← Акыда

Акыда · id 30197

سبيل الرشاد في هدي خير العباد

محمد تقي الدين الهلالي

Полный текст (2 277 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.

стр. 1121

نعم. أبطل التقليد؛ لأن الحجة أوجبت ذلك عنده لا التقليد. وإن قال: حكمت فيه بغير حجة، قيل له: فلم أرقت الدماء وأبحت الفروج وأتلفت الأموال وقد حرَّم الله ذلك إلا بحجة؟ قال : ﴿إِنَّ (١) عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا﴾ [يونس: ٣٨] أي من حجة بهذا، [قال] (٢): فإن قال: أنا أعلم أني قد أصبت وإن لم أعرف الحجة، لأني قلدت كبيرًا من العلماء، وهو لا يقول إلا بحجة خَفِيَتْ عليَّ، قيل له: إذا جاز [لك] (٢) تقليد معلمك لأنه لا يقول إلا بحجة خفيت عليك [فقلد] (٣) معلّم معلمك (٤) [فإنه] (٥) لا يقول إلا بحجة خفيت [عليك] (٦)؛ فإن قال: نعم، ترك تقليد [معلمه إلى تقليد] (٢) معلم معلمه، وكذلك من هو أعلى حتى ينتهى [الأمر] (٢) إلى أصحاب رسول الله ﷺ ، وإن أبي ذلك نقض قوله، وقيل له: كيف [تجوّز] (٧) تقليد من هو أصغر [منك] (٢) وأقل علمًا، ولا [تجوز] (٧) تقليد من هو أكبر [منك] (٢) وأكثر علمًا؟ وهذا [متناقض] (٨). فإن قال: لأن معلمي وإن كان أصغر فقد جمع علم من هو فوقه إلى علمه فهو أبصر بما أخذ وأعلم بما ترك، قيل له: وكذلك من تعلم من معلمك فقد جمع علم معلمك وعلم من فوقه إلى علمه فيلزمك تقليده وترك تقليد معلمك، وكذلك أنت أولى أن تقلد نفسك من معلمك، لأنك جمعت علم معلمك وعلم من فوقه إلى علمك، فإن [أعاد] (٩) قوله جعل الأصغر ومن يحدث من صغار العلماء أولى بالتقليد من أصحاب رسول الله ﷺ ، وكذلك الصاحب عنده يلزمه تقليد التابع والتابع من دونه في قياس قوله والأعلى الأدنى أبدًا. وكفى بقول يؤول إلى هذا قبحًا وفسادًا». قال أبو عمر: وقال أهل العلم والنظر: حد العلم التبيين وإدراك المعلوم على ما هو [به] (١٠)، فمن بان له الشيء فقد علمه، قالوا: والمقلد لا علم له ولم يختلفوا في ذلك، ومن هنا والله أعلم قال البحتري (١١):

стр. 1122

عُرِفَ العالِمون فَضلَكَ بِالعِلم … وَقالَ الجُهّالُ بِالتَّقليدِ وَأَرى الناس [مُجمِعَين] (١) عَلى … فَضلِكَ مِنْ بَينِ سَيِّدٍ وَمَسودِ وقال أبو عبد الله بن خويز [مِنْداد] (٢) البصري المالكي: «التقليد معناه في الشرع الرجوع إلى قول لا حجة لقائله عليه، و [ذلك] (٣) ممنوع منه في الشريعة، والاتباع ما ثبت عليه حجة». وقال في موضع آخر من كتابه: «كل من اتبعت قوله من غير أن يجب عليك قبوله (٤) لدليل يوجب ذلك فأنت مقلده، والتقليد في دين الله غير صحيح، وكل من أوجب عليك الدليل اتباع قوله فأنت متبعه». (٥) الباب الثاني قوله تعالى: ﴿يَاأَهْلَ الكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُم مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُم مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ، وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [المائدة: ١٥. ١٦] قال (ك): «يقول تعالى مخبرًا عن نفسه الكريمة أنه قد أرسل رسوله محمدًا ﷺ بالهدى ودين الحق إلى جميع أهل الأرض عربهم وعجمهم أميهم وكتابيهم، وأنه بعثه بالبينات والفرق بين الحق والباطل فقال: ﴿يَاأَهْلَ الكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ أي: يبين ما بدلوه وحرّفوه وأولوه وافتروا على الله فيه، ويسكت عن كثير مما غيروه ولا فائدة في بيانه. وقد روى الحاكم في «مستدركه» (٦) بسنده عن ابن عباس ﵁ قال: «من كفر بالرجم فقد كفر بالقرآن من حيث لا يحتسب قوله: ﴿يَاأَهْلَ الكِتَابِ قَدْ

стр. 1123

جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ﴾ فكان الرجم مما أخفوه». ثم قال: «صحيح ولم يخرجاه». ثم أخبر تعالى عن القرآن العظيم الذي أنزله على نبيه الكريم فقال: ﴿قَدْ جَاءَكُم مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ﴾ أي: طريق النجاة والسلامة ومناهج الاستقامة ﴿وَيُخْرِجُهُم مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ أي ينجيهم من المهالك، ويوضح لهم أبين المسالك فيصرف عنهم المحذور، ويحصل لهم أحب الأمور، وينفي عنهم الضلالة ويرشدهم إلى أقوم حالة» (١). فصل قال محمد تقي الدين: قال جمال الدين القاسمي في «تفسيره» عند قوله تعالى: ﴿وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [المائدة: ١٥] ما نصه: «وفي هذه الآية بيان معجزة له ﷺ ، فإنه لم يقرأ كتابًا ولم يتعلم علمًا من أحد، فإخباره بأسرار ما في كتابهم إخبار عن الغيب، فيكون معجزًا» (٢). وقد أجاد الله كل الإجادة، فلو أن شخصًا في هذا الزمان الذي سهلت فيه دراسة اللغات والعلوم أراد أن ينتقد كتب اليهود والنصارى المقدسة عندهم وعند المسلمين في الجملة لاحتاج إلى ذكاء خارق وجهود مضنية وسنين كثيرة؛ ليطلع على ما يخفونه ولا يحبون أن يطلع عليه غيرهم من السوآت والمخازي، فإذا وجد شخص في زمان لم تكن فيه مدارس حرة ولا جامعات، وكانت الدراسة محتكرة عند أهل كل دين لا يسمحون بتعلم كتابهم المقدس عندهم إلا للخاصة، وهذا الشخص ليس يهوديًا ولا نصرانيًا، ولا يوجد في بلده أحد من اليهود والنصارى ثم أخبر بما يخفونه ولا يطلع عليه إلا خاصتهم لكان ذلك من أكبر المعجزات وخوارق العادات، وخصوصًا بعد ما جاورهم النبي ﷺ في المدينة وأخذ يفضحهم ويبين ما يخفونه كآية الرجم. وفي «صحيح البخاري» (٣) أن يهوديًا زنى بيهودية فاختلف علماء اليهود في

стр. 1124

عقابهما، فرفعوا أمرهما إلى النبي محمد ﷺ ليمتحنوه من جهة وليفصل النزاع من جهة أخرى، وقبل أن يحكم في هذه القضية سألهم: «ما تجدون في كتابكم؟ قالوا: نسخم وجوههما ونطوف بهما ليفتضح أمرهما وحسبهما ذلك عقابا. فقال لهم النبي ﷺ : كذبتم! عقابهما في كتابكم الرجم بالحجارة حتى يموتا». فقالوا: هذا لا يوجد في كتابنا. فأمرهم بإخراج التوراة وقراءتها فأتوا بها وجعل أحد علمائهم يقرأها، وعبد الله بن سلام ﷺ حاضر وقد وضع اليهودي يده على آية الرجم، فقال له عبد الله بن سلام: ارفع يدك، فافتضح أمرهم فأمر النبي ﷺ برجمهما، فرجما حتى ماتا. وفي قصة إسلام عبد الله بن سلام ﷺ برهان قاطع على أن الذي يعلم محمدا ﷺ بما في كتب اليهود هو الله وحده لا شريك له، فإن عبد الله بن سلام كان أعلم اليهود في المدينة وكان أبوه كذلك، فلم يزل ينقب في التوراة ويختار أصعب المسائل فيلقيها على النبي ﷺ فينزل عليه الوحي ويجيبه عنها حتى أيقن أن أمر محمد صلوات الله وسلامه عليه رباني لا حيلة فيه فقال عند ذلك: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله، ثم قال: يا رسول الله إن اليهود قوم بهت، وإني أريد أن تسألهم عني قبل أن يطلعوا على إسلامي؛ فخبأه النبي ﷺ ثم دعا رؤساء اليهود وعلماءهم، وقال لهم: «ما تقولون في عبد الله بن سلام؟». فقالوا كلهم: سيدنا وابن سيدنا، واعلمنا وابن أعلمنا فقال: «أرأيتم لو أسلم»؟ يعني: أتسلمون، فقالوا: أعاذه الله من ذلك؟ فقال رسول الله: «يا عبد الله اخرج». فخرج من مخبئه، وقال: «أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله». فقالوا: أجهلنا وابن أجهلنا، وأرذلنا وابن أرذلنا (١). فتناقضوا في الحين، وكذبوا أنفسهم تعصبا منهم للباطل. فصل إذا؛ علم أن من اتبع رضوان الله لا بد أن يتبع النور والكتاب المبين، ولا

