ما أمر به. فلما رأى قوم موسى ﵇ أنه لم يَرْجِع إليهم للأجَلِ ساءهم ذلك، وكان هارون ﵇ قد خطبهم، فقال: إِنَّكُمْ خَرَجْتُم مِنْ مِصْرَ ويقوم فرعون عندي عواري وودائع، ولكم فيهم مِثْلُ ذلك، وأنا أرى أن تَحْتَسِبوا ما لكم عندهم، ولا أُحِلُّ لكم وديعة استودعتموها ولا عارية، ولسنا برادي إليهم شيئًا من ذلك، ولا مُمْسِكيه لأنفسنا، فحفر حفيرًا، وأمرَ كلَّ قوم عندهم شيء من ذلك من متاع أو حِلْية أن يَقْذِفوه في ذلك الحفير، ثم أوقد عليه النَّارَ فأحرقه، فقال: لا يكون لنا ولا لهم. وكان السامري: رجلٌ مِنْ قومٍ يَعْبُدُون البقر جيران لهم، ولم يكُنْ مِنْ بني إسرائيل، فاحتمل مع موسى ﵇ وبني إسرائيل حين احتملوا، فقُضِيَ له أن رأى أثرًا، فأخذ منه بقبضته، فمرَّ بهارون، فقال له هارون ﵇ يا سامري، ألا تُلْقِي ما في يدك؟ وهو قابض عليه لا يراه أحد طوال ذلك، فقال: هذه قبضةٌ مِنْ أثَرِ الرَّسُول الذي جاوز بكم البحر، ولا أُلْقِيها لشيء إلا أن تدعو الله إذا ألقيتها أن يكون ما أريد، فألقاه، ودعا له هارون ﵇ فقال: أريد أن تكونَ عِجْلًا، واجتمع ما كان في الحفرة من متاع أو حلية أو نُحاس أو حديد، فصار عِجْلًا أجوف ليس فيه رُوح، له خُوار، قال ابن عباس: لا والله ما كان له صوت قطُّ، إنَّما كانت الريح تدخل من دُبُرِه وتخرج من فيه، فكان ذلك الصوت من ذلك.

стр. 893

فتفرق بنو إسرائيل فرقًا، فقالت فرقة: يا سامري، ما هذا فأنت أعلم به؟ قال: هذا ربكم، ولكن موسى ﵇ أضل الطريق، وقالت فِرْقَةٌ: لا نُكَذِّبُ بهذا حتى يَرْجِع إلينا موسى، فإن كان ربَّنا لم نَكُنْ ضَيَّعْناه وعجزنا فيه حتى رأيناه، وإن لم يكن ربَّنا فإنَّا نَتَّبع قول موسى ﵇، وقالت فرقة: هذا عمل الشيطان، وليس بِرَبِّنا، ولا نؤمن ولا نُصدِّق، وأُشْرِبَ فرقةٌ في قلوبهم التصديق بما قال السامري في العِجْل، وأعلنوا التكذيب، فقال لهم هارون ﵇: ﴿يَاقَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ﴾ [طه: ٩٠] وإنَّ رَبَّكم ليس هكذا، قالوا: فما بال موسى ﵇ وعدنا ثلاثين يومًا ثم أخلَفَنا، فهذه أربعون قد مضَتْ؟ فقال سفهاؤهم: أخطأ ربه، فهو يطلبه ويَتْبَعُه. فلما كلم الله موسى ﵇ وقال له ما قال، أخبره بما لَقِي قومه بعده، فرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ، غَضْبَنَ أَسِفَا [الأعراف: ١٥٠] وقال لهم ما سمِعْتُم في القرآن، وأخذ برأس أخيه، وألقى الألواح من الغضب، ثم عذر أخاه بعذره، واستغفر له وانصرف إلى السامري، فقال له: ما حملك على ما صنعت؟ قال: قبَضْتُ قبْضةً مِنْ أثَرِ الرَّسول، وفطِنْتُ لها وعُمِّيت عليكم، فقدفْتُها ﴿وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي (٩٦) قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَنْ تَقُولَ لَا مِسَاسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَنْ تُخْلَفَهُ وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ﴾ إلى قوله: ﴿نَسْفًا﴾ (١) ولو كان إلهًا لم تخلص إلى ذلك منه، فاستيقن بنو إسرائيل بالفتنة، واغتبط الذين كان رأيهم فيه مِثْلَ رَأْي هارون ﵇] (٢) وقالوا جماعتهم لموسى ﵇: سَلْ لنا ربك على أن يفتح لنا باب توبة

