← Акыда

Акыда · id 30197

سبيل الرشاد في هدي خير العباد

محمد تقي الدين الهلالي

Полный текст (2 277 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.

стр. 1051

السلام عليك يا رسول الله، سمعت الله يقول: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾. وقد جئتك مستغفرًا لذنبي، مستشفعًا بك إلى ربي، ثم أنشأ يقول: يا خير مَنْ دُفنت بالقاع أعظمه … فطاب من طيبهن القاع والأكم نفسي الفداء لقبر أنت ساكنه … فيه العفاف وفيه الجُودُ والكَرَمُ ثم انصرف الأعرابي، فغلبتني عيني فرأيت النبي ﷺ في النوم، فقال: «يا عتبي الحق الأعرابي، فبشّره أن الله قد غفر له». اهـ (١). قال محمد تقي الدين: قوله: كنت جالسًا عند قبر النبي ﷺ ظاهره باطل؛ لأن بينه وبين قبر النبي جداران وحائط بيت عائشة وقد حفظ الله قبر النبي ﷺ فلم تره عين ولم تمسه يد بعد زمان الصحابة رضوان الله عليهم، وفي زمان الصحابة كانت أم المؤمنين عائشة ساكنة في بيتها الذي في حجرته القبور الثلاثة، ولم يأت أحد قط من الصحابة لا أبو بكر ولا عمر ولا عثمان ولا علي ولا غيرهم إلى بيت عائشة ويستأذن في زيارة قبر النبي ﷺ ، اللهم إلا عمر، بعث ابنه عبد الله إلى عائشة يستأذنها أن يدفن مع صاحبيه لما حضرته الوفاة فأذنت، ودفن مع صاحبيه في مكان واحد (٢). ولو كان إتيان القبر مشروعًا لكل مذنب لما قدرت عائشة أن تسكن في بيتها

стр. 1052

لكثرة المذنبين المستأذنين، ولكن ذلك لم يفعله أحد لا في زمان الصحابة ولا في زمان التابعين فيما نعلم، ولو فعله أحد لكان مبتدعًا؛ لأن الله لم يأمر به ولا أمر به رسوله ﷺ ، ولا فعله الصحابة ولا الأئمة المقتدى بهم. وحكاية العتبي مكذوبة وخارجة عن الصراط المستقيم، ودونك ما فسر به المحققون هذه الآية: قال ابن الجوزي في تفسيره المسمى «زاد المسير» ما نصه: «وقوله تعالى ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ﴾ يرجع إلى المتحاكمين الذين سبق ذكرهم (١)، قال ابن عباس: ظلموا أنفسهم بتركهم (٢) قضاء الرسول: ﴿جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ﴾ من صنيعهم» (٣). وقال العلامة صديق حسن القنوجي في تفسيره المسمى بـ «فتح البيان» ما نصه: «﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ﴾ بترك طاعتك والتحاكم إلى غيرك من الطاغوت وغيره، ﴿جَاءُوكَ﴾ (٤) تائبين من النفاق متنصلين عن جناياتهم ومخالفاتهم ﴿فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ﴾ لذنوبهم بالتوبة والإخلاص (٥) وقمت شفيعًا فاستغفرت لهم، وإنما قال: ﴿وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ﴾، على طريقة الالتفات لقصد التفخيم لشأن الرسول ﷺ وتعظيمًا لاستغفاره وإجلالًا للمجيء إليه. ﴿لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ أي كثير التوبة عليهم والرحمة لهم، وهذا المجيء يختص بزمان حياته ﷺ وليس المجيء إليه يعني إلى قبره (٦) بعد وفاته مما تدل عليه هذه الآية [الكريمة] (٧) كما قرره في «الصارم المنكي» (٨)، ولهذا لم يذهب إلى هذا الاحتمال البعيد أحد من سلف الأمة وأئمتها لا من الصحابة ولا من التابعين ولا ممن تبعهم بالإحسان» (٩). وقال جمال الدين القاسمي في «تفسيره» ما نصه: «﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ﴾ هذا الظلم العظيم غاية العظم، إذ عرضوها لعذاب على عذاب بالنفاق (١٠)، بترك طاعتك والتحاكم إلى الطاغوت ﴿جَاءُوكَ﴾ تائبين من النفاق

стр. 1053

متنصلين عما ارتكبوا ﴿فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ﴾ من ذلك وتابوا إليه تعالى من صنيعهم: ﴿وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ﴾ أي: دعا لهم بالمغفرة، فكان استغفاره شفاعة لقبول استغفارهم ﴿لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا﴾ أي: قابلًا لتوبتهم ﴿رَحِيمًا﴾ أي: متفضلًا عليهم بالرحمة وراء قبول التوبة» (١). تنبيهات الأول: دلت الآية على أن توبة المنافق مقبولة عند الله وفاقًا، وأما في الظاهر، فظاهر الآية قبولها؛ لأنه جعل النبي ﷺ مستغفرًا لهم وشافعًا. وعن الراضي بالله في «الباطنية»: إن أظهروا شبههم وما يعتدون كتمه دل ذلك على صدق توبتهم فتقبل وإلا فلا، ودلت الآية على أن من تكررت منه المعصية والتوبة صحت توبته لقوله تعالى: ﴿تَوَّابًا﴾ وذلك ينبئ عن التكرار، كذا في بعض التفاسير. الثاني: قال الرازي: لقائل أن يقول: أليس لو استغفروا الله وتابوا على وجه صحيح، لكانت توبتهم مقبولة؟ فما الفائدة في ضم استغفار الرسول إلى استغفارهم؟ قلنا: الجواب عنه من وجوه: الأول: إن ذلك التحاكم إلى الطاغوت كان مخالفة لحكم الله، وكان أيضًا إساءة إلى الرسول ﵊ (٢)، ومن كان ذنبه كذلك وجب عليه الاعتذار عن ذلك الذنب لغيره، فلهذا المعنى وجب عليهم أن يطلبوا من الرسول أن يستغفر لهم. الثاني: إن القوم لما لم يرضوا بحكم الرسول ظهر منهم ذلك التمرد، فإذا تابوا وجب عليهم أن يفعلوا ما يزيل عنهم ذلك التمرد، وما ذلك إلا بأنهم يذهبون (٣) إلى الرسول ﷺ ويطلبون (٤) منه الاستغفار. الثالث: لعلهم إذا أتوا (٥) بالتوبة أتوا بها على وجه الخلل، فإذا انضم إليها استغفار الرسول صارت مستحقة للقبول» (٦). اهـ. وفي «الجلالين» ما نصه: ﴿وَلَوْ

стр. 1054

أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ بتحاكمهم إلى الطاغوت ﴿جَاءُوكَ﴾ تائبين ﴿فَاسْتَغْفَرُوا اللهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ﴾ فيه التفات عن الخطاب تفخيمًا لشأنه: ﴿لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا﴾ عَلَيْهِمْ ﴿رَحِيمًا﴾ بهم (١). وقال البيضاوي في «تفسيره»: «﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ بالنفاق أو التحاكم إلى الطاغوت ﴿جَاءُوكَ﴾ تائبين من ذلك وهو خبر (أن) و (إذ) متعلق به ﴿فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ﴾ بالتوبة والإخلاص ﴿وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ﴾ واعتذروا إليك حتى انتصبت لهم شفيعًا، وإنما عدل عن الخطاب تفخيمًا لشأنه وتنبيهًا على أن من حق الرسول أن يقبل اعتذار التائب وإن عظم جرمه ويشفع له، ومن منصبه أن يشفع في كبائر الذنوب ﴿لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ لعلموه قابلًا لتوبتهم متفضلًا عليهم بالرحمة» (٢). وقد تبين من كلام هؤلاء المفسرين صحة ما ذكرتُ من قبل، وخطأ الحافظ ابن كثير، فالله يغفر له ويرحمه. ثم رأيتُ أن أنقل تفسير الآيات المتقدمة من كلام الحافظ ابن القيم مع ما فيه من التكرار لما رأيت فيه من الفائدة العظيمة لطلبة العلم في هذا الزمان؛ قال ابن القيم في (المجلد الأول) من «إعلام الموقعين» (صفحة ٥٣) ما نصه: (فصل في تحريم الإفتاء في دين الله بالرأي المتضمن لمخالفة النصوص، والرأي الذي لم تشهد له النصوص بالقبول). قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [القصص: ٥٠] فقسم الأمر إلى أمرين لا ثالث لهما: إما الاستجابة لله والرسول وما جاء به. وإما: اتباع الهوى، فكل ما لم يأت به الرسول فهو من الهوى. وقال الله تعالى: ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾ [ص: ٢٦] فقسم سبحانه طريق الحكم بين الناس إلى الحق، وهو الوحي الذي أنزله الله على رسوله، وإلى الهوى وهو ما خالفه. وقال الله تعالى لنبيه ﷺ : ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ

стр. 1055

أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (١٨) إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [الجاثية: ١٨ - ١٩]، فقسم الأمر بين الشريعة التي جعله هو سبحانه عليها وأوحى إليه العمل بها وأمر الأمة بها، وبين اتباع أهواء الذين لا يعلمون، فأمر بالأول ونهى عن الثاني. وقال الله تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ٣] فأمر باتباع المنزل منه خاصة، واعلم أن من اتبع غيره؛ فقد اتبع من دونه أولياء. وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩] فأمر الله تعالى بطاعته وطاعة رسوله وأعاد الفعل إعلامًا بأن طاعة الرسول، تجب استقلالًا من غير عرض ما أمر به على الكتاب (١)، بل إذا أمر وَجَبَتْ طاعته مطلقًا سواء كان ما أمر به في الكتاب أم (٢) لم يكن فيه، فإنه أوتي الكتاب ومثله معه. ولم يأمر بطاعة أولي الأمر استقلالًا، بل حذف الفعل وجعل طاعتهم في ضمن طاعة الرسول إيذانًا بأنهم إنما يطاعون تبعًا لطاعة الرسول، فمن أمر منهم بطاعة الرسول وجبت طاعته، ومن أمر بخلاف ما جاء به الرسول فلا سمع له ولا طاعة، كما صح عنه ﷺ أنه قال: «لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق» (٣). وقال: «إنما الطاعة في المعروف» (٤). وقال في ولاة الأمور:

стр. 1056

«من أمركم منهم بمعصية الله، فلا سمع له ولا طاعة» (١). وقد أخبر ﷺ عن الذين أرادوا دخول النار لما أمرهم أميرهم بدخولها أنهم: «لو دخلوها لما خرجوا منها» (٢) مع أنهم إنما [أرادوا أن يدخلوها] (٣) طاعة لأميرهم، وظنا أن ذلك واجب عليهم، ولكن لما قصروا في الاجتهاد وبادروا إلى طاعة من أمر بمعصية الله وحملوا عموم الأمر بالطاعة بما لم يُرده الأمر ﷺ ، وما قد علم من دينه إرادة خلافه، فقصروا في الاجتهاد وأقدموا على تعذيب أنفسهم وإهلاكها من غير تثبت وتبين: هل ذلك طاعة الله (٤) ورسوله أو (٥) لا؟ فما الظن بمن أطاع غيره في صريح مخالفة ما بعث الله به رسوله؟ ثم أمر الله تعالى برد ما تنازع فيه المؤمنون إلى الله ورسوله إن كانوا مؤمنين، وأخبر (٦) أن ذلك خير لهم في العاجل، وأحسن تأويلًا في العاقبة. وقد تضمن هذا أمورًا منها: إن أهل الإيمان قد يتنازعون في بعض الأحكام ولا يخرجون بذلك عن الإيمان، وقد تنازع الصحابة في كثير من مسائل الأحكام وهم [سادة] (٧) المؤمنين وأكمل الأمة إيمانًا، ولكن بحمد الله لم يتنازعوا في مسألة واحدة من مسائل الأسماء والصفات والأفعال، بل كلهم على إثبات ما نطق به الكتاب والسنة كلمة واحدة من أولهم إلى آخرهم، لم يَسُوموها تأويلًا ولم يُحرفوها عن مواضعها تبديلًا، ولم يبدوا لشيء منها إبطالًا، ولا ضربوا لها أمثالًا، ولم يدفعوا في صدورها وأعجازها، ولم يقل أحد منهم: يجب صرفها عن حقائقها وحملها على مجازها، بل تلقوها بالقبول والتسليم، وقابلوها بالإيمان والتعظيم، وجعلوا الأمر فيها كلها أمرًا واحدًا، وأَجْرَوها على سنن واحد ولم يفعلوا كما فعل أهل الأهواء والبدع، حيث جعلوها عِضين، وأقروا ببعضها وأنكروا بعضها من غير

стр. 1057

فرقان مبين، مع أن اللازم لهم فيما أنكروه كاللازم فيما أقروا به وأثبتوه، والمقصود أن أهل الإيمان لا يخرجهم تنازعهم في بعض مسائل الأحكام عن حقيقة الإيمان إذا ردوا ما تنازعوا فيه إلى الله ورسوله، كما شرطه الله عليهم بقوله: ﴿فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِر﴾ ولا ريب أن الحكم المعلق على شرط ينتفي عند انتفائه. ومنها أن قوله: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ﴾ نكرة في سياق الشرط تعم كل ما تنازع فيه المؤمنون من وسائل الدين دقه وجله، وجليه وخفيه، ولو لم يكن في كتاب الله وسنة رسوله بيان حكم ما تنازعوا فيه [ولو لم] (١) يكن كافيًا لم يأمر بالرد إليه؛ إذ من الممتنع أن يأمر تعالى بالرد عند النزاع إلى من لا يوجد عنده فصل النزاع. ومنها أن الناس أجمعوا أن الرد إلى الله سبحانه هو الرد إلى كتابه، والرد إلى الرسول ﷺ هو الرد إليه نفسه في حياته وإلى سنته بعد وفاته. ومنها أنه جعل هذا الرد من موجبات الإيمان ولوازمه، فإذا انتفى هذا الرد انتفى الإيمان ضرورة انتفاء الملزوم لانتفاء لازمه، ولا سيما التلازم بين هذين الأمرين، فإنه من الطرفين وكل منهما ينتفي بانتفاء الآخر. ثم أخبرهم أن هذا الرد خير لهم وأن عاقبته أحسن عاقبة. ثم أخبر سبحانه أن من تحاكم أو حاكم إلى غير ما جاء به الرسول فقد حكم الطاغوت وتحاكم إليه، والطاغوت: كل ما تجاوز به العبد حده من معبود أو متبوع أو مطاع، فطاغوت كل قوم من يتحاكمون إليه غير الله ورسوله، أو يعبدونه من دون الله، أو يتبعونه على غير بصيرة من الله، أو يطيعونه فيما لا يعلمون أنه طاعة الله (٢)، فهذه طواغيت العالم إذا تأملتها وتأملت أحوال الناس معها؛ رأيت أكثرهم فروا من (٣) عبادة الله إلى عبادة الطاغوت، وعن التحاكم إلى الله وإلى الرسول (٤) إلى التحاكم إلى الطاغوت، وعن طاعته ومتابعة رسوله [إلى طاعة الطاغوت ومتابعته] (٥)، وهؤلاء لم يسلكوا

стр. 1058

طريق النَّاجحين الفائزين من هذه الأمة، وهم الصَّحابة ومن تبعهم، ولا قصدوا قصدهم، بل خالفوهم في الطريق والقصد معًا. ثم أخبر تعالى عن هؤلاء بأنهم إذا قيل لهم: ﴿تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ﴾، أعرضوا عن ذلك ولم يستجيبوا للداعي ورضوا بحكم غيره. ثم توعدهم بأنهم إذا أصابتهم مصيبة في عقولهم وأديانهم وبصائرهم وأبدانهم وأموالهم بسبب إعراضهم عمَّا جاء به الرسول وتحكيم غيره والتحاكم إليه كما قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ﴾ [المائدة: ٤٩]، اعتذروا بأنهم إنَّما قصدوا الإحسان والتَّوفيق، أي: بفعل ما يرضي الفريقين ويوفق بينهما، كما يفعله من يرى (١) التَّوفيق بين ما جاء به الرسول وبين ما خالفه، ويزعم أنَّه بذلك محسن قاصد الإصلاح والتَّوفيق، والإيمان إنَّما يقتضي إلقاء الحرب بين ما جاء به الرسول وبين كل ما خالفه من طريقة (٢) وعقيدة وسياسة ورأي، فمحض الإيمان في هذا الحرب لا في التَّوفيق، وبالله التَّوفيق. ثم أقسم سبحانه بنفسه على نفي الإيمان عن العباد حتَّى يحكموا رسوله في كل ما شجر بينهم من الدَّقيق والجليل، ولم يكتف في إيمانهم بهذا التَّحكيم بمجرده حتَّى ينتفي عن صدورهم الحرج والضيق عن قضائه وحكمه، ولم يكتف منهم أيضًا بذلك حتَّى يسلموا تسليمًا وينقادوا انقيادًا وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦] فأخبر سبحانه أنَّه ليس لمؤمن أن يختار بعد قضائه وقضاء رسوله، ومن تخير بعد ذلك فقد ضل ضلالًا مبينًا. وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الحجرات: ١] أي: لا تقولوا حتَّى يقول، ولا تأمروا حتَّى يأمر، ولا تفتوا حتَّى يفتي، ولا تقطعوا أمرًا حتَّى يكون هو الذي يحكم فيه ويُمضيه، روى علي بن أبي طلحة عن ابن عبَّاس ﵄: «لا تقولوا خلاف الكتاب والسنة» (٣). وروى العوفي عنه قال: «نُهُوا أن يتكلموا بين يدي كلامه» (٤). والقول

