← Акыда

Акыда · id 30197

سبيل الرشاد في هدي خير العباد

محمد تقي الدين الهلالي

Полный текст (2 277 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

عَدْلُ «أي: فداء» (١)، وروى ابن جرير في ذلك حديثًا مرفوعًا (٢)، وقوله تعالى: ﴿وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ [البقرة: ٤٨] أي: ولا أحد يغضب لهم فينصرهم وينقذهم من عذاب الله كما تقدم من أنه لا يعطف عليهم ذو قرابة ولا ذو جاه، ولا يقبل منهم فداء. ولا لهم ناصر من أنفسهم ولا من غيرهم، كما قال: ﴿فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ﴾ [الطارق: ١٠] أي أنه تعالى لا يقبل فيمن كفر به فدية ولا شفاعة ولا ينقذ أحدًا من عذابه منقذ، ولا يخلص منه أحد، ولا يجير منه أحد، كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ﴾ [المؤمنون: ٨٨] وقال: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ (٢٥) وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ﴾ [الفجر: ٢٥ - ٢٦] وقال: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ (٢٥) بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ﴾ [الصافات: ٢٥ - ٢٦] وقال: ﴿فَلَوْلَا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ﴾ الآية [الأحقاف: ٢٨]، وقال الضحاك عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ﴾ [الصافات: ٢٥]: «ما لكم اليوم لا تمانعون منا، هيهات ليس ذلك لكم اليوم» (٣)، قال ابن جرير: وتأويل قوله: ﴿وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾؛ يعني أنهم يومئذ لا ينصرهم ناصر، كما لا يشفع لهم شافع، ولا يقبل منهم عدل ولا فدية (٤). الباب الخامس قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ (٨٣) وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ (٨٤) ثُمَّ أَنتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ

стр. 142

وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِم بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٨٥) أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ [البقرة: ٨٣ - ٨٦] قال (كـ): يذكر ﵎ بني إسرائيل بما أمرهم به من الأوامر وأخذه ميثاقهم على ذلك، وأنهم تولوا عن ذلك كله وأعرضوا قصدًا وعمدًا وهم يعرفونه ويذكرونه، فأمرهم تعالى أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا، وبهذا أمر جميع خلقه، ولذلك خلقهم كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥] وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦] وهذا هو أعلى الحقوق وأعظمها وهو حق الله ﵎ أن يعبدوه (١) وحده لا شريك له، ثم بعده حق المخلوقين وأكدهم وأولاهم بذلك حق الوالدين ولهذا يقرن ﵎ (٢) بين حقه وحق الوالدين كما قال تعالى: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ [لقمان: ١٤] وقال ﵎: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء: ٢٣] إلى أن قال: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ﴾ [الإسراء: ٢٦] وفي الصحيحين عن ابن مسعود: قلت: يا رسول الله، أي العمل أفضل؟ قال: «الصلاة على وقتها» قلت: ثم أي؟ قال: «بر الوالدين»، قلت: ثم أي؟ قال: «الجهاد في سبيل الله» (٣). ولهذا جاء في الحديث الصحيح: (أن رجلًا قال: يا رسول الله من أبر؟ قال: «أمك» قال: ثم من؟ قال: «أمك»، قال: ثم من؟ قال: «أباك ثم أدناك ثم أدناك») (٤).

стр. 143

وقوله تعالى: ﴿لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ﴾ [البقرة: ٨٣] قال الزمخشري: خبر بمعنى الطلب وهو آكد (١)، وقيل: كان أصله أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ كما قرأها من قرأها من السلف، فحذفت «أن» فارتفع، وحكى عن أبي وابن مسعود (٢) أنهما قرآها: لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ ونقل هذا التوجيه القرطبي في «تفسيره» عن سيبويه، قال: واختاره الكسائي والفراء (٣). قال: وَالْيَتَامَى وهم الصغار الذين لا كاسب لهم من الآباء وَالْمَسَاكِينِ الذين لا يجدون ما ينفقون على أنفسهم وأهليهم، وسيأتي الكلام على هذه الأصناف عند آية النساء التي أمرنا الله تعالى بها صريحًا في قوله: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ الآية [النساء: ٣٦]، وقوله تعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة: ٨٣] أي: كلموهم طيبًا ولينوا لهم جانبًا، ويدخل في ذلك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كما قال الحسن في قوله تعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ فالحُسْن من القول يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ويحكم (٤) ويعفو ويصفح ويقول للناس حسنًا كما قال الله، وهو كل خلق حسن رضيه الله. وقال الإمام أحمد (٥) بسنده عن أبي ذر ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «لا تحتقرن من المعروف شيئًا، وإن لم تجد؛ فالق أخاك بوجه منطلق» (٦) وناسب أن يأمرهم بأن يقولوا للناس حسنًا بعد ما أمرهم بالإحسان إليهم بالفعل، فجمع بين

стр. 144

طرفي الإحسان الفعلي والقولي، ثم أكد الأمر بعبادته والإحسان إلى الناس بالمتعين (١) من ذلك، وهو الصلاة والزكاة فقال: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٨٣] وأخبر أنهم تولوا عن ذلك كله، أي: تركوه وراء ظهورهم، وأعرضوا عنه - على عهد بعد العلم به - إلا القليل منهم، وقد أمر الله هذه الأمة بنظير ذلك في سورة النساء بقوله: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا﴾ [النساء: ٣٦] (٢). ثم قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ (٨٤) ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٨٥) أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ [البقرة: ٨٤ - ٨٦]. يقول الله ﵎ منكراً على اليهود الذين كانوا في زمان رسول الله ﷺ بالمدينة وما كانوا يعانون (٣) من القتال مع الأوس والخزرج، وذلك أن الأوس والخزرج - وهم الأنصار - كانوا في الجاهلية عباد أصنام، وكانت بينهم حروب كثيرة وكان يهود المدينة ثلاث قبائل: بنو قينقاع، وبنو النضير حلفاء الخزرج، وبنو قريظة حلفاء الأوس، فكانت الحرب إذا نشبت بينهم قاتل كل فريق مع حلفائه، فيقتل اليهودي أعداءه، وقد يقتل اليهودي الآخر من الفريق الآخر وذلك حرام عليهم في دينهم ونص كتابهم (٤)، ويخرجونهم من بيوتهم وينتهبون (٥) ما فيها من الأثاث والأمتعة والأموال، ثم إذا وضعت الحرب أوزارها استفدوا الأسارى

