← Книги сунны

Книги сунны · id 30195

الطوالات - لأبي موسى المديني

أبو موسى المديني

Полный текст (962 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.

стр. 911

وروى شُعبة، عن عَمْرِو بنِ مُرَّة، عن مُرَّةَ الهَمْداني أنَّه (١) سَمِع رجلًا يقول: خطبنا النَّبِيُّ ﷺ على ناقةٍ مُخَضْرَمةٍ (٢)، وفي رواية: على ناقةٍ صَرْماءَ، قال إبراهيم الحربي: هذا كله في الأذن (٣). وذكرت عائشة ﵂ في حديث الهجرة: أنَّ أبا بكر ﵁ قال للنبي ﷺ : عندي ناقتان، فأعطى رسول الله ﷺ إحداهما، وهي: الجدعاء (٤). وفي حديث عمران بن الحصين ﵁ قال: كانت العضباء لرجل من بني عُقيل، وكانَتْ مِنْ سَوابقِ الحَاجِّ (٥)، فأُسِر الرَّجُل وأُخِذَتْ العَضْبَاءُ معه، وكانت ثقيف قد أسروا رجلين من أصحاب النَّبِيِّ ﷺ ، فَفُدِيَ بِالرَّجُلَين، وحَبَس رسول الله ﷺ العَضْباءَ لِرَحْلِه (٦). وعن إبراهيم التيمي قال: كانت القَصْواءُ مِنْ نَعَم بني الحريش، ابتاعها أبو بكر ﵁ وأُخْرَى بثمانِ مِئَةِ درهم، فأخذها رسول الله ﷺ بأربع مئة درهم، فهاجر عليها مع أبي بكر ﵁، وكانت معه حتى نفَقَتْ، وكانت حين قَدِم

стр. 912

رسول الله ﷺ رَباعِيَةً، وكان اسمها: القَصْواء، والجَدْعاء، والعضباء (١). وقد تبينا فيما تأملنا من طرُقِ الأحاديث أنَّ هذه الصفات كلها كأنها لناقة واحدة كان بِأُذُنِها ما عبر كلُّ واحدٍ مِنْ الرُّواة عنه بما يَغْلِبُ على ظنّه وبما يَعْرِفُه منها، وقد جمعنا هذه الأحاديث المشار إليها، سوف نُمْليها إن شاء الله في وقت آخر، وقد رُوِي في بعض الأحاديث: [خطبنا] (٢) رسول الله ﷺ على ناقةٍ جَدْعاء، وليسَتْ بالعَضباء، ولا أرى هذا الحديث يثبت بإسناده، والله أعلم. * * * ٢٥١ - أخبرنا الشيخ الحافظ أبو زكريا يحيى بن عبد الوهاب بن أبي عبد الله ﷺ وغيره إذنًا، أخبرنا أبو طاهر أحمد بن محمود الثقفي، أخبرنا أبو علي الحسين بن محمد بن إبراهيم بن شَرِيك. وقال يحيى: وأخبرتنا أمُّ الحُسَين فاطمة بنتُ أحمد بن عبد الله بن نصر، قالت: أخبرنا أبو عمر عبد الله بن محمد بن أحمد بن عبد الوَهَّاب. قالا: أخبرنا أبو الحسن (٣) أحمدُ بنُ محمدِ بنِ عُمَرَ اللُّنْبانيُّ، أخبرنا إسماعيل بن إسحاق بن إسماعيلَ بنِ حَمَّادِ بن زيد بن دِرْهَم، حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا حماد بن زيد، أو: سعيد بن زيد، عن واصل مولى أبي عُيينةَ، حدثني موسى بن عُبيد قال: أصبحتُ في (٤) الحِجْر بعد ما صلينا الغداة، فلما أسفرنا إذا فينا عبد الله بن عمر ﵄ فجعلَ يَسْتَقْرِينا رجلًا رجلًا، يقول: أين صلَّيْتَ يا فلان؟ قال: يقول: هاهنا، حتى أتى عليَّ، فقال: أين صلَّيتَ يا ابن عُبَيد؟ قلتُ: هاهنا، قال: بَخِ بَخِ! ما نَعْلم صلاةً أفضل عند الله من صلاة

стр. 913

الصُّبْح في جماعة يوم الجمعة، فسألوا، قالوا: يا أبا عبد الرحمن، أكُنْتُم تراهنون على عهد رسول الله ﷺ ؟ قال: نعم، لقد راهن على فرس له، يُقال له: سَبْحةً (١)، فجاءَتْ سابقةً، فلَهَش لذلك وأعجبه (٢). قال إسماعيل: وكان سليمان حرب حدثنا بهذا الحديث عن حماد بن زيد، ثم قال بعد ذلك: حدثنا حماد بن زيد، أو: سعيد بن زيد. هذا الحديث يُرْوَى عن أنس بن مالك ﵁ أيضًا، من رواية سعيد بن زيد، عن سلم العلوي، عنه. ومن رواية أبي لَبِيدٍ أيضًا، عنه (٣). وفي كل هذه الأحاديث كان مضبوطًا هكذا. قوله (فَلَهَش) بمعنى: فلقَدْ هش، يقال: هَشَ للمعروف، أي: اشتهاه، ورجل هش: طَلْقُ المُحَيَّا. وقوله (يَسْتَقْرِينا) بغير همز، أي: يتتبعنا رجلًا رجلًا. * * * ٢٥٢ - أخبرنا أبو غالب أحمد بن العباس الكوشيذي، أخبرنا أبو بكرٍ محمد بن عبد الله بن رِيدَه، أخبرنا أبو القاسم سليمان بن أحمد الطبراني، حدثنا أحمد بن زهير التستري، ح.

стр. 914

وأخبرنا أبو علي الحداد ﵀، حدثنا أبو نعيم الحافظ، حدثنا أبي، حدثنا عبدان. قالا: حدثنا أبو الربيع الحارثي، حدثنا ابن أبي فديك، عن ابن عباس بن سهل - وفي رواية الطبراني: عن عبد المهيمن بن عباس بن سهل بن سعد - عن أبيه، عن جده ﵁ قال: كان للنبي ﷺ عند أبي سَعْدٍ ثلاثة أفراس يَعْلِفُهنَّ، قال: وسَمِعْتُ أبي ﵁ يُسَمِّيهِنَّ: الكزاز، واللحيف، والطَّرْب (١). رواه معن بن عيسى، عن أُبَيٍّ بن عباس بن سهل، وذكر اللحيف (٢)، كذا وجَدْتُه مضبوطًا في روايته، ولم يذكر الآخرين. و (اللحيف) قيل: هو فَعِيل بمعنى فاعل، كأنه يَلْحَفُ الأرض بذنبه، أي: يشملها (٣). و (الكزاز) مِنْ اللَّز، كأَنَّه سُمِّي به لانطواءِ خَلْقِه، وشِدَّة دموجه وتلززه (٤). و (الظَّرْب) بالظاء، قيل: سُمِّي به لصلابته من قولهم: خُرِّبَتْ حوافر الدَّابَّةِ، أي: اشتدَّتْ وصَلُبَتْ، ويجوز أن يكون مُسمّى به تشبيهًا بالظرب التي

стр. 915

هي صغار الجبال الكبيرة (١). [ … ] (٢) وسمنه. وقيل: إِنَّ اللزاز أهداه المُقَوْقِسُ لرسول الله ﷺ ، واللحيف أهداه له ربيعة بن أبي البراء، والضَّرب أهداه له فروة بن عمرو الجُذامي. وقيل: إِنَّ الذي أهداه له فَرْوة هي البغلة. وقال بعضهم: إن اللَّجِيف إِنْ رُوِي بالجيم فيقال: فيهم لجيف، إذا كان سريع المر. وأما السَّبْحة: فمصدرٌ من السّباحة، وهي العَوْم، سُمِّي به لِحُسْن سَيْرِه، يقال: فرس سابح، إذا كان حَسَنَ مدّ اليدين. وقيل: إنَّ تميمًا الداري ﵁ أهدى لرسول الله ﷺ فرسًا، يقال له: الورد، فأعطاه عمر ﵁ (٣). ورُوي عن يحيى بنِ سَهْلٍ (٤) قال: أوَّلُ فرس ملكه رسول الله ﷺ فرس ابتاعه بالمدينة من رجل من بني فَزارة بعشر أواقٍ، وكان اسمه الضّرْس، فَسَمَّاه السحب، وكان أوَّلَ ما غزا عليه أحدٌ. ويقال: إِنَّ المُرْتَجِزَ هو الذي اشتراه رسول الله ﷺ من أعرابي من بني مُرَّة، فجحده، فشهد له خزيمة بن ثابت (٥)، وكان فرسًا أبيض، والله أعلم.

стр. 916

٢٥٣ - أخبرنا السيد الشريف أبو القاسم عباد بن محمد بن المحسن الجعفري - فيما أذن لي في روايته، أخبرنا أبو أحمد محمد بن علي بن محمَّدٍ الضَّريرُ المُؤدِّب، أخبرنا أبو محمَّدٍ عبد الله بن محمد بن جعفر بن حيان، حدثنا أبو علي الصائغ، حدثنا أحمد بن معاوية، حدثنا إبراهيم بن أيوب الفرساني (١)، حدثنا النعمان بن عبد السلام، عن الوليد بن أبان، عن محمد بن السائب، عن أبي صالح، عن ابن عباس ﵄ في قوله ﵎: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ﴾ قال: في غشيان الموت، ونزعات الموت ﴿وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ﴾ بالضرب على الكفار عند قبض أرواحهم، تقول: أخْرُجي من جنات (٢)، وذلك قوله ﵎: ﴿أَخْرِجُوا أَنفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ﴾ [الأنعام: ٩٣] يقول: الهوان. ٢٥٤ - أخبرنا القاضي المرشد أبو إسحاق إبراهيم بن الحسن المُباركي (٣)، وقرأته على غيره -رحمهما الله-، قالا: أخبرنا أحمد بن أبي القاسم الهمذاني، أخبرنا أحمد بن موسى، حدثنا عبد الله بن محمد بنِ شَهْمَردان، حدثنا أحمد بنُ هُرْمُزيار، حدثنا محمد بن يوسف الفراء، حدثنا هشام بن عُبيد الله، حدثنا محمد بن الفضل، عن يزيد الصائغ البلخي، عن الضحاك بن مزاحم، عن ابن عباس ِ ﵄ (٤) قال:

