← Акыда

Акыда · id 30197

سبيل الرشاد في هدي خير العباد

محمد تقي الدين الهلالي

Полный текст (2 277 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

أحدهما: إنهم يسجدون لقبور الأنبياء تعظيمًا (١). الثاني: إنهم يجوّزون الصلاة في مدافن الأنبياء والتوجه إليها حالة الصلاة، نظرًا منهم بذلك إلى عبادة الله والمبالغة في تعظيم الأنبياء. والأول هو الشرك الجلي، والثاني الخفي، فلذلك استحقوا اللعن. قوله: «فقد نهى عنه في آخر حياته» أي: كما في حديث جندب، وهذا من كلام شيخ الإسلام، وكذا ما بعده. قوله: «ثم إنه لعن، وهو في السياق من فعله» كما في حديث عائشة. قلت: فكيف يسوغ بعد (٢) هذا التغليظ من سيد المرسلين أن تُعظم القبور ويبنى عليها ويصلى عندها وإليها؟ هذا أعظم مشاقة ومحادة الله تعالى ولرسوله ﷺ لو كانوا يعقلون. وقوله: «والصلاة عندها من ذلك وإن لم يبن مسجد» أي: من اتخاذها مساجد، الملعون فاعله، وهذا يقتضي تحريم الصلاة عند القبور وإليها. السابع: وعن أبي سعيد الخدري ﵁ مرفوعًا: «الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام» (٣). رواه أحمد وأهل السنن وصححه ابن حبان والحاكم، قال ابن القيم (٤) ﵀: وبالجملة؛ فمن له معرفة بالشرك وأسبابه وذرائعه وفهم عن رسول الله ﷺ مقاصده، جزم جزمًا لا يحتمل النقض أن هذه المبالغة واللعن والنهي بصيغتيه (٥): صيغة (لا تفعلوا) وصيغة «إني أنهاكم عن ذلك». ليس لأجل

стр. 982

النجاسة، بل هو لأجل نجاسة الشرك اللاحقة لمن عصاه وارتكب ما عنه نهاه، واتبع هواه ولم يخش ربه ومولاه، وقل نصيبه أو عدم من لا إله إلا الله، فإن هذا وأمثاله من النبي ﷺ صيانة لحمى التوحيد أن يلحقه الشرك ويغشاه، وتجريد له، وغضب لربه أن يعدل به سواه، فأبى المشركون إلا معصية لأمره وارتكابًا لنهيه، وغرهم الشيطان بأن هذا تعظيم القبور المشايخ والصالحين، وكلما كنتم لها أشد تعظيمًا وأشد فيهم غلوًّا كنتم بقربهم أسعد، ومن أعدائهم أبعد، ولعمر الله! من هذا الباب دخل الشيطان (١) على عُبَّاد يغوث ويعوق ونسر، ودخل على عبّاد الأصنام منذ كانوا إلى يوم القيامة، فجمع المشركون بين الغلو فيهم والطعن في طريقتهم، فهدى الله أهل التوحيد لسلوك طريقتهم وإنزالهم منازلهم التي أنزلهم الله إياها من العبودية، وسلب خصائص الإلهية عنهم». قوله: «فإن الصحابة لم يكونوا ليبنوا حول قبره مسجدًا»، أي: لما علموا من تشديده في ذلك، وتغليظه [النهي عنه] (١) ولعن من فعله. قوله: «وكل موضع قصدت الصلاة فيه فقد اتخذ مسجدًا»: أي: وإن لم يُبْنَ مسجد، بل كل موضع يصلى فيه يسمى مسجدًا، يعني: وإن لم يُقصد بذلك، كما إذا عرض لمن أراد أن يصلي فأوقع الصلاة [في ذلك الموضع الذي حانت الصلاة] (٢) عنده من غير أن يقصد ذلك الموضع بخصوصه، فصار بفعل الصلاة فيه مسجدًا. قوله: كما قال: «جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا» (٣) أي: فسمى الأرض مسجدًا تجوز الصلاة في كل بقعة منها، إلا ما استثنى من المواضع التي لا تجوز الصلاة فيها كالمقبرة ونحوها، قال البغوي في «شرح السنة» (٤): «أراد أن أهل الكتاب لم تبح لهم الصلاة إلا في بيعهم وكنائسهم، فأباح الله لهذه الأمة الصلاة حيث كانوا؛ تخفيفًا عليهم وتيسيرًا، ثم خص من جميع المواضع الحمام والمقبرة والمكان النجس» (٥). اهـ. الثامن: قوله: «ولأحمد بسند جيد عن ابن مسعود مرفوعًا: «إن من شرار

стр. 983

الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء، والذين يتخذون القبور مساجد» (١)». قوله: «إن من شرار الناس بكسر الشين، جمع شرير، قوله: «من تدركهم الساعة وهم أحياء» أي: مقدماتها، كخروج الدابة؛ وطلوع الشمس من مغربها؛ وبعد ذلك ينفخ في الصور نفخة الفزع. قوله: «والذين يتخذون القبور مساجد» معطوف على خبر (إن) في محل نصب على نية تكرار العامل، أي: وإن من أشرار (٢) الناس الذين يتخذون القبور مساجد، أي: بالصلاة عندها وإليها وبناء المساجد عليها. وتقدم في الأحاديث الصحيحة أن هذا من اليهود والنصارى، وأن النبي ﷺ لعنهم على ذلك؛ تحذيرا للأمة أن يفعلوا مع نبيهم وصالحيهم مثل اليهود والنصارى، فما رفع أكثرهم بذلك رأسًا، بل اعتقدوا أن هذا الأمر قربة إلى الله، وهو مما يبعدهم عن رحمته ومغفرته، والعجب أن أكثر من يدعي العلم ممن هو من هذه الأمة لا ينكرون ذلك، بل ربما استحسنوه ورغبوا في فعله، فلقد اشتدت غربة الإسلام وعاد المعروف منكرًا، والمنكر معروفًا، والسنة بدعة، والبدعة سنة، نشأ على هذا الصغير، وهرم عليه الكبير. قال شيخ الإسلام: [﵀] «أَمَّا بِنَاءُ الْمَسَاجِدِ عَلَى الْقُبُورِ، فقد صرح عامة الطوائف بالنهي عنه متابعة للأحاديث الصحيحة، وصرح أصحابنا وغيرهم من أصحاب مالك والشافعي بتحريمه قال: ولا ريب في القطع بتحريمه» ثم ذكر الأحاديث في ذلك إلى أن قال: «وهذه المساجد المبنية على قبور الأنبياء والصالحين أو الملوك وغيرهم تتعين إزالتها بهدم أو بغيره، هذا مما لا أعلم فيه خلافًا بين العلماء المعروفين (٣)». وقال ابن القيم - رحمه الله تعالى -: «يجب هدم هذه القباب التي بنيت على القبور؛ لأنها أسست على معصية الرسول ﷺ (٤)». وقد أفتى جماعة من الشافعية بهدم ما في القرافة من الأبنية، منهم: ابن الْجُمَيْزي والظهير التَّزْرَمِتي (٥).

стр. 984

وغيرهما (١). وقال القاضي ابن كج: «ولا يجوز أن تجصص القبور، ولا أن يبنى عليها قباب [ولا غير قباب] (٢)، والوصية بها باطلة» (٣). وقال الأذرعي: «وأما بطلان الوصية ببناء [القباب وغيرها من] (٢) الأبنية وإنفاق الأموال الكثيرة؛ فلا ريب في تحريمه» (٤). وقال القرطبي في حديث جابر: «نهى أن يجصص القبر أو يبنى عليه» (٥): ويظاهر هذا الحديث قال مالك وكره البناء والجص على القبور، وقد أجازه غيره، وهذا الحديث حجة عليه (٦). وقال ابن رشد: «كره مالك البناء على القبر وجعل البلاطة المكتوبة» (٧).

стр. 985

وهي (١) من بدع أهل الطُّول أحدثوه إرادة الفخر والمباهاة والسُّمعة، وهو مما لا اختلاف فيه. وقال الزيلعي في «شرح الكنز»: «ويكره أن يبنى على القبر» (٢) وذكر قاضي خان: «إنه لا يجصص القبر ولا يبنى عليه؛ لما روي عن النبي ﷺ أنه نهى عن التجصيص والبناء فوق القبر (٣)، والمراد بالكراهة عند الحنفية ﵏ كراهة التحريم، وقد ذكر ذلك (٤) ابن نجيم في «شرح الكنز»، وقال الشافعي ﵀: «أكره أن يعظم مخلوق، حتى يجعل قبره مسجدًا مخافة الفتنة عليه وعلى من بعده من الناس» (٥)، وكلام الشافعي ﵀ يبين أن مراده بالكراهة كراهة التحريم. قال الشارح ﵀: «وجزم النووي ﵀ في شرح المهذب (٦) بتحريم البناء مطلقًا، وذكر في شرح مسلم (٧) نحوه أيضًا، وقال أبو محمد عبد الله بن أحمد بن قدامة إمام الحنابلة صاحب المصنفات الكبار، كـ «المغني» و «الكافي» وغيرهما، - رحمه الله تعالى: (٨): ولا يجوز اتخاذ المساجد على القبور، لأن النبي ﷺ ، قال: لعن الله اليهود والنصارى (٩) الحديث، وقد روينا أن ابتداء عبادة الأصنام تعظيم الأموات واتخاذ صورهم والتمسح بها والصلاة عندها». انتهى (١٠). قال شيخ الإسلام [ابن تيمية] (٨) ﵀: «أما المقبرة فلا فرق فيها بين الجديدة والعتيقة انقلبت تربتها أو لم تنقلب ولا فرق بين أن يكون بينه و [بين الأرض] (١١) حائل أو لا، لعموم الاسم وعموم العلة، ولأن النبي ﷺ لعن الذين