стр. 145

مِنَ الفَرِيقِ المَغْلُوبِ عَمَلًا بِحُكْمِ التَّوْرَاةِ، وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ [البقرة: ٨٥] وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ﴾ أَيْ: لَا يَقْتُلُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَلَا يُخْرِجُهُ مِنْ مَنْزِلِهِ، وَلَا يُظَاهِرُ عَلَيْهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ﴾ [البقرة: ٥٤] وَذَلِكَ أَنَّ أَهْلَ المِلَّةِ الوَاحِدَةِ بِمَنْزِلَةِ النَّفْسِ الوَاحِدَةِ كَمَا قَالَ ﵊: «مَثَلُ المُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَوَاصُلِهِمْ بِمَنْزِلَةِ الجَسَدِ الوَاحِدِ، إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الجَسَدِ بِالحُمَّى وَالسَّهَرِ» (١). وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ [البقرة: ٨٤] أَيْ: ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ بِمَعْرِفَةِ هَذَا المِيثَاقِ وَصِحَّتِهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ بِهِ ﴿ثُمَّ أَنتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ﴾ الآيَةَ [البقرة: ٨٥]، قَالَ: مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ يَسَارٍ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي مُحَمَّدٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أَوْ عِكْرِمَةَ (٢) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿ثُمَّ أَنتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ﴾ الآيَةَ، قَالَ: «أَنْبَأَهُمُ (٣) اللَّهُ بِذَلِكَ مِنْ فِعْلِهِمْ وَقَدْ حَرَّمَ عَلَيْهِمْ فِي التَّوْرَاةِ سَفْكَ دِمَائِهِمْ وَافْتَرَضَ عَلَيْهِمْ فِيهَا افْتِدَاءَ (٤) أُسَرَاهُمْ، فَكَانُوا فَرِيقَيْنِ: طَائِفَةٌ مِنْهُمْ بَنُو قَيْنُقَاعَ وَهُمْ حُلَفَاءُ الخَزْرَجِ، وَالنَّضِيرُ وَقُرَيْظَةُ وَهُمْ حُلَفَاءُ الأَوْسِ. فَكَانُوا إِذَا كَانَتْ بَيْنَ الأَوْسِ وَالخَزْرَجِ حَرْبٌ خَرَجَتْ بَنُو قَيْنُقَاعَ مَعَ الخَزْرَجِ وَخَرَجَتِ النَّضِيرُ وَقُرَيْظَةُ مَعَ الأَوْسِ، يُظَاهِرُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الفَرِيقَيْنِ حُلَفَاءَهُ عَلَى إِخْوَانِهِمْ، حَتَّى تَسَافَكُوا (٥) دِمَاءَهُمْ بَيْنَهُمْ وَبِأَيْدِيهِمُ التَّوْرَاةُ يَعْرِفُونَ فِيهَا مَا عَلَيْهِمْ وَمَا لَهُمْ، وَالأَوْسُ وَالخَزْرَجُ أَهْلُ شِرْكٍ يَعْبُدُونَ الأَوْثَانَ وَلَا يَعْرِفُونَ جَنَّةً وَلَا نَارًا وَلَا بَعْثًا وَلَا قِيَامَةً وَلَا كِتَابًا وَلَا حَلَالًا وَلَا حَرَامًا، فَإِذَا وُضِعَتِ الحَرْبُ أَوْزَارَهَا افْتَدَوْا أُسَرَاهُمْ تَصْدِيقًا لِمَا فِي التَّوْرَاةِ وَأَخْذًا بِهِ (٦) يَفْتَدِي بَنُو قَيْنُقَاعَ مَا كَانَ مِنْ أُسَرَاهُمْ فِي أَيْدِي الأَوْسِ، وَيَفْتَدِي النَّضِيرُ وَقُرَيْظَةُ مَا كَانَ فِي أَيْدِي الخَزْرَجِ مِنْهُمْ، وَيَطْلُبُونَ (٧) مَا أَصَابُوا مِنْ

стр. 146

دمائهم وقتلوا (١) من قتلوا منهم فيما بينهم مظاهرة لأهل الشرك عليهم. يقول الله تعالى ذكره حيث أنبأهم ذلك (٢) ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ [البقرة: ٨٥] أي: تفادونهم بحكم التوراة وتقتلونهم، وفي حكم التوراة أن لا يقتل ولا يخرج من داره ولا يظاهر عليه إلا من يشرك بالله ويعبد الأوثان من دون الله (٣) ابتغاء عرض الدنيا، ففي ذلك من فعلهم مع الأوس والخزرج فيما بلغني نزلت هذه القصة» (٤). وقال أسباط عن السدي عن عبد خير قال: «غزونا مع سلمان بن ربيعة الباهلي بلنجر (٥) فحاصرنا أهلها ففتحنا المدينة وأصبنا سبايا واشترى عبد الله بن سلام يهودية بسبعمائة فلما مر بعراس الجالوت نزل به فقال له عبد الله: يا رأس الجالوت هل (٦) في عجوز ههنا من أهل دينك تشتريها مني؟ قال: نعم، قال: أخذتها بسبعمائة درهم، قال: فإني أربحك سبعمائة أخرى، قال: فإني حلفت أن لا أنقصها من أربعة آلاف، قال: لا حاجة لي فيها، قال: والله لتشترينها أو لتكفرن بدينك الذي أنت عليه قال: ادن مني فدنا منه فقرأ في أذنه مما (٧) في التوراة: (إنك لا تجد مملوكًا من بني إسرائيل إلا اشتريته فأعتقته) ﴿وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ﴾ [البقرة: ٨٥] قال: أنت عبد الله بن سلام؟ قال: نعم، قال: فجاء بأربعة آلاف، فأخذ عبد الله ألفين ورد عليه ألفين … » وهذا السياق ذم اليهود في قيامهم بأمر التوراة التي يعتقدون صحتها ومخالفة شرعها مع معرفتهم بذلك وشهادتهم له بالحجة (٨)، فلهذا لا يؤمنون (٩).

стр. 147

على ما فيها ولا على نقلها ولا يصدقون فيما كتموه (١) من صفة رسول الله ﷺ ونعته ومبعثه ومخرجه ومهاجره وغير ذلك من شؤونه التي أخبرت بها الأنبياء قبله ﵊ (٢). ولهذا قال تعالى: ﴿فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [البقرة: ٨٥] أي: لسبب (٣) مخالفتهم شرع الله وأمره ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ﴾ [البقرة: ٨٥] جزاء على مخالفتهم الكتاب (٤) الذي بأيديهم ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٨٥) أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ﴾ واختاروها (٥) ﴿فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ﴾ [البقرة: ٨٦] أي: لا يفتر عنهم ساعة واحدة ﴿وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ [البقرة: ٨٥ - ٨٦] أي: وليس لهم ناصر ينقذهم مما هم فيه من العذاب الدائم السرمدي ولا يجيرهم منه» (٦). قال محمد تقي الدين: كل من ترك أمرا أمره الله به وهو قادر على فعله يعتبر كافرا بذلك الأمر، فإن الله - أمر اليهود بأمور، أولها: أن لا يقتل بعضهم بعضا، وثانيها: أن لا يخرج أحد أحدا منهم من داره، وثالثها: أن يفديه إذا وجده أسيرا، فارتكب اليهود اثنين من الممنوعات: أحدها: القتل، والثاني: الإخراج، وعملوا بواحد وهو الفداء فسماهم الله كافرين ببعض الكتاب أي بما لم يعملوا به، هذا صريح لا مفر منه للمتخاذلين (٧)، والله المستعان.

стр. 148

الباب السادس قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (١٠١) وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (١٠٢) وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٠١ - ١٠٣]. قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ الآية [البقرة: ١٠١]. المراد بالرسول هنا: نبينا محمد ﷺ ، جاء اليهود بالحق وهو الإسلام والقرآن مصدقًا لما معهم من التوراة، فنبذت طائفة من اليهود وهم أكثرهم كتاب الله وهو القرآن الذي جاء به رسول الله ﷺ ، وقيل: المراد به التوراة. قال محمد تقي الدين: ولا تنافي بينهما فإن من كذب محمدًا ﷺ فقد نبذ التوراة والقرآن جميعًا؛ لأن التوراة بشرت به وأخذ الله الميثاق على أهلها أن يؤمنوا به، كما قال تعالى في سورة آل عمران: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُم مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ، وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾، وقال تعالى في آل عمران أيضًا: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾ [آل عمران: ١٨٧] والنبذ هو الطرح وجعل الشيء وراء الظهر لإهماله والإعراض عنه. وقوله تعالى: ﴿كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٠١] لما لم ينفعهم علمهم

стр. 149

صاروا كمن لا يعلم، أي كالجاهلين، بل العالم الذي لا ينفعه علمه شر من الجاهل كما قال تعالى في سورة البقرة: ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٤٢] الخطاب هنا أيضًا لليهود. وقوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾ [البقرة: ١٠٢]؛ يعني أن اليهود نبذوا ما جاء في التوراة والقرآن من وجوب الإيمان بجميع رسل الله تعالى، واتباع ما جاؤوا به من توحيد الله وطاعته، واتبعوا ما علمتهم الشياطين من السحر الذي نسبته إلى سليمان كذبًا وزورًا! وسليمان رسول أمين بريء من السحر (١)، وما زعمته الشياطين لأتباعهم أن سليمان لما بلغ ذلك الملك العظيم والحكم على الجن والإنس إلا بالسحر، فجاء محمد رسول الله خاتم النبيين وإمامهم فيرًا أخاه سليمان مما نسبت له الشياطين واليهود من السحر الذي هو كفر، فإن اليهود بنسبتهم السحر إلى نبي الله سليمان لزمهم نسبة الكفر إليه، وحاشا سليمان من الكفر، بل الشياطين وأتباعهم هم الذين كفروا بسليمان وبمحمد رسول الله صلى الله عليهما وسلم، وكفروا بتعليمهم الناس السحر وحثهم على العمل به، والسحر هو ما يفعله الساحر من الحيل والتخييلات التي تحصل بسببها للمسحور ما يحصل من الخواطر الفاسدة الشبيهة بما يقع لمن يرى السراب فيظنه ماء، وما يظنه راكب السفينة أو الدابة من أن الجبال تسير، وذهب من عداهم إلى أن له حقيقة مؤثرة (٢)، قوله تعالى: ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾ [البقرة: ١٠٢]. قال محمد تقي الدين: لا أعلم آية في كتاب الله تعالى تحيرت في تفسيرها كما تحيرت في تفسير هذه الآية؛ لأن الناس من زمان الصحابة إلى يومنا هذا اختلفوا في تفسيرها، وأنا أستعين بالله وأختار القول الذي أراه صحيحًا مطابقًا للأصول، وما أبرئ نفسي من الخطأ، فأقول وبالله التوفيق: أكثر المفسرين على أن (ما)، موصولة، فمعناها أن الشياطين كانوا يعلمون الناس السحر ويعلمونهم ما أنزل على الملكين اللذين أنزلهما الله في بابل بأرض العراق يعلمان الناس