стр. 917

بينا رسول الله ﷺ ذات يوم قاعد، وتلا هذه الآية: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الأنعام: ٩٣] ثم قال: «والذي نفس محمد بيده ما من نَفْس تُفارق الدنيا حتى ترى مقعدها من الجنة والنار». ثم قال: «إذا كان عند ذلك صَفَّ سِماطان من الملائكة، نظموا ما بين الخافقين، كأنَّ وجوههم الشَّمس، فيَنْظُر إليهم ما يرى غيرهم وإن كنتُم تُرَوْن أنه ينظر إليكم، مع كلِّ ملَك منهم أكفانٌ وحَنُوطٌ، فإذا كان مؤمنًا بشَّرُوه بالجنة، وقالوا: اخْرُجي أَيَّتُها النَّفْسِ الطَّيِّبة إلى رضوان الله - تعالى - وجنَّتِه، فقد أعد الله - تعالى -[لك] (١) من الكرامة ما هو خير لك من الدُّنيا وما فيها، فما يزالون يبشرونه ويَحُفُّون به، فلَهُم ألطفُ وأَرْأَفُ - يعني - من الوالدة بولدها، ويَسُلُّون رُوحَه مِنْ تحت كلِّ ظُفُرٍ ومَفْصِل، ويموت الأَوَّلَ فالأَوَّلَ، وَيَبْرُد كلُّ عُضْوِ الأَوَّلَ فالأَوَّلَ، ويُهوَّنُ عليه وإن كنتُم تَرَوْنَه شديدًا، حتى تبلغ ذقَنَه، فَلَهِي أَشَدُّ كراهة للخروج حينئذ من الولد حين يخرج من الرَّحِم، فَيَبْتَدِرُها كلُّ ملَك منهم أيُّهم يَقْبِضُها، فيَتولَّى قبضها ملك الموت ﵇» ثم تلا رسول الله ﷺ : ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾ [السجدة: ١١]. قال: «فيتلقاها بأَكْفانٍ بِيضِ، ثم يَحْضِنُها إليه، فهو أَشَدُّ لها لزومًا من المرأة لولدها إذا ولدَتْ، ثم يفوحُ لها فيهم رِيحٌ أطيبُ مِنْ المِسْك، يتباشرون بها ويقولون: مرحبًا بالرِّيح الطَّيِّبة والرُّوح الطَّيِّب، اللهمَّ صَلِّ عليه رُوحًا، وصَلِّ عليه جسدًا خرجَتْ منه، فيَصْعَدون بها، ولله ﵎ خَلْقٌ في الهواء لا يعلم عِدَّتَهم إلا هو، فيَفُوح لها فيهم رِيحٌ أطيب من المسك، فيُصَلُّون عليها ويتباشرون بها، وتُفتح لها أبواب السَّماء، ويُصلِّي عليها كل ملك في كل سماء

стр. 918

تمر به، حتى يُوقَفَ بها بين يدي المَلِك الجبار، فيقول الجبار : مرحبًا بالنَّفْس الطَّيِّبة، وبجسد خرجَتْ منه، وإذا قال الرَّبُّ ﵎ للشيء: مرحبًا، [رَحُب] (١) له كلُّ شيء (٢)، وذهب عنه كلُّ ضيق، ثم يقول: [اذهبوا] (٣) بهذه النَّفْس الطيبة، فأدخلوها الجنَّةَ، وأَرُوها مَقعدها، واعْرِضوا عليها ما أُعِدَّ لها من النعيم والكرامة، ثم اهبطوا بها إلى الأرض، فإنِّي قَضَيْتُ أَنِّي منها خلَقْتُهم، وفيها أُعِيدُهم، ومنها أُخْرِجُهم تارةً أخرى. فوالذي نفس محمد بيده، لَهِي أشدُّ كراهية للخروج منها حين كانت تخرج من الجسد وتقول: أين تذهبون بي؟ إلى ذلك الجَسَدِ الذي كنتُ فيه؟! فيقولون: إنَّا مأمورون بهذا، فلا بُدَّ لك منه، فيهبطون به على قَدْرِ فَراغِهم من غسله وأكفانه، فيُدخلون ذلك الرُّوحَ بين الجسد وأكفانه، فما خلق الله ﵎ كلمةً تكلمها حَمِيمٌ ولا غيرُ حَمِيم إلا وهو يسمَعُها، إلا أنَّه لا يُؤْذَن له في المراجعة، فلو سَمِع أشدَّ النَّاس له [حُبًّا] (٤) ومَن أعَزَّهُم، كان عليه يقول: على رِسْلِكُم، ما يُعْجِلُكم، وأُذن له في الكلام للعنه، وإنَّه ليسمع خَفْقَ نِعالهم ونفض أيديهم إذا ولَّوْا عنه. ثم يأتيه عند ذلك ملكان فظان غليظان، يُسمَّيان منكرًا ونكيرًا، يطان في القاصف، ومعهما عصًا من حديد، لو اجتمع عليها الجن والإنس ما أقلُّوها، وهي عليهما يسير، فيقولان له: اقعد بإذن الله، فإذا هو مستو قاعدًا، فينظر عند ذلك إلى خَلْقٍ كَرِيهِ فظيع يُنْسِيه ما كان رأى عند موته، فيقولون له: من ربك؟ فيقول: الله، فيقولان: فما دِينُك؟ فيقول: الإسلام، ثم ينتهرانه عند ذلك انتهارةً شديدة، ثم يقولان: فمن نبيك؟ فيقول: محمد ﷺ ، ويعرق عند ذلك عرقًا يبتَلُّ ما تحته من التراب، ويصير ذلك العرق أطيب من ريح

стр. 919

المسك، ويُنادى عند ذلك من السَّماء نداءً خَفِيًّا: صدق عبدي، فَلْيَنفَعْه صِدْقُه، ثم يُفْسَح له في قبره مَدَّ بَصَرِه، ويُنبَذُ له فيه الريحان والحرير (١)، فإن كان معه شيء من القرآن كفاه نوره، وإن لم يَكُنْ معه جُعِل له نورٌ مِثْلُ الشمس في قبره، وتُفتح له أبواب وكُوى إلى الجنَّة، فينظر إلى مقعده منها مما كان عاين حين صُعِد به، ثم يقال له: نَمْ قَرِيرَ عَيْن، فما نومه ذلك إلى يوم يقوم إلا كنَوْمَةٍ يَنامُها أحدُكم شهيَّةً لم يُرْوَ منها، يقوم وهو يمسح عينيه، فكذلك نومه فيه إلى يوم القيامة. وإن (٢) كان غير ذلك، إذا نزل به ملَكُ الموت صف له سماطان من الملائكة، نُظموا ما بين الخافقين، فيُخْطَفُ بصره إليهم ما يرى غيرهم، وإن كنتم تُرون أنَّه ينظر إليكم، ويُشدَّدُ عليه، وإن كنتم ترون أنَّه يُهون عليه، فيلعنونه ويقولون: أخرجي أَيَّتُها النَّفْس الخبيثة، فقد أعد الله - تعالى - لكِ من النكال والنقمة والعذاب كذا وكذا، وساءَ ما قدَّمتِ لنفسك، ولا يزالون يسُلُّونها في تعب وغلظة وغضَبٍ وشِدَّة، من كلِّ ظُفُرٍ وعُضْو، ويموتُ الأَوَّلَ فالأَوَّلَ، وتُنشَط نفسه كما يَصْنَعُ السَّفُود ذو الشُّعَب بالصوف، حتى تقع الرُّوح في ذقَنِه، فلَهِي أشدُّ كراهية للخروج من الولد حين يخرج من الرَّحِم، مع ما يُبشِّرونه بأنواع النكال والعذاب، حتى تبلغ ذقنه، فليس منهم ملك إلا وهو يتحاماه كراهية له، فيتولى قبضها ملَكُ الموت الذي وُكِّل بها، فيتلقاها - أحسبه قال - بقطعةٍ مِنْ بِجاد أنتن ما خلق الله - تعالى - وأخشنَه، فتُلْقَى فيها، [ويفوح] (٣) لها رِيحٌ أنتن ما خلق الله - تعالى -، ويسد ملك الموت مِنْخَرَيْه، ويسُدُّون آنافهم ويقولون: اللهم العَنْها مِنْ رُوح، والعنه جسدًا خرجَتْ منه، فإذا صُعِد بها أُغْلِقَتْ أبوابُ السَّماء دونَها، فيُرْسِلُها مَلَكُ الموت ﵇ في الهواء، حتى إذا دنَتْ من الأرض انحدر مُسْرِعًا في إثرها،

стр. 920

فَيَقْبِضُها بحديدة معه، يفعل بها [ذلك] (١) ثلاثَ مرَّاتٍ ثم تلا رسول الله ﷺ : ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سحيق﴾ [الحج: ٣١] والسحيق: البعيد. «ثم يُنْتَهَى بها فتُوقَفُ بين يدي المَلِك الجبار، فيقول ﵎: لا مرحبًا بالنفس الخبيثة، ولا بجسد خرجَتْ منه، ثم يقول: انْطَلِقُوا بها إلى جهنَّمَ فأَرُوها مَقعدها منها، واعرضوا عليها ما أعددت لها من العذاب والنقمة والنكال، ثم يقول الرَّبُّ ﵎: اهبطوا بها إلى الأرض، فإنِّي قضيت أني منها خلقتهم، وفيها أُعِيدُهم، ومنها أُخْرِجُهم تارةً أخرى، فيهبطون بها على قدر فراغهم منها، فيُدْخِلون ذلك الرُّوحَ بين جسده وأكفانه، فما خلق الله تعالى حَمِيمًا (٢) ولا غير حميم مِنْ كلمةٍ يَتكلَّم إلا وهو يَسْمَعُها، إلا أنه لا يُؤْذَن له في المراجعة، فلو سمع أحبَّ النَّاس إليه وأعزهم عليه يقول: أخرجوا به وعَجِّلوا، وأُذن له في المراجعة، للعنه، وودَّ أَنَّه تُرِك كما هو لا يُبْلَغُ به حفرته إلى يوم القيامة. فإذا دخل قبره جاءه ملكان أسودان أزرقان فظان غليظان، ومعهما مِرْزَبَّةٌ من حديد وسلاسل وأغلالٌ ومَقامِعُ الحديد، فيقولان له: أقْعُدْ بإذن الله تعالى، فإذا هو مُسْتَو قاعدًا قد سقطت عنه أكفانه، ويرى عند ذلك خَلْقًا فظيعًا يَنْسَى به ما رأى قبل ذلك، فيقولان له: من ربك؟ فيقول: أنت، فيَفْزَعان عند ذلك فَزْعةً ويَنْتفِضان، فيَضْرِبانه ضربةً بمطرقة الحديد فلا يَبْقَى منه عضو إلا وقع على حِدَةٍ، فيصيح عند ذلك صيحةً، فما خلق الله - تعالى - من شيء: ملَك أو غيره إلا يسمَعُها إلا الجِنَّ والإنس فيلعنونه عند ذلك لعنةً واحدة، وهو قوله: ﴿أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ [البقرة: ١٥٩]. والذي نفس محمد بيده لو اجتمع على مِطْرَقَتِهما الجن والإنس ما

стр. 921

أقَلُّوها وهي عليهما [يسير] (١)، ثم يقولان: عُد بإذن الله - تعالى ـ، فإذا هو مُسْتَوِ قاعدًا، فيقولان: مَنْ ربُّك؟ فيقول: لا أدري، فيقولان: فمَنْ نبيك؟ فيقول: سمعتُ النَّاسَ يقولون: محمَّد، فيقولان: فما تقول أنت؟ فيقول: لا أدري، فيقولان: لا درَيْتَ، ويَعْرَقُ عند ذلك عرقًا يَبتلُّ ما تحته من التراب، فلهو أنتن من الجيفة فيكم، ويَضِيق عليه قبره حتى تختلف أضلاعه، فيقولان له: نَمْ نَوْمَةَ السَّهَر، فلا تزالُ حيَّاتٌ وعقارب - يعني - لها أمثال أنياب البُخْتِ من النار تَنْهَشُه، ثم يُفتَحُ له بابه فيرى مقعده من النَّار، وتهب عليه أرواحها وسمومها، وتلفَحُ وجهه النَّارُ غَدُوًّا وعَشِيًّا إلى يوم القيامة» (٢). هذا حديث غريب في مسند عبد الله بن العباس ﵄ لا أعلم أني كتبته مرفوعًا من روايته بهذا السياق إلا من رواية أهل بلخ (٣). بقيَّةُ رواية عبد الله بن عباس ﵄ : ٢٥٥ - أخبرنا أبو بكرٍ محمَّد بن عليّ بن أبي ذَرِّ الصَّالحاني فيما قرأته عليه ﵀، أخبرنا أبو طاهر محمد بن أحمد بن عبد الرحيم، أخبرنا أبو محمد عبد الله بن محمد بن جعفر إن كان سمعه منه، حدثنا إبراهيم بن محمد بن علي الرازي، حدثنا أبو يعقوب إسحاق بن أبي حمزة، حدثنا حماد بن محمد السُّلَمِيُّ أبو القاسم المَرْوَزي، أخبرنا أبو عِصْمة نوح بن أبي مريم، ح.

