← Акыда

Акыда · id 30197

سبيل الرشاد في هدي خير العباد

محمد تقي الدين الهلالي

Полный текст (2 277 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.

стр. 1016

الصالح، اللذان لا سعادة للعبد إلا بهما ولا نجاة له إلا بالتعلق بسببهما، فمن رُزِقهما فقد فاز وغنم، ومن حُرِمهما فالخير كله حُرِم. وهما مورد انقسام العباد إلى مرحوم ومحروم، وبهما يتميز البر من الفاجر، والتقي من الغوي والظالم من المظلوم، ولما كان العلم للعمل قرينًا وشافعًا وشرفه لشرف معلومه تابعًا، كان أشرف العلوم على الإطلاق علم التوحيد، وأنفعها على أحكام أفعال العبيد، ولا سبيل إلى اقتباس هذين النورين، وتلقي هذين العلمين إلا من مشكاة من قامت الأدلة القاطعة على عضمته وصرحت الكتب السماوية بوجوب طاعته ومتابعته، وهو الصادق المصدوق الذي لا ينطق عن الهوى، ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٤]. ولما كان التلقي عنه ﷺ على نوعين: نوع بواسطة، ونوع بغير واسطة، وكان (١) بلا واسطة حظ أصحابه الذين حازوا قصبات السباق، واستولوا على الأمد فلا طمع (٢) لأحد من الأمة بعدهم في اللحاق. ولكن المبرز من اتبع صراطهم المستقيم، واقتفى منهاجهم القويم والمتخلف من عدل عن طريقهم ذات اليمين وذات الشمال، فذلك المنقطع التائه في بيداء المهالك والضلال، فأي خصلة خير لم يسبقوا إليها؟! وأي خطة رشد لم يستولوا عليها؟! تالله لقد وردوا رأس الماء من عين الحياة عذبًا صافيًا زلالًا، وأيدوا (٣) قواعد الإسلام فلم يدعوا لأحد بعدهم مقالًا، فتحوا القلوب بعدلهم وبالقرآن والإيمان، والقُرَى بالجهاد بالسيف والسنان، وألقوا إلى التابعين ما تلقوه من مشكاة النبوة خالصًا صافيًا، وكان سندهم فيه عن نبيهم ﷺ عن جبريل عن رب العالمين سندًا صحيحًا عاليًا، وقالوا: هذا عهد نبينا إلينا وقد عهدنا إليكم، وهذه وصية ربنا وفرضه علينا وهي وصيته وفرضه عليكم؛ فَجَرى التابعون لهم بإحسان على منهاجهم القويم، واقتفوا على آثارهم صراطهم المستقيم. ثم سلك تابعو التابعين هذا المسلك الرشيد، ﴿وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ﴾ [الحج: ٢٤]. وكانوا بالنسبة إلى مَنْ قَبْلَهم كما قال أصدق القائلين: ﴿ثُلَةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٣) وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ﴾ [الواقعة: ١٣، ١٤].

стр. 1017

ثم جاء (١) الأئمة من القرن الرابع المفضل في إحدى الروايتين، كما ثبت في «الصحيح» (٢) من حديث أبي سعيد وابن مسعود وأبي هريرة وعائشة وعمران بن حصين، فسلكوا على آثارهم اقتصاصًا واقتبسوا هذا الأمر عن (٣) مشكاتهم اقتباسًا، وكان دين الله سبحانه أجل في صدورهم وأعظم في نفوسهم من أن يقدموا عليه رأيًا أو معقولًا أو تقليدًا أو قياسًا، فطار لهم الثناء الحسن في

стр. 1018

العالمين، وجعل الله سبحانه لهم لسان صدق في الآخرين. ثم سار على آثارهم الرعيل الأول من أتباعهم، ودرج على منهاجهم الموفَّقون من أشياعهم زاهدين في التعصب للرجال واقفين مع الحجة والاستدلال، يسيرون مع الحق أين سارت ركائبه، ويستقلون مع الصواب حيث استقلت مضاربه، إذا بدا لهم الدليل (١) طاروا إليه زرافات ووحدانًا، وإذا دعاهم الرسول إلى أمر انتدبوا إليه ولا يسألونه على ما قال برهانًا، ونصوصه أجل في صدورهم وأعظم في نفوسهم من أن يقدموا عليها قول أحد من الناس أو يعارضوها برأي أو قياس. ثم خلف من بعدهم خُلُوف ﴿فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [الروم: ٣٢] وتقطعوا أمرهم بينهم زبرًا وكل إلى ربهم راجعون، جعلوا (٢) التعصب للمذاهب ديانتهم التي بها يدينون ورؤوس أموالهم التي بها يتجرون، وآخرون منهم قنعوا بمحض التقليد، وقالوا: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٣]، والفريقان بمعزل عما ينبغي اتباعه من الصواب، ولسان الحق يتلو عليهم: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيكُمْ وَلَا أَمَانِي أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ [النساء: ١٢٣]. قال الشافعي (٣) قدس الله روحه: «أجمع المسلمون على أن من استبانت له سنة رسول الله ﷺ لم يكن له أن يدعها لقول أحد من الناس». قال (٤) أبو عمر (٥) وغيره من العلماء: «أجمع الناس على أن المقلد ليس معدودًا من أهل العلم، وأن العلم معرفة الحق بدليله». وهذا كما قال أبو عمر رحمه الله تعالى: «فإن الناس لا يختلفون أن العلم هو المعرفة الحاصلة عن الدليل، وأما بدون الدليل فإنما هو تقليد». فقد تضمن هذان الإجماعان إخراج المتعصب بالهوى والمقلد الأعمى عن زمرة العلماء، وسقوطهما باستكمال مَنْ فوقهما الفروض من وراثة الأنبياء «فإن العلماء هم ورثة الأنبياء، فإن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا، وإنما ورثوا

стр. 1019

العلم فمن أخذه أخذ بحظ وافر» (١). وكيف يكون من ورثة الرسول ﷺ من يجهد ويكدح في رد ما جاء به إلى قول مقلده ومتبوعه؟ ويُضيع (٢) ساعات عمره في التعصب والهوى ولا يشعر بتضييعه؟ تالله إنها فتنة عمت فأعْمَت، وَرَمَتِ القلوب فأَصَمَّتْ، رُبِّيَ عليها الصغير وهرم فيها الكبير، واتخذ لأجلها القرآن مهجورًا، وكان ذلك بقضاء الله وقدره في الكتاب مسطورًا. ولما عمت بها البلية، وعظمت بسببها الرزيَّة، بحيث لا يعرف أكثر الناس سواها، ولا يعدون العلم إلا إياها، فطالب الحق من مظانه لديهم مفتون، ومؤثره على ما سواه عندهم مغبون، نصبوا لمن خالفهم في طريقهم الحبائل، وبغوا له الغوائل ورَمَوْه عن قوس الجهل والبغي والعناد، وقالوا لإخوانهم: ﴿إِنِّي أَخَافُ﴾ (٣) ﴿أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ﴾ (٤) ﴿يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ﴾. فحقيق بمن لنفسه عنده قدر وقيمة أن لا يلتفت إلى هؤلاء ولا يرضى لها بما لديهم، وإذا رفع له علم السنة النبوية شمر إليه ولم يحبس نفسه عليهم، فما هي إلا ساعة حتى يُبعثر ما في القبور، ويحصل ما في الصدور، وتتساوى (٥) أقدام الخلائق في القيام الله، وينظر كل عبد ما قدمت يداه، ويقع التمييز بين المحقين والمبطلين، ويعلم المعرضون عن كتاب ربهم وسنة نبيهم أنهم كانوا كاذبين» (٦).

