← Акыда

Акыда · id 30197

سبيل الرشاد في هدي خير العباد

محمد تقي الدين الهلالي

Полный текст (2 277 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

والعالم الأديب الأستاذ عبد الله كنون، والأستاذ محمد الطنجي، وغيرهم من زعماء الإصلاح، فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلًا. يصرح في لهجة شديدة، وقلب غير وجل: «إن المغرب للمغاربة، لا حق في الاستيلاء عليه لفرنسا ولا لألمانيا ولا لإسبانيا». والمستعمر لا زال آنذاك يسيطر على المغرب وغيره من البلاد العربية والإفريقية، وكان لتصريحه يومئذ أشد الوقع وأنكأه على المستعمرين، وأثلج قلوب المغاربة الأوفياء المخلصين. ويرى من هناك من وراء البحار سنا الحرية يقترب من بلاده ليزيل عنها الظلام، فيبعث إلى صديقه عبد الخالق الطريس بهذه الأبيات من أرض الغربة: سَنَا الحرية الغراء لاحا … فصَيَّر حَنْدَسَ الظُّلْمَا صَباحا سِلَاحُ الْحَقِّ لا يخشى فُلُولا … ويلقى من يصول به النجاحا فيا حزبًا غَدًا للخير يسعى … لِيُبْدِلَ خُسْرَ أُمَّتِهِ رَبَاحا سلام الله يهديه إليكم … دوامًا ما غدا غاد وراح أخٌ لكُمُ بِنَارِ البَيْن يُصْلَى … غريبًا ما أقام ولا استراح ولم يَنْسَ البلاد وساكنيها … ويذكرها العشية والصباحا ويستقل المغرب، فيعود الدكتور محمد تقي الدين الهلالي إلى بلده بعد غيبة طويلة، تنقل فيها في جميع أنحاء العالم الإسلامي، وغيره، داعيًا إلى الله ومدافعًا عن الإسلام، يعود وقلبه ممتلئ حبًّا وخيرًا لأبناء وطنه ولكل مسلم أينما كان، فيفرح فرحًا عظيمًا باستقلال المغرب وعودة ملكه إليه مظفرًا منصورًا، فيصور ذلك في قصيدة رائعة مطلعها: ألا إن الاستعمار هاو وبائر ومن مطلع الأقمار لَاحَتْ بشائر أبي الضَّيْمَ في أرض المغارب ضَيْغَم … فأقبل من عرينه وهو زائر وقال للاستعمار زُل عن بلادنا … فإنني عليك اليوم قاض وقابر سَأُسْقِيك سمًّا لا بَقَاءَ لك بعده … وشَعْبِي مِنْ خَلْفِي أَسُود حَوَاصِر ولم يفته آنذاك أن يحث على استكمال وحدة المغرب، بل لم يفته أن يستنهض الهمم لاستقلال المغرب العربي كله: ألستم ترون الجيش عند عدوَّكم … يُرابِطُ في أوطاننا وهو كاثر وصَحْرَاؤُنا ما أن تزال أسيرة … فيا نعم مأسور ويا بئس آسر وجيش ليوث في الجزائر رابض … يدافع عن أوطاننا وهو صابر

стр. 107

ويقول أيضًا في نفس القصيدة: وإن كنت لا تدري حدود بلادنا … فدونك فاحفظ ما أنا لك ذاكر فمن سنكال في الجنوب حدودها … إلى أرض مصر قد حَوَتْها القماطر نُناضِلُ عنها الدَّهْرَ مَنْ جاءَ غازيا … وتَحْصُده مِنَّا السيوف البواتر ولم يفته أيضًا أن يبين السر في نجاح الأمة، وبأي شيء تنال العز والنصر فيقول: ومَنْ ظَنَّ أَنْ العِزَّ يُدْرَك والمُنَى بِكُفر والحاد فذلك هاذر أوائلنا بالدين والسلم أفلحوا … وبالدين والإسلام تعلو الأواخر المجلة: ومما يذكر في سبيل الرحلات العلمية التي قام بها الفقيد - رحمه الله تعالى - مشاركته في مؤتمر الدعوة والتعليم الذي عقدته الجامعة السلفية بنارس عام ١٤٠٠ هـ، وبهذه المناسبة العلمية وجهت الدعوة إلى الفقيد ﵀؛ فتكرم بالحضور وساهم بكلماته القيمة النافعة في المؤتمر. وقد تم نشر كلماته ومقترحاته بخصوص الدعوة في أحد أعداد مجلة «الجامعة السلفية» الذي صدر خاصًا بهذا المؤتمر ربيع الآخر عام ١٤٠٠ هـ. انتهى. • ونشرت صحيفة «المثياق» أيضًا في العدد (٥٣٨) السنة (٢٤) فاتح ذي القعدة ١٤٠٧ هـ - في السنة التي مات فيها - بقلم تلميذه وصهره الشيخ الأستاذ عبد الكبير البكري مقالة مهمة في ترجمته، وهي بعنوان (نجم أفل)، جاء فيها ما نصه: عشية يوم الاثنين ٢٥ شوال ١٤٠٧، الموافق ٢٢ يونيو ١٩٨٧ انتقل إلى جوار ربه عالم من أكابر علماء العصر، وهو العلامة الدكتور محمد تقي الدين الهلالي الفلالي المغربي، الذي كرس حياته لخدمة العلم والدين والدعوة إلى الله. لقد كان هذا الرجل العصامي مطبوعًا على العظمة بلا تكلف ولا تصنع، يكتسب المعالي سائرًا سائحًا غير هياب؛ لأنه وهب من الحزم والعزم ما يقتحم به العقبات ويذلل به الصعاب. ولد هذا الرجل الذي فقده الإسلام في تفلالت، وبالضبط في الريسافي قصر أولاد عبد القادر بن هلال في شهر المحرم عام ١٣١١ هجرية، الموافق ١٨٩٣ ميلادية. مات أبوه بعدما أحفظه القرآن وعلمه التجويد، فخرج من تفلالت _________ ١.

стр. 108

وجعل ينتقل من قبيلة إلى قبيلة في البوادي يعلم الصبيان كتاب الله. ولما أراد الله أن يفتح له أبواب العلم هيأ له أسبابه، فبينما هو يعلم الصبيان عند قبيلة من قبائل الحدود المغربية الجزائرية إذ مر بهم عالم شنقيطي ومعه تلاميذه، ففتح لهم درسًا في النحو، ولم يسبق للهلالي أن سمع بهذا العلم ولا حضر دروسًا من دروسه، ولما أتم الشيخ الدرس توجه إلى أحد التلاميذ واسمه محمد المختار ليسأله عن هذا الكلام الذي لم يعرفه فقال له: إن هذا شيء بعيد عنك، اذهب إلى صبيانك لتعلمهم، وضحك مستهزءًا به، فكان هذا التهكم والاستهزاء هو الزند الوري الذي أوقد في قلبه نار الغيرة والحماس والشجاعة والإقدام، وحرك كل ما كان كامنًا في نفسه من الصفات التي يرتقي بها العظماء إلى أعلى الدرجات. وهنا توجه إلى الشيخ محمد سيدي بن حبيب الله وسأله، فقال له: هذا العلم يسمى علم النحو، فقال: وهل يمكنني أن أقرأه، وأين؟ فأجاب الشيخ: نعم، وعندي فعاهده على أن لا يفارقه، وذهب معه إلى البلدة التي كان الشيخ مقيمًا بها وتسمى المشربة، قرية بالجزائر تبعد عن وجدة بنحوه ١٦٠ كلم، وما بقي معه إلا مدة قليلة حتى انفجر يَنَابع نبوغه وذكائه الوقاد، فبز أقرانه واستطاع بما أتاه الله من المواهب أن يغوص في بحور العلم من نحو وفقه ولغة وتفسير وأدب. وفي يوم من الأيام فاجأ الناس بقصيدة رائعة مدح بها الشيخ سِكْرَج قاضي وجدة، فكشفت الغطاء عن شخصيته، وهنا قال الشيخ لأحد أصدقائه أن هذا الشاب سوف لا يكتفي بما عندي ولا بما في القرويين وسيشرق ويشتد خبره. وتحققت فراسة الشيخ، ففي سنة ١٣١٢ هـ - ١٩٢٢ م أخذ الهلالي عصا التسيار، وعزم على التجول في الأقطار، فركب البحر متوجهًا إلى مصر، ثم منها إلى الهند وباكستان ثم العراق، ولما أراد الخروج من الهند بعد ما قرأ فيها الحديث على الشيخ أبي خليل محمد بن حسين بن محسن اليمني، وبعد ما فتح مدرسة كون فيها أساتذة وكتابًا وأدباء، أقول لما أراد الخروج وجاء إلى الحدود وخاطبه رجال الشرطة الذين هم إنكليز بلغتهم، ورأى أنه لم يستطع فهم كلامهم ولا الرد عليهم عدل عن الخروج ورجع عازمًا على ألا يخرج حتى يخاطبهم بلغتهم، فتتلمذ على أحد الرهبان المسيحيين فدرس اللغة الإنكليزية؛ اعتنى بحفظ مفرداتها ولم يبح لنفسه الخروج حتى ترجم كتاب «مدنية العرب في الأندلس» من الإنكليزية إلى العربية، وبهذه اللغة استعان على الدراسة في ألمانيا التي حصل فيها على الدكتوراه في الفلسفة والأدب.

