← Акыда

Акыда · id 30197

سبيل الرشاد في هدي خير العباد

محمد تقي الدين الهلالي

Полный текст (2 277 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.

стр. 1156

سورة الأنفال الباب الأول قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنتُمْ تَسْمَعُونَ (٢٠) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ (٢١) إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ (٢٢) وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٣) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٤) وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢٥) وَاذْكُرُوا إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٢٦) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٧) وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (٢٨) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَل لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢٩)﴾ [الأنفال: ٢٠ - ٢٩]. قال (ك): «يأمر الله تعالى عباده المؤمنين بطاعته وطاعة رسول الله ﷺ ، ويزجرهم عن مخالفته والتشبه بالكافرين به المعاندين له، ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ﴾ أي: تتركوا طاعته، وامتثال أوامره، وترك زواجره ﴿وَأَنتُمْ تَسْمَعُونَ﴾

стр. 1157

أي: بعد ما علمتم ما دعاكم إليه ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾ قيل: المراد: المشركون، وقيل: المنافقون، فإنهم يظهرون أنهم قد سمعوا واستجابوا وليسوا كذلك. قلت: ولا منافاة بين المشركين والمنافقين في هذا، لأن كلا منهم مسلوب الفهم الصحيح والقصد إلى العمل الصالح. [ثم أخبر الله تعالى أن هذا النوع من بني آدم شر الخلق والخليقة، فقال عز من قائل: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُ﴾ أي: عن سماع الحق ﴿الْبُكْمُ﴾ عن فهمه، ولهذا قال سبحانه: ﴿الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ﴾ فهؤلاء شر البرية؛ لأن كل دابة مما سواهم مطيعة الله فيما خلقها له، وهؤلاء خلقوا للعبادة فكفروا. ولهذا شبههم بالأنعام في قوله : ﴿أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾] (١). ثم أخبر تعالى بأنهم لا فهم لهم ولا قصد لهم صحيح، فقال تعالى: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ﴾ أي: لأفهمهم، وتقدير الكلام ولكن لا خير فيهم فلم يفهمهم لأنه يعلم أنه ﴿وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ﴾ أي: أفهمهم ﴿لَتَوَلَّوا﴾ عن ذلك قصدًا وعنادًا بعد فهمهم ذلك ﴿وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ عنه. وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ … ﴾ إلى آخره. روى البخاري (٢): ﴿اسْتَجِيبُوا﴾ أجيبوا ﴿لِمَا يُحييكم﴾ لما يصلحكم، ثم روى بسنده إلى أبي سعيد بن المعلى ﵁ قال: كنت أصلي فمر بي النبي ﷺ فدعاني، فلم أته حتى صليت ثم أتيتُه، فقال: «ما منعك أن تأتيني؟ ألم يقل الله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكم﴾ ثم قال: «لأعلمنك أعظم سورة في القرآن قبل أن أخرج»، فذهب رسول الله ﷺ ليخرج فذكرت له، وقال معاذ عن رجل من أصحاب رسول الله ﷺ أنه بهذا سمع وقال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ هي السبع المثاني» (٣). هذا لفظه بحروفه. وقوله تعالى: ﴿لِمَا يُحييكم﴾ قال مجاهد (٤): للحق، وقال قتادة (٥): هو

стр. 1158

هذا القرآن فيه النجاة والبقاء والحياة، وقال السدي (١): ففي الإسلام حياتهم (٢) بعد موتهم بالكفر، وقال [عروة بن الزبير] (٣): أي للحرب التي أعزكم الله تعالى بها بعد الذل والضعف والقهر، وكله قريب وصحيح (٤). وقوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ قال الإمام أحمد عن ابن عمر أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «إن قلوب بني آدم بين أصبعين من أصابع الرحمن، كقلب واحد يصرفها كيف يشاء … » ثم قال رسول الله ﷺ : «اللهم مصرف القلوب صرف قلوبنا إلى طاعتك» (٥) انفرد بإخراجه مسلم عن البخاري (٦). وقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (٢٥). قال (ك): يحذر تعالى عباده المؤمنين اختبارًا ومحنة يعم بها المسيء وغيره، لا يخص بها أهل المعاصي ولا من باشر الذنب. قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في تفسير هذه الآية: «أمر الله المؤمنين أن لا يقروا المنكر بين ظهرانيهم، فيعمهم الله بالعذاب»، وهذا تفسير حسن جدًا. ولهذا قال مجاهد في قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً﴾ هي أيضًا لكم، يعني نزلت في أصحاب رسول الله ﷺ وفي غيرهم. والقول بأن هذا التحذير يعم الصحابة وغيرهم، وإن كان الخطاب معهم، هو الصحيح، ويدل عليه الأحاديث الواردة في التحذير من الفتن، ومن أخص ما يذكر هاهنا: ما رواه الإمام أحمد (٧) عن حذيفة بن اليمان أن رسول الله ﷺ قال:

стр. 1159

«والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر، أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقابًا من عنده، ثم لتدعنه فلا يستجيب لكم». وقال عنه أيضًا: «إن كان الرجل ليتكلم بالكلمة على عهد رسول الله ﷺ فيصير منافقًا، وإني لأسمعها من أحدكم في المقعد الواحد أربع مرات لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر، ولتحاضن على الخير، أو ليسحتكم الله جميعًا بعذاب، أو ليؤمرن عليكم شراركم، ثم يدعو خياركم فلا يستجاب لهم» (١). روى الإمام أحمد (٢) عن أم سلمة زوج النبي ﷺ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إذا ظهرت المعاصي في أمتي عمهم الله بعذاب من عنده» فقلت يا رسول الله، أما فيهم أناس صالحون؟ قال: «بلى»، قالت: فكيف يصنع أولئك؟ قال: «يصيبهم ما أصاب الناس، ثم يصيرون إلى مغفرة من الله ورضوان» (٣). وقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ الآية. قال (ك): «ينبه الله تعالى عباده المؤمنين على نعمه عليهم وإحسانه إليهم، إذ كانوا قليلين فكثرهم ومستضعفين وخائفين فقواهم ونصرهم، وفقراء عالة فرزقهم من الطيبات، واستشكرهم (٤) فأطاعوه في جميع أوامره، هكذا كانوا بمكة قليلين مستضعفين مستخفين، يخافون أن يتخطفهم الناس من سائر البلاد، فلم

стр. 1160

يزل ذلك شأنهم حتى أذن الله لهم بالهجرة إلى المدينة فآواهم إليها، وقيض لهم أهلها. فآووا ونصروا يوم بدر وغيره، وواسوا بأموالهم، وبذلوا مهجهم في طاعة الله ورسوله، قال قتادة بن دعامة السدوسي الله في قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ قال: كان هذا الحي من العرب أذل الناس ذلًا وأشقاهم (١) عيشًا وأجوعهم (٢) بطونًا، وأعراهم (٣) جلودًا، وأبيتهم (٤) ضلالًا (٥)، من عاش منهم عاش شقيًا، ومن مات منهم رُدّي في النار، يؤكلون ولا يأكلون. والله لا (٦) نعلم قبيلًا من حاضر أهل الأرض يومئذ كانوا أشر منزلًا منهم، حتى جاء الله بالإسلام فمكن به البلاد، ووسع به الرزق، وجعلهم به ملوكًا على رقاب الناس، وبالإسلام أعطى الله ما رأيتم فاشكروا الله على نعمه (٧) فإن ربكم منعم يحب الشكر، وأهل الشكر في مزيد من الله تعالى» (٨). وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ … ﴾ إلى آخره. قال (ك): قال بعض المفسرين: نزلت في أبي لبابة بن عبد المنذر حين بعثه رسول الله ﷺ إلى بني قريظة؛ لينزلوا على حكم رسول الله ﷺ فاستشاروه في ذلك فأشار عليهم بذلك، وأشار بيده إلى حلقه، أي إنه الذبح، ثم فطن أبو لبابة ورأى أنه قد خان الله ورسوله، فحلف لا يذوق ذواقًا حتى يموت أو يتوب الله عليه، وانطلق إلى مسجد المدينة، فربط نفسه في سارية منه، فمكث كذلك تسعة أيام، حتى كان يخر مغشيًا عليه من الجهد، حتى أنزل الله توبته على رسوله، فجاء الناس يبشرونه بتوبة الله عليه، وأرادوا أن يحلوه من السارية، فحلف لا يحله منها إلا رسول الله بيده، فحله، فقال: يا رسول الله، إني كنت نذرت أن أنخلع من مالي صدقة. فقال: «يجزيك الثلث أن تصدق به» رواه