стр. 1125

يقلد في دين الله أحدًا ولا يشرك بالله شيئًا ولا يبتدع في دين الله مثقال ذرة، وحينئذ فقط يُهدى سبل السلام ويخرج من الظلمات إلى النور بإذن الله ويهدى إلى صراط مستقيم. اهـ. الباب الثالث قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُم بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (٤٤) وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنفَ بِالْأَنفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُم بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٤٥) وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِم بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الْإِنجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (٤٦) وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُم بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤٧) وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِن لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٤٨) وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنْزَلَ اللهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ (٤٩) أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة: ٤٤ - ٥٠]

стр. 1126

قَالَ (خك) - أَي: مُختَصَر ابْن كَثِير (١) - مَا نَصه: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا﴾ أَي: لَا يخرجُونَ عَنْ حُكمهَا وَلَا يبدلونها وَلَا يحرفونها ﴿وَالْأَحْبَارُ﴾ أَي: عبادهم وعُلماؤهم ﴿بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ﴾ أَي: بِمَا استودعوا من كتاب الله الَّذِي أَمرُوا أَنْ يظهروه ويعملوا بِهِ ﴿وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ﴾ أَي: لَا تخافوهم وخافوني (٢) ﴿وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُم بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ فِيهِ قَولَانِ سَيَأْتِي بَيَانهمَا. وَقد رَوَى الْعَوْفِيّ وَعلي بن أبي طَلْحَة الوَالِبِي عَنْ ابْن عَبَّاس: «إِنْ هَذِه الْآيَات نزلت فِي اليهوديين اللَّذين زنيا» (٣) (٤). قَالَ البيضَاوي فِي «تَفْسِيره» مَا نَصه: «﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُم بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ مُستَهينًا بِهِ منكرًا لَهُ ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ لاستهانتهم بِهِ وتمردهم بِأَنْ حكمُوا بِغَيْرِهِ، وَلذَلِك وَصفهم بِقَوْلِهِ: ﴿الْكَافِرُونَ﴾ وَ ﴿الظَّالِمُونَ﴾ وَ ﴿الْفَاسِقُونَ﴾ فكفرهم لإنكاره، وظلمهم بِالْحُكم على خلافه، وفسقهم بِالْخُرُوجِ عَنهُ، وَيجوز أَنْ تَكُون (٥) كل وَاحِدَة من الصِّفَات الثَّلَاث باعتبار (٦) انضمت إِلَى الِامْتِنَاع عَنْ الْحُكم بِهِ مُلَائِمَة لَهَا ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ﴾.

стр. 1127

وفرضنا على اليهود ﴿فِيهَا﴾ في التوراة ﴿أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ أي: إن النفس تقتل بالنفس وكذلك العين مفقوءة بالعين، والأنف مجدوع بالأنف، والأذن مصلومة بالأذن، والسن مقلوعة بالسن. ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ أي: ذات قصاص، ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ﴾ من المستحقين ﴿بِهِ﴾ بالقصاص أي فمن عفا عنه ﴿فَهُوَ﴾ فالتصدق ﴿كَفَّارَةٌ لَهُ﴾ للمتصدق يكفر الله به ذنوبه ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُم بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ من القصاص وغيره ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ (١). قال ابن الجوزي في «تفسيره» ما نصه: «قوله تعالى: ﴿وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ﴾ أي: وأتبعنا على آثار النبيين الذين أسلموا ﴿بِعِيسَى﴾ فجعلناه يقفو آثارهم ﴿مُصَدِّقًا﴾ أي: بعثناه مصدقًا ﴿لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ ﴿وَآتَيْنَاهُ الإِنجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا﴾ ليس هذا تكرارًا للأول؛ لأن الأول لعيسى، والثاني للإنجيل؛ لأن عيسى كان يدعو إلى التصديق بالتوراة، والإنجيل أنزل وفيه ذكر التصديق بالتوراة وقوله تعالى: ﴿وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الإِنجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ﴾ أي: أمر أهل الإنجيل أن يحكموا بما أنزل الله فيه. وقوله تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ﴾؛ يعني القرآن ﴿بِالْحَقِّ﴾ أي: بالصدق ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ﴾ قال ابن عباس: يريد كل كتاب أنزله الله تعالى: ﴿وَمُهَيْمِنًا﴾ أي: شاهدًا» (٢)؛ قاله صاحب «اللسان» (٣)، وغيره «وهو من آمن غيره من الخوف قلبت الهمزة هاء». وفي «تفسير الجلالين» ما نصه: ﴿فَاحْكُم بَيْنَهُم﴾ بين أهل الكتاب إذا ترافعوا إليك ﴿بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ (٤) ﴿وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ﴾ عادلا ﴿عَمَّا جَاءكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ﴾ أيها الأمم ﴿شِرْعَةً﴾ شريعة ﴿وَمِنْهَاجًا﴾ طريقًا واضحًا في الدين يمشون عليه ﴿وَلَوْ شَاء اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ على شريعة واحدة ﴿وَلَكِنْ﴾ فرقكم فرقًا ﴿لِيَبْلُوَكُمْ﴾ ليختبركم ﴿فِي مَا آتَاكُمْ﴾ من الشرائع المختلفة لينظر المطيع منكم والعاصي ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ سارعوا إليها ﴿إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا﴾.

стр. 1128

بالبعث ﴿فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ من أمر الدين ويجزي كلًا منكم بعمله ﴿وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ﴾ [أن] (١) ﴿يَفْتِنُوكَ﴾، يضلوك، عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا عن الحكم المنزل وأرادوا غيره ﴿أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ﴾ بالعقوبة في الدنيا ﴿بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ﴾ التي أتوها ومنها التولي ويجازيهم على جميعها في الأخرى ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ﴾، ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ بالياء والتاء: يطلبون من المداهنة والميل إذا تولوا استفهام إنكاري ﴿وَمَنْ﴾ أي: لا أحد ﴿أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ﴾ عند قوم ﴿يُوقِنُونَ﴾ به، خصوا بالذكر لأنهم الذين يتدبرونه» (٢). فصل قال محمد تقي الدين قوله: «مستهينًا به منكرًا له» أي مستهينًا بما أنزل الله، ومنكرًا أن يكون صالحًا للحكم كأكثر حكام أهل هذا الزمان!! فإنهم يصرحون بأن الشريعة المحمدية لا تصلح للحكم في هذا الزمان (٣)، ويطبقون ذلك فعلًا، فيحكمون بقوانين مأخوذة من أعداء الإسلام ولا يقيمون شيئًا من الحدود، فهم المعنيون بهذه الآية، وقد أمر الله جميع الأنبياء وأممهم أن يحكموا بشرعه وحذرهم مع عصمتهم أن يحكموا بخلافه وهذا التحذير موجه لأممهم وناهيك أنه قال لخير خلقه: ﴿وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ الآيات، فكل أمة تعلم شريعة رسول ثم تعرض عنها فبشرها بعذاب مهين، لا تدرك خيرًا في دنياها ولا في أخراها، ويبقى غضب الله واقعًا عليها حتى ترجع إلى ما تركته من الحق. الباب الرابع الآية ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِم مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ﴾ [المائدة: ٦٦]

стр. 1129

قال (ك): ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِم مِنْ رَبِّهِمْ﴾ قال ابن عباس وغيره: هو القرآن ﴿لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ أي: لو أنهم عملوا بما في الكتب التي بأيديهم عن الأنبياء على ما هي عليه من غير تحريف ولا تبديل ولا تغيير؛ لقادهم ذلك إلى اتباع الحق والعمل بمقتضى ما بعث الله به محمدًا ﷺ ، فإن كتبهم ناطقة بتصديقه والأمر باتباعه حتمًا لا محالة. وقوله تعالى: ﴿لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾؛ يعني بذلك كثرة الرزق النازل عليهم من السماء والنابت لهم من الأرض، [وهذا] (١) كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف: ٩٦] وقال تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾ الآية [الروم: ٤١]، وقد روى الإمام أحمد وابن ماجه بإسناد صحيح عن زياد بن لبيد أنه قال: ذكر النبي ﷺ شيئًا، فقال: وذاك عند ذهاب العلم قال: قلنا: يا رسول الله وكيف يذهب العلم ونحن نقرأ القرآن ونقرئه أبناءنا، وأبناؤنا يقرئونه أبناءهم إلى يوم القيامة؟ فقال: «ثكلتك أمك يا ابن لبيد! إن كنت لأراك من أفقه رجل بالمدينة، أوليس هذه اليهود والنصارى يقرؤون التوراة والإنجيل ولا ينتفعون بما فيهما بشيء» (٢). وقوله تعالى: ﴿مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ﴾ كقوله: ﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٩] وكقوله في أتباع عيسى: ﴿فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ﴾ [الحديد: ٢٧] الآية، فجعل أعلى مقاماتهم الاقتصاد، وهو أوسط مقامات هذه الأمة، وفوق ذلك رتبة السابقين» (٣).

