← Акыда

Акыда · id 30197

سبيل الرشاد في هدي خير العباد

محمد تقي الدين الهلالي

Полный текст (2 277 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.

стр. 1261

سورة الإسراء الباب الأول قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا (٩) وَأَنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [الإسراء: ٩ - ١٠] قال (ك): «يمدح الله تعالى كتابه العزيز الذي أنزله على رسوله محمد ﷺ ، وهو القرآن بأنه يهدي لأقوم الطرق وأوضح السبل: ﴿وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ به الذين يعملون الصالحات على مقتضاه ﴿أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا﴾ أي: يوم القيامة ﴿وَأَنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾ أي: ويبشر الذين لا يؤمنون بالآخرة أن ﴿لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾. أي يوم القيامة، كما قال تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾» (١). فصل قال محمد تقي الدين: اختلف المفسرون في تقدير الموصوف بالتي هي أقوم، هل يكون (الطريقة) أو (الحال) أو (الملة) أو (الكلمة)؟ والخطب في ذلك سهل لأن هذه الكلمات معناها واحد، فالقرآن والسنة التي هي بيانه يهديان كل أمة تمسكت بهما إلى الطريقة أو الحالة التي هي أكثر استقامة، وفيها سعادة الدنيا والآخرة، ويبشر أعداءهم بأن لهم عذابًا أليمًا في الدنيا والآخرة، فهذه الجماعات استنكفت أن تسمي أنفسها باسم الإسلام، وخدعها أعداء الإسلام فصارت تدعو إلى العروبة، وهذه الشعوب التي تنتسب إلى الإسلام خذلت القرآن والسنة، فحرمت الهداية إلى التي هي أقوم وسلكت طرقًا معوجة، وحرمت النصر والعزة وأصيبت بالانهزام والذلة، وذلك هو العذاب الأليم في الدنيا ﴿وَلَعَذَابُ

стр. 1262

الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٢٦]. قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه: ١٢٤] وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا﴾ [الجن: ١٧] والعروبة (قسمان): عروبة (محمد رسول الله ﷺ )، وهي ملازمة للقرآن والسنة، وعروبة (أبي جهل) وهي ملازمة لعداوة القرآن والسنة، والشقاء في الدنيا والآخرة مضمون لأصحابها، أما الشعوب من غير العرب التي تنتسب إلى الإسلام وتعرض عن القرآن والسنة، فإنها مصابة بعبادة القوميات المختلفة وذلك يضمن لها الخسران في الدنيا والآخرة، وإذا كان اتباع القرآن والسنة سببًا لكل خير وعدم اتباعهما سواء أكان إعراضًا أو تقليدًا لغير المعصوم، فلا يجوز لأحد أن يفتي أو يقضي إلا بدليل منهما، أو ما في معناهما، قال ابن القيم في «إعلام الموقعين» (٣/ ٤٤٦) ما نصه: «ومن أفتى الناس وليس بأهل للفتوى فهو آثم عاص، ومن أقره من ولاة الأمور على ذلك فهو آثم أيضًا، قال أبو الفرج ابن الجوزي (١) ﵀: «ويلزم ولي الأمر منعهم (٢)، وهؤلاء بمنزلة من يدل الركب وليس له علم بالطريق، وبمنزلة الأعمى الذي يرشد الناس إلى القبلة، وبمنزلة من لا معرفة له بالطب وهو يطب الناس، بل هؤلاء أسوأ حالًا من هؤلاء كلهم، وإذا تعين على ولي الأمر منع من لم يحسن التطبب من مداواة المرضى، فكيف بمن لم يعرف الكتاب والسنة ولم يتفقه في الدين؟!». وكان شيخنا (٣) ﵁ شديد الإنكار على هؤلاء، فسمعته يقول: قال لي بعض هؤلاء: أجعلت محتسبًا على الفتوى؟ فقلت (٤): يكون على الخبازين والطباخين محتسب، ولا يكون على الفتوى محتسب؟ وقد روى الإمام أحمد وابن ماجه عن النبي ﷺ مرفوعًا: «من أفتي بغير علم، كان إثمه ذلك على الذي أفتاه (٥).

стр. 1263

وفي «الصحيحين» من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ عن النبي ﷺ : «إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من صدور الرجال، ولكن يقبضه بقبض العلماء، فإذا لم يبق عالم اتخذ الناس رؤساء جهالًا فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا» (١). وفي أثر مرفوع ذكره أبو الفرج وغيره: «من أفتى الناس بغير علم لعنته ملائكة السماء وملائكة الأرض» (٢). وكان مالك ﵀ (٣) يقول: من سئل عن مسألة فينبغي له قبل أن يجيب فيها أن يعرض نفسه على الجنة والنار، وكيف يكون خلاصه في الآخرة ثم يجيب فيها (٤). وسئل عن مسألة فقال: لا أدري. فقيل له: إنها مسألة خفيفة سهلة. فغضب وقال: «ليس في العلم شيء خفيف، أما سمعت قول الله : ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ [المزمل: ٥]؟ فالعلم كله ثقيل وخاصة ما يسأل عنه يوم القيامة» (٥). وقال: «ما أفتيت حتى شهد

стр. 1264

لي سبعون أني أهل لذلك» (١). وقال (٢): وإذا كان أصحاب رسول الله ﷺ تصعب عليهم المسائل ولا يجيب أحد منهم عن (٣) مسألة حتى يأخذ رأي صاحبه، مع ما رزقوا من السداد والتوفيق والطهارة، فكيف بنا نحن الذين غطت الذنوب والخطايا قلوبنا؟!» (٤). الباب الثاني قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٦]. قال (ك): ﴿وَلَا تَقْفُ﴾ أي: لا تقل ﴿مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ أي: لا تقل: رأيت ولم تر، وسمعت ولم تسمع، وعلمت ولم تعلم، فإن الله تعالى سائلك عن ذلك كله وقوله تعالى: ﴿كُلُّ أُولَئِكَ﴾ أي: هذه الصفات من السمع والبصر والفؤاد ﴿كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ أي: سيسأل العبد عنها يوم القيامة وتسأل عنه وعما عمل فيها (٥) (٦). قال: القنوجي في «تفسيره» لهذه الآية ما نصه: «وأما [التواثب] (٧) على الرأي مع وجود الدليل في الكتاب أو السنة ولكنه قصر صاحب الرأي عن البحث فجاء (٨) برأيه، فهو داخل تحت هذا النهي دخولًا أوليًا؛ لأنه محض رأي في شرع الله، وللناس عنه غنى بكتاب الله سبحانه وبسنة رسوله ﷺ ولم تدع إليه حاجة على أن الترخيص في الرأي عند عدم وجود الدليل.

стр. 1265

إنمَا هو رخصة للمجتهد، يجوز له أن يعمل به، ولم يدل دليل على أنه يجوز لغيره العمل به وينزله (١) منزلة مسائل الشرع، وبهذا يتضح لك أتم اتضاح ويظهر لك أكمل ظهور أن هذه الآراء المدونة في الكتب الفروعية ليست من الشرع في شيء، والعامل بها على شفا جرف هار، فالمجتهد المستكثر من الرأي قد قفا ما ليس له به علم، والمقلد المسكين العامل برأي ذلك المجتهد قد عمل بمَا ليس له به علم، ولا لمن قلده، ظلمات بعضها فوق بعض» (٢). وقال الحافظ أبو عمر في كتابه «جامع بيان العلم وفضله» (١/ ١٧٧) مَا نصه: «ومن هذا القبيل: كراهة السلف الصالح الجرأة على الفتيا والحرص عليها والمسارعة إليها والإكثار منها، وروى ابن لهيعة عن عبد الله بن جعفر مرسلًا عن النبي ﷺ قال: «أجرؤكم على الفتيا أجرؤكم على النار» (٣). وقال علقمة: كانوا يقولون: [أجرؤكم على الفتيا أقلكم علمًا] (٤)، وعن عبد الرحمن بن أبي ليلى (٥) قال: أدركت عشرين ومئة من الأنصار من أصحاب رسول الله ﷺ ، يسأل أحدهم عن المسألة مَا منهم من رجل إلا ود أن أخاه كفاه (٦)، وفي رواية: «فيردها هذا إلى هذا، وهذا إلى هذا، حتى ترجع إلى الأول (٧)، وعن عبد الله بن مسعود به

стр. 1266

قال: «إنّ الذي يفتي النّاس في كلّ ما يستفتونه لمجنون» (١)، وسئل عمر بن عبد العزيز عن مسألة فقال: «ما أنا على الفتيا بجريء». وكتب إلى بعض عمّاله: إنّي واللّه ما أنا بحريص على الفتيا، ما وجدت منها بدأ، وليس هذا الأمر لمن ودّ أنّ النّاس احتاجوا إليه، إنّما هذا الأمر لمن ودّ أنّه وجد من يكفيه» (٢)، وعنه أنّه قال: «أعلم النّاس بالفتاوى أسكتهم، وأجهلهم بها أنطقهم» (٣)، وقال سفيان الثّوري: «أدركنا الفقهاء وهم يكرهون أن يجيبوا في المسائل والفتيا، حتّى لا يجدوا بدًّا من أن يفتوا، وإذا أعفوا منها كان أحبّ إليهم» (٤).