стр. 986

اتخذوا قبور أنبيائهم (١) مساجد (٢)، ومعلوم أن قبور الأنبياء لا تنجس. وبالجملة فمن علل النهي عن الصلاة في المقبرة بنجاسة التربة خاصة، فهو بعيد عن مقصود النبي ﷺ ، ثم لا يخلو أن يكون القبر قد (٣) بني عليه مسجد فلا يصلى في هذا المسجد، سواء كان (٤) خلف القبر أو أمامه بغير خلاف في المذهب، لأن النبي ﷺ قال: «إن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك» (٥)، وخص قبور الأنبياء [والصالحين] (٣) لأن عكوف الناس على قبورهم أعظم واتخاذها [مساجد] (٣) أشد. وكذلك إن لم يكن بني عليه مسجد، فهذا قد ارتكب حقيقة المفسدة التي كان النهي عن الصلاة عند القبور من أجلها، فإن كل مكان صلى فيه يسمى مسجدًا، كما قال ﷺ : «جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا» (٦)، وإن كان موضع قبر أو قبرين (٧)، وقد تقدم عن علي أنه قال: «لا أصلي في حمام ولا عند قبر» (٨)، فعلى هذا [ينبغي أن] (٩) يكون النهي متناولًا تحريم القبر وبنائه (١٠) ولا تجوز الصلاة في مسجد بني في مقبرة سواء كان له حيطان تحجز بينه وبين القبور، أو كان مكشوفًا» (١١). ولو تتبعنا كلام العلماء في ذلك لاحتمل عدة أوراق، فتبين بهذا أن العلماء ﵏ بينوا أن علة النهي ما يؤدي إليه ذلك من الغلو فيها وعبادتها من دون الله كما هو الواقع، والله المستعان.

стр. 987

وقد حدث بعد الأئمة الذين (١) يعتد بقولهم الناس كثر في أبواب العلم بالله اضطرابهم، وغلُظَ عن معرفة ما بعث الله به رسوله من الهدى والعلم حجابهم فقيدوا نصوص الكتاب والسنة بقيود أوهنت (٢) الانقياد، وغيروا بها ما قصده الرسول ﷺ بالنهي وأراده، فقال بعضهم: النهي عن البناء على القبور يختص بالمقبرة المسبلة والنهي عن الصلاة فيها لتنجسها بصديد الموتى (٣)، وهذا كله باطل من وجوه (٤). منها: إنه من القول على الله بلا علم، فهو (٥) حرام بنص الكتاب. ومنها: إنّ ما قالوه لا يقتضي لعن فاعله والتغليظ عليه (٦) وما المانع له أن يقول: من صلى في بقعة نجسة فعليه لعنة الله؟ ويلزم على ما قاله هؤلاء أن النبي ﷺ لم يبين العلة، وأحال الأمة في بيانها على من يجيء بعده ﷺ وبعد القرون المفضلة والأئمة، وهذا باطل قطعًا وعقلًا وشرعًا لما يلزم عليه من أن الرسول ﷺ عجز عن البيان أو قصر في البلاغ، وهذا من أبطل الباطل، فإن النبي ﷺ بلغ البلاغ المبين، وقدرته في البيان فوق قدرة كل أحد (٧)، فإذا بطل اللازم بطل الملزوم. ويقال أيضًا: هذا اللعن والتغليظ الشديد إنما هو فيمن اتخذ قبور الأنبياء مساجد، وجاء في بعض النصوص ما يعم الأنبياء وغيرهم، فلو كانت هذه هي العلة لكانت منتفية في قبور الأنبياء لكون أجسادهم طرية، لا يكون لها صديد يمنع من الصلاة عند قبورهم، فإذا كان النهي عن اتخاذ المساجد عند القبور يتناول قبور الأنبياء بالنص، علم أن العلة ما ذكره هؤلاء العلماء الذين قد نقلت أقوالهم، والحمد لله على ظهور الحجة وبيان المحجة، والحمد لله الذي هدانا لهذا، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله (٨). التاسع: قوله: (باب ما جاء أن الغلو في قبور الصالحين يصيرها أوثانًا تعبد من دون الله):

стр. 988

روى مالك في «الموطأ» أن رسول الله ﷺ ، قال: «اللهم لا تجعل قبري وثنًا يعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» (١). هذا الحديث رواه مالك مرسلًا، والبزار (٢) موصولًا. قوله: رواه مالك في «الموطأ» هو الإمام مالك بن أنس بن مالك بن أبي عامر بن عمرو الأصبحي أبو عبد الله المدني إمام دار الهجرة وأحد الأئمة الأربعة وأحد المتقنين للحديث، حتى قال البخاري: أصح الأسانيد مالك عن نافع عن ابن عمر، مات سنة تسع وسبعين ومائة، وكان مولده سنة ثلاث وتسعين، وقيل: أربع وتسعين، وقال الواقدي بلغ تسعين سنة. قوله: «اللهم لا تجعل قبري وثنًا يعبد قد استجاب الله دعاءه، كما قال ابن القيم رحمه الله تعالى: فأجاب ربُّ العالمينَ دُعاءَه … وأحاطه بثلاثة الجدران حَتَّى غَدَت (٣) أرجاؤُه بدعائه … في عِزَّةٍ وحِمَايَةٍ وصِيَانِ (٤) ودل الحديث على أن قبر النبي ﷺ لو عبد لكان وثنًا، لكن حماه الله تعالى بما حال بينه وبين الناس، فلا يوصل إليه، ودل الحديث على أن الوثن هو ما يباشره (٥) العابد من القبور والتوابيت التي عليها، وقد عَظُمَتْ الفتنة بالقبور بتعظيمها وعبادتها، كما قال عبد الله بن مسعود: كيف أنتم إذا لبستكم فتنة، يهرم فيها الكبير وينشأ فيها الصغير، تجري على الناس يتخذونها سنة إذا غيرت؛ قيل: غيرت السنة» (٦). اهـ (٧). ولخوف الفتنة نهى عمر عن تتبع آثار النبي ﷺ ، قال ابن وضاح: «سمعت عيسى بن يونس يقول: أمر عمر بن الخطاب بقطع الشجرة التي بويع تحتها

стр. 989

النبي ﷺ ، فقطعها لأن الناس كانوا يذهبون فيصلون تحتها فخاف عليهم الفتنة» (١). وقال المعرور بن سويد: صليت مع عمر بن الخطاب بطريق مكة صلاة الصبح ثم رأى الناس يذهبون مذاهب، فقال: أين يذهب هؤلاء؟ فقيل: يا أمير المؤمنين، مسجد صلى فيه النبي ﷺ ، فهم يصلون فيه، فقال: إنما هلك من كان قبلكم بمثل هذا، كانوا يتبعون آثار أنبيائهم ويتخذونها كنائس وبيعًا، فمن أدركته الصلاة في المساجد فليصل ومن لا فليمض ولا يتعمدها» (٢). وفي «مغازي ابن إسحاق» من زيادات يونس بن بكير عن أبي خلدة بن دينار حدثنا أبو العالية قال: «لما فتحنا تُسْتَر وجدنا في بيت مال الهرمزان سريرًا عليه رجل عند رأسه مصحف، فأخذنا المصحف فحملناه إلى عمر، فدعا له كعبًا فنسخه بالعربية، فأنا أول رجل قرأه من العرب قرأته مثل ما أقرأ القرآن فقلت لأبي العالية: ما كان فيه؟ قال: سيرتكم وأموركم ولحون كلامكم وما هو كائن بعد. قلت: فماذا صنعتم بالرجل؟ قال: حفرنا له بالنهار ثلاثة عشر قبرًا متفرقة، فلما كان الليل دفناه وسوينا القبور كلها لنعميه على الناس لا ينبشونه، قلت: وما يرجون منه؟ قال: كانت السماء إذا حبست عنهم برزوا بسريره فيمطرون، فقلت: من كنتم تظنون الرجل؟ قال: رجل يقال له: دانيال، فقلت: منذ كم وجدتموه مات؟ قال: منذ ثلاثمائة سنة، قلت: ما كان تغير منه شيء؟ قال: إلا شعيرات من قفاه، إن لحوم الأنبياء لا تبليها الأرض» (٣). قال ابن القيم ﵀: «ففي هذه القصة ما فعله المهاجرون والأنصار من تعمية قبره لئلا يفتتن به (٤)، ولو ظفر به المتأخرون لجالدوا عليه بالسيوف، ولعبدوه من دون الله» (٥). قال شيخ الإسلام ﵀: «وهو إنكار منهم لذلك، فمن قصد بقعة يرجو الخير بقصدها ولم يستحب الشارع قصدها، فهو من المنكرات وبعضه أشد من بعض، سواء قصدها ليصلي عندها أو ليدعو عندها (٦) أو ليقرأ عندها أو ليذكر الله.

