← Акыда

Акыда · id 30197

سبيل الرشاد في هدي خير العباد

محمد تقي الدين الهلالي

Полный текст (2 277 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.

стр. 1086

وقعت الهدنة واختلط المسلمون بالمشركين، فأثر المسلمون على المشركين، فأسلم كثير منهم، والإسلام يربح بالسلم أكثر مما يربح بالحرب، فهو لا يحارب إلا اضطرارًا!! السادسة: قوله: «لا أسمع برجل فعل ذلك إلا أوجعته ضربًا»، إن المراد بقوله ذلك ما ذكره أكثر الصحابة من قولهم: لا غسل، أي: من أفتى بعدم الغسل عند الإكسال - وهو جماع الرجل امرأته مع عجزه عن الإنزال، أي: إتمام الجماع بخروج المني، أوعده عمر أن يوجعه ضربًا؛ لأن قول علي ومعاذ بوجوب الغسل هو الصواب؛ لأن عائشة وافقتهما، وهذا هو الأمر الأخير الذي أمر به النبي ﷺ ، وفي أول الأمر كانوا لا يغتسلون إلا إذا خرج الماء اعتمادًا على ما رواه أبو سعيد الخدري أن النبي ﷺ قال: «إنما الماء من الماء»، رواه مسلم وأصله في «البخاري» (١)، وهذا الحديث منسوخ نسخه ما رواه أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: «إذا جلس بين شعبها الأربع ثم جهدها، فقد وجب الغسل». متفق عليه. زاد مسلم: «وإن لم ينزل» (٢). قال محمد تقي الدين: رأينا في هذه الحكاية، أن عمر ﵁ لما سمع أن زيد بن ثابت يفتي بالغسل عند الإكسال دعاه وعاتبه على الإفتاء بالرأي، فحلف له بالله أنه ما أفتى إلا بما سمعه من أعمامه وهم ثلاثة من كبار الصحابة، فلما سأل عمر أحد هؤلاء الأعمام قال له: كنا نفعله على عهد رسول الله ﷺ ولم يأتنا فيه عن الله تحريم، ولم يكن فيه عن رسول الله ﷺ شيء، فلم يقتنع عمر بهذا الجواب لأن هذا غايته عدم العلم بالحكم، فجمع عمر أهل بدر وسألهم فأجابوا بخلاف ما قاله الأعمام أن لا غسل، وقال علي ومعاذ: فيه الغسل،

стр. 1087

فوافقتهما عائشة، فحصل من ذلك ثلاثة أقوال: قول بالغسل بدون دليل قاطع، وقول بعدم الغسل بدون دليل، وقول بالغسل بدليل، فرجح عمر هذا القول وتوعد من خالفه أن يوجعه ضربًا، وفي هذا عبرة لمن يتجرأ على الإفتاء في دين الله بلا دليل أصلًا، بل بمجرد أن يرى الحكم في كتاب من كتب الفروع المظلمة فيقلدها ويفتي بما فيها، فما أبعده عن الصواب والتقليد جهل والإفتاء به حرام في دين الله. السابعة: «قول أشهب: كنت عند مالك، فسئل عن البتة … » إلى آخره، يفهم منه أن مالكًا أفتى فيمن طلق امرأته البتة أنها حرمت عليه كما إذا طلقها ثلاثًا، فأراد أشهب أن يكتب تلك الفتوى، فنهاه مالك وقال: لا تكتب ذلك، فإنما هو رأي رأيته، ولعلي أرجع عنه في العشي، فأفتي بأنها طلقة واحدة». قال محمد تقي الدين: والصواب أنها طلقة لقول الله تعالى في سورة البقرة: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، ثم قال تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠]؛ يعني بعد التطليقة الثالثة وعن ابن عباس: «إن الطلاق بالثلاث كان يعد طلقة واحدة على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر، فلما رأى عمر أن الناس قد استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة أنجزه عليهم». رواه مسلم (١) وفعل عمر ليس بتشريع وإنما هو عقاب لمن خالف السنة ونطق بالطلاق الثلاث في لفظ واحد. وللإمام أن يعاقب رعيته بمنعهم من بعض المباحات، كالحبس في مكان والمنع من غيره أو النفي من البلد ومنعهم من السكنى فيه ونحو ذلك والله أعلم. الثامنة: قوله: «ومثال ذلك رأي الصحابة ﵃ في العول في الفرائض عند تزاحم الفروض» مثال ذلك ما ذكره بعده مباشرة هلكت زوجة وتركت بعلها وأبويها، هذه مسألة عول تزاحمت فيها الفروض إذ لا يمكن اجتماع النصف والثلثين، وقد حلها الصحابة ﵃ بطريقة العول (٢) فجعلوا للبعل النصف والنصف الباقي للأم منه الثلث، وما بقي فللأب. ومعنى العول في اللغة: الزيادة، والمسألة الثانية: أن يموت رجل ويترك زوجة وأبوين، فللزوجة الربع، وما بقي تأخذ منه الأم الثلث، وما بقي فللأب. اهـ.

стр. 1088

الباب الثاني قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا (٦٦) وَإِذًا لَآتَيْنَاهُم مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا (٦٧) وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (٦٨) وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (٦٩) ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا﴾ [النساء: ٦٦ - ٧٠]. قال (ك): «ولو أنهم فعلوا ما يؤمرون به وتركوا ما ينهون عنه لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ أي: من مخالفة الأمر وارتكاب النهي ﴿وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ قال السدي: أي وأشد تصديقًا ﴿وَإِذًا لَآتَيْنَاهُم مِنْ لَدُنَّا﴾ أي: من عندنا ﴿أَجْرًا عَظِيمًا﴾، يعني: الجنة ﴿وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ أي: في الدنيا والآخرة. ثم قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ أي: من عمل بما أمره الله به ورسوله، وترك ما نهاه الله عنه ورسوله، فإن الله يسكنه دار كرامته ويجعله مرافقًا للأنبياء ثم لمن بعدهم في الرتبة وهم الصديقون، ثم الشهداء ثم عموم المؤمنين، وهم الصالحون الذين صلحت سرائرهم وعلانيتهم. ثم أثنى عليهم تعالى فقال: ﴿وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ وقال البخاري بسنده عن عائشة قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ﴿مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ﴾ فعلمت أنه خُير. ورواه مسلم (١)، وهذا معنى قوله ﷺ في الحديث الآخر: «اللهم الرفيق الأعلى» (٢) ثلاثًا، ثم قضي عليه أفضل الصلاة والتسليم. قال ابن جرير بسنده عن سعيد بن جبير قال: جاء رجل من الأنصار إلى رسول الله ﷺ وهو محزون، فقال له النبي ﷺ : «يا فلان ما لي أراك محزونًا؟» فقال: «يا نبي الله شيء فكرت فيه» فقال: «ما هو؟» قال: «نحن نغدو عليك ونروح ننظر إلى وجهك ونجالسك، وغدًا ترفع مع النبيين فلا نصل إليك». فلم

стр. 1089

يرد عليه النبي ﷺ شيئًا، فأتاه جبريل بهذه الآية: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِنَ النَّبِيِّينَ﴾ الآية فبعث النبي ﷺ فبشره (١)، وقد روي هذا الأثر مرسلًا عن جماعة من التابعين (٢). وثبت في «صحيح مسلم» بسنده عن ربيعة بن كعب الأسلمي أنه قال: كنت أبيت عند النبي ﷺ فأتيته بوضوئه وحاجته فقال لي: «سل» فقلت: يا رسول الله أسألك مرافقتك في الجنة. فقال: «أو غير ذلك؟» قلت: هو ذاك. قال: «فأعني على نفسك بكثرة السجود» (٣). وقال الإمام أحمد بسنده عن عمرو بن مرة الجهني قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ ، فقال يا رسول الله: شهدت أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله، وصليت الخمس، وأديت زكاة مالي، وصمت شهر رمضان. فقال رسول الله ﷺ : «من مات على ذلك كان مع النبيين والصديقين والشهداء يوم القيامة هكذا - ونصب إصبعه - ما لم يعق والديه» (٤). تفرد به أحمد.

стр. 1090

وَرُوِيَ التِّرْمِذِيُّ (١) بسنده إلى أبي سعيد قَالَ: قَالَ رسول الله ﷺ : «التَّاجِرُ الصَّدُوقُ الأَمِينُ مَعَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ [وَالصَّالِحِينَ] (٢)». ثُمَّ قَالَ: هَذَا حديث حسن. وفي «الصحيح» (٣) و «المسانيد» وغيرهما من طرق متواترة عن جماعة من الصحابة أَنَّ رسول الله ﷺ سُئِلَ عَنِ الرَّجُلِ يُحِبُّ القَوْمَ وَلَمَّا يَلْحَقُ بهم، فقال: «المَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ» (٤). [قَالَ أَنَسٌ] (٥): فَمَا فَرِحَ المسلمون مثل فرحهم بهذا الحديث، وفي رواية عن أنس أنه قال: «إني لأحب رسول الله ﷺ وأحب أبا بكر وعمر ﵄ وأرجو الله أن يبعثني معهم (٦): وإن لم أعمل.