стр. 1130

فصل قال محمد تقي الدين: كل أمة آمنت برسولها وبجميع الرسل، وبكتابها وبسائر الكتب المنزلة، واتبعت سنة رسولها، يوسع الله رزقها وينصرها على أعدائها، وكل أمة ارتدت على أدبارها ونبذت كتاب ربها وسنة نبيها يضيق رزقها الحسي والمعنوي، وتشقى شقاء عظيمًا لا نهاية له، إلا برجوعها إلى الله وتوبتها واتباع كتاب ربها وسنة رسولها. أما قراءة القرآن المجردة بدون فهم ولا اتباع فإنها لا تزيدها إلا شرًا.

стр. 1131

سورة الأنعام الباب الأول ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (١١٤) وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ، وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١١٥) وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾ [الأنعام: ١١٤ - ١١٦] قال محمد تقي الدين: أنقل تفسير هذه الآيات من كتابي «الإلهام والإنعام في تفسير سورة الأنعام» (١) ما نصه: «تقدم أن المشركين أرادوا أن يحاكموا النبي ﷺ إلى عمه أبي طالب، فأمره الله أن يقول لهم: أفغير الله أطلب حكمًا؟ لن أفعل ذلك أبدًا، أنا لا أرضى إلا بحكم الله، والحكم هو الحاكم النزيه الذي لا يحكم إلا بالحق، وكما أن الخلق والأمر الله فالحكم الله وحده، قال تعالى في سورة يوسف: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ [يوسف: ٤٠] فأنبياء الله وأتباعهم لا يحكمون إلا بحكم الله ولا يتحاكمون إلا إلى الله، فهو وحده الحكم العدل (٢)، وكل حكم يخالف حكمه فهو

стр. 1132

باطل، قال تعالى في سورة المائدة: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة: ٥٠]. وقوله سبحانه: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا﴾؛ يعني أن الذي أنزل الكتاب وبين فيه جميع الأحكام لا يعدل عن حكمه إلا خاسر مبطل. فكيف يطمعون من نبي الله أن يرضى بحكم غير الله؟ وإنما أرسله الله ليجاهد في سبيله حتى يكون الحكم له وحده لا شريك له، وما دخل الخلل والضعف والخذلان على المسلمين إلا بعد ما جعلوا الحكم لغير الله وابتغوا غيره حَكَمًا، وجعلوا كتابه وراء ظهورهم فعاقبهم الله وجعلهم وراء الناس جزاءً وفاقًا. وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ﴾ إلخ، إخبار منه سبحانه بأن أهل الكتاب علماءهم يعلمون أن القرآن منزل من الله ملازم للحق لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ويعلمون أن الرسول محمدًا حق، ﴿فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ الشاكين، ومثله قوله تعالى في سورة يونس: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ [يونس: ٩٤]. ثم قال تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ إلخ. يعني أن كل ما أخبر الله به فهو حق واقع، وكل ما حكم به فهو عدل، فمما أخبر به من (١) أن رسله والذين آمنوا بهم واتبعوهم منصورون وهم الأعلون، وأن أعداءهم خاسرون مخذولون، يلازمهم الخزي والضلال المبين، وكل ما أوجبه الله في القرآن فالعامل به موفق سعيد، وتاركه شقي خائب مهين، وكل ما نهى الله عنه فهو مفسدة محققة ومضرة مهلكة، ولن يستطيع أحد أن يبدل كلمات الله لا ألفاظها ولا مدلولاتها ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ﴾ لأقوال عباده، ﴿الْعَلِيمُ﴾ بأحوالهم وأفعالهم المجازي كلًا بما يستحق. ثم قال: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾ الخرص هو القول بالحزر والكذب، المعنى العام: هذا خطاب من الله تعالى لرسوله ﷺ يخبره أن أكثر أهل الأرض هم على باطل وضلال، فلا يستوحش أحد من قلة المؤمنين الصالحين، ولا يغتر أحد.

стр. 1133

بكثرة الكافرين الضَّالِّين (١)، فموافقةُ الأكثرين خروج عن سبيل الله وضلال، فأوجب الله على رسوله وعلى المؤمنين به أن يكونوا مع الصادقين وأن يتمسكوا بالحق ولا يغتروا بكثرة أهل الباطل، كما أخبر أن أهل الباطل ليسوا على بصيرة من أمرهم، وإنما يحزرون ويقدرون ويتبعون الظنون الكواذب، بخلاف أهل الحق فإنهم على يقين لا شك فيه، اطمأنت قلوبهم بالإيمان ونشطت أجسامهم للعمل. وقد أخبرنا النبيُّ ﷺ كما في «صحيح البخاري» (٢) من حديث أسماء بنت أبي بكر الصديق أن المؤمن يُسأل في قبره، يقال له: «ما علمك بهذا الرجل؟ فيقول: هو محمد جاءنا بالبينات فآمنا به وصدقنا (٣) واتبعناه، هو محمد هو محمد هو محمد، فيقال له: نم صالحًا، قد علمنا إن كنت لموقنًا به، وأما المنافق أو المرتاب فيقول: لا أدري سمعت الناس يقولون شيئًا فقلته» فالمؤمن على يقين من أمره في الدنيا وفي القبر، والمنافق والمرتاب ليس عنده إلا الخرص والظن في الدنيا وفي الآخرة، ﴿وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٧٢]». فصل قال محمد تقي الدين: أمر الله نبيه ﷺ أن لا يتحاكم إلى غيره، وفي ذلك أمر لأمته أن لا يتخذوا حكمًا إلا الله، ويردوا كل نزاع إلى كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ ، وقد تقدم الكلام في هذا مستوفى في سورة النساء. الباب الثاني الآية (١٢٢) ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ تفسير هذه الآية من كتاب «الإلهام والإنعام» (٤) ونصه:

стр. 1134

«ضرب الله سبحانه مثلًا للمؤمنين والكافرين، فأخبر أن من كان كافرًا فأسلم كمن كان ميتًا فأحياه الله وأعطاه نورًا يسير به في الناس، يعرف به ما ينفعه ويرفعه فيرغب فيه ويأتيه، وما يضره ويخفضه فيرغب عنه ويذره، أما من بقي على كفره فهو ميت في ظلمات: ظلمة في عقيدته لجهله بالحق واعتقاده الباطل، وظلمة في أخلاقه، إذ ليس له وازع يمنعه من ارتكاب مساوئ الأخلاق، وظلمة في معاملته للناس، إذ ليس عنده شيء من مراقبة الله وخشيته، حتى يعامل الناس بالعدل والرحمة فهو في ظلمات متنوعة، وقد جاء هذا المعنى في مواضع كثيرة من كتاب الله، قال تعالى في سورة البقرة رقم (٢٥٧): ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُم مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ وقال تعالى في سورة فاطر (١٩، ٢٠، ٢١، ٢٢): ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ (١٩) وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ (٢٠) وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ (٢١) وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ وقوله سبحانه: ﴿كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ قال مؤلفه: المراد بالتزيين عدم إجبارهم وقسرهم على اتباع الحق. فصل قال محمد تقي الدين: اتباع القرآن وبيانه الذي جاء به الرسول ﷺ - وهو السنة - حياة ونور، والإعراض عنهما موت وظلمة، وسبب الموت والظلمة اللذين أصيب بهما المسلمون في هذا الزمان إعراضهم عن كتاب الله وسنة رسوله، فما داموا في هذا الإعراض يستمر موتهم وظلمتهم حتى يرجعوا إليهما، وهذا الموت المعنوي والظلمة المعنوية أشد ضررًا من الموت الحسي والظلمة الحسية كما قال الشاعر: ليس من مات فاستراح بميت … إنما المَيْتُ مَيِّتُ الأحياء إنما الميت من يعيش كئيبًا … كاسفًا باله قليل الرجاء وهذه حال المسلمين في هذا الزمان.