стр. 109

وقبل الذهاب إلى ألمانيا أقام مدة بالحجاز كان فيها واعظًا مرشدًا رسميًا، ثم بالعراق الذي كان فيه واعظًا ومدرسًا في كلية الملكة عالية، وقد جردته فرنسا من الجنسية المغربية - في زعمها - ولذلك لم يستطع الدخول إلى المغرب الذي كان تحت النفوذ الفرنسي بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية لإنقاذه من الحلفاء الذين حكموا عليه بالإعدام؛ هيأ له الوطني الغيور المرحوم الأستاذ عبد الخالق الطريس جواز سفر على أنه شمالي، وبه دخل إلى شمال المغرب عام ٤٦، وأصدر مجلة سماها «لسان الدين»، كانت حقيقة لسان الدين، وكان يكتب فيها جماعة من العلماء البارزين والوطنيين المخلصين، ومنهم العلامة الكبير شيخنا الأستاذ سيدي عبد الله كنون، ثم رجع إلى العراق وبقي مدرسًا به في كلية الملكة عالية إلى أن جاء الاستقلال، فدخل إلى المغرب المتحرر وتفرغ للتدريس والتأليف والكتابة ونشر الدعوة، ليتجرد إلى الدعوة والتبليغ والكتابة، إلى أن وافته المنية عن سن يناهز المائة، فلم تزلزله الزلازل، ولم تزعزعه الفتن؛ وإنما كان يثبت ثبوت الجبال الراسخات الشامخات. وجملة القول: إن هذا الرجل الذي جعل من أيام حياته حبرًا، ومن أعماله قلمًا، ومن الأرض صحيفة يخط فيها تاريخ حياته ويترك بصماته كلما مر ببلدة من البلاد أو قطر من الأقطار أو قارة من القارات، لا يكفي لترجمته بعض الصفحات. ونكتفي بهذا القدر حتى يهيئ الله وقتًا لتحرير رسالة تصور حقيقة هذا الرجل الفذ الذي استحق بمواقفه وأعماله أن ينخرط في صف الخالدين، فسلام عليه في الأولين وسلام عليه في الآخرين وسلام عليه إلى يوم الدين، وغفر الله لنا وله ولجميع المسلمين. • ورثاه جمع من تلاميذه، منهم شيخنا العلامة محمد بوخبزة، ومما جاء في مرثيته التي هي بعنوان «أنقذنا بفضل الله» - ومن خطه أنقل -: هي الدنيا تسير إلى زوال … وبهجتها خيال في خيال نعيش بها شُويعات نيامًا … فتوقظنا المنية بالنُبال ألا يا ناعي العِرفان أبصر … أتدري من نعيت من الرجال؟ تقي الدين فخر بني هلال … تُوفّي فانتشي حزب الضلال قضي شيخ الدعاة فكل حُرّ … بآلام الفجيعة ذو اعتلال فقد أمضى يجاهد في دروب … بياض العُمْرِ ممتاز الخلال

стр. 110

يحبّر للهدى كتبًا ويُملي … دروس العلم يدعو للنزال فأنقذنا بفضل الله مما … سرى فينا من الداء العُضَالِ ورثاه أيضًا تلميذه محمد بنعبود، فقال: ماذا يفيد البكا في النائبات إذا … تصدعت بيننا الأركان والعمد لقد هوى الركن من بنياننا فلنا … من هوله نكبة لم ينسها الأبد «دكتورنا» الرجل الصنديد مفخرة … عزيزة كلما يستذكر العدد لسانه الصارم المقوال عدته … يراعه المنتج السيال والمدد إذا قرأت سبيلًا للرشاد فعن … ذاك السبيل من الأغواء تبتعد هذا الرثاء ولكن لا مبالغة … ولا غلوُّبما في القول ينتقد هي الحقيقة لا أعدو الحقيقة في … قولي، فلا ملق فيها ولا فند رحماك ربي لروح أنت قابضها … أنت الرحيم لها الغفار يا أحد (١) رحم الله الهلالي وغفر له، وألحقنا به في الصالحين، وبوأه درجة الصديقين، آمين، آمين، آمين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. _________ (١) جريدة «الإصلاح» جريدة نصف شهرية مغربية، العدد السابع.

стр. 111

ترجمة العلامة محمد تقي الدين الهلالي بخط يده

стр. 112

تعريف عام بكتاب «سبيل الرشاد » (١) بقلم شيخنا بالإجازة العلامة محمد بو خبزة (تلميذ الهلالي) سبيل الرشاد في هدي خير العباد [٦ أجزاء في ٣ مجلدات، طبع بالمغرب بإشراف المكتب التعليمي السعودي على نفقة الأميرة الجوهرة بنت سعود آل سعود، له ترجمة في الصفحة ٣٤٧ من هذا الجزء] أفتتح الكتاب بكلمة تنويه وتقريظ للملحق التعليمي السعودي بالمغرب، نوه فيها بالمؤلف وجهوده في الدعوة إلى الله التي يتجلّى بعضها في هذا الكتاب النافع الذي شرح فيه أنواع التوحيد شرحًا صافيًا مع التنبيه على أنواع التحريف والابتداع التي أصابت العقيدة من جراء الإعراض عن الاهتداء بالقرآن، وتبني أسلوب الكلام والفلسفة في معرفة العقيدة، وأشار إلى عناية الشيخ عبد العزيز بن باز بالمؤلف وكتابه وسهره على طباعة الكتاب وتوزيعه، وحيى في الوقت نفسه، الأميرة الجوهرة التي أنفقت بسخاء على طبعه ابتغاء وجه الله، ثم تليها ترجمة جيدة مفيدة للمؤلف يحسن الاطلاع عليها، لتضمنها معلومات عنه لا توجد في غيرها، منها قائمة بمؤلفاته ما طبع منها وما لم يطبع، وقد بلغت ٣٣ مؤلفًا، ثم مقدمة المؤلف لكتابه التي بين فيها منهجه في جمعه، وأنه كان يخطر بباله منذ مدة أن يجمع كتابًا لنفسه ولمن شاء الله بعده، يشرح فيه أنواع التوحيد الأربعة: _________ (١) نشره العلامة بوخبزة في كتابه «معجم تفاسير القرآن الكريم» (٢/ ٣٠٠ - ٣٠٤)، وآثرنا إثباته دون تصرف.

стр. 113

توحيد الربوبية الذي رأى أن الآيات المتعلقة به في القرآن كثيرة جدًا لو استوعبها مع ما يتعلق بها من الحديث والآثار لعظم حجم الكتاب جدًا، ولذلك - إضافة إلى أنه معروف ومعتقد جميع الملل والنحل باستثناء الملاحدة المنكرين لوجود الله تعالى - لم يتناول آياته كلها بالكلام، وجعل بدله توحيد الاتباع وهو داخل في توحيد العبادة والألوهية، ثم توحيد الأسماء والصفات، وقد درج الناس على جعل أقسام التوحيد ثلاثة، إلا أنه أفرد من قسم توحيد العبادة، توحيد الاتباع وجعله قسمًا رابعًا لكثرة خلاف المقلدين لما جاء به رسول الله ﷺ ، وهو في هذا كله مستمد من القرآن الكريم يتتبع آياته المتعلقة بالأقسام المذكورة في المصحف الشريف كله ابتداء من الفاتحة إلى النهاية، ضامًا النظير إلى نظيره دون مراعاة ترتيب السور، معتمدًا في التفسير على ابن كثير مشيرًا إليه بالكاف، وعلى «جامع البيان» لابن جرير مشيرًا إليه بالجيم، منتقيًا من الحديث ما صح، مشيرًا إلى ما اتفق عليه البخاري ومسلم بحرف القاف، وما انفرد به البخاري بحرف الخاء، وما انفرد به مسلم بحرف الميم، وما رواه أبو داود في السنن بحرف الدال، وما رواه الترمذي في جامعه بحرف التاء، وما رواه النسائي في «سننه» بحرف النون، وما رواه الإمام أحمد في مسنده بالحاء والميم أو الألف المهموزة، وبعد هذه المقدمة شرع المؤلف في بيان الأقسام، مبتدئًا بتوحيد العبادة وتوحيد الربوبية، ولم يشر المؤلف في مقدمته المقتضبة هذه إلى جانب مهم من منهجه المعروف في مؤلفاته وأبحاثه، وخصوصًا في هذا الكتاب الذي هو أكبر مؤلفاته حجمًا ونفعًا، وهو أنه بعد نقله بأمانة عمن ينقل عنهم، يتعقب كلامهم غالبًا بفصول مفيدة ناقدة تارة، أو مضيفة إليها ما يزيدها تقوية وبيانًا، وفي أثناء ذلك يتحدث عن نفسه وما جرى له من مناظرات ووقائع تتعلق بالموضوع، منبهًا على بدع ومخالفات خصوصًا ما ظهر منها على يد الصوفية ومريديهم. نموذج هذا التفسير : والمؤلف كثيرًا ما يطيل القول فيصعب نقل كلامه كله، ولذلك ننقل من كلامه على قوله تعالى من سورة البقرة: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾، المراد بالرسول هنا نبينا محمد ﷺ ، جاء اليهود بالحق - وهو