стр. 990

عِندَها (١) أو لِيَنْسُك عِندَها، بحيث يَخُصُّ تلك البُقعة بِنَوعٍ مِنْ العِبادةِ التي (٢) لم يَشرَع تخصيصها به، لا نَوعًا ولا عينًا، إلا أن ذلك قد يَجوز بِحُكمِ الاتِفاقِ لا لِقَصدِ الدُّعاءِ فيها، كمن يَزورها ويُسلِّم عليها، ويسأل الله العافية له ولِلموتى كما جاءت به السُّنَّة (٣). وأمّا تَحَرِّي الدُّعاءِ عِندَها بحيث يَستشعِرُ أن الدُّعاءَ هناك أجوَبُ منه في غَيره فهذا هو المَنهيُ عنه» (٤). اهـ. مُلخَّصًا. قوله: «اشتَدَّ غَضَبُ اللهِ على قَوم اتَّخَذُوا قُبُورَ أنبيائِهم مَساجِدَ» فيه (٥) تَحريمُ البِناءِ على القُبورِ وتَحريمُ الصلاةِ عِندَها، وأن ذلك من الكبائر و [في «القُرَى»] (٦) لِلطَّبَريّ عن (٧) أصحابِ مالكٍ عن مالكٍ أنّه كَرِه أن يقول: زُرتُ قبر النبي ﷺ ، وعَلَّل ذلك بقوله: «اللهم لا تَجعَل قبري وَثَنًا يُعبَد الحديث، كَرِه إضافة هذا اللفظ إلى القبر، لئلا يَقَعُ التَّشَبُّه بِفِعلِ أولئك، سدًّا للذريعة» (٨). قال شيخ الإسلام الله: «ومالك قد أدرك التابعين وهم أعلم الناس بهذه المسألة، فدل ذلك على أنه لم يكن معروفًا عندهم ألفاظ زيارة قبر النبي ﷺ … » إلى أن قال: وقد ذكروا في أسباب كراهته لأن يقول: زُرتُ قبر النبي ﷺ ، لأن هذا اللفظ قد صار كثير من الناس يُريدون (٩) به الزيارة البدعية، وهو (١٠) قصد الميت لِسُؤاله ودُعائه، والرغبة إليه في قَضاءِ الحوائج ونحو ذلك مما يَفعله كثير من الناس، فهم يَعنون بلفظ الزيارة مثل هذا، وهذا ليس بمشروع باتفاق الأئمة، فكره (١١) مالك

стр. 991

أن يتكلم بلفظ مجمل يدل على معنى فاسد بخلاف الصلاة عليه والسلام (١)، فإن ذلك مما أمر الله به. أما لفظ الزيارة في عموم القبور؛ فلا يفهم منها مثل هذا المعنى، ألا ترى إلى قوله: «فزوروا القبور فإنها تذكركم الآخرة» (٢)، مع زيارته لقبر أمه (٣)؟ فإن هذا يتناول قبور الكفار، فلا يفهم من ذلك زيارة الميت لدعائه وسؤاله والاستغاثة به، ونحو ذلك مما يفعله أهل الشرك والبدع، بخلاف ما إذا كان المزور معظمًا في الدين كالأنبياء والصالحين، فإنه كثيرًا ما يُعنى بزيارة قبورهم هذه الزيارة البدعية الشركية، فلهذا كره مالك ذلك في مثل (٤) هذا وإن لم يكره ذلك في موضع آخر ليس فيه هذه المفسدة» (٥). اهـ. وفيه: «إن النبي ﷺ لم يستعذ إلا مما يخاف وقوعه». ذكره المصنف ﵀ (٦) وقوله «عن سفيان»؛ الظاهر أنه سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري (٧)، أبو عبد الله الكوفي، ثقة حافظ فقيه إمام عابد كان مجتهدًا، وله أتباع يتفقهون على مذهبه، مات سنة إحدى وستين ومائة، وله أربع وستون سنة. قوله: «عن مجاهد» هو ابن جبر بالجيم والموحدة، أبو الحجاج المخزومي مولاهم المكي ثقة إمام في التفسير، أخذه (٨) عن ابن عباس وغيره، مات سنة أربع ومائة، قاله يحيى القطان، وقال ابن حبان (٩): مات سنة اثنتين أو ثلاثة

стр. 992

ومائة وهو ساجد، ولد سنة إحدى وعشرين في خلافة عمر (١). قلت: وفي الباب حديث أبي هريرة، وحديث حسان بن ثابت، أما (٢) حديث أبي هريرة فرواه أحمد والترمذي وصححه (٣). قلت: ويكون الإذن في زيارة القبور مخصوصًا بالرجال، خص بقوله: «لعن الله زوارات القبور» (٤) الحديث، فيكون من العام المخصوص، قوله: «والسرج» قال أبو محمد المقدسي: لو أبيح اتخاذ السرج عليها لم يلعن من فعله، لأن فيه تضييعًا للمال في غير ما (٥) فائدة، وإفراطًا في تعظيم القبور أشبه بتعظيم الأصنام. قوله: «رواه أهل السنن» يعني: أبا داود والترمذي وابن ماجه فقط (٦). قوله: (باب ما جاء في حماية المصطفى ﷺ جناب التوحيد وسده كل طريق يوصل إلى الشرك). الجناب هو الجانب، والمراد حمايته عما يقرب إليه (٧) ويخالطه من الشرك وأسبابه. قوله: «وقول الله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ. . . .﴾ إلى آخره»، قلت: فاقتضت هذه الأوصاف التي وصف بها رسول الله (٨) ﷺ في حق

стр. 993

أمته أن أنذرهم وحذرهم الشرك الذي هو أعظم الذنوب، وبين لهم ذرائعه الموصلة إليه، وأبلغ في نهيهم عنها، ومن ذلك تعظيم القبور والغلو فيها، والصلاة عندها واليها، ونحو ذلك مما يوصل إلى عبادتها كما تقدم، وكما سيأتي في أحاديث (١) (٢). العاشر: قوله: «عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تجعلوا بيوتكم قبورًا» (٣)، قال شيخ الإسلام: «أي: لا تعطلوها من الصلاة فيها والدعاء والقراءة، فتكون بمنزلة القبور، فأمر بتحرّي العبادة في البيوت ونهى عن تحريها عند القبور، عكس ما يفعله المشركون من النصارى ومن تشبه بهم من هذه الأمة. وفي «الصحيحين» عن ابن عمر مرفوعًا: «اجعلوا من صلاتكم في بيوتكم ولا تتخذوها قبورًا» (٤). وفي «صحيح مسلم» عن ابن عمر مرفوعًا: «لا تجعلوا بيوتكم مقابر، فإن الشيطان يفر من البيت الذي يسمع سورة البقرة تقرأ فيه (٥)» (٦). قوله: «ولا تجعلوا قبري عيدًا»، قال شيخ الإسلام ﷺ : «العيد اسم لما يعود من الاجتماع العام على وجه معتاد عائدًا (٧)؛ إما يعود السنة أو يعود الأسبوع أو الشهر أو نحو ذلك» (٨). وقال ابن القيم ﵀: «العيد: ما يعتاد مجيئه وقصده من زمان ومكان مأخوذ من المعاودة أو الاعتياد، فإذا كان اسمًا للمكان فهو المكان الذي يقصد فيه الاجتماع وانتيابه للعبادة [أو لغيرها] (٩)، كما كان المسجد الحرام ومنى ومزدلفة وعرفة والمشاعر جعلها الله عيدًا للحنفاء ومثابة، كما جعل أيام [التعبد فيها] (١٠) عيدًا. وكان للمشركين أعياد زمانية ومكانية، فلما جاء الله بالإسلام أبطلها وعوض الحنفاء منها عيد الفطر وعيد النحر وأيام منى، كما عوضهم.

стр. 994

عن (١) أعياد المشركين المكانية بالكعبة (٢) ومنى ومزدلفة وعرفة والمشاعر» (٣). قوله: «وصلوا علي (٤) فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم (٥)، قال شيخ الإسلام ﵀: يشير بذلك إلى أن ما ينالني منكم من الصلاة والسلام يحصل مع قربكم من قبري وبعدكم، فلا حاجة بكم (٦) إلى اتخاذه عيدًا» (٧) (٨). [قوله: «لا تجعلوا بيوتكم قبورًا» (٤). تقدم في كلام شيخ الإسلام في معنى الحديث قبله. اهـ] (٩). قوله: «وعن علي بن الحسين أنه رأى رجلًا يجيء إلى فرجة كانت عند قبر النبي ﷺ ، فيدخل فيها فيدعو فنهاه، وقال: ألا أحدثكم حديثًا سمعته من أبي عن جدي عن رسول الله ﷺ قال: «لا تتخذوا قبري عيدًا، ولا بيوتكم قبورًا، وصلوا علي فإن تسليمكم يبلغني أين كنتم» (٤)، رواه في «المختارة». هذا الحديث والذي قبله جيدان حسنا الإسنادين. قال شيخ الإسلام ﵀: انظر هذه السنة كيف مخرجها من أهل المدينة وأهل البيت الذين لهم من رسول الله ﷺ قرب النسب وقرب الدار، لأنهم إلى ذلك أحوج من غيرهم فكانوا له أضبط» (١٠). اهـ (١١). الحادي عشر: قوله: علي بن الحسين أي: ابن علي بن أبي طالب المعروف بزين العابدين أفضل التابعين من أهل بيته وأعلمهم، قال الزهري: «ما رأيت قرشيًا أفضل منه». مات سنة ثلاث وتسعين على الصحيح، وأبوه الحسين سبط رسول الله ﷺ وريحانته، حفظ عن النبي ﷺ واستشهد يوم عاشوراء سنة إحدى وستين وله ست وخمسون سنة. قوله: «إنه رأى رجلًا يجيء إلى فرجة». بضم الفاء وسكون الراء، وهي