стр. 1135

الباب الثالث الآية (١٥٩) ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ تفسير هذه الآية من كتاب «الإلهام» (١) ونصه: قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ﴾ إلخ أي تفرقوا فيه شيعًا أي فرقًا ﴿لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ أي: أنت بريء منهم براءة تامة ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ﴾ أي: حسابهم وعقابهم إلى الله موكول، وهو الذي يخبرهم بما كانوا يفعلون ويعاقبهم عليه، ولهذه الآية نظائر في الكتاب العزيز منها قوله تعالى في سورة الشورى رقم (١٣): ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾. فأخبر أن ما شرعه لأمة محمد ﷺ من الدين هو عين ما شرعه للأمم السابقة بواسطة رسلهم، فتوحيد الله واحد، وتصديق جميع الرسل واحد، وإقامة العدل والإحسان، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ونصر المظلوم، والتعاون على البر، والجهاد في سبيل الله، والرحمة لخلق الله، فهذه الأصول لا يختلف فيها دين أي رسول مع دين غيره من الرسل. ومن توحيد الله جعل الحكم له وحده لا يشاركه فيه أحد من خلقه، والإيمان بالله ورسله يستلزم أنهم وحدهم المتوسطون بين الله وعباده في تبليغ الأحكام، فلا شارع إلا الله ولا مبلغ إلا رسل الله، وكذلك المجتهد لا يدعي أنه حكم بين الخصمين بما أنزل الله، بل يقول كما قال عبد الله بن مسعود: «أقول فيها برأيي، فإن كان صوابًا فمن الله، وإن كان خطأ فمني ومن الشيطان، والله ورسوله بريء منه» (٢). أما تقليد غير المعصوم والاستغناء بما نقل عنه من الأقاويل عن كتاب الله والاعتماد في الحكم والإفتاء على ذلك ونسبة ذلك إلى الله ورسوله، فهو افتراء على الله وصد عن سبيله وتبديل لدينه، فنعوذ بالله من الخذلان، وهنا يحسن أن أنقل من كلام الأئمة في رد التقليد والتمذهب والتعصب ما يكون قرة عين لطالب الحق وسخنة عين للمبتدعين، الذين فرقوا دين الله وصدوا عن سبيل الله، وقبل

стр. 1136

أن أنقل هذه النبذة اليسيرة أحيل القارئ على مطالعة كتاب «إعلام الموقعين عن رب العالمين» (١) للإمام الحافظ شمس الدين ابن قيم الجوزية، وكتاب «جامع بيان العلم وفضله» للإمام الحافظ أبي عمر يوسف بن عبد البر النمري (٢)، وكتاب «إيقاظ همم أولي الأبصار، للاقتداء بسيد المهاجرين والأنصار، وتحذيرهم من (٣) الابتداع الشائع في القرى والأمصار» من تقليد المذاهب مع الحمية والعصبية بين فقهاء الأعصار، للإمام المحقق، بقية السلف، صالح بن محمد بن نوح الفلاني المغربي، وكل هذه الكتب مطبوعة في مصر، وهناك كتب أخرى تشتمل على مباحث قيمة في هذا المعنى، لكن الكتب الثلاثة المتقدمة مطبوعة في مصر تغني عنها (٤). قال الفلاني ﵀ بعد ما ذكر الآيات الدالة على وجوب اتباع الكتاب والسنة في كل زمان ومكان وترك الإفتاء والقضاء بالتقليد، وما جاء في ذلك من الوعيد الشديد، قال ما نصه في (صفحة ٦): «وأما الأحاديث الدالة على وجوب العمل بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ فكثيرة، «ففي الصحيحين» (٥) من حديث ابن عباس أن هلال بن أمية قذف امرأته بشريك بن سحماء عند النبي ﷺ ، فذكر حديث اللعان، وقول النبي ﷺ : «أبصروها؛ فإن جاءت به أكحل العينين سابغ الأليتين خدلج الساقين، فهو لشريك بن سحماء، وإن جاءت به كذا وكذا فهو لهلال بن أمية»، فجاءت به على النعت المكروه، فقال النبي ﷺ : «لولا ما مضى من كتاب الله لكان لي ولها شأن»، يريد - والله أعلم - بكتاب الله قوله تعالى: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللهِ﴾ [النور: ٨] ويريد بالشأن - والله أعلم - أنه كان يحدها؛ لمشابهة ولدها بالذي رميت به، ولكن كتاب الله فصل الحكومة وأسقط كل قول وراءه، ولم يبق للاجتهاد بعده موضع». قال محمد تقي الدين: إذا كان رسول الله ﷺ ، وهو سيد العلماء وإمام

стр. 1137

الأئمة وهو معصوم من الخطأ أحجم عن الحكم برأيه احترامًا للنص القرآني، عملًا بقوله تعالى في هذه السورة: ﴿اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ١٠٦] فإذا وجب على النبي ﷺ أن يدع رأيه لكتاب الله، فكيف لا يجب على غيره من الناس - وهم ليسوا بأنبياء معصومين - ترك رأيهم إذا خالف نص الكتاب والسنة (١)؟ هذا بيان ما قصده الأئمة من الاستدلال بهذا الحديث. ثم قال الفلاني ﵀: «وقال الشافعي في «الرسالة» التي أرسلها إلى عبد الرحمن بن مهدي: أخبرنا سفيان بن عيينة عن عبيد الله بن أبي يزيد عن أبيه قال: أرسله عمر بن الخطاب إلى شيخ من زهرة كان يسكن دارنا، فذهبت معه إلى عمر، فسأله عن وليدة من ولائد الجاهلية، فقال: أما الفراش فلفلان وأما النطفة فلفلان، فقال: صدقت، ولكن رسول الله ﷺ قضى بالفراش» (٢). قال محمد تقي الدين وجه الاحتجاج بهذا الخبر على (٣) من يفتي ويقضي بالتقليد أن عمر بن الخطاب صدق الرجل في شهادته بأن النطفة لفلان، يعني: الزاني بتلك الأمة، والفراش لفلان يعني: الذي كان يملك تلك الأمة، ومع ذلك حكم بأن الولد للفراش؛ عملًا بقول النبي ﷺ : «الولد للفراش وللعاهر الحجر» (٤) رواه البخاري ومسلم وغيرهما. فحكم بنص الحديث وترك الرأي جانبًا. ثم قال الفلاني: قال الشافعي (٥): وأخبرني من لا أتهم عن ابن أبي ذئب،

стр. 1138

قال: أخبرني مخلد بن خفاف، قال: ابتعتُ غلامًا فاستغللته، ثم ظهرت منه على عيب، فخاصمت فيه إلى عمر بن العزيز فقضى لي برده، وقضى علي برد غلته، فأتيت عروة فأخبرته فقال: أروح إليه العشية، فأخبره أن عائشة أخبرتني أن رسول الله ﷺ قضى في مثل هذا أن الخراج بالضمان (١)، فعجلت إلى عمر،

стр. 1139

فأخبرته بما أخبرني به عروة عن عائشة عن رسول الله ﷺ ، فقال عمر بن عبد العزيز: فما أيسر علي من قضاء قضيته - والله يعلم أني لم أرد فيه إلا الحق - فبلغتني فيه سنة عن رسول الله ﷺ فأرد قضاء عمر وأنفذ سنة رسول الله ﷺ ، فراح إليه عروة، فقضى لي أن آخذ الخراج من الذي قضى به علي له» (١). قال محمد تقي الدين: بيان هذا الخبر لمن يقصر فهمه عنه من القراء: أن مخلد بن خفاف اشترى عبدًا من رجل واستخدمه، ثم ظهر له فيه عيب، فدعا بائعه إلى خامس الخلفاء الراشدين (٢) عمر بن عبد العزيز الأموي، فحكم عمر على البائع أن يأخذ العبد ويرد ثمنه إلى المشتري، وحكم على المشتري أن يعطي البائع أجرة خدمة العبد في المدة التي بقي عنده، ثم قصد مخلد عروة بن الزبير ابن (٣) أخت عائشة وتلميذها، فحكى له ما حكم به عمر، فظهر لعروة أن ما حكم به عمر مخالف للحديث الذي رواه عن خالته عائشة عن النبي ﷺ ، وهو قضاؤه أن الخراج بالضمان. ومعنى هذا أن النبي ﷺ حكم في مثل هذه القضية أن المشتري لا يعطي البائع أجرة خدمة العبد؛ لأنه كان في ضمانه، فلو تلف العبد أو سرق لم يكن للمشتري أن يطالب البائع بثمنه، فأجرة خدمته تقابل ضمانه له، ومن الضمان إيواؤه والنفقة عليه، ووعد عروة السائل أن يذهب إلى الخليفة عمر ويخبره بأن حكمه في تلك القضية مخالف لما حكم به النبي ﷺ ، غير أن الرجل لم يصبر حتى ينطلق عروة إلى الخليفة ويخبره بذلك، بل ذهب من فوره وأخبر الخليفة بما قاله عروة، فقال الخليفة عمر بن عبد العزيز كلمته العظيمة، ومعناها: ما أسهل علي أن أرجع عن حكمي الذي حكمت به، وأنفذ حكم رسول الله ﷺ ، والله

