← Акыда

Акыда · id 30197

سبيل الرشاد في هدي خير العباد

محمد تقي الدين الهلالي

Полный текст (2 277 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.

стр. 1226

الثالث والثلاثون: ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: «ليس لِعِرْقٍ ظالم حق، فمن زرع في أرض قوم بغير إذنهم، فلا حق له في الزرع، وإنما يعطى نفقته»، وخالفه بعض المذاهب (١). الرابع والثلاثون: باع جابر بعيرًا من النبي ﷺ واشترط أن يركبه إلى المدينة، وقال بعض المذاهب: لا يصح هذا البيع (٢).

стр. 1227

الخامس والثلاثون: روى أبو هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: «لا يمنعن أحدكم جاره أن يغرز خشبته في جداره» وقال بعض المذاهب له أن يمنعه (١). السادس والثلاثون: حديث يدل على أن ما شرطه ولي المرأة على الزوج يجب الوفاء به، وقال بعض المذاهب: لا يجب (٢). السابع والثلاثون: ثبت عن النبي ﷺ أن من باع عبدًا يكون ماله لبائعه، ولا حق فيه لمن اشتراه، وقال بعض المذاهب: له الحق فيه (٣). الثامن والثلاثون: ثبت عن النبي ﷺ أن من أسلم وعنده أختان يختار إحداهما ويطلق الأخرى، وخالفه بعض المذاهب (٤).

стр. 1228

التاسع والثلاثون: ثبت عن النبي ﷺ أنه كان يصلي الوتر على راحلته حيث توجهت به، ومنع ذلك بعض المذاهب (١). الأربعون: روى مالك في «الموطأ» وغيره أن النبي ﷺ قال: «كل ذي ناب من السباع حرام». وقالت المالكية: فيه ثلاثة أقوال عن مالك، والمشهور أنه مكروه كراهة تنزيه، وبذلك أباحوا أكل الكلاب (٢)!! حتى عيرتهم جميع المذاهب بذلك، قال الزمخشري (٣): وإن مالكيًا قلتُ قالوا بأنني … أبحتُ لهم أكل الكلاب وهم هم فنسبوا إلى مالك تحليل ما حرمه النبي ﷺ ، فماذا تركوا لأعداء مالك وهم يدعون محبته وتعظيمه؟ وحاشا لمالك أن يحل ما حرمه الرسول؛ بل هم كاذبون عليه. الحادي والأربعون: ثبت عن النبي ﷺ وضع اليد اليمنى على اليد اليسرى في الصلاة، وثبت عن جميع أئمة المذاهب مثل ذلك، ومنهم مالك وأصحابه الحجازيون والعراقيون والمصريون إلا ابن القاسم، فرجحت المالكية خطأ ابن القاسم على ذلك كله، وقالوا بكراهته، انظر: «كتاب الصوارم والأسنة في الذب عن السنة» للمحقق محمد بن أبي مدين الشنقيطي (٤). الثاني والأربعون: ثبت عن النبي ﷺ رفع اليدين عند كل ركوع، وكل رفع من الركوع، وعند القيام من اثنتين رفع اليدين، وألف فيه البخاري كتابًا (٥)، ورده إلى أنه لو أسلم رجل وتحته أختان وأسلمتا معه كان له أن يختار أحدهما، سواء كانت المختارة تزوجها أولًا أو آخرًا. وقال أبو حنيفة ﷺ : إن تزوجهما معًا لا يجوز له أن يختار واحدة منهما، وإن تزوجهما متعاقبتين له أن يختار الأولى منهما دون الأخيرة، وانظر: «تحفة الأحوذي» (٣/ ٥٩٩ - ٦٠٠).

стр. 1229

الحنفية (١) وجهال المالكية (٢). الثالث والأربعون: أحاديث دعاء الاستفتاح ثابتة عن النبي ﷺ وأخذ بها جميع أهل المذاهب، وأنكرتها المالكية تعصبًا وجهلًا (٣). الرابع والأربعون: ثبت عن النبي ﷺ في الركعة الأولى من الصلاة الجهرية ثلاث سكتات وفي الثانية سكتتان، وأحاديثها في «الصحيحين» وغيرهما،

стр. 1230

وَأنكرتها المالكية تعصبًا وجهلًا (١). الخامس والأربعون: ثبت عن النبي ﷺ أنه حمل أمامة ابنة ابنته زينب وصلى بها، فكان إذا سجد وضعها وإذا قام حملها، وقال بعض المذاهب: لا يجوز ذلك؛ لأنه عمل كثير يبطل الصلاة، ولأن الطفلة لا تؤمن عليها النجاسة، وهذه غاية الوقاحة (٢). السادس والأربعون: ثبت عن النبي ﷺ أن من اطلع على قوم بغير إذنهم وفقؤوا عينه بأشفى (٣) لم يكن له أن يطالبهم بدية ولا بقصاص، ورده بعض المذاهب (٤). السابع والأربعون: ثبت عن النبي ﷺ أن من عض يد إنسان فجذب يده فانكسرت من الجاني فلا دية ولا قصاص على المعضوض، وخالفه بعض المذاهب (٥). الثامن والأربعون: ثبت في الصحيحين قول النبي ﷺ : «إن بلالًا يؤذن

стр. 1231

بليل، فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم. وكان رجلًا أعمى لا يؤذن حتى يقال له: أصبحت أصبحت، وقال بعض المذاهب: لا يجوز الأذان إلا بعد طلوع الفجر (١). التاسع والأربعون: ثبت عن النبي ﷺ أنه نهى عن أخذ ثمن عسب الفحل، إذا طلب إنسان ثور إنسان أو كبشه أو تيسه أو حصانه للضراب لا يجوز لصاحب الفحل أن يطلب أجرة، وقال بعض المذاهب: له ذلك (٢). الخمسون: ثبت عن النبي ﷺ أنه نهى عن تغطية رأس المحرم إذا مات محرمًا، وقال: «إنه يبعث ملبيًا». وقال بعض المذاهب: بل يغطي رأسه (٣). انتهى شرح الأحاديث باختصار، وفيها عبرة لمن اعتبر ورد لما يدعيه أصحاب المذاهب من قولهم: (وكلهم من رسول الله ملتمس)، بل كل واحد منهم يصيب ويخطئ، فيجب علينا أن نأخذ صوابه ونترك خطأه، والذي لا يخطئ أبدًا هو النبي ﷺ ، فهو في الحقيقة إمامنا وإمام كل من هداه الله إلى الصراط المستقيم، رضينا به إمامًا، ومن لم يرض به فليطلب غيره، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.

стр. 1232

سورة هود الباب الأول قوله تعالى: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [هود: ١١٢]. قال (ك): «يأمر تعالى رسوله وعباده المؤمنين بالثبات والدوام على الاستقامة، وذلك من أكبر العون على النصر على الأعداء ومخالفة الأضداد، ونهى عن الطغيان وهو البغي، فإنه مصرعه وخيم (١) ولو كان على مشرك، واعلم أنه تعالى بَصِيرًا بأعمال العباد لا يخفى عليه شيء» (٢). وقال القنوجي في «فتح البيان» ما نصه: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ أي: كما أمرك الله، فيدخل في ذلك جميع ما أمره به وجميع ما نهاه عنه؛ لأنه قد أمره بتجنب ما نهاه عنه؛ كما أمره بفعل ما تعبده بفعله وأمته أسوته في ذلك، وقال سفيان: استقم على القرآن، وعن الحسن قال: لما نزلت هذه الآية قال: «شمروا شمروا فما رئي ضاحكًا، قال أبو السعود (٣): «وبالجملة فهذا الأمر منتظم لجميع محاسن الأحكام الأصلية والفرعية، والكمالات النظرية والعملية والخروج عن عهدته في غاية ما يكون من الصعوبة، ولذلك قال ﷺ : «شيبتني سورة هود (وأخواتها)» (٤).