стр. 1267

وقال الإمام أحمد: «من عرَّض نفسه للفتيا فقد عرضها لأمر عظيم، إلا أنه قد تلجئ إليه الضرورة. قيل له: فأيهما أفضل الكلام أم السكوت (١)؟ قال: الإمساك أحب إليّ، قيل له: فإن كانت الضرورة؟ فجعل يقول: الضرورة الضرورة» (٢)! وقال: الإمساك أسلم له، وليعلم المفتي أنه يوقع عن الله أمره ونهيه وأنه موقوف ومسؤول عن ذلك، قال الربيع بن خثيم: «أيها المفتون انظروا كيف تفتون» (٣)، و «كان ابن سيرين إذا سئل عن الشيء من الحلال والحرام تغيَّر لونه وتبدل، حتى كأنه ليس بالذي كان (٤)، وكان النخعي يسأل، فتظهر عليه الكراهة، ويقول: ما وجدت أحدًا تسأله غيري» (٥). وقال: «قد تكلمت ولو وجدت بدًا ما تكلمت، وإن زمانًا أكون فيه فقيه أهل الكوفة لزمان سوء» (٦). وروي عن عمر ﵁ أنه قال: «إنكم لتستفتوننا استفتاء نود أن لا نسأل عما نفتيكم به (٧)، وعن محمد بن واسع قال: «أول من يدعى إلى الحساب الفقهاء» (٨). وعن مالك ﵀ أنه: كان إذا سئل عن المسألة كأنه واقف

стр. 1268

بين الجنة والنار» (١)، وقال بعض العلماء لبعض المفتين: «إذ سئلت عن مسألة فلا يكن همك تخليص السائل، ولكن تخليص نفسك أولًا» (٢)، وقال الآخر: «إذا سئلت عن مسألة فتفكر، فإن وجدت لنفسك مخرجًا فتكلم، وإلا فاسكت» (٣) الباب الثالث قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا (٧٣) وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا (٧٤) إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا﴾ [الإسراء: ٧٣ - ٧٥]

стр. 1269

قال القاسمي: «إخبار عن تأييده تعالى رسوله صلوات الله عليه وسلامه، وتثبيته وعصمته وتولي أمره وحفظه، فإن المشركين، لكثرة تفننهم في ضروب الأذى وشدة تعنتهم وقوة شكيمتهم، كادوا أن يفتنوه، ولكن الله بحفظه وعنايته (١)، هو الذي ثبت قدمه في مثل مقامه في الدعوة إلى الله الذي لا يثبت فيه أحد غيره، وقد روي أن ثقيفًا قالوا: لا نؤمن حتى تعطينا خصالًا نفتخر بها على العرب: لا ننحني في الصلاة، ولا نكسر أصنامنا بأيدينا، وأن تمتعنا باللات سنة من غير أن نعبدها فإن خشيت أن يسمع العرب (لم أعطيتهم ما لم تعطنا)؟ فقل: الله أمرني بذلك (٢). وروي أن قريشًا قالوا: لا ندعك يا محمد أن تستلم الحجر الأسود حتى تمس آلهتنا، وقالوا أيضًا: نؤمن بك إن تمس آلهتنا (٣). قال الإمام الطبري (٤): «يجوز أن تكون الفتنة ما ذكر، وأن تكون غير ذلك. ولا بيان في الكتاب ولا في خبر يقطع العذر أي ذلك كان، فالأصوب الإيمان بظاهره حتى يأتي ما يجب التسليم له ببيان ما عني بذلك منه». قال الزجاج (٥): «معنى الكلام كادوا يفتنونك، ودخلت (إنْ) المخففة من الثقيلة و (اللام) للتأكيد»، والمعنى: إن الشأن قاربوا أن يفتنوك، أي (٦): يخدعوك، ويصرفوك عن القرآن، أي عن حكمه، وذلك لأن في إعطائهم ما سألوا مخالفة لحكم القرآن.

стр. 1270

وقوله: ﴿لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ﴾ أي: غير ما أوحينا إليك، وهو قولهم: قل الله أمرني بذلك: ﴿وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا﴾ أي: لو فعلت ما أرادوا؛ لاتخذوك خليلًا، وأظهروا للناس أنك موافق لهم على كفرهم، وراض بشركهم، ثم قال: ﴿وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ﴾ أي: على الحق بعصمتنا إياك ﴿لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ﴾ أي: تميل إليهم ﴿شَيْئًا قَلِيلًا﴾ وقوله: ﴿شَيْئًا﴾ عبارة عن المصدر، أي: ركونًا قليلًا. وعن قتادة: لما نزلت هذه الآية، قال النبي ﷺ : «اللهم لا تكلني إلى نفسي طرفة عين» (١). ثم توعده في ذلك أشد التوعد، فقال: ﴿إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ﴾ أي: ضعف عذاب الحياة وضعف عذاب الممات، يريد عذاب الدنيا وعذاب الآخرة والضعف عبارة عن أن يضم إلى الشيء مثله، ودل على إضمار العذاب وصف العذاب بالضعف في كثير من الآيات، كقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا مَنْ قَدَّمَ لَنَا هَذَا فَزِدْهُ عَذَابًا ضِعْفًا فِي النَّارِ﴾ [ص: ٦١] وقال: ﴿لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٨] والسبب في تضعيف العذاب أن أقسام نعم الله على الأنبياء أكثر، فكانت ذنوبهم أعظم، فكانت العقوبة المستحقة عليها أكثر، ونظيره قوله تعالى: ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾ [الأحزاب: ٣٠] (٢). فصل قال محمد تقي الدين: المقصود بإيراد هاتين الآيتين أنه إذا كان النبي ﷺ وهو أفضل خلق الله لو ترك الوحي لضوعف له العذاب في الدنيا والآخرة، فكيف بغيره من آحاد الأمة إذا أعرض عن الوحي فلم يتعلمه ولا عمل به، أو

стр. 1271

تعلمه ولم يعمل به، أو عمل بما يوافق هواه ومذهبه أو طريقته أو حزبه ورفض العمل بما يخالف ذلك؟ فإنه بلا شك يضاعف له العذاب ضعفين، والنبي ﷺ لم يركن إلى الكفار لأنه معصوم من ذلك، فالمعنى بهاتين الآيتين غيره من أمته، وهذا كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه: ١٢٤]، وعن أبي موسى الأشعري عن النبي ﷺ قال: «مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث الكثير أصاب أرضًا، فكان منها طائفة قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكان منها أجادب أمسكت الماء على الناس فشربوا وسقوا وزرعوا، وكان منها طائفة أخرى إنما هي قيعان، لا تمسك ماء ولا تنبت كلًا، فذلك مثل من نفعه الله بما جئت به، فعلم وعلم ومثل من لم يرفع بذلك رأسًا ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به» (١). رواه البخاري. فالمتمذهبون المتعصبون وأصحاب الطرائق القدد لم ينفعهم الله بما جاء به النبي ﷺ ، فما رفعوا به رأسًا ولا قبلوا هدى الله الذي أرسل به، فكانوا من الأخسرين أعمالًا ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنعًا﴾ [الكهف: ١٠٤]. ولما كنت في الهند للمرة الأولى سنة اثنين وأربعين وثلاث مائة وألف وكنت ضيفًا عند السيد سليمان الندوي في دار المصنفين بمدينة (أعظم كر)، جاءني رجلان مدرسان في المدرسة الحنفية، وأخذا يجادلانني ويدافعان عن المذهب الحنفي فيما خالف فيه السنة من صلاة المغرب إلى أذان العشاء، فقالا لي: إن ما تقول هو الحق ولكن لو أننا أخذنا به واطلع على ذلك أهل المدرسة لعزلونا وكل واحد منا له زوجة وأولاد، وليس لنا ما نعيش به إلا ما نأخذه من التعليم في هذه المدرسة. فقلت لهما: فهلا اعترفتما بهذا في أول المعركة، وكفيتماني مؤونة هذا الجدال الطويل الذي أرهقني عسرًا؟ ووقع مثل ذلك هنا في مكناس مع فقيه مشهور اسمه عبد الرحمن الهواري، فإنه جادلني ساعتين، ثم قال لي: إن ما تقول هو الحق، ولكني لا أعمل به؛ لأنني عدل أكتب الشهادات، ولو اطلع الناس على أني أعتقد هذا وأدعو إليه لتعطل شغلي. فنعوذ بالله من الخذلان استيلاء الشيطان على قلب الإنسان.