стр. 1091

كعملهم» (١). وأخرج الشيخان من طريق مالك - واللفظ لمسلم - بسندهما إلى أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : «إن أهل الجنة ليتراءون أهل الغرف من فوقهم، كما تراءون الكوكب الدُّرِّي الغابر في الأفق من المشرق أو المغرب للتفاضل بينهم». قالوا: يا رسول الله تلك منازل الأنبياء لا يبلغها غيرهم؟ قال: «بلى؛ والذي نفسي بيده رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين» (٢). ولهذا قال تعالى: ﴿ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللهِ﴾ أي: من عند الله برحمته وهو الذي أهلهم لذلك لا بأعمالهم ﴿وَكَفَى بِاللهِ عَلِيمًا﴾ أي: هو عليم بمن يستحق الهداية والتوفيق» (٣). فصل قال محمد تقي الدين: كلُّ مَنْ ردَّ شيئًا من سنة النبي ﷺ أو مما دل عليه كتاب الله تعالى، أو أعرض عنهما، ولم يرفع بهما رأسًا، ولا درسهما، ولا سأل عنهما، واكتفى بظلمات الرأي الذي لا يدرى موافقته لهما أو مخالفته، كالمتمسكين بكتب الفروع المجردة، فلن يعد ممن فعلوا ما يوعظون به، فلا خير له ولا تثبيت ولا أجر ولا هداية إلى الصراط المستقيم لا في الدنيا ولا في الآخرة، ولا يعد ممن أطاع الله والرسول، فهو غير جدير أن يكون مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، والله لا يهدي القوم الظالمين. الباب الثالث قوله تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ [النساء : ٨٠]. قال (ك): يخبر تعالى عن عبده ورسوله محمد ﷺ بأن من أطاعه فقد أطاع الله، ومن عصاه فقد عصى الله، وما ذلك إلا لأنه لا (٤) ينطق عن الهوى إن

стр. 1092

هو إلا وحي يوحى، قال ابن أبي حاتم بسنده (١) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن أطاع الأمير فقد أطاعني، ومن عصى الأمير فقد عصاني». وهذا الحديث ثابت في «الصحيحين» (٢). وقوله: ﴿وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ أي: ما (٣) عليك منه، إن عليك إلا البلاغ، فمن اتبعك سعد ونجا، وكان له (٤) من الأجر نظير ما حصل [لمن فعل فعله] (٥)، ومن تولى عنك خاب وخسر وليس عليك من أمره شيء كما جاء في الحديث (٦): «من يطع الله والرسول فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله؛ فإنه لا يضر إلا نفسه» (٧). الباب الرابع ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا (١٠٥) وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (١٠٦) وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَانًا أَثِيمًا (١٠٧) يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا (١٠٨) هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا﴾ [النساء: ١٠٥ - ١٠٩]. قال (ك): «يقول تعالى مخاطبًا لرسوله محمد ﷺ : ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ

стр. 1093

بِالْحَقِّ﴾ أي: هو حق من الله وهو يتضمن الحق في خبره وطلبه، وقوله: ﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ احتج به من ذهب من علماء الأصول (١) إلى أنه كان له أن يحكم بالاجتهاد بهذه الآية، وبما ثبت في «الصحيحين» بسندهما إلى أم سلمة أن رسول الله ﷺ سمع جلبة خصم بباب حجرته، فخرج إليهم فقال: «ألا إنما أنا بشر، وإنما أقضي بنحو ما أسمع، ولعل أحدكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له، فمن قضيت له بحق مسلم فإنما هي قطعة من النار، فليحملها أو ليذرها» (٢). وقال الإمام أحمد بسنده إلى أم سلمة قالت: جاء رجلان من الأنصار يختصمان إلى رسول الله ﷺ في مواريث بينهما قد درست ليس عندهما بينة، فقال رسول الله ﷺ : «إنكم تختصمون إلي وإنما أنا بشر، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، وإنما أقضي بينكم على نحو ما أسمع، فمن قضيت له من حق أخيه شيئًا فلا يأخذه فإنما أقطع له قطعة من النار يأتي بها انتظامًا في عنقه يوم القيامة»، فبكى الرجلان وقال كل منهما: حقي لأخي، فقال رسول الله ﷺ : «أما إذا قلتما فاذهبا فاقتسما ثم توخيا الحق بينكما ثم استهما ثم ليحلل كل منكما صاحبه» (٣). وقد روى أبو داود من حديث أسامة بن زيد بن وراد: «إني إنما أقضي بينكما برأيي فيما لم ينزل علي فيه» (٤). وقد روى ابن مردويه من طريق العوفي عن ابن عباس «أن نفرًا من الأنصار غزوا مع رسول الله ﷺ في بعض غزواته، فسرقت درع لأحدهم، فأظن بها رجلًا من الأنصار، فأتى صاحب الدرع رسول الله ﷺ فقال: «إن طعمة بن أبيرق سرق درعي، فلما رأى السارق ذلك عمد إليها فألقاها في بيت رجل بريء، وقال لنفر

стр. 1094

مِنْ عَشِيرَتِهِ: إِنِّي غَيَّبْتُ الدِّرْعَ وَأَلْقَيْتُهَا فِي بَيْتِ فُلَانٍ وَسَتُوجَدُ عِنْدَهُ، فَانْطَلِقُوا إِلَى نَبِيِّ اللهِ ﷺ لَيْلًا فَقَالُوا: يَا نَبِيَّ اللهِ إِنَّ صَاحِبَنَا بَرِيءٌ! وَإِنَّ صَاحِبَ الدِّرْعِ فُلَانٌ، وَقَدْ أَحَطْنَا بِذلِكَ عِلْمًا فَأَعْذِرْ صَاحِبَنَا عَلَى رُؤُوسِ النَّاسِ وَجَادِلْ عَنْهُ، فَإِنَّهُ إِنْ لَمْ يَعْصِمْهُ اللهُ بِكَ يَهْلِكْ، فَقَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَبَرَّأَهُ وَعَذَرَهُ عَلَى رُؤُوسِ النَّاسِ فَأَنْزَلَ اللهُ: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا (١٠٥) وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (١٠٦) وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ﴾ الآية، ثم قال تعالى للذين أتوا رسول الله ﷺ مُسْتَخْفِينَ بالكَذِبِ: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ﴾ الآيتين، يعني: الذين أتوا رسول الله ﷺ مُسْتَخْفِينَ يُجَادِلُونَ عَنِ الخَائِنِينَ، ثم قال : ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ﴾ [النساء: ١١٠] الآية يعني: الذين أتوا رسول الله ﷺ مُسْتَخْفِينَ بالكَذِبِ. ثم قال: ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ [النساء: ١١٢]؛ يعني السارق والذين جادلوا عن السارق» (١). وهذا سياق غريب. وروى ابن إسحاق والترمذي وابن جرير وغيرهم عن قتادة بن النعمال قال: «كان أهل بيت منا يقال لهم: بنو أبيرق: بشر وبشير ومبشر، وكان بشير رجلًا منافقًا يقول الشعر يهجو به أصحاب رسول الله ﷺ ثم ينحله لبعض العرب، ثم يقول: قال فلان كذا وكذا، وقال فلان كذا وكذا، فإذا سمع أصحاب رسول الله ﷺ ذلك الشعر قالوا: والله ما يقول هذا الشعر إلا هذا الخبيث [أو كما قال الرجل، وقالوا: ابن الأبيرق قالها] (٢)، قالوا: وكانوا أهل بيت حاجة وفاقة في الجاهلية والإسلام، وكان الناس إنما طعامهم بالمدينة التمر والشعير، وكان الرجل إذا كان له يسار فقدمت ضافطة من الشام [بالدُّرْمُك] (٣) ابتاع الرجل

стр. 1095

منها فخص بها نفسه وأما العيال فإنما طعامهم التمر والشعير، فقدمَتْ ضافطة من الشام فابتاع عمي رفاعة بن زيد حِمْلًا من الدُّرْمَك، فجعله في مشربة له وفي المشربة سلاح ودرع وسيف، فعُدِي عليه من تحت البيت (١) فَنُقبتِ المَشْرَبة وأخذ الطعام والسلاح، فلما أصبح أتاني عمي رفاعة فقال: يا ابن أخي إنه (٢) قد عدي علينا في ليلتنا هذه، فنقبت مشْرَبَتنا فذهب بطعامنا وسلاحنا، قال: فَتَحسسنا (٣) الدار وسألنا، فقيل لنا: قد رأينا بني أُبَيْرِقٍ استوقدوا في هذه الليلة ولا نرى فيما نرى إلا على بعض طعامكم، قال: وكان بنو أبيرق قالوا ونحن نسأل في الدار: والله ما نرى صاحبكم إلا لبيد بن سهل رجلًا (٤) منا له صلاح وإسلام فلما سمع لبيد اخترط سيفه وقال: أنا أسرِق والله (٥) ليخالطنكم هذا السيف أو لتبينن هذه السرقة، قالوا: إليك عنا أيها الرجل فما أنت بصاحبها، فسألنا في الدار حتى لم نشك أنهم أصحابها، فقال لي عمّي: ابن أخي لو أتيت رسول الله ﷺ فذكرت ذلك له. قال قتادة: فأتيت رسول الله ﷺ فقلت: إن أهل بيت منا أهل جفاء عمدوا إلى عمي رفاعة بن زيد فنقّبوا مشربةً له وأخذوا سلاحه وطعامه فليردوا علينا سلاحنا، فأما الطعام فلا حاجة لنا فيه، فقال النبي ﷺ : «[سأنظر] (٦) في ذلك». فلما سمع بذلك بنو أبيرق أتوا رجلًا منهم يقال له: أسير (٧) بن عروة، فكلموه في ذلك فاجتمع في ذلك أناس (٨) من أهل الدار، فقالوا: يا رسول الله إن قتادة بن النعمان وعمه عمدا إلى أهل بيت منا أهل إسلام وصلاح يرمونهم بالسرقة من غير بينة ولا ثبت. قال قتادة: فأتيت النبي ﷺ فكلَّمتُه فقال: «عَمَدْتَ إلى أهل بيت ذُكر عنهم إسلام وصلاح، ترميهم بالسرقة على غير ثبت [ولا بينة] (٩)» قال: فرجعت ولَوَدِدْتُ أني خرجت من بعض مالي ولم أكلم رسول الله ﷺ في ذلك، فأتاني