стр. 922

وأخبرنا أبو الخير غانم بن الفضل بن محمَّدٍ القَصَّارُ بقراءتي عليه، أخبرنا أبو بكر أحمد بن الفضل بن محمد المقرئ، حدثنا أبو عبد الله محمدُ بنُ إسحاق الحافظ، أخبرنا أبو عمرو أحمد بن محمد بن إبراهيم، حدثنا أبو الحارث العباسُ بنُ المُسْنِدي. وأخبرني أبو الفضل جعفر بن عبد الواحد بقراءتي عليه، أنَّ أبا سعد محمد بن عبد الرحمن الأديب كتب إليه من نيسابور، أخبرنا أبو عمرو محمد بن أحمد بن حمدان الحيري قراءةً عليه فأقَرَّ به، وقال: نعم، أخبرنا الحسن بن سفيان، حدثنا محمد بن رُمْح بن المهاجر. قالا: حدثنا نُعيم بن حمَّادِ المَرْوَزي، حدثنا أبو عصمة نوح بن أبي مريم، عن مُقاتِل بنِ حَيَّان، عن عكرمة قال: بينما أنا جالس عند ابن عباس ﵄ إذ أتاه نفر، فقالوا: كُنَّا عند كعب الحَبْرِ، فسمعناه يذكر في الشمس والقمر أنَّه يُجاء بالشَّمس والقمر يوم القيامة، كأنهما ثَوْران عَقِيران، فيُقْذَفان في النار؟!. قال: وكان ابن عباس ﵄ مُتَّكِئًا فاحتفز (١) وجلس، وطارَتْ منه شَظِيَّةٌ، ووقعت منه أخرى؛ من شدَّة الغضب، ثم قال: كذب كعب، كذب كعب، كذب كعب - ثلاث مرات، بل هذه يهوديَّةٌ يُرِيد إدخالها في الإسلام، الله أجَلُّ وأكرم من أن يُعذِّبَ أحدًا على طاعته، ألم تر إلى قول الله - تعالى -: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ﴾ [إبراهيم: ٣٣] إنما يعني: دُؤوبَهُما في طاعته، فكيف يُعذِّبُ عبدين أثنى عليهما أنهما دائبان في طاعته؟! قاتل الله هذا الحبر - زاد في رواية أبي الشيخ: - وقبح حبريته - ثم قالا - ما أجرأه على الله - تعالى، وأعظمَ فِرْيَتَه على هذين العبدين المُطيعين الله - تعالى!، ثم استرجع مرارًا، ثم أخذ عُودًا، فجعل ينكُت به في الأرض ما شاء الله - تعالى ـ،

стр. 923

ثم رفع (١) رأسه، ورمى بالعود، فقال: ألا أحدثكم ما سمعت من رسول الله ﷺ يقولُ في الشَّمس والقمر، وبَدْءِ خلقهما، ومصير أمرهما؟ قلنا: نعم، رحمك الله يا ابن عباس. قال: إنَّ رسول الله ﷺ سُئل عن ذلك، فقال: «إنَّ الله - تعالى - لما أبرم خلقه إبرامًا، فلم يَبْقَ مِنْ خَلْقِه غير آدم ﵇، خلق شمسين من نور عرشه، فأما ما كان في سابق علمه أن يدَعَها شمسًا، فإنَّه خلقها مِثْلَ الدُّنيا، ما بين مشارقها ومغاربها، وأما كان في سابق علمِه أَنْ يَطْمِسَها ويُحوّلها قمرًا، فإنَّه خلقها دون الشمس في العِظَم، ولكن إنَّما يُرَى صِغَرُها من شدَّة ارتفاع السَّماء، وبُعْدِها من الأرض، فلو ترك الله - تعالى - الشمس والقمر كما كان خلقهما في بَدْءِ أمرهما، لم يعرف النَّاسُ اللَّيل من النهار، ولا النَّهار من الليل، وكان لا يَدْري الأجيرُ إلى متى يعمل، ومتى يأخُذ أَجْرَه، ولا تدري المرأة كيف تعتد، ولا يدري المسلمون متى وقت صلاتهم، ومتى وقت حجهم، ولا يدري الصائم إلى متى يصوم، ومتى يُفطر، ولا يعلم المِدْيانُ (٢) متى يحُلُّ دَيْنُهم، ولا يدري الناس متى يزرعون لمعايشهم، ولا يدرون متى يَسْكُنون لراحة أجسادهم، وكان الله ﵎ أنظر لعباده، وأرحم بهم، فأرسل جبريل ﵇، فأمَرَّ جَناحَه على وجه القمر، وهو يومئذ شمس - ثلاث مرات ـ، فمسح عنه الضوء، وبقي فيه النُّور، فذلك قول الله : ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا﴾ [الإسراء: ١٢]، قال: فالسواد الذي ترونه في القمر شبه الخطوط فيه هو أثَرُ المَحْو. ثم خلق الله للشمس عجلة - زاد أبو الشيخ في روايته: - مِنْ ضَوْء نور العرش، لها ثلاث مئةٍ وسِتُّون عُرْوةً - ثم قالا - ووكَّل بالشَّمس وعجَلَتِها.

стр. 924

ثلاث مئة وستين ملكًا من ملائكة أهل سماء الدُّنيا، قد تعلَّق بكلِّ عُرُوةٍ مِنْ عرى العجلة ملَك منهم، ووَكَّل بالقمر وعجلته ثلاث مئة وستين ملكًا من الملائكة من أهل سماء الدُّنيا، قد تعلَّق كلُّ واحد منهم بعُرُوةٍ مِنْ عُرَى العجلة. وخلق الله - تعالى - مَشارِقَها ومَغارِبَها في قُطْرَي الأرض وكنفي السماء مئة وثمانين عَيْنًا في المَشْرِق طِينةً سوداء، ومئة (١) وثمانين عَيْنًا في المغرب مِثْلَ ذلك طينة سوداء، تَفُور غَلْيًا كغَلْي القدر إذا ما اشتد غليانها، فذلك قوله : ﴿وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾ [الكهف: ٨٦] فإنَّما يعني حَمْأَةً سَوْداء من طين، وكل يوم لها مطلع جديد ومغرب جديد، ما بين أولها مَطْلِعًا وأوَّلها مَغْرِبًا أطول ما يكون النهار في الصيف، وآخرها مَطلِعًا ومَغْرِبًا أقصر ما يكون النهار في الشتاء، فذلك قوله : ﴿رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ﴾ [الرحمن: ١٧] يعني: آخرها ها هنا، وآخِرَها ها هنا، وترك ما بين ذلك من المشارق والمغارب، ثم جمعها بعد ذلك، فقال: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ﴾ [المعارج: ٤٠]، فذلك عِدَّةُ تلك العيون كلها. وخلق الله بحرًا دون السَّماء الدُّنيا بمقدار ثلاثة فراسخ، فهو مَوْجٌ مكفوف، قائم في الهواء بأمر الله - تعالى - لا تقطر منه قطرة، والبحار كلُّها ساكنة، وذلك البحر جارٍ في سُرْعَة السَّهْم، وانطباقه في الهواء مُسْتو كأَنَّه حبل ممدود ما بين المشرق والمغرب، فتَجْري الشَّمس والقمر والخُنَّس في ذلك البحر، فذلك قوله : ﴿كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٣]، فالفلك دوران العجلة في لُجَّة غَمْر ذلك البحر، والذي نفسي بيده، لو بدَتْ الشَّمس من ذلك البحر، لأحْرَقتْ كلَّ شيء حتى الصخور والحجارة، ولو بدا القمر من ذلك البحر لافتتن به أهلُ الأرض، حتى يَعْبُدوه من دون الله - تعالى - إلا من شاء الله أن يَعْصِمَه مِنْ أوليائه.

стр. 925

قال: ابن عباس ﵄: فقال: علي بن أبي طالب ﵁: بأبي أنت وأُمِّي يا رسول الله، ذكرتَ مَجْرَى الخُنَّس مع الشمس والقمر، وقد أقسم الله - تعالى - بالخُنَّس في القرآن إلى ما كان مِنْ ذِكْرِكَ اليوم، فما الخُنَّس؟. فقال رسول الله ﷺ لعلي: «هُنَّ خمس كواكب: البرجيس (١)، وزُحل، وعطارد، وبَهْرام، والزُّهْرة، فهذه الكواكب الخمس الطالعات الجارياتُ مِثْلُ الشمس والقمر في الفلك الغاديات معها، فأما سائر الكواكب كلّها فمُعلَّقات من السماء كتعليق القناديل في المساجد، فهُنَّ يَدُرْنَ مع السماء دورانًا بالتسبيح والتقديس والصلاة الله ». ثم قال رسول الله ﷺ : «وإِنْ أَحْبَبْتُم أَنْ تَسْتَبِينوا ذلك، فانظروا إلى دوران الفلك ها هنا مرة وها هنا مرَّة، وإلى دوران الكواكب معها كلها سوى هذه الخمس (٢) ودورانها اليوم كما ترونها - ثم اتَّفَقا - وتلك صلاتها، ودورانها يوم القيامة في سرعة دوران الرحى من أهوال يوم القيامة وزلزاله، فذلك قوله : ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا (٩) وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا (١٠) فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١١)﴾ [الطور: ٩ - ١١]. فإذا طلعت الشمس فإنَّها تَطْلُع من بعض تلك العيون على عجلتها، ومعها ثلاث مئة وستون ملكًا ناشرين أجنحتَهُم، يَجُرُّونها في الفلك بالتسبيح والتقديس الله - تعالى - على قَدْرِ ساعات النَّهار، والقمر كذلك على قدر ساعات الليل ما بين الطول والقِصَر، في الشّتاء كان ذلك أو في الصيف، أو ما بينهما في الخريف والربيع، إذا أحب الله على أن يبتلي الشمس والقمر، ويُرِيَ العباد آيةً من الآيات يَسْتَعْتِبُهم؛ رجوعًا عن معاصيه، وإقبالًا على طاعته، خرَّتْ الشَّمس عن العجلة، فتقَعُ في غَمْر ماء ذلك البحر، فإذا أراد الله - تعالى - أن تَعْظُمَ الآيةُ ويَشْتَدَّ خوف العباد، وقعَتْ الشَّمس كلُّها في ذلك البحر، فلا يبقى منها شيء على العجلة، فذلك حين يُظْلِمُ النَّهار وتبدو