стр. 1272

الباب الرابع قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا﴾ [الإسراء: ٨٩]. قال القنوجي في «فتح البيان»: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ﴾ أَي: بينا أو كررنا ضروب القول فيه من الأمثال والعبر والحكم والحجج والمواعظ والقصص والأخبار والأوامر والنواهي وغيرها، وقيل: ﴿فِي﴾ زائدة (١)، والتقدير:

стр. 1273

ولقد صرفنا هذا القرآن، والتصريف في الأصل: صرف الشيء من جهة إلى جهة والتشديد فيه؛ للتكثير والتكرير. وقيل: معنى التصريف المغايرة؛ أي: غايرنا بين المواعظ، قوله: ﴿فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا﴾ فسره بعضهم بالجحود» (١). فصل قال محمد تقي الدين والمراد أن أكثر الناس أعرضوا عن القرآن، ولم ينتفعوا بما فيه من الحجج والمواعظ والأمثال، فبعضهم كفر به وبعضهم ادعى الإيمان به، ولكنه لم ينتفع به للطبع الذي في قلبه وللشبهات التي تعرض له. ومن الموانع التي تمنع من الاهتداء به: التعصب للمذاهب والطرائق والأوطان والأحزاب، ومن شرح الله صدره للإسلام وكان على نور من ربه لم يمنعه شيء من ذلك، ولم يبال بمن خالفه وصمم على اتباعه، ولو بقي وحده ولم يستوحش من قلة الأنصار، وكثرة المحاربين، ففاز بالسعادة الكبرى، فعليك بهذا القرآن وبالسنة التي تبينه، وهي مفتاحه؛ تظفر بخير الدنيا والآخرة.

стр. 1274

سورة الكهف الباب الأول قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَهُ عِوَجًا (١) قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا (٢) مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا﴾ [الكهف: ١ - ٣]. قال (ع): «يمدح الله تعالى نفسه المقدسة، عند فواتح الأمور وخواتمها، فإنه المحمود على كل حال، وله الحمد في الأولى والآخرة، ولهذا حمد نفسه على إنزاله كتابه العزيز على رسوله الكريم محمد صلوات الله وسلامه عليه، فإنه أعظم نعمة أنعمها الله على أهل الأرض إذ أخرجهم به من الظلمات إلى النور، حيث جعله كتابًا مستقيمًا لا اعوجاج فيه ولا زيغ، ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَم يَجْعَل لَهُ عِوَجًا﴾ أي: ليس معوجًا ولا مائلًا بل ﴿قَيِّمًا﴾ أي: مستقيمًا ﴿لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ﴾ أي: لينذر به الذين لا يؤمنون به عقوبة في الدنيا والآخرة ﴿وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: الذين صدقوا إيمانهم بالعمل الصالح ﴿أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا﴾ أي: مثوبة من عند الله ﴿مَاكِثِينَ فِيهِ﴾ في ثوابهم، وهو الجنة خالدين فيه ﴿أَبَدًا﴾ دائمًا لا زوال له» (١). فصل قال محمد تقي الدين: علم الله تعالى عباده كيف يحمدونه على النعمة الكبرى، وهي إنزاله القرآن على عبده ورسوله محمد ﷺ في غاية الاستقامة والكمال، كفيلًا بمصالح العباد، لا يعتريه نقص من أي جهة، أنذر الله به عباده وحذرهم من عذابه في الدنيا والآخرة، وبشر به المؤمنين العاملين كل ما أمرهم

стр. 1275

به، التاركين كل ما نهاهم عنه أن لهم أجرًا عظيمًا حسنًا في الدنيا والآخرة، يمكثون أي: يبقون فيه أبدًا لا ينتهي بالموت ولا ينقطع بعده، فكل من بلغه وأعرض عنه يناله البأس الشديد، ويلزمه الشقاء في الدنيا والآخرة، وليس له عن ذلك محيد، وهذه الأمم التي سعدت به نراها شقية بتركه، تتخبط في ظلمات الجهل، قد انسدت الأبواب في وجوهها، فلا تجد مخرجًا ولا مفرًا، ومن المعلوم أن القرآن لا يمكن الاهتداء به إلا بمعرفة بيان الرسول الذي جاء به. الباب الثاني قوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ، وَأَسْمِعْ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِي وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٢٦]. قال (ك): «أي إذ سئلت عن لبثهم وليس عندك علم في ذلك وتوقيف من الله تعالى فلا تتقدم فيه بشيء بل قل في مثل هذه (١): ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: لا يعلم ذلك إلا هو ومن أطلعه (٢) عليه من خلقه، هذا الذي قلناه قاله غير واحد من علماء التفسير كمجاهد وغير واحد من السلف والخلف، وقوله تعالى: ﴿أَبْصِرْ بِهِ، وَأَسْمِعْ﴾ أي: ما أبصره! وما أسمعه! يعني: لا أحد أبصر من الله ولا أسمع، وقوله تعالى: ﴿مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِي وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا﴾ أي: أنه تعالى له الخلق والأمر لا معقب لحكمه، وليس له وزير ولا نصير ولا شريك ولا مشير تعالى الله وتقدس» (٣). فصل قال محمد تقي الدين: فسروا الحكم في قوله تعالى بالقضاء، أي لا يشرك الله تعالى في قضائه أحدًا. ومعنى الحكم أعم من ذلك، فقد قال الله تعالى في شأن المهاجرات

стр. 1276

المؤمنات إلى المدينة: ﴿ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾ [الممتحنة: ١٠] إشارة إلى عدم ردهن إلى الكفار، وأنهن لا يحللن لهم وأنهم يعطون أزواجهن ما أنفقوا عليهن، وأنه يجوز لهم أن يتزوجوا بهن فسمى الله ذلك حكمًا. وقال تعالى في سورة المائدة: ﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ﴾ [المائدة: ٤٣] أي: بالرجم على الزانيين المحصنين (١). وقال النبي ﷺ لسعد بن معاذ حين حكم بقتل رجال بني قريظة: «لقد حكمت فيهم بحكم الملك من فوق سبع سموات» (٢). فالحكم هنا كذلك يشمل الأحكام الخمسة وهي الواجب والمندوب والحرام والمكروه والمباح كلها لله، كما قال النبي ﷺ : «الحلال ما أحل الله في كتابه، والحرام ما حرم الله في كتابه، وما سكت عنه رحمة بكم من غير نسيان فهو مما عفا عنه» (٣). وقال تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنْزَلَ اللهُ﴾ [المائدة: ٤٩] فالله تعالى هو الذي له الحكم لا يشاركه فيه مَلَكٌ مقرب ولا نبي مرسل، وما حكم به النبي ﷺ فهو

стр. 1277

حكم الله؛ لأنه معصوم لا ينطق عن الهوى، فمن جعل الحكم لإمام أو شيخ أو أمير أو قائد وأطاعه طاعة مطلقة فقد عبده من دون الله، وتذكر حديث عدي بن حاتم (١) الذي تقدم في سورة التوبة عند قوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣١]. اهـ.