стр. 995

الكوة في الجدار والخوخة ونحوهما (١). قوله: «فيدخل فيها فيدعو فنهاه» هذا يدل على النهي عن قصد القبور والمشاهد لأجل الدعاء والصلاة عندها. قال شيخ الإسلام ﵀: ما علمت أحدًا رخص فيه، لأن ذلك (٢) من اتخاذه عيدًا، ويدل أيضًا على (٣) أن قصد القبر للسلام إذا دخل المسجد ليصلي منهي عنه، لأن ذلك لم يشرع. وكره مالك لأهل المدينة كلما دخل الإنسان المسجد أن يأتي قبر النبي ﷺ ؛ لأن السلف لم يكونوا يفعلون ذلك. قال: ولن يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها، وكان الصحابة والتابعون ﵃ يأتون إلى مسجد النبي ﷺ فيصلون، فإذا قضوا الصلاة قعدوا أو خرجوا ولم يكونوا يأتون القبر للسلام، لعلمهم أن الصلاة والسلام عليه في الصلاة أكمل وأفضل (٤). وأما دخولهم عند قبره للصلاة والسلام عليه هناك أو للصلاة أو الدعاء (٥) فلم يشرعه لهم بل نهاهم عنه (٣) في قوله: «لا تتخذوا قبري عيدًا وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني» (٦)، فبين أن الصلاة تصل إليه من بعد وكذلك السلام، ولعن من اتخذ قبور الأنبياء مساجد، وكانت الحجرة في زمانهم يدخل إليها من الباب، إذ (٧) كانت عائشة فيها وبعد ذلك إلى أن بني الحائط الآخر وهم مع ذلك التمكن من الوصول إلى قبره لا يدخلون إليه (٨) لا للسلام ولا للصلاة، ولا للدعاء (٩) لأنفسهم ولا لغيرهم ولا لسؤال عن حديث أو علم، ولا كان الشيطان يطمع فيهم حتى يسمعهم كلامًا أو سلامًا فيظنون أنه هو كلمهم وأفتاهم وبين لهم الأحاديث أو أنه قد ردّ عليهم¬ السلام بصوت يسمع من خارج، كما طمع الشيطان في غيرهم، فأضلهم عند قبره وقبر غيره، حتى ظنوا أن صاحب القبر يأمرهم وينهاهم ويفتيهم ويحدثهم في الظاهر وأنه يخرج من القبر ويرونه خارجًا من القبر، ويظنون

стр. 996

أن نفس أبدان الموتى خرجت تكلّمهم، وأن روح الموتى تجسدت لهم فرأوها كما رآهم النبي ﷺ ليلة المعراج. والمقصود أن الصحابة لم يكونوا يعتادون الصلاة والسلام عليه عند قبره، كما يفعله من بعدهم من الخلوف، وإنما كان بعضهم يأتي من خارج فيسلم عليه (١) إذا قدم من سفره كما كان ابن عمر يفعله، قال عبيد الله بن عمر عن نافع: كان ابن عمر إذا قدم من سفر أتى قبر النبي ﷺ ، فقال: السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا أبا بكر، السلام عليك يا أبتاه ثم ينصرف (٢). قال عبيد الله: ما نعلم أحدًا من أصحاب النبي ﷺ فعل ذلك إلا ابن عمر، وهذا يدل على أنه لا يقف عند القبر للدعاء إذا سلم كما يفعله كثير. قال شيخ الإسلام ﵀: لأن ذلك لم ينقل عن أحد من الصحابة فكان بدعة محضة (٣). وفي (المبسوط): قال مالك: لا أرى أن يقف عند قبر النبي ﷺ ، ولكن يسلم ويمضي. ونص أحمد أنه يستقبل القبلة ويجعل الحجرة عن يساره لئلا يستدبره (٤). وبالجملة، فقد (٥) اتفق الأئمة على أنه إذا دعا لا يستقبل القبر، وتنازعوا هل يستقبله عند السلام عليه أم لا؟ (٦). وفي الحديث دليل على منع شد الرحال إلى قبره ﷺ وإلى غيره من القبور والمشاهد، لأن ذلك من اتخاذها أعيادًا بل من أعظم أسباب الإشراك بأصحابها،

стр. 997

وهذه هي المسألة التي أفتى بها شيخ الإسلام ﵀ أعني: من سافر لمجرد زيارة قبور الأنبياء والصالحين - ونقل فيها (١) اختلاف العلماء، فمن مبيح لذلك كالغزالي وأبي محمد المقدسي ومن مانع لذلك كابن بطة وابن عقيل وأبي محمد الجويني (٢) والقاضي عياض، وهو قول الجمهور، نص عليه مالك ولم يخالفه أحد من الأئمة وهو الصواب، لما في «الصحيحين» عن أبي سعيد عن النبي ﷺ ، قال: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى» (٣). فدخل في النهي شدها لزيارة القبور والمشاهد، فإما أن يكون نهيًا، وإما أن يكون نفيًا. وجاء في رواية بصيغة النهي، فتعين أن يكون للنهي، ولهذا فهم منه الصحابة المنع، كما في «الموطأ» و «المسند» و «السنن»، عن بصرة (٤) بن أبي بصرة الغفاري أنه قال لأبي هريرة وقد أقبل من الطور: لو أدركتك قبل أن تخرج إليه لما خرجت، سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا تُعْمَل المطي إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى» (٥). وروى الإمام أحمد وعمر بن شبة في «أخبار المدينة» بإسناد جيد عن قَزَعَة قال: «أتيت ابن عمر، فقلت: إني أريد الطور، فقال: إنما تشد الرحال إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجد المدينة، والمسجد الأقصى، فدع عنك الطور ولا تأته» (٦).

стр. 998

فابن عمر وبُصرة بن أبي بصرة جعلا الطور مما نُهي عن شد الرحال إليه. لأن اللفظ الذي ذكراه في (١) النهي عن شدها إلى غير الثلاثة مما يقصد به القربة، فعلم أن المستثنى منه عام في المساجد وغيرها، وأن النهي ليس خاصًا بالمساجد، ولهذا نهيا عن شدها إلى الطور مستدلين بهذا الحديث، والطور إنما يسافر من يسافر إليه لفضيلة البقعة فإن الله سماه (الوادي المقدس)، و (البقعة المباركة) وكلم كليمه موسى ﵇ هناك. وهذا هو الذي عليه الأئمة الأربعة وجمهور العلماء، ومن أراد بسط القول في ذلك والجواب عما يعارضه فعليه بما كتبه شيخ الإسلام مجيبًا لابن الأخنائي (٢) فيما اعترض به على ما دلت عليه الأحاديث [الصحيحة] (٣) وأخذ به العلماء (٤) وقياس الأولى، لأن المفسدة في ذلك ظاهرة. وأما النهي عن زيارة غير المساجد الثلاثة فغاية ما فيها أنها لا مصلحة في ذلك توجب شد الرحال ولا مزية تدعو إليه. وقد بسط القول في ذلك الحافظ محمد بن عبد الهادي في كتاب «الصارم المنكي» في ردّه على السبكي، وذكر فيه علل الأحاديث الواردة في زيارة قبر النبي ﷺ ، وذكر هو وشيخ الإسلام رحمهما الله تعالى أنه لا يصح منها حديث عن النبي ﷺ ، ولا عن أحد من أصحابه مع أنها لا تدل على محل النزاع، إذ ليس فيها إلا مطلق الزيارة، وذلك لا ينكره أحد بدون شد الرحال فيحمل على الزيارة الشرعية التي ليس فيها شرك ولا بدعة. قوله: «رواه في «المختارة»»، «المختارة»: كتاب جمع فيه مؤلّفه الأحاديث الجياد الزائدة على «الصحيحين». ومؤلفه هو أبو عبد الله محمد بن عبد الواحد المقدسي الحافظ ضياء الدين الحنبلي أحد الأعلام، قال الذهبي: «أفنى عمره في

стр. 999

هذا الشأن مع الدين المتين والورع والفضيلة التامة والإتقان، فالله يرحمه ويرضى عنه» (١). وقال شيخ الإسلام: «تصحيحه في «مختارته» (٢) خير من تصحيح الحاكم بلا ريب» (٣). مات سنة ٦٤٣ (٤). باب قوله: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾ [المائدة: ٦٠]. قال (ك): «قوله: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ﴾ أي: هل أخبركم بشر جزاء عند الله يوم القيامة مما تظنونه بنا؟ وهم أنتم الذين هم (٥) متصفون بهذه الصفات [المفسرة بقوله تعالى] (٦): ﴿مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ﴾ أي: أبعده من رحمته ﴿وَغَضِبَ عَلَيْهِ﴾ أي: غضبًا لا يرضى بعده أبدًا ﴿وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ﴾ روى سفيان الثوري (٧) عن ابن مسعود قال: سئل رسول الله ﷺ عن القردة والخنازير: أهي مما مسخ الله؟ فقال: إن الله لا يهلك قومًا - أو قال: إن الله لم يمسخ قومًا - فيجعل لهم نسلًا ولا عقبًا، وإن القردة والخنازير كانت قبل ذلك (٨) وقد رواه مسلم. وقوله تعالى: ﴿وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾ أي: وجعل منهم من عبد الطاغوت، وقرئت قراءات أخرى (٩) يرجع معناها كلها إلى أنكم يا أهل الكتاب الطاعنين في ديننا