стр. 1096

عَمِّي رفاعة فقال: ابن أخي ما صنعت؟ فأخبرته بما قال لي رسول الله ﷺ ، فقال: الله المستعان، فلم نلبث (١) أن نزل القرآن: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾؛ يعني (٢) بني أبيرق وَاسْتَغْفِرِ اللَّه أي: مما قلت لقتادة ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (١٠٦) وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ﴾ إلى قوله: ﴿رَحِيمًا﴾ أي: لو استغفروا الله لغفر لهم ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ إلى قوله: ﴿إِثْمًا مُبِينًا﴾ [النساء: ١١٢]. قوله (٣): ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ﴾ إلى قوله: ﴿فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ١١٣ - ١١٤] فلما نزل القرآن أتي رسول الله ﷺ بالسلاح فرده إلى رفاعة، فقال قتادة: لما أتيتُ عمي بالسلاح وكان شيخًا قد عمي أو عشي - الشك من أبي عيسى - في الجاهلية وكنت أرى إسلامه مدخولًا فلما أتيته بالسلاح قال: يا ابن أخي: هي (٤) في سبيل الله، فعرفت أن إسلامه كان صحيحًا، فلما نزل القرآن لحق بشير بالمشركين فنزل على سُلافة بنت سعد ابن سمية (٥) فأنزل الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥) إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ [النساء: ١١٥، ١١٦] فلما نزل على سلافة بنت سعد هجاها (٦) حسان بن ثابت بأبيات من شعر (٧)، فأخذت رَحْلَه فوضعته على رأسها، ثم خرجت به فرمته (٨) في الأبطح، ثم قالت: أَهْدَيْتَ لي شعر حسان؟ ما كنت تأتيني بخير» (٩). لفظ الترمذي: هذا حديث غريب، قال

стр. 1097

(ك): «روى هذا الحديث الحاكم أبو عبد الله النيسابوري في كتابه «المستدرك» وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه» (١). قال محمد تقي الدين: والأبيات التي ذكرت في الحديث ذكرها السهيلي في «الروض الأنف» في (٢٣٩) وهي هذه: «وما سارقُ الدِّرْعَيْنِ إذ كنتَ ذاكرًا … بذي كَرَمٍ من الرجال أُوَادِعُه وقد أُنْزِلَتْه بنتُ سعدٍ فأصبحتْ … يُنازِعُها جَارُ اسْتِها وَتُنازِعُه ظَنَنْتُم بأنْ يَخْفى الذي قد صنعتم … وفيكم نبيءٌ عنده الوحيُ وَاضِعُه» (٢) ومعنى البيت الثاني: وقد أنزلته سلافة بنت سعد البغي المشهورة بمكة في بيتها يفجر بها، فصارت ينازعها فرجها وهو جار استها أي دبرها، وتنازعه شوقًا إلى الزنا، وهذا سبب غضبها وطردها لذلك المعتدي الخبيث الذي أعياه النفاق فخرج إلى إعلان الكفر. والضافطة: جماعة يجلبون الميرة - وهي الحبوب والطحين - إلى المدن؛ لأن الحجاز أرض فقيرة لا يحصل منها ما يكفي لمعيشة أهلها من الحبوب، فهي محتاجة دائمًا إلى أن ترد عليها الحبوب من جهة الشمال وهي الشام، أو من جهة الجنوب وهي اليمن، أو من جهة الشرق وهي نجد، والدرمك هو الحواري، أي الدقيق الأبيض. وفي هذا الحديث علمنا أن الرجال في المدينة كانوا يخصون أنفسهم بالبر والدقيق الأبيض، ولا يشركون عيالهم فيه، بل يتركونهم يعيشون بالتمر والشعير.

стр. 1098

وقد رأيت مثل هذا في بادية حميان بأرض الجزائر، فإن النساء عندهم لا حظ لهن في البر وإنما طعامهن الشعير، ففي كل خيمة يصنع نوعان من الطعام: نوع للرجال من البر ونوع للنساء من الشعير، فترى الرجل وأولاده الذكور يأكلون طعام البر، وزوجته وبناته لا حظ لهن فيه ولو مرة في السنة، وأعرف رجلا اسمه بو مدين كان شيخا كبيرا وله زوجة وليس لهما أولاد، فكانت زوجته تصنع طعامين طعاما من البر له، وطعاما من الشعير لها. وبالمناسبة أذكر قصة وقعت لي مع هذا الرجل، فإنه جاءني عند الزوال فقال: قم فصل الظهر وأنا إمام الحي، فقلت له: انتظر قليلا حتى يتحقق دخول الوقت، فقال لي: إن الوقت قد دخل وأنا مستعجل أريد أن أصلي وأذهب إلى شغلي، فقلت: إن صلاة الظهر قبل تحقق دخول الوقت لا تجوز، فخاصمني وشتمني وقال لي: إن لم تكن راضيا فهذه الثنية أمامك فاذهب، والثنية هي الطريق بين جبلين، فأخذت سبحتي وأنا يومئذ تجاني مخلص في الطريقة أشد الإخلاص من فرط جهلي وشقائي، فوجهت سبحتي كالبندقية إلى خيمته طلبا للانتقام منه، فخاف خوفا شديدا وانصرف، وفي ذلك اليوم ضلت له أحسن ناقة من إبله فجاءني في الغد خاشعا ذليلا وقال لي: يا سيدي محمد! إنك قطعت في خويدمك، - أي انتقمت منه - بلا رحمة، فقلت: مهيم، فقال لي: ضاعت الناقة الحمراء فاغفر لي إساءتي إليك، وادع الله أن يردها فدعوت وغفرت له، ولكن الناقة لم ترجع. فمنذ ذلك اليوم صار يخدمني خدمة العبد لسيده إلى أن افترقنا. فانظر إلى هذا الجهل العظيم من المخدوم والخادم والمعبود والعابد، فاللهم لك الحمد على ما أنعمت به علينا وأخرجتنا من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان، وبهذا يعلم أن الشيخة بهية وهي امرأة مكفوفة البصر لا يفوتها درس من دروس وعظي لا مع الرجال ولا مع النساء، قالت لبعض النساء لا يزلن متمسكات ببدعة السبحة (١): ألقين عنكن هذه الأصنام، فإن السبحة قد تكون وثنا، كما وقع لي حين وجهتها إلى خيمة الرجل.

стр. 1099

توضيحات لما تقدم الأولى: الخبر: هو ما يخبر الله تعالى به عباده. والطلب: هو ما يأمرهم به أو ينهاهم عنه. والجلبة: الصياح. الثانية: قول رسول الله ﷺ : «فمن قضيت له بحق مسلم … » إلى آخره. معناه: إن كان أحد الخصمين فصيحًا بليغًا يزخرف القول ويقلب الحقائق (١) وكان خصمه حصرًا لا يستطيع أن يبين حقه، فظهر لي أن الظالم هو المظلوم، فحكمت له بما تنازعا فيه - كبستان أو بيت أو دراهم - وهو يعلم أن الحق لخصمه فأخذ ذلك الشيء معتمدًا على حكمي له، فإنه قطعة من النار، لا يحل له أبدًا (٢)، وإن حكمت له به لأنه خدعني، وهذا أيضًا يدل على أن النبي ﷺ لا يعلم الغيب، فتعسًا للمشركين الذين يزعمون إن كل ما يعلمه الله يعلمه رسول الله، والفرق بينهما أن علم الله غير محدث وعلم النبي ﷺ ، محدث، ومن اعتقد هذا فهو كافر بالقرآن العظيم. انظر (الجزء الثاني): (القسم الأول) من «سبيل الرشاد» (٣) عند قوله تعالى: ﴿وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ [الأنعام: ٥٩] وقولها: (درست)، أي: قدم عهدها. قوله: (انتظامًا)، الانتظام: الحديدة التي تحرك بها النار وتسعر. الثالثة: قول النبي ﷺ : «فاقتسما ثم استهما» معناه: اقتسما ما تنازعتما فيه من أرض أو بستان مثلًا واقترعا على القسمين، والمغاربة يسمون ذلك (ضرب العود)، ومعنى (ليحلل أحدكما الآخر): أي يسامحه ويجعله في حل. اهـ. الرابعة: قول النبي ﷺ : «فيما لم ينزل علي فيه» يدل على أن النبي ﷺ إذا لم يكن عنده في القضية وحي من الله تعالى يجتهد ويحكم برأيه، وكذلك شرع لحكام أمته كما تقدم مبسوطًا في الباب الذي قبله، وهذا عين ما فعله في هذه القضية قبل أن يتبين له أن أولئك القوم خائنون.