стр. 114

الإسلام والقرآن - مصدقًا لما معهم من التوراة، فنبذت طائفة من اليهود - وهم أكثرهم، كتاب الله - وهو القرآن الذي جاء به رسول الله ﷺ ، وقيل: المراد به التوراة. قال محمد تقي الدين: ولا تنافي بينهما، فإن من كذب محمدًا ﷺ ، فقد نبذ التوراة والقرآن جميعًا؛ لأن التوراة بشرت به، وأخذ الله الميثاق على أهلها أن يؤمنوا به، كما قال تعالى في سورة آل عمران: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُم مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ﴾. . . ﴿قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾، وقال تعالى في آل عمران أيضًا: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ﴾ والنبذ هو الطرح وجعل الشيء وراء الظهر لإهماله والإعراض عنه، وقوله تعالى: ﴿كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ لما لم ينههم علمهم صاروا كمن لا يعلم؛ أي كالجاهلين، بل العالم الذي لا ينفعه علمه شر من الجاهل، كما قال تعالى في سورة البقرة: ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾، الخطاب هنا لليهود، وقوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾ [البقرة: ١٠٢]، يعني أن اليهود نبذوا ما جاء في التوراة والقرآن من وجوب الإيمان بجميع رسل الله تعالى، واتباع ما جاؤوا به من توحيد الله وطاعته، واتبعوا ما علمتهم الشياطين من السحر الذي نسبته إلى سليمان كذبًا وزورًا، وسليمان رسول أمين بريء من السحر وما زعمته الشياطين لأتباعهم أن سليمان ﵇ ما بلغ ذلك الملك العظيم، والحكم على الجن والإنس إلا بالسحر، فجاء محمد رسول الله خاتم النبيين وإمامهم، فبرأ أخاهم سليمان مما نسبت له الشياطين واليهود من السحر الذي هو كفر، فإن اليهود بنسبتهم السحر إلى نبي الله سليمان لزمهم نسبة الكفر إليه، وحاشا سليمان من الكفر، بل الشياطين وأتباعهم هم الذين كفروا بسليمان وبمحمد رسول الله ﷺ ، وكفروا بتعليمهم الناس السحر وحثهم على العمل به، والسحر هو ما يفعله الساحر من الحيل والتخييلات التي يحصل بسببها للمسحور ما يحصل من الخواطر الفاسدة الشبيهة بما يقع لمن يرى السراب فيظنه ماء، وما يظنه راكب السفينة أو الدابة من أن الجبال تسير، وذهب من عداهم إلى أن له حقيقة مؤثرة. قوله تعالى: ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾ [البقرة: ١٠٢]. قال محمد تقي الدين: لا أعلم آية في كتاب الله تعالى تحيرت في تفسيرها

стр. 115

كما تحيرت في تفسير هذه الآية؛ لأن الناس من زمان الصحابة إلى يومنا هذا اختلفوا في تفسيرها، وأنا أستعين بالله وأختار القول بالذي أراه صحيحًا مطابقًا للأصول، وما أبرئ نفسي من الخطأ، فأقول وبالله التوفيق: أكثر المفسرين على أن (ما) موصولة، فمعناها: أن الشياطين كانوا يعلمون الناس السحر ويعلمونهم ما أنزل على الملكين اللذين أنزلهما الله في بابل بأرض العراق، يعلمان الناس السحر فتنة لهم للتمييز بين من يؤمن بالله ويطيع الله ويلتزم حدوده، وبين من اتبع هواه، وكفر بالله وعصى أمره، وكانا لا يعلمان أحدًا حتى ينصحاه ويخبراه بالعاقبة الوخيمة لمن يتعلم السحر المشتمل على الكفر، فإذا أبى إلا التعلم والعمل به، علماه، قالوا: ولا مانع أن يبتلي الله عباده بمثل هذا. ثم حكى الدكتور محمد تقي الدين قول ابن جرير في الآية وأن (ما) نافية، واختار هذا القول، وتعرض لحديث الملكين هاروت وماروت وافتتانهما بالمرأة التي مسخت كوكبًا هو الزهرة، وبين أنه من الإسرائيليات، وأنه غير مقبول لمخالفته القرآن. ثم نقل من كتاب «التوحيد» وشرحه «تيسير العزيز الحميد» (باب ما جاء في السحر) برمته، وفيه بيان شيء من أنواع السحر، وعقب على ذلك بقوله: «قال محمد تقي الدين مؤلف هذا الكتاب: ومنه ما يسمى في هذا الزمان بعلم الرمل، وذلك أن الكاهن يضع رملًا أمامه وينكت في ذلك الرمل بأصبعه نكتًا كل نكتة فيها كحفرة صغيرة، ويجعلها أربعة أعمدة مبتدأة من الأسفل إلى الأعلى، ثم يسقط تلك العلامات اثنتين اثنتين مبتدئًا من الأسفل إلى الأعلى في الأعمدة الأربعة، ويترك الحفرة الأخيرة والحفرتين الأخيرتين فيتألف له شكل، وكل شكل له اسم، فلنفرض أنه أسقط الأعمدة الأربعة اثنتين اثنتين فبقي من كل عمود نقطة واحدة فيظهر شكل يتألف من عمود فيه أربع فقط، ويسمى هذا: الطريق، ثم يعيد العمل فيبقى مثلًا من كل عمود نقطتان أو حفرتان فيتألف منهما عمود فيه ثماني نقط أو حفر، ويسمى هذا الشكل الجماعة، ويستمر هكذا إلى أن يخرج ستة عشر عمودًا على طريقة الزوج والفرد ولكل شكل اسم يدل على معنى من المعاني، فهناك الطريق والجماعة كما تقدم، وهناك النصرة الداخلة والنصرة الخارجة، والأحيان الإنكيس والأحيان البارح. وقد ذكر هذه الأشكال كلها صاحب «القاموس» وكتب صورها فَرَاجِعْه، فإذا فرضنا أن رجلًا أو امرأة جاء أحدهما إلى الكاهن الذي سمي الرمال وقال

стр. 116

له: عندي مسافر غائب منذ زمان فأخبرني بخبره؛ أو يقول: عندي حاجة أخبرني بها، فينكت في الرمل، فيخرج له في أول مرة الطريق مثلًا فيقول: أنت تسأل عن شخص مسافر غائب عنك لأن الطريق يدل على ذلك، أصحيح ذلك؟ فيقول السائل: نعم فيأخذ الكاهن من السائل علمًا تفصيليًا بعد أن أعطاه علمًا إجماليًا، ثم يخط فتخرج له الجماعة، فيقول: أنت حريص على الاجتماع به؟ فيقول: إي والله يا سيدي هو ابني غاب عني منذ أربع سنين ولم أسمع له خبرًا، فيقول: أبشر ستجتمع به، ثم يخط فيخرج له الأحيان الإنكيس فيقول: إن صاحبك وقع في شدة عظيمة، ولكن هذا شكل النصرة الخارجة إلى جانبه يدل على أنه سيخرج منها بسلام وانتصار، وهكذا لا يزال الكاهن يعطي السائل الغبي أمورًا إجمالية لا يخلو منها زمان ولا مكان، والسائل المغفل يعطيه التفاصيل حتى يأخذ جميع التفاصيل منه ثم يعيدها عليه يسردها سردًا، فيعتقد هذا المغفل أنه علم من خط الرمل كل أخبار المسؤول عنه وأخبره، والحقيقة أن السائل هو الذي أخبر الكاهن بكل شيء وهو لا يشعر، فإن صدق ما أخبره به ازداد اعتقادًا في صحة كهانته، وإن أخطأ غفل عن خطأه، فهذه باختصار إشارة تعرفك أيها القارئ بحقيقة ما سمي بخط الرمل». ثم ذكر المؤلف حكايتين وقعتا له مع بعض من يدعي علم خط الرمل وأنه كشف أمرهم وفضحهم.