стр. 1020

سورة البقرة الباب الأول قوله تعالى: ﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٣٨]. قال (ك): «يقول تعالى مخبرًا عما أنذر به آدم وزوجته وإبليس حين أهبطهم من الجنة - والمراد الذرية - أنه سينزل الكتب ويبعث الأنبياء والرسل، كما قال أبو العالية: الهدى: الأنبياء والرسل والبينات (١)، وقال مقاتل بن حيان: الهدى: محمد ﷺ . وقال الحسن: الهدى القرآن. وهذان القولان صحيحان، وقول أبي العالية أعم. ﴿فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ﴾ أي: من أقبل على ما أنزلت به الكتب وأرسلت به الرسل ﴿فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ أي: فيما يستقبلونه من أمر الآخرة ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ على ما فاتهم من أمور الدنيا، كما قال في سورة طه: ﴿قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾ [طه: ١٢٣]. قال ابن عباس: فلا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه: ١٢٤] كما قال ههنا: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٣٩] أي: مخلدون فيها لا محيد لهم عنها ولا محيص» (٢). فصل قال محمد تقي الدين: المراد بالهدى كل ما جاء من الله تعالى بواسطة الرسل، وما عداه فهو ضلال، وقوله: ﴿اهْبِطُوا﴾: خطاب لآدم وحواء وإبليس

стр. 1021

وقوله سبحانه: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِنِّي هُدًى﴾ الخطاب هنا لآدم وحواء باعتبار ذريتهما؛ لأن إبليس قد علم الله أنه لا يتبع الهدى. وقد نفى الله الخوف والحزن عن كل من اتبع الكتاب والسنة في آيات البقرة، ونفى الشقاء والضلال عنهم في سورة طه، ويفهم من ذلك أن من لم يتبع الهدى بل أعرض عن الكتاب والسنة لتقليد مذهب أو شيخ طريقة أو رجال حزب أو تعصبًا، وهذا هو الواقع، وقد أكد ذلك سبحانه بقوله في سورة طه: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا﴾ [طه: ١٢٤]. قال صاحب «القاموس» (١): «الضَّنْك: الضيق في كل شيء للذكر والأنثى، ضَنُكَ كَكَرُمَ ضَنْكًا وضَناكة وضُنوكة: ضاق، و - فلان ضناكة فهو ضنيك ضَعُف في رَأيِهِ وجِسْمه وَنَفْسِهِ وَعَقْلِهِ». قال محمد تقي الدين: فكل من أعرض عن ذكر الله وهو كلامه مع بيان رسوله الكريم ﷺ يعيش في ضنك وضيق في رأيه وجسمه ونفسه وعقله أو في بعضها، وهو الرأي والعقل والنفس وإن قوى الجسم فقد قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [المنافقون: ٤]. وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٣٩] فيه وعيد شديد لمن لم يتبع كتاب الله وسنة رسوله وتسميته مكذبًا؛ لأن من صدق الرسول لا بد أن يتبع ما جاء به. يزيد ذلك وضوحًا قوله تعالى في توبيخ اليهود في هذه السورة رقم (٢) (٢): ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ [البقرة: ٨٥] فسماهم مكذبين بترك العمل. وسيأتي توضيح ذلك قريبًا إن شاء الله. اهـ. الباب الثاني قوله تعالى: ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة : ٤٢] قال ابن كثير: «يقول تعالى ناهيًا اليهود عما كانوا يتعمدونه من تلبيس الحق

стр. 1022

بِالْبَاطِلِ، [بتمويهه] (١) وكتمانهم الحق وإظهارهم الباطل ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ فنهاهم عن الشيئين معًا وأمرهم بإظهار الحق والتصريح به، ولهذا قال الضحاك عن ابن عباس: ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ﴾: لا تخلطوا الحق بالباطل والصدق بالكذب، وقال أبو العالية: ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ﴾ يقول: ولا تخلطوا الحق بالباطل وأدوا النصيحة لعباد الله من أمة محمد ﷺ . ويروى عن سعيد بن جبير والربيع بن أنس نحوه» (٢). فصل قال محمد تقي الدين: كل مبتدع يحرف القرآن والسنة لنصر بدعته كالخوارج والمعتزلة والمتأخرين من الأشعرية المعادين لمذهب السلف، وممن سار على مذهب السلف الصالح أبو الحسن الأشعري رحمة الله عليه، وكل مدع للفقه متمذهب متعصب يحرف الكتاب والسنة؛ لنصر مذهبه مع ظهور بطلانه، كمحمد الخضر بن مايابا الذي ألف كتابًا سماه «إبرام النقض في تقرير السدل وإبطال القبض» وزعم أن أحاديث وضع اليمنى على اليسرى الصحيح منها منسوخ (٣)، إذ

стр. 1023

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1024

لا يعقل أن يروي الإمام مالك حديثا صحيحا عن النبي ﷺ ، ورواه عنه البخاري ومسلم (١) ولا شك في صحته ثم يفتي بخلافه فيما رواه عنه ابن القاسم في «مدونة سحنون» (٢)، وقد هيأ الله له عالما شنقيطيا من أهل بلده؛ فألف كتابا في الرد عليه سماه «الصوارم والأسنة في الذب عن السنة» (٣)، وتبرع بطبعه المجاهد الأكبر في المغارب كلها الذي أنقذ الله به أهل المغرب الأكبر من حدود السنغال إلى حدود مصر من ربقة الاستعمار وظلمته إلى حرية الاستقلال ونوره، ألا وهو الملك محمد الخامس (٤) ﵀ عليه، ومن أجل المكارم أن شريكه في الجهاد الملك الحسن الثاني أطال الله بقاءه وأدام ارتقاءه. لما نفدت نسخ هذا الكتاب أمر بطبع ثانية، أجزل الله ثوابه وجزاه أحسن الجزاء. ومؤلف هذا الكتاب هو العلامة السلفي المحدث الأصولي المفسر الأديب الشاعر المتفنن محمد بن أبي مدين الأستاذ في معهد بوتيلمت من بلاد شنقيط، وهذا الرجل نادرة زمانه يحتاج إليه أساتذة الأزهر وأساتذة الجامعة الإسلامية بالمدينة وكل جامعة عربية، لا أقول: الطلبة بل الأساتذة. ومن سوء حظ العرب في هذا الزمان عموم الجهل والتقليد فيهم، وسيرهم

стр. 1025

على صراط معوج؛ لأنهم لا يعتبرون العلم وإنما يعتبرون الشهادات المزيفة التي يحصل عليها كثير من الدواب فيتسنمون أعلى المراتب في الجامعات، وهم صم بكم عمي، فوالله الذي لا إله إلا هو لو ظفر بهذا الرجل أساتذة الجامعات في أوروبا؛ لاستفادوا من علمه وبذلوا النفس والنفيس في خدمته، ولكن كما قلنا من ضلالات العرب أنهم يتركون العين ويطلبون الأثر باعتمادهم على الشهادات، فهم كما قال الشاعر: ولو لبس الحمار ثياب خزّ … لقال النّاسُ يا لك من حمار فكذلك الجاهل إذا أخذ الشهادة من الجامعة يقول الناس: يا لك من عالم! وإذا لم تكن له شهادة يقول أشباه الناس: يا لك من جاهل! فمن أراد أن يعرف تحريف المقلدين المتعصبين إلى أي حد بلغ في الإسفاف، فليقرأ هذين الكتابين فيرى الأول ظلمة ويرى الثاني نورًا، وصدق رسول الله ﷺ إذ قال: «لتتبعن سنن من كان قبلكم» (١). فقد وجد في هذه الأمة من يلبس الحق بالباطل ويكتمون الحق وهم يعلمون (٢). الباب الثالث قوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ، ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾ [البقرة: ٧٩] قال (كـ): «وقوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ﴾ الآية. هؤلاء (٣) صنف آخر من اليهود، وهم الدعاة إلى الضلال بالزور والكذب على الله