стр. 926

النُّجوم، وذلك المنتهى من كسوف الشَّمس، وإذا أراد الله - تعالى - أن يجعل آية دون آية وقع النصف منها أو الثلثان أو الثلث في الماء، ويبقى سائر ذلك على العجلة، فهو كسوف دون كسوف، وبلاء للشَّمس والقمر، وتخويف للعباد، واستعتاب من الله أيُّ ذلك كان صارَتْ الملائكة الموكَّلون بعجلتها فريقين: فريق منهم يُقبلون على الشَّمس فيَجُرُّونها نحو العجلة، والفريق الآخر يُقبلون على العجلة فيَجُرُّونها إلى الشمس، وهم في ذلك يقودونها في الفلك على مقادير ساعات النهار أو ساعات الليل ليلًا كان أو نهارًا؛ لكي لا يزيد في طولها شيء، وقد ألهمهم الله - تعالى - علم ذلك، وجعل لهم تلك القُوَّة، والذي ترون من خروج الشَّمس بعد الكسوف قليلًا قليلًا من ذلك السواد الذي يَعْلوه فهو غَمْرُ ماء ذلك البحر، فإذا أخرجوها كلها اجتمعت الملائكة كلهم فيحملونها حتى يضَعُوها على العجلة، فذلك حين تنجلي للعالم، ثم يحمدون الله - تعالى - على ما قَوَّاهم، ويتعلَّقون بعرى العجلة، ويَجُرُّونها بإذن الله - تعالى - (١) في لُجَّة ذلك البحر، حتى إذا ما انتهوا بها إلى المغرب أدخَلُوها في بعض تلك العيون، وتسقط من أفُقِ السَّماء في العين». قال رسول الله ﷺ : «فعجِبْتُ مِنْ خَلْق الله - تعالى -، وما بين من القدرة فيما لم يخلق أعجب من ذلك وأعجب، فذلك قول جبريل ﵇ لسارة: ﴿أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [هود: ٧٣]. وذلك أنَّ الله خلق مدينتين، إحداهما بالمشرق، والأخرى بالمغرب، على كل مدينة منها عشرة آلاف باب، ما بين كل بابين مسيرة فرسخ، فأهل المدينة التي بالمشرق من بقايا عادٍ، مِنْ نَسل مؤمنيهم الذين كانوا آمنوا بِهُودٍ ﵇، وأهل المدينة التي هي بالمغرب من بقايا ثمود، من نسل مؤمنيهم الذين كانوا آمنوا بصالح ﵇، اسم التي بالمشرق بالسريانية: برقيسا، وبالعربية: جابلق، واسم التي بالمغرب بالسريانية: برجيسا، وبالعربية:

стр. 927

جَابرس، ينوب كل يوم على كل باب من أبوابها عشرة آلاف ألف رجل في الحراسة، عليهم السلاح، ومعهم الكُراع، ثم لا تنوبهم تلك الحراسة إلى يوم يُنفخ في الصُّور، والذي نفسي بيده لولا كثرة هؤلاء القوم، وضجيج أصواتهم لَسَمِع أهل الدُّنيا وَقْعَ هذه الشَّمس حين تطلع وحين تَغْرُب. ومن ورائهم ثلاث أُمَم:: منسك، وتاويل، وتاريس، ومن ورائهم: يأجوج ومأجوج - وفي رواية أبي الشيخ: ومن دونهم: يأجوج ومأجوج -. وإن جبريل ﵇ انطلق بي إليهم [ليلة] (١) أُسْرِيَ بي من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، فدعَوْتُ يأجوج ومأجوج إلى دين الله - تعالى - وعبادته، فأبوا أن يُجيبوا، فهُمْ في النَّار مع من عصى الله - تعالى - من ولد آدم ﵇ وولد إبليس. ثم انطلق بي إلى أهل هاتين المدينتين، فدعَوْتُهم إلى دين الله - تعالى - وعبادته، فأجابوا وأنابوا، فهُمْ إخواننا في الدِّين مَنْ أحسن منهم فهو مع مُحْسِنِكُم، ومَن أساء منهم فهو مع المسيء منكم. ثم انطلق بي إلى الأمم الثلاث، فدعَوْتُهم إلى دين الله - تعالى - وإلى عبادته، فأبوا ذلك عليَّ، وأنكَرُوا ما دعَوْتُهم إليه، وكذَّبوا رسله، فهم مع يأجوج ومأجوج (٢) وسائرِ مَنْ عصى الله - تعالى - في النار. فإذا ما غربَتْ الشَّمس رُفع بها إلى السماء السابعة العليا في سرعة طيران الملائكة، وتُحْبَسُ تحت العرش، فتَسْتأذن مِنْ أين تُؤْمَر بالطلوع: أَمِنْ مَغْرِبها أم مِنْ مَطْلِعِها؟ فتُكْسَى ضَوْءَها، وإِنْ كان القمر فنورُه على مقادير ساعات الليل والنهار، ثم يُنْطَلق بها ما بين السَّماء السابعة وبين أسفل درجات الجنان في سرعة طيران الملائكة، فتَنْحدِر حيال المشرق من سماء إلى سماء، فإذا وصلت إلى هذه السماء فحينئذ ينفجر الفجر، فإذا انحدرت في بعض تلك العيون،

стр. 928

فذلك حين يُضِيء الصُّبح، فإذا وصلت إلى هذا الوجه من السماء، فذلك حين تطلع الشمس، فكذلك مَطالِعُها ومَغارِبُها ما بين أوَّلِها عَيْنًا إلى آخرِها عَيْنًا في الطلوع والغُروب، وذلك تمامُ سِتَّة أشهر، ثم إذا رجعت فكذلك مِنْ عَيْن إلى عين في الطلوع والغروب إلى آخرها عَيْنًا، وذلك تمام السنة بعدة أيامها ولياليها ثلاث مئةٍ وسِتِّين يومًا، وثلاث مئةٍ وسِتِّين ليلةً. وخلق الله - تعالى - عند المشرق حِجابًا من الظُّلمة، فوضعها على البحر السابع مِقدار عِدَّة الليالي في الدُّنيا منذ يوم خلق الله - تعالى - الدُّنيا إلى يوم تَصرَّمُ، فإذا كان عند غروب الشمس أقبل ملك من الملائكة قد وكّل بالليل فقبض قَبْضةً من ظُلمة ذلك الحجاب بكفيه، ثم جمعها في كفّ واحدة، ثم يستقبل المغرب، فلا يزال يُرْسِلُ تلك الظُّلْمةَ مِنْ خلال أصابعه قليلًا قليلًا وهو يُراعي الشَّفَق، فإذا غاب الشفق أرسل الظُّلْمةَ كلَّها، ثم نشَرَ جَناحَيْه فَيَبْلُغان … قطري الأرض وكنفَي السَّماء، ويُجاوِزان ما شاء الله - تعالى - خارجًا في الهواء، فيسوق ظُلمة الليل بجناحيه بالتسبيح والتَّقديس حتى يبلغ المغرب على قَدْر ساعات الليل، فإذا بلغ المغرب وانفجر الفجرُ من المشرق ضم جناحه، ثم يضم الظلمة كلها بعضها إلى بعض بكفّيه، ثم يَقْبِضُ عليها بكف واحدة نحو قبضته حين تناولها من الحجاب بالمشرق، ثم يضعُها عند المغرب على البحر السابع، فمن هذا ظُلمة الليل، فإذا نقل ذلك الحجاب من المشرق إلى المغرب (١) نُفخ في الصُّور، وانقضَتْ أَيَّامُ الدُّنيا، وإنما ضَوْء النَّهارِ مِنْ قبل الشَّمس، وظلمة الليل من قبل ذلك الحجاب. فلا تزال الشمس والقمر كذلك، من مطلعها إلى مَغْرِبها، إلى ارتفاعها إلى السماء السابعة، إلى محبسها تحت العرش، حتى يأتي الوقت الذي وقت الله - تعالى - لتوبة العباد، وتَكْثُر المعاصي في الأرض، ويذهب المعروف فلا يَأْمُر به أحد، ويفشو المنكر فلا يَنْهَى عنه أحد، فإذا فعل

стр. 929

النَّاس ذلك حُبِسَتْ الشَّمس مِقدار ليلةٍ تحت العرش، كلَّما سجدَتْ واستأذنَتْ من أين تطلع لم يُحَر إليها جواب، حتى يُوافِيَ القمر، فيسجد معها ويستأذِنُ من أين يطلع فلا يُحار إليه جوابٌ، حتى يَحْبِسَهُما مِقدار ثلاث ليال للشمس وللقمر ليلتين. ولا يَعْرِفُ طُولَ تلك اللَّيْلة إلا المتهجدون في الأرض، وهم عصابة يومئذ قليلة في كل بلدة من بلاد المسلمين، في هوانٍ مِنْ النَّاس، وذِلَّةٍ في أنفسهم، فينام أحدهم تلك الليلةَ قَدْرَ ما كان ينام قبلها من الليالي، ثم يقوم يتوضأ ويدخل محرابه فيُصلِّي ويقرأُ وِرْدَه، فلا يُصْبِحُ نَحْوَ ما كان يصبح كلَّ ليلةٍ قَبْلَ ذلك، فيُنكر ذلك، ويَخرُج فيَنْظُر إلى السَّماء فإذا هو بالليل مكانه، والنجوم قد استدارت مع السَّماء، فصارَتْ إلى أماكنها من أول الليل، فيُنكر ذلك، ويَظُنُّ فيه الظنون، فيقول: خفَّفْتُ قِراءتي، أو قصَرْتُ صلاتي، أو قُمْتُ قبل وقتي، ثم يعود فيدخُل محرابه فيُصلِّي نحو صلاة الليلة الثانية، ثم ينظر فلا يرى الصبح، فيخرج أيضًا فإذا هو بالليل مكانه، فيزيده ذلك إنكارًا، ويُخالطه الخوف، ويظُنُّ في ذلك الظُّنونَ مِنْ الشَّرِّ، ثم يقول: لَعَلِّي خَفَّفْتُ قِراءتي، أو قصَرْتُ صلاتي، أو قمت في أول الليل، ثم يعود لصلاته وهو مع ذلك وَجِلٌ مُشْفِقٌ خائف لما يتوقع مِنْ هَول تلك الليلة، ثم يقوم أيضًا مِثْلَ وِرْدِه، ثم يُصلِّي أيضًا مِثْلَ صلاته، ويقرأ مِثْلَ وِرْدِه الذي كان يَقرَؤُه قبل ذلك كل ليلة، ثم ينظر فلا يرى الصُّبْحَ، فيخرج الثالثة فينظر إلى السماء، فإذا هو بالنجوم مشتبكةً قد استدارَتْ في السَّماء، فصارت مكانها عند أول الليل، فيُشْفِق عند ذلك (١) شفقة المؤمن العارف الخائف لما كان يحذر، فيَسْتخِفُّه الخوف وتَسْتخِفُه الندامة، فينادي بعضُهم بعضًا - وهم قبل ذلك يتعارفون ويتواصلون ويتزاورون - فيجتمع المتهجدون من أهل كل بلدة في تلك الليلة في مسجد من مساجدهم، فيجأرون إلى الله - تعالى - بالبكاء والصراخ والتضرُّع بقيَّة تلك الليلة.