стр. 1161

عبد الرزاق عن قتادة (١) والزهري (٢). قال (ك): «والصحيح أن الآية عامة، وإن صح أنها وردت على سبب خاص، فالأخذ بعموم اللفظ لا بخصوص السبب عند الجماهير من العلماء. والخيانة تعم الذنوب الصغار والكبار اللازمة والمتعدية، وقوله تعالى: ﴿وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ﴾ قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: الأمانة: الأعمال التي ائتمن عليها العباد. يعني: الفريضة، يقول: «لا تخونوا لا تنقضوها» (٣)، وقال في رواية: «لا تخونوا الله والرسول بترك سنته وارتكاب معصيته» (٤). وقال السدي: «إذا خانوا الله والرسول فقد خانوا أماناتهم»، وقوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ أي: اختبار وامتحان منه لكم إذا أعطاكموها؛ ليعلم أتشكرونه عليها وتطيعونه فيها أو تشتغلون بها عنه كقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [المنافقون: ٩]. وقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ أي ثوابه وعطاؤه وجناته خير لكم من الأموال والأولاد، وفي «الصحيح» عن رسول الله ﷺ : «ثلاث من كن فيه، وجد حلاوة الإيمان: من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، ومن كان يحب المرء لا يحبه إلا الله، ومن كان يكره أن يعود إلى الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار» (٥).

стр. 1162

وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَل لَكُمْ فُرْقَانًا﴾ الآية قال ابن إسحاق: ﴿فُرْقَانًا﴾ أي: فصلًا بين الحق والباطل. وهذا التفسير عام شامل فهو يستلزم المخرج والنجاة والنصر، فإن من اتقى (١) الله بفعل أوامره وترك زواجره؛ ووفق لمعرفة الحق من الباطل، فكان ذلك سبب نصره ونجاته ولنيل الثواب الجزيل، كقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَل لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الحديد: ٢٨]» (٢). فصل قال محمد تقي الدين: كل من أعرض عن كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ وهو يدعي الإيمان بهما ينطبق عليه هذا الوصف، فيكون من الذين قالوا: سمعنا، وهم لا يسمعون، ويكون من شر الدواب؛ لأن العبرة بعموم اللفظ، ولا يكون مستجيبًا الله وللرسول وقد دعاه لما يحييه، ففضل الموت على الحياة والظلمة على النور والضلال على الهدى، وحيل بينه وبين قلبه فغوى واتبع هواه فسوف يلقى غيًا إلا من تاب. فصل قول النبي ﷺ : «بين أصبعين من أصابع الرحمن» (٣). كقوله تعالى: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥] وكقوله تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٢٧] فنحن نؤمن أن الله يدين ووجهًا وأصابع لا كأيدينا ولا كوجوهنا ولا كأصابعنا، كما أن له علمًا ليس كعلمنا، وقدرة ليست كقدرتنا، وحياة ليست كحياتنا، وهذا هو إثبات الصفات الذي يأتي إن شاء الله في (الجزء الثالث) من هذا الكتاب «سبيل الرشاد» وهو قادر على أن يبلغنا أمنيتنا في إتمام «سبيل الرشاد» وانتفاعنا به قبل الموت، وهو الغني الكريم. ومن ردّ بعض الصفات وأثبت بعضها من أهل البدع، كالخوارج والمعتزلة والأشعرية المتأخرة، فقد حُرِم من اتباع الرسول والصحابة والتابعين والأئمة المجتهدين، وذلك هو الخسران المبين.

стр. 1163

فصل ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً﴾ قَال مُحَمَّد تقي الدين: قوله تعالى: على تفسير ابن عباس (١)؛ يبين لنا أن كل قوم سكتوا على المنكر، كالتبرج والزنى وأكل الربا والحكم بغير ما أنزل الله وشرب الخمر وصنعها وبيعها، وأعظم من ذلك: بناء القباب على القبور، وعبادتها بالذبح والنذر، والطواف بها وإقامة المواسم عليها، والرشوة، وعدم نصر المظلوم، يعمهم الله بعذابه. فصل قَال مُحَمَّد تقي الدين: تأملوا قصة أبي لبابة (٢)، تعلموا أن الصحابة أيضًا كانت تصدر منهم ذنوب، والفرق بيننا وبينهم هو المبادرة إلى التوبة والإخلاص فيها، فربط الإنسان نفسه بسارية من سواري المسجد وتركه الطعام والمنام والراحة تسعة أيام ليس بالأمر الهين، ولم يكفه ذلك حتى أراد أن يخرج من ماله، لولا أن النبي ﷺ منعه من ذلك وأذن له في الثلث فقط. فهكذا تكون توبة الصادقين. فصل قوله: «أي اختبار وامتحان منه لكم إذا أعطاكموه؛ ليعلم أتشكرونه عليها وتطيعونه فيها أم تشتغلون بها عنه»؟ العلم هنا علم ظهور يراه الناس ويعرفونه، فإن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، وليس معناه لينكشف له شيء كان خافيًا عليه، تعالى الله عن ذلك.

стр. 1164

سُورَةُ التَّوْبَةِ الباب الأول ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَا رَسُولِهِ، وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [التوبة: ١٦] قال (ك): «يقول تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ﴾ أيها المؤمنون أن تهملوا فلا نخبركم بما يميز أهل العزم الصادق من الكاذب: ﴿وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَا رَسُولِهِ، وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً﴾ أي: بطانة دخيلة، بل هم في الظاهر والباطن على النصح الله ولرسوله كما قال تعالى: ﴿الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت: ١ - ٣]. واختباره المؤمنين هنا حصل بمشروعية الجهاد لهم، وفيه الاختبار لعبيده من يطيعه فيه ممن يعصيه، وهو - تعالى - العالم بما كان وما يكون، وما لم يكن لو كان كيف يكون، فيعلم الشيء قبل كونه ومع كونه على ما هو عليه، لا إله إلا هو ولا رب سواه، ولا راد لما قدره وأمضاه» (١). قال الحافظ ابن القيم في «إعلام الموقعين» (٢/ ٢٩٣) بعد أن ذكر الآيات التي وردت في ذم اتباع الآباء بلا بصيرة - وقد تقدم بعضها في (الباب الرابع) من (سورة البقرة) - ما نصه: «وهذا في القرآن كثير، يذم فيه من أعرض عما أنزله وقنع بتقليد الآباء، فإن قيل: إنما ذم من قلد الكفار وآباءه الذين لا يعقلون شيئًا ولا يهتدون، ولم

стр. 1165

يذم من قلد العلماء المهتدين، بل قد أمر بسؤال أهل الذكر - وهم أهل العلم ـ، وذلك تقليد لهم، فقال تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣] وهذا أمر لمن لا يعلم بتقليد من يعلم، فالجواب: أنه سبحانه ذم من أعرض عما أنزله إلى تقليد الآباء، وهذا القدر من التقليد هو مما اتفق السلف والأئمة الأربعة على ذمه وتحريمه، وأما تقليد من بذل جهده في اتباع ما أنزل الله وخفي عليه بعضه فقلد فيه من هو أعلم منه، فهذا محمود غير مذموم، ومأجور غير مأزور، كما سيأتي بيانه عند ذكر التقليد الواجب السائغ إن شاء الله. وقال تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٢٦] والتقليد ليس بعلم باتفاق أهل العلم كما سيأتي وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٣] وقال تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُم مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾ فأمر باتباع المُنْزَل خاصة والمقلد ليس له علم أن هذا هو المنزل، وإن كان قد تبينت له الدلالة في خلاف قول من قلده فقد علم أن تقليده في خلافه اتباع لغير المنزل. وقال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩] فمنعنا سبحانه من الرد إلى غيره وغير رسوله وهذا يبطل التقليد، وقال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً﴾ ولا وليجة أعظم ممن جعل رجلًا بعينه عيارًا (١) على كلام الله وكلام رسوله وكلام سائر الأمة، يقدمه على ذلك كله ويعرض كتاب الله وسنة رسوله وإجماع الأمة على قوله، فما وافقه منها قَبِلَه لموافقته لقوله، وما خالفه منها تلطف في ردّه، وتطلب (٢) له وجوه الحيل، فإن لم تكن هذه وليجة فلا ندري ما الوليجة. وقال تعالى: ﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَالَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا (٦٦) وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا﴾ [الأحزاب: ٦٦، ٦٧] وهذا نص في بطلان التقليد فإن قيل: إنما فيه ذم من قلد من أضله السبيل، أما