стр. 894

نَصْنَعُها فَتُكَفِّرَ عنَّا ما عَمِلْنا، فاختار موسى قومه سبعين رجلًا لذلك، لا يألو الخير خيار بني إسرائيل، ومن لم يُشْرِك في العِجْل، فانطلق بهم ليسأل لهم التوبة، فرجَفت بهم الأرض، فاستحيا موسى نبي الله من قومه ووَفْدِه حين فُعل بهم ما فعل، فقال: ﴿رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُم مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا﴾ [الأعراف: ١٥٥] وفيهم من قد كان الله على اطلع على ما كان أُشْرِبَ قلبه من حُبِّ العجل، فلذلك رجَفَتْ بهم الأرض، فقال: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ (١٥٦) الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ﴾ [الأعراف: ١٥٦ - ١٥٧]، فقال: رَبِّ سألتُكَ التَّوبة لقومي، فقلت: إنَّ رحمتك كتبتها لغير قومي، فلَيْتِكَ أَخَرْتَني حين تُخْرِجُني (١) حيًا في أُمَّة ذلك الرجل المرحومة، فقال الله له: إنَّ توبتهم أن يقتل كلُّ رجل منهم مَنْ لَقِي مِنْ والد أو ولد فيقتله بالسيف، لا يُبالي من قتل في ذلك الموطن، وتاب أولئك الذين كان خَفِي على موسى وهارون ما اطلع الله عليهم من ذنوبهم، فاعترفوا بها، وفعلوا ما أُمروا به، وغفر الله - تعالى - للقاتل والمقتول. ثم سار بهم موسى متوجّهًا نحو الأرض المُقدَّسة، وأخذ الألواح بعد ما سكت عنه الغضب، وأمرهم بالذي أُمِر به أَنْ يُبلِّغَهُم من الوظائف، فثَقُل ذلك عليهم، وأبَوْا أَنْ يُقِرُّوا بها، فنتق الله عليهم الجبل كأنَّه ظُلَّةٌ، ودنا منهم حتى خافوا أن يقع عليهم، فأخذوا الكتاب بأيمانهم وهم مضغون وينظرون إلى الجبل والأرض، والكتاب بأيديهم، وهم ينظرون إلى الجبل مخافة أن يقع عليهم. ثم مضوا إلى الأرض المُقدَّسة، فوجدوا مدينةً فيها قوم [جبارون] (٢)، خَلْقُهم خلقٌ مُنكرٌ، وذكرَ مِنْ ثمارهم أمرًا عجَبًا مِنْ عِظَمِها، فَقَالُوا يَمُوسَى إِنَّ

стр. 895

﴿فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ﴾ [المائدة: ٢٢] لا طاقة لنا بهم ﴿فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ﴾ فـ ﴿قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ﴾ [المائدة: ٢٢ - ٢٣] مِنْ الجَبَّارين - وفي غير (١) روايتنا: قال يزيد - يعني ابن هارون-: هكذا قرأ ابن عباس ﵄ يعني: بضم الياء (٢) - آمَنَا بموسى، فخرجا إليه، فقالا: نحن أعلمُ بقومنا، إن كنتم إنَّما تخافون ما رأيتم من أجسامهم وعدَدِهم فإنَّهم لا قلوبَ لهم، ولا منعة عندهم، فـ ﴿ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ﴾ [المائدة: ٢٣]. ويقول أناس: إنَّهما من قوم موسى، وزعم سعيد بن جبير أنَّهم من الجبارين آمنا بموسى، يقول ﴿مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ﴾ [المائدة: ٢٣]: إِنَّما عنى بذلك من الذين يخافهم بنو إسرائيل، فـ ﴿قَالُوا يَامُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ [المائدة: ٢٤]، فأغضبوا موسى، فدعا عليهم، وسماهم فاسقين، ولم يَدْعُ عليهم قبل ذلك لما رأى منهم من المعصية وإساءاتهم حتى كان يومئذ، فاستجاب الله له، فسماهم بما سماهم موسى: فاسقين، فحرَّمها عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض، يُصبحون كل يوم فيسيرون ليس لهم قرار، ثم ظلل عليهم الغمام في التيه، وأنزل عليهم المن والسلوى، وجعل لهم ثيابًا لا تَبْلَى ولا تَتَّسِخ، وجعل بين ظَهْرَيْهم حجَرًا مُربَّعًا، وأمر موسى فضربه بعصاه ﴿فَانفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا﴾ [البقرة: ٦٠]، في كلِّ ناحيةٍ ثلاثةُ أَعْيُنٍ، وأعلم كلَّ سِبْطٍ عينهم التي يشربون منها، فلا يرتحلون مِنْ مَنْقَلة إلا وجدوا ذلك الحجر منهمرًا (٣) بالمكان الذي كان منه بالأمس. رفع ابن عباس ﵄ هذا الحديث إلى النَّبيِّ ﷺ ، وصدق ذلك عندي أنَّ

стр. 896

معاوية ﵁ سمع من ابن عباس ﵄ فأنكره عليه أن يكون الفرعوني هو الذي أفشى على موسى أَمْرَ القتيل الذي قتله، قال: كيف يُفْشِي عليه ولم يكن عَلِم به، ولا ظهر عليه إلا للإسرائيلي الذي حضر ذلك وشَهِده؟! فغضب ابنُ عباس ﵄، فأخذ بيد معاوية ﵄ فانطلق به إلى سعد بن مالك الزهري ﵁ فقال له: يا أبا إسحاق هل تذكر يومًا حدثنا رسول الله ﷺ عن قتيل موسى الذي قتل من آل فرعون، الإسرائيلي أفشى عليه أم الفِرْعوني؟ قال: إنما عَلِمه الفرعوني لما سمع من الإسرائيلي الذي شهد ذلك وحضره (١). هذا حديث مشهورٌ مِنْ حديث يزيد بن هارون، رواه (٢). القصة (٣). وقال إسحاق: أخبرنا إسماعيل بن إبراهيم، حدثنا أَيُّوبُ، عن عكرمة. وعبد الرزاق، عن أيُّوبَ، عن عكرمة قال: لما نزلت: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾

стр. 897

[النور: ٤] فذكر نحوه إلى قوله: ثم قضى رسول الله ﷺ أن يُفَرِّق بينهما، ولم يذكر ما بعده. وقال عبد الله بنُ شِيرُويَه: حدثنا محمد بن يحيى، حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا عَبَّادُ، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄ فذكر الحديث بطوله. هذا حديث ثابت حسن على شرط أبي داود السجستاني، أخرجه في سُنَنِه (١) عن الحسن بن علي الحلواني، عن يزيد بن هارون. وأخرج بعضه البخاري وأبو داود والتّرْمِذي وابن ماجه جميعًا (٢) عن بندار، عن ابن أبي عَدِيٍّ، عن هشام بن حسان، عن عكرمة. فكأنَّ شَيْخيَّ أبا علي وغانمًا كأنَّما سمِعا من أصحابهم. ورواه أبو مالك الجنبي، عن عَبَّاد، عن عطاء بن أبي رباح وعكرمة معًا، عن ابن عباس. ورواه أيضًا عن ابن عباس: الضَّحَّاك أيضًا، والقاسم بن محمد. وفي الباب: عن عبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عَمْرٍو، وعبد الله بن عمر، وسهل بن سعد، وأنس بن مالك، وأبي هريرةَ، وعاصم بن عَدِي ﵃. وابنُ السَّحْماء: قيل: اسمُه شَرِيك منسوب إلى أُمِّه، وهي أم البراء بن مالك، وهو شَرِيكُ بنُ عَبْدة بنِ مُغِيث بنِ الجَدِّ بن عجلان بن حارثة، قيل: شهد أبوه عبدة بدرًا، وقيل: إِنَّ شَرِيكًا ليس باسمه، وإنما هو صفة له، أي: شريك لابنِ السَّحْماء، ذكره أبو نعيم (٣). وفي رواية سهل بن سعد: أنَّ صاحب اللعان عُوَيْمِرُ بن الحارث العجلاني، استفتى عاصم بنَ عَدِيٍّ، فسأل عاصم رسول الله ﷺ (٤).

стр. 898

ورواية القاسم بن محمَّدٍ قريبٌ مِنْ رواية سَهْلٍ (١). وفي رواية سعيد بن جُبَيرٍ عن ابن عُمر أَنَّ اللعان كان بين أخوَيْ بَنِي العجلان (٢). وفي رواية عباس بن سَهْل بنِ سَعْدٍ (٣) أن المَرْمِيَّ بها ابنُ السَّحْماء أيضًا. وفي رواية الضحاك عن ابن عباس: عاصم بن عَدِيٍّ، بدل: سَعْد بن عباد، وسمى المرأةَ: خَولة بنت عاصم. وقوله (لكاعًا) كذا ورد في الحديث، وأهلُ اللُّغة يقولون: إنَّه لَكَاعِ مَبْنيًّا على الكسر، على وزن قطام وحَذارِ، وهو وصف (٤) للمرأة الوسخة، وكذلك: لكعاء، ومَلْكَعانة، ولِلرَّجُل: لُكَع، ولَكِيع وأَلْكَع ومَلْكَعان، يقال في النداء: يا لكع، وللاثنين: يا ذوا لكَع وللمرأة يا لكاع وللاثنتين: يا ذواتي لكاع، ولعله إنَّما نصبه في الحديث إرادة به النكرة. وقوله (تفخذها) أي: رَكِب فَخِذها. و (تربد)، أي: تغير، والرُّبْدة: لون بين السَّواد والغُبرة، كلون الرماد. و (تكرَّب): مِنْ الكَرْب، أي: أصابه غم وشِدَّة، وأكثر ما يستعمل تكرب بمعنى: تقرَّب، وقد يجيء في الحديث ألفاظ من لفظ الكرب، منه حديث: «أنه إذا أُوحي إليه كُرِب» (٥)، أي: أصابه الكَرْبُ، فهو مكروب، وكربه الشَّيءُ، فهو كارب له. وقوله (تلكَت) أي: تأخَّرَتْ، أصله: تلكَأَتْ - بالهمز - أي: تأَخَّرَتْ، فَخُفِّفَ.

стр. 899

والأَصْبَح: شديدُ حُمرة الشعر، والمصدر: الصبح. والأصهب - أيضًا -: بمعناه، أو قريب منه. وفي رواية غير إسحاق بَدلُ الأصبح: أَثْبَج أو: أُثيبج، وهو: الناتئ الثبج، والثَّبَج: ما بين الكاهل والظهر. وفي رواية أبي يعلى: بدَلُ هذين اللفظين: أَسْحَم، ومعناه: الأسود. والأَرْسَح: الذي ليس على أليتيه كبير لحم. وأحمش السَّاقَيْن: دَقِيقُهما. والأَوْرَق: الأسمر. والجعد - هاهنا - مِنْ صِفَة الشَّعَر، وقد يكون مِنْ صِفة الخَلْق. وفي بعض الروايات: «إن جاءت به سَبْطًا (١) فهو للزَّوْج». والجمالي: العظيم الخَلْق، التام الأعضاء. وسابعُ الأَلْيَتَيْنِ: ضِدُّ الأَرْسَح. وخَدَلَّجُ السَّاقين: ضِدُّ الحَمْش، وروى إسحاق، عن يحيى بن آدم، عن سنان بن هارون عن هشام بن حسان، عن عكرمة، وقال: فجاءت بجارية حَمْشَة السَّاقَيْن. وذكر إسحاق أيضًا في رواية عاصم بن كُليب، عن أبيه، عن ابن عباس ﵄ قال: فما رأيتُ مولودًا أكثر غاشية منه (٢) وفي بعض الروايات: أنهما تلاعنا على الحمل، وهو الأصح، وفي رواية عاصم بن عدي أنه جاء بصبي يَحْمِلُه، فنفاه عنه. وفي رواية الضحاك: «إن وضعَتْ ما في بطنها واضِحَ الشَّعر، أخفش العينين، ممسوح الأَلْيَتَيْن، حَمْشَ السَّاقَيْن، فلزوجها، وإن وضعَتْ ما في بطنها