стр. 1140

يعلم أني لم أرد بحكمي (١) ذلك إلا الحق، وهو الموافق لكتاب الله وسنة رسوله، وإذ قد ظهر أني أخطأت فما أسهل الرجوع إلى الحق. قال مخلد: «فاذهب إليه عروة وأخبره بالحديث، فحكم على البائع أن يرد لي ما أعطيته من أجرة خدمة ذلك العبد مدة إقامته عندي»، وفي هذه القصة (فائدة أخرى جليلة) وهي أن ملوك المسلمين في ذلك الزمان كانوا يذعنون للحق ويفرحون به وينفذونه، ولم يكن العلماء يهابونهم إذا أخطؤوا في الحكم أن يعلموهم بخطئهم. وهذا يفسر لنا ما أدركه المسلمون في ذلك الزمان من العزة والسؤدد، فأين هذا من الديمقراطية التي يتبجح بها أهل هذا الزمان؟ لا جرم لو أن قاضيا من قضاة العصور المتأخرة حكم بحكم فجاءه عالم وأخبره بخطئه، لكان نصيب ذلك العالم أن يسمع منه ما يكره، هذا إذا لم يأمر بحبسه، هذا إذا اعترض على قاض فقط، فكيف بمن هو فوقه من الرؤساء كوزير العدل، فضلا عن رئيس الدولة؟ … ثم قال الفلاني: «قال الشافعي (٢): وأخبرني من لا أتهم من أهل المدينة عن ابن أبي ذئب قال: قضى سعد بن إبراهيم على رجل بقضية برأي ربيعة بن أبي عبد الرحمن فأخبرته عن النبي ﷺ بخلاف ما قضى به. فقال سعد لربيعة: هذا ابن أبي ذئب وهو عندي ثقة يخبرني عن النبي ﷺ بخلاف ما قضيت به، فقال له ربيعة قد اجتهدت ومضى حكمك، فقال سعد: واعجبا، أنفذ قضاء سعد ابن أم سعد وأرد قضاء رسول الله ﷺ ! [بل أرد قضاء سعد ابن أم سعد، وأنفذ قضاء رسول الله ﷺ ؟] (٣) فدعا سعد بكتاب القضية فشقه، وقضى للمقضي عليه». فعليك بقراءة هذا الكتاب فإن فيه من الفوائد العلمية ما تشتد حاجة كل طالب علم إلى معرفته» (٤).

стр. 1141

سورة الأعراف الباب الأول قوله تعالى: ﴿كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (٢) اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُم مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ٢ - ٣] قال (ك): «أي هذا ﴿كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ أي من ربك ﴿فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ﴾ قال مجاهد وقتادة والسدي: شك منه. وقيل: لا تتحرج به في إبلاغه والإنذار به ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: ٣٥] ولهذا قال: ﴿لِتُنْذِرَ بِهِ﴾ أي: أنزلناه إليك لتنذر به الكافرين ﴿وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ثم قال تعالى مخاطبًا للعالم: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُم مِنْ رَبِّكُمْ﴾ أي: اقتفوا آثار النبي الأمي الذي جاءكم بكتاب أنزل إليكم من رب كل شيء ومليكه ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾ أي: لا تخرجوا عما جاءكم به الرسول إلى غيره، فتكونوا قد عدلتم عن حكم الله إلى حكم غيره ﴿قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ كقوله: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف: ١٠٣] وقوله: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الآية [الأنعام: ١١٦] وقوله: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُم بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف: ١٠٦]» (١). فصل قال محمد تقي الدين: للدين مصدران اثنان، فهما عينان نضاختان، فيهما الهدى والنور والسعادة الأبدية، فمن أعرض عنهما خاب وخسر، ألا وهما: كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ولا ثالث لهما، فمن اتبع رأي شخص غير النبي ﷺ وقلده.

стр. 1142

أمر دينه ولم يطالبه بدليل؛ لأنه بالغ في تعظيمه حتى جعل رأيه مغنيًا عن كتاب الله وسنة رسوله، فقد اتخذ من دون الله وليًا وأشرك به في عبادته فحبط عمله، وهذا ينطبق على غلاة المتمذهبين وأصحاب الطرائق القدد والمتحزبين في هذا الزمان، أحزابًا سياسية ينطح بعضها بعضًا وكلهم خاسرون. الباب الثاني قوله تعالى: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ (٦) فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِم بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ﴾ [الأعراف: ٦ - ٧]. قال (ك): ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ﴾ الآية، كقوله: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص: ٦٥] وقوله: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ [المائدة: ١٠٩] فيسأل الله الأمم يوم القيامة عما أجابوا رسله فيما أرسلهم به، ويسأل الرسل أيضًا عن إبلاغ رسالاته، ولهذا قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في تفسير هذه الآية: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ﴾ قال (١): «عما بلغوا» (٢)، وقال ابن عباس في قوله: ﴿فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِم بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ﴾: «يوضع الكتاب يوم القيامة فيتكلم بما كانوا يعملون» (٣) وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ؛ يعني أنه تعالى يخبر عباده يوم القيامة بما قالوا وبما عملوا من قليل وكثير وجليل وحقير؛ لأنه تعالى الشهيد (٤) على كل شيء، لا يغيب عنه شيء، ولا يغفل عن شيء، بل هو العالم بخائنة الأعين وما تخفي الصدور ﴿وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا

стр. 1143

يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام: ٥٩] (١). فصل قال محمد تقي الدين الذي أرسل إلينا نحن معشر المسلمين هو خير خلق الله محمد رسول الله، فبلغ إلينا كل ما أنزل الله عليه، والله يشهد وأهل العلم يشهدون أنه لم يكتم شيئًا من ذلك، فإذا سأله الله تعالى شهد له المؤمنون، وإذا سألنا نحن: هل بلغكم رسولكم ما أرسلته به إليكم؟ فلا سبيل إلى الجحود، فمن اتبعه بصدق وإخلاص سعد وفاز، ومن اتخذ من دون الله أولياء - أئمة وشيوخًا ورؤساء أحزاب - هوى وشهوات؛ حقت عليه كلمة العذاب. الباب الثالث قوله تعالى: ﴿وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ (١٥٦) الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٥٧) قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٦ - ١٥٨] في (ك): ﴿وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ﴾ (٢) أي اكتب لنا في هذه الدنيا وفي الآخرة لتحصيل المقصود، أي: أوجب لنا وأثبت لنا فيهما

стр. 1144

حسنة، وقد تقدم تفسير الحسنة في سورة البقرة: ﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾ أي: تبنا ورجعنا وأنبنا إليك. وقوله تعالى: ﴿قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ (١) أي: عظيمة الشمول والعموم، كقوله تعالى إخبارًا عن حملة العرش ومن حوله أنهم يقولون: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا﴾ [غافر: ٧] روى الإمام أحمد (٢) عن سلمان عن النبي ﷺ قال: «إن الله ل مائة رحمة، فمنها رحمة يتراحم بها الخلق، وبها تعطف الوحوش على أولادها، وأخر تسعًا وتسعين إلى يوم القيامة». وأخرجه مسلم. وقوله تعالى: ﴿فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ الآية؛ يعني: فأوجبها (٣) أي: فسأوجب حصول رحمتي منةً مني وإحسانًا إليهم. وقوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ أي: يتقون الشرك والعظائم من الذنوب. وقوله تعالى: ﴿وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ قيل: زكاة النفوس، وقيل: الأموال، يحتمل أن تكون عامة لهما، فإن الآية مكية ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ﴾ أي: يصدقون. ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ﴾ وهذه صفة محمد ﷺ في كتب الأنبياء، بشروا أممهم ببعثه وأمروهم بمتابعته، ولم تزل صفاته موجودة في كتبهم يعرفها علماؤهم وأحبارهم، وأخرج البخاري وابن جرير (٤) عن عطاء بن يسار قال: لقيت عبد الله بن عمرو فقلت: أخبرني عن صفة رسول الله ﷺ في التوراة؟ قال: «أجل، والله إنه لموصوف في التوراة ببعض صفته في القرآن ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٥] وحرزًا للأميين أنت عبدي ورسولي سميتك (٥) المتوكل، ليس بفظ ولا غليظ، ولا سحاب في الأسواق ولا يجزي السيئة، ولكن يعفو ويصفح، ولن يقبضه الله حتى يقيم به الملة العوجاء، بأن