стр. 1278

سورة طه الباب الأول قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا (٩٩) مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا (١٠٠) خَالِدِينَ فِيهِ وَسَاءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلًا (١٠١)﴾ [طه: ٩٩ - ١٠١]. قال (ك): كما يقص تعالى على نبيه محمد ﷺ خبر موسى ﷺ تمامًا بلا نقص، فإنه يقول سبحانه: ﴿كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ﴾ أي: كذلك نقص عليك الأخبار الماضية، هذا ﴿وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا﴾ أي: من عندنا ﴿ذِكْرًا﴾ وهو القرآن العظيم الذي لا يأتيه الباطل والذي لم يعط نبي كتابًا مثله، ولا أكمل منه، ولا أجمع لخبر ما سبق وخبر ما هو كائن، وحكم الفصل بين الناس. وقوله تعالى: ﴿مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ﴾ أي: كذب به ولم يتبعه، وابتغى الهدى في غيره ﴿فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا﴾ أي: إثمًا، وهذا عام في كل من بلغه القرآن فهو نذير له وداع، فمن اتبعه هدي، ومن أعرض عنه ضل وشقي في الدنيا، والنار موعده في الآخرة. وقوله تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهِ﴾ أي: لا محيد لهم عنه، أي: عن ذلك الحمل ﴿وَسَاءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلًا﴾ أي: بئس الحمل حملهم (١). فصل قال محمد تقي الدين: سمي القرآن ذكرًا؛ لما فيه من التذكرة بالثواب لمن اتبعه واستقام على طاعة ربه، وبالعقاب لمن صد عنه واتبع هواه وآثر الحياة الدنيا، ومن أعرض عنه وعن بيانه الذي جاء به رسول الله ﷺ بأقواله وأفعاله

стр. 1279

وَتَروكُه ﴿يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وِزْرًا﴾، أي: ذنبًا عظيمًا يثقل كاهله، ويدخله النار فيخلد في عذابها بعد ما أصابه من عذاب الدنيا. والحاصل أن من بلغه الكتاب والسنة ولم يستضئ بنورهما فإنه يشقى في دنياه وأخراه، وسبب شقاء هؤلاء القوم الذين ينتسبون إلى الإسلام في هذا الزمان، ويقرأ فيهم القرآن فلا يعبؤون به، هو: إعراضهم عن الذكر، ولا دواء لدائهم، ولا فرج لكربتهم إلا الرجوع إلى اتباع الذكر والاهتداء به. البَابُ الثَّانِي قوله تعالى: ﴿قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (١٢٣) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمَى (١٢٤) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (١٢٥) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى (١٢٦) وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِن بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى﴾ [طه: ١٢٣ - ١٢٧]. قال (ك): «يقول تعالى لآدم وحواء وإبليس. ﴿اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا﴾ أي: من الجنة كلكم وقد [بسطنا] (١) ذلك في سورة البقرة ﴿بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ قال: آدم وذريته وإبليس وذريته. وقوله تعالى: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِنِّي هُدًى﴾ قال أبو العالية: الأنبياء والرسل والبيان: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾ قال ابن عباس: لا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة (٢)، ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي﴾ أي: خالف الأمر الذي (٣) أنزلته على رسولي (٤) وتناساه وأخذ من غيره هداه ﴿فَإِنَّ لَهُ﴾.

стр. 1280

مَعِيشَةً ضَنكًا أي: ضنكًا في الدنيا فلا طمأنينة ولا انشراح (١)، بل صدره ضيق (٢) لضلاله، فمهما تنعم من نعم الدنيا فإن قلبه لم يخلص إلى اليقين والهدى، فهو دائمًا في قلق وحيرة وشك وفي الآخرة ينتظر عذاب القبر ثم عذاب النار، وروى البزار عن أبي هريرة عن النبي ﷺ في قوله : ﴿فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا﴾ قال: «المعيشة الضنك الذي قال الله أنه يسلط عليه تسعة وتسعين حية ينهشون لحمه حتى تقوم الساعة» (٣). وقوله تعالى: ﴿وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ قال عكرمة: «عمي عليه كل شيء إلا جهنم»، ويحتمل أن يكون المراد أنه يبعث أو يحشر إلى النار أعمى البصر والبصيرة أيضًا كما قال تعالى: ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ … ﴾ [الإسراء: ٩٧] الآية ولهذا يقول: ﴿رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا﴾ أي: في الدنيا ﴿قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى﴾ أي: لما أعرضت عن آيات الله وعاملتها معاملة من لم يذكرها بعد بلاغها إليك تناسيتها وأعرضت عنها وأغفلتها ﴿وَكَذَلِكَ﴾ (٤).

стр. 1281

اليَوْمَ﴾ نُعَامِلُكَ مُعَامَلَةَ مَنْ يَنساك (١) ﴿فَالْيَوْمَ نَنسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا﴾ [الأعراف: ٥١] فإن الجزاء من جنس العمل، فأما نسيان لفظ القرآن، مع فهم معناه والقيام بمقتضاه، فليس داخلًا في هذا الوعيد الخاص، وإن كان متوعدًا عليه من جهة أخرى، روى الإمام أحمد عن سعد بن عبادة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «ما من رجل قرأ القرآن فنسيه، إلا لقي الله يوم يلقاه وهو أجذم» (٢). وقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ﴾ الآية قال (ك): «يقول تعالى: وهكذا نجازي المسرفين المكذبين بآيات الله في الدنيا والآخرة. ﴿لَهُمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَقُّ وَمَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ﴾ [الرعد: ٣٤]، ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى﴾ أي: أشد ألمًا من عذاب الدنيا وأدوم عليهم فهم مخلدون فيه، ولهذا قال رسول الله ﷺ للمتلاعنين: «إن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة» (٣). (٤) فصل قال محمد تقي الدين من آيات الله الكبرى التي نشاهدها في هذا الزمان أن كل من أعرض عن القرآن من الشعوب التي عرفته وسعدت به في الماضي في حربها وسلمها، نراها في معيشة ضنك ويتبين لك ذلك في الأمم المتحدة في رؤوسها وأذنابها، فقد أسست على أساس فاسد فخمسة دول منها، وهي: الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي وبريطانية وفرنسة والصين.

стр. 1282

رؤوس يقبلون من أحكام الأمم المتحدة ما شاؤوا، ويرفضون ما شاؤوا، وسائر الأمم - وهي أكثر من مائة وخمسة وعشرين - أذناب، عليهم أن يقبلوا كل حكم، وليس لهم أن يرفضوا شيئًا من الأحكام وإن كان ظلمًا صريحًا منصبًا على رؤوسهم، وليس لهم من الشجاعة والقوة ما يمكنهم من الخروج عن هذه الربقة، والمسلمون والعرب وعددهم سبعمائة مليون (١) في درجة الأذناب؛ حقوقهم مهضومة وكلمتهم غير مسموعة، يُرْمَون ولا يرمون، ويأكلون كل ما علفوا من خبيث وطيب، فأي معشية ضنك أشد من هذه؟ ولما كان القرآن سراجًا منيرًا بأيديهم كانوا رؤوسًا وكان غيرهم أذنابًا، فسبحان من طبع على قلوبهم فرضوا بهذا الذل وقنعوا بهذا الغبن، ومن الغريب أن الصين الشيوعية خرجت عليهم وتحدتهم وصرخت عليهم وغبرت في وجوههم واستغنت عنهم، والصين الوطنية التي هي إحدى الدول المؤسسة الرئيسية لما سحقت تحت الأقدام لم تكتف الدول الرؤوس بخذلانها وعدم نصرتها، بل اغتصبت التاج الذي كان على رأسها وتملقت به للصين الشيوعية وقدمته لها رشوة، فسبحان من يغير ولا يتغير ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ، وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الأنعام: ١١٥]. قال الحافظ ابن القيم في «إعلام الموقعين» (١/ ٩) ما نصه: «ولما كانت الدعوة إلى الله والتبليغ عن رسوله شعار حزبه المفلحين، وأتباعه من العالمين، كما قال تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف: ١٠٨] وكان التبليغ عنه نوعين (٢): تبليغ ألفاظه وما (٣) جاء به، وتبليغ معانيه، كان العلماء من أمته منحصرين في قسمين: أحدهما حُفَّاظ الحديث وجهابذته ونقاده (٤) الذين هم أئمة الأنام وزوامل الإسلام الذين حفظوا على الأمة معاقد الدين ومعاقله، وحموا من التغيير والتكدير موارده ومناهله، حتى ورد من سبقت له من الله الحسنى تلك المناهل صافية من الأدناس لم تَشُبها الآراء تغييرًا، ووردوا فيها: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا﴾ وهم الذين قال فيهم الإمام أحمد بن حنبل في خطبته