стр. 1000

الذي هو توحيد الله وإفراده بالعبادات دون ما سواه، كيف يصدر منكم هذا وقد وجدت فيكم جميع أنواع عبادة الطاغوت؟ ولهذا قال: ﴿أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا﴾ أي: مما تظنون بنا، ﴿وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ وهذا من باب استعمال أفعل التفضيل فيما ليس في الطرف الآخر (١) مشاركة، كقوله تعالى: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٤]» (٢). قوله: وقول الله تعالى: ﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِم مَسْجِدًا﴾ [الكهف: ٢١] والمراد أنهم فعلوا مع الفتية بعد موتهم ما يذم فاعله، لأن النبي ﷺ قال: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد» (٣). أراد تحذير أمته أن يفعلوا كفعلهم (٤). الثاني عشر: قوله: عن أبي سعيد الخدري: إن رسول الله ﷺ قال: «لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه». قالوا: يا رسول الله اليهود والنصارى؟ قال: «فمن؟». أخرجاه (٥)، وهذا سياق مسلم. قوله: «سنن» بفتح المهملة، أي طريق من كان قبلكم، قال المهلب: «الفتح أولى»، قوله: «حذو القذة بالقذة» بنصب حذو على المصدر و (القُدَّة) بضم القاف واحدة القذذ (٦) وهو ريش السهم، أي: لتتبعن طريقهم في كل ما فعلوه، وتشبهوهم في ذلك كما تشبه قذة السهم القذة الأخرى. وبهذا تظهر مناسبة الآيات للترجمة وقد وقع كما أخبر، وهو عَلم من أعلام النبوة، قوله: «حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه» (٥) وفي حديث آخر: «حتى لو كان فيهم من يأتي أمه علانية لكان في أمتي من يفعل ذلك» (٧). أراد ﷺ أن أمته لا تدع شيئًا مما كان

стр. 1001

يفعله اليهود والنصارى إلا فعلته كله لا تترك منه شيئًا، ولهذا قال سفيان بن عيينة: «من فسد من علمائنا ففيه شبه من اليهود، ومن فسد من عبادنا ففيه شبه من النصارى» (١). قلت: فما أكثر الفريقين، لكن من رحمة الله تعالى ونعمته أن جعل هذه الأمة لا تجتمع على ضلالة كما في حديث ثوبان الآتي قريبًا، قوله: «قالوا: يا رسول الله اليهود والنصارى؟ قال: فمن؟ هو برفع (اليهود) خبر مبتدأ محذوف، أي: أهم اليهود والنصارى الذي نتبع سنتهم؟ ويجوز النصب بفعل محذوف، تقديره: تعني اليهود (٢)؟ قوله: «قال: فمن؟» استفهام إنكاري، أي: فمن هم غير أولئك؟» (٣). الثالث عشر: قوله: «ولمسلم عن ثوبان أن رسول الله ﷺ قال: «إن الله زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوى لي منها، وأعطيت الكنزين، الأحمر والأبيض. وإني سألت ربي لأمتي أن لا يهلكها بسنة بعامة وأن لا يسلط عليهم عدوًّا من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم، وإن ربي قال: يا محمد إذا قضيت قضاء لا يرد، وإني أعطيتك لأمتك أن لا أهلكها بسنة بعامة، وأن لا أسلط عليهم عدوًا من سوى أنفسهم، فيستبيح بيضتهم، ولو اجتمع عليهم من بأقطارها حتى يكون بعضهم يهلك بعضًا ويسبي بعضهم بعضًا»، ورواه البرقاني في «صححه»، وزاد: وإنما أخاف على أمتي الأئمة المضلين، وإذا وقع عليهم السيف لم يرفع إلى يوم القيامة، ولا تقوم الساعة حتى يلحق حي من أمتي بالمشركين، وحتى تعبد فئام من أمتي الأوثان، وإنه سيكون في أمتي كذابون ثلاثون كلهم يزعم أنه نبي، وأنا خاتم النبيين لا نبي بعدي، ولا تزال طائفة من أمتي على الحق

стр. 1002

منصورة، لا يضرهم من خذلهم، ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله ﵎ (١). هذا الحديث رواه أبو داود في «سننه» وابن ماجه بالزيادة التي ذكرها المصنف. قوله: «عن ثوبان» هو مولى النبي ﷺ (٢)، صحبه ولازمه ونزل بعده الشام، ومات بحمص سنة أربع وخمسين، قوله: «زوى لي الأرض»، قال التوربشتي: «زَوَيْتُ الشيء: جمعته وقبضته، يريد تقريب البعيد منها حتى اطلع عليه اطلاعه على القريب» (٣). وحاصله أنه طوى الأرض وجعلها مجموعة كهيئة كف في مرآة ينظره، قال الطيبي: «أي: جمعها لي حتى أبصرت ما تملكه أمتي من أقصى المشارق والمغارب منها» (٤). قوله: «وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوى لي منها»، قال القرطبي: «هذا الخبر وجد مخبره كما قال ﷺ ، وكان ذلك من دلائل نبوته وذلك أن ملك أمته اتسع إلى أن بلغ أقصى طنجة [بالنون والجيم] (٥)، الذي هو منتهى عمارة المغرب، إلى أقصى المشرق مما [هو] (٦) وراء خراسان والنهر وكثير من بلاد (٧) السند والهند والصغد، ولم يتسع ذلك الاتساع من جهة الجنوب والشمال، ولذلك لم يذكر ﷺ أنه أريه ولا أخبر أن ملك أمته يبلغه» (٨) (٩). قال محمد تقي الدين هذا خطأ، فإن طنجة هي أول عمارة المغرب، وآخرها نهاية شنقيط عند حدود السنيغال، وكيف يرتكبه القرطبي وبلده قرطبة طال ما كان مع المغرب دولة واحدة وليس بين قرطبة وطنجة إلا نحو مائتي ميل. وكان القرطبي متبحرًا في علوم كثيرة، ولكنه في تخطيط البلدان أبدى غاية الضعف، والكمال لله. اهـ.

стр. 1003

قوله: «زوى لي منها» يحتمل أن يكون مبنيًّا للفاعل، وأن يكون مبنيًّا للمفعول. قوله: «وأعطيت الكنزين، الأحمر والأبيض»، قال القرطبي: «يعني به كنز كسرى وهو ملك الفرس، وكنز (١) قيصر وهو ملك الروم، وقصورهما وبلادهما [وقد قال ﷺ ] (٢): «والذي نفسي بيده لتنفقن كنوزهما في سبيل الله» (٣) وعبر بالأحمر عن كنز قيصر لأن الغالب عندهم كان الذهب، وبالأبيض عن كنز كسرى لأن الغالب عندهم كان الجوهر والفضة، ووجد ذلك في خلافة عمر (٤)، فإنه سيق إليه تاج كسرى وحليته وما كان في بيوت أمواله، وجميع ما حوته مملكته على سعتها وعظمتها، وكذلك فعل الله بقيصر» (٥). والأبيض والأحمر، منصوبان على البدل. قوله: «وإني سألت ربي لأمتي أن لا يهلكها بسنة بعامة» هكذا ثبت في أصل المصنف ﵀ «بعامة» بالباء، وهي رواية صحيحة في «صحيح مسلم» وفي بعضها بحذفها، قال القرطبي: «وكأنها زائدة؛ لأن «عامة» صفة السنة (٦)، والسنة (٧) والجدب (٨) الذي يكون به الهلاك العام، ويسمى الجدب والقحط: سنة، ويجمع على سنين، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ﴾ [الأعراف: ١٣٠]، أي: الجدب (٩) المتوالي» (١٠). قوله: «من سوى أنفسهم» أي: من غيرهم من الكفار من إهلاك بعضهم بعضًا وسبي بعضهم بعضًا، كما هو مبسوط في التاريخ فيما قبل، وإلى (١١) زماننا

стр. 1004

هذا، نسأل الله العفو والعافية، قوله: «فيستبيح بيضتهم»، قال الجوهري: «بيضة كل شيء: حوزته، وبيضة القوم: ساحتهم» (١) وعلى هذا فيكون معنى الحديث: إن الله تعالى لا يسلط العدو على كافة المسلمين حتى يستبيح جميع ما حازوه من البلاد والأرض، ولو اجتمع عليهم من بأقطار الأرض وهي جوانبها، وقيل: بيضتهم معظمهم وجماعتهم وإن قلوا. قوله: «حتى يكون بعضهم يهلك بعضًا»، والظاهر أن «حتى» عاطفة أو تكون لانتهاء الغاية. قال محمد تقي الدين: بل هي لانتهاء الغاية يقينًا، وقد سلط (٢) بعضهم على بعض كما هو الواقع وذلك لكثرة اختلافهم وتفرقهم. قوله: «وإن ربي قال: يا محمد إذا قضيت قضاء فإنه لا يرد» قال بعضهم: إذا حكمت حكمًا مُبرمًا نافذًا فإنه لا يُرد بشيء، ولا يقدر أحد على رده كما قال النبي ﷺ : «ولا راد لما قضيت» (٣). قوله: «رواه البرقاني في صحيحه»، هو الحافظ الكبير أبو بكر أحمد بن محمد الخوارزمي الشافعي، ولد سنة ست وثلاثين وثلاثمائة ومات سنة خمس وعشرين وأربعمائة، قال الخطيب: «كان ثبتًا ورعًا (٤) لم نَرَ في شيوخنا أثبت منه (٥)، عارفًا بالفقه، كثير التصانيف صنف (٦) «مسندًا» ضمنه ما اشتمل عليه «الصحيحان»، وجمع حديث الثوري وحديث شعبة وطائفة» (٧)، وهذا الحديث رواه أبو داود بتمامه (٨).