стр. 1166

من هداه السبيل فأين ذم الله تقليده؟ قيل: جواب هذا السؤال في نفس السؤال، فإنه لا يكون العبد مهتديًا (١) حتى يتبع ما أنزل الله على رسوله، فهذا المقلد إن كان يعرف ما أنزل الله على رسوله فهو مهتد وليس بمقلد، وإن كان (٢) لم يعرف ما أنزل الله على رسوله، فهو جاهل ضال بإقراره على نفسه، فمن أين يعرف أنه على هدى في تقليده؟ وهذا جواب كل سؤال يوردونه في هذا الباب، وأنهم إنما يقلدون أهل الهدى فهم في تقليدهم على هدى. فإن قيل: فأنتم تقرون أن الأئمة المقلدين في الدين على هدى فمقلدوهم على هدى قطعًا؛ لأنهم سالكون خلفهم، (قيل): سلوكهم خلفهم مبطل لتقليدهم لهم قطعًا، فإن طريقتهم كانت اتباع الحجة والنهي عن تقليدهم، فمن ترك الحجة وارتكب ما نهوا عنه ونهى الله ورسوله عنه قبلهم فليس على طريقتهم وهو من المخالفين لهم، وإنما يكون على طريقتهم من اتبع الحجة وانقاد للدليل ولم يتخذ رجلًا بعينه سوى الرسول ﷺ يجعله مختارًا على الكتاب والسنة يعرضهما (٣) على قوله، وبهذا يظهر بطلان فهم من جعل التقليد اتباعًا وإيهامه وتلبيسه بل هو مخالف للاتباع، وقد فرق الله ورسوله وأهل العلم بينهما، كما فرقت الحقائق بينهما، فإن الاتباع سلوك طريق المُتَّبع والإتيان بمثل ما أتى به» (٤). الباب الثاني قوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣١]. قال (ك): روى الإمام أحمد والترمذي وابن جرير من طرق عن عدي بن حاتم ﵁ أنه لما بلغته دعوة الرسول ﷺ فر إلى الشام، وكان قد تنصر في الجاهلية، فأسرت أخته وجماعة من قومه، ثم مَنَّ رسول الله ﷺ على أخته وأعطاها، فرجعت إلى أخيها فرغبته في الإسلام وفي القدوم على رسول الله ﷺ .

стр. 1167

فقدم عدي إلى المدينة، وكان رئيسًا في قومه طيئ، وأبوه حاتم الطائي المشهور بالكرم، فتحدثت الناس بقدومه، فدخل على رسول الله ﷺ وفي عنق عدي صليب من فضة وهو يقرأ هذه الآية: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ قال: فقلت: «إنهم لم يعبدوهم» فقال: «بلى إنهم حرموا عليهم الحلال، وأحلوا لهم الحرام فاتبعوهم، فذلك عبادتهم إياهم» (١). وقال رسول الله ﷺ : «يا عدي ما تقول؟ أيضرك أن يقال: الله أكبر، فهل تعلم شيئًا أكبر من الله؟ ما يضرك … أيضرك أن يقال: لا إله إلا الله، فهل تعلم إلهًا غير الله؟» (٢)؟ ثم دعاه إلى الإسلام فأسلم، وشهد شهادة الحق، قال: فلقد رأيت وجهه استبشر، ثم قال: «إن اليهود مغضوب عليهم والنصارى ضالون (٣). وقوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا﴾ أي: الذي إذا حرم الشيء فهو الحرام وما حلله فهو الحلال، وما شرعه اتبع، وما حكم به نفذ، ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ أي: [تعالى وتقدس و] (٤) تنزه عن الشركاء والنظراء والأعوان والأضداد والأولاد، لا إله إلا هو، ولا رب سواه» (٥). وقال الإمام صديق بن حسن القنوجي في «فتح البيان» ما نصه: «قال الرازي في «تفسيره» (٦): قال شيخنا ﵁: قد شاهدت جماعة من مقلدة الفقهاء، قرأتُ عليهم آيات كثيرة من كتاب الله تعالى في بعض المسائل، وكانت مذاهبهم بخلاف تلك الآيات، فلم يقبلوا تلك الآيات ولم يلتفتوا إليها، وبقوا ينظرون إليَّ كالمتعجب، يعني كيف يمكن العمل بظواهر هذه الآيات مع أن الرواية عن سلفنا وردت على خلافها؟ ولو تأملت حق التأمل وجدت هذا الداء ساريًا في عروق الأكثرين من أهل الدنيا. والقول الثاني في تفسير هذه الربوبية: إن الجهال والحشوية إذا بالغوا في تعظيم شيخهم وقدوتهم فقد يميل طبعهم إلى الحلول والاتحاد، وذلك الشيخ إذا كان طالبًا للدنيا بعيدًا عن الدين، كأن يأمر أتباعه وأصحابه بأن يسجدوا له،

стр. 1168

وكأن يقول لهم: أنتم عبيدي، فكان يلقي إليهم من حديث الحلول والاتحاد أشياء، ولو خلا ببعض الحمقى (١) من أتباعه فربما ادعى الإلهية، فإذا كان ذلك مشاهدا في هذه الأمة فكيف يبعد ثبوته في الأمم السالفة؟ وحاصل الكلام أن تلك الربوبية تحتمل أن يكون المراد منها أنهم قبلوا أنواع الكفر، فكفروا بالله، فصار ذلك جاريا مجرى أنهم اتخذوا أربابا من دون الله، ويحتمل أنهم أثبتوا في حقهم الحلول والاتحاد، وكل هذه الوجوه الأربعة مشاهد وواقع في هذه الأمة». اهـ. ثم قال القنوجي: «وفي هذه الآية ما يزجر من كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد عن التقليد في دين الله، وإيثار (٢) ما يقوله الأسلاف على ما في الكتاب العزيز والسنة المطهرة، فإن طاعة المتمذهب لمن يقتدي بقوله ويستن بسنته من علماء هذه الأمة مع مخالفته لما جاءت به النصوص وقامت به حجج الله وبراهينه ونطقت به كتبه وأنبياؤه هو كاتخاذ اليهود والنصارى للأحبار والرهبان أربابا من دون الله، للقطع بأنهم لم يعبدوهم (٣) بل أطاعوهم وحرموا ما حرموا وحللوا ما حللوا، وهذا هو صنيع المقلدين من هذه الأمة، وهو أشبه به من شبه البيضة بالبيضة، والتمرة بالتمرة، والماء بالماء. فيا عباد الله! ويا أتباع محمد بن عبد الله! ما بالكم تركتم الكتاب والسنة جانبا وعمدتم إلى رجال هم مثلكم في تعبد الله لهم بهما، وطلبه منهم بما دلا عليه وأفاداه، فعملتم بما جاؤوا به من الآراء التي لم تعمد بعماد الحق، ولم تعضد بعضد الدين، ونصوص الكتاب والسنة تنادي بأبلغ نداء، وتصوت بأعلى صوت بما يخالف ذلك ويباينه، فأعرتموها آذانا صما، وقلوبا غلفا، وأفهاما مريضة، وعقولا مهيضة، وأذهانا كليلة، وخواطر عليلة، وأنشدتم بلسان الحال: وما أنا إلا من غزية إن غوت غويت … وإن ترشد غزية أرشد (٤) فدعوا - أرشدكم الله - رأيا من كتب كتبها لكم الأموات من أسلافكم، واستبدلوا بها كتاب الله خالقهم (٥) ومتعبدهم ومتعبدكم ومعبودهم ومعبودكم،

стр. 1169

واستبدلوا بأقوال من تدعونهم بأئمتكم وما جاؤوكم به من الرأي بأقوال إمامكم وإمامهم وقدوتهم وقدوتكم وهو الإمام الأول محمد بن عبد الله ﷺ : دعوا كل قول عند قول محمد … فما آمن في دينه كمخاطر اللهم هادي الضال، مرشد التائه، موضح السبيل، اهدنا إلى الحق، وأرشدنا إلى الصواب، وأوضح لنا منهج الهداية. ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا﴾ أي: والحال أنهم ما أمروا في الكتب القديمة المنزلة عليهم على ألسنة أنبيائهم إلا بعبادة الله وحده، وما أمر الذين اتخذوهم أربابا من الأحبار والرهبان إلا بذلك، فكيف يصلحون لما أهلوهم له من اتخاذهم أربابا؟». اهـ (١). وقال محمد بن يوسف الشهير بالمواق في «شرحه لمختصر خليل» عند قول خليل: «وجهر بها في مسجد كجماعة»: «كره مالك اجتماع القراء في سورة واحدة، وقال: لم يكن من عمل الناس، ورآها بدعة، قال محيي الدين النووي في قوله ﷺ : «وما اجتمع قوم يتلون كتاب الله» (٢): «الحديث فيه جواز قراءة القرآن بالإدارة، وهو مذهبنا ومذهب الجمهور، وكرهه مالك، وتأول ذلك بعض أصحابه. (ابن رشد)» (٣) إنما كرهه مالك لأنه أمر مبتدع، ولأنهم يبتغون به الألحان على نحو ما يفعل في الغناء، فوجه المكروه في ذلك بين. [قال] المازري (٤): «وظاهر الحديث يبيح الاجتماع لقراءة القرآن في المساجد، وإن كان مالك قد قال (٥) بالكراهة؛ لنحو ما اقتضى هذا الظاهر جوازه، وقال: يقامون: أي يطردون، ولعله لما صادف العمل لم يستقر (٦) عليه كره إحداثه، وكان كثيرا ما يترك بعض الظواهر