стр. 1026

وأكل أموال الناس بالباطل، والويل: الهلاك والدمار، وهي كلمة مشهورة في اللغة، وقال ابن عباس: «يا معشر المسلمين كيف تسألون أهل الكتاب عن شيء وكتاب الله الذي أنزله على نبيه أحدث أخبار الله، تقرؤونه غضا لم يشب، وقد حدثكم الله تعالى أن أهل الكتاب قد بدلوا كتاب الله، وغيروه وكتبوا بأيديهم الكتاب، وقالوا: من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا؟ أفلا ينهاكم ما جاءكم من العلم عن مساءلتهم؟ ولا والله ما رأينا منهم أحدا قط سألكم عن الذي أنزل إليكم». رواه البخاري (١). وقال الحسن بن أبي الحسن البصري: «الثمن القليل: الدنيا بحذافيرها»، وقوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾ أي: فويل لهم مما كتبوا بأيديهم من الكذب والبهتان والافتراء، وويل لهم مما أكلوا به من السحت» (٢). فصل قال محمد تقي الدين: وقد وجد في هذه الأمة من اتبع طريقهم، فكتبوا المجلدات في الأحكام الشرعية ونسبوها إلى الله ورسوله، وليس فيها: قال الله، ولا قال رسوله، فحللوا بها الفروج، ونقلوا الأموال من ملك شخص إلى شخص آخر، وسفكوا بها الدماء افتراء على الله، وهذا الوصف ينطبق على كل كتاب ألف فيما يسمونه الفقه وحشي بالمسائل المجردة عن الدليل من الكتاب والسنة (٣)، وما أكثر هذه الكتب المظلمة، ورحمة الله على عبد المؤمن بن علي.

стр. 1027

الملك الموحدي العالم، الذي أمر بإحراق كتب الفروع (١) في جميع أنحاء

стр. 1028

مملكته، وأمر القضاة والمفتين ألا يقضوا ولا يفتوا إلا بدليل من الكتاب والسنة. قال صاحب «الاستقصاء» في (الجزء الثاني ص ١٣٦) ما نصه: «لما كانت سنة خمسين وخمسمائة أمر أمير المؤمنين عبد المؤمن بن علي بإصلاح المساجد وبنائها في جميع مملكته وبتغيير المنكرات ما كانت، وأمر مع ذلك بتحريق كتب الفروع، ورد الناس إلى قراءة كتب الحديث واستنباط الأحكام منها، وكتب بذلك إلى جميع طلبة العلم من بلاد الأندلس والعدوة؛ فجزاه الله خيرًا». قال المحشي: الذي في كتاب «المعجب» لعبد الواحد المراكشي أن يعقوب المنصور هو الأمر بذلك. فانظر هل فعل هذا اقتداءً بجده أم من ذاته لأول مرة؟ لكن الظاهر هو كلام المراكشي أن إحراق كتب الفروع ورد الناس إلى الكتاب والسنة كان مقصدًا وعزمًا لعبد المؤمن وابنه يوسف إلا أنهما لم يظهراه، وأظهره يعقوب بعدهما (١). اهـ. وما ذكره المؤلف هنا منقولًا عن صاحب «القرطاس»، وكلام صاحب «المعجب» أولى بالاعتبار؛ لقربه من الزمان المذكور ومشاهدته للواقع. قال محمد تقي الدين الرأي الأول عندي أرجح لأنه إذا ثبت أن هذا الأمر كان مقصوده، فما الذي يمنعه من تنفيذه وقد كان أقوى وأشد تمكينًا من حفيده؟ والله أعلم. اهـ. وقال صاحب «الاستقصاء» أيضًا في الجزء نفسه صفحة (٢٠٠) في (ذكر أخبار يعقوب المنصور) ما نصه: «وأمر برفض فروع الفقه وإحراق كتب المذاهب، وأن الفقهاء لا يفتون إلا من الكتاب والسنة النبوية ولا يقلدون أحدًا من الأئمة المجتهدين؛ بل تكون أحكامهم بما يؤدي إليه اجتهادهم من استنباطهم

стр. 1029

القضايا من الكتاب والحديث والإجماع والقياس» (١). اهـ. وقال في صفحة (١٩٩) من الجزء نفسه: «وكان قد أمر لأول دولته بقراءة البسملة في أول الفاتحة في الصلوات». اهـ. قال محمد تقي الدين: وكنت قرأت في كتاب من كتب التاريخ أن أحد ملوك الموحدين - أظنه عبد المؤمن بن علي، أو يعقوب المنصور أو غيرهما - قال لوزيره - وكان يدعى أبا بكر: - يا أبا بكر! أجد في «المدونة» في المسألة الواحدة أقوالًا متعددة متناقضة، فما المخرج في ذلك؟ فقال: يا أمير المؤمنين اختلف علماء الأصول في القول المشهور الذي يجب اتباعه في مذهب مالك، فقيل: هو ما وافق مذهب مالك في «المدونة»، وقيل: هو ما كثر القائلون به، وقيل: هو ما قوي دليله، فأحضر ذلك الملك نسخة من «سنن أبي داود» والمصحف، وقال: يا أبا بكر ما زدتني بجوابك إلا حيرة، أنا ما عندي إلا هذا - وهذا - وأشار إلى كتاب الله وسنن أبي داود - أو هذا - وسل السيف -. وأظن أن هذا الخبر يوجد في كتاب «المعجب» (٢) لعبد الواحد المراكشي،

стр. 1030

وهذا الذي قاله هذا الملك رحمة الله عليه هو الذي جاء به الرسول ﷺ وسار عليه الخلفاء الراشدون. اهـ. الباب الرابع قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ١٧٠] قال (كـ): «يقول تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ﴾ لهؤلاء الكفرة من المشركين ﴿اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللهُ﴾ على رسوله واتركوا ما أنتم عليه من الضلال والجهل ﴿قَالُوا﴾ في جواب ذلك ﴿بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا﴾ أي: وجدنا ﴿عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ أي: من عبادة الأصنام والأنداد. قال الله تعالى منكرًا عليهم: ﴿أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ﴾ أي: الذين يقتدون بهم ويقتفون أثرهم ﴿لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾ أي: ليس لهم عقل (١) ولا هداية. وروى ابن إسحاق بسنده عن ابن عباس أنها نزلت في طائفة من اليهود دعاهم رسول الله ﷺ إلى الإسلام. فقالوا: ﴿بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ فأنزل الله هذه الآية» (٢). وقال الحافظ أبو عمر يوسف بن عبد البر النمري في كتابه «جامع بيان العلم وفضله» في (الجزء الثاني صفحة ١٠٩) ما نصه:

стр. 1031

وَقَالَ : ﴿وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ (٢٣) قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُم بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ﴾ [الزخرف: ٢٣، ٢٤] فمنعهم الاقتداء بآبائهم من قبول الاهتداء، فقالوا: ﴿إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ كَافِرُونَ﴾ [الزخرف: ٢٤]. وفي هؤلاء ومثلهم (١) قال الله : ﴿*إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ

стр. 1032

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1033

الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [الأنفال: ٢٢] وقال: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ (١٦٦) وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ﴾ [البقرة: ١٦٦، ١٦٧] وقال عائبًا لأهل الكفر وذامًا له: ﴿مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ (٥٢) قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ﴾ [الأنبياء: ٥٢، ٥٣] وقالوا (١): ﴿إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا﴾ [الأحزاب: ٦٧]. ومثل هذا في القرآن كثير من ذم تقليد الآباء والرؤساء، وقد احتج العلماء بهذه الآيات في إبطال التقليد ولم يمنعهم كفر أولئك من الاحتجاج بها؛ لأن التشبيه لم يقع من جهة كفر أحدهما وإيمان الآخر، وإنما وقع التشبيه بين التقليدين بغير حجة للمقلّد، كما لو قلد رجلًا (٢) فكفر وقلد آخر فأذنب فقلد (٣) آخر في مسألة دنياه فأخطأ وجهها، كان كل واحد ملومًا على التقليد بغير حجة؛ لأن كل ذلك تقليد يشبه بعضه بعضًا وإن اختلفت الآثام فيه. وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ﴾ [التوبة: ١١٥]. وقد ثبت الاحتجاج بما قدمنا في الباب قبل هذا، وفي ثبوته إبطال التقليد أيضًا، فإذا بطل التقليد بكل ما ذكرنا وجب التسليم للأصول التي يجب التسليم لها وهي الكتاب والسنة، أو ما كان في معناهما بدليل جامع بين ذلك ثم قال أبو عمر بسنده إلى عمرو بن عوف المزني عن أبيه عن جده قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إني لأخاف على أمتي من بعدي من أعمال ثلاثة». قالوا: وما هي يا رسول الله؟ قال: «أخاف عليهم من زلة العالم، ومن حكم جائر، ومن هوى متبع» (٤). وبهذا الإسناد عن النبي ﷺ أنه قال: «تركت فيكم أمرين، لن