стр. 1005

وروى في «سننه» أيضًا عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «يتقارب الزمان وينقص العلم، وتظهر الفتن، ويلقى الشح ويكثر الهرج» قيل: يا رسول الله ما هو؟ قال: «القتل القتل» (١). قوله (٢): «وإنما أخاف على أمتي الأئمة المضلين»، أي: الأمراء والعلماء والعباد فيحكمون فيهم بغير علم فيضلونهم (٣) كما قال تعالى: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا﴾ [الأحزاب: ٦٧]، وكان بعض هؤلاء يقول لأصحابه: من كان له حاجة فليأت إلى قبري فإني أقضيها له، ولا خير في رجل يحجبه عن أصحابه: من كان له حاجة فليأت إلى قبري فإني أقضيها له، ولا خير في رجل يحجبه عن أصحابه ذراع من تراب ونحو (٤) هذا، وهذا هو الضلال البعيد، يدعو أصحابه إلى أن يعبدوه من دون الله، ويسألوه ما لا يقدر عليه من قضاء حاجاتهم وتفريج كرباتهم، ومن هذا الضرب من يدعي أنه يصل مع الله إلى حال تسقط [فيها عنه] (٥) التكاليف، ويدعي (٦) أن الأولياء يُدعون أو يستغاث بهم في حياتهم ومماتهم، وإنهم ينفعون ويضرون ويدبرون الأمور على سبيل الكرامة، وأنه يطلع على اللوح المحفوظ ويعلم أسرار الناس وما في ضمائرهم أو يجوز بناء المساجد على قبور الأولياء (٧) والصالحين وإيقادها بالسرج، ونحو ذلك من الغلو والإفراط والعبادة لغير الله، فما أكثر هذا الهذيان والكفر والمحادة لله ولكتابه ولرسوله. وعن أبي الدرداء قال: قال رسول الله ﷺ : «إِنَّ أخوف ما أخاف على أمتي الأئمة المضلون» (٨)، رواه أبو داود الطيالسي. وعن ثوبان أن رسول الله ﷺ قال: «إنما أخاف على أمتي الأئمة المضلين» (٩)، رواه الترمذي (١٠)، وقد بين الله

стр. 1006

تعالى في كتابه صراطه المستقيم، الذي هو سبيل المؤمنين، فكل من أحدث حدثًا ليس في كتاب الله ولا في سنة رسوله ﷺ ، فهو ملعون وحدثه مردود، كما قال ﷺ : «من أحدث حدثًا أو آوى محدثًا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه يوم القيامة صرفًا ولا عدلًا» (١)، وقال: «من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد» (٢)، وقال: «كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة» (٣) وهذه أحاديث صحيحة. ومدار أصول الدين وأحكامه على هذه الأحاديث ونحوها، وقد بين الله تعالى هذا الأصل في مواضع من كتابه العزيز، كما قال تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إلَيْكُم مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾، وقال تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الجاثية: ١٨]، ونظائرها في القرآن كثيرة. وعن زياد بن حدير قال: قال لي عمر: «هل تعرف ما يهدم الإسلام»؟ قلت: لا، قال: «يهدمه زلة العالم وجدال المنافق بالكتاب وحكم الأئمة المضلين» (٤). رواه الدارمي.

стр. 1007

وقال يزيد بن عميرة (١): كان معاذ بن جبل لا يجلس مجلسًا للذكر إلا ويقول (٢): «الله حكم قسط، هلك المرتابون. - وفيه -: فاحذروا زيغة الحكيم، فإن الشيطان قد يقول الضلالة على لسان الحكيم، وقد يقول المنافق كلمة الحق، قلت لمعاذ: وما يدريني رحمك الله أن الحكيم قد يقول كلمة الضلالة (٣) والمنافق قد يقول كلمة الحق؟ فقال (٤): اجتنب من كلام الحكيم المشتبهات التي يقال: ما هذه؟ ولا [يثنيك ذلك] (٥) عنه، فإنه لعله أن (٦) يراجع الحق، وتلق الحق إذا سمعته، فإن على الحق نوراً» (٧)، رواه أبو داود وغيره. قوله: «وإذا وقع عليهم السيف لم يرفع إلى يوم القيامة» وكذلك وقع فإن السيف لما وقع بقتل عثمان ﵁ لم يرفع، وكذلك يكون إلى يوم القيامة ولكن قد يكثر تارة ويقل أخرى ويكون في جهة ويرتفع عن أخرى. قوله: «ولا تقوم الساعة حتى يلحق حي من أمتي بالمشركين»، (الحي واحد الأحياء وهي القبائل)، وفي رواية أبي داود: «حتى يلحق قبائل من أمتي

стр. 1008

بالمشركين» (١)، والمعنى: إنهم (٢) يكونون معهم ويرتدون برغبتهم عن أهل الإسلام ويلحقون (٣) بأهل الشرك. قوله: «حتى تعبد فئام من أمتي الأوثان» (الفئام) [بكسر الفاء] (٤) مهموز: الجماعات الكثيرة، قاله أبو السعادات (٥) وفي رواية أبي داود (٦): «وحتى تعبد قبائل من أمتي الأوثان» وهذا هو شاهد الترجمة، ففيه الرد على من قال بخلافه من عباد القبور الجاحدين لما يقع منهم من الشرك بالله بعبادتهم الأوثان، وذلك لجهلهم بحقيقة التوحيد وما يناقضه من الشرك والتنديد. فالتوحيد هو أعظم مطلوب والشرك هو أعظم الذنوب، وفي معنى هذا الحديث: ما في «الصحيحين» عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: «لا تقوم الساعة حتى تضطرب أَليَاتُ نساء دَوْس على ذي الخلصة» قال: وذو الخلصة طاغية دوس التي كانوا يعبدون في الجاهلية (٧). وروى ابن حبان عن معمر قال: «إن عليه الآن بيتًا مبنيًا مغلقًا» (٨)، قال العلامة ابن القيم (٩) ﵀ في قصة هدم اللات، لما أسلمت ثقيف: «فيه أنه لا يجوز إبقاء مواضع الشرك والطواغيت بعد القدرة على هدمها وإبطالها يومًا واحدًا، وكذلك (١٠) حكم المشاهد التي بنيت على القبور والتي اتخذت أوثانًا تعبد من دون الله، والأحجار التي تقصد للتبرك (١١) والنذر، لا يجوز إبقاء شيء منها على وجه الأرض مع القدرة على إزالتها وكثير منها بمنزلة اللات والعزى ومناة، أو أعظم (١٢) شركًا عندها وبها، فاتبع هؤلاء سنن من كان قبلهم وسلكوا سبيلهم حذو القذة بالقذة، وغلب الشرك على أكثر النفوس، لظهور الجهل وخفاء العلم وصار (١٣) المعروف منكرًا والمنكر معروفًا، والسنة بدعة والبدعة سنة،

стр. 1009

وطمست الأعلام واشتدت غربة الإسلام، وقلَّ العلماء وغلب السفهاء وتفاقم الأمر واشتد البأس و ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾ [الروم: ٤١]، ولكن لا تزال طائفة من العصابة المحمدية بالحق قائمين، ولأهل الشرك والبدع مجاهدين، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين» (١). قلت: فإذا كان هذا في القرن السابع وقبله فما بعده أعظم فسادًا كما هو الواقع، وقال الحافظ: «وقد ظهر مصداق ذلك في زمن رسول الله (٢) ﷺ فخرج مسيلمة الكذاب باليمامة، والأسود العنسي باليمن، وفي خلافة أبي بكر طليحة بن خويلد في بني أسد بن خزيمة، وسجاح في بني تميم (٣)، وقتل الأسود قبل أن يموت النبي ﷺ وقتل مسيلمة في خلافة أبي بكر قتله وحشي قاتل حمزة يوم أحد، وشاركه في قتل مسيلمة يوم اليمامة رجل من الأنصار (٤)، وتاب طليحة ومات على الإسلام في زمن عمر ﵁، ونقل أن سجاح تابت أيضًا، ثم خرج المختار بن أبي عبيد الثقفي وغلب على الكوفة في أول خلافة ابن الزبير وأظهر محبة أهل البيت ودعا الناس إلى طلب قتلة الحسين فتتبعهم فقتل كثيرًا ممن باشر ذلك، وأعان عليه فأحبه الناس، ثم ادعى النبوة وزعم أن جبريل ﵇ يأتيه، ومنهم الحارث الكذاب (٥)، خرج في خلافة عبد الملك بن مروان فقتل وخرج في خلافة بني العباس جماعة، وليس المراد بالحديث من ادعى النبوة مطلقًا، فإنهم لا يحصون كثرة لكون غالبهم تنشأ دعوته (٤) عن جنون أو سوداء، وإنما المراد من قامت له شوكة وبدا له شبهة كمن وصفنا، وقد أهلك الله تعالى من وقع له (٤) منهم ذلك، وبقي منهم من يلحقه بأصحابه وآخرهم الدجال الأكبر» (٦). قوله: «وأنا خاتم النبيين»، قال الحسن، الخاتم (٧): الذي ختم به، يعني (٨):