стр. 1059

الجامع في معنى الآية: لا تعجلوا بقول ولا فعل قبل أن يقول رسول الله ﷺ أو يفعل. وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ [الحجرات: ٢]. فإذا كان رفع أصواتهم فوق صوته سببًا لحبوط أعمالهم فكيف تقديم آرائهم وعقولهم وأذواقهم وسياساتهم ومعارفهم على ما جاء به ورفعها عليه، أليس هذا أولى أن يكون محبطًا لأعمالهم؟ وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ﴾ [النور: ٦٢]، فإذا جعل من لوازم الإيمان أنهم لا يذهبون مذهبًا إذا كانوا معه إلا باستئذانه، فأولى أن يكون من لوازمه أن لا يذهبوا إلى قول ولا مذهب علمي إلا بعد استئذانه، وإذنُه يُعرف بدلالة ما جاء به على أنه أذن فيه، وفي «صحيح البخاري» (١) عن عروة بن الزبير قال: خرج علينا عبد الله بن عمرو بن العاص فسمعته يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الله لا ينزع العلم بعد إذ أعطاكموه انتزاعًا، ولكن ينزعه مع قبض العلماء بعلمهم، فيبقى ناس جهال يستفتون فيفتون برأيهم، فيضلون ويضلون». ثم ذكر (٢) بسنده إلى عوف بن مالك الأشجعي قال: قال رسول الله ﷺ : «تفترق أمتي على بضع وسبعين فرقة، أعظمها فتنة قوم يقيسون الدين برأيهم، يحرمون ما أحل الله، ويحلون ما حرم الله» (٣). قال أبو عمر بن عبد البر: «هذا هو القياس على غير

стр. 1060

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1061

أصل، والكلام في الدين بالخَرْص والظن، ألا ترى إلى قوله في الحديث: «يحلون الحرام ويحرمون الحلال». ومعلوم أن الحلال ما في كتاب الله وسنة رسوله تحليله، والحرام ما في كتاب الله وسنة رسوله تحريمه، فمن جهل ذلك وقال فيما سئل عنه بغير علم وقاس برأيه ما خرج منه (١) عن السنة، فهذا الذي قاس الأمور برأيه؛ فَضَلَّ وأضل، و [من] (٢) رد الفروع إلى أصولها فلم يقل برأيه» (٣). ثم قال: (فصل فيما [روينا] (٤) عن صديق الأمة وأعلمها من إنكار الرأي) روينا عن عبد (٥) بن حميد وذكر سنده إلى ابن أبي مليكة قال (٦): لم يكن أحد أهيب بما لا يعلم من أبي بكر ﵁، ولم يكن أحد بعد أبي بكر أهيب بما (٧) لا يعلم من عمر ﵁، وإن أبا بكر نزلت به قضية فلم يجد في كتاب الله منها أصلًا ولا في السنة أثرًا فاجتهد برأيه، ثم قال: «هذا رأيي فإن يكن صوابًا فمن الله، وإن يكن خطأ فمني وأستغفر الله». ثم قال: (فصل في المنقول من ذلك عن عمر بن الخطاب ﵁) لقال ابن وهب بسنده (٨) عن ابن شهاب أن عمر بن الخطاب ﵁ قال وهو على المنبر: «يا أيها الناس، إن الرأي إنما كان من رسول الله ﷺ مصيبًا، إن الله كان يريه، وإنما هو منا الظن والتكلف». قلت: مراد عمر ﵁ قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللهُ﴾ [النساء: ١٠٥] فلم يكن له رأي غير ما أراه الله إياه، وأما ما رأى غيره فظن وتكلف.

стр. 1062

قال سفيان الثوري بسنده عن مسروق قال: كَتَب كاتب لعمر بن الخطاب: «هذا ما رأى الله ورأى عمر». فقال: «بئس ما قلت، قل: هذا ما رأى عمر، فإن يكن صوابًا فمن الله، وإن يكن خطأ فمن عمر» (١). وعنه أيضًا أنه قال: «السنة ما سنه الله ورسوله ﷺ ، لا تجعلوا خطأ الرأي سنة للأمة» (٢). وقال: «اتقوا الرأي في دينكم» (٣) وكان يقول: «أصحاب الرأي أعداء السنن أعيتهم الأحاديث أن يحفظوها، وتفلَّتَتْ منهم أن يَعُوها. واستحيوا حين سُئلوا أن يقولوا: لا [أدري] (٤) فعارضوا السنن برأيهم فإياكم وإياهم». وذكر محمد بن عبد السلام الخُشَني بسنده عن ابن عمر أن عمر بن الخطاب قال: «أيها الناس اتهموا الرأي في الدين فلقد رأيتني وإني لأرد أمر رسول الله ﷺ برأيي فأجتهد ولا آلو، وذلك يوم أبي جَنْدَل والكتاب يكتب وقال: «اكتبوا بسم الله الرحمن الرحيم». فقال [النائب عن المشركين سهيل بن عمرو] (٥): [اكتب] (٦): باسمك اللهم فرضي رسول الله ﷺ وأبيتُ، فقال: «يا عمر، تراني قد رضيت وتأبى؟» (٧). وقال أبو بكر بن أبي شيبة بسنده (٨) إلى رفاعة بن رافع قال: بينما أنا عند عمر بن الخطاب ﵁ إذ دخل عليه رجل، فقال: يا أمير المؤمنين هذا زيد بن

стр. 1063

ثابت يفتي الناس في المسجد برأيه في الغسل من الجنابة. فقال عمر: عليّ به. فجاء زيد فلما رآه عمر، قال عمر: أيّ عدوّ نفسه: قد بلغت أن تفتي الناس برأيك؟ فقال: يا أمير المؤمنين والله ما فعلتُ، ولكن سمعت من أعمامي حديثًا فحدثت به من أبي أيوب ومن أبي بن كعب ومن رفاعة بن رافع. فقال عمر: عليّ برفَاعة بن رافع. فقال: قد كنتم تفعلون ذلك إذا أصاب أحدكم المرأة فأكسل أن يغتسل؟ قال: قد كنا نفعل ذلك على عهد رسول الله ﷺ ، لم [يأتينا] (١) فيه عن الله تحريم ولم يكن فيه عن رسول الله ﷺ شيء. فقال عمر: ورسول الله ﷺ يعلم ذلك؟ قال: ما أدري. فأمر عمر بجمع المهاجرين والأنصار، فجمعوا وشاورهم، فأشار الناس أن لا غسل إلا ما كان من معاذ وعلي، فإنهما قالا: إذا جاوز الختان الختان وجب الغسل، فقال عمر: هذا وأنتم أصحاب بدر قد اختلفتم فمن بعدكم أشد اختلافًا، فقال علي: يا أمير المؤمنين (٢) ليس أحد أعلم بهذا من شأن رسول الله ﷺ من أزواجه، فأرسل إلى حفصة، فقالت: لا علم لي، فأرسل إلى عائشة فقالت: إذا جاوز الختان الختان فقد وجب الغسل. فقال: لا أسمع برجل فعل ذلك إلا أوجعته ضربًا». (قول عبد الله بن مسعود) (٣) قال البخاري بسنده إلى مسروق أن عبد الله بن مسعود قال: «لا يأتي عليكم عام إلا وهو شر من الذي قبله، أما إني لا أقول: أمير خير من أمير، ولا عام أخصب من عام، ولكن فقهاؤكم يذهبون، ثم لا تجدون منهم خلفًا، ويجيء قوم يقيسون الأمور برأيهم» (٤)، وقال ابن وهب: ثنا