стр. 930

فإذا تمت لهم مقدار ثلاث ليال، أرسل الله ﵎ إليهما جبريل ﵇ فيقول لهما: إنَّ الرَّبَّ يأمركما أنْ تَرْجُعا إلى مَغارِبِكُما فتَطْلُعا منه، فإنَّه لا ضَوْءَ لكما عندنا ولا نور، قال: فيبكيان عند ذلك وَجَلًا مِنْ الله - تعالى - وشفقًا وخوفًا من يوم القيامة، بكاءً يَسمَعُه أهلُ سبع سماوات ومن دونهما، وأهلُ سُرادقات العرش وحملة العرش من فوقهما، فيبكون لبكائهما مع ما يُخالطهم من خوف الموت وخوفِ يوم القيامة وهوله، فترجع الشمس والقمر فيَطْلُعان مِنْ مَغْربهما. فبينا المتهجدون يبكون ويتضرَّعون ويجأرون إلى الله - تعالى -، والغافلون في غفلتهم وملاذهم، إذ نادى مُنادٍ: ألا إنَّ الشَّمس والقمر قد طلعا من المغرب، فينظر الناس فإذا بهما أسودان لا ضوء للشَّمس ولا نور القمر، مِثْلُهما في كسوفهما قبل ذلك، فذلك قوله : ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُورَتْ﴾ [التكوير: ١]، فيرتفعان كذلك مِثْلَ البعيريْن القَرْنَيْن يُنازع كل واحد منهما صاحبه استباقًا، ويتصارخ أهل الدُّنيا، وتَذْهَل الأُمَّهَاتُ عن أولادها، والأحِبَّة عن ثمرات قلوبها، وتشتغل كلُّ نَفْس بما آتاها، فأما الصالحون والأبرار فينْفَعُهم بكاؤهم يومئذ ويُكْتَبُ لهم عبادةً، وأمَّا الفُجَّار والفُسَّاق فلا يَنْفَعُهم بكاؤهم يومئذ، ويُجْعَل عليهم حَسْرةً. فإذا بلغ الشمس والقمر سُرَّة السَّماء - وهي النصف منها - جاءها جبريل ﵇، فأخذ بقرونهما، فردَّهما إلى المغرب، فلا يُغْرِبُهما مِنْ مَغاربهما من تلك العيون، ولكن يُغْرِبُهما من باب (١) التوبة». فقال عمر بن الخطاب ﵁: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، وما باب التوبة؟ فقال: «يا عمر، خلق الله ﵎ باب التوبة خلف المغرب، له مصراعان من ذهب، مُكَلَّلان بالدُّرِّ والجوهر ما بين المصراع إلى المصراع الآخر مسيرة أربعين عامًا للراكب المشرع، وذلك الباب مفتوح منذ يوم خلق الله - تعالى -.

стр. 931

خَلْقَه إلى صبيحة تلك الليلة، عند طلوع الشمس والقمر مِنْ مَغْربهما، ولم يَتُبْ عبد من عباد الله - تعالى - توبةً نَصُوحًا منذ يوم خلق الله - تعالى - آدم [إلى] (١) ذلك اليوم إلا ولَجَتْ تلك التَّوبة في ذلك الباب، ثم تُرفَع إلى الله - تعالى -» فقال معاذ بن جبل ﵁: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، وما التوبة النصوح؟ قال: «أَنْ يَندَمَ المُذنب على الذَّنْب الذي أصاب، فيَعْتَذِر إلى الله - تعالى -، ثم لا يعود إليه، كما لا يعود اللَّبَنُ إِلى الضَّرْع». قال: «فيُغْرِبُهما (٢) في ذلك الباب، ثم يَرُدُّ المِصْراعَيْن، فيلتئم بينهما، ويصيران مُبْهَمًا كأَنْ لم يَكُنْ بينهما صَدْعٌ قط، فإذا أُغْلِقَ بابُ التَّوْبَة لم يُقْبَلْ للعبد بعد ذلك توبة، ولم تَنْفَعْه حسنةٌ يَعْمَلُها في الإسلام إلا من كان قبل ذلك محسنًا، فإنَّه يجري له وعليه ما كان يجري من قبل ذلك، فذلك قول الله : ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام: ١٥٨]». فقال أبيّ بن كعب ﵁: أنا يا رسول الله وأهلي فداؤك، فكيف بالشمس والقمر يومئذ وفيما بعد ذلك؟ وكيف بالناس والدُّنيا؟ فقال: «يا أُبَيُّ، إِنَّ الشَّمس والقمر يَكْسِبان بعد ذلك الضَّوْء والنُّور، ويَطْلُعان على النَّاسِ ويَغْرُبان كما كانا قبل ذلك، فأمَّا النَّاس فإنَّهم إذا ما رَأَوْا من فظاعة تلك الآية وهَوْلِها وعِظَمِها، فإنَّهم يُقْبِلون على الدُّنيا، حتى يَجُرُّوا فيها الأنهار، ويَغْرِسوا النَّبت، ويَبْنُوا البنيان، وأمَّا الدُّنيا فلو نَتَجَ رجلٌ مُهْرًا لم يَرْكَبه حتى تقوم الساعةُ منذ تطلع الشمس من مغربها إلى يومِ يُنْفَخ في الصور». قال حذيفة ﵁: يا نبي الله، جعلني الله - تعالى - فداءك، فكيف بهم عند النفخة في الصور؟

стр. 932

فقال النبي ﷺ : «يا حذيفة، والذي نفسي بيده، ليُنفخَنَّ في الصُّور، ولتقومَنَّ (١) السَّاعةُ والرَّجُل قد لاط حوضه فلا يَكْرَع فيه، ولتقومَنَّ السَّاعَةُ والثوب بين الرَّجُلَيْن قد نشَراه فلا يتبايعانِه ولا يَطويانه، ولتقومَنَّ السَّاعَةُ والرَّجلُ قد رفع لُقمته إلى فيه فلا يَطْعَمْها - وزاد أبو الشيخ في روايته - ولتقومَنَّ السَّاعةُ والرَّجل قد انصرف للبن لقحته من تحتها فلا يَشْرَبُه - ثم اتَّفَقا - قال: ثم تلا هذه الآية: ﴿وَلَيَأْتِيَنَّهُم بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [العنكبوت: ٥٣]. فإذا قامت القيامة، وقضى الله - تعالى - بين أهل الدَّارَيْن، وميز بين أهل الجنَّةِ والنَّار، ولم يدخلوهما بعد، دعا الله ﵎ بالشمس والقمر، فيجاء بهما أسودَيْن مُكَوَّرَيْن، قد وقعا في زلازل وبلابل وهَوْلٍ عظيم، تَرْعُد فرائِصُهما من فزَعِ ذلك اليوم وخوفِ الرَّحمن فإذا كانا حيال العرش خرا الله - تعالى - ساجدين، فيقولان: إلهنا، قد عَلِمْتَ طَواعِيتنا لك، ودؤوبنا في عبادتك، وسُرْعتَنا لِلمُضِيّ في أمرك أيَّام الدُّنيا، فلا تُعذِّبْنا بعبادة المشركين إيَّانا، فقد علمت أنا لم نَدْعُ أحدًا إلى عبادتِنا، ولم نَذْهَلْ عن عبادتك، فيقول الرَّبُّ : صدَقْتُما، فإِنِّي قد قضَيْتُ على نفسي أَنِّي أُبْدِئُ وأُعيد، وإنِّي مُعِيدُكما إلى ما ابتدأتُكما منه، فارجعا إلى ما خلَقْتُكما منه، فيقولان: رَبِّ مِمَّ خِلَقْتَنا؟ فيقول: خلقتُكما مِنْ نورِ عَرْشي، فارجعا إليه، فيَلْتَمِعُ مِنْ كلِّ واحدٍ منهما بَرْقَةٌ تَكادُ تَخْطَفُ الأبصار نورًا، فيَخْتَلِطان بنور العرش، فذلك قوله : ﴿يُبْدِئُ وَيُعِيدُ﴾ [البروج: ١٣]». قال عِكْرِمة: فقمتُ مع النفر الذين حدَّثوا عن كعب ما حدثوا من أمر الشمس والقمر، حتى أتيناه فأخبرناه بما ذكر النَّفَرُ لابن عباس ﵄، وأخبرناه بغضبِ ابن عباس ووَجْدِه من حديثه، وبما حدَّث ابن عباس ﵄ عن رسول الله ﷺ فيما بين بدوئهما إلى معادهما، قال كعب: إنما حدَّثْتُ عن كتاب دارس منسوخ تداولته الأيدي، وابن عباس ﵄ حدَّث عن كتاب جديد

стр. 933

حديث العهد بالرحمن ناسخ، وعن سيّد الأنبياء وأفضل النَّبيِّين ﷺ ، ثم قام فأتينا ابن عباس ﵁ فقال له كعب: قد بلغني الذي (١) كان مِنْ مَوْجِدَتِكَ مِنْ حديثي عن الشمس والقمر، وما حدَّثْتَ به أنتَ بعد عن كتاب الله وعن رسوله ﷺ ، وإني أستغفر الله من ذلك وأتوب إليه، مع ما يعلم الله - تعالى - أني لم أتفق له من تلقاء نفسي، ولكنّي حُدِّثْتُ عن كتاب دارس منسوخ لا أعلَمُ ما فيه من تبديل كُفَّار اليهود، فأُحِبُّ أَنْ تُحدِّثني بما حدثت به أصحابك في أمر الشمس والقمر عن نبينا ﷺ ، فأحفظ الحديث عنك، فإذا حدَّثْتُ بشيءٍ من أمر الشَّمس والقمر فيما بعد كان الحديث بدلًا من الحديث الأول الذي حدَّثْتُ به. قال عكرمة: والله، لقد أعاد عليه ابن عباس الحديث، وإنِّي لأَسْتَقْرِئُه في قلبي شيئًا شيئًا، وبابًا بابًا، فما زادَ حَرْفًا ولا نقص، ولا قدم شيئًا ولا أخره، فزادني ذلك في ابن عباس رغبةً، وللحديث حفظًا (٢). وقال الحافظ: هذا لفظ رواية نُعيم بن حماد، ولفظ الآخر بمعناه، وهو حديث أبي عِصْمةً، يُعَدُّ في أفراده، وكان من أهل السُّنَّة، مُتَشدّدًا على أهل البدعة، يُقال له: الجامع، غير أنه في الحديث وروايته لين.