стр. 1283

المشهورة في كتابه «الرد على الزنادقة والجهمية» (١): «الحمد لله الذي جعل في كل زمان فترة من الرسل بقايا من أهل العلم، يدعون من ضل إلى الهدى، ويصبرون منهم على الأذى، يُحْيُون بكتاب الله تعالى الموتى، ويبصرون بنور الله أهل العمى، وكم قتيل لإبليس قد أحيوه وكم من ضال تائه قد هَدَوْه، فما أحسن أثرهم على الناس وما أقبح أثر الناس عليهم، يَنْفُون عن كتاب الله تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين، الذين عقدوا ألْوِيَةَ البدعة وأطلقوا عنان الفتنة، فهم مختلفون في الكتاب مخالفون للكتاب، مجمعون على مفارقة الكتاب، يقولون على الله وفي الله وفي كتاب الله بغير علم، يتكلمون بالمتشابه من الكلام ويخدَعُون جُهَّال الناس بما يُشَبِّهون عليهم، فنعوذ بالله من فتنة المُضِلِّين» (٢).

стр. 1284

سورة الانبياء الباب الأول قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ وَلَا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعَاءَ إِذَا مَا يُنْذَرُونَ﴾ [الأنبياء: ٤٥] قال (ك): «أي ما أنذرتكم به إنما هو الوحي من الله تعالى، ولكن لا يجدي الإنذار بالعذاب من أعمى الله بصيرته جزاء صدوده عن آيات الله، ولهذا قال سبحانه: ﴿وَلَا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعَاءَ إِذَا مَا يُنْذَرُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذَابِ رَبِّكَ … ﴾ إلى آخره، أي: يعترفون بذنوبهم عندما يقع بهم أدنى شيء من العذاب، وبما ظلموا أنفسهم في الدنيا» (١). فصل قال محمد تقي الدين: أخبر الله تعالى أن إنذار رسوله ﷺ لا يكون إلا بالوحي، والوحي هو القرآن والسنة، فكذلك المنذرون من هذه الأمة لا يجوز لهم أن ينذروا الناس إلا بالوحي لا بآراء الرجال، أما أهل (٢) المذاهب والطرائق؛ لأن الله قد أكمل دينه وأتم نعمته، فمن زاد في دينه شيئًا فقد تعدى وظلم لأن الزيادة في الكامل نقص، وأخبرنا سبحانه أن من أعرض عن الوحي واتبع الآراء تمسه نفحة من عذاب الله فيندم، ويقول: يا ولينا إنا كنا ظالمين، نعوذ بالله من الحَوْر بعد الكور، والضلال بعد الهدى.

стр. 1285

الباب الثاني قوله تعالى ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ (٤٨) الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ (٤٩) وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنزَلْنَاهُ أَفَأَنتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ [الأنبياء: ٤٨ - ٥٠]. قال (ك): «قد تقدم التنبيه على أن الله تعالى كثيرًا ما يقرن بين ذكر موسى ومحمد صلوات الله وسلامه عليهما، وبين كتابيهما، ولهذا قال جل وعلا: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ﴾ يعني: التوراة حلالها وحرامها وما فرق الله بين الحق والباطل، كما أن كل الكتب السماوية مشتملة على هذا، وعلى ما يحصل نورًا في القلوب، وهداية وخوفًا وإنابة وخشية، ولهذا قال تعالى: ﴿الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ﴾ أي: تذكيرًا لهم وعِظَة ثم وصفهم فقال: ﴿الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ﴾ كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ ثم قال تعالى: ﴿وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنزَلْنَاهُ﴾ يعني: القرآن العظيم الذي ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: ٤١، ٤٢] ﴿أَفَأَنتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ أي: أفتنكرونه (١) وهو في غاية الجلاء]؟» (٢). فصل قال محمد تقي الدين: إنما أرسل الله الرسل وأنزل الكتب ليعبد وحده لا شريك له وتتبع رسله وكتبه، وبذلك وحده تسعد الأمة وتنكشف عنها الغمة وتنتصر على أعدائها ولا يستطيع أحد أن يقف في وجهها، والفرقان الذي أعطاه الله تعالى أمة محمد ﷺ ، والضياء والذكر أفضل من كل ما أعطى من قبلها، ولكن هذا الضياء وهذا الفرقان وهذا الذكر لا يتذكر به ولا ينتفع به إلا المتقون الذين يخشون ربهم بالغيب وهم من الساعة مشفقون، وكل من مات فقد قامت قيامته الصغرى، وأخذ يواجه مصيره ويجد ما قدمه ﴿فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٨٨) فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ (٨٩) وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (٩٠) فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (٩١) وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ (٩٢) فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ﴾

стр. 1286

وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ (٩٤) إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ (٩٥) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ [الواقعة: ٨٨ - ٩٦] ﴿لَهُمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَقُّ وَمَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ﴾ [الرعد: ٣٤] فهذه الضيافة من الحميم وهو الماء الحار الذي يقطع الأمعاء، يحتسيه المسلمون والعرب في هذه الدار وإن لم يتوبوا إلى الله فستكمل لهم الضيافة بتصلية الجحيم، صدق الله العظيم. وقوله تعالى: ﴿أَفَأَنتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾، نعم قد أنكره الأولون فأذلهم الله وقطع دابرهم بسيوف المؤمنين، وهؤلاء المتأخرون ينكرونه وقد أذلهم الله بقنابل أعدائهم وصاروا عبرة للآخرين. قال الإمام المجدد محيي السنة ومميت البدعة وعدو التقليد، صالح بن محمد بن نوح العمري الشهير بالفلاني (المتوفى في المدينة سنة ثماني عشرة ومئتين وألف) في كتابه «إيقاظ همم أولي الأبصار للاقتداء بسيد المهاجرين والأنصار» ما نصه: «المقدمة في وجوب طاعة الله تعالى ورسوله ﷺ واتباع الكتاب والسنة، وذم الرأي والقياس على غير أصوله، والتحذير من إكثار المسائل، وبيان أصول العلم وحده مقسومًا ومجزًا (١)، ومن يستحق أن يسمى فقيهًا أو عالمًا حقيقة لا مجازًا وبيان فساد التقليد في دين الله وسنة نبيه». قال الله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً﴾ [النحل: ٨٩]، ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]، وقد فرض الله تعالى عليهم اتباع ما نزل إليهم، وأعلم أن معصيته تعالى في ترك أمره وأمر رسوله ﷺ ولم يجعل لهم إلا اتباعه، ولذا قال لرسول الله ﷺ : ﴿وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢] مع ما علم الله تعالى نبيه ثم ما فرض من (٢) اتباع كتابه فقال: ﴿فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ﴾ [الزخرف: ٤٣]، وقال: ﴿وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [المائدة: ٤٩]، وأعلمهم أنه أكمل لهم دينه فقال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]، ثم مَنَّ عليهم بما آتاهم من العلم فأمرهم بالاقتصار عليه وأن لا يقولوا غيره إلا ما علمهم فقال لنبيه ﷺ :

стр. 1287

﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ﴾ [الشوري: ٥٢]. وقال لنبيه ﷺ ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: ٢٣، ٢٤] ثم أنزل على نبيه ﷺ ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ (١) [الإسراء: ٣٦]. وبعثه بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون، وأنزل عليهم كتابه بالهدى والنور لمن اتبعه، وجعل رسوله الدال على ما أراد من ظاهره وباطنه وخاصه وعامه وناسخه ومنسوخه، وما قصد له الكتاب فكان رسول الله ﷺ هو المعبّر عن كتاب الله الدال على معانيه شاهده في ذلك أصحابه الذين ارتضاهم الله تعالى لنبيه واصطفاهم له ونقلوا ذلك عنه، فكانوا هم أعلم الناس برسول الله ﷺ بما أراد الله تعالى من كتابه بمشاهدتهم ما قصد له الكتاب، فكانوا هم المعبرين عن ذلك بعد رسول الله ﷺ (٢).