стр. 1064

شقيق، عن مجاهد به قال: «ولكن ذهاب خياركم وعلمائكم، ثم يحدث قوم يقيسون الأمور برأيهم؛ فينهدم الإسلام» (١). وقال ابن أبي شيبة بسنده إلى مسروق أن عبد الله قال: «علماؤكم يذهبون ويتخذ الناس رؤوسًا جهالًا يقيسون الأمور برأيهم» (٢). وقال سُنيد بن داود بسنده (٣) إلى الربيع بن خثيم أن عبد الله قال: «ما علمك الله (٤) في كتابه فاحمد الله، وما استأثر به عليك من علم فكله إلى عالمه ولا تتكلف، فإن الله يقول لنبيه: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ [ص: ٨٦]». وقال سعيد بن منصور بسنده (٥) إلى الشعبي أن عبد الله قال: «إياكم (٦) وأرأيت، أرأيت فإنما هلك من كان قبلكم بأرأيت أرأيت (٧)، ولا تقيسوا شيئًا فتزل قدم بعد ثبوتها، وإذا سئل أحدكم عما لا يعلم فليقل: لا أعلم فإنه ثلث العلم». وصح عنه في المفوضة أنه قال: «أقول فيها برأيي (٨) فإن يكن صوابًا فمن الله، وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان، والله ورسوله بريء منه» (٩). قول عثمان بن عفان (١٠): قال محمد بن إسحاق بسنده (١١): عن [عبيد] (١٢) الله بن الزبير قال: إنا والله مع عثمان بن عفان بالجحفة، إذ قال عثمان

стр. 1065

- وذكر له التمتع بالعمرة إلى الحج: أتموا الحج وأخلصوه في أشهر الحج، فلو أخَّرتم هذه العمرة حتى تزوروا هذا البيت زورتين كان أفضل، فإن الله قد أوسع في الخير. فقال له علي عمدت إلى سنة رسول الله ﷺ ورخصة رخص الله للعباد بها في كتابه تضيق عليهم فيها، وتنهى عنها، وكانت لذي الحاجة والنائي الدار، ثم أهل علي بعمرة وحج معًا. فأقبل عثمان بن عفان ﵁ على الناس فقال: «أنهيت عنها؟ إني لم أنه عنها، إنما كان رأيًا أشرت به، فمن شاء أخذه ومن شاء تركه». فهذا عثمان يخبر عن رأيه أنه ليس بلازم للأمة الأخذ به، بل من شاء أخذ به ومن شاء تركه بخلاف سنة رسول الله ﷺ ، فإنه لا يسع أحدًا تركها لقول أحد كائنًا من كان. قول علي بن أبي طالب (١): قال أبو داود بسنده (٢) إلى علي بن أبي طالب قال: «لو كان الدين بالرأي؛ لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه». قول عبد الله بن عباس (٣): عن ابن عباس أنه قال: «من أحدث رأيًا ليس في كتاب الله ولم تمض به سنة من رسول الله ﷺ لم يدر على ما هو منه إذا لقي الله » (٤). وعنه أنه قال: «إنما هو كتاب الله وسنة [رسوله] (٥) ﷺ ، فمن قال بعد ذلك برأيه، فلا أدري أفي حسناته يجد ذلك أم في سيئاته؟» (٦). وقال

стр. 1066

«من قال في القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار» (١). قول سهل بن حنيف (٢): قال سهل بن حنيف: «أيها الناس اتهموا رأيكم على دينكم، لقد رأيتني يوم أبي جندل ولو أستطيع أن أرد أمر رسول الله ﷺ لرددته» (٣). قول عبد الله بن عمر (٤): كان عبد الله بن عمر إذا لم يجد في الأمر يُسأل عنه شيئًا قال: «إن شئتم أخبرتكم بالظن» (٥). وروى البخاري بسنده إلى جابر بن زيد قال: لقيني ابن عمر فقال: «يا جابر إنك من فقهاء البصرة وتستفتى، فلا تفتين إلا بكتاب ناطق أو سنة ماضية» (٦)، وقال مالك عن نافع عنه: «العلم ثلاث: كتاب الله الناطق (٧)، وسنة ماضية، ولا أدري» (٨). قول زيد بن ثابت (٤): وقال البخاري بسنده (٩) إلى الشعبي قال: أتى زيد بن

стр. 1067

ثابت قوم فسألوه عن أشياء، فأخبرهم بها فكتبوها، ثم قالوا: لو أخبرناه قال: فأتوه فأخبروه، فقال: «أغدرًا؟ لعل كل شيء حدثتكم خطأ! إنما اجتهدت لكم رأيي» (١). قول معاذ بن جبل (٢): قال معاذ بن جبل: «تكون فتن فيكثر فيها المال، ويفتح القرآن، حتى يقرأه الرجل والمرأة والصغير والكبير والمنافق والمؤمن، فيقرؤه الرجل فلا يُتبع فيقول: والله لأقرأنه علانية، فيقرؤه علانية فلا يتبع، فيتخذ مسجدًا ويبتدع كلامًا ليس من كتاب الله ولا من سنة رسوله (٣) ﷺ ، فإياكم وإياه، فإنه بدعة وضلالة» قاله معاذ ثلاث مرات (٤). قول أبي موسى الأشعري (٢): قال البغوي بسنده إلى أبي رجاء العطاردي أن أبا موسى الأشعري قال: «من كان عنده علم فليُعلِّمه الناس، وإن لم يعلم فلا يقولن ما ليس له به علم، فيكون من المتكلفين ويمرق من الدين» (٥). قول معاوية بن أبي سفيان (٢): قال البخاري بسنده: عن محمد بن جبير بن مطعم أنه كان عند معاوية وفد من قريش، فقام معاوية فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: «أما بعد، فإنه قد بلغني أن رجالًا فيكم يتحدثون بأحاديث ليست في كتاب الله ولا تُؤْثر عن رسول الله ﷺ فأولئكم جهالكم» (٦). فهؤلاء من الصحابة: أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر

стр. 1068

وزيد بن ثابت وسهل بن حنيف ومعاذ بن جبل ومعاوية (١) وأبو موسى الأشعري [﵃] (٢) يُخرجون الرأي عن العلم، ويذمونه ويحذرون منه، وينهون عن الفتيا (٣) ومن اضطر منهم إليه أخبر أنه ظن وأنه ليس على ثقة منه، وأنه يجوز أن يكون منه ومن الشيطان. وأن الله ورسوله بريء منه، وأن غايته أن يسوغ الأخذ به عند الضرورة من غير لزوم لاتباعه ولا العمل (٤) به، فهل تجد (٥) عن أحد منهم قط أنه جعل رأي رجل بعينه دينًا تترك له السنن الثابتة عن رسول ﷺ ويبدع ويضلل من خالفه إلى اتباع السنن؟ فهؤلاء برك (٦) الإسلام وعصابة الإيمان وأئمة الهدى ومصابيح الدجى، وأنصح الأئمة للأمة، وأعلمهم بالأحكام وأدلتها وأفقههم في دين الله، وأعمقهم علمًا، وأقلهم تكلفًا، وعليهم دارت الفتيا، وعنهم انتشر العلم، و [أصحابهم] (٧) هم فقهاء الأمة ومنهم من كان مقيمًا بالكوفة كعلي وابن مسعود، وبالمدينة كعمر بن الخطاب وابنه وزيد بن ثابت، وبالبصرة كأبي موسى الأشعري، وبالشام كمعاذ بن جبل ومعاوية بن أبي سفيان، وبمكة كعبد الله بن عباس، وبمصر كعبد الله بن عمرو بن العاص، وعن هذه الأمصار انتشر العلم في الآفاق، وأكثر من روي عنه التحذير من الرأي من كان بالكوفة إرهاصًا بين يدي ما علم الله سبحانه (٨) «يحدث فيها بعدهم». ثم قال: فصل «ونحن نذكر آراء التابعين ومن بعدهم بذلك ليتبين مرادهم، قال الخُشْني بسنده عن الشعبي قال: «لعن الله أرأيت» (٩). وسأل صالح بن مسلم الشعبي عن

стр. 1069

مسألة من النكاح، فقال: «إن خبرتك برأيي قبل (١) عليه» (٢) قالوا: فهذا قول الشعبي في رأيه وهو من كبار التابعين وقد لقي مائة وعشرين من الصحابة وأخذ عن جمهورهم، وقال الطحاوي بسنده عن الشعبي قال: «ما جاءكم به هؤلاء (٣) أصحاب رسول الله ﷺ فخذوه وما كان من رأيهم فاطرحوه في الحش» (٤). وقال البخاري بسنده إلى عمرو بن دينار قال: قيل لجابر بن زيد: إنهم يكتبون ما يسمعون منك. قال: «إنا لله وإنا إليه راجعون يكتبونه وأنا أرجع عنه غدًا» (٥). قال إسحاق بن راهويه: قال سفيان بن عيينة: «اجتهاد الرأي هو مشاورة أهل العلم، لا أن يقول هو برأيه» (٦)، وقال ابن أبي خيثمة بسنده إلى عمر بن عبد العزيز أنه كتب إلى الناس: «إنه لا رأي لأحد مع سنة سنها رسول الله ﷺ » (٧). قال أبو نضرة (٨): سمعت أبا سلمة (٩) بن عبد الرحمن يقول للحسن البصري: «بلغني أنك تفتي برأيك، فلا تفت برأيك إلا أن يكون سنة عن رسول الله ﷺ » (١٠).