стр. 900

جَعْدَ الشَّعر، أكحل العينين (١)، ضخمَ الشَّفَتَيْن، سابع الأَلْيَتَيْنِ، خَدَلَّجَ السَّاقَيْن، فهو لشريك». وفي رواية أنس: «إن جاءت به أبيضَ سَبْطًا فلهلال، وإن جاءت به آدَمَ جَعْدًا فلشريك». وفي رواية لسهل بن سعد: «إِنْ تَلِدُه أَحَيْمِرَ مِثْلَ اليَنَعَةِ - والينعة: خرَةٌ أحمر، ويُسَمَّى: العقيق أيضًا: ينعًا - فهو لأبيه، وإِنْ تَلِده قطط الشعر، أسود اللسان، فهو لابن السحماء قال: فلما ولدته، والله -كأنَّ رأسَه فَرْوةُ جَمَلٍ أسود، فأخذتُ بفُقْميه (٢) فاستقبلني لسانُه مِثْلَ التَّمْرة السوداء. وفي رواية لأنس: «إن جاءت به أبيض قصير العِرْنين، سَبْطَ الشَّعر، فلهلال». وفي رواية عبد الله بن عمرو: «إمَّا تجيء به أُصَيْفِرَ، أخنس، منسول العظام، فلِلْمُلاعن». وفي رواية: كأَنَّه وَحَرَة» وهي دابَّةٌ (٣) وذكر بعضُ الحُفَّاظ أنَّ القِصَّتَيْن لهلال ولِعُمَير ثابتتان، فاحتمل أن تكونا قريبتي الوقوع، فنزلت الآيات فيهما جميعًا، فلا يؤدي إلى رفض إحدى القِصَّتين، والله أعلم. ٢٤٧ - أخبرنا الشيخ الإمام الزاهد أبو الرجاء أحمد بن محمد بن عبد العزيز القارئ بقراءة والدي عليه -رحمهما الله-، أخبرنا الإمام أبو الفضل عبد الرحمن بن أحمد بن الحسن المقرئ الرَّازِيُّ - قَدِم علينا ـ، أخبرنا أبو القاسم جعفر بن عبد الله بن يعقوبَ المُعدِّل الرُّوياني قراءةً عليه سنة ثمانين

стр. 901

وثلاث مئة، حدثنا أبو بكر محمَّدُ بنُ هارونَ الرُّوياني إملاء، حدثنا عيسى بن عبد الله، حدثنا أحمد بن محمد الفارسي، حدثني أبي، حدثني أبو عُبَيدٍ القاسم بن سلام، حدثني عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان، عن رجل قد سماه، عن كُرَيب، عن ابن عباس ﵄ قال: كان رسول الله ﷺ يَلْبَسُ القَلانِسَ تحت العمائم وبغير العمائم، ويَلْبَسُ العمائم بغير قَلانس، وكان رسول الله ﷺ يَلْبَس القَلانِسَ اليَمانِيَةَ، ومن البيض المُضرَّبة، ويَلْبَس ذوات الآذان في الحرب، منها ما يكون من السيجان الخُضْر، وكان ربما نزَع فَلَنْسُوتَه فجعلها سُتْرةً بين يديه وهو يُصلِّي. وكان مِنْ خُلُقٍ رسول الله ﷺ أَنْ يُسَمِّيَ سِلاحَه ودَوابه ومتاعَه. وكان للنبي ﷺ أربعة أسياف: المِخْذَمُ، والرَّسُوبُ، أهداهما له زيد الخيل الطائي، وفد عليه (١) فَسَمَّاه رسول الله ﷺ زيد الخير (٢). وكان له أيضًا: القضيب، وذو الفقار صار إليه يوم بدر، وكان للعاص بن منبه بن الحجاج، وكان لا يُفارقه في الحرب. وكان قباعُ سَيْفِه وقائمته وحلَقتُه وذُؤابته وبكراته ونعله من فِضَّة، وكان له حلقتان في الحمائل في موضعهما من الظهر. وكانت له أربعة أدراع: ذاتُ الوِشاح، والبَتْراءُ، وذات المواشي (٣)، والخريق.

стр. 902

وكانت له أربعة أفراس: المُرْتَجِز، وذو العُقَال، والسَّكْبُ، والشَّحَّاء، ويقال: البحر، وكان يركب البحر، وكان كُمَيْتًا (١). وكانت منطقته من أدَمٍ مَبْشُورٍ، فيها ثلاثُ حِلَةٍ مِنْ فِضَّة، والإبزيم والحِلَق على صَنْعة الفِلَكِ المضروبة من فِضَّة. وكان اسم رُمْحِه: المُثْوي. وكانت له حَرْبةٌ، يقال لها: العنزة، وكان يمشي بها ويَدَّعِمُ عليها، وكانت تُحْمَلُ بين يديه في الأعياد، فيَرْكِزُها أمامَه ويَسْتَتِرُ بها ويُصلِّي إليها. وكان له مِحْجَن قدر ذراع يمشي به ويركب به، ويُعلِّقه بين يديه على بعيره. وكانت له مِخْصَرَةٌ تُسمَّى العُرْجون. وكان اسمُ قَوْسِه: الكَتُوم، واسم كِنانته الكافور، ونَبْلِه: المُوتَصِلة، وتُرْسِه: الزَّلُوق، ومِغْفَرِه: ذو السُّبوغ، واسم عمامته: السحاب، واسم ردائه: الفتح، واسم رايته: العُقاب، وكانت سوداء من صوف، وكانت ألويته بيضاء، وربما جعل فيها السواد، وربما كان من خُمر نسائه. وكانت له بغلة شهباء، يقال لها: الدُّلدُل، أهداها له الْمَقَوْقِسُ مَلِكُ الإسكندرية، وهي التي قال لها في بعض الأماكن: «ارْبِضي دُلدُل» فربَضَتْ، وكان علي ﵁ يركبها بعد رسول الله ﷺ . وقال غير ابن عباس: وكان عثمان بن عفان ﵁ يركبها. ثم رَكِبَها بعد عليّ الحَسَنُ ﵁، ثم رَكِبَها الحُسَينُ، ومحمد بن علي ابنُ الحنَفِيَّة ﵃ حتى كَبِرَتْ وعميت، فدخلَتْ مطبخة لبني مَذْحِج، فرماها رجل بسهم فقتلها