стр. 1100

قوله: (فسرقت درع) في بعض الروايات (سلاح) وفي بعضها (درعان وسيفان) وهي أرجح لما جاء في شعر حسان الآتي ذكره. قوله: (فأظنّ بها رجلًا) أي اتهمه. قوله: (طعمة): سيأتي في الرواية التالية أن أبناء أبيرق ثلاثة بشر وبشير ومبشر، فلعل طعمة أخ لهم، أو لقب لأحدهم. الخامسة: قول الله تعالى لخليله محمد صلوات الله عليه: ﴿وَاسْتَغْفِرِ الله﴾ وقوله له في سورة القتال: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [محمد: ١٩] هذا كلام السيد مع عبده بل خير عباده، فللسيد أن يسمي اجتهاد عبده ذنبًا ويأمره بالاستغفار منه، وليس ذلك في الحقيقة ذنبًا كذنوب العباد غير المعصومين، والدليل على ذلك أن هذه القضية لو وقعت لأحد الصحابة أو التابعين أو من بعدهم من الحكام فلم يجد فيها نصا من كتاب الله ولا سنة من سنن رسول الله واستشار علماء بلده فلم يجد عندهم شيئًا فحكم برأيه، ثم جاء عالم من بلد يحفظ حديثًا صحيحًا يخالف ما قضى به ذلك الحاكم لم يكن ذلك الحاكم مذنبًا، لقول النبي ﷺ : «إذا اجتهد الحاكم وأصاب فله أجران، وإذا اجتهد وأخطأ فله أجر واحد» (١). والأجر إنما يكون على الطاعة لا على الذنب، هذا على التنزل؛ لأن ذلك الحاكم يمكن أن يكون مقصرًا في البحث؛ لأن الحكم كان موجودًا عند غيره، ولكنه عذر لأنه بذل جهده، وباذل جهده لا جناح عليه. أما النبي ﷺ فلم يكن عنده وحي ولا عند غيره في أي مكان من بلاد الله فهو أولى بالعذر، والاستغفار عبادة نتيجتها محبة الله تعالى، قال الله تعالى: ﴿الله يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، ولذلك كان النبي ﷺ : يستغفر الله في اليوم سبعين مرة (٢) وفي حديث آخر: «يستغفر الله مائة مرة» (٣). وينبغي أن يسلك هذا المسلك في كل موضع من كتاب الله وحديث الرسول جاء فيه نسبة الذنب إلى النبي ﷺ ، فشد يدك على هذا فإنه (مهم) (٤). السادسة: قول (كـ): في هذا الحديث: (وهذا سياق غريب) كقول الترمذي

стр. 1101

في الحديث المذكور بعده أنه غريب يدل على ضعف هذا الحديث مع تعدد طرقه، وتفسير جماعة من التابعين بهذه الآيات بمعناه مما يدل أن له أصلًا مشكلًا، وسيرتفع الإشكال أو يكاد بقول الحاكم: إنه صحيح الإسناد على شرط مسلم، وسلمه (ك)، وعسى أن يكون الذهبي أيضًا سلمه (١). قوله: (ينحله لبعض العرب): أي ينسبه إليهم على أنهم قالوه. السابعة: قوله: (أو كما قال، وقالوا: ابن الأبيرق قالها): هذا تحريف وبتر من الناشرين المجرمين وما أكثره في الطبعات المتعددة لـ «تفسير (ك)» وقد قابلت هذه القصة على الكيفية التي نقلها جمال الدين القاسمي في «تفسيره»، فوجدت فيها أخطاء عديدة في الطبعات المختلفة، فعلمت أنه نقلها من نسخة مخطوطة فسلم نقله من الخطأ والصواب أن هذا الكلام بيت شعر قاله بشير بن الأبيرق، ونصه كما في «تفسير القاسمي» (٢): أو كلَّما قال الرِّجالُ قَصِيدَةٌ … أضَمُّوا وقالوا ابن الأبيرق قالها (٣) ومعنى (أضمُّوا): أي غضبوا وهو بكسر الضاد. و (الحاجة): الفاقة والفقر - و (اليسار): الغنى - و (المشربة) الغرفة وتسمى العُليَّةُ. قوله: (فتحسسنا في الدار): المراد بالدار هنا مجموعة من المساكن، متصل بعضها ببعض، وفي وسطها حجرة باللغة المغربية «حوش»، وهكذا كان بناء البيوت في المدينة النبوية إلى زمان قريب، وقد أدركت ذلك أول ما سكنت في المدينة سنة ١٣٤٦ هـ. قوله: (استوقدوا في هذه الليلة) أي: أوقدوا شيئًا يستضيئون به كنار أو قنديل، واستدلوا بذلك على أنهم السارقون. قوله: (أهل جفاء): الجفاء خشونة الطبع وسوء الأدب.

стр. 1102

قوله: (خرجت من بعض مالي): أي خسرت بعض مالي. قال القاسمي (١) ما نصه: «﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ﴾ بإعلامك ما هم عليه بالوحي وتنبيهك على الحق ﴿لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ﴾ برمي البريء والمجادلة عن الخائنين، يعني: أسير (٢) بن عروة وأصحابه، يعني بذلك لما أثنوا على بني أبيرق ولاموا قتادة بن النعمان في كونه اتهمهم وهم صلحاء براء، ولم يكن الأمر كما أنهوه إلى رسول الله ﷺ : ﴿وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ﴾ لأن وباله عليهم ﴿وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ﴾ لأنك إنما عملت بظاهر الحال وما كان يخطر ببالك أن الحقيقة على خلاف ذلك … ولما أنزل تعالى فصل القضية وجلاها لرسوله ﷺ امتن عليه بتأييده إياه في جميع الأحوال بقوله: ﴿وَأَنْزَلَ اللهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ أي: القرآن والسنة ﴿وَعَلَّمَكَ﴾ من أمور الدين والشرائع ﴿مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ﴾ أي: قبل نزول ذلك عليك، كقوله (٣) ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ﴾ [الشورى: ٥٢] الآية وقال تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ [القصص: ٨٦]، ولهذا قال تعالى: ﴿وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ أي فيما علمك وأنعم عليك». قال الرازي (٤): «هذا من أعظم الدلائل على أن العلم أشرف الفضائل والمناقب، ثم أشار تعالى إلى ما كانوا يتناجون فيه حين يبيتون ما لا يرضى من القول». الثامنة: قوله: (قد عمي أو عشي، الشك من أبي عيسى)، عبارة القاسمي فيما نقل من النسخ الصحيحة من (ك) هكذا: «قال قتادة: فلما أتيت عمي بالسلاح، وكان شيخًا قد عسا في الجاهلية. وكنت أرى إسلامه مدخولًا». اهـ. قال صاحب «القاموس»: «عسا الشيخ يَعْسُو عَسْوًا (٥) وعَسِي عَسَى كَبِر» (٦).

стр. 1103

والمعنى أن رفاعة بن زيد شاخ في الجاهلية، فلذلك ظن ابن أخيه قتادة بن النعمان أن إسلامه مدخول حتى رآه وهب السلاح في سبيل الله زيادة على ما خسر من حمل الدرمك، فعلم أن إيمانه صحيح ويناسب معنى عسا هناك قول الشاعر: لولا الحياء وأن رأسي قد عسا … فيه المشيب لزرت أم القاسم وفي كتب اللغة من معاني عسا: «اشتد وغلظ» (١)، فمعنى عسا فيه المشيب: اشتد وانتشر، فمنعه الحياء وشيب رأسه من زيارة أم القاسم زيارة ريبة. قوله: (لحق بشر بالمشركين) أظن هذا أيضًا من تحريف (٢) الناشرين، والذي في «تفسير القاسمي»: «لحق بشير» والظاهر أنه هو الصحيح؛ لأن بشيرًا هو الذي كان يهجو أصحاب رسول الله وينحل الهجاء للكفار، والظاهر أيضًا أنه هو الذي سرق وساعد أخواه أو إخوته - على أن طعمة المذكور سابقًا أخ لهم - بل ساعدهم كثير من أهل الدار أيضًا كما تقدم. التاسعة: ظاهر السياق أن قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ﴾ الآية [النساء: ١١٥] نزلت (٣) في بشير بن أبيرق الذي أعلن ردته، وسواء كان هذا سبب نزولها أو لم يكن، فإن من العموم تشمل كل من اتصف بمضمون الآية، فالمقلد الذي يقضي بالتقليد أو يفتي به، فيسفك الدماء ويحل الفروج وينقل الأموال من ملك شخص إلى شخص آخر بلا برهان ولا هدى ولا كتاب منير هو من المشاقين للرسول؛ لأنه يحلل ويحرم بلا برهان. قوله: (فأخذت رحله) الرحل: للبعير كالسرج للفرس، ولم يكن له متاع في بيتها إلا رحل ناقته فألقته في الأبطح خارج مكة إلى جهة منى؛ لأنه جلب

стр. 1104

لها الفضيحة بهجاء حسان، والشعر سلاح حاد يفتك بالأعداء أكثر من فتك السيوف، وقد وفقني الله لاستعمال هذا السلاح فهجوت كثيرًا من الطواغيت فذاقوا وبال أمرهم، ويوجد كثير من هذا الهجاء في كتاب «الدعوة إلى الله» لمؤلف هذا الكتاب (١)، وكذلك شيخ الطريقة الذي يدعو الناس إلى إعطائهم الورد وإدخالهم في ربقته واستعباده؛ فيقضي على أديانهم وأعراضهم وأموالهم، ويضمن لهم الجنة، ويوهمهم أنه يمدهم بتنوير القلوب والهداية ويحفظ دينهم ودنياهم، وهو أكبر مفسد للدين والدنيا، فإنه مشاق للرسول متبع غير سبيل المؤمنين، وهم الصحابة والتابعون والأئمة المجتهدون ومن اتبعهم بإحسان. العاشرة: قال محمد تقي الدين من العجب العجاب أني لم أر أحدًا ممن قرأت تفاسيرهم ذكر عقاب النبي ﷺ لهؤلاء السراق، وقد ثبتت عليهم السرقة بشهادة الله تعالى وشهادة الناس ولم يقتصروا على السرقة حتى دعوا أقاربهم ليعينوهم على الباطل ورموا البريء بذنبهم وخدعوا الرسول، فلماذا لم يقطع النبي ﷺ أيديهم؟ لا أجد جوابًا لهذا السؤال وعسى الله أن يأتي به (٢). الباب الخامس قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا (١٧٤) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ [النساء: ١٧٤ - ١٧٥] «يقول تعالى مخاطبًا جميع الناس ومخبرًا (٣) بأنه قد جاءهم منه برهان عظيم، وهو الدليل القاطع للعذر والحجة المزيلة للشبهة، ولهذا قال: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا﴾ أي: ضياء واضحًا على الحق، قال ابن جريج وغيره: هو (٤) القرآن ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ﴾ أي: جمعوا بين مقامي العبادة والتوكل على الله