стр. 150

السحر فتنة لهم، للتمييز بين من يؤمن بالله ويطيع الله ويلتزم حدوده، وبين من اتبع هواه وكفر بالله وعصى أمره، وكانا لا يعلمان أحدًا حتى ينصحاه ويخبراه بالعاقبة الوخيمة لمن يتعلم السحر المشتمل على الكفر، فإذا أبي إلا التعلم والعمل به علماه، قالوا: ولا مانع أن يبتلي الله عباده بمثل هذا. وقال آخرون - منهم ابن جرير الطبري سيد المفسرين في زمانه -: «أن، (ما)، نافية؛ أي: لم ينزل الله السحر على الملكين وهما جبريل وميكائيل، أو هما (١) ملكان آخران؛ لأن الله حرم السحر وجعله كفرًا وشرًا وفسادًا، فكيف ينزله على الملكين ليعلماه الناس، وقد أخبر أن الشياطين هم الذين كفروا، وهم الذين يعلمون الناس السحر، فكيف يفعل الملكان ما تفعله الشياطين، والله لطيف بعباده؟» (٢). وهذا القول هو الذي انشرحت له نفسي، واطمأن إليه قلبي، أما هاروت وماروت، فعلى القول الأول، هما اسمان للملكين، وعلى القول الذي اخترته وتبعت فيه ابن جرير هما اسمان لرجلين من أهل بابل (٣) كانا يفعلان ذلك وكانا

стр. 151

مع ذلك ينصحان الناس بعدم التعلم، فمن أبى علماه وأدليا حبله على غاربه وحملاه إثم ذلك، ومن هذا السحر ما يفرقون به بين الرجل وامرأته بإيقاع البغض بينهما، وهو فساد وشر لا يستطيع شياطين الإنس والجن أن يفرقوا أحدا بسحر إلا أن يشاء الله ذلك، وأخبرنا أن تعلم السحر يضر ولا ينفع، واختلف العلماء في حكم تعلمه، فقال الجمهور: إنه حرام أو كفر (١)، وقال طائفة منهم الإمام الشافعي ﵀: من تعلمه بقصد تحذير الناس منه ومعرفة حقيقته نصحا لله ولعباده، فلا إثم عليه (٢)، ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا﴾ [البقرة: ١٠٢] أي: علم المتعلمون له، لمن اشتراه؛ أي استبدله بالتورع عنه واختاره معصية لله تعالى، ما له في الآخرة من خلاق؛ أي ما له نصيب في رحمة الله تعالى. ثم اعلم أن هناك حكاية حكاها أكثر المفسرين تقشعر منها الجلود وقد رواها كثير منهم عن النبي ﷺ ، وصحح الحافظ ابن كثير أنها ليست مرفوعة إلى النبي ﷺ ، وإنما رواها عبد الله بن عمر عن كعب الأحبار، وهو أخذها من الإسرائيليات، وملخصها أن الملائكة قالوا: «يا رب تصبر على بني آدم في انهماكهم في المعاصي وتمردهم وتؤخر عقابهم وتمهلهم، فقال الله تعالى: إنهم يؤمنون بي غيبا وأنتم تؤمنون بي مشاهدة، قد ركبت فيهم الشهوة وسلطت عليهم.

стр. 152

الشياطين، فلو أنكم ابتليتم بما ابتلوا به لوقعتم في المعصية، فأنكروا ذلك، فقال الله تعالى: اختاروا ملكين منكم من أفضلكم لأركب فيهما الشهوة وأسلط عليهما الشيطان، فاختاروا هاروت وماروت، فأوصاهما الله تعالى إذا نزلا إلى الأرض أن يحكما بين الناس بالعدل، وأن يتجنبا الشرك به سبحانه والمعاصي، فنزلا إلى الأرض وأخذا يحكمان بين الناس بالعدل حتى جاءتهما امرأة جميلة جدًا تختصم مع زوجها، قيل: إنها فارسية، اسمها بالفارسية: أناهيد، وبالنبطية: بدخت، ففتنتهما بجمالها، فحكما على زوجها جورًا وراوداها عن نفسها فامتنعت منهما إلا بشرط أن يقتلا ابن جارها، ويشربا خمرًا، ويسجدا لصنمها، فلما رضيا بذلك مكنتهما من نفسها فزنيا بها، وشرطت عليهما شرطًا آخر وهو أن يعلماها الاسم الأعظم الذي به يصعدان إلى السماء فعلماها إياه فصعدت إلى السماء بعد ما تلته، فمسخت كوكبًا وهو الزهرة أحد الكواكب السيارة» (١).

стр. 153

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 154

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 155

وأعظم دليل على بطلان هذه الحكاية ما جاء في كتاب الله العزيز من عصمة الملائكة قال تعالى في سورة التحريم: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: ٦] وقال تعالى في سورة الأنبياء (رقم ١٩) وما بعده: ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِندَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ، وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ (١٩) يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء: ١٩ - ٢٠]، وقال تعالى في السورة نفسها (رقم ٢٦ - ٢٩): ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ (٢٦) لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (٢٧) يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ (٢٨) وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ، فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٢٦ - ٢٩]. وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ﴾ الآية [الأنبياء: ٢٩] لا يطعن في عصمتهم لأنه مبني على مستحيل، كقوله تعالى في سورة الزمر (رقم (٦٥) وما بعده: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ

стр. 156

وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ ﴿بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [الزمر: ٦٥ - ٦٦]. فإن النبي ﷺ معصوم من الشرك والكبائر والصغائر، كما قال تعالى في سورة النجم ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣ - ٤] وقال تعالى في سورة الحاقة (رقم ٤٤) وما بعده: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾ [الحاقة: ٤٤ - ٤٦] ومحمد رسول الله ﷺ لا يتقول على الله أبدًا، وهذه الأمور مبنية على فرض المستحيل، ومن العجب أني طالعت أربعة من كبار التفاسير وهي: ابن كثير، وابن جرير، و «الدر المنثور»، والرازي، ولم أر أحدًا منهم احتج بالقرآن على عصمة الملائكة، ولم أحبب أن أسوق الحكاية بطولها وذيولها الكثيرة، بل حكى بعضهم عن الملكين أنهما علَّما بعض الناس السحر حتى بعد توبتهما وتعذيب الله لهما بتعليقهما منكوسين بين السماء والأرض، وهذه في نظري غفلة من المفسرين، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. خاتمة هذا البحث أحببت أن أورد هنا نبذة من شرح (باب ما جاء في السحر) من كتاب «التوحيد» لشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى، والشرح من «تيسير العزيز الحميد» للشيخ الإمام سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب؛ لأنهما أجادا وأفادا فجزاهما الله عن الإسلام خيرًا كثيرًا وسأجعل المتن ممزوجًا بالشرح، وأختصر ما أرى اختصاره مفيدًا، وهذا نصه: (باب ما جاء في السحر) السحر في اللغة: هو ما خفي ولطف سببه ولهذا جاء في الحديث: «إن من البيان لسحرًا» (١) وقال تعالى: ﴿سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ﴾ [الأعراف: ١١٦] أي: أخفوا عنهم علمهم (٢)، ولما كان السحر من أنواع الشرك إذ لا يأتي السحر بدونه، ولهذا جاء في الحديث «ومن سحر فقد أشرك» (٣)، أدخله المصنف في كتاب التوحيد ليبين ذلك تحذيرًا منه كما ذكر غيره