стр. 903

وكانت له بغلة يقال لها: الأَيْلِيَّة، وكانت محذوفة طويلةً كأنما تقوم على رماح، حسنةَ السَّيْر، فأعجبته، وهي التي قال له علي ﵁ فيها: إن كانت أعجبتك هذه البغلة، فإنَّا نصنَعُ لكَ مِثْلَها، قال: «وكيف ذلك؟» قال: هذه أمها (١) فرس عربية، وأبوها حمار، فلو أنزَيْنا على فرس عربية حمارًا، لجاءت بمثل هذه البغلة، فقال: «إنَّما يفعل ذلك الذين لا يعلمون». قال ابن عباس ﵄: فأبى النَّبِيُّ ﷺ ، ثم تقدم إلينا معاشر بني هاشم خاصَّةً أَنْ لا تُنْزِيَ الحمُرَ على الخيل العراب، فمضَتْ السُّنَّة في أصحاب رسول الله ﷺ عامة. وكان له حمارُ يُدْعَى عُفَيرًا، ويقال له: اليغفور، وكان أخضر. وكانت له ناقةٌ تُسمى العضباء، ويقال القَصْواء، وكانت صهباء. وكانت له شاة يشرب لبنها، يقال لها: غَيْثة، ويقال: غَوْثَة. وكان له قدحان، اسم أحدهما: الرَّيَّان، والآخَرِ: المُضبَّب، وكان يَسَعُ كلُّ واحد منهما قَدْرَ مُدّ، فيه ثلاثُ ضَبَّاتِ حديد، وحَلْقَةٌ يُعلّق بها. وكان له تَوْرٌ مِنْ حجارة، يقال له: المِخْضَب والمِخْضَد، يتوضَّأُ فيه. وكان له مِحْضَب مِنْ شَبَّة، يكون فيه الحِنَّاء والكَتَم، مِنْ حَرِّ كان يجده في رأسه ﷺ . وكانت له ربعةٌ إسكندرانية أهداها المقوقس ملِكُ مِصْر. وكان له نعلان من السبت، وكانت مُخْضرَّة، ذات قبالين، وكانت صفراء. وكان له خُفَّان ساذجان، أهداهما النجاشي ملك الحبشة، فكان رُبَّما لبِسَهُما النَّبيُّ ﷺ ومسح عليهما.

стр. 904

وكان له سرير، وقطيفة، وقَصْعة، وجارية اسمها: روضة (١). قال الحافظ: هذا حديث غريب جدًا بهذا السياق، لا أعرفه إلا من هذا الوجه، وفيه ألفاظ مُخْتَلّة وقعَتْ في الأصل، وقد يُرْوَى من غير هذا الوجه اللفظ بعد اللفظ منها. و (السيجان) جمع السَّاج، وهو الطَّيْلَسان. وقوله (فجعلَها سُتْرةً بين يديه يدلُّ على طولها؛ لأنَّه ﷺ لما سُئل عن قَدْر ما يَسْتُرُ المُصلِّي قال: «مِثْلُ آخِرَةِ الرَّحْل») (٢). و (المِخْدَم) من الخَذْم، وهو القطع. و (الرَّسُوب) الماضي من السَّيْف مِنْ رُسوبِ الشَّيء في الماء، إذا غاب فيه فذهب سُفْلًا، أي: يَرْسُب ويَثبُت في الضَّريبة، ويَغِيبُ فيها. وأكثر هذه الأسامي مشتقة من صفة مُسَمَّياتها. و (القَضِيب) هو السيف اللطيف، في قول الأصمعي، تشبيهًا بالقضيب من الشَّجَر، وقيل: بل القضيب من القصب، يعني: المقضوب، لا يُسمى قضيبًا إلا بعد القطع. و (ذو الفَقَار) بفتح الفاء، سُمِّي بذلك - فيما قيل - لِحُفَرِ صِغار حِسانٍ كانت فيه، وسيف مُفَقَّر، إذا كانت فيه حُزوز مُطمئِنَّةٌ على متنه. والقُباع (٣): ما يُضَبُّ به قائمة السَّيْف (٤) وأكثر ما يُقال له: القبيعة. والذؤابة: ما تعلق من قائمة. والبكرات: الحلق.

стр. 905

ونعل السيف: حديدة تكون في آخر الغمد، كانت فِضَّةً في سَيْف رسول الله ﷺ . و (البتراء) لعلَّها سُمِّيَتْ به لقِصَرِها. و (ذات المواشي) (١) لا أعرف صِحَّةَ لفظه، وإنما يُذْكَرُ مَعناه بعد ثبوت اللفظة. و (الخِرْيق) إِنْ حُفظ لفظه فلعلها سُمِّيَتْ بذلك تشبيهًا بالناقة إذا خَرْنقَتْ، وإنَّما يُقال لها: خَرْنقَتْ، إذا كَثُرَ لحمُها في جنبيها، كالخِرْنِق وهو ولد الأرنب (٢). و (المُرْتَجِز) قيل: سُمِّي به [لأنَّ] العربَ تَسْتَحْسِنَ الرَّجَز وإنشاده (٣). و (ذو العُقَال) فرسٌ معروف، بتشديد القاف (٤)، والعُقَال: داء يأخذ الدواب في الرِّجْلَيْنِ، يُخفّف قافه ويُثقل. و (الشَّكْب) (٥) الواسعُ الجَرْي، كأَنَّه يَسْكُب الأرض، أي: يَصُبُّها. و (الشَّحَّاء) إِنْ حُفظ فيُقال للفرس الواسع الخطو: هو بعيدُ الشَّحْوة، من