стр. 1233

ليستقيم (١). ﴿وَمَنْ تَابَ مَعَكَ﴾ أي: آمن ورجع عن الكفر إلى الإسلام وشاركك في الإيمان، وما أعظم موقع هذه الآية وأشد أمرها، فإن الاستقامة كما أمر الله لا تقوم بها إلا الأنفس المطهرة والذوات المقدسة، ولهذا يقول المصطفى ﷺ : «شيبتني هود» كما تقدم، وعن سفيان بن عبد الله (٢) قال: قلت: يا رسول الله، قل لي في الإسلام قولًا لا أسأل عنه أحدًا بعدك، قال: «قل: آمنت بالله ثم استقم» (٣). أخرجه مسلم. أقول: هي تشمل العقائد والأعمال والأخلاق، فإنها في العقائد اجتناب التشبيه والتأويل والتعطيل والصرف عن الظاهر، وفي الأعمال الاحتراز عن الزيادة والنقصان والبدع المحدثات (٤) والتغيير للكتاب والتبديل للسنن والتقليد للرجال وللآراء، وفي الأخلاق التباعد عن طرفي الإفراط والتفريط وهذا في غاية العسر، وبالله التوفيق وهو المستعان ﴿وَلَا تَطْغَوْا﴾ الطغيان مجاوزة الحد لما أمر الله

стр. 1234

سبحانه بالاستقامة المذكورة، بيد أن الغلو في العبادة والإفراط في الطاعة على وجه يخرج به عن الحد الذي حده، والمقدار الذي قدره، ممنوع منه منهي عنه، وذلك كمن يصوم ولا يفطر، ويقوم الليل ولا ينام، ويترك الحلال الذي أذن الله به ورغب فيه، ولهذا يقول الصادق المصدوق فيما صح عنه: «أما أنا فأصوم وأفطر، وأقوم وأنام، وأنكح النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني» (١) (٢). فصل قال محمد تقي الدين: الأمر بالاستقامة المطابقة لما أمر الله به وهو الكتاب والسنة، والنهي عن الطغيان، كل ذلك عام لا يخص قومًا دون قوم ولا زمانًا دون زمان. وقوله تعالى: ﴿كَمَا أُمِرْتَ﴾ مقيد للاستقامة لتكون طبق الأمر، فإذا خالفته فهي غير مقبولة. و (الطغيان) تجاوز الحد الذي حده الله في العقائد والعبادات وأحكام الشريعة، وقد أحسن الإمام القنوجي عندما أورد حديث الثلاثة الذين سألوا عن عبادة النبي ﷺ فلما سمعوها كأنهم تقالوها، وأرادوا الزيادة عليها، فغضب عليهم النبي ﷺ ، وأخبرهم أنه جاء بالاعتدال والتوسط في العبادات ومراعاة جميع الحقوق والواجبات، فإنَّ المتعبد إذا أفرط في نوع ضيع غيره. ويحسن هنا أن يورد حديث زيارة سلمان لأبي الدرداء، إذ وجده قد أفرط في الصيام والقيام، وإهمال حقوق زوجته وضيفه ونفسه فقال له: «إن لربك عليك حقًا وإن لنفسك عليك حقًا، وإن لزوجك عليك حقًا، وإن لضيفك عليك حقًا، فأعط كل ذي حق حقه». فلما بلغ ذلك النبي ﷺ قال: «صدق سلمان» (٣). وهذا يبطل ما عليه أصحاب الطرائق وسائر المتصوفة من الترهب بدخول الخلوة، واعتزال الناس (٤) والسياحة للتعبد بها لا للجهاد ولا حج ولا طلب علم، فقد

стр. 1235

روى أبو داود في سننه من حديث أبي أمامة أن رجلًا قال: يا رسول ائذن لي في السياحة، فقال النبي ﷺ : «سياحة أمتي الجهاد في سبيل الله» (١). والمراد من السياحة ما يفعله بعض من يتعبد بمجرد السياحة في الأرض والتفرد في شواهق الجبال والكهوف والبراري، فإن هذا ليس بمشروع إلا في أيام الفتن والزلازل في الدين، كما ثبت في صحيح البخاري عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ قال: «يوشك أن يكون خير مال الرجل غنم يتبع بها شعف الجبال ومواقع القطر، يفر بدينه من الفتن» (٢)، وعن عمارة بن غزية أن السياحة ذكرت عند رسول الله ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : «أبدلنا الله بذلك الجهاد في سبيل الله، والتكبير على كل شرف» (٣). قال محمد تقي الدين: السياحة من أعظم أركان الدين الهندي البرهمي.

стр. 1236

قال الدكتور أحمد شلبي في كتابه: «مقارنة الأديان» وهو مقرر في الجامعة الأزهرية في التعليم العالي ما نصه: «وفي كتبهم المقدسة عندهم أي عند الهنادك البراهمة: ما معناه: «إن الذي تغلب على نفسه فقد تغلب على حواسه التي تقوده إلى الشر». والنفس لا تشبع أبدًا بل يزداد جشعها بعد أن تنال مشتهاها، فالذي أوتي كل ما (١) يشتهي وأعطى نفسه هواها فقد أهلكها وأشقاها، أما الذي ترك كل ما (١) تشتهيه نفسه، وتخلى عن الدنيا؛ فقد أنقذ نفسه وقادها إلى السعادة. على طالب العلم أن يهذب نفسه بأن يتجنب الحلوى واللحوم والروائح الطيبة والنساء، وكذلك يجب عليه أن لا يدلك جسده بما له رائحة ولا يكتحل ولا يلبس حذاء ولا يتظلل من الشمس، وعليه أن لا يهتم برزقه، بل يحصل رزقه بسؤال الناس، وعندما تدخل في الشيخوخة عليك بالعزلة وعدم قرب النساء والأهل والإقامة في الغابة، وإذا أقمت في الغابة فليس لك أن تقص شعرك ولحيتك وشاربك، ولا أن تقلم أظافرك، وليكن طعامك ما تنبته الأرض وتثمره الأشجار، ولا تقطف الثمر بيدك بل كُل منه ما يسقط من الشجرة، وعليك بالصوم تصوم يومًا وتفطر يومًا، وإياك واللحم والخمر، عوّد نفسك على تقلبات الفصول فاجلس تحت الشمس المحرقة، وابق أيام المطر تحت السماء وارتد الرداء المبلل في الشتاء، لا تفكر في الراحة البدنية، اجتنب سائر الملذات، نم على الأرض ولا تأنس بالمكان الذي أنت فيه، إذا مشيت فامش حذرًا لا تتخطى عظمًا أو شعرًا وحتى لا تطأ حشرة، وإذا شربت الماء فاحذر أن تبلع بعوضة أو نحوها، لا تفرح باللذيذ ولا تحزن للرديء» (٢). وفي الكتب المقدسة عند البراهمة: يجب على البرهمي أن يقسم حياته ثلاثة أقسام: القسم الأول: من طفولته إلى أن يبلغ الخامسة والعشرين من عمره يسيح في الأرض لطلب العلم، ولا يشتغل بالكسب بل يعيش على ما يجده من الثمر الساقط من الأشجار والنبات، وإذا اضطر إلى السؤال سأل الناس.