стр. 1170

للْعَمَلِ»» (١). وقال عز الدين بن عبد السلام في «قواعده»: «من العجب العجيب أن يقف المقلّد على ضعف مأخذ إمامه، وهو مع ذلك يقلده كأن إمامه نبي أرسل إليه، وهذا نأي عن الحق، وبُعْدِ عن الصواب لا يرضى به أحد من أولي الألباب، بل تجد أحدهم يناضل عن مقلّده، ويتحيل الدفع ظواهر الكتاب والسنة ويتأولها، وقد رأيناهم يجتمعون في المجالس، فإذا ذكر لأحدهم خلاف ما وطن عليه نفسه، تعجب منه غاية العجب؛ لما ألفه من تقليد إمامه، حتى ظن أن الحق منحصر في مذهب إمامه! ولو تدبر لكان تعجبه من مذهب إمامه أولى من تعجبه من مذهب غيره. فالبحث مع هؤلاء ضائع، مفض إلى التقاطع والتدابر من غير فائدة، فالأولى ترك البحث مع هؤلاء الذين إذا عجز أحدهم عن تمشية مذهب إمامه، قال: لعل إمامي وقف على دليل لم أقف عليه! ولا يعلم المسكين أن هذا مقابل بمثله، ويفضل لخصمه ما ذكره من الدليل الواضح، فسبحان الله! ما أكثر من أعمى التقليد بصره؟! حتى حمله على مثل ما ذكرته، وفقنا الله لاتباع الحق أينما كان وعلى لسان من ظهر» (٢). اهـ بنصه. قال ابن عبد البر في كتابه: «جامع بيان العلم وفضله» (٢/ ١٧١): «واعلم يا أخي أن الفروع لا حد لها تنتهي إليه أبدًا؛ ولذلك (٣) تشعبت، فمن (٤) رام أن يحيط بآراء الرجال فقد رام ما لا سبيل له ولا لغيره (٥) إليه؛ لأنه لا يزال يرد عليه ما لم يسمع، ولعله أن ينسى أول ذلك بآخره؛ لكثرته فيحتاج أن (٦) يرجع إلى الاستنباط الذي يفزع منه ويجبن عنه تورعًا بزعمه أن غيره كان أدرى بطريق الاستنباط منه، فلذلك عوّل على حفظ قوله ثم إن الأيام تضطره إلى الاستنباط مع جهله بالأصول فجعل الرأي أصلًا واستنبط عليه، وقد تقدم في

стр. 1171

كتابنا هذا كيف وجه القول واجتهاد الرأي على الأصول عندما ينزل بالعلماء من النوازل في أحكامهم ملخصا في أبواب مهذبة من تدبرها وفهمها وعمل عليها نال حظه، ووفق لرشده إن شاء الله. واعلم أنه لم تكن مناظرة بين اثنين أو جماعة من السلف إلا لتفهم وجه الصواب، فيصار إليه ويعرف أصل القول وعلته فيجري عليه أمثلته ونظائره، وعلى هذا الناس في كل بلد إلا عندنا كما شاء الله (١) ربنا، وعند من سلك سبيلنا من أهل المغرب، فإنهم لا يقيمون علة ولا يعرفون للقول وجها. وحسب أحدهم أن يقول: فيها رواية لفلان ورواية لفلان. ومن خالف عندهم الرواية التي لا يقف على معناها وأصلها وصحة وجهها، فكأنه قد خالف نص الكتاب وثابت السنة، ويجيزون حمل الروايات المتضادة في الحلال والحرام وذلك خلاف أصل مالك، وكم لهم من خلاف أصول مذهبه (٢) مما لو ذكرناه لطال الكتاب بذكره. ولتقصيرهم عن علم أصول مذهبهم صار أحدهم إذا لقي مخالفا ممن يقول بقول أبي حنيفة أو الشافعي أو داود بن علي أو غيرهم من الفقهاء، وخالفه في أصل قوله بقي متحيرا ولم يكن عنده أكثر من حكاية قول صاحبه فقال: هكذا قال فلان وهكذا روينا، ولجأ إلى أن يذكر فضل مالك ومنزلته، فإن عارضه الآخر بذكر فضل (٣) إمامه أيضا صار في المثل كما قال الأول: شكونا إليهم خراب العرا ق … فعابوا علينا شحوم (٤) البقر فكانوا كما قيل فيما مضى … أريها السها وتريني القمر وفي مثل ذلك يقول منذر بن سعيد ﵀: عذيري من قوم يقولون كلما … طلبت دليلا هكذا قال مالك فإن (٥) عدت قالوا هكذا قال أشهب … وقد كان لا تخفى (٦) عليه المسالك [وقد قاله ابن القاسم العالم الذي … على قصد منهاج الهدى هو سالك] (٧) فإن زدت قالوا قال سحنون مثله … ومن لم يقل ما قاله فهو آفك

стр. 1172

فإن قلت قال الله ضجوا وأكثروا … وقالوا جميعًا أنت قرن مماحك وإن قلت قد قال الرسول فقولهم … أتت (١) مالكًا في ترك ذاك المسالك (٢) وأجازوا النظر في اختلاف أهل مصر وغيرهم من أهل المغرب فيما خالفوا فيه مالكًا من غير أن يعرفوا وجه قول مالك ولا وجه قول مخالفه منهم، ولم يبيحوا النظر في كتب من خالف مالكًا إلى دليل يبينه ووجه يقيمه لقوله وقول مالك، جهلًا منهم (٣) وقلة نصح وخوفًا من أن يطلع الطالب على ما هم فيه من النقص والتقصير (٤) فيزهد فيهم، وهم مع ما وصفنا يعيبون من خالفهم ويغتابونه ويتجاوزون القصد في ذمه؛ ليوهموا السامع أنهم على حق وأنهم أولى باسم العلم وهم ﴿كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾ [النور: ٣٩]. وإن أشبه الأمور بما هم عليه ما قاله منصور الفقيه: خالفوني وأنكروا ما أقول … قلت لا تعجلوا فإني سؤول ما تقولون في الكتاب فقالوا … هو نور على الصواب دليل وكذا سنة الرسول وقد … أفلح من قال ما يقول الرسول واتفاق الجميع أصل وما تنـ … كر هذا وذا وذاك العقول وكذا الحكم بالقياس فقلنا … من جميل الرجال يأتي الجميل فتعالوا نرد من كل قول … ما نفى الأصل أو نفته الأصول فأجابوا فناظروا فإذا العلم لديهم هو اليسير القليل. فعليك يا بني (٥) بحفظ الأصول والعناية بها، واعلم أن من عني بحفظ السنن والأحكام المنصوصة في القرآن، ونظر في أقاويل الفقهاء فجعله عونًا له على اجتهاده، ومفتاحًا لطرائق النظر وتفسيرًا لحمل السنن (٦) المحتملة للمعاني، ولم يقلد أحدًا منهم تقليد السنن التي يجب الانقياد إليها على كل حال دون نظر، ولم يرح نفسه مما أخذ العلماء به أنفسهم من حفظ السنن وتدبرها واقتدى بهم (٧) في البحث والتفهم والنظر، وشكر لهم سعيهم فيما أفادوه ونبهوه (٨) عليه وحمدهم على صوابهم الذي هو أكثر أقوالهم ولم يبرئهم من الزلل كما لم يبرئوا أنفسهم