стр. 1105

في جميع أمورهم، وقال ابن جرير: آمنوا بالله واعتصموا بالقرآن، رواه ابن جرير (١) ﴿فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ﴾ أي: يرحمهم فيدخلهم الجنة ويزيدهم ثوابًا ومضاعفة ورفعًا في درجاتهم من فضله عليهم وإحسانه إليهم ﴿وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ أي: طريقًا واضحًا قويمًا (٢) لا اعوجاج فيه ولا انحراف، وهذه صفة المؤمنين في الدنيا والآخرة، فهم في الدنيا على منهاج الاستقامة وطريق السلامة في جميع المعتقدات والأعمال (٣)، وفي الآخرة على صراط الله المستقيم المفضي إلى روضات الجنات وفي حديث الحارث الأعور عن علي بن أبي طالب عن النبي ﷺ أنه قال: «القرآن صراط الله المستقيم، وحبل الله المتين» (٤)، وقد تقدم الحديث بتمامه في أول التفسير ولله الحمد والمنة». فصل قال محمد تقي الدين النور المبين هو القرآن والسنة يقينًا؛ لأن كلًا منهما منزل من الله تعالى، وهما متلازمان لا يمكن اتباع أحدهما إلا باتباع الآخر، كالشهادتين وكالإسلام والإيمان، ولا يستفيد أحد من هذا النور إلا إذا ترك التقليد واتبع الكتاب والسنة فنورهما يضيء له طريقه في الحياة الدنيا وعند الموت وفي البرزخ وفي يوم القيامة، وقد علم الله أن بعض الناس يؤمنون بالله ويعتصمون به فيتبعون كتابه ورسوله، فهؤلاء هم أهل رحمته وفضله في الدنيا والآخرة، وهم الذين هداهم الله صراطه المستقيم، وعلم سبحانه أن بعضهم لا يؤمنون بالله حقا ولا يعتصمون به فلا يتبعون كتابه ولا رسوله فلا يكونون أهلًا لرحمة الله وفضله، ولا يسلكون الصراط المستقيم؛ فيستحقون الظلمة والضلال في الدنيا، والعذاب المهين في الآخرة. اهـ.

стр. 1106

سورة المائدة الباب الأول قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: ٣] في «تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير» لمؤلفه أخينا العالم السلفي المحقق محمد نسيب الرفاعي ما نصه: «ينهى الله عباده عن تعاطي هذه المحرمات من الميتة، وهي ما مات من الحيوانات حتف أنفه من غير ذكاة ولا اصطياد، لما فيها من المضرة من الدم المحتقن فهي ضارة للدين وللبدن، فلهذا حرمها الله ، ويستثنى من الميتة السمك، فإنه حلال سواء مات بتذكية أو غيرها، لما رواه مالك والشافعي وأحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وابن خزيمة وابن حبان عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ سئل عن ماء البحر، فقال: «هو الطهور ماؤه الحل ميتته» (١)، وهكذا الجراد، لما سيأتي من الحديث …

стр. 1107

وقوله تعالى: ﴿وَالدَّمُ﴾ يعني به المسفوح، كقوله تعالى: ﴿أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ [الأنعام: ١٤٥] قاله ابن عباس وغيره، روى ابن أبي حاتم عن ابن عباس أنه سئل عن الطحال فقال: كلوه، فقالوا: إنه دم. فقال: إنما حرم عليكم الدم المسفوح (١)، وكذا رواه حماد عن عائشة: إنما نهي عن الدم السافح (٢)، وروى الشافعي عن ابن عمر مرفوعا: قال رسول الله ﷺ : «أحل لكم ميتتان ودمان، فأما الميتتان فالسمك والجراد، وأما الدمان فالكبد والطحال» (٣). قال الأعشى (٤):

стр. 1108

وإِيَّاكَ والميتات لا تقربنّها (١) … ولا تأخُذَنْ عظمًا (٢) حديدًا فتفصدا (٣) أي: لا تفعل فعل الجاهلية، وكان أحدهم إذا جاع يأخذ شيئًا محددًا من عظم ونحوه، فيقصد به بعيره فيجمع ما يخرج منه من الدم فيشربه، ولهذا حرم الله الدم على هذه الأمة. قوله تعالى: ﴿وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ﴾؛ يعني: إنسيه ووحشيه، واللحم يعم جميع أجزائه حتى الشحم (٤). قال (ك): «روى ابن أبي حاتم عن أبي أمامة - وهو صُدي بن عجلان - قال: بعثني (٥) رسول الله ﷺ إلى قومي أدعوهم إلى الله ورسوله، وأعرض عليهم شرائع الإسلام، فأتيتهم، فبينما (٦) نحن كذلك إذ جاؤوا بقصعة من دم فاجتمعوا عليها يأكلونها، فقالوا: هلم يا صُدي، فكل، قال: قلت: ويحكم، إنما أتيتكم من عند من يحرم هذا عليكم (٧)، فأقبلوا عليه، قالوا: وما ذاك؟ (٨) فتلوت عليهم هذه الآية ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ الآية (٩). ورواه الحافظ أبو بكر بن مردويه، وزاد بعد هذا السياق (١٠): «قال:

стр. 1109

فجعلت أدعوهم إلى الإسلام، ويأبون عليَّ، فقلت لهم (١): ويحكم اسقوني شربة من ماء فإني شديد العطش، قال: وعلي عباءتي، فقالوا: لا، ولكن ندعك حتى تموت عطشًا. قال: فاغتممت وضربت برأسي في العباءة (٢) ونمت على الرمضاء في حر شديد، قال: فأتاني آت في منامي بقدح من زجاج، لم ير الناس أحسن منه، وفيه شراب لم ير الناس ألذ منه، فأمكنني منه فشربته (٣)، فلما فرغت من شرابي استيقظت فلا والله ما عطشت ولا عريت [عَرِي كَفَرِح: فسدت معدته، «قاموس»] (٤) بعد تيك الشربة، ورواه الحاكم في «مستدركه» وزاد بعد قوله: «بعد تيك الشربة»: «فسمعتهم يقولون: أتاكم رجل من سراة قومكم فلم تمجعوه بمذقة. فأتوني بمذقة، فقلت: لا حاجة لي فيها، إن الله أطعمني وسقاني، وأريتهم بطني، فأسلموا عن آخرهم» (٥). اهـ. والمجع: أكل التمر باللبن. وفي «تفسير البيضاوي»: «﴿وَالْمَوْقُوذَةُ﴾ المضروبة، بنحو خشب أو حجر حتى تموت من وقذته إذا ضربته (٦)، ﴿وَالْمُتَرَدِّيَةُ﴾ التي تردت من علو أو في بئر فماتت، ﴿وَالنَّطِيحَةُ﴾ التي نَطَحَتها أخرى فماتت بالنطح، ﴿وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ﴾ وما أكل منه السبع فمات وهو يدل على أن جوارح الصيد إذا أكلت مما اصطادته لم يحل ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ إلا ما أدركتم ذكاته وفيه حياة مستقرة من ذلك، والذكاة في الشرع [تكون بقطع] (٧) الحلقوم والمريء بمحدد ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾» (٨). وقال «(ك): ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ قال مجاهد (٩) وابن جريج (١٠): «كانت

стр. 1110

النصب حجارة حول الكعبة وهي ثلاثمائة وستون نصبًا، كانت العرب في جاهليتها يذبحون عندها (١) وينضحون ما أقبل منها إلى البيت، بدماء تلك الذبائح، ويشرحون اللحم، ويضعونه على النصب»، وكذا ذكره غير واحد، فنهى الله المؤمنين عن هذا الصنيع، وحرّم عليهم أكل هذه الذبائح التي فعلت عند النصب حتى ولو كان يذكر عليها اسم الله، [فالذبح] (٢) عند النصب من الشرك الذي حرمه الله ورسوله، وينبغي أن يحمل هذا على هذا؛ لأنه قد تقدم تحريم ما أُهِلَّ لغير الله [به] (٣). وقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ﴾ أي: حرم عليكم أيها المؤمنون أن تستقسموا (٤) بالأزلام، واحدها زُلَم وقد تفتح الزاي، فيقال: زَلَم،، قد كانت العرب في جاهليتها يتعاطون ذلك وهي عبارة عن قداح ثلاثة، على أحدها مكتوب: «افعل»، وعلى الآخر: «لا تفعل»، والثالث غفل ليس عليه شيء، فإذا أجالها فطلع سهم الأمر فعله، أو النهي تركه، وإن طلع الفارغ أعاد، والاستقسام مأخوذ من طلب القسم من هذه الأزلام. وفي «الصحيحين» (٥): إن النبي ﷺ لما دخل الكعبة وجد إبراهيم وإسماعيل مصورين فيها وفي أيديهما الأزلام، فقال: قاتلهم الله لقد علموا أنهما لم يستقسما بها أبدًا (٦). وقد أمر الله تعالى المؤمنين إذا ترددوا في أمورهم أن يستخيروه بأن يعبدوه ثم يسألوه الخيرة في الأمر الذي يريدونه، كما روى الإمام البخاري وأهل السنن عن جابر بن عبد الله قال: كان رسول الله ﷺ يعلمنا الاستخارة في الأمور كما يعلمنا السورة من القرآن ويقول: «إذا هُمَّ أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة، ثم ليقل: اللهم إني أستخيرك بعلمك وأستقدرك بقدرتك وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر وتعلم ولا أعلم، وأنت علام الغيوب، اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر - ويسميه باسمه - خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري - أو قال: عاجل أمري وآجله، فاقدره لي ويسره لي فيه»!