стр. 1288

سورة النور الباب الأول قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُم مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ (٤٧) ﴿وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُم مُعْرِضُونَ﴾ (٤٨) ﴿وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ﴾ (٤٩) ﴿أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ (٥٠) ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (٥١) ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ (٥٢) ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ قُلْ لَا تُقْسِمُوا طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ (٥٣) ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِلَ وَعَلَيْكُم مَا حُمِّلْتُم وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ (٥٤) ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (٥٥) ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (٥٦) [النور: ٤٧ - ٥٦] قال (ك): يخبر تعالى عن صفات المنافقين الذين يظهرون خلاف ما يبطنون، يقولون قولًا بألسنتهم: ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُم مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ أي: يخالفون أقوالهم بأعمالهم فيقولون ما لا يفعلون، ولهذا قال

стр. 1289

تعالى: ﴿وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بينهم﴾ الآية أي: إذا طلبوا اتباع الهدى فيما أنزل الله على رسوله أعرضوا عنه، واستكبروا في أنفسهم عن اتباعه، وهذه كقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ إلى قوله: ﴿رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾ [النساء: ٦٠ - ٦١]، وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ﴾ أي: وإذا كانت الحكومة لهم لا عليهم جاؤوا سامعين مطيعين، وهو معنى قوله تعالى: ﴿مُذْعِنِينَ﴾. وإذا كانت الحكومة عليهم أعرضوا ودعوا إلى غير الحق، وأحبوا أن يتحاكموا إلى غير النبي ﷺ ليروجوا باطلهم، ثم إن إذعانهم (١) أولًا لم يكن عن اعتقاد منهم أن ذلك هو الحق. بل لأنه موافق لهواهم، ولهذا لما خالف قصدهم عدلوا عنه إلى غيره ولهذا قال تعالى: ﴿أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ الآية، يعني: لا يخرج أمرهم عن أن يكون في القلوب مرض لازم لها. أو قد عرض لها شك في الدين، أو يخافون أن يجور الله ورسوله عليهم في الحكم، وأيًا ما كان فهو كفر محض، والله عليم بكل منهم وما هو منطو عليه من هذه الصفات. وقوله تعالى: ﴿بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ أي: هم الظالمون، والله ورسوله مبرآن مما يظنون، ثم أخبر تعالى عن صفات المؤمنين المستجيبين الله ولرسوله الذين لا يبغون دينًا سوى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ فقال تعالى: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ أي: سمعًا وطاعة، ولهذا وصفهم الله بالفلاح فقال تعالى: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ وقال قتادة: ذكر لنا أن أبا الدرداء قال: «لا إسلام إلا بطاعة الله، ولا خير إلا في جماعة والنصيحة لله وللرسول وللخليفة وللمؤمنين عامة» (٢). وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ قال قتادة: يطيع الله ورسوله فيما أمراه به وترك ما نهياه عنه ويخشى الله فيما مضى من ذنوبه ويتقه فيما يستقبل. وقوله تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾؛ يعني: الذين فازوا بكل خير، وأمنوا من كل شر في الدنيا والآخر. وقوله تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ إلى قوله: ﴿الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾.

стр. 1290

قال (ك): «يخبر تعالى عن أهل النفاق الذين كانوا يحلفون للرسول ﷺ لئن أمرتهم بالغزو ليخرجن، فقال الله تعالى: ﴿قُلْ لَا تُقْسِمُوا﴾ أي: لا تحلفوا، وقوله تعالى: ﴿طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ﴾ أي: طاعتكم معروفة أنها لا فعل معها بل قول مجرد، وحلفهم كاذب، كما قال تعالى: ﴿يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ﴾ [التوبة: ٦٢]، وقال تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً﴾ [المنافقون: ٢]. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ أي: خبير بكم وبمن يطيع ممن يعصي، فلا فائدة من إظهار الطاعة والباطن بخلافه، فإن الله لا يروج عليه شيء من التدليس فهو الخبير بسرائر عباده وإن أظهروا خلالها، ثم قال الله تعالى: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ أي: اتبعوا الكتاب والسنة، وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ أي: تركوا ما جاءهم به ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ﴾ أي: إبلاغ الرسالة ﴿وَعَلَيْكُم مَا حُمِّلْتُمْ﴾ أي: بقبولها وتنفيذها ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ وذلك لأنه يدعو إلى صراط مستقيم وقوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ كقوله تعالى: ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ﴾ [الرعد: ٤٠] وقوله تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (٢١) لَسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ﴾ [الغاشية: ٢١، ٢٢] (١). وقوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿الْفَاسِقُونَ﴾ قال (ك): هذا وعد من الله تعالى لرسوله ﷺ بأنه سيجعل أمته الولاة على الناس فتصلح بهم البلاد، وتخضع لهم العباد ﴿وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا﴾ وحكمًا وقد فعله ﵎ وله الحمد والمنة، ففتح رسول الله ﷺ مكة وخيبر والبحرين وسائر جزيرة العرب وأرض اليمن بكاملها، وأخذ الجزية من مجوس هجر ومن بعض أطراف الشام، وهاداه هرقل والمقوقس وملوك عُمان والنجاشي ملك الحبشة، الذي تملك بعد النجاشي المسلم أصحمة ﵁ وأكرمه. ثم تولى أبو بكر الصديق فلم شعث ما وَهَى بعد موته ﵊، فمهد الجزيرة العربية، وفتح طرفًا (٢) من فارس بقيادة خالد بن الوليد (٣). وألهم الله الصديق أن يستخلف عمر الفاروق، الذي قام بعده بالأمر

стр. 1291

قيامًا تامًا، فتمّ في أيامه فتح الشام ومصر وأكثر إقليم فارس، وتقهقر كسرى إلى أقصى مملكته، وفر قيصر إلى القسطنطينية وأنفق أموالهما في سبيل الله. ثم امتدت دولة عثمان إلى أقصى مشارق الأرض ومغاربها، ففتحت المغرب إلى البحر المحيط. ومن ناحية المشرق مدائن العراق وخراسان والأهواز، وقتل المسلمون الترك مقتلة عظيمة جدًا. وخذل الله ملكهم (خاقان) ولهذا ثبت في «الصحيح» أن رسول الله ﷺ قال: «إن الله زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها، وسيبلغ ملك أمتي ما زوى لي منها» (١). فها نحن نتقلب فيما وعد الله ورسوله (٢)، والقيام بشكره على الوجه الذي يرضيه عنا. قال البراء بن عازب: نزلت هذه الآية ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾، ونحن في خوف شديد (٣). أي: كانوا خائفين يمسون ويصبحون في السلاح. وإن رجلًا من الصحابة قال: يا رسول الله أبد الدهر نحن خائفون هكذا؟ أما يأتي علينا يوم نأمن فيه ونضع عنا السلاح؟ فقال رسول ﷺ : «لن تصبروا إلا يسيرًا، حتى يجلس الرجل منكم في الملأ العظيم محتبيًا ليس فيه حديدة» فأنزل الله هذه الآية الكريمة ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ (٤) الآية كقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ، وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [الأنفال: ٢٦]. وقوله تعالى: ﴿وَلَيُمَكِنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ﴾ كما روى أحمد عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله ﷺ : «بشر هذه الأمة بالسناء والرفعة في الدين

стр. 1292

والنصر والتمكين في الأرض؛ فمن عمل منهم عمل الآخرة للدنيا لم يكن له في الآخرة نصيب» (١). وقوله: ﴿يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ يفسره ما جاء في «الصحيحين» من حديث قتادة عن أنس أن معاذ بن جبل حدثه قال: بينا أنا رديف النبي ﷺ على حمار ليس بيني وبينه إلا آخرة الرحل، قال: يا معاذ، قلت: لبيك يا رسول الله وسعديك، قال: «هل تدري ما حق الله على العباد»؟ قلت: الله ورسوله أعلم قال: «حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا»، قال: ثم سار ساعة، ثم قال: يا معاذ بن جبل قلت: لبيك يا رسول الله وسعديك قال: فهل تدري ما حق العباد على الله إذا فعلوا ذلك؟ قال: قلت: الله ورسوله أعلم. قال: «فإنَّ حق العباد على الله أن لا يعذبهم» (٢). وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ أي: فمن خرج عن طاعتي بعد ذلك فقد خرج عن أمر ربه وكفى بذلك ذنبًا عظيمًا، فالصحابة ﵃ لما كانوا أقوم الناس بعد النبي ﷺ بأوامر الله وأطوعهم له؛ كان نصرهم بحسبهم، ولما قصر الناس بعدهم في بعض الأوامر نقص ظهورهم بحسبهم، وقد ثبت في «الصحيحين» عن رسول الله ﷺ قال: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم إلى يوم القيامة - وفي رواية: - حتى ينزل عيسى ابن مريم وهم ظاهرون (٣). وكل هذه الروايات صحيحة ولا تعارض بينها» (٤).