стр. 1237

القسم الثاني: بعد نهاية خمس وعشرين سنة يشتغل بالكسب ويتزوج، ويكون له أولاد إلى أن يبلغ خمسين سنة. القسم الثالث: بعد نهاية خمسين سنة يسيح في الأرض على الصفة التي تقدم ذكرها من التقشف والبعد عن الملاذ والاعتزال عن الناس، إلا إذا كانوا زهادًا مثله، ويستمر على ذلك إلى أن يموت (١). وجاء في سيرة بوذا: إنه كان ابن أحد كبار الأغنياء، ولما بلغ خمسًا وعشرين سنة تزوّج فولد له ولد، ثم هجر معيشة الترف وساح هائمًا على وجهه، فلقي خمسة من الزهاد، فصحبهم مدة ثم تركهم واستمر في السياحة والتقشف وتعذيب النفس إلى أن جاءته الحكمة وهو جالس تحت شجرة في الغابة، ثم توجه إلى بنارس وأخذ يعلم الناس دينه (٢). وهذه السياحة الهندية الوثنية هي التي ذكرت عند رسول الله ﷺ فنهى عنها، وقال: «قد أبدلنا الله بذلك الجهاد في سبيل الله، والتكبير على كل شرف» (٣). وقد اقتبس بعض الجهال من المتصوفة تعذيب النفس من الدين الهندي الوثني، وقد ذكر الحافظ ابن الجوزي في كتابه «تلبيس إبليس حكايات كثيرة في تعذيب المتصوفة أنفسهم بالجوع؛ زادوا فيها على نساك الهند الوثنيين أضعافًا كثيرة أذكر منها شيئًا يسيرًا، فمن ذلك ما ذكره الحافظ ابن الجوزي في الكتاب المذكور (ص ٢٠٠): حكى أبو حامد الطوسي عن سهل - يعني ابن عبد الله التَّسْتُري - قال: كان سهل يقتات ورق النبق مدة، وأكل دقاق التبن مدة ثلاث سنين، واقتات بثلاثة دراهم في ثلاث سنين» (٤). ولم يزل جهال المتصوفة يأخذون هذه الضلالات عن عبدة الأصنام في الهند وعن رهبان النصارى إلى يومنا هذا، ومن ذلك السياحة التي يدعو إليها طائفة التبليغ المتبعين للشيخ محمد إلياس الهندي وهم منتشرون في جميع أنحاء الدنيا، والركن الأعظم من طريقتهم هو ما يسمونه (الخروج في سبيل الله) فإنهم يبذلون جهودًا عظيمة في الدعوة إلى هذا الركن، وهم في ذلك مخلصون لطريقتهم وناجحون في عملهم، وكل داعٍ مخلص ناجح على قدر إخلاصه يكون نجاحه سواء دعا إلى حق أو إلى باطل.

стр. 1238

وهذا الركن الذي يسمونه (الخروج في سبيل الله) وما يلزمه من التقشف في المعيشة هو بعينه السياحة التي تقدم ذكرها ونهى عنها النبي ﷺ ، وهي (بدعة) محضة لم يفعلها النبي ﷺ ، فإنه خرج إلى الطائف لدعوة أميرها .. ولم يكن معه إلا خادمه مولاه - أي عبده المعتق - زيد بن حارثة، فلما دعا أمير الطائف رد عليه ردًا قبيحًا، وقعد له سفهاء الطائف في طريقه سماطين - أي: صفين - ورموه بالحجارة حتى سال الدم من رجليه ﵊ ثم رجع إلى مكة، والقصة معروفة في السيرة (١)، ولم يخرج معه أحد من المسلمين من أهل مكة، وكذلك توجه إلى دعوة أحد رؤساء العرب - وهو: ابن عبد ياليل بن عبد كلال - وحده فرد عليه ردًّا قبيحًا. فأصابه من الغم ما أذهله، حتى أنه مشى في البرية مغمومًا محزونًا، فلم يشعر إلا وهو في قرن الثعالب، فرفع بصره إلى السماء فرأى سحابة وفيها جبريل ومعه مَلَكُ الجبال، فسلَّم مَلَكُ الجبال على النبي ﷺ ، وأخبره أن الله تعالى أمره أن يفعل ما يأمره به النبي ﷺ ، وقال له: إن شئتَ أطبقت عليهم الأخشبين، أي: الجبلين، فقال النبي ﷺ : «إني أرجو أن يخرج الله من ظهورهم من يعبد الله ولا يشرك به شيئًا» (٢). وهذا أشد يوم على النبي ﷺ . فإن عائشة ﵂ سألته: هل مر عليك يوم أشد من يوم أحد؟ فقال لها: «نعم» وأخبرها بالحكاية المتقدمة. وفي غزوة أحد كان المشركون قد حفروا حفرًا في الجبل، فسقط النبي ﷺ في إحدى الحفر فأغمي عليه، ودخلت حلقة من حلقات المغفر في خد النبي ﷺ ، فأخرجها أحد الصحابة عاضًا عليها بأسنانه حتى انكسرت له سن، وكسرت رباعية النبي ﷺ أي سنه - في ذلك السقوط، وجرحت شفته وسال الدم من وجهه، ولما استفاق ورجع إلى المعسكر خرج له أبي بن خلف راكبًا على فرس له مدججًا بالسلاح، فقال: أين محمد؟ فانتدب عشرة من الصحابة لقتاله، فمنعهم النبي ﷺ ، وخرج له وهو على تلك الحال، وأخذ حربة وكان عدو الله قد غطى جسمه بالحديد ورأسه كذلك، ولا يظهر منه إلا ثغرة في نحره، فطعنه النبي ﷺ

стр. 1239

بالحربة في تلك الثغرة، فسقط على الأرض ومات بعد ذلك» (١)، ورجع النبي ﷺ مظفرًا منصورًا. فهذه هي الشدائد التي أصابته في يوم أحد، ومع ذلك كانت هذه الشدائد أهون عليه مما أصابه من الغم حين دعا ذلك الكافر ولم يجبه؛ لأنه كان في يوم أحد معه جيش، وفي يوم قرن الثعالب لم يكن معه أحد، وادعاؤهم أن تلك البدعة سنة النبي ﷺ وأصحابه ولولا ذلك لم ينتشر الإسلام في الشرق والغرب باطل؛ لأن الصحابة حين نشروا الإسلام خرجوا للجهاد في سبيل الله، وكانوا لا يتركون بلدًا حتى يسلم أهله أو يصالحوا المسلمين، أو يكونوا تحت ذمتهم وترتفع فيه راية الإسلام ويحكم بشريعته، ثم يتقدمون إلى بلد آخر، لا على طريقة السياحة الصوفية المقتبسة من الديانة الوثنية التي ليس فيها جهاد ولا تغيير منكر، بل فيها إقرار المناكر والسكوت عليها، والصلاة عند الأضرحة المعبودة وفاعلها ملعون على لسان النبي ﷺ (٢). فقياس هذه السياحة على الجهاد في سبيل الله من أفسد القياس، وفي هذه السياحة مفاسد كثيرة، منها: تضييع العيال، وقد قال النبي ﷺ : «كفى بالمرء إثمًا أن يضيع من يعول» (٣). وقد جاء رجل إلى النبي ﷺ وعرض عليه نفسه ليجاهد في سبيل الله معه، فقال له: «ألك والدان؟» قال: نعم. قال: «ارجع ففيهما فجاهد» (٤) أي: ارجع إلى برهما وخدمتهما، فهي أفضل من الجهاد. وهؤلاء الإلياسيون يكرهون الناس بسيف الحياء على السياحة، فإذا اعتذروا لهم بالوالدين الضعيفين أو بالأولاد والزوجة أو بالتجارة أو بالعمل الذي التزمه الإنسان، فوجب عليه أداؤه وحرم عليه تركه كالأجير والمعلم، يقولون: اترك ذلك وتوكل على الله، وكيف يترك ما أوجبه الله عليه وينقض عهد الله من بعد ميثاقه، ويخون الأمانة، ويكون مع ذلك متوكلًا على الله وخارجًا في سبيل الله؟