стр. 1034

تضلُّوا ما تمسكتم بهما كتاب الله وسنة رسوله (١). ثم قال بسنده إلى زياد بن حُدَيْرٍ (٢): قال: قال عمر (٣): «ثلاث يهدمن الدين: زلة عالم وجدال منافق بالقرآن وأئمة مضلون» (٤). اهـ. فصل قال محمد تقي الدين الهلالي: كل من دعي إلى كتاب الله أو سنة رسوله، فأعرض عنهما، فهو من شر الدواب الذين ذكرهم الله تعالى في هذه الآية؛ لأن الله تعالى قال بعد ذلك: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٤]. فالاستجابة الله وللرسول فيها الحياة حياة الدنيا بسعادة وحياة الآخرة بسعادة ورضوان من الله. وعدم الاستجابة الله وللرسول فيها الموت الحقيقي وهو موت القلب كما قال تعالى في سورة الأنعام: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ

стр. 1035

نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِج مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ١٢٢]. فالذين استجابوا لله وللرسول وكانوا أمواتًا بالكفر أو الشرك أو البدعة يصيرون بالاستجابة أحياء ويجعل الله لهم نورًا يمشون به في هذه الحياة وفي الحياة الأخرى، والذين لم يستجيبوا الله يبقون أمواتًا، ولا يجعل الله لهم نورًا، فيبقون متخبطين في الظلمات في الدنيا والآخرة. فصل كل مشرك أو مبتدع ينسب شركه أو بدعته إلى نبي من الأنبياء أو إمام من الأئمة، كما فعلت النصارى حين نسبوا إلى عيسى أنه قال لهم: أنا ابن الله، وأنه قال لهم: أنا الأقنوم الثاني فاعبدوني وهم كاذبون، انظر «البراهين الإنجيلية» لمؤلف هذا الكتاب (١). وكذلك عباد القبور وأصحاب الطرائق الذين يستمدون الهداية وتنوير القلوب من شيوخهم يزعمون أن شيوخهم أمروهم بذلك، فإن كان شيوخهم صالحين فإنهم يتبرؤون منهم يوم القيامة، وإن كانوا طالحين فإنهم أيضًا يتبرؤون منهم كما قال رئيسهم إبليس: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُم مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [إبراهيم: ٢٢]. اهـ. وإذا تبرؤوا منهم تعظم حسرتهم وندامتهم حين لا ينفع الندم، يفهم ذلك من قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ﴾ [البقرة: ١٦٧]. فصل قول الحافظ أبي عمر: (وإن اختلفت الآثام)، معناه: إن الآية واردة في النوع الأول والثاني من المقلدين، فمن قلد رجلًا فأشرك بالله كان كافرًا آيسًا من رحمة الله، ومن قلّد رجلًا ففعل محرمًا أو ترك سنة كان آثمًا، وهذا معنى اختلاف الآثام، ومن قلد رجلًا في أمر من أمور الدنيا كالتجارة والزراعة والصناعة فأخطأ الصواب وخسر في أمر دنياه؛ كان ذلك التقليد وبالًا عليه.

стр. 1036

فصل قول النبي ﷺ : «إني لأخاف على أمتي من أعمال ثلاثة … » (١) إلى آخره، أولها: زلة العالم، فالعالم لا يعرف زلله وخطأه من صوابه يطرح التقليد وسؤاله عن الدليل، أما المقلد الأعمى الذي يأخذ من العالم كل ما قال يغلو في تعظيمه حتى يجعله معصومًا، فهذا هو الذي يهلك وعليه خاف النبي ﷺ وهذا شر الثلاثة، فإن الحكم الجائر يعرفه الناس وينكرون، إما بأيديهم أو بألسنتهم أو بقلوبهم، والهوى المتبع كذلك يعرفه الناس فيحذرون صاحبه، وهو يعرف نفسه، فربما يتوب ويرجع إلى الحق. فصل الحديث الثاني واضح، فإن الناس ما داموا متمسكين بكتاب الله وسنة رسوله لا يقلدون أحدًا؛ فيكونون مهتدين باتباعهم كتاب الله وسنة رسوله. وأما أثر عمر ﵁ (٢) هـ؛ فقد تقدم الكلام على زلة العالم، وأما جدال المنافق بالقرآن فلا يقطعه إلا العلم بسنة النبي ﷺ ، كما إذا احتج المعتزلي بقوله تعالى في سورة الأنعام: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ [الأنعام: ١٠٣] على عدم رؤية الله تعالى بالإبصار يوم القيامة، وتأول قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢، ٢٣] يسلّ عليه المتبع للسنة سيفًا صقيلًا من حديث رسول الله ﷺ وهو قوله: «إنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر، ليس دونه غمام» (٣)، وهو حديث في غاية الصحة. اهـ. الباب الخامس قوله تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ

стр. 1037

الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [البقرة: ٢١٣] قال ابن عباس: كانوا (١) [على هدى (٢) على ملة آدم، فلما ضلوا و] (٣) عبدوا الأصنام [بعث الله] (٤) نوحًا، فكان أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض، ولهذا قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُم﴾ أي من بعد ما قامت الحجج عليهم وما حملهم على ذلك إلا البغي من بعضهم على بعض ﴿فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾. وقال عبد الرزاق بسنده عن أبي هريرة في قوله: ﴿فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ﴾ الآية. قال: قال النبي ﷺ : «نحن الآخرون الأولون يوم القيامة، نحن أول الناس دخولًا الجنة، بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا وأوتيناه من بعدهم، فهدانا الله لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه، فهذا اليوم الذي اختلفوا فيه فهدانا الله له، فالناس لنا فيه تبع، فغدًا لليهود، وبعد غد للنصارى» (٥). اهـ. وقوله: بِإِذْنِهِ أي: بعلمه بهم وبما هداهم له. قاله ابن جرير ﴿وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ أي: من خلقه ﴿إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ أي: وله الحكمة والحجة البالغة. وفي صحيح البخاري ومسلم (٦) عن عائشة أن رسول الله ﷺ كان إذا قام من الليل يصلي يقول: «اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه

стр. 1038

يختلفون، اهدنا لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم»، وفي الدعاء المأثور: «اللهم أرنا الحق حقا، وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلًا وارزقنا اجتنابه، ولا تجعله ملتبسًا علينا فنضل، واجعلنا للمتقين إمامًا» (١). فصل قال محمد تقي الدين: وكذلك هذه الأمة اختلفت على ثلاث وسبعين فرقة، كما أخبر النبي ﷺ (٢)؛ ثنتان وسبعون في النار وواحدة في الجنة هم الذين يسيرون في أمور دينهم على ما كان عليه رسول الله ﷺ فلا يزيدون فيه مثقال ذرة ولا ينقصون منه، وبالله التوفيق. قال: فالذين تفرقوا على مذاهب وطرائق وفرق في العقائد ليسوا على منهاج النبي ﷺ ، قال تعالى في سورة الأنعام: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٩]. اهـ.