стр. 1145

يقولوا: لا إله إلا الله، ويفتح به أعينًا عميا، وآذانا صما وقلوبًا غلفًا». اهـ. هذه صفة رسول الله ﷺ في الكتب المتقدمة، وهكذا كانت حاله ﵊ لا يأمر إلا بالخير ولا ينهى إلا عن الشر، كما قال عبد الله بن مسعود: «إذا سمعت الله يقول: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فأعرها سمعك، فإنه خير تؤمر به أو شر تنهى عنه» (١). وقوله تعالى: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ أي: يحل لهم ما كانوا حرموه على أنفسهم من البحائر والسوائب والوصائل والحام، ونحو ذلك مما كانوا ضيقوا به على أنفسهم، ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ كلحم الخنزير والربا وما كانوا يستحلونه من المحرمات من المآكل التي حرمها الله تعالى. قال بعض العلماء: فكل ما أحل الله فهو طيب نافع في البدن والدين، وكل ما حرمه فهو خبيث ضار في البدن والدين (٢). وقوله تعالى: ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ أي: إنه جاء (٣) التيسير والسماحة كما ورد الحديث من طرق عن رسول الله ﷺ أنه قال:

стр. 1146

«بعثت بالحنيفية السمحة» (١). وقوله ﷺ لأميريه (٢) معاذ وأبي موسى لما بعثهما إلى اليمن: «بشرا ولا تنفرا، ويسرا ولا تعسرا، وتطاوعا ولا تختلفا» (٣). وقال ﵊ فيما جاء عن صاحبه أبي برزة الأسلمي: «إن الله تجاوز لأمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تقل أو تعمل» (٤) وقال ﷺ : «رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» (٥). ولهذا قال مرشدًا لهذه الأمة أن يقولوا: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ

стр. 1147

أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٨٦]. وثبت في «صحيح مسلم»: أن الله تعالى قال بعد كل سؤال من هذه: «قد فعلت قد فعلت» (١). وقوله تعالى: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ﴾ أي: عظموه ووقروه، وقوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ﴾ أي: القرآن والسنة ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ في الدنيا والآخرة. قُلْ أي: يا محمد ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾ هذا خطاب عام للأحمر والأسود والأبيض والعربي والعجمي ﴿إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ وهذا من شرفه وعظمته ﷺ أنه خاتم النبيين وأنه مبعوث إلى الناس كافة كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ﴾ [هود: ١٧] وقال تعالى: ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ﴾ [آل عمران: ٢٠] والآيات في هذا كثيرة والأحاديث أكثر من أن تحصر، وهو أمر معلوم من دين الإسلام ضرورةً أنه - صلوات الله وسلامه عليه - رسول الله إلى الناس كلهم. روى الإمام أحمد (٢) عن [عمرو] بن شعيب عن أبيه عن جده: «أن رسول الله ﷺ عام غزوة تبوك قام من الليل يصلي، فاجتمع وراءه رجال من أصحابه يحرسونه، حتى إذا صلى انصرف إليهم فقال لهم: «لقد أعطيت الليلة خمسًا ما أعطيهن أحد قبلي: أما أنا فأرسلت إلى الناس كلهم عامة وكان من قبلي إنما يرسل إلى قومه، ونصرت على العدو بالرعب، ولو كان بيني وبينه مسيرة شهر لمُلِئَ مني رعبًا، وأحلت لي الغنائم آكلها وكان من قبلي يعظمون أكلها كانوا يحرقونها، وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا أينما أدركتني الصلاة تمسحت وصليت، وكان من قبلي يعظمون ذلك، إنما كانوا يصلون في بيعهم وكنائسهم، والخامسة هي: ما قيل لي: سل فإن كل نبي قد سأل، فأخرت مسألتي إلى

стр. 1148

يوم القيامة، فهي لكم ولمن شهد أن لا إله إلا الله». إسناده قوي جيد (١) ولم يخرجوه. وروى مسلم (٢) عن أبي موسى الأشعري عن رسول الله ﷺ : «والذي نفسي بيده لا يسمع بي رجل من هذه الأمة يهودي ولا نصراني، ثم لا يؤمن بي إلا دخل النار». روى الإمام أحمد (٣) عن أبي موسى عن رسول الله ﷺ قال: «من سمع بي من أمتي يهودي أو نصراني، فلم يؤمن بي لم يدخل الجنة». وقوله تعالى: ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ صفة الله (٤) تعالى في قول رسول الله ﷺ ، أي: الذي أرسلني هو خالق كل شيء وربه ومليكه الذي بيده الإحياء والإماتة وله الحكم. وقوله تعالى: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ﴾ أخبرهم أنه رسول الله إليهم وهو الذي وعدتم به وبشرتم به في الكتب المتقدمة، فإنه منعوت بذلك في كتبهم ولهذا قال: ﴿النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ﴾. وقوله تعالى: ﴿الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ﴾ أي: يصدق قوله عمله وهو يؤمن بما أنزل إليه من ربه ﴿وَاتَّبِعُوهُ﴾ أي: اسكلوا طريقه واقتفوا أثره ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ أي: إلى الصراط المستقيم» (٥). فصل قال محمد تقي الدين: حسنة الدنيا التي طلبها موسى ﵇ والتي ذكرها الله تعالى في سورة البقرة في صفة عباده المؤمنين الذين يقولون: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة: ٢٠١] وأخبر سبحانه أن لهم نصيبًا مما كسبوا، فسرها (ك) بقوله: «فإن الحسنة (٦) تشمل كل مطلوب دنيوي من عافية ودار (٧)، وزوجة (٨) ورزق وعلم نافع وعمل صالح، ومركب هنيء (٩)،

стр. 1149

وثناء جميل (١)، فكل ذلك مندرج (٢) في الحسنة في الدنيا، وأما الحسنة في الآخرة فأعلى ذلك دخول الجنة وتوابعه من الأمن من الفزع الأكبر (٣)، وتيسير الحساب، وأما النجاة من النار فإنها تقتضي تيسير أسبابه في الدنيا، من اجتناب المحارم والآثام، وترك الشبهات والحرام، وقال القاسم أبو عبد الرحمن: «من أعطي قلبا شاكرا، ولسانا ذاكرا، وجسدا صابرا، فقد أوتي في الدنيا وفي الآخرة حسنة ووقي عذاب النار». ولهذا وردت السنة بالترغيب في هذا الدعاء. روى الإمام أحمد عن أنس: «أن رسول الله ﷺ عاد رجلا من المسلمين قد صار مثل الفرخ، فقال له رسول الله ﷺ : هل تدعو الله بشيء أو تسأله إياه؟» قال: نعم، كنت أقول: اللهم ما كنت معاقبي به في الآخرة فعجله في الدنيا، فقال رسول الله ﷺ : «سبحان الله، لا تطيقه ولا تستطيعه، فهلا قلت: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة: ٢٠١]: قال: فدعا الله فشفاه» (٤). انفرد به مسلم. روى الإمام الشافعي بسنده عن عبد الله بن السائب: «أنه سمع النبي ﷺ يقول فيما بين الركنين - ركن بني جمح والركن الأسود -: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ (٥). روى ابن مردويه بسنده عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : «ما مررت

стр. 1150

عَلى الرُّكنِ إلا رأيتُ عليهِ مَلَكًا يقول: آمين فإذا مررتم عليه فقولوا: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ (١) قال محمد تقي الدين: أعظم الحسنات رضوان الله تعالى؛ لقوله تعالى في سورة التوبة: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: ٧٢]. وإذا حصل رضوان الله تعالى حصل كل شيء من حسنات الدنيا والآخرة. وركن بني جمح: هو الركن اليماني الذي يمر عليه الحاج وهو يطوف بالبيت، قبل أن يصل الركن الذي فيه الحجر الأسود. قوله: لأن الآية مكية، يعني أن زكاة الأموال لم تكن مفروضة في مكة وإنما فرضت في المدينة، والتحقيق أن الزكاة بمعنى الصدقة لم تزل مفروضة في الإسلام، والزكاة التي هي أحد أركان الإسلام، وقد بينها النبي ﷺ : بين أنواعها والمقادير التي تعطى وأوقاتها ومن تصرف إليهم، تأخر ذلك إلى ما بعد الهجرة قال الله تعالى في سورة البينة: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة: ٥] وسورة البينة مكية. قال محمد تقي الدين: قوله: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ﴾ [هود: ١٧] توهم الإمام (ك) أن الضمير يعود على النبي ﷺ والصحيح، أنه يعود على القرآن، لكن الإيمان بالنبي والإيمان بالقرآن متلازمان، فمن لم يؤمن بالنبي لم يؤمن بالقرآن، ومن لم يؤمن بالقرآن لا يؤمن بالنبي. فصل قال محمد تقي الدين: لما كان الغرض من تأليف هذا الكتاب إقامة البراهين على وجوب اتباع الكتاب والسنة وترك التفرق والتحزب بشكل مذاهب أو طرائق أو أحزاب، لم أرد أن أتوسع فيما يرد أثناء البحث من المسائل الأخرى، كبشارة الكتب السابقة بنبينا محمد ﷺ ، ولكني أبين المصادر التي وفتها حقها (٢):