стр. 1240

وقد أخبرني أحمد الزوين - الذي يسوق سيارة النقل للأخ السلفي الحاج مصطفى بن هاشم الودغيري - أنه كان قد حمل في سيارته ما يساوي خمسة عشر ألف درهم من فواكه، فجاءه جماعة الإلياسيين، وقالوا له: تخرج معنا في سبيل الله؟ فقال لهم: انظروا هذه السلعة المحمولة على السيارة، أنا متوجه بها إلى الجزائر، فقالوا له: اتركها وتوكل على الله، وذهبوا إلى السيد أحمد بن إدريس الإدريسي - وهو صاحب معامل النسيج في مدينة مراكش، وصاحب تجارة واسعة يؤدي زكاتها - وله زوجة شابة، فأخرجوه من بيته وأخذوه إلى الهند، فبقي سبعة أشهر غائبًا. وهذا حرام بلا شك من وجوه منها: ما تقدم، ومنها أن عمر ﵁ سأل أم المؤمنين حفصة ابنته: كم تستطيع المرأة أن تصبر عن زوجها إذا خرج للجهاد في سبيل الله؟ فقالت: أربعة أشهر، فأمر أن لا يتغيب جندي عن أهله أكثر من أربعة أشهر (١). كم من عامل وموظف ومعلم وطالب كانوا لهم سببًا في طردهم من أعمالهم، ولا ننكر أنه تاب على أيديهم كثير من الفساق والفجار، واهتدوا، وتمسكوا بالدين (٢)، ولكن المحافظة على رأس المال - وهو سنة النبي ﷺ قبل

стр. 1241

التشوف إلى الربح، وكذلك نعترف لهم بحسن الخلق وحسن المعاشرة والسمت الحسن (١) فعسى الله أن يوفقهم لترك بدعة السياحة وتغيير المنكر والحب في الله والبغض في الله، والموالاة الله والمعاداة الله، ويوفق أهل الهند وباكستان منهم أن يتركوا بدعة الجمود على المذهب الحنفي ويعملوا بكل حديث صح عن النبي ﷺ ويتركوا كذلك العقيدة الأشعرية والماتريدية، ويعتقدوا ما كان عليه رسول الله ﷺ والصحابة والتابعون والأئمة المجتهدون، ومنهم أبو حنيفة النعمان بن ثابت رحمة الله، فإن عقيدته كانت مطابقه لعقيدة الصحابة والتابعين، جعلنا الله من أتباعهم (٢). ومن مصائب هذا الزمان أن الناس مفتونون بالخوارق، فصاروا بذلك فريسة للدجالين والمحتالين يوقعونهم في حبائلهم بأدنى الأسباب، وقد كان في تطوان شيخ ضال يدعي التصوف، وكان يمخرق على الناس بسحر خسيس، وذلك أنه يدعو شخصًا من المغفلين فيملأ كأسًا من الماء ويأخذه المغفل في يده، فيتكلم الشيخ الضال بكلام من السحر مما يسمونه: (استحضار الأرواح)، فلا يزال

стр. 1242

كذلك حتى تهتز الكأس في يد المغفل، وذلك علامة على أن شيطانه قد حضر، فيسأل حاجته منه، وقد دعا أحد المفتونين صاحبنا الشيخ الزبير التفروتي؛ لمشاهدة هذه الكرامة بزعمه وناوله الشيخ الضال الكأس مملوءة بالماء، وأخذ يتكلم بالسحر حتى اهتزت الكأس في يد الشيخ الزبير، فألقاها في الأرض فانكسرت وأريق ماؤها، فقال الشيخ الزبير للسحار: هل تستطيع أن ترد الكأس صحيحة وترد لها ماءها؟ ولو أنك استطعت ذلك ما آمنت بسحرك، فبطل كيد الساحر وافتضح. والجهال المحرومون يستدلون بمثل هذه المخارق على استقامة فاعلها وصلاحه وولايته الله، وأن طريقته مقبولة عند الله، وقال الجنيد ﵀: «إذا رأيتم الرجل يطير في الهواء أو يسير على الماء، فلا تعتبروه شيئًا حتى تعرضوا قوله وعمله على كتاب الله وسنة رسوله، فتروهما موافقين لهما (١)»، ويروى عنه أنه قال: «الاستقامة أفضل من ألف كرامة» (٢). وقد قال الجنيد ﵀: «طريقتنا هذه مبنية على أربعة أمور: اتباع السنة، ويتضمن ذلك العلم بالقرآن والحديث حتى يعرف ما يتبع وما لا يتبع، وأكل الحلال، وكف الأذى، وحمل الأذى (٣). قال محمد تقي الدين: وهذه الأربعة دلائلها موجودة في كتاب الله وسنة رسوله، وبذلك يعلم أن طريقة الجنيد بريئة من مخالفة كتاب الله وسنة رسوله، فانتساب أصحاب الطرائق إلى الجنيد كذب وزور.

стр. 1243

سورة يوسف الباب الأول قوله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف: ١٠٨] قال (كه): «يقول تعالى لرسوله (١) [آمرًا له أن يخبر الإنس والجن] (٢) أن هذه سبيله؛ أي: طريقه ومسلكه وسنته، وهي الدعوة إلى شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يدعو إلى الله بها على بصيرة من ذلك ويقين وبرهان، هو وكل من اتبعه يدعو إلى ما دعا إليه رسول الله ﷺ على بصيرة ويقين وبرهان [عقلي وشرعي] (٣). وقوله تعالى: ﴿وَسُبْحَانَ اللَّهِ﴾ أي: وأنزه الله وأجله وأعظمه وأقدسه عن أن يكون له شريك أو نظير (٤) أو ولد أو والد أو صاحبة أو وزير أو مشير، تبارك وتقدّس وتنزّه وتعالى عن ذلك كله علوًّا كبيرًا» (٥). فصل قال محمد تقي الدين كل مسلم يجب عليه أن يدعو إلى الله وأن تكون دعوته على بصيرة، فمن ترك الدعوة إلى الله لا يصح أن يكون متبعًا لرسول الله، كل بقدر طاقته ووسعه: العالم بعلمه، والغني بماله، والفقير بلسانه وعمله، كما قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٢] وكذلك ذو الجاه بجاهه، ولا بد أن تكون الدعوة على بصيرة، أي: علم وبرهان لا بجهل وتقليد، ومن كان لا