стр. 157

من أنواع الشرك، قال أبو محمد المقدسي في «الكافي» (١): «السحر عزائم ورقى وعقد يؤثر (٢) في القلوب والأبدان (٣) فيمرض ويقتل ويفرق بين المرء وزوجه، ويأخذ أحد الزوجين عن صاحبه، قال الله تعالى: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾ [البقرة: ١٠٢] وقال سبحانه: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ [الفلق: ١] إلى قوله: ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾ [الفلق: ٤]؛ يعني السواحر اللاتي يعقدن في سحرهن وينفثن في عقدهن، ولولا أن للسحر حقيقة لم يأمر بالاستعاذة منه، وقد زعم قوم من المعتزلة وغيرهم أن السحر تخييل لا حقيقة له، وهذا ليس بصحيح على إطلاقه، بل منه ما هو تخييل ومنه ما له حقيقة مما تقدم. قال: وقول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ [البقرة: ١٠٢] أي: ولقد علم اليهود الذين استبدلوا السحر عن متابعة الرسل والإيمان بالله ﴿لَمَنِ اشْتَرَاهُ﴾ أي استبدل ما تتلو الشياطين بكتاب الله ومتابعة رسله ﴿مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾. قال ابن عباس: «من نصيب» (٤)، قال قتادة: «وقد علم أهل الكتاب فيما عهد الله إليهم، أن الساحر لا خلاق له في الآخرة» (٥)، وقال الحسن: «ليس له دين (٦)»، فدلت

стр. 158

الآية على تحريم السحر، وهو كذلك، بل هو محرم في جميع أديان الرسل ﵈ كما قال تعالى: ﴿وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾ [طه: ٦٩] وقد نص أصحاب أحمد على أنه يكفر بتعلمه وتعليمه، وروى عبد الرزاق عن صفوان بن سليم، قال: قال رسول الله ﷺ : «من تعلم شيئا من السحر قليلا كان أو كثيرا، كان آخر عهده من الله» (١). وهذا مرسل، وأما سحر الأدوية والتدخين ونحوه فليس بسحر وإن سمي سحرا فعلى سبيل المجاز، كتسمية القول البليغ والنميمة سحرا، ولكنه يكون حراما لمضرته يعزر من يفعله تعزيرا بليغا، قال عمر بن الخطاب: «الجبت: السحر، والطاغوت الشيطان» (٢)، هذا الأثر، رواه ابن أبي حاتم (٣) وغيره، وعن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «اجتنبوا السبع الموبقات»: قالوا: يا رسول الله ما هن؟ قال: «الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله قتلها إلا بالحق، وأكل الربا وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات» (٤)، رواه البخاري ومسلم، فالموبقات المهلكات لأنها تهلك فاعلها في الدنيا بما يترتب عليها من العقوبات وفي الآخرة من العذاب. بيان شيء من أنواع السحر لما ذكر المصنف ما جاء في السحر أراد هنا أن يبين شيئا من أنواعه لكثرة وقوعها وخفائها على الناس، حتى اعتقد كثير من الناس أن من صدرت عنه هذه

стр. 159

الأمور فهو من الأولياء، وعدّوها من كرامات الأولياء، وآل الأمر إلى أن عبد أصحابها ورجى منهم النفع والضر والحفظ والكلاءة والنصر أحياء وأمواتًا، بل اعتقد كثير في أناس من هؤلاء أن لهم التصرف التام المطلق في الملك، ولا بد من ذكر فرقان يفرق به المؤمن بين ولي الله وبين عدو الله من ساحر وكاهن وعائف وزاجر ومتطير ونحوهم ممن قد يجري على يده شيء من الخوارق، فاعلم أنه ليس كل من جرى على يده شيء من خوارق العادة يجب أن يكون وليًا الله تعالى؛ لأن العادة تنخرق بفعل الساحر والمشعوذ وخبر المنجم والكاهن بشيء من الغيب، مما يخبره به الشياطين المسترقون للسمع، وفعل الشياطين بأناس ينتسبون إلى دين وصلاح ورياضة مخالفة للشريعة كأناس من الصوفية وكرهبان النصارى ونحوهم فيطيرون بهم في الهواء ويمشون بهم على الماء ويأتون بالطعام والشراب والدراهم، وقد يكون ذلك بعزائم ورقى شيطانية وأدوية كالذين يدخلون النار بحجر الطلق ودهن … (١) وقد يكون ذلك برؤيا صادقة فيها ما يستدل به على وقوع ما يقع، وهذه مشتركة بين ولي الله وعدوه، وقد يكون ذلك بنوع طيرة يجدها الإنسان في نفسه فتوافق القدر وتقع كما أخبر، وقد يكون لعلم الرمل والضرب بالحصى، وقد يكون ذلك أشد وطءًا، والأحوال الشيطانية كثيرة، وقد فرق الله بين أوليائه وأعدائه في كتابه فاعتصم به وحده لا إله إلا هو فإنه لا يضل من اعتصم به ولا يشقى، قال تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس: ٦٢ - ٦٣] فذكر تعالى أن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون هم المؤمنون المتقون، ولم يشترط أن يجري على أيديهم شيء من خوارق العادة. تدل على أن الشخص قد يكون وليًا الله وإن لم يجر على يديه شيء من الخوارق إذا كان مؤمنًا متقيًا، وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران: ٣١] فأولياء الله المحبوبون عند الله هم المتبعون للرسول ﷺ

стр. 160

باطنًا وظاهرًا، ومن كان بخلاف هذا فليس بمؤمن فضلًا عن أن يكون وليًا لله تعالى، وإنما أحبهم الله تعالى لأنهم والوه، فأحبوا ما يحب، وأبغضوا ما يبغض، ورضوا بما يرضى، وسخطوا على ما يسخط، وأمروا بما يأمر، ونهوا عما ينهى، وأعطوا من يحب أن يعطي ومنعوا من يحب أن يمنع، وأصل الولاية المحبة والقرب، وأصل العداوة البغض والبعد، وبالجملة أولياؤه أحباؤه المتقربون إليه بالفرائض والنوافل وترك المحارم، الموحدون له الذين لا يشركون بالله شيئًا. ولشيخ الإسلام كتاب «الفرقان» بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان فراجعه فإنه أتى فيه بالحق المبين (١).

стр. 161

فصل في أنواع أخرى من هذا القبيل روى أحمد بسند جيد عن [قَطَن بن] (١) قبيصة عن أبيه أنه سمع النبي ﷺ قال: «إن العيافة والطرق والطيرة من الجبت» (٢) قال عوف: «العيافة،

стр. 162

زجر الطير، والطرق: الخط .. خط (١) في الأرض (٢) والجبت، قال الحسن: «رنة الشيطان» (٣)، ولأبي داود والنسائي وابن حبان في «صحيحه» المسند منه، قال أبو السعادات (٤): «العيافة: زجر الطير والتفاؤل بأسمائها وأصواتها وممرها، وهو من عادة العرب كثيرا وهو كثير في أشعارهم، والطرق: «الخط يخط في الأرض»، هكذا فسره عوف وهو تفسير صحيح، قال أبو السعادات (٥): «هو الضرب بالحصى الذي يفعله النساء»، وقلت: أيا ما كان فهو الجبت» (٦). قال محمد تقي الدين مؤلف هذا الكتاب: ومنه ما يسمى في هذا الزمان بعلم الرمل (٧)، وذلك أن الكاهن يضع رملا أمامه وينكت في ذلك الرمل بإصبعه نكتا كل نكتة فيها كحفرة صغيرة، ويجعلها أربعة أعمدة مبتدأة من الأسفل إلى الأعلى، ثم يسقط تلك العلامات اثنتين اثنتين مبتدئا من الأسفل إلى الأعلى في الأعمدة الأربعة، ويترك الحفرة الأخيرة والحفرتين الأخيرتين فيتألف له شكل، وكل شكل له اسم، فلنفرض أنه أسقط الأعمدة الأربعة اثنتين اثنتين فبقي من كل عمود نقطة واحدة فيظهر شكل يتألف من عمود فيه أربع نقط، ويسمى هذا: الطريق، ثم يعيد العمل فيبقى مثلا من كل عمود نقطتان أو حفرتان فيتألف منهما عمود فيه ثمان نقط أو حفر، ويسمى هذا الشكل: الجماعة ويستمر هكذا، إلى أن يخرج ستة عشر عمودا على طريقة الزوج والفرد، ولكل شكل اسم يدل على معنى من المعاني، فهناك الطريق والجماعة كما تقدم، وهناك النصرة الداخلة