стр. 117

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله الواحد الأحد الفرد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد، أشهد أنه الله الذي لا إله إلا هو رب العرش الكريم، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله ذو الخلق العظيم، اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد. أما بعد، فيقول العبد الفقير إلى رحمة ربه الكبير المتعالي محمد تقي الدين بن عبد القادر الهلالي عفا الله عنه ووفقه للعمل الصالح المتوالي: خطر ببالي منذ مدة أن أؤلف كتابًا لنفسي ولمن شاء الله بعدي، أشرح فيه أنواع التوحيد الأربعة (١) التي أولها: توحيد الربوبية، وثانيها: توحيد العبادة، وثالثها: توحيد الاتباع، ورابعها: توحيد الأسماء والصفات، ثم رأيت أن آيات توحيد الربوبية في كتاب الله كثيرة لو استوعبتها مع ما يتعلق بها من الأحاديث النبوية وكلام علماء السلف لعظم حجم الكتاب جدًا لكثرتها، فجعلت (٢) الأقسام ثلاثة: الأول: في توحيد العبادة ممزوجًا بما يحتاج إليه من آيات توحيد الربوبية. والقسم الثاني: يشتمل على آيات توحيد الاتباع - أعني اتباع الكتاب والسنة -، والقسم الثالث: يشتمل على آيات توحيد الأسماء والصفات وهي الآيات التي وصف الله بها نفسه سبحانه وما يتعلق بها من الأحاديث النبوية وأقوال أئمة السلف، وقد أعانني الله سبحانه على إتمام هذا (الجزء الأول)؛ فلله الحمد والمنة، وإياه أسأل، وبأسمائه وصفاته أتوسل، أن يعينني على إتمام الجزئين الباقيين، وسميت هذا الكتاب بأجزائه الثلاثة «سبيل الرشاد»؛ أسأل الله تعالى أن يجعل النفع به كثيرًا، وأن يجعله من الأعمال الباقية، وأن ينفعنا به ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٨٨) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (٨٩)﴾ [الشعراء: ٨٨ - ٨٩].

стр. 118

واعتمدت على تفسير الحافظ أبي الفداء إسماعيل بن كثير القرشي الدمشقي المتوفى سنة (٧٧٤ هـ) - رحمة الله عليه؛ لأني ما رأيت أحدًا من المفسرين يعتني بالتوحيد مثله، وقد أشير «بالكاف» إلى تفسير ابن كثير (١) «وبالجيم» إلى «تفسير ابن جرير» (٢) وبالقاف إلى ما اتفق عليه البخاري ومسلم من الحديث «وبالخاء» إلى ما انفرد به البخاري و «بالميم» إلى ما انفرد به مسلم و «بالدال» إلى سنن أبي داود «وبالتاء» إلى «جامع الترمذي وبالنون» إلى «سنن النسائي وبالحاء والميم» أو «الألف المهموزة إلى مسند الإمام أحمد».

стр. 119

القسم الأول توحيد العبادة وتوحيد الربوبية

стр. 120

سورة الفاتحة الباب الأول قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ قال (ع): في تفسير ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] ما نصه: «﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ لك اللهم نخشع ونذل ونستعين (١) إقرارًا لك يا رب بالربوبية لا لغيرك (٢). ثم روى بسنده إلى عبد الله بن عباس: قال جبريل لمحمد ﷺ : قل يا محمد: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ إياك نوحد ونخاف ونرجو يا ربنا لا غيرك» (٣)، وذلك من قول ابن عباس بمعنى ما قلنا، وإنما اخترنا البيان عن تأويله بأنه بمعنى نخشع ونذل ونستعين، دون البيان عنه بأنه بمعنى: نرجو ونخاف، وإن كان الرجاء والخوف لا يكونان إلا مع ذلة؛ لأن العبودية عند جميع العرب أصلها الذلة، وإنها تسمي الطريق المذلل الذي وطئته الأقدام وذللته السابلة معبدًا، من ذلك قول طرفة بن العبد (٤): تُبَارِي عِشَاقًا ناجياتٍ وأَتْبَعت … وَظيفًا (٥) وَظيفًا فوقَ مَوْرٍ مُعَبَّدِ يعني بالمور الطريق، وبالمعبد المذلل الموطوء، ومن ذلك قيل للبعير المذلل بالركوب في الحوائج: معبد، ومنه سمي العبد عبدًا، لذلته لمولاه … » (٦).

стр. 121

قال محمد تقي الدين: وقوله: «وذللته السابلة»، المراد بالسابلة: «أبناء السبيل المختلفون على الطرقات في حاجاتهم»، قاله (١) صاحب «اللسان» (٢). وقوله: «إياك نستعين قال أبو جعفر معنى قوله: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، وإياك ربنا (٣) نستعين على عبادتنا إياك وطاعتنا لك (٤) في أمورنا كلها لا أحدًا سواك، إذا كان (٥) من يكفر بك يستعين في أموره بمعبوده (٦) الذي يعبده من الأوثان دونك فنحن بك نستعين في جميع أمورنا مخلصين لك العبادة» (٧)، ثم روى بسنده إلى الضحاك عن ابن عباس قال: «إياك نستعين على طاعتك وعلى أمورنا كلها» (٨). وقال (ك) في تفسير الآية ما نصه: «والعبادة في اللغة من الذلة، يقال: طريق معبد وبعير معبد، أي: مذلل، وفي الشرع عبارة تجمع (٩) كمال المحبة والخضوع والخوف، وقدم المفعول وهو إياك وكرر للاهتمام والحصر أي: لا نعبد إلا إياك ولا نتوكل إلا عليك، وهذا هو كمال الطاعة، والدين كله يرجع (١٠) إلى هذين المعنيين، وهو كما قال بعض السلف: الفاتحة سر القرآن وسرها هذه الكلمة: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، فالأول تبرؤ من الشرك، والثاني تبرؤ من الحول والقوة وتفويض (١١) إلى الله. وهذا المعنى في غير آية من القرآن كما قال تعالى: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [هود: ١٢٣] ﴿قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا﴾ [الملك: ٢٩] ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا﴾ [المزمل: ٩].

стр. 122

وكذلك هذه الآية الكريمة: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥]، وتحول الكلام من الغيبة إلى المواجهة بكاف الخطاب فيه مناسبة (١)؛ لأنه لما أثنى على الله (٢) فكأنه اقترب وحضر بين يدي الله تعالى، فلهذا قال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ وفي هذا دليل على أن السورة (٣) خبر من الله تعالى بالثناء على نفسه الكريمة بجميل صفاته الحسنى، وإرشاد لعباده بأن يثنوا عليه بذلك، ولهذا لا تصح صلاة من لم يقل ذلك وهو قادر عليه، كما جاء في «الصحيحين» عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله ﷺ : «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» (٤)، وفي «صحيح مسلم» من حديث العلاء بن عبد الرحمن مولى الحرقة عن أبيه عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ : «يقول الله تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، فنصفها لي ونصفها لعبدي ولعبدي ما سأل، إذا قال العبد: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، قال الله: حمدني عبدي، وإذا قال: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ قال الله: أثنى علي عبدي، فإذا قال: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾، قال الله: مجدني عبدي، وإذا قال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ قال: هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل، فإذا قال: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾، قال هذا لعبدي ولعبدي ما سأل» (٥). وقال (٦) قتادة: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، يأمركم أن تخلصوا له العبادة وأن تستعينوه على أموركم». وإنما قدم ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ على «إياك نستعين»؛ لأن العبادة له هي المقصودة والاستعانة وسيلة إليها والاهتمام والحزم ما هو الأهم (٧) فالأهم» (٨). ثم قال: «والعبادة مقام عظيم يشرف به العبد عند الله.

стр. 123

تَعَالَى (١): وَقد سَمَّى الله رَسُولَهُ (٢) ﷺ بِعَبْدِهِ في أَشْرَفِ مَقَامَاتِهِ فَقَالَ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ﴾ [الكهف: ١]، ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ﴾ [الجن: ١٩]، ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾ [الإسراء: ١] فسماه عبدًا عند إنزاله عليه، وعند قيامه في الدعوة وإسرائه به، وأرشده إلى القيام بالعبادة في أوقات يضيق فيها صدره (٣) من تكذيب المخالفين، حيث يقول: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ (٩٧) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (٩٨) وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر: ٩٧ - ٩٩] (٤). قال الشوكاني: «والمعنى نخصك بالعبادة ونخصك بالاستعانة لا نعبد غيرك ولا نستعينه، والعبادة أقصى غايات الخضوع والتذلل» (٥). في هذا الكلام فوائد الأولى: معنى العبادة لغة وشرعًا، والثانية: معنى الاستعانة لغة وشرعًا، والثالثة: تقديم المعمول يفيد الحصر في الموضوعين: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، الرابعة: الدين كله يرجع إلى هذين المعنيين، الخامسة: الالتفات من الغيبة إلى الخطاب، السادسة: لا تصح صلاة من لم يقل: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ وما قبلها وما بعدها من الفاتحة، السابعة: السر في تقديم ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ على ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، الثامنة: العبادة أشرف المقامات خلافًا لمن ظن العكس من الجاهلين من النصارى وأشباههم، التاسعة: من ضاق صدره فليبادر إلى العبادة. قال محمد تقي الدين: قول الشوكاني: «والعبادة أقصى غايات الخضوع والتذلل»، إن كان يريد المعنى اللغوي فهو صحيح، قال تعالى في سورة المؤمنين حكاية عن موسى: ﴿فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ﴾