стр. 1244

يحسن إقامة البرهان يتَّبِعُ من يحسنها ويؤيده ويعينه، كما كان أصحاب رسول الله ﷺ ، فهذان أمران: الأول: أن تكون الدعوة إلى الله والثاني: أن تكون على بصيرة. ويضادهما أمران: الأول: أن تكون الدعوة إلى غير الله في الحقيقة، وإن كانت باللسان والادعاء إلى الله؛ كمن يدعو إلى اتباعه أو اتباع شيخه أو أهل مذهبه أو حزبه، ويسمي ذلك دعوة إلى الله؛ تلبيسًا على الناس، وخداعًا لهم! فَلْيُحْذَرْ مَنْ هذه حاله! الثاني: أن تكون على [غير] (١) بصيرة، فمن دعاكم إلى أن تعبدوا معه شيخه بالبدع، كالرقص والخوار والمكاء والتصدية واتخاذ السبح والاستمداد من شيخه والاستغاثة به، فإنما هو شيطان فلا تتبعوه فإن دعوته ليست على بصيرة، ومن دعاكم إلى أن تنصروا معه مذهبه أو فرقته أو حزبه دون أن يستدل بالقرآن والحديث الصحيح على ما يفعله وعلى ما يترك فإياكم أن تتبعوه. قال تعالى في سورة الأنعام: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٣] فسبيل الله واحدة وسبل الضلال كثيرة. قال الحافظ ابن عبد البر في كتابه «جامع بيان العلم وفضله» (٢/ ١٧٣) ما نصه: «واعلم يا أخي أن السنة (٢) والقرآن هما أصل الرأي والعيار عليه وليس الرأي بالعيار على السنة بل السنة عيار عليه ومن جهل الأصل لم يصب (٣) الفرع أبدًا. وقال ابن وهب: حدثنا مالك أن إياس بن معاوية قال الربيعة: «إن الشيء إذا بُني على عِوَج لم يكد يعتدل»، قال مالك: يريد بذلك المفتي الذي يتكلم على غير (٤) أصل يبني عليه كلامه، قال أبو عمر: ولقد أحسن صالح بن عبد القدوس حيث يقول:

стр. 1245

يا أيها الدارس علما ألا … تلتمس العون على درسه لن تبلغ الفرع الذي رمته … إلا ببحث منك عن أسه (١) قال محمد تقي الدين: وصالح بن عبد القدوس هذا كان زنديقا و «الحكمة ضالة المؤمن يأخذها حيث وجدها» (٢). «خذ الثمار وخل العود للنار» (٣). ولما أراد الخليفة العباسي قتله من أجل الزندقة، وقامت عليه الحجة أظهر التوبة، فلم يقبلها منه بناء على القول بأن الزنديق لا توبة له (٤)، واحتج عليه الخليفة ببيت من هذه القصيدة وهو قوله: والشيخ لا يترك أخلاقه … حتى يوارى في ثرى رمسه فقال له: أنت شيخ طاعن في السن، فلن تترك زندقتك، فأنت حكمت على نفسك (٥). وقال عبد الله بن مسعود: «الصراط المستقيم هو ما تركنا عليه رسول الله ﷺ » (٦).

стр. 1246

سورة الرعد الباب الأول قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ [الرعد: ٣١] قال (ك): «يمدح الله القرآن الذي أنزله على محمد ﷺ ، وفضله (١) على سائر الكتب المنزلة قبله، فقال سبحانه: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ﴾ أي: لو كان في الكتب الماضية كتاب تسير به الجبال عن أماكنها، أو تنشق به الأرض، أو تكلم به الموتى في قبورها، لكان هذا القرآن أولى الكتب (٢) اتصافًا بذلك؛ لما فيه من الإعجاز الذي لا يستطيع الإنس والجن عن آخرهم إذا اجتمعوا بأن يأتوا بمثله، ولا بسورة من مثله، ومع هذا فهؤلاء المشركون كافرون به ﴿بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا﴾ أي: مرجع الأمور كلها إلى الله ، وقد يطلق اسم القرآن على كل من الكتب المتقدمة لأنه جامع لها، روى الإمام أحمد عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «خفف على داود القرآن فكان يأمر بدابته أن تسرج، فكان يقرأ القرآن من قبل أن تسرج دابته، وكان لا يأكل

стр. 1247

إلا من عمل يديه» (١). انفرد به البخاري، والمراد بالقرآن الزبور. وقوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي: من إيمان جميع الخلق ويعلموا أو يتبينوا: ﴿أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا﴾ فإنه ليس ثم حجة ولا معجزة أبلغ ولا أنجع في العقول والنفوس من هذا القرآن، الذي «ما تركه من جبار إلا قصمه الله. ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله» (٢). وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ﴾ أي: بسبب تكذيبهم لا تزال القوارع تصيبهم في الدنيا، أو تصيب من حولهم ليتعظوا ويعتبروا؛ روى أبو داود الطيالسي (٣) عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ﴾ قال سرية: ﴿أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ﴾ (٤)، ﴿حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ﴾ قال: «فتح مكة». وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ أي: لا ينقض وعده لرسله بالنصرة ولأتباعهم في الدنيا والآخرة كما قال تعالى: ﴿فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾ [إبراهيم: ٤٧] (٥). فصل قال محمد تقي الدين: أنزل الله هذا القرآن على عبده ورسوله محمد ليكون للعالمين نذيرا، وهو أفضل الكتب السماوية كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ﴾ [الزمر: ٢٣] وقد نفع الله بجميع الكتب التي بعث بها رسله، إلا أن نفع هذا القرآن أعظم؛ لأنه قلب العالم وغير معالمه وأحواله في خمس وعشرين سنة، وصل في المشرق إلى الصين، ووصل في المغرب إلى أرضنا هذه، ولم يعرف بعدها في ذلك الزمان أرض معمورة، ولما انكشفت أمريكا (٦) وصلها

стр. 1248

القُرآنُ أيضًا، ولم يؤثر كتاب سماوي في البشر مثل تأثيره، فلو أن كتابًا سماويًا نقلت به الجبال من أماكنها، وشقت به الأرض حتى صارت قطعًا مفصولًا بعضها عن بعض، أو كُلم به الموتى في قبورهم، فسمعوا وأجابوا؛ لكان هذا الكتاب الذي أنزل على محمد من عظم شأنه، وقوة تأثيره إذا وجد آذانًا صاغية وقلوبًا واعية وهممًا عالية تحدث به العجائب والغرائب. وإذا طرح في زوايا الإهمال وبقي نسيًا منسيًّا، فإنها تحدث به عجائب وغرائب أيضًا من الذلة والإهانة والخزي المبين، حتى تغلب ثلاثة ملايين سبعمائة مليون، وأي شيء أعجب من هذا؟! وطريق الخلاص واضح وهو الرجوع إلى الكتاب وبيانه من سنة النبي ﷺ والله يهدي من ينيب، وهذا التفرق في المذاهب وفي الطرائق والأحزاب وفي القومية والوطنيات من أسباب شقاء هذه الأمة.