стр. 1010

أنه آخر النبيين كما قال تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِن رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب: ٤٠] وإنما ينزل عيسى ابن مريم في آخر الزمان حاكمًا بشريعة محمد ﷺ مصليًا إلى قبلته، فهو كأحد أمته، بل هو أفضل هذه الأمة، قال النبي ﷺ : «والذي نفسي بيده لينزلن فيكم ابن مريم حكمًا مقسطًا، فليكسرنّ الصليب، وليقتلن الخنزير، وليضعن الجزية» (١). قوله: «ولا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورة لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم»، قال يزيد بن هارون وأحمد بن حنبل: «إن لم يكونوا أهل الحديث فلا أدري من هم» (٢). قال ابن المبارك وعلي بن المديني، وأحمد بن سنان، والبخاري وغيرهم: «إنهم أهل الحديث» (٣). قال النووي: «يجوز أن تكون الطائفة جماعة (٤) متعددة من أنواع المؤمنين، ما بين شجاع وبصير بالحرب، وفقيه ومحدث ومفسر، وقائم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وزاهد وعابد، ولا يلزم أن يكونوا مجتمعين في بلد واحد، بل يجوز اجتماعهم في قطر واحد وافتراقهم في أقطار الأرض، ويجوز أن يجتمعوا في البلد الواحد وأن يكونوا في بعض دون بعض منه، ويجوز إخلاء الأرض من بعضهم أولًا فأولًا، إلى أن لا يبقى فرقة واحدة ببلد واحد، فإذا انقرضوا جاء أمر الله» (٥). اهـ. ملخصًا مع زيادة فيه، قاله الحافظ (٦).

стр. 1011

قال القرطبي: «[وفيه دليل على أن الإجماع حجة، لأن (١) الأمة إذا اجتمعت فقد دخلت فيهم الطائفة المنصورة] (٢)» (٣). قال المصنف ﵀: وفيه الآية العظيمة، أنهم مع قلتهم لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم، وفيه البشارة (٤) بأن الحق لا يزول بالكلية، قلت: واحتج به الإمام أحمد (٥) على أن الاجتهاد لا ينقطع ما دامت هذه الطائفة موجودة (٦). هذا ما قصدت إثباته من كتاب «التوحيد» و «شرحه»، رحمة الله على من ألفهما والحمد لله رب العالمين.

стр. 1012

الحمد لله الذي أكرمنا بالإيمان برسوله وخليله محمد المبعوث رحمة للأنام، وهاديًا العباد إلى دار السلام، لم يترك شيئًا من خير الدنيا والآخرة إلا دعا إليه وحثّ عليه، ولا ترك شيئًا من شر الدنيا والآخرة إلا حذرنا منه ونبهنا عليه. اللهم صل عليه وعلى آله وأصحابه وكل من اقتدى به. أما بعد: فيقول العبد الفقير إلى رحمة ربه الكبير المتعالي محمد تقي الدين بن عبد القادر الحسيني الهلالي، عفا الله عنه، وغفر ذنبه وستر في الدارين عيبه: لقد من الله عليّ وأعانني على إنجاز (القسم الأول) من كتاب «سبيل الرشاد»، وهو في (توحيد الربوبية والعبادة)، فجاء في (جزءين) يشتمل على (ثمان مائة وخمسين صفحة) تقريبًا (١) وها أنذا أقف خاضعًا ذليلًا بباب الغني الكريم، أسأله من فضله أن يعينني على تأليف (القسم الثاني) ثم (القسم الثالث). و (القسم الثاني) في توحيد الاتباع كما هو معلوم. والمراد: اتباع الكتاب والسنة في جميع أمور الدين، من عقيدة وأعمال وأخلاق ومعاملات.

стр. 1013

سورة الفاتحة قوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: ٦] إلى آخرها أمر الله عباده أن يستعينوا به ولا يستعينوا بغيره، حين أمرهم أن يقولوا: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ فلا يعبد إلا الله، ولا يستعان إلا بالله في كل موطن أو حال لا قدرة للمخلوق أن يعين فيها بسبب من الأسباب، كإنزال المطر وشفاء المريض، وتسهيل الولادة على من أخذها الطلق، وتفريج الكروب وشرح الصدور وهداية القلوب، ولذلك أمر عباده أن يقولوا في كل ركعة ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ و ﴿الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ جاء في القرآن العظيم في مواضع كثيرة (١)، وهو طريق الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وبالنسبة إلى هذه الأمة هو ما كان عليه رسول الله ﷺ في أمور الدين. أما أمور الدنيا، فللمسلم أن يتصرف فيها كما يريد في الحرث والتجارة والزراعة، فقد قال النبي ﷺ في قضية تلقيح النخل، حين نهاهم عنه فتركوه، ففسد التمر وصار شيصًا، فأخبر النبي ﷺ فقال: «إذا حدثتكم عن الله فخذوا به، فإني لا أكذب على الله، وأنتم أعلم بأمور دنياكم» (٢).

стр. 1014

فكل مسلم يجب عليه أن يتبع رسول الله ﷺ في جميع أمور دينه بلا زيادة ولا نقصان، ولا يجوز له أن يتبع فرقة بعينها قد اتخذت لها طريقًا خاصًا تتعصب له: توالي له وتعادي له وتعطي وتمنع لأجله وتحب وتبغض بسببه، وتخالف القرآن وصحيح الحديث إذا لم يتفق مع أصولها وما خطه لها رؤساؤها، ولذلك قال تعالى: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾. والمغضوب عليهم هم اليهود، والضالون هم النصارى. وقد أخبر النبي ﷺ أن بعض هذه الأمة المحمدية يتبع سنن اليهود، وبعضهم يتبع سنن النصارى، وبعضهم يتبع سنن المجوس، وبعضهم يتبع سنن المشركين عبدة الأوثان، ولا ينجو من ذلك أحد إلا من اتبع الكتاب والسنة الصحيحة بلا زيادة ولا نقصان، وكان في اعتقاده وأعماله الدينية كما كان أصحاب رسول الله ﷺ ، ويلزم من ذلك أن لا يتقيد بمذهب أو طريقة أو نحلة من النحل. قال الإمام محمد بن إسماعيل الأمير الصنعاني مؤلف كتاب «سبل السلام شرح بلوغ المرام» في «القصيدة الدالية» التي أرسل بها إلى الإمام المصلح محمد بن عبد الوهاب الدرعي ومطلعها: سلامي على نجد ومنْ حلَّ في نجد … وإن كان تسليمي من البُعْدِ لا يُجدي والمراد نقله منها هو قوله: وما كلُّ قول بالقبول مُقَابَلٌ … ولا كلُّ قول واجب الرد والطرد

стр. 1015

سوى ما أتى عن ربنا ورسوله فذلك قول جل يا ذا (١) عن الرد وأما أقاويل الرِّجالِ فإنَّها تدور على حسب (٢) الأدلَّةِ في النَّقدِ ومضى إلى أن قال: «سَلامي عَلى أَهلِ الحَديثِ فَإِنَّني … نَشَأتُ عَلى حُبِّ الأَحاديثِ مِنْ مَهدِي هُمُ بَذَلوا في حِفظِ سُنَّةِ أَحمَدِ … وَتَنقيحِها مِنْ جُهدِهِم غايَةَ الجَهدِ وَأَعني بِهِمْ أَسلافَ سُنَّةِ أَحمَدِ … أُولَئِكَ في بَيتِ القَصيدَةِ هُمْ قَصدي أُولَئِكَ أَمثالُ البُخاريِّ وَمُسلِمِ … وَأَحمَدُ أَهلُ الجُهدِ في العِلمِ وَالجِدِّ بُحورُ أَحاشيهِم عَنِ الجَزرِ إِنَّما … لَهُمْ مَدَدٌ يَأتي مِنَ اللَّهِ بِالمَدِّ رَوَوا وَارتَوَوا مِنْ بَحرِ عِلمِ مُحَمَّدٍ … وَلَيسَ لَهُمْ تِلكَ المَذاهِبُ مِنْ وِردِ كَفاهُم كِتابُ اللَّهِ وَالسُنَّةُ الَّتي … أَتاهُم بِها صَحبُ الرَسولِ ذَوُو المَجدِ أَأَنتُم أَهدى مِنْ صَحابَةِ أَحمَدِ … وَأَهلِ الكِسا هَيهاتَ مَا الشَوكُ كَالوَردِ أُولَئِكَ أَهدى في الطَريقَةِ مِنْكُمُ … فَهُمْ قُدوَتي حَتّى أُوَسَّدَ في لَحدي وَشَتّانَ ما بَينَ المُقَلَّدِ في الهُدى … وَمَنْ يَقتَدي وَالضِدُّ يُعرَفُ بِالضِدِّ فَمُقتَدِيًا كُنْ في الهُدى لا مُقَلِّدًا … وَخَلِّ أَخا التَّقليدِ بِالأَسرِ في القِدِّ عَلى ما جَعَلتُم أَيُّهَا النَّاسُ دينَنا … لِأَربَعَةٍ لا شَكَّ في فَضلِهِم عِندي هُمُ عُلَماءُ الدّينِ شَرقًا وَمَغرِبًا … وَهُمْ عِنْدَ ذِكرِ الفَضلِ واسِطَةُ العِقدِ وَلَكِنَّهُم كَالنَّاسِ لَيسَ كَلامُهُم … دَليلًا وَلا تَقليدُهُم في غَدٍ يُجدي وَمَنْ قَلَّدَ النُّعمانَ أَصبَحَ شارِبًا … نَبيذًا وَفيهِ القَولُ لِلبَعضِ بِالحَدِّ» (٣) وقال الإمام الحافظ أبو عبد الله شمس الدين محمد بن أبي بكر المعروف بابن قيم الجوزية (المتوفى سنة ٧٥١) في كتابه: إعلام الموقعين عن رب العالمين بعد فاتحة الكتاب ما نصه: «أما بعد: فإن أولى ما يتنافس فيه المتنافسون وأحرى ما يتسابق في حلبة سباقه المتسابقون ما كان بسعادة العبد في معاشه ومعاده كفيلًا وعلى طريق هذه السعادة دليلًا، وذلك العلم النافع والعمل