стр. 1173

منه فهذا هو الطالب المتمسك بما عليه السلف الصالح وهو المصيب لحظه والمعاين لرشده والمتبع لسنة نبيه ﷺ وهدي صحابته ﵃ (١)، ومن أعفى نفسه من النظر وأضرب عما ذكرنا وعارض السنن برأيه، ورام أن يردها إلى مبلغ نظره، فهو ضال مضل» (٢). ونقل الحافظ ابن رجب في كتابه «جامع العلوم والحكم» عن الإمام ابن هبيرة الحنبلي أنه قال: «من مكايد الشيطان أن يقيم أوثانًا في المعنى تعبد من دون الله، مثل أن يتبين لأحدهم الحق، فيقول: ليس عليه مذهبنا، تعظيمًا لمقلد عنده قد قدمه على الحق» (٣). فصل قال محمد تقي الدين: انظر إلى كرم رسول الله ﷺ وإنزاله الناس منازلهم ورحمته لعزيز قوم ذل، فإن أخت عدي ابنة حاتم الطائي الذي يضرب به المثل في الجود أسرت مع من أسر من قومها، فلما وصلت إلى النبي ﷺ لم يقتصر على إطلاق سراحها بل زادها العطاء، فكان ذلك سببًا لأن تدعو أخاها عديًا

стр. 1174

بعدما فرَّ من بلاد الإسلام إلى الشام إلى إخوانه النصارى اليونانيين، فجاء إلى النبي ﷺ ، وقد تبدل خوفه أمنًا وبغضه حبًّا وإدباره إقبالًا، وكان في عنقه صليب من فضة، والنصارى لفساد عقولهم يعتقدون أن المسيح صلب من أجل إنقاذهم ويقدسون عقيدة الصلب ويجعلونها أهم شيء في دينهم، ولذلك يتبركون بالصلبان ويتخذونها من الذهب والفضة وغيرهما من المعادن أو الأخشاب، ويعتقدون أن اتخاذها في البيوت وتعليقها في الأعناق ينجيهم من الشر في الدنيا والآخرة، وإذا مروا بكنيسة خطوا بأصابعهم في الهواء صلبانًا مشابهة للصليب الذي فوق الكنيسة، وقصة الصلب في «الأناجيل الأربعة» كذبها ظاهر لكل من يقرؤها، انظر كتابي «البراهين الإنجيلية» (١).

стр. 1175

ولما رأى النبي ﷺ الصليب في عنق عدي، قال له: «ألق عنك هذا الوثن» فالصليب وثن حسي، وكذلك القبة والقبر إذا عبدا ورجيت منهما البركة، وكل جماد ينسب إلى ملك أو نبي أو صالح ترجى منه البركة فهو وثن، وما أحسن كلام النبي ﷺ لعدي في بيان التوحيد. فصل قال محمد تقي الدين: فكل مَنْ جُعِل له التحليل والتحريم والإيجاب

стр. 1176

والإباحة والاستحباب من المخلوقين فقد اتخذ ربًا؛ حاشا رسل الله الذين يبلغون رسالات الله، ولا ينطقون عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠]، فالرسل لا يطالبون بالدليل؛ لأن كلامهم في الدين نِعْمَ الدليل، وغيرهم لا يجوز قبول قوله إلا بدليل. فصل قال محمد تقي الدين: ما أحسن قول الإمام الرازي: «ولو تأملت وجدت هذا الداء ساريًا في عروق الأكثرين من أهل الدنيا» (١). سمى التقليد داءً، وقد أحسن في هذه التسمية، فإن التقليد أشد أمراض القلوب، فإن مرض الجسم يمنع الإنسان من الحركة والعمل اللذين بهما يتوصل إلى المنافع، والتقليد داء في القلب يمنعه من التفكير والبحث والاستدلال الذي يوصله إلى معرفة الحق. فصل قال محمد تقي الدين: قول الإمام الرازي: «ولو خلا بالحمقى من أصحابه فربما ادعى الإلهية» (١)، أقول: قد ادعاها الحلاج وابن العربي (٢) الحاتمي وابن سبعين وابن الفارض، انظر كتاب: «تنبيه الغبي على تكفير ابن عربي» (٣) للإمام البقاعي، و «تاريخ مكة» (٤) للفاسي، وقد أنشد ابن عربي في «الفتوحات» لنفسه:

стр. 1177

العَبْدُ ربُّ والرَّبُّ عبد … ياليتَ شعري من المكلَّف إن قلت عبد فذاك حقٌّ … أو قلت ربُّ أني يُكَلَّفُ (١) وقال فيها في تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ [الأعراف: ١٥٢] الآية ما نصه: «إن الذين عبدوا العجل ما عبدوا إلا الله» (٢)، وإلى ذلك أشار الإمام الصنعاني بقوله في «القصيدة الدالية» (٣) - التي تقدم بعضها في أول هذا الكتاب، ونص ما قال فيهم - يقصد ابن عربي الحاتمي -: وأكفر أهل الأرضِ مَنْ ظَنَّ أنه … إلهُ تعالى الله جَلَّ عن الند مُسمَّاه كل الكائنات جميعها … من الكلب والخنزير والفهد والقرد وإنَّ عذاب النار عَذْبٌ لأهلها … سواء عذابُ النَّارِ أو جنَّةُ الخُلدِ

стр. 1178

وعُبَّاد عجل السَّامري على هُدىً … ولائمهم في اللوم ليس على رُشدِ تناشدنا عنه نصوص فصوصه … تنادي خذوا في النَّظم مكنون ما عندي وكنت امرءًا من جند إبليس فارتقى … بي الأمر حتى صار إبليس من جندي فلو مات قبلي كنت أدركتُ بعده … دقائق كفر ليس يدركها بعدي يلوذون عند العجز بالذَّوق ليتهم … يذوقون طعم الحقِّ فالحق كالشَّهدِ فقلنا لهم ما الذوق قالوا مثاله … عزيز فلا بالرسم يُدرك والحدُ ففَشْرُهم بالكشف والذَّوقِ مُشعر … بأنَّهم عن مطلب الحق في بُعْدِ ومن يطلب الإنصاف يدلي بحجة … ويرجع أحيانًا ويُهْدَى ويستهدي وهيهات كل في الديانة تابع … أباه كأنَّ الحقَّ بالأب والجد فصل قال محمد تقي الدين: إيراد المواق الكلام عز الدين بن عبد السلام قصد به الرد على الذين يقدسون قول مالك، إذا جاء مخالفًا لما يفهم من حديث النبي ﷺ والذي كرهه مالك وأباحه الشافعي واستدل عليه النووي (١) بحديث أبي هريرة عند مسلم: «وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم» (٢) الحديث، هو القراءة بالإدارة كما قال النووي، وذلك أن يجتمع جماعة من القراء فيقرؤون بالتناوب في سورة واحدة، يقرأ أحدهم آيات محدودة ثم يسكت، ويقرأ الذي يليه عن يمينه نصيبًا معلومًا، ثم يقرأ الذي يليه، وهكذا حتى ترجع النوبة إلى الأول، وكل منهم يجتهد أن يجود قراءته ليستمتعوا باختلاف الأصوات والنغمات، أما القراءة التي جاءت من الأندلس إلى المغرب في زمان الموحدين - على ما يقال - وهي القراءة بصوت واحد مجتمعين لا يستمع أحد لأحد فهي بدعة، لم يعرفها مالك ولا وقعت في زمانه؛ لأنها مأخوذة من الكنيسة النصرانية، فإن النصارى يرتلون صلواتهم من الأناجيل بصوت واحد فهذه بدعة جديدة وفيها مفاسد متعددة: الأولى: إنها بدعة، وكل بدعة ضلالة. الثانية: إن فيها معصية الله تعالى في قوله: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا﴾ [الأعراف: ٢٠٤].

стр. 1179

الثالثة: إن كل واحد من القراء تنقطع قراءته عند اضطراره إلى التنفس، فتفوته كلمة أو كلمات. الرابعة: إنهم يضطرون إلى قطع المد الواجب، لأجل التنفس في نحو: جاء وشاء، وذلك حرام، وفي نصوص محمد التهامي بن الطيب السجلماسي الغرفي صاحب «نصرة الكتاب» ما نصه: «الجمع بين الوصل والوقف حرام، نص عليه غير عالم همام، هذا في الوقف على آخر الكلمة دون سكت، فكيف بمن يقطع الكلمة نصفين؟». وقد شرع أخونا حسن وجاج في تأليف كتاب يقيم فيه البراهين القاطعة على بدعة ما يسمى عند المغاربة بالحزب، ويحدد تاريخ وصولها إلى المغرب وما فيها من المفاسد، وهو عمل مشكور نرجو أن ينفع الله به من شاء من عباده حتى يقضي على هذه البدعة التي أصيب بها المغاربة وحدهم دون جميع المسلمين، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل (١). قول الإمام عز الدين بن عبد السلام ﵀: «فالأولى ترك البحث مع هؤلاء»؛ لأن البحث مع المقلد كالكلام مع البهيمة، بل بعض البهائم يفهم ما يقال له ويستجيب إذا دعي، كالكلب المعلم والقرد (٢)، والمقلد لا يكاد يفهم ولا