стр. 163

والنصرة الخارجة، والأحيان الأنكيس والأحيان الفارح وقد ذكر هذه الأشكال كلها صاحب «القاموس» (١) وكتب صورها فراجعه. فإذا فرضنا أن رجلًا أو امرأة جاء أحدهما إلى الكاهن الذي يسمى الرمال، وقال له: عندي مسافر غائب منذ زمان فأخبرني بخبره. أو يقول: عندي حاجة أخبرني بها. فينكت في الرمل فيخرج له في أول مرة: الطريق مثلًا فيقول: أنت تسأل عن شخص مسافر غائب عنك؛ لأن الطريق يدل على ذلك، أصحيح ذلك؟. فيقول السائل: نعم، فيأخذ الكاهن من السائل علمًا تفصيليًا بعد أن أعطاه علمًا إجماليًا، ثم يخط فتخرج له الجماعة، فيقول: أنت حريص على الاجتماع به؟ فيقول: إي والله يا سيدي هو ابني غاب عني منذ أربع سنين، ولم أسمع له خبرًا، فيقول: أبشر ستجتمع به. ثم يخط فيخرج له الأحيان الأنكيس، فيقول: إن صاحبك وقع في شدة عظيمة، ولكن هذا شكل النصرة الخارجة إلى جانبه يدل على أنه سيخرج منها بسلام وانتصار، وهكذا لا يزال الكاهن يعطي السائل الغبي أمورًا إجمالية لا يخلو منها زمان ولا مكان، والسائل المغفل يعطيه التفاصيل حتى يأخذ جميع التفاصيل منه، ثم يعيدها عليه يسردها سردًا، فيعتقد هذا المغفل أنه علم من خط الرمل كل أخبار المسؤول عنه وأخبره، والحقيقة أن السائل هو الذي أخبر الكاهن بكل شيء وهو لا يشعر، فإن صدق ما أخبره به ازداد اعتقادًا في صحة كهانته، وإن أخطأ غفل عن خطئه، فهذه باختصار إشارة تعرفك أيها القارئ بحقيقة ما يسمى بخط الرمل، وأزيدك بيانًا فأقول: أن رمالًا كبيرًا كان يستخرج السرقات بزعمهم لقيته فقلت له: كم تأخذ من كل سائل؟ فقال: آخذ ربع ريال. فقلت له: إن أجبتني عما سألتك عنه أعطيك بدل ربع ريال ريالًا كاملًا؟ فقال: قل، فخبأت له أربعة رؤوس أقلام من نحاس أحمر فأخذ يخط فقال لي أولًا: إن هذا الشيء الذي تسأل عنه أحمر لأنه ظهر لي شكل الحمرة، أهو كذلك؟ فقلت له: أنا لا أخبرك بشيء فينقلب المستخبر - بالكسر - مستخبرًا - بفتح الباء - اجمع أشكالًا كلها واستخرج منها الخبر وأخبرني به وخذ ريالًا، فقال لي: أنت ليس لك قصد حسن ولا نية طيبة، وهذا الأمر يتوقف على حسن النية، فقلت له: حسن النية هنا لا يؤثر شيئًا وكذلك سوء النية إن كنت

стр. 164

صادقًا فيما تدعيه من استخراج المغيبات؛ فأخبرني بما سألتك عنه. ثم خط في الرمل وقال لي: هذا شيء دخل النار وخرج منها، هل هذا صحيح؟ فقلت: أنا سائل لا مخبر، واستمر معي على هذا الشكل من الحوار كلما أراد أن يستخرج مني علمًا تفصيليًا امتنعت من ذلك؛ لأنني أعرف سر حرفته، فافتضح وعجز. وأذكر حكاية أخرى تزيد الأمر وضوحًا: كنت أنا ورفيقي وأخي الشيخ محمد عبد الرزاق حمزة في ضيافة العالم السلفي النبيل الشيخ عبد الرحمن بركات عمدة مدينة ميت غمر، في مصر، وكنا قد تعشينا وجلسنا نمص قصب السكر ونتحدث، فطرق الباب رجل ففتح له البواب وقال: من أنت؟ فقال: أنا حكيم مغربي عالم بالروحانيات أريد زيارة سعادة العمدة، فأذن له في الدخول، فلما جاء سلم على العمدة وجلس، فأمر له بالعشاء وتعشى، ثم قال له الشيخ محمد عبد الرزاق حمزة رحمة الله عليه: هاهنا مغربي يشير إلي فأخبره ببلدك في المغرب، فقال: عفوًا أنا لست مغربيًا في الحقيقة وإنما أستاذي الذي علمني الحكمة والعلم الروحاني كان مغربيًا؛ فانتسبت إلى المغرب من هذا الوجه، فقال له: تعرف خط الرمل؟ فقال: طبعًا أعرفه فقال: أريد أن أخبأ لك خبًا فإن اطلعت عليه وأخبرتني به أعطيتك حلوانًا كبيرًا، فقال: إن السماء متغيمة وخط الرمل ينبغي أن يكون في الصحو، فقال: أنت عالم روحاني وشيخك مغربي فلا يضرك عدم صحو السماء، فقال: طيب اسأل عما بدا لك، فقال: سأكتب سؤالي واختر أنت واحدًا من الحاضرين تثق به وأنا أضعه عنده، ثم اشتغل أنت بخط الرمل حتى تعرف ما خبأت لك وأخبرنا به، ثم نخرج السؤال المكتوب، فإن كان جوابك مطابقًا له ظهر صدقك وثبت لك الحلوان، وإن ظهر خلاف ذلك لم يثبت لك شيء مما تدعيه. فأخذ يخط في ورقة بيضاء يضع فيها نقطًا على شكل أعمدة كما تقدم، واشتغل فيها طويلًا ثم قال في النتيجة: إنك تسأل عن شخص أسمر طويل غاب عنك منذ مدة وستجتمع به في زمان قريب، فقال له هذا السؤال المكتوب واقرأه، وكان قد اختار فضيلة الشيخ عبد الرحمن، فأخذه منه فقرأه فوجد فيه قوله تعالى: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ [الإسراء: ٨١] فضحك الحاضرون وغضب الزائر وسب الشيخ محمد حمزة - رحمة الله عليه - وحلف أن لا يبقى في مجلس يوجد فيه، فانصرف يجر أذيال الخيبة، وليس

стр. 165

مقصودي بهاتين الحكايتين وما ذكرت معهما أن الكاهن الحقيقي لا يطلع على شيء أبدًا من المغيبات، فقد ثبت في «الصحيح» أن النبي ﷺ خبأ لابن صياد في نفسه ﵊ سورة الدخان، ثم سأل النبي ﷺ ابن صياد بقوله: «قد خبأت لك خبًا فما هو؟ فقال: هو الدخ: يعني الدخان، فقال له النبي ﷺ : اخسًا فلن تعدو قدرك (١)؛ يعني إنما أنت كاهن، وقال ابن صياد للنبي ﷺ : يأتيني صادق وكاذب (٢) وهذا شأن الكهنة، فإن الشياطين تخبرهم بالخبر الصحيح وتزيد معه مائة كذبة» (٣)، أما أمثال الكاهنين بل الرمالين المتقدم ذكرهما فإنهما كانا محتالين على أكل أموال المغفلين بالباطل، وما أكثر أمثالهما في هذا الزمان في البلاد الإسلامية التي نكبت بأنواع الدجاجلة لما أعرض أهلها عن كتاب الله وسنة رسوله، وقال الطيبي في شرح الحديث المذكور آنفًا: «من» (٤)، إما ابتدائية أو تبعيضية فعلى الأول يكون المعنى (٥): الطيرة ناشئة من السحر (٦)، وعلى الثاني المعنى: الطيرة (٧) من جملة السحر والكهانة أو من جملة عبادة غير الله أي الشرك، يؤيده قوله في الحديث الآتي: «الطيرة شرك» (٨).