стр. 1016

الصالح، اللذان لا سعادة للعبد إلا بهما ولا نجاة له إلا بالتعلق بسببهما، فمن رُزِقهما فقد فاز وغنم، ومن حُرِمهما فالخير كله حُرِم. وهما مورد انقسام العباد إلى مرحوم ومحروم، وبهما يتميز البر من الفاجر، والتقي من الغوي والظالم من المظلوم، ولما كان العلم للعمل قرينًا وشافعًا وشرفه لشرف معلومه تابعًا، كان أشرف العلوم على الإطلاق علم التوحيد، وأنفعها على أحكام أفعال العبيد، ولا سبيل إلى اقتباس هذين النورين، وتلقي هذين العلمين إلا من مشكاة من قامت الأدلة القاطعة على عضمته وصرحت الكتب السماوية بوجوب طاعته ومتابعته، وهو الصادق المصدوق الذي لا ينطق عن الهوى، ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٤]. ولما كان التلقي عنه ﷺ على نوعين: نوع بواسطة، ونوع بغير واسطة، وكان (١) بلا واسطة حظ أصحابه الذين حازوا قصبات السباق، واستولوا على الأمد فلا طمع (٢) لأحد من الأمة بعدهم في اللحاق. ولكن المبرز من اتبع صراطهم المستقيم، واقتفى منهاجهم القويم والمتخلف من عدل عن طريقهم ذات اليمين وذات الشمال، فذلك المنقطع التائه في بيداء المهالك والضلال، فأي خصلة خير لم يسبقوا إليها؟! وأي خطة رشد لم يستولوا عليها؟! تالله لقد وردوا رأس الماء من عين الحياة عذبًا صافيًا زلالًا، وأيدوا (٣) قواعد الإسلام فلم يدعوا لأحد بعدهم مقالًا، فتحوا القلوب بعدلهم وبالقرآن والإيمان، والقُرَى بالجهاد بالسيف والسنان، وألقوا إلى التابعين ما تلقوه من مشكاة النبوة خالصًا صافيًا، وكان سندهم فيه عن نبيهم ﷺ عن جبريل عن رب العالمين سندًا صحيحًا عاليًا، وقالوا: هذا عهد نبينا إلينا وقد عهدنا إليكم، وهذه وصية ربنا وفرضه علينا وهي وصيته وفرضه عليكم؛ فَجَرى التابعون لهم بإحسان على منهاجهم القويم، واقتفوا على آثارهم صراطهم المستقيم. ثم سلك تابعو التابعين هذا المسلك الرشيد، ﴿وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ﴾ [الحج: ٢٤]. وكانوا بالنسبة إلى مَنْ قَبْلَهم كما قال أصدق القائلين: ﴿ثُلَةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٣) وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ﴾ [الواقعة: ١٣، ١٤].

стр. 1017

ثم جاء (١) الأئمة من القرن الرابع المفضل في إحدى الروايتين، كما ثبت في «الصحيح» (٢) من حديث أبي سعيد وابن مسعود وأبي هريرة وعائشة وعمران بن حصين، فسلكوا على آثارهم اقتصاصًا واقتبسوا هذا الأمر عن (٣) مشكاتهم اقتباسًا، وكان دين الله سبحانه أجل في صدورهم وأعظم في نفوسهم من أن يقدموا عليه رأيًا أو معقولًا أو تقليدًا أو قياسًا، فطار لهم الثناء الحسن في

стр. 1018

العالمين، وجعل الله سبحانه لهم لسان صدق في الآخرين. ثم سار على آثارهم الرعيل الأول من أتباعهم، ودرج على منهاجهم الموفَّقون من أشياعهم زاهدين في التعصب للرجال واقفين مع الحجة والاستدلال، يسيرون مع الحق أين سارت ركائبه، ويستقلون مع الصواب حيث استقلت مضاربه، إذا بدا لهم الدليل (١) طاروا إليه زرافات ووحدانًا، وإذا دعاهم الرسول إلى أمر انتدبوا إليه ولا يسألونه على ما قال برهانًا، ونصوصه أجل في صدورهم وأعظم في نفوسهم من أن يقدموا عليها قول أحد من الناس أو يعارضوها برأي أو قياس. ثم خلف من بعدهم خُلُوف ﴿فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [الروم: ٣٢] وتقطعوا أمرهم بينهم زبرًا وكل إلى ربهم راجعون، جعلوا (٢) التعصب للمذاهب ديانتهم التي بها يدينون ورؤوس أموالهم التي بها يتجرون، وآخرون منهم قنعوا بمحض التقليد، وقالوا: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٣]، والفريقان بمعزل عما ينبغي اتباعه من الصواب، ولسان الحق يتلو عليهم: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيكُمْ وَلَا أَمَانِي أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ [النساء: ١٢٣]. قال الشافعي (٣) قدس الله روحه: «أجمع المسلمون على أن من استبانت له سنة رسول الله ﷺ لم يكن له أن يدعها لقول أحد من الناس». قال (٤) أبو عمر (٥) وغيره من العلماء: «أجمع الناس على أن المقلد ليس معدودًا من أهل العلم، وأن العلم معرفة الحق بدليله». وهذا كما قال أبو عمر رحمه الله تعالى: «فإن الناس لا يختلفون أن العلم هو المعرفة الحاصلة عن الدليل، وأما بدون الدليل فإنما هو تقليد». فقد تضمن هذان الإجماعان إخراج المتعصب بالهوى والمقلد الأعمى عن زمرة العلماء، وسقوطهما باستكمال مَنْ فوقهما الفروض من وراثة الأنبياء «فإن العلماء هم ورثة الأنبياء، فإن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا، وإنما ورثوا

стр. 1019

العلم فمن أخذه أخذ بحظ وافر» (١). وكيف يكون من ورثة الرسول ﷺ من يجهد ويكدح في رد ما جاء به إلى قول مقلده ومتبوعه؟ ويُضيع (٢) ساعات عمره في التعصب والهوى ولا يشعر بتضييعه؟ تالله إنها فتنة عمت فأعْمَت، وَرَمَتِ القلوب فأَصَمَّتْ، رُبِّيَ عليها الصغير وهرم فيها الكبير، واتخذ لأجلها القرآن مهجورًا، وكان ذلك بقضاء الله وقدره في الكتاب مسطورًا. ولما عمت بها البلية، وعظمت بسببها الرزيَّة، بحيث لا يعرف أكثر الناس سواها، ولا يعدون العلم إلا إياها، فطالب الحق من مظانه لديهم مفتون، ومؤثره على ما سواه عندهم مغبون، نصبوا لمن خالفهم في طريقهم الحبائل، وبغوا له الغوائل ورَمَوْه عن قوس الجهل والبغي والعناد، وقالوا لإخوانهم: ﴿إِنِّي أَخَافُ﴾ (٣) ﴿أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ﴾ (٤) ﴿يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ﴾. فحقيق بمن لنفسه عنده قدر وقيمة أن لا يلتفت إلى هؤلاء ولا يرضى لها بما لديهم، وإذا رفع له علم السنة النبوية شمر إليه ولم يحبس نفسه عليهم، فما هي إلا ساعة حتى يُبعثر ما في القبور، ويحصل ما في الصدور، وتتساوى (٥) أقدام الخلائق في القيام الله، وينظر كل عبد ما قدمت يداه، ويقع التمييز بين المحقين والمبطلين، ويعلم المعرضون عن كتاب ربهم وسنة نبيهم أنهم كانوا كاذبين» (٦).

стр. 1020

سورة البقرة الباب الأول قوله تعالى: ﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٣٨]. قال (ك): «يقول تعالى مخبرًا عما أنذر به آدم وزوجته وإبليس حين أهبطهم من الجنة - والمراد الذرية - أنه سينزل الكتب ويبعث الأنبياء والرسل، كما قال أبو العالية: الهدى: الأنبياء والرسل والبينات (١)، وقال مقاتل بن حيان: الهدى: محمد ﷺ . وقال الحسن: الهدى القرآن. وهذان القولان صحيحان، وقول أبي العالية أعم. ﴿فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ﴾ أي: من أقبل على ما أنزلت به الكتب وأرسلت به الرسل ﴿فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ أي: فيما يستقبلونه من أمر الآخرة ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ على ما فاتهم من أمور الدنيا، كما قال في سورة طه: ﴿قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾ [طه: ١٢٣]. قال ابن عباس: فلا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه: ١٢٤] كما قال ههنا: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٣٩] أي: مخلدون فيها لا محيد لهم عنها ولا محيص» (٢). فصل قال محمد تقي الدين: المراد بالهدى كل ما جاء من الله تعالى بواسطة الرسل، وما عداه فهو ضلال، وقوله: ﴿اهْبِطُوا﴾: خطاب لآدم وحواء وإبليس
следующие страницы →