стр. 1039

سورة آل عمران الباب الأول قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٣) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٢٤) فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٢٥)﴾ [آل عمران: ٢٣ - ٢٥]. قال (ك): «يقول تعالى منكرًا على اليهود والنصارى المتمسكين فيما يزعمون بكتابيهم الذين بأيديهم وهما: التوراة والإنجيل، وإذا دعوا إلى التحاكم إلى ما فيهما من طاعة الله فيما أمرهم به فيهما من اتباع محمد ﷺ ، تولوا وهم معرضون عنهما، وهذا في غاية ما يكون من ذمهم والتنويه بذكرهم بالمخالفة والعناد». ثم قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾ أي: إنما حملهم وجرأهم على مخالفة الحق افتراؤهم على الله فيما ادعوه لأنفسهم أنهم إنما يعذبون في النار سبعة أيام، عن كل ألف سنة في الدنيا يومًا، وقد تقدم تفسير ذلك في سورة البقرة. ثم قال تعالى: ﴿وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ أي: ثبتهم على دينهم الباطل ما خدعوا به أنفسهم من زعمهم أن النار لا تمسهم بذنوبهم إلا أيامًا معدودات، وهم الذين افتروا هذا من تلقاء أنفسهم واختلقوا (١) ولم ينزل الله به سلطانًا، قال الله تعالى تهددًا لهم ومتوعدًا: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ

стр. 1040

فِيهِ﴾ أي: كيف يكون حالهم وقد افتروا على الله، وكذبوا رسله، وقتلوا أنبياءه والعلماء - من قومهم الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، والله تعالى سائلهم عن ذلك كله وحاكم عليهم (١) ومجازيهم به، ولهذا قال تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ أي: لا شك في وقوعه وكونه ﴿وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ (٢). فصل قال محمد تقي الدين: وقد وجد في هذه الأمة من زاد على اليهود في دعواهم، فادعى أن النار لا تمسه أصلًا مع ارتكاب موجبها من المعاصي، وقد قال الله تعالى في سورة النساء: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٩٣]. قال ﵀: «وقد كان ابن عباس يرى أنه لا توبة لقاتل المؤمن عمدًا، وقال البخاري بسنده (٣) عن النعمان بن بشير قال: سمعت ابن جرير قال: اختلف فيها أهل الكوفة، فرحلت إلى ابن عباس فسألته عنها فقال: نزلت هذه الآية ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ [النساء: ٩٣] هي آخر ما نزل وما نسخها شيء». اهـ. وممن ذهب إلى أنه لا توبة له من السلف: زيد بن ثابت وأبو هريرة وعبد الله بن عمر وأبو سلمة بن عبد الرحمن وعبيد بن عمير والحسن وقتادة والضحاك بن مزاحم، نقله ابن أبي حاتم (٤). والذي عليه الجمهور من سلف الأمة وخلفها أن القاتل له توبة فيما بينه وبين الله » (٥). وقال صاحب «الرماح» (٦) وهو عمر بن سعيد الفوتي: أخبرني محمد الغالي أن الشيخ التجاني قال: «صاحبي لا تمسه النار، ولو قتل سبعين روحًا إذا تاب.

стр. 1041

بعد ذلك». مفهومه إن لم يتب تمسه النار، وهذا يهدم كل ما تقدم من أن من أخذ ورده فهو محرر من النار، وأنه من الآمنين، وأن الله يغفر له ما تقدم من ذنوبه وما تأخر، وينجيه من جميع عذابه وتخويفه وأن الله يؤدي عنه جميع تبعاته من فضله لا من حسناته، وأنه لا يرى أهوال الموقف وأنه يدخل الجنة في أول الزمرة الأولى هو ووالداه وأولاده وأزواجه، وهذه معضلة يجب على التيجانيين أن يحلوها، ولن يستطيعوا لحلها سبيلًا (١). اهـ. قال محمد تقي الدين الهلالي: كل من دعي إلى كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ ؛ فامتنع من القبول، فهو متعرض لهذا الوعيد، وسيأتي في سورة النساء إن شاء الله زيادة بيان لهذا المعنى. الباب الثاني قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ … ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: ٣١، ٣٢]. قال (كـ): هذه الآية الكريمة حاكمة على كل من ادعى محبة الله وليس هو على الطريقة المحمدية، فإنه كاذب (٢) في نفس الأمر، حتى يتبع الشرع المحمدي والدين النبوي في جميع أقواله وأفعاله (٣)، كما ثبت في «الصحيح» عن رسول الله ﷺ أنه قال: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا، فهو رد» (٤). ولهذا قال: ﴿إِنْ كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ أي: يحصل لكم فوق ما طلبتم من محبتكم إياه، وهو محبته إياكم وهو أعظم من الأول، كما قال بعض العلماء الحكماء: «ليس الشأن أن تُحِب إنما الشأن أن تُحَب»، وقال الحسن البصري وغيره من السلف: زعم قوم أنهم يحبون الله، فابتلاهم الله بهذه الآية فقال: ﴿قُلْ إِنْ كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾.

стр. 1042

ثُمَّ قال تعالى: ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أي: باتباعكم الرسول (١) ﷺ يحصل لكم هذا من بركة سفارته، ثم قال تعالى أمرًا لكل أحد من خاص وعام: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ أي: خالفوا (٢) أمره ﴿فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الكَافِرِينَ﴾ فدل على أن مخالفته في الطريقة كفر والله لا يحب من اتصف بذلك وإن ادعى وزعم في نفسه أنه محب الله ويتقرب إليه حتى يتبع (٣) الرسول النبي الأمي خاتم الرسل ورسول الله إلى جميع الثقلين الجن والإنس الذي لو كان الأنبياء بل المرسلون بل أولو العزم منهم في زمانه ما وسعهم إلا اتباعه والدخول في طاعته واتباع شريعته كما سيأتي تقريره عند قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ﴾ [آل عمران: ٨١] إن شاء الله تعالى (٤). فصل قال محمد تقي الدين: هذه الآية هي الفاصلة بين المحقين والمبطلين والصادقين والكاذبين؛ فإن كل من يدعي الإسلام ويدعي أنه يحب الرسول ﷺ (٥)؛ ولكن الله تعالى بهاتين الآيتين وضع امتحانًا للمدعين وهو الاتباع، فمن اتبع الرسول تصديقًا وعملًا بما جاء به، ولم يردّ من حديثه شيئًا والتزم الحكم بالشرع الذي جاء به فهو محق، ومن أعرض عما جاء به فهو كاذب في ادعائه. ومن أدلة الاتباع الدالة على المحبة الصادقة في حق الأمم: العزة والنصر، فإن الله تعالى يقول في سورة آل عمران: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٩]. فإذا كانوا أذلة استمر عليهم الذل زمانًا طويلًا فليسوا بمؤمنين؛ لأن الله وعد المؤمنين بالنصر والله لا يخلف الميعاد، فإذا كان العدو يساوي المسلمين في العدد وانهزم المسلمون مرة بعد مرة وطال زمان غلبته فأولئك ليسوا مؤمنين حقا، لقوله تعالى في سورة النساء: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ (٦) [النساء: ١٤١].

стр. 1043

وإذ جاء الأمر باتباع غير النبي ﷺ ، كقوله تعالى في سورة التوبة: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: ١٠٠]. فاتّباع غير المعصوم لا بدّ له من دليل وإلا كان تقليدًا، والتقليد في دين الله حرام بالنسبة لمن عنده من العلم ما يميز به الحق من الباطل، أما إذا كان عاميًا صرفًا فيجب عليه أن يسأل أهل العلم بالكتاب والسنة الذين يثق بدينهم وأمانتهم، ولا يجوز أن يتقيد بمذهب. ويحسن أن أذكر هنا الفرق بين التقليد والاتباع، فإن كثيرًا من الناس لا يفرقون بينهما. قال الحافظ أبو عمر في كتابه «جامع بيان العلم وفضله» (١) في (الجزء الثاني): «قال أهل العلم والنظر: حد العلم: [علم الشيء] (٢) وإدراك المعلوم على ما هو به (٣)، فمن بان له الشيء فقد علمه، قالوا: والمقلد لا علم له، ولم (٤) يختلفوا في ذلك، ومن هنا (٥) - والله أعلم - قال البحتري (٦): وأرى الناس مجمعين (٧) على فضلك … من بين سيّد ومسود عرف العالمون فضلك بالعلم … وقال الجهال بالتقليد وقال أبو عبد الله بن خويز منداد البصري المالكي: «التقليد: معناه في الشرع: الرجوع إلى قول لا حجة لقائله عليه، وذلك (٨) ممنوع منه في الشريعة. والاتباع ما ثبت عليه حجة». وقال في موضع آخر من كتابه: «كل من اتبع (٩) قوله من غير أن [يوجب] (١٠) عليك [الدليل اتباع قوله] (١١) فأنت مقلده، والتقليد في دين الله غير صحيح، وكل من أوجب عليك الدليل اتباع قوله فأنت متبعه والاتباع في الدين مسوغ، والتقليد ممنوع». اهـ.