стр. 124

[المؤمنون: ٤٧] أي: خاضعون متذللون خادمون، وأما إن أراد المعنى الشرعي فهو ناقص، إذ لا تتم العبادة بالخضوع والتذلل فقط حتى يصحبهما الحب والتعظيم والإجلال وتوحيد الله بذلك، وعليه يقال: العبادة غاية التذلل في غاية الحب، مع التوحيد واتباع سنة النبي ﷺ ، وأداء جميع الواجبات وترك المحرمات. الباب الثاني قوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ﴾ [الفاتحة: ٦] إلخ قال (ع): ومعنى قوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: ٦] في هذا الموضع عندنا وفقنا للثبات عليه (١)، قال أبو جعفر: «أجمعت الأمة (٢) من أهل التأويل جميعًا على أن الصراط المستقيم هو الطريق الواضح الذي لا اعوجاج فيه» (٣)، «ومن (٤) ذلك قول جرير بن عطية الخطفي: أمير المؤمنين على صراط … إذا اعوجَّ الموارد مُستقيم (٥) ثم تستعير العرب الصراط فتستعمله في كل قول وعمل وُصِفَ باستقامة أو اعوجاج، فتصف المستقيم باستقامته والمعوج باعوجاجه، ومعناه عندي (٦): وفقنا للثبات على ما ارتضيته ووفقت له من أنعمت عليه من عبادك من قول وعمل (٧)؛

стр. 125

لأن من وُفِّق لما وُفِّق له من أنعم الله عليه (١) فقد وُفِّق لاتباع منهاج النبي ﷺ ومنهاج أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وكل عبد صالح (٢). ﴿الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: ٧] بطاعتك وعبادتك من ملائكتك، وأنبيائك، والصديقين، والشهداء، والصالحين، وذلك نظير ما قال ربنا في تنزيله في سورة النساء: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: ٦٩] ثم روى بسنده مثل ذلك الذي قاله عن ابن عباس وغيره من السلف، ثم قال: «وفي هذه الآية دليل (٣) على أن طاعة الله لا ينالها المطيعون إلا بإنعام الله بها عليهم وتوفيقه إياهم لها» (٤). والمراد بـ ﴿الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: ٧] من ذكرهم الله في سورة المائدة بقوله: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾، ثم روى بسنده إلى عدي بن حاتم قال: قال لي النبي ﷺ : «﴿الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾: اليهود» (٥)، ثم روى مثل ذلك عن جماعة من الصحابة والتابعين موقوفًا عليهم (٦).

стр. 126

وقوله: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧]، قال (ع): «فإن قال لنا قائل: ومن هؤلاء الضالون الذين أمرنا الله بالاستعاذة بالله أن يسلك بنا سبيلهم ونضل ضلالهم؟ قيل: هم الذين وصفهم الله في تنزيله، فقال: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ [المائدة: ٧٧] (١)، ثم روى بسنده إلى عدي بن حاتم قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧] قال: النصارى» (٢). قال محمد تقي الدين: ذكرت الآيتين الأخيرتين وجعلتهما من أدلة توحيد العبادة؛ لأنهما دعاء والدعاء عبادة كما في الحديث الصحيح: «الدعاء هو العبادة» (٣). رواه أحمد والأربعة والبخاري في «الأدب المفرد» عن النعمان بن بشير عن النبي ﷺ ، وفي حديث آخر: «الدعاء مخ العبادة» (٤). رواه الترمذي عن أنس مرفوعًا عن النبي ﷺ ، فهداية القلوب لا يقدر عليها إلا الله تعالى، فمن زعم من المتصوفة أن شيخه يتصرف في قلبه هداية وإضلالًا وتنويرًا وإظلامًا ولينًا وقسوة وإقبالًا وإعراضًا فقد اتخذ مع الله إلهًا آخر، قال النبي ﷺ : «يا مقلب

стр. 127

القلوب ثبت قلوبنا على دينك» (١)، فقلوب العباد بيد الله تعالى يهدي من يشاء ويضل من يشاء، ومن وفق لطلب الهداية فإن الله يهديه، وقال تعالى في سورة الأنفال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ، وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [الأنفال: ٢٤].

стр. 128

سورة البقرة الباب الأول قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢١ - ٢٢] قال (ك) (١): «لما فرغ سبحانه من ذكر المؤمنين والكافرين والمنافقين، أقبل عليهم بالخطاب التفاتًا للنكتة السابقة في الفاتحة (٢)، وإنما خص نعمة الخلق وامتن عليهم (٣)؛ لأن جميع النعم مترتبة عليها وهي أصلها الذي لا يوجد شيء بدونه (٤) وأيضًا فالكفار مقرّون بأن الله هو الخالق ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُم مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف: ٨٧] فامتن الله عليهم بما يعترفون به ولا ينكرونه (٥).

стр. 129

وَلعل أصلها للترجي (١) وهو محال (٢) على الله تعالى». فمعناها هنا أن الله يقول لعباده وحدوا ربكم بعبادته ولا تشركوا به شيئًا وبذلك تصلون إلى التقوى وهي سبب سعادتكم، وتنجون من الشرك الذي هو سبب شقاء وهلاك. وقيل: إن العرب استعملت «لعل» مجردة من الشك بمعنى لام كي، والمعنى هنا لتتقوا. قال الشاعر (٣): وَقُلْتُمْ لَنَا كُفُّوا الحروب لَعَلَّنا … نكُفَّ وَوَثَّقْتُم لَنَا كُلَّ مَوْثِقِ فلمَّا كَفَفنا الحَرْبَ كانت عُهُودُكُمْ … كَشَبه سَرَابٍ في الفلا (٤) مُتأَلْقِ «فِرَاشًا» (٥) (٦): أي وطاء يستقرون عليها، لما قدم نعمة خلقهم، أتبعه بنعمة خلقه الأرض، «ثم أتبع ذلك بنعمة جعل السماء كالقبة المضروبة عليهم والسقف للبيت الذي يسكنون (٧) كما قال: ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا﴾ (٨) [الأنبياء: ٣٢]»، ثم امتن عليهم بإنزال الماء من السماء» (٩)، «وَالثَّمَرَاتِ» جمع ثمرة، والمعنى: أخرجنا لكم ألوانًا من الثمرات وأنواعًا من النبات ليكون ذلك متاعًا لكم إلى حين، والأنداد: جمع ند، وهو المثيل والنظير (١٠)، «﴿وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ خطاب للكفار والمنافقين» (١١) وفيه دليل على وجوب استعمال الحجج وترك التقليد.

стр. 130

وأخرج (ج) (١) وغيره عن ابن عباس قوله: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا﴾ أي لا تشركوا به (٢) غيره من الأنداد التي لا تضر ولا تنفع (٣) وأنتم تعلمون أنه لا رب لكم يرزقكم غيره. وأخرج (حم) و (غ) في الأدب المفرد وغيرهما عن ابن عباس قال: قال رجل للنبي ﷺ : ما شاء الله وشئت، قال: «أجعلتني لله ندًا؟ قل: ما شاء الله وحده» (٤). وأخرج ابن سعد عن قُتَيلة بنت صَيْفِي قالت: «جاء حبر من الأحبار إلى النبي ﷺ فقال: يا محمد نعم القوم أنتم لولا أنكم تشركون! قال: كيف؟ قال: يقول أحدكم: لا والكعبة، فقال النبي ﷺ : «من حلف فليحلف برب الكعبة»، فقال: يا محمد، نعم القوم أنتم لولا أنكم تجعلون لله ندًا! قال: وكيف ذلك؟ قال: يقول أحدكم: ما شاء الله وشئت، فقال النبي ﷺ : «فمن قال منكم: ما شاء الله، فليقل: ثم شئت» (٥). وأخرج (حم) و (د) وغيرهما عن حذيفة ابن اليمان قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تقولوا: ما شاء الله وشاء فلان، قولوا: ما شاء الله ثم فلان» (٦). وأخرج (حم) وغيره عن الطفيل بن سخبرة أنه رأى فيما يرى النائم كأنه مر

стр. 131

برهط من اليهود فقال: أنتم نعم القوم لولا أنكم تزعمون أن عزيرًا ابن الله! فقالوا: وأنتم نعم القوم لولا أنكم تقولون: ما شاء الله وشاء محمد، ثم مر برهط من النصارى فقال: أنتم نعم القوم لولا أنكم تقولون: المسيح ابن الله! قالوا: وأنتم نعم القوم لولا أنكم تقولون: ما شاء الله وشاء محمد، فلما أصبح أخبر النبي ﷺ ، فخطب فقال: «إن طفيلًا رأى رؤيا وإنكم تقولون كلمة كان يمنعني الحياء منكم، فلا تقولوها ولكن قولوا: ما شاء الله وحده لا شريك له» (١). وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: «الأنداد الشركاء (٢) أخفى من دبيب النمل على صفاة سوداء في ظلمة الليل، وهو أن تقول: والله وحياتك يا فلان (٣) وحياتي، وتقول: لولا كلبة هذا لأتانا اللصوص، ولولا البط في الدار لأتى اللصوص، وقول الرجل: (٤) ما شاء الله وشئت، وقول الرجل: لولا الله وفلان (٥)، هذا كله شرك (٦). وأخرج (غ) و (م) عن ابن مسعود قال: قلت: يا رسول الله أي الذنب أعظم؟ قال: «أن تجعل الله ندًا وهو خلقك» (٧). وروى (ج) بسنده إلى ابن عباس في تفسير قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ قال: وحدوه (٨).