стр. 166

قال: وعن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : «من اقتبس شعبة من النجوم؛ فقد اقتبس شعبة من السحر زاد ما زاد» (١). رواه أبو داود بإسناد صحيح.

стр. 167

قال شيخ الإسلام: فقد صرح رسول الله ﷺ بأن علم النجوم من السحر، وقد قال تعالى: ﴿وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾ [طه: ٦٩] (١) فعلم أن تأثير (٢) النجوم باطل محرم وكذا العمل (٣) بمقتضاه كالتقرب إليها (٤) بتقريب (٥) القرابين لها كفر (٦)، قاله ابن رجب. وقال: «وللنسائي من حديث أبي هريرة: «من عقد عقدة ثم نفث فيها فقد سحر، ومن سحر فقد أشرك، ومن تعلق شيئًا وكل إليه» (٧). هذا الحديث ذكره المصنف من حديث أبي هريرة وعزاه للنسائي ولم يبين هل هو موقوف أو مرفوع، وقد رواه النسائي مرفوعًا، وذكر المصنف عن الذهبي أنه

стр. 168

قال: «لا يصح» (١)، قوله: «ومن تعلق شيئًا وكل إليه»، أي من تعلق قلبه شيئًا بحيث يتوكل عليه ويرجوه وكله الله إلى ذلك الشيء، فإن تعلق العبد على ربه وإلهه وسيده ومولاه ورب كل شيء ومليكه وكله إليه فكفاه ووقاه وحفظه وتولاه، ونعم المولى ونعم النصير، كما قال تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ [الزمر: ٣٦] ومن تعلق على السحر والشياطين وكله الله إليهم فأهلكوه في الدنيا والآخرة، وبالجملة من (٢) توكل على غير الله كائنًا من كان وكل إليه، وأتاه الشر في الدنيا والآخرة من جهته مقابلة له بنقيض قصده، وهذه سنة الله في عباده التي لا تبدل، وعادته التي لا تحول أن من اطمأن إلى غيره أو وثق بسواه أو ركن إلى مخلوق يدبره أجرى الله تعالى بسببه (٣) أو من جهته خلاف ما علق به آماله وهذا أمر معلوم بالنص والعيان، ومن تأمل ذلك في أحوال الخلق بعين البصيرة النافذة، رأى ذلك عيانًا وفائدة هذه الجملة بعدما قبلها الإشارة إلى أن الساحر متعلق على غير الله فإنه متعلق على الشياطين (٤). شرح قول النبي ﷺ : «إن من البيان لسحرًا » (٥) «البيان: البلاغة والفصاحة، قال صعصعة بن صوحان: «صدق نبي الله، أما قوله: «إن من البيان لسحرًا» فالرجل يكون عليه الحق وهو ألحن بالحجج من صاحب الحق فيسحر القوم ببيانه فيذهب بالحق» (٦)، وقال ابن عبد البر (٧): «تأولته طائفة على الذم لأن السحر مذموم، وذهب أكثر أهل العلم وجماعة أهل الأدب إلى أنه على المدح؛ لأن الله تعالى مدح البيان، قال: وقد قال عمر بن عبد العزيز لرجل سأله عن حاجة فأحسن المسألة فأعجبه قوله فقال: هذا والله السحر الحلال» (٨). قال صاحب «التيسير»: «قلت: الأول أصح، وهو أنه خرج مخرج الذم.

стр. 169

لبعض البيان لا كله وهو الذي فيه تصويب الباطل وتحسينه حتى يتوهم السامع أنه حق، ويكون (١) فيه بلاغة زائدة عن الحد، أو قوة في الخصومة حتى يسحر القوم ببيانه فيذهب بالحق، ونحو ذلك، فسماه سحرًا لأنه يستميل المقلوب كالسحر، ولهذا قال ﷺ لما جاءه رجلان من المشرق فخطبا، فعجب الناس لبيانهما؛ فقال رسول الله ﷺ : «إن من البيان السحرًا» (٢) (٣). قال محمد تقي الدين: الجمع بين القولين ممكن فيقال: إذا كان تأثير البيان يكشف حقًا خفيًا أو يبين ظلمًا قد لبسه الظالم بالحق أو يسكن غضب سلطان جائر أو يثير في الناس الرغبة لفعل الخير، أو الذم على فعل الشر فهو من السحر الحلال، وهو محمود يدل عليه قوله ﵊ في شعر أحد أصحابه وهو عبد الله بن رواحة يوم فتح مكة: خلوا بني الكفار عن سبيله … اليوم نضربكم على تنزيله ضربًا يزيل الهام عن مقيله … ويذهل الخليل عن خليله فقال بعض الصحابة للشاعر: أفي حرم الله وبين يدي رسوله تقول هذا؟ فقال النبي ﷺ : «دعه فإنها أسرع فيهم من النبل» (٤). ويدل على ذلك أيضًا قول عمر بن عبد العزيز المتقدم ذكره: «هذا والله السحر الحلال»، وإن كان البيان يثير عكس ذلك في السامعين فهو مذموم (٥). وبالله التوفيق. الباب السابع قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ (١١١) بَلَى

стр. 170

مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ، وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ١١١ - ١١٢] قال (ك): «يبين الله تعالى (١) اغترار اليهود والنصارى بما هم فيه حيث ادعت كل طائفة من اليهود والنصارى أنه لن يدخل الجنة إلا من كان على ملتها، كما أخبر الله عنهم في سورة المائدة أنهم قالوا: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨] فأكذبهم الله تعالى بما أخبرهم أنه معذبهم بذنوبهم، ولو كانوا كما ادعوا لما كان الأمر كذلك، وكما تقدم من دعواهم أنه لن تمسهم النار إلا أيامًا معدودة، ثم ينتقلون إلى الجنة، ورد عليهم تعالى في ذلك، وهكذا قال لهم في هذه الدعوى التي ادعوها بلا دليل ولا حجة ولا بينة فقال: ﴿تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ﴾ وقال أبو العالية: أماني تمنوها على الله بغير حق، وكذا قال قتادة والربيع بن أنس، ثم قال تعالى: ﴿قُلْ﴾ أي: يا محمد ﴿هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾ قال أبو العالية ومجاهد والسدي والربيع بن أنس: حجتكم، وقال قتادة بينتكم على ذلك. ﴿إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ أي: فيما تدعونه (٢)، قال تعالى: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ

стр. 171

مُحْسِنٌ﴾ [البقرة: ١١٢] أي: من أخلص العمل لله وحده لا شريك له كما قال تعالى: ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ﴾ [آل عمران: ٢٠]. وقال أبو العالية والربيع: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ﴾ يقول: من أخلص الله، وقال سعيد بن جبير: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ﴾ أخلص ﴿وَجْهَهُ﴾ قال: فيه دينه (١): ﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ أي: اتبع (٢) فيه الرسول ﷺ ، فإن للعمل المتقبل شرطين: أحدهما أن يكون خالصًا لله وحده، والآخر أن يكون صوابًا موافقًا للشريعة، فمتى كان خالصًا ولم يكن صوابًا لم يتقبل، ولهذا قال رسول الله ﷺ : «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد» رواه مسلم (٣) من حديث عائشة عنه ﵊، فعمل الرهبان ومن شابههم وإن فرض أنهم مخلصون فيه لله، فإنه لا يتقبل منهم حتى يكونوا في ذلك متبعين (٤) للرسول ﷺ المبعوث إليهم وإلى الناس كافة، وفيهم وأمثالهم قال الله تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣] وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾ [النور: ٣٩] وقال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ (٢) عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ (٣) تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً (٤) تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾ [الغاشية: ٢ - ٥] وروي عن أمير المؤمنين عمر ﵁ أنه تأولها في الرهبان (٥) كما سيأتي، وأما إن كان العمل موافقًا للشريعة في الصورة الظاهرة ولكن لم يخلص عامله القصد لله فهو أيضًا مردود على فاعله، وهذا حال المرائين والمنافقين كما قال