стр. 1044

سورة النساء الباب الأول قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا (٦٠) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا (٦١) فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا (٦٢) أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا (٦٣) وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ٥٩ - ٦٤] «روى أحمد (١) بسنده عن علي قال: بعث رسول الله ﷺ سرية واستعمل عليهم رجلًا من الأنصار، فلما خرجوا وجد عليهم في شيء قال: فقال لهم: أليس قد أمركم رسول الله ﷺ أن تطيعوني؟ قالوا: بلى قال: فأجمعوا لي حطبًا، ثم دعا بنار فأضرمها فيه. ثم قال: عزمت عليكم لتدخلنها، قال: فقال لهم شاب منهم: إنما فررتم إلى رسول الله ﷺ من النار، فلا تعجلوا حتى تلقوا رسول الله ﷺ ، فإن

стр. 1045

أمركم أن تدخلوها فادخلوها، قال: فرجعوا إلى رسول الله ﷺ فأخبروه، فقال لهم: «لو دخلتموها ما خرجتم منها أبدًا، إنما الطاعة في المعروف»، أخرجاه في «الصحيحين»» (١). وقوله تعالى: ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ﴾ (٢) قال (كـ): «يعني العلماء، والظاهر والله أعلم أنها عامة في (٣) أولي الأمر من العلماء (٤) والأمراء» (٥). قال محمد تقي الدين: إذا كان الأمراء علماء، وكان الأمر واضحًا فقد اجتمع فيهم الفريقان، وإن لم يكن واضحًا وجب عليهم أن يستشيروا العلماء كما كان عمر ﵁ يفعل (٦)، وإن لم يكن الأمراء علماء وجب على العلماء أن يبينوا حكم الله، وعلى الأمراء أن ينفذوا. ثم قال (ك): ﴿أَطِيعُوا اللهَ﴾ أي: اتبعوا كتابه ﴿وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ أي: خذوا سنته (٧) وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ قال مجاهد وغير واحد من السلف (٨): إلى كتاب الله وسنة رسوله، وهذا أمر من الله ﷺ بأن كل شيء تنازع الناس فيه من أصول الدين وفروعه أن يرد التنازع في ذلك إلى الكتاب والسنة، كما قال تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: ١٠]

стр. 1046

فما حكم به الكتاب والسنة (١) وشهدا له بالصحة فهو الحق، وماذا بعد الحق إلا الضلال؟ ولهذا قال تعالى: ﴿إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ أي: ردوا الخصومات والجهالات إلى كتاب الله وسنة رسوله فتحاكموا إليهما فيما شجر بينكم ﴿إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾. فدل على أن من لم يتحاكم في محل (٢) النزاع إلى الكتاب والسنة ولا يرجع إليهما في ذلك، فليس مؤمنًا بالله ولا باليوم الآخر، وقوله: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ (٣) أي: التحاكم إلى كتاب الله وسنة رسوله والرجوع إليهما في فصل النزاع خير ﴿وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ أي: وأحسن عاقبة ومآلًا، كما قاله السدي وغير واحد، وقال مجاهد: وأحسن جزاء، وهو قريب» (٤). اهـ. وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ الآيات قال (كـ): «هذا إنكار من الله على من يدعي الإيمان بما أنزل الله على رسوله وعلى الأنبياء الأقدمين وهو مع ذلك يريد أن يتحاكم في فصل الخصومات إلى غير كتاب الله وسنة رسوله، كما ذكر في سبب نزول هذه الآية أنها في رجل من الأنصار ورجل من اليهود تخاصما، فجعل اليهودي يقول: بيني وبينك محمد، وذاك يقول: بيني وبينك كعب بن الأشرف (٥)، وقيل: في جماعة من المنافقين ممن أظهروا الإسلام أرادوا أن يتحاكموا إلى حكام الجاهلية (٦)، وقيل

стр. 1047

غير ذلك (١). والآية أعم من ذلك كله؛ فإنها ذامة لمن عدل عن الكتاب والسنة، وتحاكم (٢) إلى ما سواهما من الباطل وهو المراد بالطاغوت هنا (٣) ولهذا قال: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ﴾ إلى آخرها. وقوله: ﴿يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾ أي: يعرضون عنك إعراضًا كالمستكبرين (٤) كما قال تعالى في (٥) المشركين: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ [لقمان: ٢١]، وهؤلاء بخلاف المؤمنين الذين قال الله فيهم: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ الآية. ثم قال تعالى في ذم المنافقين: ﴿فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ أي: فكيف بهم إذا ساقتهم المقادير إليك في مصائب تطرقهم بسبب ذنوبهم، واحتاجوا إليك في ذلك ﴿ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا﴾ أي: يعتذرون إليك ويحلفون ما أردنا بذهابنا إلى غيرك وتحاكمنا إلى أعدائك إلا الإحسان والتوفيق، أي: المداراة والمصانعة لا اعتقادًا (٦) في صحة تلك الحكومة، كما أخبر تعالى عنهم في قوله: ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى﴾ إلى قوله: ﴿فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنفُسِهِمْ نَادِمِينَ﴾ [المائدة: ٥٢] وقد قال الطبراني بسنده (٧) عن ابن عباس قال: كان أبو برزة (٨) الأسلمي كاهنًا يقضى بين اليهود فيما يتنافرون فيه، فتنافر إليه ناس من المشركين، فأنزل الله : ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ إلى قوله: ﴿إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا﴾.

стр. 1048

ثم قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾. هذا الضرب من الناس هم المنافقون، والله يعلم ما في قلوبهم وسيجزيهم على ذلك، فإنه لا تخفى عليه خافية فاكتف به يا محمد فيهم؛ فإنه عالم بظواهرهم وبواطنهم، ولهذا قال له: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ أي: لا تعنفهم على ما في قلوبهم ﴿وَعِظْهُمْ﴾ أي: وانههم عما في قلوبهم من النفاق وسرائر الشر ﴿وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾ أي: وانصحهم فيما بينك وبينهم بكلام بليغ رادع (١) لهم» (٢). وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ إلى آخر الآيات. قال (ك): يقول تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ﴾ أي: فرضت طاعته على من أرسل (٣) إليهم وقوله: ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ قال مجاهد: أي: لا يطيع أحد إلا بإذني، يعني: لا يطيعه إلا من وفقته لذلك كقوله: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ﴾ [آل عمران: ١٥٢] أي: عن أمره وقدره ومشيئته وتسليطه إياكم عليهم وقوله: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ﴾ الآية يرشد تعالى العصاة والمذنبين إذا وقع منهم الخطأ والعصيان أن يأتوا إلى الرسول ﷺ (٤) فيستغفروا الله عنده، ويسألوه أن يغفر لهم؛ فإنهم إذا فعلوا ذلك تاب الله عليهم ورحمهم وغفر لهم ولهذا قال: ﴿لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ (٥). فصل قال محمد تقي الدين: حديث علي يدلنا على أن الطاعة المطلقة في الإسلام لا تكون إلا لله ولرسوله، أما طاعة الله تعالى، فلأنه ربنا ومالكنا ونحن عبيده، وأما طاعة الرسول ﷺ فلأنه كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣، ٤] وقال تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ﴾ [النساء: ٨٠] ولأن النبي ﷺ معصوم من الخطأ فيما يبلغنا عن ربه وفيما يقول في أمور الدين وأما أولو الأمر ومنهم ذلك الأمير (٦). الذي أمر أصحابه لما