стр. 1151

الأول: كتاب «إظهار الحق» لرحمة الله الهندي، فإنه ذكر ثماني عشرة بشارة نقلها من كتب اليهود والنصارى، وأجاد في النقل والبحث والتحقيق، انظر الكتاب المذكور مبتدئًا من صفحة (١١٨) (١). الثاني: «فتح البيان» (٢) للإمام القنوجي في هذا الموضع من تفسير سورة الأعراف. الثالث: «تفسير القاسمي» (٣). الرابع: «تفسير الرازي» (٤) وينبغي: أن ينظر في هذه التفاسير في هذا الموضع من سورة الأعراف وفي سورة الصف وفي قوله تعالى: ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ﴾ من سورة البقرة [آية: ٤٢]. فصل الاستدلال بهذه الآيات على اتباع الرسول ﷺ من وجوه: الأول: إن رحمة الله لا تكتب إلا لمن يتبع الرسول. الثاني: إن الفلاح الذي هو الفوز بالمرغوب والنجاة من المرهوب لا يحصل أبدًا إلا للذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه، فهذه أمور أربعة: الإيمان به، وتعزيره أي: تعظيمه، ونصره في حياته ونصر سنته بعد وفاته، واتباع النور الذي أنزل معه وهو القرآن والسنة، فمن لم يجمع هذه الأربعة لا يكون من المفلحين أبدًا، وكل من اتخذ وليجة تحول بينه وبين هذه الأربعة كالنُّحْلة والمذهب والطريقة والحزب والوطنية والقومية، لا يستطيع أبدًا أن يتصف بهذه الأربعة ويكون حنيفًا. الثالث: قوله تعالى بعد ذلك: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾: توكيد لما تقدم، وبيان أن الاهتداء بدون اتباع؛ مستحيل.

стр. 1152

الباب الرابع قوله تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ (١٧٥) وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (١٧٦) سَاءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَأَنْفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ (١٧٧) مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (١٧٨)﴾ [الأعراف: ١٧٥ - ١٧٨]. قال (ك) في قوله تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا﴾: هو بلعام بن باعوراء ويتصل نسبه بلوط بن هارون بن آزر. قال ابن عساكر: وهو الذي كان يعرف الاسم الأعظم فانسلخ من دينه وله ذكر في القرآن (١). روى محمد بن إسحاق بن يسار عن سالم أبي (٢) النضر أنه حدث أن موسى ﵇ لما نزل بأرض (٣) بني كنعان من أرض الشام، أتى قوم بلعام إليه، فقالوا له: هذا موسى بن عمران في بني إسرائيل قد جاء يخرجنا من بلادنا ويقتلنا ويحلها بني إسرائيل، وإنا قومك وليس لنا منزل وأنت رجل مجاب الدعوة، فاخرج فادع الله عليهم قال: ويلكم نبي الله معه الملائكة والمؤمنون كيف أذهب أدعو عليهم وأنا أعلم من الله ما أعلم؟ فلم يزالوا به حتى فتنوة. فافتتن، [فسار] (٤) متوجهًا إلى الجبل الذي يطل (٥) على عسكر بني إسرائيل، وهو جبل حسبان، حتى إذا أشرف (٦) على رأس حسيان وعلى عسكر موسى وبني إسرائيل، جعل يدعو عليهم، ولا يدعو عليهم بشر إلا صرف الله (٧)

стр. 1153

لسانه إلى قومه، ولا يدعو لقومه بخير إلا صرف لسانه إلى بني إسرائيل، فقال له قومه: أتدري يا بلعام (١) ما تصنع؟ إنما تدعو لهم وتدعو علينا، قال: فهذا ما لا أملك، هذا شيء قد غلب الله عليه، ثم قال لهم: قد ذهبت مني الآن الدنيا والآخرة، ولم يبق إلا المكر والحيلة فسأمكر لكم وأحتال، جملوا النساء وأعطوهن السلع ثم أرسلوهن إلى المعسكر يبعنها فيه، ومروهن فلا تمنع امرأة نفسها من رجل أرادها، فإنهم إن زنى رجل منهم واحد كفيتموهم، ففعلوا. فلما دخلت النساء المعسكر (٢) مرت امرأة من الكنعانيين برجل عظيم من بني إسرائيل فلما رآها أعجبته، فقام فأخذ بيدها وأتى بها موسى، وقال: إني أظنك ستقول: هذا حرام عليك لا تقربها؟ قال: أجل، هي حرام عليك. قال: فوالله لا أطيعك في هذا، فدخل بها قبته فوقع عليها، وأرسل الله الطاعون في بني إسرائيل، وكان فنحاص بن العيزار بن هارون صاحب أمر موسى غائبًا، فجاء والطاعون يجوس فيهم، فأخبر الخبر فأخذ حربته - وكانت من حديد كلها - ثم دخل القبة وهما متضاجعان فانتظمهما بحربته، ثم خرج بهما رافعهما إلى السماء، وجعل يقول: «اللهم هكذا نفعل بمن يعصيك» ورفع الطاعون، فبلغ عدد الهالكين سبعين ألفًا، ففي بلعام بن باعوراء أنزل الله: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا﴾ إلى قوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾» (٣). وقوله تعالى: ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث﴾ أي: صار مثل الكلب في ضلاله واستمراره فيه هذا من حيث أن الكلب من عادته أن يلهث، إن زجرته أو تركته، وكذلك بلعام لم يعد ينتفع بالدعاء إلى الإيمان أو عدم الإيمان، ففي الحالتين لا ينتفع بالموعظة ولا بالدعوة إلى الإيمان، وذلك كما قال تعالى: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: ٦]. وقوله تعالى: ﴿فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ﴾ أي: لعل بني إسرائيل العالمين.

стр. 1154

بحال بلعام وما جرى له في إضلال الله إياه وإبعاده من رحمته، بسبب أنه استعمل نعمة الله عليه في تعليمه الاسم الأعظم - الذي إذا سئل به أعطى، وإذا دعي به أجاب - في غير طاعة ربه، بل دعا به على حزب الرحمن وشعب الإيمان، أتباع عبده ورسوله في ذلك الزمان كليم الله موسى بن عمران ﵇، ولهذا قال تعالى: ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ أي: فيحذروا (١) أن يكونوا مثله، فإن الله قد أعطاهم علما وميزهم على من عداهم من الأعراب، وجعل بأيديهم صفة محمد ﷺ يعرفونها كما يعرفون أبناءهم، فهم أحق الناس وأولاهم باتباعه ومناصرته وموازرته. وإن من ينصرف عن الإيمان به ﷺ منهم (٢) وخالف (٣) ما في التوراة من صفته وكتمها، أحل الله به ذلا في الدنيا موصولا بذل الآخرة. وقوله تعالى: ﴿سَاءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ أي (٤): ساء مثلا مثل القوم الذين كذبوا بآيات الله، فشبهوا بالكلاب التي لا هم (٥) لها إلا في تحصيل أكلة أو شهوة. فمن خرج من حوزة العلم والهدى، وأقبل على شهوة نفسه، واتبع هواه صار شبيها بالكلب وبئس المثل مثله، وقوله تعالى: ﴿وَأَنفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ﴾ أي: ما ظلمهم الله ولكن هم ظلموا أنفسهم بإعراضهم عن اتباع الهدى، والركون إلى دار البلى وموافقة الهوى (٦). وقوله تعالى: ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾: قال (ك): يقول تعالى: من هداه الله فإنه لا مضل له، ومن أضله فقد خاب وخسر وضل لا محالة، فإنه تعالى ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، ولهذا جاء في حديث ابن مسعود: «إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له، ومن

стр. 1155

يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ» (١)، الحديث بتمامه، رواه أحمد وأهل «السنن» وغيرهم» (٢). اهـ. فصل قال محمد تقي الدين: كل من آتاه الله القرآن وعلمه السنة ولم يعمل بهما فهو بلعام، أي: يصيبه ما أصابه؛ لأنه انسلخ من آيات الله وأتبعه الشيطان وكان من الغاوين، ولم يرفعه الله بآيات القرآن بل خفضه بها؛ لأنه أخلد إلى أرض الشهوات ونبذ العمل بالآيات، فمثله كمثل الكلب، قال بعض العلماء: لو علم الله مثلًا شرا من الكلب والحمار لضربه لعلماء السوء الذين لم يعملوا بكتاب الله، فقد شبهوا بالكلاب في هذه الآية وبالحمير في آية الجمعة ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ فإذا حُمِلَت كتب العلم على ظهر الحمار، لا يصل إلى قلبه منها شيء مع مشقة حملها، فكذلك القراء والفقهاء المقلّدون الذين لا يتبعون كتاب الله ولا سنة رسوله، وكذلك أصحاب الطرائق الضالون الذين يأخذون دينهم عن شيوخ السوء الجهلة، بلا علم ولا هدى ولا كتاب منير. فصل في قصة بلعام عبرة عظيمة لأهل هذا العصر، الذين فتنوا بالنساء وأغروهن بالتبرج، وكشف سوآتهن على رؤوس الأشهاد، وصاروا عبيدًا لهن، فخسروا الدنيا والآخرة، ولم يبق لهم عرض ولا دين (٣)، كذلك يضل الله الظالمين.