стр. 172

تَعَالَى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: ١٤٢]. وقال تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (٥) الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ﴾ [الماعون: ٤ - ٦] ولهذا قال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠] وقال في هذه الآية الكريمة: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ وقوله: ﴿فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ، وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ ضمن لهم تعالى على ذلك تحصيل الأجور وأمنهم مما يخافونه من المحذور فلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ فيما يستقبلونه وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ على ما مضى مما يتركونه كما قال سعيد بن جبير فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ يعني: في الآخرة وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ أي: لا يحزنون للموت (١). قال محمد تقي الدين: قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ [البقرة: ١١٢]؛ يعني سبحانه أن اليهود قالوا: لن يدخل الجنة إلا من كان يهوديًا، والنصارى قالوا: لن يدخل الجنة إلا من كان نصرانيًا، وقد اتبعهم بعض هذه الأمة كما أخبر النبي ﷺ بذلك في «الصحيح» (٢) بقوله: «لتتبعن سنن من كان قبلكم شبرًا بشبر وذراعًا بذراع حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه»، قيل: من يا رسول الله؟ اليهود والنصارى وفارس؟ قال: «ومن القوم إلا أولئك». وقد ادعى قوم من هذه الأمة في آخر الأزمنة أن شيخهم ضمن لهم الجنة بلا حساب ولا عقاب، وضمن لمن لا يصدقهم فيما نسبوا إلى شيخهم أن يموتوا على الكفر، وأن يدخلوا النار خالدين فيها أبدًا، فهؤلاء أشبهوا اليهود والنصارى واتبعوا سننهم، بل قول اليهود أقل ضلالًا من قولهم؛ لأن اليهود قالوا: ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾ [البقرة: ٨٠] وهؤلاء يقولون: لن تمسنا النار البتة، انظر كتاب «الهدية الهادية إلى الطائفة التيجانية» (٣) لمصنف هذا الكتاب. وقال تعالى في الرد على اليهود والنصارى ومن سلك سبيلهم، وحجر رحمة الله بلا علم ولا هدى ولا كتاب منير في سورة النساء: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ، وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾

стр. 173

وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا (١٢٤) وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إبراهيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء: ١٢٣ - ١٢٥] فهاتان الآيتان مشابهتان في المعنى لآيتي البقرة والإسلام الموجه الله، معناه: أن لا يتوجه الإنسان برهبة ولا رغبة إلا الله وحده لا شريك له، ولا يطلب المدد الحسي كالمعيشة، أو المعنوي كتنوير القلب وانشراح الصدر بالإسلام إلا من الله تعالى، ومن طلب شيئًا من ذلك من غير الله فقد أشرك الشرك الأكبر؛ لأن الأرزاق الحسية والمعنوية كلها بيد الله. الباب الثامن قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ (١١٦) بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [البقرة: ١١٦ - ١١٧]. اشتملت هذه الآية الكريمة والتي تليها على الرد على النصارى (١)، وكذا من أشبههم من اليهود ومن مشركي العرب ممن جعل الملائكة بنات الله، فأكذب الله جميعهم في دعواهم وقولهم: إن الله ولدًا، فقال تعالى: ﴿سُبْحَانَهُ﴾ أي: تعالى وتقدس وتنزه عن ذلك علوًا كبيرًا ﴿بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: ليس الأمر كما افتروا، وإنما له ملك السموات والأرض ومن فيهن، وهو المتصرف فيهم وهو خالقهم ورازقهم (٢) ومسيرهم ومصرّفهم كما يشاء، والجميع عبيد له (٣)، فكيف يكون له ولد منهم؟ والولد إنما يكون متولّدًا من شيئين متناسبين، وهو ﵎ ليس له نظير ولا مشارك في عظمته وكبريائه ولا صاحبة له، فكيف يكون له ولد؟ كما قال تعالى: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الأنعام: ١٠١] وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا (٨٨) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا (٨٩) تَكَادُ

стр. 174

السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (٩٠) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا (٩١) وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا (٩٢) إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (٩٣) لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (٩٤) وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾ [مريم: ٨٨ - ٩٥]. وقال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١ - ٤] فقرر تعالى في هذه الآيات الكريمة أنه السيد العظيم الذي لا نظير له ولا شبيه له، وأن جميع الأشياء عنده (١) مخلوقة له مربوبة، فكيف يكون له منها ولد؟ ولهذا قال البخاري (٢) في تفسير هذه الآية بسنده إلى ابن عباس عن النبي ﷺ قال: «قال الله: كذبني ابن آدم، ولم يكن له ذلك، وشتمني ولم يكن له ذلك، فأما تكذيبه إياي؛ فيزعم أني لا أقدر أن أعيده كما كان. وأما شتمه إياي: فقوله أن لي ولدًا فسبحاني أن أتخذ صاحبة أو ولدًا»، تفرد به البخاري (٣) من هذا الوجه. وفي الصحيحين (٤) عن رسول الله ﷺ أنه قال: «لا أحد أصبر على أذى سمعه من الله، إنهم يجعلون له ولدًا وهو يرزقهم ويعافيهم». وقوله تعالى: ﴿كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾ [البقرة: ١١٦] قال ابن أبي حاتم (٥) بسنده عن ابن عباس: «قَانِتُونَ: مصلُّون» وقال عكرمة وأبو مالك: ﴿كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾ مقرون له (٦) بالعبودية (٧). وقال مجاهد: ﴿كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾ مطيعون. قال مجاهد: «طاعة الكافر في سجود ظله وهو كاره» (٨)، وهذا القول عن مجاهد، وهو اختيار ابن جرير يجمع (٩) الأقوال كلها (١٠) كما قال

стр. 175

تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُم بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾ [الرعد: ١٥] (١)، وقوله تعالى: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي؛ خالقهما على غير مثال سبق. قال مجاهد والسدي: «وهو مقتضى اللغة، ومنه يقال للشيء المحدث: بدعة» (٢). وقال (ج): «﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ مبدعهما، وإنما هو مفعل فصرف إلى فعيل كما صرف المؤلم إلى الأليم، والمسمع إلى السميع، ومعنى المبدع: المنشئ والمحدث ما لا يسبقه إلى إنشاء مثله وإحداثه أحد»، قال: «ولذلك سمى المبتدع في الدين مبتدعًا لإحداثه فيه ما لم يسبق إليه غيره» (٣). وقال (ع): «فمعنى الكلام: سبحان الله أنى يكون (٤) له ولد؟ وهو مالك ما في السموات والأرض يشهد (٥) له جميعها بدلالتها عليه بالوحدانية، وتقر له بالطاعة وهو بارئها وخالقها وموجدها من غير أصل ولا مثال احتذاها عليه، وهذا إعلام من الله لعباده (٦)، أن من (٧) يشهد له بذلك المسيح الذي أضافوا إلى الله بنوته، وإخبار منه لهم أن الذي ابتدع السموات والأرض من غير أصل وعلى غير مثال هو الذي ابتدع المسيح عيسى (٨) من غير والد بقدرته» (٩). وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [البقرة: ١١٧] يبين بذلك كمال قدرته وعظيم سلطانه، وأنه إذا قدر أمرًا وأراد كونه فإنما يقول له: كن؛ أي مرة واحدة، فيكون؛ أي فيوجد على وفق ما أراد، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢]، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل: ٤٠]، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾ [القمر: ٥٠]» (١٠) ونبه بذلك أيضًا

стр. 176

على أنه خلق عيسى بكلمة كن فكان كما أمره الله، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: ٥٩]). قال محمد تقي الدين: لم يبق لي ما أقوله بعدما حقق الإمامان (ك) و (ج) تفسير هاتين الآيتين، إلا أنه كان ينبغي أن تدرج في (القسم الثاني) من هذا الكتاب، وهو (توحيد الربوبية)، لأنهما عليه أدل، وإليه أدنى ولكن هذين النوعين من التوحيد متلازمان لتحقيق الإيمان بالله، فإن توحيد العبادة يستلزم توحيد الربوبية؛ لأن من وحد الله في عبادته، قد علم وأيقن وآمن أنه لا رب له ولا خالق ولا رازق ولا محيي ولا مميت ولا حافظ لوجوده ولا متصرف فيه إلا واحد، وهو الله تعالى، أما توحيد الربوبية فإنه لا ينفع إلا إذا كان معه توحيد العبادة، ولكن لما كان النصارى قد اتخذوا ادعاء بنوة عيسى الله تعالى ذريعة لعبادته وإشراكه مع الله تعالى، كانت هناك مناسبة لإدخال الآيتين في قسم توحيد العبادة، وهكذا جميع المشركين حين يعبدون غير الله تعالى يزعمون أنهم ما عبدوا ذلك المعبود إلا لقربه من الله تعالى وعلو مكانته عنده، كما قال تعالى في أول سورة الزمر: ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ [الزمر: ٣] فجعلهم الله تعالى كاذبين وكافرين أشد الكفر بقولهم ذلك. الباب التاسع قوله تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة : ١٢٤] قال (ك): «يقول تعالى منبهًا على شرف إبراهيم خليله ﵇، وأن الله جعله إمامًا للناس يقتدى به في التوحيد حين قام بما كلفه الله تعالى به من الأوامر والنواهي، ولهذا قال: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ﴾ [البقرة: ١٢٤] أي: واذكر يا محمد لهؤلاء المشركين وأهل الكتابين الذين ينتحلون ملة إبراهيم، وليسوا عليها، وإنما الذي هو عليها مستقيم، فأنت والذين معك من المؤمنين، اذكر لهؤلاء ابتلاء الله إبراهيم؛ أي اختباره له بما كلفه به من الأوامر والنواهي ﴿فَأَتَمَّهُنَّ﴾ أي: قام بهن كلهن كما قال تعالى: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ [النجم: ٣٧] أي: وفى