стр. 1049

غضب عليهم أن يجمعوا حطبًا، فجمعوه وأوقدت فيه النار، فأمرهم أن يدخلوها، فأخبر النبي ﷺ أنهم لو أطاعوه ودخلوها لاتصلت لهم بنار جهنم؛ لأن هذا الأمر الذي أمرهم به الأمير منكر، والطاعة للأمراء إنما تكون في المعروف؛ لأن الأمراء غير معصومين؛ فقد ينطقون عن الهوى، فإذا أمروا بمعصية الله فلا طاعة لهم. وفي هذا الحديث فائدة أخرى، وهي أن الشباب أكثر استفادة وفهمًا للدعوة من الشيوخ؛ لأن الشيوخ أرادوا أن يدخلوا النار فمنعهم الشاب، وقال: إن هذا الذي أمر به الأمير يمكن أن يكون من هوى نفسه ولا يرضى به النبي ﷺ ، خصوصًا والرجل غضبان والغضب يشبه الجنون، فكان رأي الشاب صحيحًا موافقًا للحق فقد أقره النبي ﷺ . اهـ. وقول ابن كثير في تفسير طاعة الله وطاعة الرسول أنهما (اتباع الكتاب والسنة) رد على من يحتج بأقوال غير المعصوم فيحلل بها ويحرم. قال محمد تقي الدين ما قاله الحافظ (كـ) في رد كل نزاع إلى الكتاب والسنة واضح لا يحتاج إلى زيادة بيان فجزاه الله خيرًا. وقوله: كعب بن الأشرف هو قاضي اليهود في المدينة، وقوله: فإنها ذامة لمن عدل عن الكتاب والسنة وتحاكم إلى ما سواهما من الباطل. قال محمد تقي الدين: فكل قوم حصروا التحاكم في مذهبهم وألزموا الحاكم أن لا يخرج عنه وإن كان مخالفًا للكتاب والسنة، أو لا دليل عليه منهما أو مما في معناهما، فهم متحاكمون إلى الطاغوت الذي أمروا أن يكفروا به، وقد أضلهم الشيطان ضلالًا بعيدًا. وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللهُ﴾ الآية دليل قاطع على أن كل من دعي إلى كتاب الله وسنة رسوله للتحاكم أو العبادة أو التخلق أو التحليل والتحريم فلم يجب إلى ذلك أنه من المنافقين وإن صلى وصام وزعم أنه مسلم، ولا بد أن تصيبه المصائب ولا ترفع عنه إلا بالتوبة والرجوع إلى كتاب الله وسنة رسوله، وهذه المصيبة التي أصابت المسلمين عمومًا والعرب خصوصًا وهي أن شرذمة قليلة من يهود الآفاق استطاعت أن تغتصب ثالث المساجد المقدسة (١).

стр. 1050

من ست مائة مليون مسلم ومائة مليون من العرب أكثرهم مسلمون، فعجز هؤلاء كلهم أن يستردوا ذلك المسجد المقدس، ولما أرادوا أن يستردوه نكصوا على أعقابهم وخسروا أراضي أخرى. وقع لهم ذلك أكثر من مرة، وإلى الآن لا يزالون يتخبطون في ظلماتهم ولم يهتدوا إلى طريق الخلاص، وهو ظاهر لكل من أوتي شيئًا من نور العلم والإيمان ألا وهو الرجوع إلى كتاب الله وسنة الرسول ﷺ . ووالله ثم والله لن ترفع عنهم هذه المصيبة إلا بالتوبة إلى الله مما هم فيه من الحكم بغير ما أنزل الله، واتباع غير سبيل المؤمنين، ونحن لا نستطيع إلا النصيحة والدعاء، والله الهادي إلى سواء السبيل. وقول (كـ): «يرشد تعالى العصاة والمذنبين إذا وقع منهم الخطأ والعصيان أن يأتوا إلى الرسول … » إلى آخره، خطأ عظيم لأن الضمائر السبعة تعود على المتحاكمين إلى الطاغوت التاركين التحاكم إلى الله ورسوله، وكذلك قوله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥] فهذه ستة ضمائر تضاف إلى السبعة المتقدم ذكرها، فيصير المجموع ثلاثة عشر ضميرًا كلها للمنافقين، وفي هذا حث لهم على التوبة من نفاقهم إلى الله تعالى، ومن كمال توبتهم أن يجيؤوا إلى الرسول ﷺ ويسألوه العفو عن الصدود الذي وقع منهم والإعراض عن التحاكم إليه ويلتمسوا أن يستغفر الله لهم، وليس الكلام في عامة العصاة والمذنبين كما توهم الحافظ (ك) والكمال لله؛ لأن ذلك يقتضي أن كل من أذنب ذنبًا في حياة النبي ﷺ مأمور أن يأتي إلى النبي ليستغفر له وهذا غير صحيح، والطامة الكبرى أنه ذكر بعد ذلك حكاية تدل على [أن] المذنبين حتى بعد وفاة النبي ﷺ ينبغي لهم أن يأتوا إلى حجرته التي هو مدفون فيها فيفعلوا ذلك، يدل على ذلك الحكاية التي حكاها ولم ينقلها من كتب الحديث بسند أو بغير سند وإنما نسبها إلى شيوخ ذكر منهم واحدًا، وهو أبو منصور الصباغ، وهي حكاية الأعرابي عن العتبي أنه قال: كنت جالسًا عند قبر النبي ﷺ فجاء أعرابي فقال:

стр. 1051

السلام عليك يا رسول الله، سمعت الله يقول: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾. وقد جئتك مستغفرًا لذنبي، مستشفعًا بك إلى ربي، ثم أنشأ يقول: يا خير مَنْ دُفنت بالقاع أعظمه … فطاب من طيبهن القاع والأكم نفسي الفداء لقبر أنت ساكنه … فيه العفاف وفيه الجُودُ والكَرَمُ ثم انصرف الأعرابي، فغلبتني عيني فرأيت النبي ﷺ في النوم، فقال: «يا عتبي الحق الأعرابي، فبشّره أن الله قد غفر له». اهـ (١). قال محمد تقي الدين: قوله: كنت جالسًا عند قبر النبي ﷺ ظاهره باطل؛ لأن بينه وبين قبر النبي جداران وحائط بيت عائشة وقد حفظ الله قبر النبي ﷺ فلم تره عين ولم تمسه يد بعد زمان الصحابة رضوان الله عليهم، وفي زمان الصحابة كانت أم المؤمنين عائشة ساكنة في بيتها الذي في حجرته القبور الثلاثة، ولم يأت أحد قط من الصحابة لا أبو بكر ولا عمر ولا عثمان ولا علي ولا غيرهم إلى بيت عائشة ويستأذن في زيارة قبر النبي ﷺ ، اللهم إلا عمر، بعث ابنه عبد الله إلى عائشة يستأذنها أن يدفن مع صاحبيه لما حضرته الوفاة فأذنت، ودفن مع صاحبيه في مكان واحد (٢). ولو كان إتيان القبر مشروعًا لكل مذنب لما قدرت عائشة أن تسكن في بيتها