стр. 1293

وقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ الآية. قال (ك): «يأمر عباده سبحانه بإقامة الصلاة له وحده وإيتاء الزكاة لوجهه، وهي الإحسان إلى المخلوقين: ضعفائهم وفقرائهم، سالكين طريق ما أمرهم به رسول الله ﷺ ، وترك ما زجرهم عنه ابتغاء مرضاته تعالى ورحمته» (١). قال المحقق القنوجي الله في تفسير هذه الآيات عند قوله تعالى: ﴿إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُم مُعْرِضُونَ﴾: «وهذا هو شأن مقلدة المذاهب بعينه اليوم، يُعرضون عن إجابة الداعي إلى الله ورسوله وعن التحاكم إليهما، أي: إلى كتابه وسنة رسوله ﷺ » (٢). ومضى إلى أن قال عند قوله تعالى: ﴿يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ﴾: «وما أصدق هذه الآية على المقلدين في صنيعهم مع أهل القرآن وأصحاب الحديث». وقال عند قوله تعالى: ﴿بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾: «فإن كان القاضي مقصرًا لا يعلم بأحكام الكتاب والسنة ولا يعقل حجج الله ومعاني كلامه وكلام رسوله، بل كان جاهلًا جهلًا بسيطًا وهو من لا علم له بشيء من ذلك، أو جهلًا مركبًا وهو من لا علم عنده بما ذكرنا ولكنه قد عرف بعض اجتهادات المجتهدين واطلع على شيء من علم الرأي فهذا في الحقيقة جاهل وإن اعتقد أنه يعلم بشيء من العلم فاعتقاده باطل، فمن كان من القضاة هكذا فلا تجب الإجابة إليه؛ لأنه ليس ممن يعلم بحكم الله ورسوله حتى يحكم بين المتخاصمين إليه، بل هو من قضاة الطاغوت وحكام الباطل. فإن ما عرفه من علم الرأي إنما رخص في العمل به للمجتهد الذي هو منسوب إليه عند عدم الدليل من الكتاب والسنة ولم يرخص فيه لغيره ممن يأتي بعده، وإذا تقرر لديك هذا وفهمته حق فهمه علمت أن التقليد والانتساب إلى عالم من العلماء دون غيره والتعبد بجميع ما جاء به من رواية ورأي، وإهمال ما عداه من أعظم ما حدث في هذه الملة الإسلامية من البدع المضلة والفواقر الموحشة فإنا لله وإنا إليه راجعون، وقد أوضحت هذا في كتابي «الجنة»، وأوضحه الشوكاني في «القول المفيد» و «أدب الطلب» وغيره في غيرهما، لمن (٣) أراد أن يقف على حقيقة هذه البدعة التي طبقت الآفاق الإسلامية» (٤).

стр. 1294

فصل قال محمد تقي الدين: لم يبق لي ما أزيده في الرد على المقلدين المتعصبين للمذاهب أو الطرائق أو الأحزاب، ولكن بقي لي كلام مع السياسيين ودعاة العروبة والاشتراكية والمحاربين بزعمهم للرجعية، فأقول لهم وبالله أستعين: قد علمتم أن الله وعد الذين آمنوا بمحمد والقرآن وعملوا الصالحات، أي: صدقوا في إيمانهم وشفعوا القول بالعمل، أن يجعلهم خلفاء الأرض يتصرفون فيها كيف يشاؤون، فهم الحكام وهم العلماء وهم الأمناء على كنوز الأرض وثمرات الأعمال، لا يد فوق يدهم، واستمر ذلك من عهد النبوة إلى نهاية الحروب الصليبية وامتد بعضه إلى الحكم العثماني. لكن ماذا حدث؟! بعد ذلك زال الإيمان والعمل فذهب العز والنصر، ويا أيها المسلمون ويا أيها العرب المسلمون ارجعوا إلى الإيمان والأعمال الصالحة والاتحاد على اتباع كتاب الله وسنة رسول الله ونزهوا أنفسكم من التعصب للأوطان وللأجناس وللفرق والمذاهب، واجعلوا إلهكم واحدًا، وارضوا بالله صاحبًا، استضيؤوا بنور الكتاب وسنة النبي الكريم والأصحاب، إذا شئتم أن يرد الله لكم ما كان لأسلافكم من العز والتمكين والنصر المبين، ويكبت أعداءكم. ألا تستحيون من الله ثم من الناس أن يجمع اليهود شملهم بعد أن تشتتوا آلاف السنين، ثم يعمدوا إلى الأرض المقدسة التي أخرجهم الله منها بسبب ذنوبهم وتركهم رسولهم وكتابهم واختلافهم فيما بينهم، فيغتصبوا منكم تلك الأرض اغتصابًا وعددهم بالنسبة إلى عددكم نحو ربع واحد في المائة، أما أنتم أيها النصارى العرب فدعوا الكيد والدس والخداع لإضلال المسلمين وتشتيت شملهم، ولا تكونوا كالذي قال: اقتلوني ومالكًا فإن ذلك لا يشفي ما في صدوركم ولا يغني عنكم إلا قليلًا، فإنكم دعوتم للتعصب للعروبة وأنتم أبعد الناس عنها فما لكم منها إلا الاسم، فإنكم عاديتم الدين الذي به شرفتم، وواليتم أعداء العرب وتسميتم بأسماء عجمية، فما هذه العروبة التي تدعون إليها أهي عروبة محمد رسول الله؟ كلا فإنكم تبغضونها وتحاربونها. أم هي عروبة أبي جهل وأبي لهب؟ فهذه العروبة ليس فيها إلا الجهل والذل والخزي والشتات وعبادة الأصنام ووأد البنات وأكل الميتة وعدم توريث الإناث والأنصاب والأزلام والميسر والقتل والنهب واستعباد الأخ لأخيه.

стр. 1295

أهذا هو البعث العربي؟ كلا: والله بل هو الموت، فإن قلتم: إننا ما قمنا بهذه المكيدة إلا دفاعًا عن النفس؛ لأن هؤلاء العرب الذين يدعون الإسلام، بله العجم لم يبق لهم من الإسلام إلا اسمه وقد تعصبوا علينا وأهانونا، قلنا: كل واحد من الفريقين يرجع عن غيه واجتمعوا على الإنصاف. الباب الثاني قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٦٢) لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُم بَعْضًا قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣) أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٢ - ٦٤] قال (ك): «وهذا أيضًا أدب أرشد الله عباده المؤمنين إليه، فكما أمرهم بالاستئذان عند الدخول أمرهم كذلك بالاستئذان عند الانصراف، لا سيما إذا كانوا في أمر جامع مع الرسول صلوات الله وسلامه عليه، ثم أمر الله رسوله ﷺ إذا استأذنه أحد منهم في ذلك أن يأذن له إن شاء، ولهذا قال سبحانه: ﴿فَأْذَن لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ﴾ الآية. وقد روى أبو داود عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا انتهى أحدكم إلى المجلس فليسلم، وإذا أراد أن يقوم فليسلم، فليست الأولى بأحق من الآخرة» (١). هكذا رواه النسائي والترمذي