стр. 1180

يجيب، فهو كما قال ابن المعتز: «لا فرق بين بهيمة تنقاد وإنسان يقلد»، وتقدمت أبيات الحافظ ابن عبد البر التي يقول فيها: لا فرق بين مقلَّد وبهيمةٍ … تنقادُ بين جنادل و دعائر (١) ولكن هنالك طريق آخر لإيصال الحق إلى القلوب السليمة، وهو طريق الدعوة إلى اتباع الكتاب وطرح التقليد والمذهب. وقد سلكنا هذا الطريق منذ خمس وخمسين سنة فوجدناه مفيدًا له ثمرة طيبة وفيه القضاء على المقلدين من أدعياء الفقه؛ لأنهم إذا رأوا العامة أعرضوا عنهم حين تبين لهم نور الكتاب والسنة، ونبذوهم نبذ الحذاء الممزق، يُسْقَط في أيديهم ويبقون وحدهم منعزلين كالبعير الأجرب، فيرجع كيدهم في نحورهم ولا يضرون إلا أنفسهم. قوله: «ولا يعلم المسكين … إلى آخره» مثل ذلك: مقلد يزعم أنه مالكي، يعادي سنة وضع اليمنى على اليسرى عند القيام في الصلاة، تناظر مع حنفي أو شافعي أو حنبلي أو مالكي مهتدي، فيقول المدعي أنه مالكي: وضع اليمنى على اليسرى مكروه والسنة السدل، فيقول له خصمه: وما دليلك؟ فيقول: دليلي ما جاء في «المدونة»، وهو أن سحنونًا روى عن ابن القاسم أن مالكًا كره وضع اليمنى على اليسرى في الصلاة الفريضة لما فيه من الاعتماد المزعوم، فيقول له خصمه: وقد روى إمامي أنا عن شيوخه خلاف ذلك، وشيوخ إمامي أقدم من إمامك، وأقرب إلى زمان النبوة، فيسقط كلامه بكلام خصمه، ويفضل لخصمه الدليل القاطع الذي رواه جميع الأئمة ومنهم إمامه على حسب دعواه، فإن البخاري ومسلمًا رويا حديث «وضع اليمنى على اليسرى» عن مالك، ولم يثبت أن مالكًا سدل يديه، بل قال ابن عبد البر - وهو أعلم الناس بعلم مالك -: (٢). «ما زال مالك يقبض حتى قبضه الله»، وجميع أصحاب مالك من العراقيين والحجازيين والمصريين إلا ابن القاسم على قول الحافظ ابن عبد البر. وعلى

стр. 1181

هذا الناس في كل بلد، إلا عندنا كما شاء الله ربنا، وعند من سلك سبيلنا من أهل المغرب فإنهم لا يقيمون علة ولا يعرفون للقول وجهًا، وحسب أحدهم أن يقول: فيها رواية لفلان ورواية لفلان» (١)، إلى آخر ما تقدم نقله، يدلك على أن هذا المرض وهو الجمود على الفروع التي هي من آراء الرجال بدون دليل ظلمات بعضها فوق بعض، هذا المرض قديم في الأندلس والمغرب، فإن الإمام ابن عبد البر من علماء القرن الخامس فإنه (توفي سنة ٤٦٣) وقد مضى على وفاته أزيد من تسع مائة سنة زاد فيها الجهل والبعد عن الكتاب والسنة وذهب أمثاله من العلماء الذين كانوا ينورون الظلمات ويقمعون أهل التقليد والرأي، ولكن حتى في زماننا هذا - والله الحمد - يوجد بصيص من نور الكتاب والسنة أوقده شيخنا محمد بن العربي العلوي (٢) رحمة الله عليه، واقتبسه من كتب الشيخين الربانيين ابن تيمية وابن القيم رحمهما الله، زادنا الله من هذا النور، فالحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله (٣). وقول الحافظ ابن عبد البر في إنشاده البيتين: شكونا إليهم خراب العرا … ق فعابوا علينا شحوم البقر (٤) أنشده الحافظ ابن القيم في هذا المعنى، وسأشرحه حسب ما يظهر لي، فإن كان صوابًا فمن الله، وإن كان خطأ فهو مني: خراب العراق: معناه القحط والجدب وقلة الطعام. وشحوم البقر: معناه التوسع في المآكل والمشارب. ومعنى ذلك أنهم فهموا ضد ما أردنا كما في المثل العربي القديم (أريها

стр. 1182

السُّها - كوكب صغير يكاد لا يرى بالبصر، والقمر واضح) (١) يراه كل ذي بصر، فيضرب هذا المثل لمن يتكلم في أمر دقيق لا يفهمه إلا الأذكياء، يقابل بأمر واضح يفهمه جميع الناس ولا يحتاج إلى بحث، كالذي يعلِّم إنسانًا دقائق علم الجبر فيقول له: «الواحد نصف الاثنين». وحضرني الآن مثل يضرب في بلدنا سجلماسة، وهو قولهم: كانت امرأة فقيرة تحمل ابنها الصغير وهو يبكي، وكانت تتكلم مع امرأة غنية ومعها ابنها أيضًا، فقال ابن الغنية لأمه: لماذا يبكي هذا؟ فقالت: من الجوع يا بني، فقال لها: فهلا صعد إلى غرفة بيته وأكل بوسكري - وبوسكري بلغة المغاربة، هو: التمر المعروف بالسكري في بلاد نجد وهو أفضل أنواع التمر … فظن الغلام أن كل غرفة يوجد فيها السكري كما يوجد في غرفة أبيه وأمه، وفي هذا النوع من التمر قال الأديب الكبير والعالم المحقق فخر سجلماسة بل فخر المغرب أحمد بن عبد العزيز الهلالي (٢): جدير بأن يُدعى الشَّهِيُّ أبو سُكَّري … أبا سُكر بين الثمار بلا نُكري يكاد يحاكي في لذَاذة طعمه … مُذاكرتي في العلم مع أبوي بكري وكان لهذا العالم تلميذان كل منهما يدعى أبا بكر، وإليهما أشار بقوله (مذاكرتي في العلم مع أبوي بكري). قال محمد تقي الدين: منذر بن سعيد إمام حافظ حجة، انظر ترجمته في «نفح الطيب» (٣)، وله أخبار ظريفة طريفة، وهذه الأبيات تدل على علمه وأنه كان يحارب التقليد والعصبية الجاهلية للمذهب، وقد صرح بأن معاصريه من المقلدين

стр. 1183

الدواب، جعلوا قول مالك وابن القاسم وأشهب وحتى سحنون الذي هو أحد تلاميذ مالك كل ذلك جعلوه حجة يخالفون من أجله كتاب الله وسنة رسوله، ويحاربون من اقتدى بهما، ويقولون له: أنت قرن مماحك، أي: خصم مغالط، وإذا احتج عليهم بالحديث الصحيح المحكم، قالوا له: هذا الحديث لا يخفى على مالك وما تركه إلا لعلة أوجبت تركه، كأن مالكًا أحاط علمًا بجميع أحاديث الرسول ﷺ ، لا يغفل عن شيء منها ولا يسهو، ولا يخطئ في فهم شيء، كذبوا والله مالك بريء من هذا القول على أن الأحاديث المسندة في «الموطأ» لا تزيد على خمسمئة (١)، والأحاديث الصحيحة والحسنة.

стр. 1184

تعد بآلاف، يعلم ذلك كل من له أدنى علم بالحديث، ومالك الله بريء منهم كما تقدم. قوله: «وأجازوا النظر في اختلاف أهل مصر وغيرهم من أهل المغرب فيما خالفوا فيه مالكًا - إلى آخره -. هذا من عجائب المتمذهبين، يعتدون بالخلاف في داخل المذهب وإن لم يكن عليه دليل ولا يعتدون بالخلاف في خارج المذهب وإن كان معه ألف دليل، فمثلهم مثل الأحزاب في هذا الزمان فأهل الحزب الواحد إذا وقع بينهم اختلاف يأخذون برأي الأكثر، أما إذا وقع بينهم وبين حزب آخر الخلاف فإنهم يضربون به عرض الحائط، وقد تقدم أن الواجب على المؤمنين بالله أن يردوا كل نزاع إلى الوحي والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم. قول منصور الفقيه: «هذا وذا وذاك». يريد الكتاب والسنة والإجماع، فتأملوا رحمكم الله فيما نقلته من كلام هذا الإمام، فلله دره ما أنصحه للأمة! وما أعلمه بأمراضها ودوائها جعلنا الله وإياكم ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولو الألباب.