стр. 1070

وقال البخاري بسنده (١) إلى عبد الواحد، ثنا الزبرقان (٢) بن عبد الله الأسيدي أن أبا وائل شقيق بن سلمة قال: «إياك ومجالسة من يقول: أرأيت أرأيت». وقال أبان بن عيسى بن دينار يسنده إلى مالك أن ابن شهاب قال: «دعوا السنة تمضي لا تعرضوا لها بالرأي» (٣). وقال يونس: [ثنا ابن وهب: أخبرني سعيد بن أبي أيوب]، عن أبي الأسود - وهو محمد بن عبد الرحمن بن نوفل -: سمعت عروة بن الزبير يقول: «ما زال أمر بني إسرائيل معتدلًا، حتى نشأ فيهم المولّدون أبناء سبايا الأمم، فأخذوا فيهم بالرأي فأضلوهم» (٤). وذكر ابن وهب عن ابن شهاب أنه قال - وهو يذكر ما وقع فيه الناس من هذا الرأي وتركهم السنن - فقال: «إن اليهود والنصارى إنما انسلخوا من العلم الذي بأيديهم حين اتبعوا الرأي وأخذوا فيه» (٥). وقال ابن وهب: حدثني ابن لهيعة أن رجلًا سأل سالم بن عبد الله بن عمر، عن شيء فقال: لم أسمع في هذا شيئًا، فقال له الرجل: فأخبرني أصلحك الله برأيك. فقال: لا، ثم أعاد عليه، فقال: إني أرضى برأيك، فقال سالم: إني لعلي إن أخبرتك برأيي ثم تذهب، فأرى بعد ذلك رأيًا غيره فلا أجدك» (٦).

стр. 1071

وقال البخاري بسنده عن مالك بن أنس قال: كان ربيعة يقول لابن شهاب: «إن حالي ليس يشبه حالك أنا أقول برأيي، من شاء أخذه وعمل به ومن شاء تركه» (١). وقال الفريابي بسنده إلى حماد بن زيد قال: قيل (٢) لأيوب السختياني: «ما لك لا تنظر في الرأي؟ فقال أيوب: قيل للحمار ما لك لا تجتر؟ قال: أكره مضغ الباطل (٣). وقال الأوزاعي: عليك بآثار من سلف وإن رفضك الناس وإياك وآراء الرجال وإن زخرفوا لك القول» (٤). وكان سعيد بن عبد العزيز (٥) إذا سئل لا يجيب حتى يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله، هذا الرأي والرأي يخطئ ويصيب (٦). وقال أبو حنيفة: «عِلمُنَا هذا رأي وهو أحسن ما قدرنا عليه ومن جاءنا بأحسن منه قبلناه منه» (٧). وقال أشهب بن عبد العزيز: كنت عند مالك فسئل عن البتة (٨) فأخذت لوحي (٩) لأكتب ما قال، [فقال لي] (١٠) مالك: لا تفعل، فعسى

стр. 1072

في العشي أقول: إنها واحدة» (١). وقال معن بن عيسى القزاز: سمعت مالكًا يقول: «إنما أنا بشر أخطئ وأصيب، فانظروا في قولي، فكل ما وافق الكتاب والسنة فخذوا به، وما لم يوافق الكتاب والسنة فاتركوه» (٢). فرضي الله عن أئمة الإسلام وجزاهم عن نصيحتهم (٣) خيرًا، ولقد امتثل وصيتهم وسلك سبيلهم أهل العلم والدين من أتباعهم، وأما المتعصبون فإنهم عكسوا القضية، ونظروا في السنة، فما وافق أقوالهم منها قبلوه، وما خالفها تحيلوا في ردّه أو ردّ دلالته، وإذا جاء نظير ذلك أو أضعف منه سندًا ودلالة وكان يوافق (٤) قولهم قبلوه (٥) ولم يستجيزوا ردّه واعترضوا به على منازعيهم وأشاحوا (٦) وقرروا الاحتجاج بذلك السند ودلالته، فإذا جاء ذلك السند بعينه أو أقوى منه ودلالته كدلالة ذلك أو أقوى منه في خلاف قولهم دفعوه ولم يقبلوه، وسنذكر من هذا إن شاء الله طرفًا عند ذكر غائلة التقليد وفساده والفرق بينه وبين الاتباع. وقال بقي بن مخلد بسنده (٧) عن مالك إنه كان يكثر أن يقول: ﴿إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾ [الجاثية: ٣٢] (٥). وقال القعنبي: دخلت على مالك بن أنس في مرضه الذي مات فيه فسلمت عليه ثم جلست فرأيته يبكي فقلت له: يا أبا عبد الله ما الذي يبكيك؟ فقال لي: يا ابن قعنب، وما لي لا أبكي ومن أحق بالبكاء مني؟ والله لودِدْتُ أني ضُربت بكل مسألة أفتيت فيها بالرأي سَوْطًا، وقد كانت لي السعة فيما قد سبقت إليه وليتني لم أفتِ بالرأي» (٨). وقال ابن أبي داود

стр. 1073

بسنده إلى الشافعي أنه قال: «مَثَلُ الذي ينظر في الرأي ثم يتوب (١) منه مثل المجنون الذي عولج حتى برأ [كأعقل] (٢) ما يكون [ثم عاد إليه الجنون] (٣)» (٤). وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل: سمعت أبي يقول: الحديث الضعيف أحب إلي من الرأي. [فقال] (٥) عبد الله: سألت أبي عن الرجل يكون ببلد لا يجد فيه إلا صاحب حديث لا يعرف صحيحه من سقيمه، وأصحاب رأي فتنزل [به] (٦) النازلة؟ فقال أبي: «يسأل أصحاب الحديث ولا يسأل أصحاب الرأي، ضعيف الحديث أقوى من الرأي» (٧). وأصحاب أبي حنيفة ﵀ مجمعون على أن مذهب أبي حنيفة أن ضعيف الحديث عنده أولى من القياس والرأي وعلى ذلك بني مذهبه كما قدم (٨) حديث (٩) الوضوء بنبيذ التمر في السفر (١٠) مع ضعفه على الرأي والقياس، ومنع

стр. 1074

قطع السارق بسرقة أقل من عشرة دراهم (١) والحديث فيه ضعيف وجعل أكثر الحيض عشرة أيام (٢) والحديث فيه ضعيف، وشَرَط في إقامة الجمعة المِصر (٣)

стр. 1075

والحديث فيه كذلك، وترك القياس المحض في مسائل الآبار لآثار فيها غير مرفوعة (١) [قط] (٢)، فتقديم الحديث الضعيف وآثار الصحابة على القياس والرأي قوله وقول الإمام أحمد، وليس المراد بالحديث الضعيف في اصطلاح السلف هو الضعيف في اصطلاح المتأخرين، بل ما يسميه المتأخرون حسنًا، قد يسميه المتقدمون ضعيفًا كما تقدم بيانه. والمقصود أن السلف جميعهم على ذم الرأي والقياس المخالف للكتاب والسنة، وأنه لا يحل العمل به لا فتيًا ولا قضاء (٣) وأن الرأي الذي لا يُعلم مخالفته للكتاب والسنة ولا موافقته فغايته أن يسوغ العمل به عند الحاجة إليه من غير إلزام ولا إنكار على من خالفه، قال أبو عمر بن عبد البر بسنده، عن عبد الله بن يحيى أن أباه كان يأتي ابن وهب فيقول له: من أين؟ فيقول له: من عند ابن القاسم، فيقول له ابن وهب: اتق الله، فإن أكثر هذه المسائل رأي» (٤). وقال الحافظ أبو محمد بسنده عن أبان بن عيسى بن دينار قال: «كان أبي قد أجمع على ترك الفتيا بالرأي، وأحبَّ الفتيا بما روي من الحديث، فأعجلته المنية عن ذلك» (٥). وقال أبو عمر: وروي عن الحسن بن واصل أنه قال: «إنما هلك من كان قبلكم حين تشعَبَتْ بهم السبل، وحادوا عن الطريق، وتركوا الآثار، وقالوا في