стр. 177

جميع ما شرع له فعمل به صلوات الله عليه، وقال تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ ﴿شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ﴿وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل: ١٢٠ - ١٢٣]، وقال تعالى: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِن كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ٦٧ - ٦٨]. وقال محمد تقي الدين: والكلمات العشر التي امتحن الله بها إبراهيم، فرائض فرضها عليه فوفى بها وعمل بها وأتمها، وقد اختلف المفسرون في تعيينها اختلافًا كثيرًا، ولم يثبت عن النبي ﷺ في تعيينها شيء كما قاله (ج) (١)، فنفوض أمرها إلى الله تعالى، إذ لا سبيل إلى معرفة أعيانها إلا بالرواية عن النبي ﷺ كأمره ببناء البيت مع ابنه إسماعيل وأمره بتطهيره، وأمره بذبح ابنه، وقد فعل كل ما أمره ربه به على أحسن وجه، ولذلك جعله الله إمامًا لأهل الحنيفية يقتدى به من بعده والله أعلم. قال (ك): وقوله: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ لما جعل الله إبراهيم إمامًا سأل الله أن تكون الأئمة من بعده من ذريته، فأجيب إلى ذلك، وأخبر أنه سيكون من ذريته ظالمون، وأنه لا ينالهم عهد الله، ولا يكونوا أئمة يقتدى بهم، والدليل أنه أجيب إلى طلبه، قوله تعالى في سورة العنكبوت: الآية: ٢٧: ﴿وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾ فكل نبي أرسله الله، وكل كتاب أنزله الله بعد إبراهيم، ففي ذريته صلوات الله وسلامه عليه». ثم قال (ك) - بعد كلام طويل للمفسرين في قوله تعالى: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ - ما نصه: «فهذه أقوال مفسري السلف في هذه الآية (٢)، وإن كانت ظاهرة الخبر (٣) أنه لا ينال عهد الله بالإمامة ظالمًا، ففيها إعلام من الله لإبراهيم الخليل ﵇،

стр. 178

أنه سيوجد من ذريتك من هو ظالم لنفسه كما تقدم عن مجاهد (١) وغيره، والله أعلم. وقال ابن خويز منداد المالكي: الظالم لا يصلح أن يكون خليفة ولا حاكمًا ولا مفتيًا ولا شاهدًا ولا راويًا (٢). الباب العاشر قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة : ١٢٨] قال (ع): «يعنيان بذلك: واجعلنا مستسلمين لأمرك، خاضعين لطاعتك، لا نشرك معك في الطاعة أحدًا سواك، ولا في العبادة غيرك» (٣). قال محمد تقي الدين: إن إبراهيم وإسماعيل كانا مسلمين نبيين رسولين ولكنهما كما قال (ج) سألا الله أن يجعل قلوبهما ونفوسهما على الدوام مطيعة مخلصة موحدة له في عبادته وفي طاعته، ودعاء الأنبياء في هذا تعبد وخضوع؛ لأنهم معصومون، ثم عطف عليه ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾. نقل (ك) عن السدي أن المراد بهذه الأمة العرب، وخالفه (ع) فقال: «إن هذا الدعاء يعم العرب وبني إسرائيل، لقوله تعالى في سورة الأعراف ١٥٩: ﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٩]» (٤)، وأجاب (ك) بأن هذا لا يتنافى مع تفسير السدي ولا سيما والكلام الآن في العرب، ويؤيده قوله تعالى بعد ذلك: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٩]، وهذا الرسول بلا شك هو محمد ﷺ ، وهو من العرب، وكلا الوجهين صحيح، فكل من اتبع ملة إبراهيم من العرب والإسرائيليين داخل في هذا الدعاء» (٥).

стр. 179

الباب الحادي عشر قوله تعالي: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (١٣٠) إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٣١) وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَابَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٣٢) أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٣) تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: ١٣٠ - ١٣٤] قال (ك): يقول ﵎ رادا على الكفار فيما ابتدعوه وأحدثوه من الشرك بالله المخالف لملة إبراهيم الخليل إمام الحنفاء، فإنه جرد توحيد ربه ﵎، فلم يدع معه غيره ولا أشرك به طرفة عين، وتبرأ من كل معبود سواه، وخالف في ذلك سائر قومه حتى تبرأ من أبيه، فقال: ﴿قَالَ يَاقَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٧٨) إِنِّي وَجَهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٧٨ - ٧٩]. وقال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾ [الزخرف: ٢٦ - ٢٧]، وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾ [التوبة: ١١٤] وقال تعالى: ﴿إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا ولم يك من المشركين (١٢٠) شاكرا لأنعمه اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إلى صراط مستقيم (١٢١) وَآتَيْنَاهُ في الدنيا حسنة وإنه في الآخرة لمن الصالحين﴾ [النحل: ١٢٠ - ١٢٢] ولهذا وأمثاله قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ (١) إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ أي: ظلم نفسه بسفهه وسوء تدبيره بتركه الحق إلى الضلال، حيث خالف طريق من اصطفى في الدنيا للهداية والرشاد من حداثة سنه إلى أن اتخذه الله خليلًا، وهو في الآخرة من الصالحين السعداء، فمن ترك طريقه هذا ومسلكه وملته واتبع طرق الضلالة والغي، فأي سفه أعظم من هذا؟ أم أي ظلم

стр. 180

أكبر من هذا؟ (١) قال تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]. قال أبو العالية وقتادة: نزلت هذه الآية في اليهود أحدثوا طريقا ليست من عند الله وخالفوا ملة إبرهيم فيما أحدثوه (٢)، ويشهد لصحة هذا القول قول الله تعالى: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِن كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٦٧) إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ٦٧ - ٦٨] وقوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة: ١٣١] أي: أمره الله تعالى بالإخلاص له والاستسلام والانقياد فأجاب إلى ذلك شرعا وقدرا، وقوله: ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ﴾ [البقرة: ١٣٢] أي: وصى بهذه الملة وهي الإسلام الله، أو يعود الضمير على الكلمة وهي قوله: ﴿أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، لحرصهم عليها ومحبتهم لها حافظوا عليها إلى حين الوفاة، ووصوا أبناءهم بها من بعدهم، كقوله تعالى: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾ [الزخرف: ٢٨] (٣) وقوله: ﴿يَابَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٢] أي: أحسنوا في حال الحياة والزموا هذا؛ ليرزقكم الله الوفاة عليه، فإن المرء يموت غالبا على ما كان عليه، ويبعث على ما مات عليه، وقد أجرى الله الكريم عادته، بأن من قصد الخير وفق له ويسر (٤) عليه، ومن نوى صالحا ثبت عليه، وهذا لا يعارض ما جاء في الحديث الصحيح: «إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا باع أو ذراع، فيسبق عليه الكتاب؛ فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن الرجل ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا باع أو ذراع، فيسبق عليه الكتاب؛ فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها» (٥). لأنه قد جاء في بعض روايات هذا الحديث: «فيعمل بعمل أهل الجنة فيما يبدو للناس» (٦). وقد قال الله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى﴾
следующие страницы →