стр. 1111

ثم بارك لي فيه، اللهم وإن كنت تعلم أنه شر لي في ديني ودنياي ومعاشي وعاقبة أمري؛ فاصرفني عنه واصرفه عني، واقدر لي الخير حيث كان، ثم رضني به».» (١). وقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ﴾ أي: يئسوا من مشابهة المسلمين لما تميز به المسلمون من هذه الصفات المخالفة للشرك وأهله، ولهذا قال تعالى أمرًا لعباده (٢) المؤمنين أن يصبروا ويثبتوا في مخالفة الكفار، ولا يخافوا أحدًا إلا الله، فقال تعالى: ﴿فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي﴾ [البقرة: ١٥٠] أي: لا تخافوهم في مخالفتكم إياهم واخشوني أنصركم عليهم وأبيدهم (٣) وأظفركم بهم، واشف صدوركم منهم، وأجعلكم فوقهم في الدنيا والآخرة وقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ هذه أكبر نعم الله تعالى على هذه الأمة، حيث أكمل تعالى لهم دينهم فلا يحتاجون إلى دين غيره، ولا إلى نبي غير نبيهم صلوات الله وسلامه عليه، ولهذا جعله الله تعالى خاتم الأنبياء وبعثه إلى الإنس والجن فلا حلال إلا ما أحله، ولا حرام إلا ما حرمه، ولا دين إلا ما شرعه وكل شيء أخبر به فهو الحق والصدق (٤) لا كذب فيه ولا خلف، كما قال تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ [الأنعام: ١١٥] أي: صدقًا في الأخبار، وعدلًا في الأوامر والنواهي، فلما أكمل لهم الدين تمت عليهم النعمة، ولهذا قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ أي: فارضوه أنتم لأنفسكم، فإنه الدين الذي أحبه (٥) ورضيه وبعث به أفضل الرسل الكرام، وأنزل به أشرف كتبه، وبعد هذه الآية لا يحتاج المؤمنون المسلمون إلى زيادة أبدًا، قد أتم الله الإسلام فلا ينقصه أبدًا، وقد رضيه فلا يسخطه أبدًا، وقد نزلت هذه الآية يوم عرفة، ولم ينزل بعدها حلال ولا حرام، ومات رسول الله ﷺ بعد عرفة بأحد وثمانين يومًا. روى الإمام أحمد عن طارق بن شهاب قال: «جاء رجل من اليهود إلى

стр. 1112

عُمرُ بنُ الخطّابِ فقالَ: يا أميرَ المؤمنينَ، إنكمْ تقرأونَ آيةً في كِتابِكم لو علينا معشرَ اليهودِ نزلتْ لاتّخذنا ذلك اليوم عيدًا، قال: وأيُّ آية؟ قال: قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ فقال عمرُ: والله إني لأعلم اليوم الذي نزلت على رسول الله ﷺ والساعة التي نزلت فيها على رسول الله ﷺ : عشية عرفة في يوم جمعة». ورواه الستة إلا أبا داود وابن ماجه (١). وقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أي: فمن احتاج إلى تناول شيء من هذه المحرمات التي ذكرها الله تعالى لضرورة ألجأته إلى ذلك، فله تناوله (٢)، والله غفور رحيم له؛ لأنه تعالى يعلم حاجة عبده المضطر وافتقاره إلى ذلك، فيتجاوز عنه ويغفر له» (٣). قال القاسمي في فوائده المتعلقة بهذه الآية ما نصه: «الثالثة: قال صاحب «فتح البيان» (٤): لا معنى للإكمال في الآية إلا وفاء النصوص بما يحتاج إليه الشرع، إما بالنص على كل فرد فرد، أو باندراج ما [يحتاجون] (٥) إليه تحت العمومات الشاملة، ومما يؤيد ذلك قوله تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨]، وقوله: ﴿وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام: ٥٩] وقد صح عنه ﷺ أنه قال: تركتكم على [الواضحة] (٦) ليلها كنهارها» (٧).

стр. 1113

وجاءت نصوص الكتاب العزيز بإكمال الدين، وبما يفيد هذا المعنى، ويصحح (١) دلالته ويؤيد برهانه، ويكفي في دفع الرأي وأنه ليس من الدين [قول الله تعالى هذا] (٢)، فإنه إذا كان الله قد أكمل دينه قبل أن يقبض إليه نبيه ﷺ ، فما هذا الرأي الذي أحدثه أهله بعد أن أكمل الله دينه؟ لأنه إن كان من الدين في اعتقادهم - فهو لم يكمل عندهم إلا برأيهم، وهذا فيه ردّ للقرآن، وإن لم يكن من الدين، فأي فائدة في الاشتغال بما ليس منه؟ وما ليس منه فهو ردّ

стр. 1114

بنص السنة المطهرة - كما ثبت في «الصحيح» (١). وهذه حجة قاهرة ودليل باهر لا يمكن أهل الرأي أن يدفعوه بدافع أبدًا، فاجعل هذه الآية الشريفة أول ما تصك به وجوه أهل الرأي، وترغم به أنفهم (٢)، وتدحض به حجتهم، فقد أخبرنا الله (٣) في محكم كتابه أنه أكمل دينه، ولم يمت رسول الله ﷺ إلا بعد أن أخبرنا بهذا الخبر عن الله، فمن جاء بشيء من عند نفسه وزعم أنه من ديننا قلنا له: إن الله أصدق منك؛ ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ [النساء: ١٢٢] اذهب لا حاجة لنا في رأيك وليت المقلدة فهموا هذه الآية حق الفهم حتى يستريحوا ويريحوا. وقد أخبرنا الله في محكم كتابه أن القرآن أحاط بكل شيء علمًا فقال: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨]، وقال: ﴿تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً﴾ [النحل: ٨٩]. ثم أمر عباده بالحكم بكتابه فقال: ﴿وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [المائدة: ٤٨]، وقال: ﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ [النساء: ١٠٥] وقال: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ﴾ [الأنعام: ٥٧]، وقال: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُم بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤] وفي آية ﴿هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة: ٤٥] وفي أخرى: ﴿هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٤٧] وأمر عباده أيضًا في محكم كتابه باتباع ما جاء به رسوله ﷺ فقال: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا﴾ [الحشر: ٧] وهذه أعم آية في القرآن وأبينها في الأخذ بالسنة المطهرة. وقال: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ وقد تكرر هذا في مواضع من الكتاب العزيز. وقال: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [النور: ٥١] وقال: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١]. والاستكثار من الاستدلال على وجوب طاعة الله وطاعة رسوله لا يأتي بعائدة ولا فائدة زائدة، فليس أحد من المسلمين يخالف في ذلك، ومن أنكره فهو خارج عن حزب المسلمين، وإنما أوردنا هذه الآيات الكريمة والبينات

стр. 1115

العظيمة تليينًا لقلب المقلد الذي جمد وصار كالجلمود (١)، فإنه إذا سمع مثل هذه الأوامر القرآنية، ربما امتثلها وأخذ دينه من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ طاعة لأوامره، فإن هذه الطاعة وإن كانت معلومة لكل مسلم، لكن الإنسان قد يذهل عن القوارع الفرقانية والزواجر المحمدية، فإذا ذُكِّر بها ذكر، ولا سيما من نشأ على التقليد، وأدرك سلفه ثابتين عليه غير متزحزحين عنه فإنه يقع في قلبه أن دين الإسلام هو هذا الذي هو عليه، وما كان مخالفًا له فليس من الإسلام في شيء، فإذا راجع نفسه رجع، ولهذا تجد الرجل إذا نشأ على مذهب من هذه المذاهب، ثم سمع - قبل أن يتمرن (٢) بالعلم ويعرف ما قاله الناس - خلاف ذلك المألوف، استنكره وأباه قلبه، ونفر عنه طبعه، وقد رأينا وسمعنا من هذا الجنس ما لا يأتي عليه الحصر. ولكن إذا وازن العاقل بعقله بين من اتبع أحد أئمة المذاهب في مسألة من مسائله التي رواها عنه المقلد ولا مستند لذلك العالم فيها، بل قالها بمحض الرأي لعدم وقوفه على الدليل، وبين من تمسك في تلك المسألة بخصوصها بالدليل الثابت في القرآن والسنة، أفاده العقل بأن بينهما مسافات تنقطع فيها أعناق الإبل، لا جامع بينهما؛ لأن من تمسك بالدليل أخذ بما أوجب الله عليه الأخذ به، واتبع ما شرعه الشارع لجميع الأمة، أولها وآخرها وحيها وميتها، والعالم يمكنه الوقوف على الدليل من دون أن يرجع إلى غيره، والجاهل يمكنه الوقوف على الدليل بسؤال علماء الشريعة واسترواء النص، وكيف حكم الله في محكم كتابه أو على لسان رسوله في تلك المسألة فيفيدونه النص إن كان ممن يعقل الحجة إذا دل عليها، أو يفيدونه مضمون النص بالتعبير عنه بعبارة يفهمها، فهم رواة وهو مسترو وهذا عامل بالرواية؛ لا بالرأي، والمقلد عامل بالرأي لا بالرواية؛ لأنه يقبل قول الغير من دون أن يطالبه بحجة، وذاك في سؤاله يطالب بالحجة لا بالرأي، فهو قابل لرواية الغير لا لرأيه، وهما من هذه الحيثية متقابلان؟! فانظر كم الفرق بين المنزلتين؟! والكلام في ذلك يطول ويستدعي استغراق الأوراق الكثيرة، وهو مبسوط في مواطنه، وفيما ذكرناه مقنع وبلاغ، وبالله التوفيق» (٣).