стр. 934

هذا الإسناد أيضًا عن ابن عباس ﵄: ٢٥٦ - أخبرنا أبو الخير محمَّدُ بنُ رَجاءِ التَّاجِرُ رَحم لله، أخبرنا أحمد بن أبي القاسم، أخبرنا أحمد بن موسى، حدثنا عبد الله بن إسماعيل بن إبراهيم الهاشمي، حدثنا محمد بن أحمد بن البراء، حدثنا عبد المنعم بن إدريس، عن أبيه قال: ذكَرَ وَهْبٌ، عن ابن عباس ﵄، عن النبي ﷺ قال: «خلق الله - تعالى - عند المشرق حجابًا مِنْ الظُّلْمة على البحر السَّابع» وذكر هذا الحديث من هذا الموضع الذي ذكرناه إلى قوله: ﴿وَلَيَأْتِيَنَّهُم بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [العنكبوت: ٥٣] (١). * * * ٢٥٧ - وأخبرنا أبو علي الحداد ﵀، حدثنا أبو نُعيم الحافظ، أخبرنا أبو بكر أحمد بن السندي الحداد ببغداد، حدثنا الحسن بن علي القطان، حدثنا إسماعيل بن عيسى العطّار، أخبرنا أبو حذيفة إسحاق بن بشر، قال: وزعم محمد بن إسحاق ومقاتل [بإسنادهما] (٢) عن ابن عباس ﵄: إِنَّ الله ﵎ خلق لليل ملكًا موكَّلًا به، وخلق حِجابًا مِنْ ظُلْمة مما يلي المشرق، فإذا غربت الشمس قبض الملك قبضةً من تلك الظُّلْمة، ثم يرفع يده فاستقبل بها المغرب، فلا يزال تخرج الظلمة (٣) من خلال أصابعه وهو يراعي الشَّفَق ويُرْسِلُها، فإذا غاب الشفق بسط كفّه، فطبق الدُّنيا ظُلمة، ثم نشر جناحه فساق ظُلمة الليل بالتسبيح حتى يسوقها إلى المغرب، ثم يجمعها فيضعها بالمغرب، فذلك حاله

стр. 935

كل ليلةٍ، حتى ينقل تلك الظُّلْمةَ من المشرق إلى المغرب، فإذا نقلها قامت القيامة (١). ٢٥٨ - أخبرنا الشيخ أبو غالب أحمد بن العباس الكوشيذي ﵀ تَحَمّله قراءةً عليه وأنا أسمع في المُحرَّم سنة خمس وخمس مئةٍ مرَّتَيْن: رابعه وعاشره، كلاهما يوم الأربعاء، أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله بنِ رِيْدَه، أخبرنا أبو القاسم سليمان بن أحمد الطبراني، حدثنا إسحاق بن إبراهيم الدبري، عن عبد الرزاق بن همام، عن يحيى بن العلاء الرّازي، عن عمه شعيب بن خالد، عن حنظلة بن سبرة، ح. وأخبرنا الشيخ الإمام أبو الرَّجاء أحمد بن [أبي] (٢) الفضل المُقْرى، بقراءة والدي عليه -رحمهما الله-، أخبرنا أبو الفضل عبد الرحمن بن أحمد بن الحسن الإمامُ - قَدِم علينا -، أخبرنا أبو القاسم جعفر بن عبد الله الروياني سنة ثمانين وثلاث مئة، حدثنا أبو بكر محمد بن هارونَ الرُّوياني إملاء، حدثنا هود بن عبد الله، حدثنا محمَّد بن حُمَيدٍ - وفَهِمْتُ بعضها، ولم أفهم بعضها؛ لأنه كان يَقرَؤُه على رجلٍ سِرًّا -، حدثنا هارون بن المغيرة، عن عمرو بن أبي قيس، عن شعيب بن خالد البجلي، عن عثمان، عن حَنْظلة بنِ سَبْرَةَ بنِ المُسَيَّبِ بنِ نَجَبةَ، عن أبيه، عن جده، عن عبد الله بن عباس ﵄ لما قال: كانت فاطمة ﵂ رضا تذكر لرسول الله ﷺ ، فلا يَذْكُرها أحَدٌ إلا صَدَّ عنه، حتى يئسوا منها. فَلَقِي سعدُ بنُ مُعَادٍ عَلِيًّا ﵄ يفه فقال: إِنِّي - والله - ما أُرَى رسول الله ﷺ يَحْبِسُها إلا عليك، فقال له علي ﵁: فلِمَ تُرى ذلك؟ فوالله ما أنا بأحَدِ

стр. 936

الرَّجُلين: ما أنا بصاحب دُنْيا يَلْتَمِس ما عندي، وقد علم ما لي صفراء ولا بيضاء، وما أنا بالكافر الذي يترفَّقُ بها عن دينه - يعني: يَتأَلَّفَه بها - إِنِّي لَأَوَّلُ مَنْ أسلم، فقال سعد: فإِنِّي أَعْزِم عليك لَتُفْرِجنَّها عنِّي؛ فإنَّ لي في ذلك فرجًا، قال: أقول ماذا؟ قال: تقولُ: جِئْتُ خاطبًا إلى الله وإلى رسوله فاطمة بنت محمد ﷺ . فانطلق علي ﵁، فعرض للنبي ﷺ وهو ثقيل حَصِرٌ، فقال له النَّبِيُّ (١): «كأنَّ لك حاجةً يا علي؟» قال: أجَلْ، قال: جِئْتُكَ خاطبًا إلى الله تعالى - وإلى رسوله ﷺ فاطمة بنت محمد، فقال له النبي ﷺ : «مرحبًا» كلمةً ضعيفةً. فرجع عليٌّ إلى سعد بن معاذ ﵄ فقال له: قد فعلتُ الذي أمَرْتَني به، فلم يَزِدْ على أَنْ رحَبَ بي كلمةً ضعيفة، فقال سعد: أَنْكَحَكَ والذي بعثه بالحقِّ، إِنَّه لا خُلْفَ الآن، ولا كَذِب عنده أَعْزِمُ عليكَ لتأتينه غدًا، فلتقولَنَّ: يا نبي الله، متى تُبنيني؟ فقال علي ﵁: هذه أشَدُّ عليَّ مِنْ الأولى، أَوْ: لا؟ أقول: يا رسول الله، حاجتي، قال: قُلْ كما أمَرْتُك فانطلق علي ﵁، فقال: يا رسول الله متى تُبنيني؟ - وفي رواية الرُّوياني: متى تَبْتَنِي بي؟ في الموضعين - فقال: «اللَّيلةَ إِنْ شاء الله» - وفي إحدى روايتي الطبراني: قال: «غدًا إن شاء الله» - ثم دعا بلالًا، فقال: «يا بلال، إنِّي قد زوَّجْتُ ابنتي ابنَ عَمِّي، وأنا أُحِبُّ أن يكونَ مِنْ سُنَّةِ أُمَّتِي الطَّعامُ عند النكاح، فَأْتِ المَغْنَمَ فَخُذْ شاةً وأربعة أمداد أو خمسة، فاجعل لي قَصْعةٌ، لَعَلِّي أجمَعُ عليها المهاجرين والأنصار، فإذا فرَغْتَ منها فآذِنِّي بها»، فانطلق ففعل ما أمره، ثم جاء بقصعة فوضعها بين يديه، فطعن رسول الله ﷺ في رأسها، ثم قال: أَدْخِل عليَّ النَّاسِ زُفَةً زُفَةً، ولا تُغادِرَنَّ زُفَةٌ إلى غيرها - يعني: إذا فرغَتْ زُفَةٌ لا تَعُد ثانيةً، فجعل النَّاسُ

стр. 937

يَرِدُون، كلَّما فرغَتْ زُفَةٌ وردَتْ أخرى - وفي رواية: رفقة، بدل: زُفّة، في المواضع - حتى فرغ الناس. ثم عمد النَّبِيُّ ﷺ إليَّ بأفضل منها، فتفَل فيها وبارك - وفي رواية الرُّوياني: ثم كبَّب بَقيَّتَها، وتفل فيها وبرك - وقال: «يا بلال، اِحْمِلْها إلى أُمَّهاتِك، وقُلْ لَهُنَّ: كُلْنَ، وأَطْعِمْنَ مَنْ غَشِيكُنَّ». ثم قام النبي ﷺ حتى دخل على النِّساء، فقال: «إني زوَّجْتُ ابنتي ابن عَمِّي، وقد عَلِمْتُنَّ منزلتها مِنِّي، وأنا دافِعُها إليه، فدونَكُنَّ ابنتَكُنَّ»، فَقُمْنَ النِّساء إليها، فَغَلَّفْنَها مِنْ طِيبهِنَّ، والبَسْنَها مِنْ ثيابهِنَّ، وحَلَّيْنَها مِنْ حُلِيِّهِنَّ - زاد الرُّوياني في روايته: وجَعَلْنَ في بيتها فراشًا - وذكر كلمةً خَفِيَتْ عليَّ - حَشْوُها ليف، ووسادةً، وكِساء خَيْبريًا، ومِخْضَبًا، واتَّخَذْنَ أم أيمن بوابةً. ثمَّ إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ دخل، فلما رأى النِّساءُ وثَبْنَ، وبينَهُنَّ وبين النَّبِيِّ ﷺ ستر، وتخلَّفَتْ أسماء بنت عُميس (١) ﵂، فقال النَّبِيُّ ﷺ : «على رِسْلِكِ، مَنْ أنت؟» قالت: أنا التي أحرس ابنتك، إنَّ الفتاة ليلةَ يُبْنَى بها لا بُدَّ لها من امرأة تكون قريبًا منها، إِنْ عرضت لها حاجة، أو أرادت شيئًا، أَفْضَتْ بذلك إليها، قال: «فإنّي أسأل إلهي أَنْ يَحْرُسَكِ من بينِ يَدَيْكِ ومن خلفك وعن يمينك وعن شمالكِ من الشَّيطان الرجيم» - وزاد الرُّوياني في روايته: فقال لها النَّبِيُّ ﷺ : «ما أخَّرَكِ إلا ذلك؟» فقالت: إي والذي بعث نفسك بالحقِّ [ … ] (٢) والرُّوح الأمين يأتيك، ثم اتفقا: -. قال: ثم صرخ بفاطمة ﵂ فأقبلت، فلما رأتْ عَلِيًّا ﵁ جالسًا إلى جنب النَّبيِّ ﷺ حضرت وبكت، فأشفَقَ النَّبِيُّ ﷺ أن يكون بكاؤُها لأنَّ عليا ﵁ انه لا مال له، فقال النَّبِيُّ ﷺ : «ما يُبكيك؟ فما أَلَوْتُكِ في نفسي، وقد أصَبْتُ لك خير أهلي - وفي رواية: فما أَلَوْتُكِ ونفسي، وايم الذي نفسي

стр. 938

بيده، لقد زوَّجْتُكِ سعيدًا في الدُّنيا، وفي رواية: «سيدًا في الدُّنيا»، وإنَّه في الآخِرَرة لمن الصَّالحين». وزاد الروياني في روايته: ثم أقبل النَّبيُّ ﷺ حتى دق الباب، فقالت أم أيمن: مَنْ هذا؟ فقال: «أنا رسولُ الله» ﷺ ، ففتحت له الباب وهي تقول: يا نبِيَّ الله، بأبي أنت وأُمِّي، قال: «أثَمَّ أخي، أم أيمن؟» قالت: مَنْ أخوك؟ قال: «علي»، فقالت أم أيمن: يا رسول الله، هو أخوك وتُزوِّجُه؟! قال: «نعم» فقالت: إنَّما نعرف الحلال والحرام بك. ثم إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ أقبل هو وعليٌّ حتى جلسا مَجْلِسَهما، ثم هتف: «يا فاطمة» وهي في بعض بيوته، فأقبلَتْ، فلما رأت زوجها مع النبي ﷺ حضرت وبكت فقال لها: أذن مِنِّي فَدَنَتْ منه، فأخذ بيدها ويد علي ﵄، فلما أراد أن يجعل كلها في كَفّه دمعت عيناها، فرفع النَّبِيُّ ﷺ رأسه إليها، وقال لها ما قال فلان منها، وأمكنته من كفّها. رجعنا إلى رواية الطبراني: فقال النبيُّ ﷺ : «يا أسماء، ائتني بالمِخْضَب، فامْلَئِيه ماء»، فأَتَتْ أسماء بالمِخْضَب وملأته ماء، فتمسح النبي، فغسل فيه وجهه وقدميه، ثم دعا فاطمة فأخذ كفًّا من ماء فضرب به على رأسها، وكفًّا بين ثَدْيَيْها، ثم رشَ جِلْدَه وجِلْدَها، ثم التزمها، فقال: «اللهمَّ، إِنَّها مِنّي وإنّي منها، اللهم كما أذهَبْتَ عنِّي الرِّجْسَ (١) وطهَّرْتَني فطهرها»، ثم دعا بمِخْضَب آخر، ثم دعا عليًّا، فصنع به كما صنع بها، ثم دعا له كما دعا لها، ثم قال: «قوما إلى بيتكما جمع الله بينكما، وبارك في شَبْرِكُما، وأصلَحَ بالكُما» ثم قامَ، فأغلق عليهما بابه بيده. قال ابن عباس ﵄: فأخبرتني أسماء بنت عُميس أَنَّها رَمَقَتْ رسول الله ﷺ ، فلم يزل يدعو لهما خاصَّةً، لا يُشْرِكُهما في دعائه أحدًا، حتى توارى في حجرته.