стр. 1076

الدين برأيهم فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا» (١). قال أبو عُمَرَ بسنده عن مَسْرُوقٍ: «مَنْ يَرْغَبُ بِرَأْيِهِ عَنْ أَمْرِ اللهِ يَضِلُّ» (٢). وذكر ابن وَهْبٍ بسنده عن رجل من قريش أنه سمع ابن شِهَابٍ يقول - وهو يذكر ما وقع فيه الناس من هذا الرأي وتَرَكَهُم السُّنَنَ - فقال: «إن اليهود والنصارى إنما انْسَلَخُوا من العلم الذي كان بأيديهم حيث اشتقوا الرأي وأخذوا فيه» (٣). وذكر ابن جَرِيرٍ في كتاب «تَهْذِيبِ الآثَارِ» (٤) عن مالك قال: «قُبِضَ رسول الله ﷺ وقد تم هذا الأمر واستكمل، فإنما ينبغي أن (٥) تُتَّبَعَ آثار رسول الله ﷺ ولا يتبع (٦) الرأي، فإنه من اتبع الرأي جاء رجل آخر أقوى منه في الرأي فاتبعه، فأنت كلما جاء رجل غَلَبَكَ، اتبعته!» (٧). وقال نُعَيْمٌ بسنده عن عبد الله بن وَهْبٍ أن رجلًا جاء إلى القاسم بن محمد فسأله عن شيء فأجابه، فلما ولى الرجل دعاه فقال له: «لا تقل: إن القاسم زعم أن هذا هو الحق، ولكن إذا اضطُرِرْتَ إليه عملت به» (٨). وقال أبو عمر بسنده إلى مالك بن أنس وهو يُنْكِرُ كثرة الجواب للمسائل: «يا عبد الله ما عَلِمْتَهُ فَقُلْ به ودُلَّ عليه، وما لم تعلم فاسكت، وإياك أن تتقلد للناس قِلَادَةَ سُوءٍ» (٩).

стр. 1077

وقال أبو عمر بسنده إلى سحنون قال: «ما أدري ما هذا الرأي؟! سفكت به الدماء، واستُحِلَّت به الفروج، واستُحِقَّت به الحقوق، غير أنا رأينا رجلًا صالحًا فقلدناه» (١). وقال سلمة بن شبيب: سمعت أحمد يقول: «رأي الشافعي ورأي مالك ورأي أبي حنيفة كله عندي رأي، وهو عندي سواء، وإنما الحجة في الآثار» (٢). وقال أبو عمر بسنده (٣) إلى عبد الله بن أحمد بن حنبل عن أبيه أنه أنشد: دينُ النبيِّ محمدٌ آثارُ … نِعْم المطيَّة للفتى الأخبارُ لا ترغبن (٤) عن الحديث وأهله … فالرأي ليلٌ والحديثُ نَهَارُ ولربما جَهل الفتى طُرُقَ الهدى … والشمس طالعة لها أنوار (٥) ولبعض أهل العلم: العِلمُ قالَ اللهُ قالَ رَسولُهُ … قالَ الصَحابَةُ لَيسَ خُلْفٌ فيهِ ما العِلمُ نَصبُكَ لِلخِلافِ سَفاهَةً … بَينَ النُصوصِ وَبَينَ رَأيِ سَفيهِ كَلّا وَلا نَصْبُ الخِلافِ جَهالَةً … بَينَ الرَسولِ وَبَينَ رَأيِ فَقيهِ كَلّا وَلا رَدُّ النُصوصِ تَعَمُّدًا … حَذَرًا مِنَ التَجسيمِ وَالتَّشبيهِ حاشا النُصوصَ مِنَ الَّذي رُمِيَتْ بِهِ … مِنْ فِرقَةِ التَّعطيلِ وَالتَّمويهِ فصل في الرأي المحمود وهو أنواع: النوع الأول: رأي أفقه الأمة وأبر الأمة قلوبًا وأعمقهم علمًا وأقلهم تكلفًا وأصحهم قُصُودًا وأكملهم فطرة وأتمهم إدراكًا وأصفاهم أذهانًا، الذين شاهدوا التنزيل وعرفوا التأويل وفهموا مقاصد الرسول، فنسبة آرائهم وعلومهم وقصودهم

стр. 1078

إلى ما جاء به الرسول ﷺ كنسبتهم إلى صحبته، والفرق بينهم وبين من بعدهم في ذلك كالفرق بينهم وبينهم في الفضل، فنسبة رأي من بعدهم إلى رأيهم كنسبة قَدْرهم إلى قَدْرهم، قال الشافعي ﷺ في رسالته «البغدادية» التي رواها عنه الحسن بن محمد الزعفراني وهذا لفظه: «وقد أثنى الله ﵎ على أصحاب رسول الله ﷺ في القرآن والتوراة والإنجيل، وسبق لهم على لسان رسول الله ﷺ من الفضل ما ليس لأحد بعدهم، فرحمهم الله وهنأهم بما آتاهم من ذلك ببلوغ أعلى منازل الصديقين والشهداء والصالحين، أدُّوا إلينا سُنَن رسول الله ﷺ وشاهدوه والوحي ينزل عليه، فعلموا ما أراد رسول الله ﷺ عامًّا وخاصًّا وعزمًا وإرشادًا، وعرفوا من سنته ما عرفنا وجهلنا، وهم فوقنا في كل علم (١) واجتهاد وورع وعقل وأمر استدرك به علم استنبط به، وآراؤهم لنا أحمد وأولى بنا من رأينا عند أنفسنا، ومن أدركنا ممن يُرضى أو حكي لنا عنه ببلدنا صاروا فيما لم يعلموا لرسول الله ﷺ فيه سنة إلى قولهم إن اجتمعوا، أو قول بعضهم إن تفرقوا، وهكذا نقول ولم نخرج عن أقاويلهم، وإن قال أحدهم ولم يخالفه غيره أخذنا بقوله» (٢). ولما كان رأي الصحابة عند الشافعي بهذه المثابة قال (٣) في الجديد في «كتاب الفرائض في ميراث الجد والإخوة» (٤): «وهذا مذهب تلقيناه عن زيد بن ثابت وعنه أخذنا أكثر الفرائض». وقال (٥): «والقياس عندي قتل الراهب، لولا ما جاء عن أبي بكر ﵁» (٦)

стр. 1079

فترك صريح القياس لقول الصديق، وقال في رواية الربيع (١) عنه: «والبدعة ما خالف كتابًا أو سنةً أو أثرًا عن بعض أصحاب رسول الله ﷺ ». فجعل ما خالف قول الصحابي بدعة وسيأتي إن شاء الله تعالى إشباع الكلام في هذه المسألة، وذكر نصوص الشافعي عند ذكر (تحريم الفتوى بخلاف ما أفتى به الصحابة ووجوب اتباعهم في فتاويهم وأن لا يخرج من جملة أقوالهم، وأن الأئمة متفقون على ذلك). والمقصود أن أحدًا ممن بعدهم لا يساويهم في رأيهم، وكيف يساويهم وقد كان أحدهم يرى الرأي فينزل القرآن بموافقته، كما رأى عمر في أسارى بدر أن تضرب أعناقهم فنزل القرآن بموافقته (٢)، ورأى أن تُحجب نساء النبي ﷺ فنزل القرآن بموافقته (٣)، ورأى أن يتخذ من مقام إبراهيم مصلى فنزل القرآن بموافقته (٣)، وقال لنساء النبي ﷺ لما اجتمعن في الغيرة عليه: «عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجًا خيرًا منكن مسلمات مؤمنات» فنزل القرآن بموافقته (٢)، ولما توفي عبد الله بن أبي قام رسول الله ﷺ ليصلي عليه فقام عمر فأخذ بثوبه فقال: يا رسول الله إنه منافق فصلى عليه رسول الله ﷺ فأنزل الله عليه: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُم مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ [التوبة: ٨٤] (٤). وقد قال سعد بن معاذ لما حكمه النبي ﷺ في بني قريظة: «إني أرى أن

стр. 1080

تُقتل مُقاتِلتُهم وتُسبى ذرياتُهم وتُغنم أموالُهم. فقال النبي ﷺ : «لقد حكمتُ فيهم بحكم الله من فوق سبع سموات» (١). ولما اختلفوا إلى ابن مسعود شهرًا في المفوضة (٢) قال: «أقول فيها برأيي، فإن يكن صوابًا فمن الله، وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان، والله ورسوله بريء منه، أرى أن لها مهر نسائها لا وكس ولا شطط، ولها الميراث وعليها العدة»، فقام ناس من أشجع فقالوا: «نشهد أن رسول الله ﷺ قضى في امرأة منا يقال لها: بَرْوَع بنت واشق مثل ما قضيت به». فما فرح ابن مسعود بشيء بعد الإسلام فرحه بذلك (٣). وحقيق بمن كانت آراؤهم بهذه المنزلة أن يكون رأيهم لنا خيرًا من رأينا لأنفسنا، وكيف لا؟! وهو الرأي الصادر من قلوب ممتلئة نورًا وإيمانًا وحكمة وعلمًا ومعرفة وفهمًا عن الله ورسوله ونصيحة للأمة وقلوبهم على قلب نبيهم، ولا واسطة بينهم وبينه، وهم ينقلون العلم والإيمان من مشكاة النبوة غضًا طريًا لم يشبه إشكال ولم يشبه اختلاف (٤) ولم تدنسه (٥) معارضة، فقياس رأي غيرهم بآرائهم من أفسد القياس. فصل النوع الثاني من الرأي المحمود الرأي الذي يفسر النصوص ويبين وجه الدلالة منها (٦) ويوضح محاسنها ويسهل طريق الاستنباط منها، كما قال عبدان: سمعت عبد الله بن المبارك يقول: «ليكن الذي تعتمد عليه الأثر وخذ من الرأي ما يفسر لك الحديث» (٧) وهذا هو