стр. 1185

الباب الثالث قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٢]. قال (ك) «عن ابن عباس في هذه الآية: كان ينطلق من كل حي من العرب عصابة، فيأتون النبي ﷺ فيسألونه (١) عما يريدون من أمر دينهم، ويتفقهون فيه (٢) ويقولون للنبي ﷺ (٣): ما تأمرنا أن نفعله؟ وأخبرنا بما نأمر به عشائرنا إذا (٤) قدمنا عليهم، قال: فيأمرهم نبي الله ﷺ بطاعة الله وطاعة رسوله ﷺ ويبعثهم إلى قومهم بالصلاة والزكاة، وكانوا إذا أتوا قومهم قالوا (٥): من أسلم فهو منا، وينذرونهم ربهم (٦) حتى إن الرجل ليفارق أباه وأمه وكان النبي ﷺ يخبرهم وينذرهم قومهم فإذا رجعوا إليهم يدعونهم إلى الإسلام وينذرونهم النار ويبشرونهم بالجنة» (٧). قال محمد تقي الدين: ومن المناسب أن يذكر هنا حديث مالك بن الحويرث الذي رواه البخاري في «صحيحه»: قال مالك بن الحويرث: أتينا رسول الله ﷺ ونحن شَبَبَةٌ، فأقمنا عنده ست عشرة ليلة أو سبع عشرة ليلة وكان رحيمًا، فرأى أنا قد اشتقنا إلى أهلنا، فقال: «ارجعوا فعلموا من وراءكم، وإذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم، وليؤمكم أكبركم سنًا، وصلوا كما رأيتموني أصلي» (٨). نفهم من هذا أن الناس كانوا يرحلون من أوطانهم إلى النبي ﷺ ، ليتعلموا منه ويشاهدوا صلاته ووضوءه ويسمعوا أحاديثه ويتفقهوا في دين الله، عند سيد

стр. 1186

المعلمين، وخير الفقهاء، وإمام الأئمة صلوات الله وسلامه عليه. قال البخاري (١) في كتاب العلم: «باب من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين». ثم روى بسنده عن معاوية قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين، وإنما أنا قاسم، والله يعطي، ولن تزال هذه الأمة قائمة على أمر الله لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله». قال الحافظ في «الفتح»: «وهذا الحديث مشتمل على ثلاثة أحكام: أحدها: فضل التفقه في الدين. وثانيها: إن المعطي في الحقيقة هو الله. وثالثها: إن بعض هذه الأمة يبقى على الحق أبدًا. فالأول: لائق بأبواب العلم، والثاني: لائق بقسم الصدقات، والثالث: لائق بذكر أشراط الساعة، وقد أورده المؤلف في (الاعتصام) لالتفاته إلى مسألة عدم خلو الزمان عن مجتهد، والمراد بأمر الله هنا: الريح التي تقبض روح كل من في قلبه شيء من الإيمان ويبقى شرار الناس فعليهم تقوم الساعة». ثم قال الحافظ: «وقد جزم البخاري بأن المراد بهم أهل الحديث (٢) بالآثار، وقال أحمد بن حنبل: إن لم يكونوا أهل الحديث فلا أدري من هم» (٣). فصل قال محمد تقي الدين: المراد بالتفقه في الدين في الآية والحديث معرفة معاني كتاب الله وأحاديث رسول الله ﷺ وكل علم يوصل إلى ذلك، أما الفروع المولدة التي يسميها المتأخرون فقهًا، فهي فقر وجهل ولا تمت إلى الفقه بصلة، وقد تقدم الكلام في ذلك، وجزم البخاري (٤) وأحمد بن حنبل (٥) بأن المراد

стр. 1187

بالطائفة التي أخبر الرسول ﷺ بوجودها في أمته حتى يأتي أمر الله هم العلماء بالحديث العالمون به الداعون إليه. الباب الرابع قوله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [التوبة: ١٢٨، ١٢٩] قال (ك): «يقول الله تعالى ممتنًا على المؤمنين [لما] (١) أرسل إليهم رسولًا من أنفسهم، أي: من جنسهم وعلى لغتهم، كما قال إبراهيم ﵊: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ [البقرة: ١٢٩] وقال تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ﴾ أي: منكم وبِلُغَتِكم كما قال جعفر بن أبي طالب ﵁ للنجاشي والمغيرة بن شعبة لرسول كسرى: إن الله بعث فينا رسولًا منا نعرف نسبه وصفته ومدخله ومخرجه وصدقه وأمانته … وذكر الحديث (٢)» (٣). فصل قال محمد تقي الدين وقيل معناه: ﴿مِنْ أَنفُسِكُمْ﴾ يا بني آدم فاتباعه أسهل عليكم من اتباع رسول من الملائكة. ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ﴾ أي: يشق عليه كل ما يوقعكم في العنت والشدة والمشقة ﴿حَرِيصٌ عَلَيْكُم﴾ أي: على هدايتكم وسعادتكم ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ أي: شديد الرأفة والرحمة مشفق عليهم من عذاب الله في الدنيا والآخرة إذا خالفوه وعصوا ربهم، ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾، أي: أعرضوا عن الإيمان والاتباع ﴿فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ﴾ أي: يكفيني ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ أي: اعتمدت وقد ضمن لي النصر على من ناوأني وعاداني، ﴿فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ، وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا﴾ [يونس: ١٠٨] ﴿وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ وهو على نصر رسوله ومن اتبعه قدير.

стр. 1188

وَفي «صحيح البُخَارِي» عن النبي ﷺ أَنه قَالَ: «إنما مثَلي وَمَثَلُكُم كَمَثلِ رجلٍ أَوقد نَارًا، فَجَعل الفراش والجَنَادب يَقَعنَ فِيهَا وَهُو يَصُدُّهُم عَنها، فَأَنا آخِذ بِحُجزِكُم عَنْ النَّارِ وأَنتم تَأْبَون إِلا أَنْ تَقَحَّمُوا فِيهَا» (١) هَذَا مَعنى الحَدِيث، فالنبي ﷺ حَريص على إِبعَادِنا عَنْ كل شَر، وَأَنْ يوصلنا إِلَى كل خَير، فَمن اتبع الرسول في كل مَا جَاءَ بِهِ وانتهى عَمَّا نَهاه عَنهُ ظَفِرَ بِالسَّعَادَة الكُبرى، وَمن قَصَّر عَنْ ذَلِك كَانت سَعَادَته بِقَدرِ مَا وُفِّقَ إِلَيهِ من الاتبَاع، وأَبوَابُ الشَّرِ الَّتِي حَرَصَ الرَّسُول ﷺ أَنْ يُبعِدَنَا عَنها، هي: الشِّركُ والابتِدَاعُ وَالتَّقليد وَالمعَاصي.

стр. 1189

سورة يونس الباب الأول قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُم مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (٥٧) قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (٥٨) قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُم مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ (٥٩) وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ﴾ [يونس: ٥٧ - ٦٠]. قال القنوجي في «فتح البيان» ما نصه باختصار: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾ قيل: أراد قريشًا وقيل: هو على العموم، وهو الأولى ﴿قَدْ جَاءَتْكُم مَوْعِظَةٌ﴾؛ يعني: القرآن يتعظ (١) به من قرأه (٢) وعرف معناه، والوعظ: هو التذكير بالعواقب بالترغيب والترهيب ﴿مِنْ رَبِّكُمْ﴾ أي: موعظة كائنة من مواعظ ربكم ﴿وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ﴾ من الشكوك التي تعتري بعض المرتابين، وإنما خص الصدر بالذكر؛ لأنه موضع القلب. وداء الجهل أضر للقلب من داء المرض للبدن، والقرآن مزيل لأمراض القلب كلها، والهدى الإرشاد لمن اتبع القرآن وتفكر فيه وتدبر معانيه إلى الطريق الموصل إلى الجنة والرحمة، هي ما يوجد في الكتاب العزيز من الأمور التي يرحم بها عباده ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ﴾ المراد بالفضل من الله سبحانه، هو: تفضله على عباده في الآجل والعاجل بما لا يحيط به الحصر، وعن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : «فضل الله: القرآن، ورحمته أن