стр. 939

زاد الروياني: وكان النَّبِيُّ ﷺ يقول: «إِنِّي لأعرض بناتي على قومي، ولا أخطب إليهم بناتهم»، يريد بذلك النَّبيُّ ﷺ دين أحدهم ودنياه، فقال ذات يوم: «أَيُّكُم يُنْكِحُني أو أُنْكِحُه؟» فخطب عثمان بن عفان له يعني ابنته، فأنكحه، فتُوفِّيَتْ قبل أن يَبْنِيَ بها، فقال: يا نَبِيَّ الله، عنفني قومي وشمتوا، فغَضِب، فزوجه الأخرى. وقال أبو سفيان بن حرب: دونك أم حبيبة؛ فإنَّها قد اختارت دينك على دن آبائها وزوجها، وكان زوجها عُبَيدَ الله بن جحش، وكان انطلق إلى النجاشي فيمن انطلق، فدعته النصارى إلى النصرانية، فاستجاب لهم، فَبَرِئَتْ منه أم حبيبة، واختارت الإسلام ﵂ (١). هذا حديث غريب، رواه الطبراني في موضعين، ولفظ الحديث على روايته، وهو من أفراد أهل الرَّيِّ. وشعيب بن خالد: كان قاضيًا على أهل الذِّمَّة خاصةً بالري، وروايته عن حنظلة هذا مشهورة مذكورة. وعثمان الذي ذُكر بينهما: غير معروف ولا صحيح. وسبرة بن المسيب: ذكر البخاري وأبو حاتم الرازي أنَّه يَرْوي بنفسه عن ابن عباس من غير ذكر أبيه بينهما. والزقة: الجماعة.

стр. 940

والشِّبْرُ: النكاح (١). (وما أَلَوْتُكِ في نفسي) أي: ما قصَّرْتُ في الاختيار لكِ فيما أُرَى، وفي الرواية التي فيها: (ما أَلَوْتُكِ ونفسي) أي: في الاختيار لك ولي. وقوله (فتمسح) أي: تطهر. وما ذُكر في رواية الروياني أنَّ عثمان ﵁ لم يَبْتَنِ بابنةِ النَّبِيِّ ﷺ الأولى غير معروف، والله أعلم. ٢٥٩ - أخبرنا الشَّيخُ الصَّالح أبو منصور محمود بن إسماعيل الصَّيرفيّ ﵀ فيما أذن لي أن أرويه عنه، أخبرنا أبو الحسين أحمد بن محمد بن الحسين بن فاذشاه، حدثنا أبو القاسم سليمان بن أحمد الطبراني، حدثنا أحمد بن داود المكي، حدثنا إسماعيل بن مهران الواسطي (٢). وكتب إليَّ الإمام أبو المحاسن مسعود بن محمد بن غانم (٣) من هراة به نازلًا، أنَّ أبا القاسم أحمد بن منصور، ومحمد بن أبي طاهر بن محمد بن عبد الله الزيادي الخليلي، أخبرنا أبو القاسم علي بن أحمد بن محمد البخاري، حدثنا الهيثم بن كُليب الشَّاشي، حدثنا أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة، حدثني إبراهيم بن مسلم، عن إسماعيل بن مهران. حدثنا دَيَّانُ بنُ عبَّاد المَذْحِجي، عن عُمرَ بنِ موسى، عن الزهري، عن عُبيد الله بن عبد الله بن عُتبة، عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: كان رسول الله ﷺ إذا صلَّى الغَداة قعد في مُصلاه حتى تَطْلُعَ الشَّمس، فقال يومًا:

стр. 941

«يَطْلُع عليكم من هذا الفَجِّ مِنْ خير ذي يمن عليه مَسْحَةُ مَلَكِ» فطلع جريرُ بنُ عبد الله البجلي ﵁ في أحدَ عَشَرَ راكبًا من قومه، فعقَلُوا رِكَابَهُم، ثم دَنَوْا، فقال جرير: السلام عليكم يا معشر قريش، أين رسول الله؟ فقال رسول الله ﷺ : «يا جريرُ أَسْلِمْ تَسْلَمْ، إِنَّ غِلَظَ القلوب والجَفاءَ والحُوبَ في أهل الوبَرِ والصُّوف يا جريرُ إِنَّك لن تَسْتحِق حقيقة الإسلام ولا تَسْتَكمِل شريعة الإيمان، حتى تدَعَ عِبادة الأوثان يا جريرُ إِنِّي أُحَذِّرُكَ الدُّنيا وحلاوة رضاعها، ومرارة فطامها». قال جرير: يا رسول الله، اُدْعُ الله - تعالى - أن يشرح صدري للإسلام، فقال: «اللهُمَّ اشْرَحْ صدره للإسلام، ولا تجعله من أهل الردة، ولا تُكْثِر له فيَطْغَى، ولا تمُدَّ له فَيَنْسَى». قال جرير: فما الذي أتيتُ وأنا أريد أن أسألك عنه؟ قال: «أتيتَ وأنت تريد أن تسألني عن حق الوالد على ولده؛ إنَّ من حق الوالد على ولده: أن يخضَعَ له في الغضَبِ، وأن يُؤْثِرَه في الرضا، ومن حق الولد على والده: أن يُحْسِنَ أدبه، ولا يجحَدَ نسبه، إِنَّ المُكافئ ليس بالواصل، إنَّما الواصل من إذا قطعت رحمه وصلها». فقال: والذي بعثك بالحقِّ، لهذا أردتُ أن أسألك، ما أردت أن أسألك عن شيء غيره، أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك عبده ورسوله. قال: «أين تنزلون يا جرير؟». قال: ننزل في أكناف بيشةَ، بين سَلَمِ وأَرَاكِ، وسَهْل ودَكْداك، وحموض وعَنَاكَ، وَنَخْلَةٍ وضَالَةٍ، وسِدْرة وآأة، ونَجْمةٍ وأَثْلة، شتاؤنا ربيع، ورَبِيعُنا مريع، وماؤنا يَمِيع، لا يُقام ماتِحُها، ولا يَحْسُر صابِحُها، ولا يَعْزُب سارحها (١).

стр. 942

فقال النبي ﷺ : «أما إنَّ خير الماء الشَّبِم، وخير المال الغنم، وخير المرعى الأراكُ والسَّلَم، إذا أخلف كان لجينًا، وإذا أُكل كان لبينا، وإذا سقط كان دَرِينًا». فقال جرير: يا رسول الله، أخبرني عن سماء الدنيا، وعن الأرض السُّفلى؟ قال: «خلق الله السماء الدنيا من المَوْج المكفوف، وحففها بالنجوم، وجعلها رُجومًا للشَّياطين، وحِفْظًا من كلِّ شيطان رجيم، وخلق الأرض السُّفْلَى من الزبد الجفاء، والماء الكباء، وجعلها فوق صخرة على ظَهْرِ حوت، يخرج منها الماء، فلو انخرقَ منها خَرْقٌ لأَذْرَت الأرضُ مَنْ عليها، سُبحان خالق النور». قال جرير: يا رسول الله، أبسط - يعني: يدك - أُبايعك، فبسط يده، فقال: يا رسول الله، اعْتَقِدْ. قال: «تشهد أن لا إله إلا الله، وأنّي عبد الله ورسوله» قال: نعم. قال: «وأن تُقيم الصَّلاةَ، وتُؤدِّيَ الزَّكاة» قال: نعم. قال: «وأن تصوم رمضان، وتحج البيت» قال: نعم. قال: «وأن تغتسل من الجنابة» قال: نعم. قال: «وأن تسمع وتُطِيعَ وإِنْ كان عبدًا حبشِيًّا [قال: نعم] (١)».

стр. 943

اللَّفْظُ لِرِوايَةِ الطَّبَرانيّ، وهو غَريبٌ من حديثِ الزُّهْريِّ، لا يَعْرِفُ إلا مَنْ حديثِ الدِّيَّانِ، وهو بالدَّالِ، وقد يقالُ له: دَيَّانُ بنُ عبدِ الله أيضًا. وقع لي عاليًا من حديثه، كأن شيخي سمعه من أصحاب ابن قُتَيْبَةَ، وكأني سمعته من أبي عبد الله بن مُنْدَه الحافظ؛ فإنه يروي عن الهيثم أيضًا عنه. وقوله (مُسْحَةُ مُلْكٍ) كلمة مَدْحٍ تَقُولُها العربُ للرَّجُلِ الخَيِّرِ، كما تقول: عليه مُسْحَةُ جمال، ومُسْحَةُ عِتْق. و (الْحُوبُ) الإِثْمُ. وقوله (لَا تَمُدَّ له) أي: لا تُطِلِ المُدَّةَ عليه، كما قال تعالى: ﴿فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ﴾ [الحديد: ١٦]. و (بِيْشَة) واد لبني خُفَاجَةَ، وهم حَيُّ من قبيلة قيس. والسَّلَمُ: شَجَرٌ من العِضَاهِ، واحدتها: سَلَمة، تقدَّم ذكرنا في شرحه (١) في حديث آخر من هذا الكتاب. والأَرَاكُ: شَجَرٌ معروف يُتَّخَذُ منها السِّوَاكُ، ويعتلف منها الإبل. والدُّكْدَاكُ والدُّكْدُكُ من الرَّمْلِ: ما التَبَدَّ وارتفع من الأرض غير طويل، ومثله: أَكَمَةٌ دَكَّاءُ، إذا اتَّسع أعلاها وتسَطَّح.

стр. 944

والحموض: جمع حَمْض، وهو من النَّبْت كلُّ ما فيه حموضة، ويقال: هو للإبل بمنزلة اللحم والفاكهة. والعناك: كذا في رواية الطَّبَراني، وفُسِّر بالرَّمْل، والعانك: قيل: رمل (١) في لونه حُمْرة، وذكر الأزهري أنه خطأ وتصحيف وإنما هو: عاتك - بالتاء ـ، وفي رواية القُتَبي (٢): علاك - باللام - وهو شجر ينبت بالحجاز، ويقال له: العلك أيضًا، ويقال: هي شجرُ سَوْءٍ. والضَّالَة: على وزن القالة - بتخفيف اللام -: السدر البري، وفي رواية القتبي: نحلة، بدل: ضالة. و (آأة) على وزن آلة، قيل: هي شجر أيضًا والنجم: النَّبت. والأثل: شجر معروف. والمريع: الخصيب. و (يميع) أي: يسيل مِنْ عِلْمٍ، يقال: ما عَ واماع، إذا سال، ويُروَى: يريع، أي: يعود ويزيد الماء. والماتح: بالتاء المنقوطة من أعلى، هو المستقي بالدلو من أعلى البئر. والمايح: بالياء المنقوطة من أسفل، الذي ينزل البئر ويجعل الماء بيده من أسفل البئر في الدلو. أي: لا يُحتاج إلى أن يُقام ويُجعل لمائنا ماتح؛ من كثرة الماء، وكونه ظاهرًا على وجه الأرض. وقوله (لا يَحْسُر) أي: لا يَعْيا من قوله تعالى: ﴿وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ [الملك: ٤].