стр. 1081

الفهم الذي يختص الله سبحانه به من يشاء من عباده، ومثال هذا رأي الصحابة ﵃ في العول (١) في الفرائض عند تزاحم الفروض، ورأيهم في مسألة زوج وأبوين وامرأة وأبوين أن للأم ثلث ما بقي بعد فرض الزوجين، ورأيهم في توريث المبتوته في مرض الموت، ورأيهم في مسألة جَرِّ الولاء، ورأيهم في المُحْرِم يقع على أهله بفساد حجه ووجوب المضي فيه والقضاء والهدي من قابل، ورأيهم في الحامل والمرضع إذا خافتا على ولديهما أفطرتا وقضتا وأطعمتا لكل يوم مسكينًا، ورأيهم في الحائض تَطْهُرُ قبل طلوع الفجر تصلي المغرب والعشاء وإن طهرت قبل الغروب صلت الظهر والعصر، ورأيهم في الكلالة وغير ذلك. فصل النوع الثالث من (٢) الرأي المحمود الذي تواطأت عليه الأمة وتلقاه خلَفُهم عن سلفهم فإن ما تواطؤوا عليه من الرأي لا يكون إلا صوابًا كما تواطؤوا عليه من الرواية والرؤيا، وقد قال النبي ﷺ لأصحابه وقد تعددت منهم رؤيا ليلة القدر في السبع (٣) الأواخر من رمضان: «أرى رؤياكم قد تواطأت في السبع الأواخر» (٤). فاعتبر ﷺ تواطؤ رؤيا المؤمنين، فالأمة معصومة فيما تواطأت عليه من روايتها ورؤياها (٥)، ولهذا كان من سداد الرأي وإصابته أن يكون شورى بين أهله ولا ينفرد به واحد، وقد مدح الله سبحانه المؤمنين بكون أمرهم شورى بينهم - وكانت النازلة إذا نزلت بأمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ ليس عنده فيها نص عن الله ولا عن رسوله جمع لها

стр. 1082

أصحاب رسول الله ﷺ ثم جعلها شورى بينهم» (١). توضيح لما تقدم، وفيه مسائل: الأولى: قول الحافظ ابن القيم: «ولا ريب أن الحكم المعلق على شرط ينتفي عند انتفائه. اهـ. معناه إن كلَّ مَنْ لم يرد ما تنازع فيه مع غيره إلى كتاب الله وسنة رسوله، ينتفي عنه الإيمان الذي لا نجاة له من عذاب الله إلا به. اهـ. الثانية: قوله: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ﴾ نكرة في سياق الشرط تعم كل ما تنازع فيه المؤمنون من مسائل الدين». اهـ. قال محمد تقي الدين ولا يستثنى منها شيء، فإن المبتدعين والمخالفين يستصغرون بعض المسائل ويسمونها سنة أو مستحبا، ويزعمون أن العمل بها غير واجب، فلا حرج على من تركها، كوضع اليمنى على اليسرى في الصلاة، ورفع اليدين في المواضع الأربعة، والأكل باليمنى، وتسوية الصفوف وما أشبه ذلك، فنقول لهم: لا نسلم لكم أن هذا الأمر غير واجب ولا عقاب على من تركه حتى تقيموا على ذلك دليلًا من كتاب الله أو سنة رسوله أو كلام الصحابة، ونتبرع لكم بالدليل على أنكم مخطئون، فإن وضع اليمنى على اليسرى جاء في الموطأ و «الصحيحين بلفظ: «كان الناس يؤمرون على عهد رسول الله ﷺ » (٢). ولا أمر في عهده غيره، فما أمر به فهو واجب حتى يقوم دليل على أن الأمر ليس للوجوب، وقد ثبت في الحديث أن عبد الله بن عمر كان يحصب من لا يرفع يديه عند الركوع» (٣) أي: يرميه بالحصباء، فلو كان رفع اليدين عند الركوع مستحبا لا واجبًا لم يعاقبه عليه.

стр. 1083

وقد دعا النبي ﷺ على من أبى أن يأكل بيمينه بالشلل، فشلت يده (١)، وما كان النبي ﷺ ليدعو على من ترك مستحبا، كصلاة ركعتين بين الأذان والإقامة مثلا، بمثل هذا العقاب، وجاء الوعيد الشديد في عدم تسوية الصفوف (٢) وذلك يدل على وجوبها، فإذا قال أحد من المقلدين أو غيرهم ممن جاء بعد الصحابة في شيء من أمور الشريعة: هذه سنة أو هذا مستحب لا إثم على من تركه فطالبه بالدليل فإنه لا يجده فتقوم عليه الحجة. الثالثة: قوله: «ولو لم يكن في كتاب الله وسنة رسوله بيان حكم ما تنازعوا فيه ولو لم يكن كافيًا لم يأمر بالرد إليه»، كثير من المخالفين في هذا الزمان يقولون: إن الكتاب والسنة لا يكفيان للحكم في جميع المسائل التي تحدث في الأزمنة المتطاولة، وذلك غير صحيح، ولو كان صحيحًا لما أمرنا الله تعالى أن نرد كل نزاع في كل شيء إلى الله والرسول، وهو سبحانه عليم بكل ما سيحدث إلى يوم القيامة، وسيأتي تفصيل هذا المقصد فيما نقلته من كلام ابن القيم. الرابعة: قوله: «ثم أخبرهم أن هذا الرد خير لهم وأن عاقبته أحسن عاقبة». قال محمد تقي الدين: كل شعب أسعد الله أسلافه بالإسلام، فأعزهم بعد المذلة، وأغناهم بعد الفقر، وقواهم بعد الضعف، وجمع أمرهم بعد الشتات، فقامت عليهم حجة الله أعظم قيام، ثم تنكروا للإسلام، ونبذوا كتاب الله وسنة رسوله لا بد أن يصابوا بمصائب في عاجلهم وأجلهم في دنياهم وآخرتهم، كما قال تعالى بعد هذا: ﴿فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ [النساء: ٦٢] وهذا مجرب واضح، فإن جميع البلدان الإسلامية التي ترك أهلها شريعة الرسول ﷺ في غاية ما يكون من الشقاء. الخامسة: قول سهيل بن عمرو: «يكتب باسمك اللهم». اعلم أن العرب قبل الإسلام كانوا يفتحون الكتب بهذا اللفظ: «باسمك اللهم»، أي: باسمك يا الله نبتدئ كتابنا هذا، فلما جاء الإسلام كان النبي ﷺ يفتتح كتبه ببسم الله الرحمن الرحيم، فلما أراد النبي ﷺ إملاء كتاب الصلح في الحديبية بينه وبين

стр. 1084

المشركين (١) من أهل مكة أملى على الكاتب: بسم الله الرحمن الرحيم، فقال له المفاوض بالنيابة عن المشركين بل يكتب كما كنا نكتب باسمك اللهم، ولما قال النبي ﷺ للكاتب: «اكتب: هذا ما عاهد عليه محمد رسول الله سهيل بن عمرو». فقال سهيل: «لو نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن بيته، اكتب اسمك واسم أبيك. فرضي رسول الله ﷺ بكتابة باسمك اللهم» و «محمد بن عبد الله» ولم يرض عمر الله؛ لأنه رأى في ذلك ضعفًا أمام المشركين، ولم يكن ذلك ضعفًا وإنما حكمة وسياسة حسنة (٢)، كان لها أحسن الأثر فيما بعد، عندما