стр. 1296

وقال: «حديث حسن» (١). وقوله تعالى: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ﴾ إلى آخره. قال (ك): «عن ابن عباس: كانوا يقولون: يا محمد يا أبا القاسم، فنهاهم عن ذلك إعظامًا لنبيه ﷺ قال: فقولوا: يا نبي الله يا رسوله الله (٢)، كما في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾، ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ [الحجرات: ٢ - ٥]. فهذا كله من باب الأدب في مخاطبة النبي ﷺ والكلام معه وعنده، كما أمروا بتقديم الصدقة قبل مناجاته. وقوله تعالى: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمْ لِوَاذًا﴾ قال مقاتل بن حيان: «هم المنافقون كانت تثقل عليهم الخطبة يوم الجمعة فيلوذون ببعض أصحاب النبي ﷺ حتى يخرجوا من المسجد، وكان لا يصلح (٣) للرجل أن يخرج من المسجد إلا بإذن النبي ﷺ في يوم الجمعة بعدما يأخذ في الخطبة» (٤). وقوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ أي: عن أمر رسول الله ﷺ وهو منهاجه وسنته وشريعته، فتوزن الأقوال والأعمال بأقواله وأعماله، فما وافق ذلك قبل، وما خالفه فهو مردود على قائله وفاعله كائنًا من كان، كما ثبت في الصحيحين وغيرهما عن رسول الله ﷺ أنه قال: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد» (٥) أي: فليخش من خالف سنة رسول الله ﷺ باطنًا وظاهرًا أن

стр. 1297

تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ﴾ (١) في قلوبهم من كفر أو نفاق أو بدعة. ﴿أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (١) في الدنيا بقتل أو حد أو حبس أو نحو ذلك، كما روى الإمام أحمد عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «مثلي ومثلكم كمثل رجل استوقد نارًا، فلما أضاءت ما حولها، جعل الفراش وهذه الدواب اللائي يقعن في النار يقعن فيها. وجعل يحجزهن ويغلبنه، فيقتحمن فيها» قال «فذلك مثلي ومثلكم، أنا آخذ بحجزكم عن النار، هلم عن النار، فتغلبونني وتقتحمون فيها» (٢). أخرجاه من حديث عبد الرزاق (٣). وقوله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ الآية. قال (ك)، يخبر تعالى أنه مالك السموات والأرض وعالم الغيب والشهادة، وهو عالم بما العباد عاملون في سرهم وجهرهم، فقال: ﴿قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ وَيَوْمَ﴾ للتحقيق كما قال قبلها: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمْ لِوَاذًا﴾ وقال تعالى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ … ﴾ [البقرة: ١٤٤] فقوله تعالى: ﴿قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ﴾ أي: هو عالم به مشاهد له لا يعزب عنه مثقال ذرة. كقوله تعالى: ﴿وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام: ٥٩]. والآيات والأحاديث في هذا كثيرة جدًا. وقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ﴾ أي: ويوم يرجع الخلائق إلى الله وهو يوم القيامة ﴿فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا﴾ أي: يخبرهم بكل ما فعلوه في الدنيا صغيرًا كان أو كبيرًا كما قال تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ يَاوَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٩] ولهذا قال ههنا: ﴿وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (٤). قال القنوجي في «فتح البيان» في تفسير قوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ … ﴾ الآية ما نصه: «والآية تشمل كل من خالف أمر الله وأمر رسوله، ويدخل فيها الجامدون

стр. 1298

على ضلالة التقليد من بعد ما تبين له الهدى، وظهر الصواب من الخطأ (١) قال المحقق سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب في كتابه «تيسير العزيز الحميد في شرح كتاب التوحيد»، ما نصه (المتن ممزوج بالشرح): «باب من أطاع العلماء والأمراء في تحريم ما أحل الله، أو تحليل ما حرمه الله؛ فقد اتخذهم أربابًا من دون الله». لما كانت الطاعة من أنواع العبادة، بل هي العبادة، فإنها طاعة الله بامتثال ما أمر به على ألسنة رسله ﷺ ، نبه المصنف - رحمه الله تعالى - بهذه الترجمة على وجوب اختصاص الخالق ﵎ بها، وأنه لا يطاع أحد من الخلق إلا حيث كانت طاعته مندرجة تحت طاعة الله، وإلا فلا تجب طاعة أحد من الخلق استقلالًا، والمقصود هنا الطاعة الخاصة في تحريم الحلال أو تحليل الحرام، فمن أطاع مخلوقًا في ذلك غير الرسول ﷺ ، فإنه لا ينطق عن الهوى فهو مشرك كما بينه الله تعالى في قوله: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ﴾ أي: علماءهم ﴿أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣١] وفسرها النبي ﷺ بطاعتهم في تحريم الحلال وتحليل الحرام كما سيأتي في حديث عدي (٢). فإن قيل: قد قال الله تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ﴾ [النساء: ٥٩] قيل: هم العلماء، وقيل: هم الأمراء وهما روايتان عن أحمد، قال ابن القيم: «والتحقيق بأن الآية تعم الطائفتين» (٣). قيل: إنما تجب طاعتهم إذا أمروا بطاعة الله وطاعة رسوله، فكان العلماء مبلغين لأمر الله وأمر رسوله والأمراء منفذين له، فحينئذ تجب طاعتهم تبعًا لطاعة الله ورسوله كما قال ﷺ : «لا طاعة في معصية إنما الطاعة في المعروف» (٤). وقال: «على المرء المسلم السمع والطاعة ما لم يؤمر بمعصية، فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة» (٤): حديثان صحيحان، فليس في هذه الآية ما يخالف آية براءة.

стр. 1299

قال: وقال ابن عباس: «يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء. أقول: قال رسول الله ﷺ وتقولون: قال أبو بكر وعمر!!» (١). (ش): قوله: يوشك بضم أوله وكسر الشين المعجمة. قال أبو السعادات «أي: يقرب ويدنو ويسرع» (٢)، وهذا الكلام قاله ابن عباس لمن ناظره في متعة الحج، وكان ابن عباس يأمر بها فاحتج عليه المناظر بنهي أبي بكر وعمر عنها (٣) أي: هما أعلم منك وأحق بالاتباع، فقال هذا الكلام الصادر عن محض الإيمان وتجريد المتابعة للرسول ﷺ ، وإن خالفه من خالفه كائنًا من كان كما قال الشافعي: «أجمع العلماء على أن من استبانت له سنة رسول الله ﷺ لم يكن له أن يدعها لقول أحد من الناس» (٤) [كائنًا من كان] (٥) فإذا كان هذا كلام ابن عباس لمن عارضه بأبي بكر وعمر - وهما هما - فماذا تظنه يقول لمن يعارض سنن الرسول ﷺ بإمامه وصاحب مذهبه الذي (٦) ينتسب إليه، ويجعل قوله عيارًا على الكتاب والسنة: فما وافقه قبله وما خالفه رده، أو تأوله؟ فالله المستعان، وما أحسن ما قال بعض المتأخرين (٧):

стр. 1300

فما جاءهم فيه الدليل موافقًا … لما كان للآبا إليه ذهاب رضوه وإلا قيل هذا مُؤوّلٌ … فيركب للتأويل فيه صِعَابُ ولا ريب أن هذا داخل في قوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ الآية. قال المصنف: وقال أحمد بن حنبل: عجبت لقوم عرفوا الإسناد وصحته يذهبون إلى رأي سفيان، والله تعالى يقول: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ﴾ أتدري ما الفتنة؟ الفتنة الشرك، لعله إذا رد بعض قوله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك. (ش): هذا الكلام من أحمد رواه عنه الفضل بن زياد وأبو طالب. قال الفضل عن أحمد (١): نظرت في المصحف فوجدت طاعة الرسول في ثلاثة وثلاثين موضعًا (٢)، ثم جعل يتلو ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ﴾ الآية وجعل يكررها ويقول: وما الفتنة إلا الشرك لعله إذا رد (٣) بعض قوله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيزيغ قلبه فيهلك، وجعل يتلو هذه الآية: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء: ٦٥]. وقال أبو طالب عن أحمد وقيل له: إن قومًا يدعون الحديث ويذهبون إلى رأي سفيان، فقال: عجبت لقوم سمعوا الحديث وعرفوا الإسناد وصحته يدعونه ويذهبون إلى رأي سفيان وغيره، قال الله: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ أتدري ما الفتنة؟ الكفر، قال الله تعالى: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾ [البقرة: ٢١٧]، فيدعون الحديث عن رسول الله ﷺ وتغلبهم أهواؤهم إلى الرأي، ذكر ذلك شيخ الإسلام. قلت: وكلام أحمد في ذم التقليد وإنكار تأليف كتب الرأي كثير مشهور.
следующие страницы →