стр. 1052

لكثرة المذنبين المستأذنين، ولكن ذلك لم يفعله أحد لا في زمان الصحابة ولا في زمان التابعين فيما نعلم، ولو فعله أحد لكان مبتدعًا؛ لأن الله لم يأمر به ولا أمر به رسوله ﷺ ، ولا فعله الصحابة ولا الأئمة المقتدى بهم. وحكاية العتبي مكذوبة وخارجة عن الصراط المستقيم، ودونك ما فسر به المحققون هذه الآية: قال ابن الجوزي في تفسيره المسمى «زاد المسير» ما نصه: «وقوله تعالى ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ﴾ يرجع إلى المتحاكمين الذين سبق ذكرهم (١)، قال ابن عباس: ظلموا أنفسهم بتركهم (٢) قضاء الرسول: ﴿جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ﴾ من صنيعهم» (٣). وقال العلامة صديق حسن القنوجي في تفسيره المسمى بـ «فتح البيان» ما نصه: «﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ﴾ بترك طاعتك والتحاكم إلى غيرك من الطاغوت وغيره، ﴿جَاءُوكَ﴾ (٤) تائبين من النفاق متنصلين عن جناياتهم ومخالفاتهم ﴿فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ﴾ لذنوبهم بالتوبة والإخلاص (٥) وقمت شفيعًا فاستغفرت لهم، وإنما قال: ﴿وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ﴾، على طريقة الالتفات لقصد التفخيم لشأن الرسول ﷺ وتعظيمًا لاستغفاره وإجلالًا للمجيء إليه. ﴿لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ أي كثير التوبة عليهم والرحمة لهم، وهذا المجيء يختص بزمان حياته ﷺ وليس المجيء إليه يعني إلى قبره (٦) بعد وفاته مما تدل عليه هذه الآية [الكريمة] (٧) كما قرره في «الصارم المنكي» (٨)، ولهذا لم يذهب إلى هذا الاحتمال البعيد أحد من سلف الأمة وأئمتها لا من الصحابة ولا من التابعين ولا ممن تبعهم بالإحسان» (٩). وقال جمال الدين القاسمي في «تفسيره» ما نصه: «﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ﴾ هذا الظلم العظيم غاية العظم، إذ عرضوها لعذاب على عذاب بالنفاق (١٠)، بترك طاعتك والتحاكم إلى الطاغوت ﴿جَاءُوكَ﴾ تائبين من النفاق

стр. 1053

متنصلين عما ارتكبوا ﴿فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ﴾ من ذلك وتابوا إليه تعالى من صنيعهم: ﴿وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ﴾ أي: دعا لهم بالمغفرة، فكان استغفاره شفاعة لقبول استغفارهم ﴿لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا﴾ أي: قابلًا لتوبتهم ﴿رَحِيمًا﴾ أي: متفضلًا عليهم بالرحمة وراء قبول التوبة» (١). تنبيهات الأول: دلت الآية على أن توبة المنافق مقبولة عند الله وفاقًا، وأما في الظاهر، فظاهر الآية قبولها؛ لأنه جعل النبي ﷺ مستغفرًا لهم وشافعًا. وعن الراضي بالله في «الباطنية»: إن أظهروا شبههم وما يعتدون كتمه دل ذلك على صدق توبتهم فتقبل وإلا فلا، ودلت الآية على أن من تكررت منه المعصية والتوبة صحت توبته لقوله تعالى: ﴿تَوَّابًا﴾ وذلك ينبئ عن التكرار، كذا في بعض التفاسير. الثاني: قال الرازي: لقائل أن يقول: أليس لو استغفروا الله وتابوا على وجه صحيح، لكانت توبتهم مقبولة؟ فما الفائدة في ضم استغفار الرسول إلى استغفارهم؟ قلنا: الجواب عنه من وجوه: الأول: إن ذلك التحاكم إلى الطاغوت كان مخالفة لحكم الله، وكان أيضًا إساءة إلى الرسول ﵊ (٢)، ومن كان ذنبه كذلك وجب عليه الاعتذار عن ذلك الذنب لغيره، فلهذا المعنى وجب عليهم أن يطلبوا من الرسول أن يستغفر لهم. الثاني: إن القوم لما لم يرضوا بحكم الرسول ظهر منهم ذلك التمرد، فإذا تابوا وجب عليهم أن يفعلوا ما يزيل عنهم ذلك التمرد، وما ذلك إلا بأنهم يذهبون (٣) إلى الرسول ﷺ ويطلبون (٤) منه الاستغفار. الثالث: لعلهم إذا أتوا (٥) بالتوبة أتوا بها على وجه الخلل، فإذا انضم إليها استغفار الرسول صارت مستحقة للقبول» (٦). اهـ. وفي «الجلالين» ما نصه: ﴿وَلَوْ

стр. 1054

أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ بتحاكمهم إلى الطاغوت ﴿جَاءُوكَ﴾ تائبين ﴿فَاسْتَغْفَرُوا اللهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ﴾ فيه التفات عن الخطاب تفخيمًا لشأنه: ﴿لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا﴾ عَلَيْهِمْ ﴿رَحِيمًا﴾ بهم (١). وقال البيضاوي في «تفسيره»: «﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ بالنفاق أو التحاكم إلى الطاغوت ﴿جَاءُوكَ﴾ تائبين من ذلك وهو خبر (أن) و (إذ) متعلق به ﴿فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ﴾ بالتوبة والإخلاص ﴿وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ﴾ واعتذروا إليك حتى انتصبت لهم شفيعًا، وإنما عدل عن الخطاب تفخيمًا لشأنه وتنبيهًا على أن من حق الرسول أن يقبل اعتذار التائب وإن عظم جرمه ويشفع له، ومن منصبه أن يشفع في كبائر الذنوب ﴿لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ لعلموه قابلًا لتوبتهم متفضلًا عليهم بالرحمة» (٢). وقد تبين من كلام هؤلاء المفسرين صحة ما ذكرتُ من قبل، وخطأ الحافظ ابن كثير، فالله يغفر له ويرحمه. ثم رأيتُ أن أنقل تفسير الآيات المتقدمة من كلام الحافظ ابن القيم مع ما فيه من التكرار لما رأيت فيه من الفائدة العظيمة لطلبة العلم في هذا الزمان؛ قال ابن القيم في (المجلد الأول) من «إعلام الموقعين» (صفحة ٥٣) ما نصه: (فصل في تحريم الإفتاء في دين الله بالرأي المتضمن لمخالفة النصوص، والرأي الذي لم تشهد له النصوص بالقبول). قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [القصص: ٥٠] فقسم الأمر إلى أمرين لا ثالث لهما: إما الاستجابة لله والرسول وما جاء به. وإما: اتباع الهوى، فكل ما لم يأت به الرسول فهو من الهوى. وقال الله تعالى: ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾ [ص: ٢٦] فقسم سبحانه طريق الحكم بين الناس إلى الحق، وهو الوحي الذي أنزله الله على رسوله، وإلى الهوى وهو ما خالفه. وقال الله تعالى لنبيه ﷺ : ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ

стр. 1055

أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (١٨) إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [الجاثية: ١٨ - ١٩]، فقسم الأمر بين الشريعة التي جعله هو سبحانه عليها وأوحى إليه العمل بها وأمر الأمة بها، وبين اتباع أهواء الذين لا يعلمون، فأمر بالأول ونهى عن الثاني. وقال الله تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ٣] فأمر باتباع المنزل منه خاصة، واعلم أن من اتبع غيره؛ فقد اتبع من دونه أولياء. وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩] فأمر الله تعالى بطاعته وطاعة رسوله وأعاد الفعل إعلامًا بأن طاعة الرسول، تجب استقلالًا من غير عرض ما أمر به على الكتاب (١)، بل إذا أمر وَجَبَتْ طاعته مطلقًا سواء كان ما أمر به في الكتاب أم (٢) لم يكن فيه، فإنه أوتي الكتاب ومثله معه. ولم يأمر بطاعة أولي الأمر استقلالًا، بل حذف الفعل وجعل طاعتهم في ضمن طاعة الرسول إيذانًا بأنهم إنما يطاعون تبعًا لطاعة الرسول، فمن أمر منهم بطاعة الرسول وجبت طاعته، ومن أمر بخلاف ما جاء به الرسول فلا سمع له ولا طاعة، كما صح عنه ﷺ أنه قال: «لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق» (٣). وقال: «إنما الطاعة في المعروف» (٤). وقال في ولاة الأمور:
следующие страницы →