стр. 945

والصابح: الذي يسقي الإبل صباحًا. أي: لا يتعب من سقي الإبل؛ لأن الماء على وجه الأرض. (ولا يَعْزُب) أي: لا يَبْعُد. والسارح: ما رعى من الأنعام، أي: يجد بالقرب من منازلهم مرعى يكفيه. و (الشَّيم) البارد. وقال القُتَبي: أَحْسَبُه السَّنِم، وهو الماء المرتفع على وجه الأرض، مأخوذ من سنام البعير. وقوله (إذا أخلف) أي: أخرج الخِلْفة، وهي ورق يخرج بعد الورق الأول. واللجين: هو الخبط، يجف ثم يُدَقُّ حتى يتلجن، أي: يتلرَّج، ثم يُوجَرُه الإبل. والدرين: حُطام المرعى إذا قدم. واللبين: بمعنى الإبل، أي: هو مُدِر لِلَّبن، مُكْثِرُ له. و (الزَّبَد الجفاء) ما جفاه الوادي فرَمَى به، وأَجْفَات القِدْرُ بزَبَدِها، أي: ألقته، من قول الله - تعالى -: ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاء﴾ [الرعد: ١٧]. و (الماء الكباء) هو العالي العظيم، وقد كبا الفرسُ يكبو، إذا ربا وانتفخ، كأنه يريد ما ربا على الماء مِنْ الزَّبَد، وتكاثف في جنبات الماءز قوله (اعْتَقِدْ) أي: اِشْتَرِط عليَّ. ٢٦٠ - أخبرنا محمد بن أبي الفتح التاجر ﵀، أخبرنا أحمد بن أبي القاسم، أخبرنا أحمد بن موسى الحافظ، أخبرنا محمد بن أحمد بن إبراهيم، حدثنا محمد بن أيوب، أخبرنا محمد - يعني: ابن حميد ـ، حدثنا جرير، عن أشعث، عن جعفر، عن سعيد (١) بن جبير، عن ابن عباس ﵄ أنَّ أبا مُعَيْط

стр. 946

كان يجلس مع النبي ﷺ لا يؤذي، وكان رجلًا حليمًا، وكان بقية قريش إذا جلسوا معه آذَوْه، وكان لأبي مُعَيْط خليلٌ غائبٌ عنه بالشام، فقالت قريش: صبًا أبو معيط. فقدم خليله من الشام ليلًا، فقال لامرأته: ما فعل محمد مما كان عليه؟ فقالت: أشدَّ ما كان أمرًا، فقال لها: فما فعل خليلي أبو معيط؟ فقالت: صبأ، فبات بليلة سوء، فلما أصبح أتاه أبو مُعَيط، فحيَّاه، فلم يرُدَّ التَّحِيَّةَ، فقال: ما لَكَ لا تَرُدُّ عليَّ تحيَّتي؟! فقال: كيف أرُدُّ عليك تحيّتك وقد صبوت، فقال: أو قد فعلتها قريش؟! قال: نعم، قال: فما الذي يبرئ صدورهم إن أنا فعلت؟ قال: تأتيه في مجلسه فتبزق في وجهه ثم تشتمه بأخبث ما تعلم من الشَّتْم، ففعل، فلم يزد النَّبيُّ ﷺ على أن مسح وجهه من البزاق، ثم التفت فقال: «لئن وجدتك خارجًا من جبال مكة أبدًا». فلما كان يوم بدر، وخرج أصحابه أبى أن يخرج، فقال له أصحابه: اخرج معنا، فقال: وعدني هذا الرَّجُل إن أخذني خارجًا من جبال مكة ضرب عنقي صَبْرًا، فقالوا: لك جمل أحمر لا يُدْرَك، فإن كانت الهزيمة طِرْتَ عليه، فخرج معهم. فلما هزم الله - تعالى - المشركين، وحلَّ به جمله في جدد من الأرض، فأخذه رسول الله ﷺ في سبعين من قريش فيهم: العباس بن عبد المطلب، وعقيل بن أبي طالب ﵄، فجعل عليهم الفداء أربعين أُوقِيَّة من ذهب، وجعل على العباس عمه مئة أوقية، وعلى عَقِيل بن أبي طالب ثمانين، وقدّم إليه أبو معيط، فقال: يا محمد، تقتلني من بين هؤلاء، وأنا أكبرهم سنًّا، وأكثرهم مالًا؟ فقال: «نعم بما بزَقْتَ في وجهي» فأنزل الله : ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَالَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا﴾ إلى قوله: ﴿وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنسَانِ خَذُولًا﴾ (١).

стр. 947

وقال العباس بن عبد المطلب: للقرابة صنعت هذا، فوالذي حلف به العباس، لقد تركتني فقير قريش ما بَقِيت قال: كيف تكون فقير قريش وقد استودَعْتَ بنادِقَ الذَّهَبِ أم الفضل، ثم أقبَلْتَ فقلت لها: إن قُتِلتُ فقد تركتُكِ غنية ما بَقِيتِ (١) [وإنْ رَجَعْتُ فلا يُهِمَّنَّكِ شيء؟ فقال: إنّي أشهدُ أَنْ لا إله إلا الله، وأشهد أنك رسول الله ما أخبرك بهذا إلا الله - تعالى - فأنزل الله : ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُم مِنَ الْأَسْرَى﴾ إلى قوله - تعالى -: ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٢) فقال حين نزلت: يا نبي الله، لوَدِدْتُ أَنَّك كنتَ أخذتَ مِنِّي أضعافها، فأتاني الله خيرًا منه] (٣).

стр. 948

ومن (١) حديث قَيْلةَ بنتِ مَخْرَمةَ ﵂ - ٢٦١ - أخبرنا أبو غالب أحمد بن العباس، أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله، ح. وأخبرنا أبو علي الحسن بن أحمد، حدثنا أبو نعيم أحمد بن عبد الله. قالا: حدثنا سليمان بن أحمد بن أيوب، حدثنا يعقوب بن إسحاق المُخَرِّمي، حدثنا عفان بن مسلم. قال سليمان: وحدثنا محمد بن زكريا الغلابي، حدثنا عبد الله بن رجاء الغداني. قال سليمان: وحدثنا محمد بن هشام بن أبي الدُّمَيك المستملي، حدثنا عبيد الله بن محمد ابن عائشة التيمي. زاد محمد بن [ … ] (٢)

стр. 949

قال [الطبراني: وحدثنا] معاذ بن المثنى وأبو خليفة قالا: حدثنا [عبد الله] بن سَوَّار بن قدامة بن عنزة العنبري، ح. وأخبرنا أبو علي، حدثنا أبو نعيم، حدثنا فاروق بن عبد الكبير، حدثنا أبو مسلم الكشي، حدثنا أبو عمر الحوضي. قال أبو نعيم: وحدثنا القاضي أبو أحمد محمد بن أحمد بن إبراهيم، حدثنا محمد بن أيوب، حدثنا أبو عمر الحوضي، وعلي بن عثمان اللاحقي، وعبد الله بن سَوَّار العنبري. قال أبو نعيم: وحدثنا أبو أحمد الغطريفي، حدثنا أبو خليفة، حدثنا عبد الله بن سَوَّار، حدثنا عبد الله بن حسان العنبري أبو الجنيد أخو بني كعب بن العنبر، قال: حدثتني جدَّتاي: صَفِيَّةٌ ودُحَيْبة بنتا عُلَيْبة، وكانتا ربيبتي قيلة - هذا لفظ رواية أبي غالب، وفي رواية الآخر زاد: وكانت (١) [قَيْلةُ] بنتُ مخرمة جدة أبيهما أم [أمه]- أنها كانت تحت حَبِيب بن أزهر أخي بني جناب، فولدت له النِّساء، ثم تُوفّي، فانتزع بناتها منها أَثْوَبُ بنُ أزهر عمهنَّ، فخرجَتْ تبتغي الصَّحابة إلى رسول الله ﷺ في أول الإسلام، فبكت جويرية منهُنَّ حُدَيباءُ قد كانت أخذَتْها الفَرْصةُ، وهي أصغَرُهنَّ، عليها بَيِّجٌ لها من صوف، فرحمتها فاحتملتها معها. فبينا هما تُرْتِكان الجمل إذ انتفَجَتْ الأرنب، فقالت الحديباءُ: الفَضية، لا والله لا يَزالُ كعبكِ أعلى مِنْ كَعْبِ أَثْوَبَ في هذا الحديث أبدًا، ثم سنح الثعلبُ، فسمته اسمًا غير الثعلب - نسيه عبد الله بن حسان - ثم قالت ما قالت في الأرنب. فبينما هما تُرْتِكان، إذ برك الجملُ وأخذته رِعْدة، فقالت الحُدَيباءُ: أدركتك (٢) - والأمانة -[أَخْذةُ أَثْوَبَ، فقلتُ - واضْطُرِرْتُ إليها -: ويحكِ ما

стр. 950

أصنع؟ قالت: قلبي ثيابك ظهورها لبطونها وتدَحْرَجي] (١) ظهرك لبطنك، وقلبي أحلاس جملك. ثم خلعَتْ سُبَيِّجَها فقلَبَتْه، وتدحرجَتْ ظهرها لبطنها، فلما فعلت ما أمرتني، انتفض الجمَلُ، ثم قام وتفاج وبال، فقالت الحديباء: أعيدي عليه أداتَكِ، ففعلتُ ما أمرتني به، فأعَدْتُها. ثم خَرَجْنَا نُرْتِك، فإذا أَثْوَبُ يَسْعَى على إِثْرِنا بالسَّيْف صَلْتًا، فوأَلْنا إلى حواء ضخم (٢) فداراه حتى ألقى الجمل إلى رُواقِ البيت الأوسط، جمل ذلول، واقتحمت داخِلَةً بالجارية، وأدركني بالسيف، فأصابَتْ ظُبَته طائفة من قرون رأسي - وفي غير هذه الرواية: من قرون رأسية - وقال: أَلْقِي إليَّ بنت أخي يا دفار، فرمَيْتُ بها إليه، فجعلها على منكبه فذهب بها، وكنتُ أعلم به من أهل البيت. ومضَيْتُ (٣) [إلى أخت لي ناكح] (٤) في بني شَيْبان، أبتغي الصحابة إلى رسول الله ﷺ أول الإسلام، فبينما أنا عندها ذات ليلة من الليالي تحسب عنِّي نائمة (٥)، جاء زوجها من السامر، فقال: وأبيكِ، لقد وجدتُ لِقَيْلةَ صاحبًا صاحب صدق، فقالت أختي: من هو؟ قال: حُرَيث بن حسان الشَّيْبَانِيُّ وافِدُ بَكْرِ بن وائل إلى رسول الله ﷺ غاديًا ذا صباح، فقالت أختي: الويل، لا تسمع بهذا أختي فتخرج مع أخي بكر بن وائل بين سَمْعِ الأرض وبصرها، ليس معها من قومها رجلٌ، فقال: لا تَذْكُريه لها، فإنِّي غيرُ ذاكِرِه لها.
следующие страницы →