стр. 1190

جعلكم من أهله (١). رواه أبو الشيخ، والأولى حمل الفضل والرحمة على العموم، والفرح هو اللذة في القلب بسبب إدراك المطلوب ﴿هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ أي: من حطام الدنيا ولذاتها الفانية. وقوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُم مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا﴾ أنكم تحكمون بتحليل البعض وتحريم البعض، فإن كان بمجرد الهوى فهو مهجور باتفاق العقلاء مسلمهم وكافرهم، وإن كان لاعتقادكم أنه حكم الله فيكم وفيما رزقكم فلا تعرفون ذلك إلا بطريق موصلة إلى الله، ولا طريق يتبين بها الحلال من الحرام إلا من جهة الرسل الذين أرسلهم الله إلى عباده، ومعنى إنزال الرزق: كون المطر ينزل من جهة العلو ﴿قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ﴾ في هذا التحليل والتحريم، والهمزة للإنكار ﴿أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ قال الكرخي: وكفى به زاجرًا لمن أفتى بغير إتقان كبعض فقهاء هذا الزمان» اهـ. وإظهار الاسم

стр. 1191

الشريف وتقديمه على الفعل للدلالة على كمال قبح الافتراء. قلت: وفي هذه الآية الشريفة ما يصك مسامع المتصدرين للإفتاء لعباد الله في شريعته بالتحليل والتحريم، والجواز وعدمه، مع كونهم من المقلدين الذين لا يعقلون حجج الله ولا يفهمونها ولا يدرون ما هي، ومبلغهم من العلم الحكاية لقول قائل من هذه الأمة قد قلدوه في دينهم، وجعلوه شارعًا مستقلًا: ما عمل به من الكتاب والسنة فهو المعمول به عندهم، وما لم يبلغه أو بلغه ولم يفهمه حق فهمه وأخطأ الصواب في اجتهاده وترجيحه فهو في حكم المنسوخ عندهم، المرفوع حكمه عن العباد، مع كون مَّنْ قلدوه متعبدًا بهذه الشريعة كما هم متعبدون بها، ومحكومًا عليه بأحكامها كما هم محكوم عليهم بها، وقد اجتهد رأيه وأدى ما عليه وفاز بأجرين مع الإصابة وأجر مع الخطأ، إنما الشأن في جعلهم لرأيه الذي أخطأ فيه شريعة مستقلة ودليلًا معمولًا به!! وقد أخطؤوا في هذا خطأ بينًا وغلطوا غلطًا فاحشًا، فإن الترخيص للمجتهد في اجتهاد رأيه يخصه، ولا قائل من أهل الإسلام المعتد بأقوالهم أنه يجوز لغيره أن يعمل به تقليدًا له واقتداء به. وما جاء به المقلدة في تحسين هذا الباطل، فهو من الجهل العاطل. اللهم كما رزقتنا من العلم ما نميز به الحق والباطل، فارزقنا من الإنصاف ما نظفر به بما هو الحق عندك يا وهاب الخير. قال النسفي (١): «الآية زاجرة عن التجوز فيما يسأل من الأحكام، وباعثة على وجوب الاحتياط فيه وأن لا يقول أحد في شيء: جائز أو غير جائز إلا بعد إيقان وإتقان، وإلا فهو مفتر على الديان»» (٢). وقال الحافظ ابن القيم في إعلام الموقعين (٢/ ٢٩٣) في الرد على المقلدين الذين يحلون ويحرمون بآرائهم وآراء غيرهم، بدون دليل من الكتاب والسنة. وقد قال تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: ١٠] ولم يقل: إلى أقيستكم (٣) وآرائكم. ولم يجعل الله آراء الرجال وأقيستها حاكمة

стр. 1192

بين الأمة أبدًا، قالوا: وقد قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦] فإنما منعهم من الخيرة عند حكمه وحكم رسوله لا عند آراء الرجال وأقيستهم وظنونهم، وقد أمر سبحانه رسوله باتباع ما أوحاه إليه خاصة. وقال: ﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ [الأنعام: ٥٠]، وقال: ﴿وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٩] وقال تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: ٢١] قالوا: فدل هذا النص على أن ما لم يأذن به الله من الدين فهو شَرْع غيره الباطل، قالوا: وقد أخبر النبي ﷺ عن ربه ﵎ أن كل ما سكت عن إيجابه أو تحريمه فهو عفو عفا عنه لعباده، مباح (١) إباحة العفو، فلا يجوز تحريمه ولا إيجابه قياسًا على ما أوجبه أو حرمه بجامع بينهما، فإن ذلك يستلزم رفع هذا القسم بالكلية وإلغاءه إذ السكوت عنه لا بد أن يكون بينه وبين المحرَّم شبه ووصف جامع أو بينه وبين الواجب، فلو جاز إلحاقه به لم يكن هناك قسم قد عفا عنه ولم يكن ما سكت عنه قد عفا عنه، بل يكون ما سكت عنه قد حرمه قياسًا على ما حرمه، وهذا لا سبيل إلى دفعه، وحينئذ فيكون تحريم ما سكت عنه تبديلًا لحكمه»». ومضى إلى أن قال: «وقال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُم مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ فقسم الحكم إلى قسمين: قسم أذن فيه، وهو الحق، وقسم افتري عليه فيه (٢) وهو ما لم يأذن فيه، فأين أذن لنا أن نقيس البلوط على التمر في جريان الربا فيه؟ وأن نقيس القصدير على الذهب والفضة؟ والخردل على البر؟ فإن كان الله ورسوله وصانا بهذا فسمعًا وطاعة الله ولرسوله، وإلا فإنا قائلون لمنازعينا (٣): ﴿أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللهُ بِهَذَا﴾ [الأنعام: ١٤٤] فما لم تأتنا به وصية من عند الله على لسان رسوله ﷺ ، فهو عين الباطل. وقد أمرنا الله برد ما تنازعنا فيه إليه وإلى رسوله ﷺ فلم يبح لنا قط أن نرُدَّ ذلك إلى رأي ولا قياس ولا تقليد إمام ولا منام ولا كشوف ولا إلهام ولا حديث قلب ولا استحسان ولا معقول ولا

стр. 1193

شريعة الديوان ولا سياسة الأمراء (١) ولا عوائد الناس التي ليس على شرائع المرسلين أضر منها» (٢). الباب الثاني قوله تعالى: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ (١٠٨) وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾ [يونس: ١٠٨، ١٠٩] قال (ك): يأمر تعالى النبي ﷺ أن يخبر الناس أن ما جاءهم به من الله هو الحق لا شك فيه، فالمهتدي إنما ينفع نفسه، ومن ضل فراجع ذلك عليه ﴿وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ﴾ أي: وما أنا موكل بكم حتى تكونوا مؤمنين، وإنما أنا نذير لكم والهداية من الله تعالى، وقوله : ﴿وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ﴾ أي: تمسك بما أوحاه إليك واصبر على مخالفيك ﴿حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ﴾ بينك وبينهم ﴿وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾ بعدله وحكمته لا رب غيره» (٣). فصل قال محمد تقي الدين: أريد أن أتحف القراء والمستمعين بنقل نبذة من كلام ابن القيم في التشنيع على من اتبع الرأي والقياس وترك أحاديث الرسول ﷺ ، قال ابن القيم في «إعلام الموقعين» (٢/ ٣٠٢): «لو كان القياس من الدين لكان أهله أتبع الناس للأحاديث، وكان كلما توغل فيه الرجل كان أشد اتباعًا للأحاديث والآثار (٤)، ونحن نرى أن كل ما اشتد توغل الرجل فيه اشتدَّتْ مخالفته للسنن، ولا نرى خلاف (٥) السنن والآثار إلا عند أصحاب الرأي والقياس، في الله كم من سنة صحيحة صريحة قد عطلت به، وكم من أثر درس حكمه بسببه، فالسنن والآثار عند الآرائيين والقياسيين

стр. 1194

خاوية على عروشها معطلة أحكامها معزولة عن سلطانها وولايتها، لها الاسم ولغيرها الحكم، لها السكة والخطبة ولغيرها الأمر والنهي، وإلا فلماذا تُرِك [العمل بالأحاديث التالية] (١): ١ - حديث العرايا (٢). ٢ - حديث أن للزوجة سبع ليال إن كانت بكرًا، وثلاثًا إن كانت ثيبًا، ثم يقسم بالسوية (٣). ٣ - حديث تغريب الزاني غير المحصن (٤). ٤ - حديث المسح على الجوربين (٥). ٥ - حديث عمران بن حصين وأبي هريرة في أن كلام الناسي والجاهل لا يبطل الصلاة (٦).

стр. 1195

٦ - حديث المصراة (١). ٧ - حديث خيار المجلس (٢). ٨ - حديث إتمام الصوم لمن أكل ناسيًا (٣). ٩ - حديث إتمام صلاة الصبح لمن طلعت عليه الشمس وقد صلى منها ركعة (٤). ١٠ - حديث من وجد متاعه عند رجل قد أفلس (٥). ١١ - حديث القضاء بالشاهد مع اليمين (٦).
следующие страницы →