стр. 906

قولهم: شحا الرَّجُل فاه فشحا فُوه (١)، وبئر شَحْواء: واسعة الرأس، وشحا - أيضًا - على وزن القفا: ماءة لبعض العرب. و (البحر) أيضًا، سُمِّي به لِسَعة جَرْيه. والمبشور: المقشور. و (الفلك) بكسر الفاء، جمعُ فَلْكةِ الثَّدْي (٢)، أو فَلْكَةِ المِغْزَل. و (المُثْوِي) إن صحَّ لفظه فلعله سُمِّي به لأنه يُثْبِتُ المطعون به، من الثوي، وهي: الإقامة. و (العنزة) رُمْح قصير. و (يَدَّعِم عليها) أي: يتكئ. والمِحْجَن: خشبة في طرفها انعقاف. والمخصرة: خشبةٌ تُمْسَكُ باليد. و (العرجون) من عيدان العنب. و (الكتوم) لعلَّها سُمِّيَتْ به لانخفاض صوتها إذا رمى منها (٣). و (الكافور) كُمُ العِنَب، وغلاف الطَّلع، لعلها سُمِّيَتْ به تشبيهًا بهما. و (المُوتَصِلة) من الوَصْل، كأَنَّه سُمِّي بذلك تفاؤلًا بوصوله إلى العدو (٤) و (الزَّلُوق) أي: يَزْلَقُ عنه السلاح. و (السبوع) التمام.

стр. 907

و (السَّحاب) سُمِّي [به] (١) تشبيهًا بسحاب المطر، وإنما يُسمَّى سَحابًا لانسحابه في الهواء. و (العقاب) العلم الضخم. و (الدُّلدُل) لعلها سُمِّيت لقلة سكونها (٢). و (الأيلية) منسوبة إلى أَيْلةَ قرية بالشام (٣). والمحذوفة: المقطوعة الذَّنَب. وقوله (تقدم إلينا) أي: أوصانا وأمرنا. والعفير: تصغير الأعفر، كسويد تصغير الأسود، حذف همزتها، والقياس: أُعَيْفِر (٤) وهو لون أبيض يعلوه حُمْرة. ويعفور: مِثْلُ أعفر، كأَخْضر ويَخْضُور، قال الشاعر: عَيْدانُ شَطَّيْ دِجْلةَ اليَخْضور (٥) و (العضباء) المشقوقة الأذُنُ، وقيل: المثقوبة. و (القصواء) المقطوعة بعض الأذن. والتَّوْر: شِبْهُ الإِجانة (٦). و (الكتَم) نَبْتٌ يُصْبَغُ به الشَّعَر، سُمِّيَ به لكتمانه الشَّعَر. و (السبت) جلد لم يُدْبَغ.

стр. 908

وقد يرد اللفظ بعد اللفظ مما في الحديث ومِمَّا ليس فيه، نَذْكُر بعض (١) ذلك إن شاء الله. * * * ٢٤٨ - أخبرنا أبو الطيب طلحة بن الحسين بن أبي ذَرِّ الصَّالحاني ﵀ قراءة وأنا أسمع، أخبرنا جَدِّي أبو ذَرِّ محمَّدُ بنُ إبراهيم بن علي، حدثنا أبو محمد عبد الله بن محمَّدِ بنِ جعفر بن حيان، حدثنا محمد بن العباس، حدثنا عباس الدُّورِيُّ، حدثنا عبد الحميد بن صالح، حدثنا حبَّان بن علي، عن إدريس، عن الحكم، عن يحيى بن الجزار، عن علي ﵁ قال: كان للنبي ﷺ فرس يُقال له: المُرْتَجِز، وبَغْلةٌ يُقال لها: الدُّلدُل، وحِمارُ يُقال له: عُفَير، وسيفه: ذو الفقار، ودِرْعُه: ذو الفُضول - أو قال: ذاتُ الفضول -، وناقته: القصواء. ترجمة يحيى بن الجزار عن علي ﵁ على شرط مسلم بن الحجاج، أخرج منها حديثًا واحدًا، وإنَّما لم يُخرِّجوا هذا لما يُقال (٢): إنَّ يحيى لم يَسْمَع مِنْ علي إلا ثلاثة أحاديث. * * * ٢٤٩ - أخبرنا الإمام قوام السُّنَّة أبو القاسم إسماعيل بن محمد بن الفضل الحافظ ﵀ إجازةً إن لم أسمعه، وحدَّثني عنه بعضُ أصحابنا، أخبرنا الحسن بن أحمد أبو محمَّدٍ السَّمَرْقَنْدِيُّ، أخبرنا جعفر بن محمد أبو العباس المُسْتَغْفِري، أخبرنا الخليل بن أحمد القاضي، حدثنا أبو عبد الله الحسين بن موسى بن خلف برأس العين، حدثنا إسحاق - هو ابن زُرَيق - الرَّسْعَني، حدثنا

стр. 909

عثمان بن محمَّدٍ الطَّرائفي (١)، حدثنا علي بن عُرْوة، عن عبد الملك، عن عطاء وعَمْرِو بنِ مُرَّة وعَمْرو بن دينار، عن ابن عباس ﵄ قال: كان لرسول الله ﷺ سيف مُحلَّى: قائِمُه مِنْ فِضَّة، ونعلُه مِنْ فِضَّة، وفيه حِلَقٌ مِنْ فِضَّة، وكان يُسمَّى ذا الفقار، وكانت له قوسُ نَبْعٍ تُسمَّى السداد، وكانت له كنانة تُسمَّى الجمع، وكانت له دِرْعٌ مُوشَّحة بالنُّحاس تُسمَّى ذاتَ الفُضول، وكانت له حَرْبة تُسمَّى البيضاء، وكان له مِجَنُّ يُسمَّى الوَفْر، وكان له فرس أدهم يُسمَّى السحب، وكانت له بغلةٌ شهباءُ تُسمَّى دُلدُل (٢)، وكانت له ناقةٌ تُسمى العضباء، وكان له حمار يُسمَّى يَعْفُور، وكان له فُسْطاطٌ يُسمَّى الرَّكِيَّ، وكانت له عَنْزٌ تُسمَّى اليُمْن، وكانت له رَكْوةٌ تُسمَّى الصَّادر، وكانت له مِرْأَةٌ تُسمَّى المُدلَّة، وكان له مقراض يُسمى الجامع، وكان له قَضِيبُ شَوْحَطٍ يُسمَّى المَمْشوق (٣). قال الإمام إسماعيل ﵀: هذا حديث غريب، ولم أكتبه مما أعلم إلا عن الإمام إسماعيل. والنَّبْع: الشَّجَر الذي يُتَّخذ منه القِسِيُّ الجياد. ولعله سُمِّي بالسداد تفاؤلًا بإصابة ما يُرْمَى عنه، كما رُوي أنَّه ﷺ قال لعلي ﵁: «قل: اللَّهُمَّ إِنِّي أسألك الهدى والسداد، واذكر بالهدى هدايتك الطريق، وبالسَّدادِ تَسْدِيدَكَ السَّهْمَ» (٤) وإنما سُمِّيَتْ الرَّكوة بالصَّادر: لأنَّه يُصْدَر عنها بالري؛ تسمية باسم من هي سببه.