стр. 1156

سورة الأنفال الباب الأول قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنتُمْ تَسْمَعُونَ (٢٠) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ (٢١) إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ (٢٢) وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٣) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٤) وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢٥) وَاذْكُرُوا إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٢٦) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٧) وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (٢٨) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَل لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢٩)﴾ [الأنفال: ٢٠ - ٢٩]. قال (ك): «يأمر الله تعالى عباده المؤمنين بطاعته وطاعة رسول الله ﷺ ، ويزجرهم عن مخالفته والتشبه بالكافرين به المعاندين له، ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ﴾ أي: تتركوا طاعته، وامتثال أوامره، وترك زواجره ﴿وَأَنتُمْ تَسْمَعُونَ﴾

стр. 1157

أي: بعد ما علمتم ما دعاكم إليه ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾ قيل: المراد: المشركون، وقيل: المنافقون، فإنهم يظهرون أنهم قد سمعوا واستجابوا وليسوا كذلك. قلت: ولا منافاة بين المشركين والمنافقين في هذا، لأن كلا منهم مسلوب الفهم الصحيح والقصد إلى العمل الصالح. [ثم أخبر الله تعالى أن هذا النوع من بني آدم شر الخلق والخليقة، فقال عز من قائل: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُ﴾ أي: عن سماع الحق ﴿الْبُكْمُ﴾ عن فهمه، ولهذا قال سبحانه: ﴿الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ﴾ فهؤلاء شر البرية؛ لأن كل دابة مما سواهم مطيعة الله فيما خلقها له، وهؤلاء خلقوا للعبادة فكفروا. ولهذا شبههم بالأنعام في قوله : ﴿أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾] (١). ثم أخبر تعالى بأنهم لا فهم لهم ولا قصد لهم صحيح، فقال تعالى: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ﴾ أي: لأفهمهم، وتقدير الكلام ولكن لا خير فيهم فلم يفهمهم لأنه يعلم أنه ﴿وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ﴾ أي: أفهمهم ﴿لَتَوَلَّوا﴾ عن ذلك قصدًا وعنادًا بعد فهمهم ذلك ﴿وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ عنه. وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ … ﴾ إلى آخره. روى البخاري (٢): ﴿اسْتَجِيبُوا﴾ أجيبوا ﴿لِمَا يُحييكم﴾ لما يصلحكم، ثم روى بسنده إلى أبي سعيد بن المعلى ﵁ قال: كنت أصلي فمر بي النبي ﷺ فدعاني، فلم أته حتى صليت ثم أتيتُه، فقال: «ما منعك أن تأتيني؟ ألم يقل الله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكم﴾ ثم قال: «لأعلمنك أعظم سورة في القرآن قبل أن أخرج»، فذهب رسول الله ﷺ ليخرج فذكرت له، وقال معاذ عن رجل من أصحاب رسول الله ﷺ أنه بهذا سمع وقال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ هي السبع المثاني» (٣). هذا لفظه بحروفه. وقوله تعالى: ﴿لِمَا يُحييكم﴾ قال مجاهد (٤): للحق، وقال قتادة (٥): هو

стр. 1158

هذا القرآن فيه النجاة والبقاء والحياة، وقال السدي (١): ففي الإسلام حياتهم (٢) بعد موتهم بالكفر، وقال [عروة بن الزبير] (٣): أي للحرب التي أعزكم الله تعالى بها بعد الذل والضعف والقهر، وكله قريب وصحيح (٤). وقوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ قال الإمام أحمد عن ابن عمر أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «إن قلوب بني آدم بين أصبعين من أصابع الرحمن، كقلب واحد يصرفها كيف يشاء … » ثم قال رسول الله ﷺ : «اللهم مصرف القلوب صرف قلوبنا إلى طاعتك» (٥) انفرد بإخراجه مسلم عن البخاري (٦). وقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (٢٥). قال (ك): يحذر تعالى عباده المؤمنين اختبارًا ومحنة يعم بها المسيء وغيره، لا يخص بها أهل المعاصي ولا من باشر الذنب. قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في تفسير هذه الآية: «أمر الله المؤمنين أن لا يقروا المنكر بين ظهرانيهم، فيعمهم الله بالعذاب»، وهذا تفسير حسن جدًا. ولهذا قال مجاهد في قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً﴾ هي أيضًا لكم، يعني نزلت في أصحاب رسول الله ﷺ وفي غيرهم. والقول بأن هذا التحذير يعم الصحابة وغيرهم، وإن كان الخطاب معهم، هو الصحيح، ويدل عليه الأحاديث الواردة في التحذير من الفتن، ومن أخص ما يذكر هاهنا: ما رواه الإمام أحمد (٧) عن حذيفة بن اليمان أن رسول الله ﷺ قال:

стр. 1159

«والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر، أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقابًا من عنده، ثم لتدعنه فلا يستجيب لكم». وقال عنه أيضًا: «إن كان الرجل ليتكلم بالكلمة على عهد رسول الله ﷺ فيصير منافقًا، وإني لأسمعها من أحدكم في المقعد الواحد أربع مرات لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر، ولتحاضن على الخير، أو ليسحتكم الله جميعًا بعذاب، أو ليؤمرن عليكم شراركم، ثم يدعو خياركم فلا يستجاب لهم» (١). روى الإمام أحمد (٢) عن أم سلمة زوج النبي ﷺ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إذا ظهرت المعاصي في أمتي عمهم الله بعذاب من عنده» فقلت يا رسول الله، أما فيهم أناس صالحون؟ قال: «بلى»، قالت: فكيف يصنع أولئك؟ قال: «يصيبهم ما أصاب الناس، ثم يصيرون إلى مغفرة من الله ورضوان» (٣). وقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ الآية. قال (ك): «ينبه الله تعالى عباده المؤمنين على نعمه عليهم وإحسانه إليهم، إذ كانوا قليلين فكثرهم ومستضعفين وخائفين فقواهم ونصرهم، وفقراء عالة فرزقهم من الطيبات، واستشكرهم (٤) فأطاعوه في جميع أوامره، هكذا كانوا بمكة قليلين مستضعفين مستخفين، يخافون أن يتخطفهم الناس من سائر البلاد، فلم

стр. 1160

يزل ذلك شأنهم حتى أذن الله لهم بالهجرة إلى المدينة فآواهم إليها، وقيض لهم أهلها. فآووا ونصروا يوم بدر وغيره، وواسوا بأموالهم، وبذلوا مهجهم في طاعة الله ورسوله، قال قتادة بن دعامة السدوسي الله في قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ قال: كان هذا الحي من العرب أذل الناس ذلًا وأشقاهم (١) عيشًا وأجوعهم (٢) بطونًا، وأعراهم (٣) جلودًا، وأبيتهم (٤) ضلالًا (٥)، من عاش منهم عاش شقيًا، ومن مات منهم رُدّي في النار، يؤكلون ولا يأكلون. والله لا (٦) نعلم قبيلًا من حاضر أهل الأرض يومئذ كانوا أشر منزلًا منهم، حتى جاء الله بالإسلام فمكن به البلاد، ووسع به الرزق، وجعلهم به ملوكًا على رقاب الناس، وبالإسلام أعطى الله ما رأيتم فاشكروا الله على نعمه (٧) فإن ربكم منعم يحب الشكر، وأهل الشكر في مزيد من الله تعالى» (٨). وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ … ﴾ إلى آخره. قال (ك): قال بعض المفسرين: نزلت في أبي لبابة بن عبد المنذر حين بعثه رسول الله ﷺ إلى بني قريظة؛ لينزلوا على حكم رسول الله ﷺ فاستشاروه في ذلك فأشار عليهم بذلك، وأشار بيده إلى حلقه، أي إنه الذبح، ثم فطن أبو لبابة ورأى أنه قد خان الله ورسوله، فحلف لا يذوق ذواقًا حتى يموت أو يتوب الله عليه، وانطلق إلى مسجد المدينة، فربط نفسه في سارية منه، فمكث كذلك تسعة أيام، حتى كان يخر مغشيًا عليه من الجهد، حتى أنزل الله توبته على رسوله، فجاء الناس يبشرونه بتوبة الله عليه، وأرادوا أن يحلوه من السارية، فحلف لا يحله منها إلا رسول الله بيده، فحله، فقال: يا رسول الله، إني كنت نذرت أن أنخلع من مالي صدقة. فقال: «يجزيك الثلث أن تصدق به» رواه
следующие страницы →