стр. 1085

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1086

وقعت الهدنة واختلط المسلمون بالمشركين، فأثر المسلمون على المشركين، فأسلم كثير منهم، والإسلام يربح بالسلم أكثر مما يربح بالحرب، فهو لا يحارب إلا اضطرارًا!! السادسة: قوله: «لا أسمع برجل فعل ذلك إلا أوجعته ضربًا»، إن المراد بقوله ذلك ما ذكره أكثر الصحابة من قولهم: لا غسل، أي: من أفتى بعدم الغسل عند الإكسال - وهو جماع الرجل امرأته مع عجزه عن الإنزال، أي: إتمام الجماع بخروج المني، أوعده عمر أن يوجعه ضربًا؛ لأن قول علي ومعاذ بوجوب الغسل هو الصواب؛ لأن عائشة وافقتهما، وهذا هو الأمر الأخير الذي أمر به النبي ﷺ ، وفي أول الأمر كانوا لا يغتسلون إلا إذا خرج الماء اعتمادًا على ما رواه أبو سعيد الخدري أن النبي ﷺ قال: «إنما الماء من الماء»، رواه مسلم وأصله في «البخاري» (١)، وهذا الحديث منسوخ نسخه ما رواه أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: «إذا جلس بين شعبها الأربع ثم جهدها، فقد وجب الغسل». متفق عليه. زاد مسلم: «وإن لم ينزل» (٢). قال محمد تقي الدين: رأينا في هذه الحكاية، أن عمر ﵁ لما سمع أن زيد بن ثابت يفتي بالغسل عند الإكسال دعاه وعاتبه على الإفتاء بالرأي، فحلف له بالله أنه ما أفتى إلا بما سمعه من أعمامه وهم ثلاثة من كبار الصحابة، فلما سأل عمر أحد هؤلاء الأعمام قال له: كنا نفعله على عهد رسول الله ﷺ ولم يأتنا فيه عن الله تحريم، ولم يكن فيه عن رسول الله ﷺ شيء، فلم يقتنع عمر بهذا الجواب لأن هذا غايته عدم العلم بالحكم، فجمع عمر أهل بدر وسألهم فأجابوا بخلاف ما قاله الأعمام أن لا غسل، وقال علي ومعاذ: فيه الغسل،

стр. 1087

فوافقتهما عائشة، فحصل من ذلك ثلاثة أقوال: قول بالغسل بدون دليل قاطع، وقول بعدم الغسل بدون دليل، وقول بالغسل بدليل، فرجح عمر هذا القول وتوعد من خالفه أن يوجعه ضربًا، وفي هذا عبرة لمن يتجرأ على الإفتاء في دين الله بلا دليل أصلًا، بل بمجرد أن يرى الحكم في كتاب من كتب الفروع المظلمة فيقلدها ويفتي بما فيها، فما أبعده عن الصواب والتقليد جهل والإفتاء به حرام في دين الله. السابعة: «قول أشهب: كنت عند مالك، فسئل عن البتة … » إلى آخره، يفهم منه أن مالكًا أفتى فيمن طلق امرأته البتة أنها حرمت عليه كما إذا طلقها ثلاثًا، فأراد أشهب أن يكتب تلك الفتوى، فنهاه مالك وقال: لا تكتب ذلك، فإنما هو رأي رأيته، ولعلي أرجع عنه في العشي، فأفتي بأنها طلقة واحدة». قال محمد تقي الدين: والصواب أنها طلقة لقول الله تعالى في سورة البقرة: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، ثم قال تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠]؛ يعني بعد التطليقة الثالثة وعن ابن عباس: «إن الطلاق بالثلاث كان يعد طلقة واحدة على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر، فلما رأى عمر أن الناس قد استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة أنجزه عليهم». رواه مسلم (١) وفعل عمر ليس بتشريع وإنما هو عقاب لمن خالف السنة ونطق بالطلاق الثلاث في لفظ واحد. وللإمام أن يعاقب رعيته بمنعهم من بعض المباحات، كالحبس في مكان والمنع من غيره أو النفي من البلد ومنعهم من السكنى فيه ونحو ذلك والله أعلم. الثامنة: قوله: «ومثال ذلك رأي الصحابة ﵃ في العول في الفرائض عند تزاحم الفروض» مثال ذلك ما ذكره بعده مباشرة هلكت زوجة وتركت بعلها وأبويها، هذه مسألة عول تزاحمت فيها الفروض إذ لا يمكن اجتماع النصف والثلثين، وقد حلها الصحابة ﵃ بطريقة العول (٢) فجعلوا للبعل النصف والنصف الباقي للأم منه الثلث، وما بقي فللأب. ومعنى العول في اللغة: الزيادة، والمسألة الثانية: أن يموت رجل ويترك زوجة وأبوين، فللزوجة الربع، وما بقي تأخذ منه الأم الثلث، وما بقي فللأب. اهـ.

стр. 1088

الباب الثاني قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا (٦٦) وَإِذًا لَآتَيْنَاهُم مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا (٦٧) وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (٦٨) وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (٦٩) ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا﴾ [النساء: ٦٦ - ٧٠]. قال (ك): «ولو أنهم فعلوا ما يؤمرون به وتركوا ما ينهون عنه لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ أي: من مخالفة الأمر وارتكاب النهي ﴿وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ قال السدي: أي وأشد تصديقًا ﴿وَإِذًا لَآتَيْنَاهُم مِنْ لَدُنَّا﴾ أي: من عندنا ﴿أَجْرًا عَظِيمًا﴾، يعني: الجنة ﴿وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ أي: في الدنيا والآخرة. ثم قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ أي: من عمل بما أمره الله به ورسوله، وترك ما نهاه الله عنه ورسوله، فإن الله يسكنه دار كرامته ويجعله مرافقًا للأنبياء ثم لمن بعدهم في الرتبة وهم الصديقون، ثم الشهداء ثم عموم المؤمنين، وهم الصالحون الذين صلحت سرائرهم وعلانيتهم. ثم أثنى عليهم تعالى فقال: ﴿وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ وقال البخاري بسنده عن عائشة قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ﴿مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ﴾ فعلمت أنه خُير. ورواه مسلم (١)، وهذا معنى قوله ﷺ في الحديث الآخر: «اللهم الرفيق الأعلى» (٢) ثلاثًا، ثم قضي عليه أفضل الصلاة والتسليم. قال ابن جرير بسنده عن سعيد بن جبير قال: جاء رجل من الأنصار إلى رسول الله ﷺ وهو محزون، فقال له النبي ﷺ : «يا فلان ما لي أراك محزونًا؟» فقال: «يا نبي الله شيء فكرت فيه» فقال: «ما هو؟» قال: «نحن نغدو عليك ونروح ننظر إلى وجهك ونجالسك، وغدًا ترفع مع النبيين فلا نصل إليك». فلم

стр. 1089

يرد عليه النبي ﷺ شيئًا، فأتاه جبريل بهذه الآية: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِنَ النَّبِيِّينَ﴾ الآية فبعث النبي ﷺ فبشره (١)، وقد روي هذا الأثر مرسلًا عن جماعة من التابعين (٢). وثبت في «صحيح مسلم» بسنده عن ربيعة بن كعب الأسلمي أنه قال: كنت أبيت عند النبي ﷺ فأتيته بوضوئه وحاجته فقال لي: «سل» فقلت: يا رسول الله أسألك مرافقتك في الجنة. فقال: «أو غير ذلك؟» قلت: هو ذاك. قال: «فأعني على نفسك بكثرة السجود» (٣). وقال الإمام أحمد بسنده عن عمرو بن مرة الجهني قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ ، فقال يا رسول الله: شهدت أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله، وصليت الخمس، وأديت زكاة مالي، وصمت شهر رمضان. فقال رسول الله ﷺ : «من مات على ذلك كان مع النبيين والصديقين والشهداء يوم القيامة هكذا - ونصب إصبعه - ما لم يعق والديه» (٤). تفرد به أحمد.

стр. 1090

وَرُوِيَ التِّرْمِذِيُّ (١) بسنده إلى أبي سعيد قَالَ: قَالَ رسول الله ﷺ : «التَّاجِرُ الصَّدُوقُ الأَمِينُ مَعَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ [وَالصَّالِحِينَ] (٢)». ثُمَّ قَالَ: هَذَا حديث حسن. وفي «الصحيح» (٣) و «المسانيد» وغيرهما من طرق متواترة عن جماعة من الصحابة أَنَّ رسول الله ﷺ سُئِلَ عَنِ الرَّجُلِ يُحِبُّ القَوْمَ وَلَمَّا يَلْحَقُ بهم، فقال: «المَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ» (٤). [قَالَ أَنَسٌ] (٥): فَمَا فَرِحَ المسلمون مثل فرحهم بهذا الحديث، وفي رواية عن أنس أنه قال: «إني لأحب رسول الله ﷺ وأحب أبا بكر وعمر ﵄ وأرجو الله أن يبعثني معهم (٦): وإن لم أعمل.
следующие страницы →