стр. 1249

سورة ابراهيم الباب الأول قوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُم مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ (٤٤) وَسَكَنتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ (٤٥) وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ﴾ [إبراهيم: ٤٤ - ٤٦] قال (ك): «يقول تعالى مخبرًا عن قول (١) الذين ظلموا أنفسهم عند معاينة العذاب: ﴿رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ﴾ كقوله (٢) تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ [المؤمنون: ٩٩]، [وكقوله تعالى] (٣): ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَالَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا﴾ [الأنعام: ٢٧]، [فقال] (٤) تعالى رادًا عليهم (٥): ﴿أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُم مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ﴾ أي: أولم تكونوا تحلفون من قبل هذه [الحالة] (٦) أنه لا (٧) معاد ولا جزاء؟ فذوقوا هذا بذلك [كقوله تعالى] (٨): ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ﴾ [النحل: ٣٨]، وقوله تعالى: ﴿وَسَكَنتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا

стр. 1250

أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ﴾ أي: قد رأيتم وبلغكم ما أحللنا (١) بالأمم المكذبة قبلكم، ومع هذا لم يكن لكم فيهم معتبر، ولم يكن فيما أوقعنا بهم لكم مزدجر حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ﴾ [القمر: ٥] وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ﴾ وقد روى العوفي عن ابن عباس في تفسيرها يقول: «ما كان مكرهم لتزول منه الجبال (٢)». وقال: كذا قال الحسن البصري، ووجهه ابن جرير بأن هذا الذي فعلوه بأنفسهم من [شركهم بالله وكفرهم به] (٣) ما ضر ذلك شيئًا من الجبال ولا غيرها، وإنما عاد وبال ذلك عليهم. قلت: ويشبه هذا [قول الله] (٤) تعالى: ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا﴾ [الإسراء: ٣٧] والقول الثاني في تفسيرها: ما رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: ﴿وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ﴾ يقول: شركهم، كقوله تعالى: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا﴾ [مريم: ٩٠] وهكذا قال الضحاك وقتادة (٥). فصل قال محمد تقي الدين: إنما سقت هذه الآيات وتفسيرها لقوله تعالى: ﴿فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ﴾ وَالَّذِينَ ظَلَمُوا عام في جميع الظالمين، يدخل فيه الذين ظلموا أنفسهم بالشر والكفر، ويدخل فيه الذين ظلموا أنفسهم بمعصية الرسول وعدم اتباعه والاكتفاء بتقليد الرجال، كل هؤلاء الظالمين يندمون يوم القيامة على عدم اتباع الرسول، ويتمنون أن يعودوا إلى الدنيا للتكفير عن ذنوبهم باتباع الرسول، وهيهات هيهات!

стр. 1251

سورة النحل الباب الأول قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٤٣) بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٤٣ - ٤٤]. قال (ك): قال الضحاك عن ابن عباس: لما بعث الله محمدًا ﷺ أنكر قسم من العرب ذلك، وقالوا: الله أعظم من أن يكون رسوله بشرًا، فأنزل الله تعالى: ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ﴾ الآية [يونس: ١٢] (١). وقال تعالى هنا: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ يعني: فسألوا أهل الكتب الماضية: أبشرًا كانت الرسل إليهم أم ملائكة؟ فإن كانت (٢) ملائكة أنكرتم وإن كانوا بشرًا فلا تنكروا أن يكون محمد ﷺ بشرًا رسولًا، وكذا قال مجاهد عن ابن عباس (٣) أن المراد بأهل الذكر هم أهل الكتاب، والغرض أن هذه الآية الكريمة أخبرت بأن الرسل الماضين قبل محمد ﷺ كانوا بشرًا كما هو بشر، كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ﴾ [الكهف: ١١٠] ثم أرشد تعالى الذين يشكون في كون الرسل من البشر أن يسألوا أصحاب الكتب المتقدمة عن الأنبياء الذين سلفوا: هل كان أنبياؤهم بشرًا أو ملائكة؟ ثم ذكر تعالى أنه أرسلهم بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ بالحجج

стр. 1252

والدلائل والزبر، وهي الكتب، قاله (١) ابن عباس وغيره (٢)، والزبر جمع زبور، تقول العرب: زبرت الكتاب إذا كتبته، وقال تعالى: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ﴾ [القمر: ٥٢] ثم قال تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ﴾؛ يعني: القرآن ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ أي: من ربهم لعلمك بمعنى ما أنزل الله عليك وحرصك عليه واتباعك له، ولعلمنا بأنك أفضل الخلائق وسيد ولد آدم، فتفصل لهم ما أجمل، وتبين ما أشكل ﴿وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ أي: ينظرون لأنفسهم فيهتدون، فيفوزون بالنجاة في الدارين» (٣). فصل قال محمد تقي الدين: قد احتج العلماء بقوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ على أن من لم يعرف شيئًا من أصول الدين وفروعه وجب عليه أن يسأل أهل القرآن، وأهل القرآن لا يكونون إلا أهل الحديث، كما تقدم عن البخاري وأحمد بن حنبل (٤) وكما يدل عليه قوله تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ فميراث الرسول ﷺ منحصر في القرآن والسنة، والفقه منحصر في فهمهما، ولم يمنع العلماء تفسير ابن عباس أنها نزلت فيما تقدم ذكره؛ لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. الباب الثاني قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ﴾ [النحل: ١١٦] وفي تفسير الجلالين ما نصه: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ﴾ أي: لوصف ألسنتكم ﴿الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ﴾ لما لم يحله الله ولم يحرمه

стр. 1253

لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ بنسبة ذلك إليه ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ﴾ لَهُمْ ﴿مَتَاعٌ قَلِيلٌ﴾ في الدنيا ﴿وَلَهُمْ﴾ في الآخرة ﴿عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ مُؤْلِمٌ (١). قال القنوجي في «فتح البيان»: «عن أبي نضرة قال: «قرأت هذه الآية في سورة النحل فلم أزل أخاف الفتيا إلى يومي هذا». قلت: صدق ﵀ فإن هذه الآية تتناول بعموم لفظها فتيا من أفتى بخلاف ما في كتاب الله أو في سنة رسول الله ﷺ ، كما يقع كثيرًا من المؤثرين للرأي المقدمين له على الرواية، أو الجاهلين لعلم الكتاب والسنة، كالمقلدة، وأنهم لحقيقون بأن يحال بينهم وبين فتاواهم ويمنعوا من جهالاتهم، فإنهم أفتوا بغير علم من الله ولا هدى ولا كتاب منير، فَضَلُّوا وأَضَلُّوا، فهم ومن يستفتيهم كما قال القائل: كبهيمة عمياء قاد زِمامها … أعمى على عوج الطريق الحائر» (٢) وقال الحافظ ابن القيم في «إعلام الموقعين» ما نصه في (حكم عمل أهل المدينة): فصل وأما العمل الذي طريقه الاجتهاد والاستدلال، فهو معترك النزال ومحل الجدال، قال القاضي عبد الوهاب (٣): «وقد اختلف أصحابنا فيه على ثلاثة أوجه: أحدها: إنه ليس بحجة أصلًا، وإن الحجة هي إجماع أهل المدينة من طريق النقل، ولا يرجح (٤) به أيضًا أحد الاجتهادين على الآخر. وهذا قول أبي بكر (٥) وأبي يعقوب الرازي والقاضي أبي بكر بن منتاب.