стр. 1116

فصل قال محمد تقي الدين: كل من يدعو إلى توحيد الله بصدق وإخلاص يعطيه الله تعالى كرامات لا حد لها، كما أعطى أبا أمامة هذه الكرامة لما منعوه الشراب والطعام سقاه الله تعالى في المنام شربة أشبعته وأروته، اللهم ارزقنا الإخلاص في الدعوة إليك، وافتح لنا القلوب المقفلة، والأبواب المغلقة فأنت الغني الكريم. وقوله: «وهو يدل على أن جوارح الصيد إذا أكلت مما اصطادته لم يحل» جوارح الصيد هي الكلاب والبزاة والصقور التي يستعملها الصيادون»، قال الله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُم مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [المائدة: ٤] وقال النبي ﷺ : «إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله عليه فكل» (١) أو كما قال النبي ﷺ : «والتكليب هو تعليم الكلاب أن تصيد الوحوش، فما صاده الكلب المعلم جاز أكله وإن وجد ميتًا، وما صاده الكلب غير المعلم أو الناقص التعليم إذا أدركت حياته وذبح فسال منه الدم وحرك يدًا أو رجلًا فهو حلال، وأما إذا لم تدرك ذكاته فإنه لا يحل، وعلامة الكلب المعلم أن ترسله على الصيد ثم تدعوه فيرجع، فهذا يصيد لك، فإن لم يرجع فإنما يصيد لنفسه. قوله: ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ تقدم في (الجزء الأول) من سبيل الرشاد»، أن الذبح بقصد التعظيم عبادة، فمن ذبح على قبة أو قبر أو شجرة أو حجر أو عين ماء أو ذبح للجنية عائشة قنديشة أو لزميلتها مسعودة أو للشيخ جمعة - وهو اسم جني يعبده جهال المصريين - أو لميمون بن شمهروش - وهو من معبودات المغاربة - أو ذبح للجن بدون تعيين بعد نهاية بناء دار لئلا يؤذوه، أو ذبح على أهل بيت ليزوجوه ابنتهم، كل ذلك شرك وكفر، وأكل تلك الذبيحة حرام؛ لأن كل ذلك مما أهل به لغير الله وإن ذكر اسم الله عليها؛ لأن الأعمال إنما هي بالنيات وهم قد قصدوا تعظيم تلك البقعة بالذبح. اهـ.

стр. 1117

فصل قال محمد تقي الدين: الاستقسام بالأزلام موجود عند الشعوب الجاهلة بما جاء به الأنبياء والمرسلون من توحيد الله تعالى واعتقاد أنه لا يعلم الغيب غيره، والمجرمون المحتالون يستغلون جهل الشعوب فيستقسمون لهم بالأزلام بطرق مختلفة، منها ما ذكر في تفسير هذه الآية، ومنها في هذا الزمان شيء يسمى (قرعة الأنبياء) وهو جدول كل بيت من بيوته فيه اسم نبي، فيجيء الجاهل أو الجاهلة إلى الكاهن فيضع له الجدول ويقول: غمض عينيك وضع أصبعك فيضع أصبعه، فإن أصابت سهم آدم أو نوح أو إبراهيم أو موسى يقرأ عليه ما كتب من القصة، فيخبره بأنه سيجري عليه من المصائب أو النعم تقريبا مثل ما جرى على ذلك النبي، ويزيد في ذلك ويزخرف القول ويجعل النتيجة حسنة والعاقبة حميدة، فيأخذ منه شيئًا من الدراهم على هذا التكهن، وبعضهم يستعمل خط الرمل وبعض الكهان يبيتون. ولما زرت بلاد شرقي الحجاز وأوائل نجد وجدت عندهم كاهنات إذا أراد شخص أن يتزوج أو يسافر أو يتجر في شيء يأتي إلى الكاهنة ويقدم لها الحلوان ولا يكون أقل من بعير، فتبيت له وفي الصبح تخبره وتأمره بالإقدام أو الإحجام، وهؤلاء القوم من أهل البادية لم تبلغهم دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، فدعوتهم إلى توحيد الله وسنة رسول الله، وكان معي أحد أمراء تلك النواحي: ماجد بن موكد أمير النخيل، وقد جاء الإسلام بالاستخارة المذكورة في حديث جابر وقد تقدم، وقد قال النبي ﷺ : «ليس منا من تكهن أو تكهن له، أو تطير أو تطير له» (١). قوله: «واخشون أنصركم عليهم» كل من خاف الله خوف الله منه كل شيء، ومن لم يخف الله خوفه الله من كل شيء، وقد رأينا تاريخ الإسلام وتتبعناه من أوله، فرأينا المسلمين حين كانوا يخافون الله نصرهم الله في كل معركة وفي كل مكان،

стр. 1118

فلما قلّ خوفهم من الله قلّ انتصارهم وفي هذا الزمان انعدم انتصارهم، وصاروا عبرة لأولي الأبصار وأصيبوا بذل لم ير التاريخ مثله، وصدق العظيم القائل في سورة القتال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ (٧) وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ (٨) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾. فصل وبهذه الآية وما كتب في تفسيرها تعلم أيها القارئ الموفق والمستمع المهتدي أن التمذهب كله شر وبدعة من أقبح البدع، وحسب أهله ضلالًا أنهم تفرقوا في دينهم، وليسوا من الله في شيء، ورسوله ليس منهم في شيء، والواجب على كل مسلم أن يكون في أمور الدين كما كان أصحاب رسول الله ﷺ إمام واحد، ودين واحد، وأمة واحدة، وإله واحد لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون، لا مذاهب، لا طرائق متصوفة (١)، لا أحزاب سياسية وحسبنا حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون. قال الشاطبي في «الاعتصام»: «قال مالك ﵀: «من ابتدع في الإسلام بدعة يراها حسنة فقد زعم أن محمدًا ﷺ خان الرسالة؛ [لأني سمعت الله] (٢) يقول: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ وما لم يكن يومئذ دينًا [ًا] (٣) يكون اليوم دينًا» (٤)، ومن المعلوم أن التمذهب واتباع طرائق الصوفية ولبس الخرقة واتخاذ الأوراد والاجتماع للذكر بلسان واحد كما يفعل اليهود والنصارى في كنائسهم، والتفرق إلى أحزاب متناطحة، والاجتماع على الرقص والغناء وآلات اللهو والمكاء والتصدية كأصوات الحيوان ونسبة ذلك إلى دين الله إفك مبين، وبناء القباب على القبور والذبح عليها والنذر لها واتخاذها مواسم وأعيادًا، كل ذلك لم يكن في زمن النبي ﷺ دينًا، فلن يكون دينًا أبدًا. قال الحافظ أبو عمر يوسف بن عبد البر النمري في كتابه «جامع بيان

стр. 1119

العلم وفضله في (الجزء الثاني) (صفحة ١٠٩) ما نصه: «قد ذم الله ﵎ التقليد في غير موضع من كتابه فقال: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣١]» (١). ثم ذكر الآيات والآثار التي تقدم ذكرها في (الباب الرابع) من (سورة البقرة)، و (الباب الأول) من (سورة النساء)، ومضى إلى أن قال فيما رواه بسنده عن الحسين بن علي من آل علي بن أبي طالب: «وكان أفضل [أهل زمانه] (٢): تريد تنام على ذي الشبه … وعلك إن نمت لم تَنْتَبِه فجاهد وقلد كتاب الإله … لتلقى الإله إذا مت به فقد قلد الناس رهبانهم … وكلُّ يجادل عن راهبه وللحقِّ مُسْتَنبِطُ واحدٌ … وكلُّ يرى الحق في مذهبه [ففيما] (٣) أرى عجب غير أن … بيان التفرق من أعجبه» ثم قال: «ولم تختلف العلماء أن العامة عليها تقليد علمائها وأنهم المرادون بقول الله : ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣]، وأجمعوا على أن الأعمى لا بد له من تقليد غيره ممن يثق بميزه [للقبلة] (٤) إذا أشكلت عليه، فكذلك من لا علم له ولا بصر بمعنى ما يدين به لا بد له من تقليد عالمه، وكذلك لم يختلف العلماء أن العامة لا يجوز لها الفتيا، وذلك - والله أعلم - لجهلها بالمعاني التي منها يجوز التحليل والتحريم والقول في العلم، وقد نظمت في التقليد وموضعه أبياتًا رجوتُ في ذلك جزيل الأجر لما علمت أن من الناس من يسرع إليه حفظ المنظوم ويتعذر عليه المنثور، وهي من قصيدة لي (٥): يا سائلي عن موضع التقليد خُذْ … مني (٦) الجواب بفهم لُبِّ حاضر واصغ (٧) إلى قولي ودن بنصيحتي … واحفظ علي بوادري ونوادري

стр. 1120

لا فرق بين مقلد وبهيمة … تنقاد بين جنادل ودعائر تبا لقاض أو لمفت لا يرى … عللا ومعنى للمقال السائر فإذا اقتديت فبالكتاب وسنة المبعـ … ـوث بالدين الحنيف الطاهر ثم الصحابة عند عدمك سنة … فأولاك أهل نهى وأهل بصائر وكذاك إجماع الذين يلونهم … من تابعيهم كابرا عن كابر إجماع أمتنا وقول نبينا … مثل النصوص [لذا] (١) الكتاب الزاهر وكذا المدينة حجة إن أجمعوا … متتابعين أوائلا بأواخر وإذا الخلاف أتى فدونك فاجتهد … ومع الدليل فمل بفهم وافر وعلى الأصول فقس فروعك لا تقس … فرعا بفرع كالجهول الحائر والشر ما فيه فديتك أسوة … فانظر ولا تحفل بزلة ماهر ثم روى أبو عمر من طريق ابن وهب صاحب مالك عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «من قال علي ما لم أقل فليتبوأ مقعده من النار، ومن استشار أخاه فأشار عليه بغير رشده فقد خانه، ومن أفتى بفتيا عن غير ثبت (٢) فإنما إثمها على من أفتاه» (٣) (٤). قال محمد تقي الدين: جميع المفتين بالتقليد من كتب الفروع المذهبية [ينطبق عليهم] (٥) هذا الأثر الذي أوعد به رسول الله ﷺ ، ثم قال أبو عمر: «وقد احتج جماعة من الفقهاء وأهل النظر على من أجاز التقليد بحجج نظرية عقلية بغير (٦) ما تقدم، فأحسن ما رأيت من ذلك قول المزني ﵀ وأنا أورده قال: «يقال لمن حكم بالتقليد: هل لك من حجة فيما (٧) حكمت به؟ فإن قال:

стр. 1121

نعم. أبطل التقليد؛ لأن الحجة أوجبت ذلك عنده لا التقليد. وإن قال: حكمت فيه بغير حجة، قيل له: فلم أرقت الدماء وأبحت الفروج وأتلفت الأموال وقد حرَّم الله ذلك إلا بحجة؟ قال : ﴿إِنَّ (١) عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا﴾ [يونس: ٣٨] أي من حجة بهذا، [قال] (٢): فإن قال: أنا أعلم أني قد أصبت وإن لم أعرف الحجة، لأني قلدت كبيرًا من العلماء، وهو لا يقول إلا بحجة خَفِيَتْ عليَّ، قيل له: إذا جاز [لك] (٢) تقليد معلمك لأنه لا يقول إلا بحجة خفيت عليك [فقلد] (٣) معلّم معلمك (٤) [فإنه] (٥) لا يقول إلا بحجة خفيت [عليك] (٦)؛ فإن قال: نعم، ترك تقليد [معلمه إلى تقليد] (٢) معلم معلمه، وكذلك من هو أعلى حتى ينتهى [الأمر] (٢) إلى أصحاب رسول الله ﷺ ، وإن أبي ذلك نقض قوله، وقيل له: كيف [تجوّز] (٧) تقليد من هو أصغر [منك] (٢) وأقل علمًا، ولا [تجوز] (٧) تقليد من هو أكبر [منك] (٢) وأكثر علمًا؟ وهذا [متناقض] (٨). فإن قال: لأن معلمي وإن كان أصغر فقد جمع علم من هو فوقه إلى علمه فهو أبصر بما أخذ وأعلم بما ترك، قيل له: وكذلك من تعلم من معلمك فقد جمع علم معلمك وعلم من فوقه إلى علمه فيلزمك تقليده وترك تقليد معلمك، وكذلك أنت أولى أن تقلد نفسك من معلمك، لأنك جمعت علم معلمك وعلم من فوقه إلى علمك، فإن [أعاد] (٩) قوله جعل الأصغر ومن يحدث من صغار العلماء أولى بالتقليد من أصحاب رسول الله ﷺ ، وكذلك الصاحب عنده يلزمه تقليد التابع والتابع من دونه في قياس قوله والأعلى الأدنى أبدًا. وكفى بقول يؤول إلى هذا قبحًا وفسادًا». قال أبو عمر: وقال أهل العلم والنظر: حد العلم التبيين وإدراك المعلوم على ما هو [به] (١٠)، فمن بان له الشيء فقد علمه، قالوا: والمقلد لا علم له ولم يختلفوا في ذلك، ومن هنا والله أعلم قال البحتري (١١):

стр. 1122

عُرِفَ العالِمون فَضلَكَ بِالعِلم … وَقالَ الجُهّالُ بِالتَّقليدِ وَأَرى الناس [مُجمِعَين] (١) عَلى … فَضلِكَ مِنْ بَينِ سَيِّدٍ وَمَسودِ وقال أبو عبد الله بن خويز [مِنْداد] (٢) البصري المالكي: «التقليد معناه في الشرع الرجوع إلى قول لا حجة لقائله عليه، و [ذلك] (٣) ممنوع منه في الشريعة، والاتباع ما ثبت عليه حجة». وقال في موضع آخر من كتابه: «كل من اتبعت قوله من غير أن يجب عليك قبوله (٤) لدليل يوجب ذلك فأنت مقلده، والتقليد في دين الله غير صحيح، وكل من أوجب عليك الدليل اتباع قوله فأنت متبعه». (٥) الباب الثاني قوله تعالى: ﴿يَاأَهْلَ الكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُم مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُم مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ، وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [المائدة: ١٥. ١٦] قال (ك): «يقول تعالى مخبرًا عن نفسه الكريمة أنه قد أرسل رسوله محمدًا ﷺ بالهدى ودين الحق إلى جميع أهل الأرض عربهم وعجمهم أميهم وكتابيهم، وأنه بعثه بالبينات والفرق بين الحق والباطل فقال: ﴿يَاأَهْلَ الكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ أي: يبين ما بدلوه وحرّفوه وأولوه وافتروا على الله فيه، ويسكت عن كثير مما غيروه ولا فائدة في بيانه. وقد روى الحاكم في «مستدركه» (٦) بسنده عن ابن عباس ﵁ قال: «من كفر بالرجم فقد كفر بالقرآن من حيث لا يحتسب قوله: ﴿يَاأَهْلَ الكِتَابِ قَدْ

стр. 1123

جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ﴾ فكان الرجم مما أخفوه». ثم قال: «صحيح ولم يخرجاه». ثم أخبر تعالى عن القرآن العظيم الذي أنزله على نبيه الكريم فقال: ﴿قَدْ جَاءَكُم مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ﴾ أي: طريق النجاة والسلامة ومناهج الاستقامة ﴿وَيُخْرِجُهُم مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ أي ينجيهم من المهالك، ويوضح لهم أبين المسالك فيصرف عنهم المحذور، ويحصل لهم أحب الأمور، وينفي عنهم الضلالة ويرشدهم إلى أقوم حالة» (١). فصل قال محمد تقي الدين: قال جمال الدين القاسمي في «تفسيره» عند قوله تعالى: ﴿وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [المائدة: ١٥] ما نصه: «وفي هذه الآية بيان معجزة له ﷺ ، فإنه لم يقرأ كتابًا ولم يتعلم علمًا من أحد، فإخباره بأسرار ما في كتابهم إخبار عن الغيب، فيكون معجزًا» (٢). وقد أجاد الله كل الإجادة، فلو أن شخصًا في هذا الزمان الذي سهلت فيه دراسة اللغات والعلوم أراد أن ينتقد كتب اليهود والنصارى المقدسة عندهم وعند المسلمين في الجملة لاحتاج إلى ذكاء خارق وجهود مضنية وسنين كثيرة؛ ليطلع على ما يخفونه ولا يحبون أن يطلع عليه غيرهم من السوآت والمخازي، فإذا وجد شخص في زمان لم تكن فيه مدارس حرة ولا جامعات، وكانت الدراسة محتكرة عند أهل كل دين لا يسمحون بتعلم كتابهم المقدس عندهم إلا للخاصة، وهذا الشخص ليس يهوديًا ولا نصرانيًا، ولا يوجد في بلده أحد من اليهود والنصارى ثم أخبر بما يخفونه ولا يطلع عليه إلا خاصتهم لكان ذلك من أكبر المعجزات وخوارق العادات، وخصوصًا بعد ما جاورهم النبي ﷺ في المدينة وأخذ يفضحهم ويبين ما يخفونه كآية الرجم. وفي «صحيح البخاري» (٣) أن يهوديًا زنى بيهودية فاختلف علماء اليهود في

стр. 1124

عقابهما، فرفعوا أمرهما إلى النبي محمد ﷺ ليمتحنوه من جهة وليفصل النزاع من جهة أخرى، وقبل أن يحكم في هذه القضية سألهم: «ما تجدون في كتابكم؟ قالوا: نسخم وجوههما ونطوف بهما ليفتضح أمرهما وحسبهما ذلك عقابا. فقال لهم النبي ﷺ : كذبتم! عقابهما في كتابكم الرجم بالحجارة حتى يموتا». فقالوا: هذا لا يوجد في كتابنا. فأمرهم بإخراج التوراة وقراءتها فأتوا بها وجعل أحد علمائهم يقرأها، وعبد الله بن سلام ﷺ حاضر وقد وضع اليهودي يده على آية الرجم، فقال له عبد الله بن سلام: ارفع يدك، فافتضح أمرهم فأمر النبي ﷺ برجمهما، فرجما حتى ماتا. وفي قصة إسلام عبد الله بن سلام ﷺ برهان قاطع على أن الذي يعلم محمدا ﷺ بما في كتب اليهود هو الله وحده لا شريك له، فإن عبد الله بن سلام كان أعلم اليهود في المدينة وكان أبوه كذلك، فلم يزل ينقب في التوراة ويختار أصعب المسائل فيلقيها على النبي ﷺ فينزل عليه الوحي ويجيبه عنها حتى أيقن أن أمر محمد صلوات الله وسلامه عليه رباني لا حيلة فيه فقال عند ذلك: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله، ثم قال: يا رسول الله إن اليهود قوم بهت، وإني أريد أن تسألهم عني قبل أن يطلعوا على إسلامي؛ فخبأه النبي ﷺ ثم دعا رؤساء اليهود وعلماءهم، وقال لهم: «ما تقولون في عبد الله بن سلام؟». فقالوا كلهم: سيدنا وابن سيدنا، واعلمنا وابن أعلمنا فقال: «أرأيتم لو أسلم»؟ يعني: أتسلمون، فقالوا: أعاذه الله من ذلك؟ فقال رسول الله: «يا عبد الله اخرج». فخرج من مخبئه، وقال: «أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله». فقالوا: أجهلنا وابن أجهلنا، وأرذلنا وابن أرذلنا (١). فتناقضوا في الحين، وكذبوا أنفسهم تعصبا منهم للباطل. فصل إذا؛ علم أن من اتبع رضوان الله لا بد أن يتبع النور والكتاب المبين، ولا

стр. 1125

يقلد في دين الله أحدًا ولا يشرك بالله شيئًا ولا يبتدع في دين الله مثقال ذرة، وحينئذ فقط يُهدى سبل السلام ويخرج من الظلمات إلى النور بإذن الله ويهدى إلى صراط مستقيم. اهـ. الباب الثالث قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُم بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (٤٤) وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنفَ بِالْأَنفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُم بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٤٥) وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِم بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الْإِنجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (٤٦) وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُم بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤٧) وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِن لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٤٨) وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنْزَلَ اللهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ (٤٩) أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة: ٤٤ - ٥٠]
следующие страницы →