стр. 132

قال محمد تقي الدين: قوله: «وحدوه»؛ لأن الذين تقدم ذكرهم من أنواع الكفار كلهم يعبدون الله ولكنهم لا يوحدونه ومن صرف من عبادته لغير الله مثقال ذرة، فلم يعبده؛ لأن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصًا له من الشرك الأكبر والأصغر كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٤٨] وقال تعالى: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١) لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (٢) وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ [الكافرون: ١ - ٣]، فنفى عنهم عبادة الله تعالى مع أنهم كانوا يعبدون الله بالحج والدعاء والصدقة والذبح إلا أنهم كانوا يشركون معه غيره، فكان قائلهم يقول إذا أهل بالحج: «لبيك لا شريك لك، إلا شريكًا هو لك تملكه وما ملك» (١). فمن أهل هذا الزمان من يصلي صلاة كثيرة ويصوم ويتصدق ويذكر الله، ولكنه مع ذلك يدعو غير الله ويستغيث بغير الله ويذبح لغير الله ويحلف بغير الله ويخاف غير الله ويرجو غير الله ويتذلل لغير الله ظاهرًا وباطنًا، وبعض هذه الأمور بل كلها يحبط عمله فلا يقبل الله منه شيئًا؟ قال تعالى في سورة الزمر: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٥) بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [الزمر: ٦٥ - ٦٦]. قال محمد تقي الدين في هاتين الآيتين نوعان من التوحيد: أولهما: توحيد العبادة في قوله تعالى: ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ [البقرة: ٢١] وقول ابن عباس: أي: وحدوه، والثاني: توحيد الربوبية، وتوحيد الربوبية إذا لم يكن معه توحيد العبادة لا ينفع صاحبه شيئًا؛ فإن أكثر الكفار يعتقدون أن الله ربهم وخالقهم ومليكهم والمنعم عليهم فلم ينفعهم ذلك شيئًا؛ لأنهم لم يخصوه بالعبادة والتوجه والقصد والطلب، ونعم الله على عباده كثيرة لا يحصيها إلا هو كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم: ٣٤] وقد ذكر في هاتين الآيتين نعمًا متعددة أولاها أنه خالق كل شيء، ثانيها أنه جعل للناس هذه الأرض صالحة لسكناهم وفيها أسباب الراحة ثالثها أنه جعل السماء سقفًا حافظًا لهم من الآفات التي تأتي من السموات، رابعها أنه أنزل من السماء ماء مباركًا لا يستطيع إنزاله إلا هو، ولا حياة لهم بدونه خامسها أنه أخرج لنا به من أنواع النبات

стр. 133

والأشجار من الزروع والحبوب والفواكه والثمار ما لا يكاد يحصى. وقال بعد ذلك: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا﴾، أي: شركاء في العبادة تخافونهم وترجون نفعهم وتتملقون لهم، وأنتم تعلمون علمًا لا شك فيه أن خالقكم ورازقكم ومحييكم ومميتكم واحد هو الله، هذا للذين يقرون بوجود الله، أما الذين ينكرون فهم فئة فقيرة حقيرة مكابرة مغالطة، وللكلام معهم موضع آخر. الباب الثاني قوله تعالى: ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ [البقرة: ٤٠] قال (ك) في قوله تعالى: ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ﴾: «إسرائيل هو (١) يعقوب» (٢) وقوله تعالى: ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ قال مجاهد: نعمة الله التي أنعم (٣) الله بها عليهم فيما سمى وفيما سوى ذلك أن فجر لهم البحر، وأنزل عليهم المن والسلوى، ونجاهم من عبودية آل فرعون (٤)، وقال أبو العالية: نعمته أن جعل منهم الأنبياء والرسل، وأنزل عليهم الكتب (٥)، قلت: وهذا كقول (٦) موسى ﵇ لهم: ﴿يَاقَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ [المائدة: ٢٠]؛ يعني في زمانهم» (٧)، ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ [البقرة: ٤٠]. قال: بعهدي الذي أخذت في أعناقكم للنبي (٨).

стр. 134

جاءكم (١) أنجز لكم ما وعدتكم عليه من تصديقه (٢) واتباعه بوضع ما كان عليكم من الآصار (٣) والأغلال التي كانت في أعناقكم بذنوبكم التي كانت من أحداثكم. وقال الحسن البصري: هو قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَأُكَفِّرَنَّ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ الآية [المائدة: ١٢] .. وقال آخرون: هو الذي أخذ الله عليهم في التوراة أنه سيبعث من بني إسماعيل (٤) نبيًا عظيمًا» (٥). فصل في ذكر البشارة بنبينا ﷺ من التوراة قال الرازي في (الجزء الثالث) من «تفسيره» (ص ٢٦) (٦): «وسنذكر (٧) الآن بعض ما جاء في كتب الأنبياء المتقدمين من البشارة بمقدم محمد ﷺ : فالأول: جاء في (الفصل التاسع) من (السفر الأول) من «التوراة» «أن هاجر لما غضبت عليها سارة تراءى لها ملك من قبل الله، فقال لها: يا هاجر، أين تريدين ومن أين أقبلت؟ فقالت: أهرب من سيدتي سارة! فقال لها: ارجعي إلى سيدتك واخفضي لها فإن الله سيكثر زرعك وذريتك وستحبلين وتلدين ابنًا وتسمينه إسماعيل، من أجل أن الله سمع تبتلك وخشوعك، وهو يكون عين (٨) الناس، وتكون يده فوق الجميع، ويد الجميع مبسوطة إليه بالخضوع، وهو يشكر على

стр. 135

رغم جميع إخوته» (١)، واعلم أن الاستدلال بهذا الكلام أن هذا الكلام خرج مخرج البشارة وليس يجوز أن يبشر الملك من قبل الله بالظلم والجور وبأمر لا يتم إلا بالكذب على الله تعالى، ومعلوم أن إسماعيل وولده لم يكونوا متصرفين في الكل أعني في معظم الدنيا ومعظم الأمم، ولا كانوا مخالطين للكل على سبيل الاستيلاء إلا بالإسلام؛ لأنهم كانوا قبل الإسلام محصورين في البادية لا يتجاسرون على الدخول في أوائل العراق وأوائل الشام إلا على أتم خوف، فلما جاء الإسلام استولوا على الشرق والغرب بالإسلام، ومازجوا الأمم ووطئوا بلادهم ومازجتهم الأمم وحجوا بيتهم ودخلوا باديتهم بسبب مجاورة الكعبة، فلو لم يكن النبي ﷺ صادقًا لكانت هذه المخالطة منهم للأمم ومن الأمم لهم معصية الله تعالى وخروجًا عن طاعته إلى طاعة الشيطان والله يتعالى عن أن يبشر بما هذا سبيله. والثاني: جاء في الفصل الحادي عشر من (السفر الخامس): «إن الرب إلهكم يقيم لكم نبيًا مثلي من بينكم ومن إخوانكم» وفي هذا الفصل: «إن الرب تعالى قال لموسى: إني مقيم لهم نبيًا مثلك من بين إخوانهم وأيما رجل لم يسمع كلماتي التي يؤديها عني ذلك الرجل باسمي أنا أنتقم منه». وهذا الكلام يدل على أن النبي الذي يقيمه الله تعالى ليس من بني إسرائيل، كما أن من قال لبني هاشم إنه سيكون من إخوانكم إمام أعقل منه أنه (٢) لا يكون من بني هاشم، ثم إن يعقوب ﵇ هو إسرائيل، ولم يكن له أخ إلا عيص (٣) ولم يكن للعيص ولد من الأنبياء سوى أيوب وإنه كان قبل موسى ﵇، فلا يجوز أن يكون موسى ﵇ مبشرًا به. وأما إسماعيل فإنه كان أخًا لإسحاق والد يعقوب، ثم إن كل نبي بعث بعد موسى كان من بني إسرائيل. فالنبي ﷺ ما كان منهم لكنه من إخوانهم لأنه من ولد إسماعيل الذي هو أخ (٤) إسحاق ﵇. فإن قيل: قوله: «من بينكم» يمنع من أن يكون المراد محمدًا (٥)؛ لأنه