стр. 1254

والطيالسي والقاضي أبي الفرج والشيخ أبي بكر الأبهري، وأنكروا أن يكون هذا مذهبًا لمالك أو لأحد من معتمدي أصحابه. والوجه الثاني: إنه وإن لم يكن حجة فإنه يُرجّح به اجتهادهم على اجتهاد غيرهم، وبه قال بعض أصحاب الشافعي (١). والثالث: إن إجماعهم من طريق الاجتهاد حجة، وإن لم يحرم خلافه، كإجماعهم من طريق النقل، وهذا مذهب قوم من أصحابنا». ثم قال ابن القيم: «ومن المعلوم أن العمل بعد انقراض عصر الخلفاء الراشدين والصحابة بالمدينة كان بحسب من فيها من المفتين والأمراء والمحتسبين (٢) وصار عملًا. فهذا هو الذي لا يُلتفت إليه في مخالفة السنن، لا عمل رسول الله ﷺ وخلفائه والصحابة فذلك هو السنة فلا يُخلط أحدهما بالآخر، فنحن لهذا العمل أشد تحكيمًا، وللعمل الآخر إذا خالف السنة أشد تركًا وبالله التوفيق. وقد كان ربيعة بن عبد الرحمن يفتي وسليمان بن بلال المحتسب ينفذ فتواه، فتعمل الرعية بفتوى هذا وتنفيذ هذا، كما يطرد العمل في بلد أو إقليم ليس فيه إلا قول مالك على قوله وفتواه، ولا يجوزون العمل هنالك بقول غيره من أئمة الإسلام فلو عمل به أحد لاشتد نكيرهم عليه، وكذلك كل بلد أو إقليم لم يظهر فيه إلا مذهب أبي حنيفة، فإن العمل المستمر عندهم على قوله (٣) والعمل الصحيح ما وافق السنة. وإذا أردت وضوح ذلك؛ فانظر العمل في زمن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ في جهره بالاستفتاح في الفرض في مصلى النبي ﷺ وعمل

стр. 1255

الصحابة به (١)، ثم العمل في زمن مالك بوصل التكبير بالقراءة من غير استفتاح ولا تعوذ (٢)، وانظر العمل في زمن الصحابة كعبد الله بن عمر في اعتبار خيار المجلس ومفارقته لمكان التبايع ليلزم العقد (٣) ولا يخالفه في ذلك صحابي ثم العمل به في زمن التابعين. وإمامهم وعالمهم سعيد بن المسيب ي [عمل به ويفتي به] (٤) ولا ينكره عليه مُنْكَر، ثم صار العمل في زمن ربيعة وسليمان بن بلال بخلاف ذلك، وانظر إلى العمل في زمن رسول الله ﷺ والصحابة خَلْفَه وهم يرفعون أيديهم في الصلاة في الركوع والرفع منه (٥). ثم العمل في زمن الصحابة بعده حتى كان عبد الله بن عمر

стр. 1256

إذا رأى من لا يرفع يديه حَصْبَه (١)، وهو عمل كأنه رأي عَيْنٍ، وجمهور التابعين يعمل به في المدينة وغيرها من الأمصار، كما حكاه البخاري ومحمد بن نصر المروزي وغيرهما عنهم (٢) ثم (٣) صار العمل بخلافه. وانظر إلى العمل الذي كأنه رأي عين من صلاة رسول الله ﷺ على ابني بَيْضَاءَ سُهَيْل وأخيه في المسجد والصحابة معه (٤)، وصلت عائشة على سعد بن أبي وقاص في المسجد (٥)، وصُلّي على عمر بن الخطاب في المسجد، ذكره

стр. 1257

مالك عن نافع عن عبد الله (١). قال الشافعي: ولا نرى أحدًا من الصحابة حضر موته فتخلف عن جنازته، فهذا عمل مجمع عليه عندكم. قاله لبعض المالكية. وروى هشام عن أبيه أن أبا بكر صُلِّي عليه في المسجد (٢) فهذا العمل حق (٣) ولو تركت السنن للعمل لتعطلت سنن رسول الله ﷺ ودرست رسومها وعفت آثارها. وكم من عمل قد اطرد بخلاف السنة الصريحة على تقادم الزمان وإلى الآن، وكل وقت تُترك سنة ويُعمل بخلافها ويستمر عليه العمل فتجده (٤) يسيرًا من السنة معمولًا به على نوع تقصير، وخذ بلا حسبان (٥) ما شاء الله من سنن قد أهملت وعطل العمل بها جملة، فلو عمل بها من يعرفها لقال الناس: تركت

стр. 1258

السنة فقد تقرر أن كل عمل خالف السنة الصحيحة لم يقع من طريق النقل البتة وإنما يقع من طريق الاجتهاد والاجتهاد إذا خالف السنة كان مردودًا، وكل عمل طريقه النقل فإنه لا يخالف سنة صحيحة البتة. فلنرجع إلى الأمثلة التي تُرك فيها المحكم للمتشابه، فنقول: ترك السنة المحكمة الصحيحة في الجهر بآمين في الصلاة (١)، كقوله في «الصحيحين»: «إذا أمن الإمام فأمنوا، فإنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه» (٢)، ولولا جهره بالتأمين لما أمكن المأموم أن يؤمن معه ويوافقه في المتأمين. وبالإسناد المتصل (٣) عن وائل بن حُجر قال: كان رسول الله ﷺ إذا قال: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ قال: «آمين» ورفع بها صوته، وفي لفظ: «وطول بها (٤). رواه الترمذي وغيره، وإسناده صحيح ..

стр. 1259

ثم قال: «ومن ذلك ترك القول بالسنة الصحيحة الصريحة المحكمة في أن الصلاة الوسطى صلاة العصر (١)، بالمتشابه من قوله: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨]. وهذا عجب من العجب، وأعجب منه تركها بأن في مصحف عائشة «وصلاة العصر» (٢). ومن ذلك ترك السنة الصحيحة الصريحة في قول الإمام: «ربنا ولك الحمد» كما في «الصحيحين» (٣) من حديث أبي هريرة: «كان رسول الله ﷺ إذا قال: «سمع الله لمن حمده» قال: «اللهم ربنا ولك الحمد»» (٤). قال محمد تقي الدين: وأكتفي بهذا القدر من ذكر الأمثلة التي خالف فيها المالكيون السنن الواضحة بالرأي الفاسد، أو بادعاء عمل أهل المدينة وقد علمت ما فيه.

стр. 1260

وقال ابن القيم: «وأعجب منه تركها بأن في مصحف عائشة (وصلاة العصر)»؛ فيه إبهام يحتاج إلى بيان، والمعنى وأعجب مما تقدم ترك السنة الصحيحة الصريحة، وهي القول بأن الصلاة الوسطى هي صلاة العصر مع أن في مصحف عائشة (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى صلاة العصر) وهذه الزيادة وإن لم تكن قرآنا؛ لعدم تواترها، فهي في حكم الحديث الصحيح.