стр. 910

و (الجامع) في اسم المقراض: لأنه يَجْمَعُ ما يُراد قَرْضُه به، وذلك من جَوْدِته. والشَّوْحَط - أيضًا - من شجر القسي. وسائر هذه الأسامي من صفات مُسمياتها، أو تفاؤلًا به. * * * ٢٥٠ - أخبرنا طلحة بن الحُسَين ﵀، أخبرنا جَدِّي، حدثنا عبد الله بن محمد بن جعفر، حدثنا جُبير بن هارون، حدثنا علي - هو ابن محمد الطنافسي -، حدثنا أبو أسامة، حدثنا هشام بنُ عُرُوةَ بن الزبير، عن أبيه قال: لما خرج رسول الله ﷺ خَلَّفَ عثمان ﵁ على ابنته ﵂ وكانت مريضة، وخلَّفَ أسامة، فبينا هم إذ سَمِعوا ضَجَّة التكبير، فجاء زيد بن حارثة ﵄ على ناقة رسول الله ﷺ الجدعاء، وهو يقول: قُتِل فلانٌ، وأُسر فلان، فجاء فأخبر عثمان ﵁. رواه حماد بن سلمة، عن هشام بن عروة، نحوه مرسلًا، وقال: في غزوة بدر، وقال: على العضباء، بدل: الجَدْعاء، ورواه عَمْرو بن عاصم، عن حماد بن سلمة، عن هشام، عن أبيه، عن أسامة بن زيد، مُتَّصِلًا (١). وقد ذكرنا فيما تقدَّم: العَضْباءَ والقَضواء في صِفَة ناقته، وفي هذا الحديث: الجدعاء. وفي رواية عن أبي كاهل قال: رأيتُ النَّبِيَّ ﷺ يوم العيد، أو يوم عرفة يخطب على ناقةٍ خَرْماءَ (٢)

стр. 911

وروى شُعبة، عن عَمْرِو بنِ مُرَّة، عن مُرَّةَ الهَمْداني أنَّه (١) سَمِع رجلًا يقول: خطبنا النَّبِيُّ ﷺ على ناقةٍ مُخَضْرَمةٍ (٢)، وفي رواية: على ناقةٍ صَرْماءَ، قال إبراهيم الحربي: هذا كله في الأذن (٣). وذكرت عائشة ﵂ في حديث الهجرة: أنَّ أبا بكر ﵁ قال للنبي ﷺ : عندي ناقتان، فأعطى رسول الله ﷺ إحداهما، وهي: الجدعاء (٤). وفي حديث عمران بن الحصين ﵁ قال: كانت العضباء لرجل من بني عُقيل، وكانَتْ مِنْ سَوابقِ الحَاجِّ (٥)، فأُسِر الرَّجُل وأُخِذَتْ العَضْبَاءُ معه، وكانت ثقيف قد أسروا رجلين من أصحاب النَّبِيِّ ﷺ ، فَفُدِيَ بِالرَّجُلَين، وحَبَس رسول الله ﷺ العَضْباءَ لِرَحْلِه (٦). وعن إبراهيم التيمي قال: كانت القَصْواءُ مِنْ نَعَم بني الحريش، ابتاعها أبو بكر ﵁ وأُخْرَى بثمانِ مِئَةِ درهم، فأخذها رسول الله ﷺ بأربع مئة درهم، فهاجر عليها مع أبي بكر ﵁، وكانت معه حتى نفَقَتْ، وكانت حين قَدِم

стр. 912

رسول الله ﷺ رَباعِيَةً، وكان اسمها: القَصْواء، والجَدْعاء، والعضباء (١). وقد تبينا فيما تأملنا من طرُقِ الأحاديث أنَّ هذه الصفات كلها كأنها لناقة واحدة كان بِأُذُنِها ما عبر كلُّ واحدٍ مِنْ الرُّواة عنه بما يَغْلِبُ على ظنّه وبما يَعْرِفُه منها، وقد جمعنا هذه الأحاديث المشار إليها، سوف نُمْليها إن شاء الله في وقت آخر، وقد رُوِي في بعض الأحاديث: [خطبنا] (٢) رسول الله ﷺ على ناقةٍ جَدْعاء، وليسَتْ بالعَضباء، ولا أرى هذا الحديث يثبت بإسناده، والله أعلم. * * * ٢٥١ - أخبرنا الشيخ الحافظ أبو زكريا يحيى بن عبد الوهاب بن أبي عبد الله ﷺ وغيره إذنًا، أخبرنا أبو طاهر أحمد بن محمود الثقفي، أخبرنا أبو علي الحسين بن محمد بن إبراهيم بن شَرِيك. وقال يحيى: وأخبرتنا أمُّ الحُسَين فاطمة بنتُ أحمد بن عبد الله بن نصر، قالت: أخبرنا أبو عمر عبد الله بن محمد بن أحمد بن عبد الوَهَّاب. قالا: أخبرنا أبو الحسن (٣) أحمدُ بنُ محمدِ بنِ عُمَرَ اللُّنْبانيُّ، أخبرنا إسماعيل بن إسحاق بن إسماعيلَ بنِ حَمَّادِ بن زيد بن دِرْهَم، حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا حماد بن زيد، أو: سعيد بن زيد، عن واصل مولى أبي عُيينةَ، حدثني موسى بن عُبيد قال: أصبحتُ في (٤) الحِجْر بعد ما صلينا الغداة، فلما أسفرنا إذا فينا عبد الله بن عمر ﵄ فجعلَ يَسْتَقْرِينا رجلًا رجلًا، يقول: أين صلَّيْتَ يا فلان؟ قال: يقول: هاهنا، حتى أتى عليَّ، فقال: أين صلَّيتَ يا ابن عُبَيد؟ قلتُ: هاهنا، قال: بَخِ بَخِ! ما نَعْلم صلاةً أفضل عند الله من صلاة