стр. 136

لم يقم من بين بني إسرائيل، قلنا: بل قد قام من بينهم؛ لأنه ﷺ ظهر بالحجاز فبعث بمكة وهاجر إلى المدينة وبها تكامل أمره، وقد كان حول المدينة بلاد اليهود كخيبر، وبني قينقاع، والنضير وغيرهم، وأيضًا فإن الحجاز يقارب الشام وجمهور اليهود كانوا إذ ذاك بالشام، فإذا قام محمد بالحجاز فقد قام بينهم (١)، وأيضًا فإنه إذا كان من إخوانهم فقد قام من بينهم، فإنه ليس ببعيد منهم. الثالث: قال في الفصل العشرين من هذا «السفر»: «إن الرب تعالى جاء من (٢) طور سيناء وطلع لنا من ساعير وظهر من جبال فاران وصف عن يمينه القديسون (٣)، فمنحهم العز وحببهم إلى الشعوب ودعا لجميع قديسيه بالبركة». وجه الاستدلال أن جبال فاران هي بالحجاز؛ (٤) لأن في التوراة أن إسماعيل تعلم الرمي في برية فاران ومعلوم أنه إنما سكن بمكة، إذا ثبت هذا فنقول: إن قوله: «فمنحهم العز» لا يجوز أن يكون المراد إسماعيل ﵇؛ لأنه لم يحصل عقب (٥) سكني إسماعيل ﵇ هناك عز ولا اجتمع هناك القديسون (٦)، فوجب حمله على محمد ﷺ ، (٧) قالت اليهود: المراد أن النار لما ظهرت من طور سيناء ظهرت من ساعير نار أيضًا، ومن جبل فاران أيضًا فانتشرت في هذه المواضع. قلنا: هذا لا يصح؛ لأن الله تعالى لو خلق نارًا في موضع فإنه لا يقال: جاء الله من ذلك الموضع إلا إذا تبع تلك (٨) الواقعة وحي نزل في ذلك الموضع أو عقوبة وما أشبه ذلك، وعندكم إن لم يتبع ظهور النار وحي ولا كلام إلا من طور سيناء، فما كان ينبغي إلا أن يقال: «جاء الله من طور سيناء».

стр. 137

فأما أن يقال (١): ظهر من ساعير ومن جبل فاران فلا يجوز وروده، كما لا يقال: جاء الله من الغمام إذا ظهر في الغمام احتراق ونيران كما يتفق ذلك في أيام الربيع (٢). وأيضًا ففي كتاب «حبقوق» (٣) بيان ما قلنا، وهو تجلي (٤) الله من طور سيناء القدس (٥) من جبل فاران لو انكشفت (٦) السماء من بهاء محمد، وامتلأت الأرض من حمده، يكون شعاع منظره مثل النور يحفظ بلده بعزه، تسير المنايا أمامه، ويصحب سباع الطير أجناده قام فمسح الأرض وتأمل الأمم وبحث عنها فتضعضعت الجبال القويمة (٧)، واتضعت الروابي الدهرية، وتزعزعت ستور أهل مدين، ركبت الخيول وعلوت مراكب الانقياد والغوث، وستنزع في قسيك إغراقًا

стр. 138

ونزعًا وترتوي السهام بأمرك يا محمد ارتواء، وتخور الأرض بالأنهار، ولقد رأتك الجبال فارتاعت، وانحرف عنك شؤبوب (١) السيل، ونفرت المهاري نفيرًا ورعبًا، ورفعت أيديها وجلًا وفرقًا، وتوقفت (٢) الشمس والقمر عن مجراهما، وسارت العساكر في برق سهامك ولمعات بيانك (٣) تدوخ الأرض غضبًا وتدوس الأمم زجرًا؛ لأنك ظهرت بخلاص أمتك وإنقاذ تراب آبائك» هكذا نقل عن ابن ربَّن (٤) الطبري. أما النصارى، فقال أبو الحسين ﵀ في كتاب «الغرر»: قد رأيت في نقولهم: «وظهر من جبال فاران لقد تقطعت السماء من بهاء محمد المحمود وترتوي السهام بأمرك المحمود؛ لأنك ظهرت بخلاص أمتك وإنقاذ مسيحك»، فظهر بما ذكرنا أن قوله تعالى في التوراة: «ظهر الرب من جبال فاران». ليس معناه ظهور النار منه بل معناه ظهور شخص موصوف بهذه الصفات، وما ذاك إلا رسولنا محمد ﷺ ، فإن قالوا: المراد مجيء الله؛ ولهذا قال في آخر الكلام: (وإنقاذ مسيحك)، قلنا: لا يجوز وصف الله تعالى بأنه يركب الخيول وبأن شعاع منظره مثل النور، وبأنه جاز المشاعر القديمة، وأما قوله: (وإنقاذ مسيحك)، فإن محمدًا ﷺ أنقذ المسيح من كذب اليهود والنصارى» (٥).

стр. 139

الباب الثالث قوله تعالى: ﴿وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ﴾ [البقرة: ٤١] إنه تعالى يتوعدهم فيما يتعمدونه من كتمان الحق وإظهار خلافه ومخالفتهم الرسول صلوات الله وسلامه عليه. قال محمد تقي الدين الهلالي: والتقوى اجتناب النواهي وامتثال الأوامر، فمن اتخذ شخصًا غير معصوم يجتنب كل ما نهاه عنه ويمتثل كل ما أمره به، فقد اتخذ مع الله إلهًا آخر، فإن كل واحد غير معصوم، وإن بلغ في العلم والصلاح ما بلغ لا يقبل قوله في الدين حتى يعرض على كتاب الله وسنة رسوله فما وافق يؤخذ وما خالف يترك، وغلاة المتصوفة يأمرون المريدين أن يطيعوا شيوخهم في كل ما يأمرون به بدون سؤال ولا مراجعة، ويقولون: (من قال لشيخه: «لم»؟ لا يفلح أبدًا) وقال شاعرهم (١): وكُن عنده كالميت عند مُغَسِّلٍ … يُقَلِّبه ما شاء وهو مطاوع ويقولون: إذا رأيت امرأة حسناء دخلت على شيخك فقم سخن الماء،

стр. 140

وأقوالهم في ذلك كثيرة، فهؤلاء اتخذوا شيوخهم أربابًا من دون الله، ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣١]. الباب الرابع قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ [البقرة : ٤٨] لما ذكرهم تعالى بنعمه أولًا عطف على ذلك التحذير من طول عقابه لهم يوم القيامة، فقال: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا﴾؛ يعني: يوم القيامة ﴿لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ أي: لا يغني أحد عن أحد كما قال: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الإسراء: ١٥] وقال: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس: ٣٧] وقال: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ، وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا﴾ [لقمان: ٣٣] لهذا أبلغ التحذير، أن كلًا من الوالد وولده لا يغني أحدهما عن الآخر شيئًا وقوله تعالى: ﴿وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ﴾، يعني: من الكافرين كما قال: ﴿فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [المدثر: ٤٨] وكما قال في أهل النار: ﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ (١٠٠) وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ [الشعراء: ١٠٠ - ١٠١] وقوله تعالى: ﴿وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ﴾ أي: لا يقبل منها فداء كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ﴾ [آل عمران: ٩١] وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٦] وقال تعالى: ﴿وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَا يُؤْخَذْ مِنْهَا﴾ [الأنعام: ٧٠] وقال: ﴿فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنكُمْ فِدْيَةٌ وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلَاكُمْ﴾ الآية [الحديد: ١٥]، فأخبر تعالى أنهم إن لم يؤمنوا برسوله ويتابعوه على ما بعثه به ووافوا الله يوم القيامة على ما هم عليه، فإنه لا ينفعهم قرابة قريب ولا شفاعة ذي جاه، ولا يقبل منهم فداء ولو بملء الأرض ذهبًا كما قال تعالى: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ﴾ [البقرة: ٢٥٤] قال ابن عباس: ﴿وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ﴾ قال: «بدل، والبدل: الفدية» (١)، وقال أبو العالية: ﴿وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا

стр. 141

عَدْلُ «أي: فداء» (١)، وروى ابن جرير في ذلك حديثًا مرفوعًا (٢)، وقوله تعالى: ﴿وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ [البقرة: ٤٨] أي: ولا أحد يغضب لهم فينصرهم وينقذهم من عذاب الله كما تقدم من أنه لا يعطف عليهم ذو قرابة ولا ذو جاه، ولا يقبل منهم فداء. ولا لهم ناصر من أنفسهم ولا من غيرهم، كما قال: ﴿فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ﴾ [الطارق: ١٠] أي أنه تعالى لا يقبل فيمن كفر به فدية ولا شفاعة ولا ينقذ أحدًا من عذابه منقذ، ولا يخلص منه أحد، ولا يجير منه أحد، كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ﴾ [المؤمنون: ٨٨] وقال: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ (٢٥) وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ﴾ [الفجر: ٢٥ - ٢٦] وقال: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ (٢٥) بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ﴾ [الصافات: ٢٥ - ٢٦] وقال: ﴿فَلَوْلَا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ﴾ الآية [الأحقاف: ٢٨]، وقال الضحاك عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ﴾ [الصافات: ٢٥]: «ما لكم اليوم لا تمانعون منا، هيهات ليس ذلك لكم اليوم» (٣)، قال ابن جرير: وتأويل قوله: ﴿وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾؛ يعني أنهم يومئذ لا ينصرهم ناصر، كما لا يشفع لهم شافع، ولا يقبل منهم عدل ولا فدية (٤). الباب الخامس قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ (٨٣) وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ (٨٤) ثُمَّ أَنتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ

стр. 142

وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِم بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٨٥) أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ [البقرة: ٨٣ - ٨٦] قال (كـ): يذكر ﵎ بني إسرائيل بما أمرهم به من الأوامر وأخذه ميثاقهم على ذلك، وأنهم تولوا عن ذلك كله وأعرضوا قصدًا وعمدًا وهم يعرفونه ويذكرونه، فأمرهم تعالى أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا، وبهذا أمر جميع خلقه، ولذلك خلقهم كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥] وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦] وهذا هو أعلى الحقوق وأعظمها وهو حق الله ﵎ أن يعبدوه (١) وحده لا شريك له، ثم بعده حق المخلوقين وأكدهم وأولاهم بذلك حق الوالدين ولهذا يقرن ﵎ (٢) بين حقه وحق الوالدين كما قال تعالى: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ [لقمان: ١٤] وقال ﵎: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء: ٢٣] إلى أن قال: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ﴾ [الإسراء: ٢٦] وفي الصحيحين عن ابن مسعود: قلت: يا رسول الله، أي العمل أفضل؟ قال: «الصلاة على وقتها» قلت: ثم أي؟ قال: «بر الوالدين»، قلت: ثم أي؟ قال: «الجهاد في سبيل الله» (٣). ولهذا جاء في الحديث الصحيح: (أن رجلًا قال: يا رسول الله من أبر؟ قال: «أمك» قال: ثم من؟ قال: «أمك»، قال: ثم من؟ قال: «أباك ثم أدناك ثم أدناك») (٤).

стр. 143

وقوله تعالى: ﴿لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ﴾ [البقرة: ٨٣] قال الزمخشري: خبر بمعنى الطلب وهو آكد (١)، وقيل: كان أصله أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ كما قرأها من قرأها من السلف، فحذفت «أن» فارتفع، وحكى عن أبي وابن مسعود (٢) أنهما قرآها: لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ ونقل هذا التوجيه القرطبي في «تفسيره» عن سيبويه، قال: واختاره الكسائي والفراء (٣). قال: وَالْيَتَامَى وهم الصغار الذين لا كاسب لهم من الآباء وَالْمَسَاكِينِ الذين لا يجدون ما ينفقون على أنفسهم وأهليهم، وسيأتي الكلام على هذه الأصناف عند آية النساء التي أمرنا الله تعالى بها صريحًا في قوله: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ الآية [النساء: ٣٦]، وقوله تعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة: ٨٣] أي: كلموهم طيبًا ولينوا لهم جانبًا، ويدخل في ذلك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كما قال الحسن في قوله تعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ فالحُسْن من القول يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ويحكم (٤) ويعفو ويصفح ويقول للناس حسنًا كما قال الله، وهو كل خلق حسن رضيه الله. وقال الإمام أحمد (٥) بسنده عن أبي ذر ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «لا تحتقرن من المعروف شيئًا، وإن لم تجد؛ فالق أخاك بوجه منطلق» (٦) وناسب أن يأمرهم بأن يقولوا للناس حسنًا بعد ما أمرهم بالإحسان إليهم بالفعل، فجمع بين

стр. 144

طرفي الإحسان الفعلي والقولي، ثم أكد الأمر بعبادته والإحسان إلى الناس بالمتعين (١) من ذلك، وهو الصلاة والزكاة فقال: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٨٣] وأخبر أنهم تولوا عن ذلك كله، أي: تركوه وراء ظهورهم، وأعرضوا عنه - على عهد بعد العلم به - إلا القليل منهم، وقد أمر الله هذه الأمة بنظير ذلك في سورة النساء بقوله: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا﴾ [النساء: ٣٦] (٢). ثم قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ (٨٤) ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٨٥) أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ [البقرة: ٨٤ - ٨٦]. يقول الله ﵎ منكراً على اليهود الذين كانوا في زمان رسول الله ﷺ بالمدينة وما كانوا يعانون (٣) من القتال مع الأوس والخزرج، وذلك أن الأوس والخزرج - وهم الأنصار - كانوا في الجاهلية عباد أصنام، وكانت بينهم حروب كثيرة وكان يهود المدينة ثلاث قبائل: بنو قينقاع، وبنو النضير حلفاء الخزرج، وبنو قريظة حلفاء الأوس، فكانت الحرب إذا نشبت بينهم قاتل كل فريق مع حلفائه، فيقتل اليهودي أعداءه، وقد يقتل اليهودي الآخر من الفريق الآخر وذلك حرام عليهم في دينهم ونص كتابهم (٤)، ويخرجونهم من بيوتهم وينتهبون (٥) ما فيها من الأثاث والأمتعة والأموال، ثم إذا وضعت الحرب أوزارها استفدوا الأسارى

стр. 145

مِنَ الفَرِيقِ المَغْلُوبِ عَمَلًا بِحُكْمِ التَّوْرَاةِ، وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ [البقرة: ٨٥] وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ﴾ أَيْ: لَا يَقْتُلُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَلَا يُخْرِجُهُ مِنْ مَنْزِلِهِ، وَلَا يُظَاهِرُ عَلَيْهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ﴾ [البقرة: ٥٤] وَذَلِكَ أَنَّ أَهْلَ المِلَّةِ الوَاحِدَةِ بِمَنْزِلَةِ النَّفْسِ الوَاحِدَةِ كَمَا قَالَ ﵊: «مَثَلُ المُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَوَاصُلِهِمْ بِمَنْزِلَةِ الجَسَدِ الوَاحِدِ، إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الجَسَدِ بِالحُمَّى وَالسَّهَرِ» (١). وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ [البقرة: ٨٤] أَيْ: ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ بِمَعْرِفَةِ هَذَا المِيثَاقِ وَصِحَّتِهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ بِهِ ﴿ثُمَّ أَنتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ﴾ الآيَةَ [البقرة: ٨٥]، قَالَ: مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ يَسَارٍ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي مُحَمَّدٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أَوْ عِكْرِمَةَ (٢) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿ثُمَّ أَنتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ﴾ الآيَةَ، قَالَ: «أَنْبَأَهُمُ (٣) اللَّهُ بِذَلِكَ مِنْ فِعْلِهِمْ وَقَدْ حَرَّمَ عَلَيْهِمْ فِي التَّوْرَاةِ سَفْكَ دِمَائِهِمْ وَافْتَرَضَ عَلَيْهِمْ فِيهَا افْتِدَاءَ (٤) أُسَرَاهُمْ، فَكَانُوا فَرِيقَيْنِ: طَائِفَةٌ مِنْهُمْ بَنُو قَيْنُقَاعَ وَهُمْ حُلَفَاءُ الخَزْرَجِ، وَالنَّضِيرُ وَقُرَيْظَةُ وَهُمْ حُلَفَاءُ الأَوْسِ. فَكَانُوا إِذَا كَانَتْ بَيْنَ الأَوْسِ وَالخَزْرَجِ حَرْبٌ خَرَجَتْ بَنُو قَيْنُقَاعَ مَعَ الخَزْرَجِ وَخَرَجَتِ النَّضِيرُ وَقُرَيْظَةُ مَعَ الأَوْسِ، يُظَاهِرُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الفَرِيقَيْنِ حُلَفَاءَهُ عَلَى إِخْوَانِهِمْ، حَتَّى تَسَافَكُوا (٥) دِمَاءَهُمْ بَيْنَهُمْ وَبِأَيْدِيهِمُ التَّوْرَاةُ يَعْرِفُونَ فِيهَا مَا عَلَيْهِمْ وَمَا لَهُمْ، وَالأَوْسُ وَالخَزْرَجُ أَهْلُ شِرْكٍ يَعْبُدُونَ الأَوْثَانَ وَلَا يَعْرِفُونَ جَنَّةً وَلَا نَارًا وَلَا بَعْثًا وَلَا قِيَامَةً وَلَا كِتَابًا وَلَا حَلَالًا وَلَا حَرَامًا، فَإِذَا وُضِعَتِ الحَرْبُ أَوْزَارَهَا افْتَدَوْا أُسَرَاهُمْ تَصْدِيقًا لِمَا فِي التَّوْرَاةِ وَأَخْذًا بِهِ (٦) يَفْتَدِي بَنُو قَيْنُقَاعَ مَا كَانَ مِنْ أُسَرَاهُمْ فِي أَيْدِي الأَوْسِ، وَيَفْتَدِي النَّضِيرُ وَقُرَيْظَةُ مَا كَانَ فِي أَيْدِي الخَزْرَجِ مِنْهُمْ، وَيَطْلُبُونَ (٧) مَا أَصَابُوا مِنْ
следующие страницы →