стр. 1261

سورة الإسراء الباب الأول قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا (٩) وَأَنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [الإسراء: ٩ - ١٠] قال (ك): «يمدح الله تعالى كتابه العزيز الذي أنزله على رسوله محمد ﷺ ، وهو القرآن بأنه يهدي لأقوم الطرق وأوضح السبل: ﴿وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ به الذين يعملون الصالحات على مقتضاه ﴿أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا﴾ أي: يوم القيامة ﴿وَأَنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾ أي: ويبشر الذين لا يؤمنون بالآخرة أن ﴿لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾. أي يوم القيامة، كما قال تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾» (١). فصل قال محمد تقي الدين: اختلف المفسرون في تقدير الموصوف بالتي هي أقوم، هل يكون (الطريقة) أو (الحال) أو (الملة) أو (الكلمة)؟ والخطب في ذلك سهل لأن هذه الكلمات معناها واحد، فالقرآن والسنة التي هي بيانه يهديان كل أمة تمسكت بهما إلى الطريقة أو الحالة التي هي أكثر استقامة، وفيها سعادة الدنيا والآخرة، ويبشر أعداءهم بأن لهم عذابًا أليمًا في الدنيا والآخرة، فهذه الجماعات استنكفت أن تسمي أنفسها باسم الإسلام، وخدعها أعداء الإسلام فصارت تدعو إلى العروبة، وهذه الشعوب التي تنتسب إلى الإسلام خذلت القرآن والسنة، فحرمت الهداية إلى التي هي أقوم وسلكت طرقًا معوجة، وحرمت النصر والعزة وأصيبت بالانهزام والذلة، وذلك هو العذاب الأليم في الدنيا ﴿وَلَعَذَابُ

стр. 1262

الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٢٦]. قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه: ١٢٤] وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا﴾ [الجن: ١٧] والعروبة (قسمان): عروبة (محمد رسول الله ﷺ )، وهي ملازمة للقرآن والسنة، وعروبة (أبي جهل) وهي ملازمة لعداوة القرآن والسنة، والشقاء في الدنيا والآخرة مضمون لأصحابها، أما الشعوب من غير العرب التي تنتسب إلى الإسلام وتعرض عن القرآن والسنة، فإنها مصابة بعبادة القوميات المختلفة وذلك يضمن لها الخسران في الدنيا والآخرة، وإذا كان اتباع القرآن والسنة سببًا لكل خير وعدم اتباعهما سواء أكان إعراضًا أو تقليدًا لغير المعصوم، فلا يجوز لأحد أن يفتي أو يقضي إلا بدليل منهما، أو ما في معناهما، قال ابن القيم في «إعلام الموقعين» (٣/ ٤٤٦) ما نصه: «ومن أفتى الناس وليس بأهل للفتوى فهو آثم عاص، ومن أقره من ولاة الأمور على ذلك فهو آثم أيضًا، قال أبو الفرج ابن الجوزي (١) ﵀: «ويلزم ولي الأمر منعهم (٢)، وهؤلاء بمنزلة من يدل الركب وليس له علم بالطريق، وبمنزلة الأعمى الذي يرشد الناس إلى القبلة، وبمنزلة من لا معرفة له بالطب وهو يطب الناس، بل هؤلاء أسوأ حالًا من هؤلاء كلهم، وإذا تعين على ولي الأمر منع من لم يحسن التطبب من مداواة المرضى، فكيف بمن لم يعرف الكتاب والسنة ولم يتفقه في الدين؟!». وكان شيخنا (٣) ﵁ شديد الإنكار على هؤلاء، فسمعته يقول: قال لي بعض هؤلاء: أجعلت محتسبًا على الفتوى؟ فقلت (٤): يكون على الخبازين والطباخين محتسب، ولا يكون على الفتوى محتسب؟ وقد روى الإمام أحمد وابن ماجه عن النبي ﷺ مرفوعًا: «من أفتي بغير علم، كان إثمه ذلك على الذي أفتاه (٥).

стр. 1263

وفي «الصحيحين» من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ عن النبي ﷺ : «إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من صدور الرجال، ولكن يقبضه بقبض العلماء، فإذا لم يبق عالم اتخذ الناس رؤساء جهالًا فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا» (١). وفي أثر مرفوع ذكره أبو الفرج وغيره: «من أفتى الناس بغير علم لعنته ملائكة السماء وملائكة الأرض» (٢). وكان مالك ﵀ (٣) يقول: من سئل عن مسألة فينبغي له قبل أن يجيب فيها أن يعرض نفسه على الجنة والنار، وكيف يكون خلاصه في الآخرة ثم يجيب فيها (٤). وسئل عن مسألة فقال: لا أدري. فقيل له: إنها مسألة خفيفة سهلة. فغضب وقال: «ليس في العلم شيء خفيف، أما سمعت قول الله : ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ [المزمل: ٥]؟ فالعلم كله ثقيل وخاصة ما يسأل عنه يوم القيامة» (٥). وقال: «ما أفتيت حتى شهد

стр. 1264

لي سبعون أني أهل لذلك» (١). وقال (٢): وإذا كان أصحاب رسول الله ﷺ تصعب عليهم المسائل ولا يجيب أحد منهم عن (٣) مسألة حتى يأخذ رأي صاحبه، مع ما رزقوا من السداد والتوفيق والطهارة، فكيف بنا نحن الذين غطت الذنوب والخطايا قلوبنا؟!» (٤). الباب الثاني قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٦]. قال (ك): ﴿وَلَا تَقْفُ﴾ أي: لا تقل ﴿مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ أي: لا تقل: رأيت ولم تر، وسمعت ولم تسمع، وعلمت ولم تعلم، فإن الله تعالى سائلك عن ذلك كله وقوله تعالى: ﴿كُلُّ أُولَئِكَ﴾ أي: هذه الصفات من السمع والبصر والفؤاد ﴿كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ أي: سيسأل العبد عنها يوم القيامة وتسأل عنه وعما عمل فيها (٥) (٦). قال: القنوجي في «تفسيره» لهذه الآية ما نصه: «وأما [التواثب] (٧) على الرأي مع وجود الدليل في الكتاب أو السنة ولكنه قصر صاحب الرأي عن البحث فجاء (٨) برأيه، فهو داخل تحت هذا النهي دخولًا أوليًا؛ لأنه محض رأي في شرع الله، وللناس عنه غنى بكتاب الله سبحانه وبسنة رسوله ﷺ ولم تدع إليه حاجة على أن الترخيص في الرأي عند عدم وجود الدليل.

стр. 1265

إنمَا هو رخصة للمجتهد، يجوز له أن يعمل به، ولم يدل دليل على أنه يجوز لغيره العمل به وينزله (١) منزلة مسائل الشرع، وبهذا يتضح لك أتم اتضاح ويظهر لك أكمل ظهور أن هذه الآراء المدونة في الكتب الفروعية ليست من الشرع في شيء، والعامل بها على شفا جرف هار، فالمجتهد المستكثر من الرأي قد قفا ما ليس له به علم، والمقلد المسكين العامل برأي ذلك المجتهد قد عمل بمَا ليس له به علم، ولا لمن قلده، ظلمات بعضها فوق بعض» (٢). وقال الحافظ أبو عمر في كتابه «جامع بيان العلم وفضله» (١/ ١٧٧) مَا نصه: «ومن هذا القبيل: كراهة السلف الصالح الجرأة على الفتيا والحرص عليها والمسارعة إليها والإكثار منها، وروى ابن لهيعة عن عبد الله بن جعفر مرسلًا عن النبي ﷺ قال: «أجرؤكم على الفتيا أجرؤكم على النار» (٣). وقال علقمة: كانوا يقولون: [أجرؤكم على الفتيا أقلكم علمًا] (٤)، وعن عبد الرحمن بن أبي ليلى (٥) قال: أدركت عشرين ومئة من الأنصار من أصحاب رسول الله ﷺ ، يسأل أحدهم عن المسألة مَا منهم من رجل إلا ود أن أخاه كفاه (٦)، وفي رواية: «فيردها هذا إلى هذا، وهذا إلى هذا، حتى ترجع إلى الأول (٧)، وعن عبد الله بن مسعود به
следующие страницы →