стр. 913

الصُّبْح في جماعة يوم الجمعة، فسألوا، قالوا: يا أبا عبد الرحمن، أكُنْتُم تراهنون على عهد رسول الله ﷺ ؟ قال: نعم، لقد راهن على فرس له، يُقال له: سَبْحةً (١)، فجاءَتْ سابقةً، فلَهَش لذلك وأعجبه (٢). قال إسماعيل: وكان سليمان حرب حدثنا بهذا الحديث عن حماد بن زيد، ثم قال بعد ذلك: حدثنا حماد بن زيد، أو: سعيد بن زيد. هذا الحديث يُرْوَى عن أنس بن مالك ﵁ أيضًا، من رواية سعيد بن زيد، عن سلم العلوي، عنه. ومن رواية أبي لَبِيدٍ أيضًا، عنه (٣). وفي كل هذه الأحاديث كان مضبوطًا هكذا. قوله (فَلَهَش) بمعنى: فلقَدْ هش، يقال: هَشَ للمعروف، أي: اشتهاه، ورجل هش: طَلْقُ المُحَيَّا. وقوله (يَسْتَقْرِينا) بغير همز، أي: يتتبعنا رجلًا رجلًا. * * * ٢٥٢ - أخبرنا أبو غالب أحمد بن العباس الكوشيذي، أخبرنا أبو بكرٍ محمد بن عبد الله بن رِيدَه، أخبرنا أبو القاسم سليمان بن أحمد الطبراني، حدثنا أحمد بن زهير التستري، ح.

стр. 914

وأخبرنا أبو علي الحداد ﵀، حدثنا أبو نعيم الحافظ، حدثنا أبي، حدثنا عبدان. قالا: حدثنا أبو الربيع الحارثي، حدثنا ابن أبي فديك، عن ابن عباس بن سهل - وفي رواية الطبراني: عن عبد المهيمن بن عباس بن سهل بن سعد - عن أبيه، عن جده ﵁ قال: كان للنبي ﷺ عند أبي سَعْدٍ ثلاثة أفراس يَعْلِفُهنَّ، قال: وسَمِعْتُ أبي ﵁ يُسَمِّيهِنَّ: الكزاز، واللحيف، والطَّرْب (١). رواه معن بن عيسى، عن أُبَيٍّ بن عباس بن سهل، وذكر اللحيف (٢)، كذا وجَدْتُه مضبوطًا في روايته، ولم يذكر الآخرين. و (اللحيف) قيل: هو فَعِيل بمعنى فاعل، كأنه يَلْحَفُ الأرض بذنبه، أي: يشملها (٣). و (الكزاز) مِنْ اللَّز، كأَنَّه سُمِّي به لانطواءِ خَلْقِه، وشِدَّة دموجه وتلززه (٤). و (الظَّرْب) بالظاء، قيل: سُمِّي به لصلابته من قولهم: خُرِّبَتْ حوافر الدَّابَّةِ، أي: اشتدَّتْ وصَلُبَتْ، ويجوز أن يكون مُسمّى به تشبيهًا بالظرب التي

стр. 915

هي صغار الجبال الكبيرة (١). [ … ] (٢) وسمنه. وقيل: إِنَّ اللزاز أهداه المُقَوْقِسُ لرسول الله ﷺ ، واللحيف أهداه له ربيعة بن أبي البراء، والضَّرب أهداه له فروة بن عمرو الجُذامي. وقيل: إِنَّ الذي أهداه له فَرْوة هي البغلة. وقال بعضهم: إن اللَّجِيف إِنْ رُوِي بالجيم فيقال: فيهم لجيف، إذا كان سريع المر. وأما السَّبْحة: فمصدرٌ من السّباحة، وهي العَوْم، سُمِّي به لِحُسْن سَيْرِه، يقال: فرس سابح، إذا كان حَسَنَ مدّ اليدين. وقيل: إنَّ تميمًا الداري ﵁ أهدى لرسول الله ﷺ فرسًا، يقال له: الورد، فأعطاه عمر ﵁ (٣). ورُوي عن يحيى بنِ سَهْلٍ (٤) قال: أوَّلُ فرس ملكه رسول الله ﷺ فرس ابتاعه بالمدينة من رجل من بني فَزارة بعشر أواقٍ، وكان اسمه الضّرْس، فَسَمَّاه السحب، وكان أوَّلَ ما غزا عليه أحدٌ. ويقال: إِنَّ المُرْتَجِزَ هو الذي اشتراه رسول الله ﷺ من أعرابي من بني مُرَّة، فجحده، فشهد له خزيمة بن ثابت (٥)، وكان فرسًا أبيض، والله أعلم.
следующие страницы →