← Акыда

Акыда · id 30197

سبيل الرشاد في هدي خير العباد

محمد تقي الدين الهلالي

Полный текст (2 277 стр.). Показаны 1296–1335 · переход к 1301.

стр. 1296

وقال: «حديث حسن» (١). وقوله تعالى: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ﴾ إلى آخره. قال (ك): «عن ابن عباس: كانوا يقولون: يا محمد يا أبا القاسم، فنهاهم عن ذلك إعظامًا لنبيه ﷺ قال: فقولوا: يا نبي الله يا رسوله الله (٢)، كما في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾، ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ [الحجرات: ٢ - ٥]. فهذا كله من باب الأدب في مخاطبة النبي ﷺ والكلام معه وعنده، كما أمروا بتقديم الصدقة قبل مناجاته. وقوله تعالى: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمْ لِوَاذًا﴾ قال مقاتل بن حيان: «هم المنافقون كانت تثقل عليهم الخطبة يوم الجمعة فيلوذون ببعض أصحاب النبي ﷺ حتى يخرجوا من المسجد، وكان لا يصلح (٣) للرجل أن يخرج من المسجد إلا بإذن النبي ﷺ في يوم الجمعة بعدما يأخذ في الخطبة» (٤). وقوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ أي: عن أمر رسول الله ﷺ وهو منهاجه وسنته وشريعته، فتوزن الأقوال والأعمال بأقواله وأعماله، فما وافق ذلك قبل، وما خالفه فهو مردود على قائله وفاعله كائنًا من كان، كما ثبت في الصحيحين وغيرهما عن رسول الله ﷺ أنه قال: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد» (٥) أي: فليخش من خالف سنة رسول الله ﷺ باطنًا وظاهرًا أن

стр. 1297

تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ﴾ (١) في قلوبهم من كفر أو نفاق أو بدعة. ﴿أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (١) في الدنيا بقتل أو حد أو حبس أو نحو ذلك، كما روى الإمام أحمد عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «مثلي ومثلكم كمثل رجل استوقد نارًا، فلما أضاءت ما حولها، جعل الفراش وهذه الدواب اللائي يقعن في النار يقعن فيها. وجعل يحجزهن ويغلبنه، فيقتحمن فيها» قال «فذلك مثلي ومثلكم، أنا آخذ بحجزكم عن النار، هلم عن النار، فتغلبونني وتقتحمون فيها» (٢). أخرجاه من حديث عبد الرزاق (٣). وقوله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ الآية. قال (ك)، يخبر تعالى أنه مالك السموات والأرض وعالم الغيب والشهادة، وهو عالم بما العباد عاملون في سرهم وجهرهم، فقال: ﴿قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ وَيَوْمَ﴾ للتحقيق كما قال قبلها: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمْ لِوَاذًا﴾ وقال تعالى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ … ﴾ [البقرة: ١٤٤] فقوله تعالى: ﴿قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ﴾ أي: هو عالم به مشاهد له لا يعزب عنه مثقال ذرة. كقوله تعالى: ﴿وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام: ٥٩]. والآيات والأحاديث في هذا كثيرة جدًا. وقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ﴾ أي: ويوم يرجع الخلائق إلى الله وهو يوم القيامة ﴿فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا﴾ أي: يخبرهم بكل ما فعلوه في الدنيا صغيرًا كان أو كبيرًا كما قال تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ يَاوَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٩] ولهذا قال ههنا: ﴿وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (٤). قال القنوجي في «فتح البيان» في تفسير قوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ … ﴾ الآية ما نصه: «والآية تشمل كل من خالف أمر الله وأمر رسوله، ويدخل فيها الجامدون

стр. 1298

على ضلالة التقليد من بعد ما تبين له الهدى، وظهر الصواب من الخطأ (١) قال المحقق سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب في كتابه «تيسير العزيز الحميد في شرح كتاب التوحيد»، ما نصه (المتن ممزوج بالشرح): «باب من أطاع العلماء والأمراء في تحريم ما أحل الله، أو تحليل ما حرمه الله؛ فقد اتخذهم أربابًا من دون الله». لما كانت الطاعة من أنواع العبادة، بل هي العبادة، فإنها طاعة الله بامتثال ما أمر به على ألسنة رسله ﷺ ، نبه المصنف - رحمه الله تعالى - بهذه الترجمة على وجوب اختصاص الخالق ﵎ بها، وأنه لا يطاع أحد من الخلق إلا حيث كانت طاعته مندرجة تحت طاعة الله، وإلا فلا تجب طاعة أحد من الخلق استقلالًا، والمقصود هنا الطاعة الخاصة في تحريم الحلال أو تحليل الحرام، فمن أطاع مخلوقًا في ذلك غير الرسول ﷺ ، فإنه لا ينطق عن الهوى فهو مشرك كما بينه الله تعالى في قوله: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ﴾ أي: علماءهم ﴿أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣١] وفسرها النبي ﷺ بطاعتهم في تحريم الحلال وتحليل الحرام كما سيأتي في حديث عدي (٢). فإن قيل: قد قال الله تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ﴾ [النساء: ٥٩] قيل: هم العلماء، وقيل: هم الأمراء وهما روايتان عن أحمد، قال ابن القيم: «والتحقيق بأن الآية تعم الطائفتين» (٣). قيل: إنما تجب طاعتهم إذا أمروا بطاعة الله وطاعة رسوله، فكان العلماء مبلغين لأمر الله وأمر رسوله والأمراء منفذين له، فحينئذ تجب طاعتهم تبعًا لطاعة الله ورسوله كما قال ﷺ : «لا طاعة في معصية إنما الطاعة في المعروف» (٤). وقال: «على المرء المسلم السمع والطاعة ما لم يؤمر بمعصية، فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة» (٤): حديثان صحيحان، فليس في هذه الآية ما يخالف آية براءة.

стр. 1299

قال: وقال ابن عباس: «يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء. أقول: قال رسول الله ﷺ وتقولون: قال أبو بكر وعمر!!» (١). (ش): قوله: يوشك بضم أوله وكسر الشين المعجمة. قال أبو السعادات «أي: يقرب ويدنو ويسرع» (٢)، وهذا الكلام قاله ابن عباس لمن ناظره في متعة الحج، وكان ابن عباس يأمر بها فاحتج عليه المناظر بنهي أبي بكر وعمر عنها (٣) أي: هما أعلم منك وأحق بالاتباع، فقال هذا الكلام الصادر عن محض الإيمان وتجريد المتابعة للرسول ﷺ ، وإن خالفه من خالفه كائنًا من كان كما قال الشافعي: «أجمع العلماء على أن من استبانت له سنة رسول الله ﷺ لم يكن له أن يدعها لقول أحد من الناس» (٤) [كائنًا من كان] (٥) فإذا كان هذا كلام ابن عباس لمن عارضه بأبي بكر وعمر - وهما هما - فماذا تظنه يقول لمن يعارض سنن الرسول ﷺ بإمامه وصاحب مذهبه الذي (٦) ينتسب إليه، ويجعل قوله عيارًا على الكتاب والسنة: فما وافقه قبله وما خالفه رده، أو تأوله؟ فالله المستعان، وما أحسن ما قال بعض المتأخرين (٧):

стр. 1300

فما جاءهم فيه الدليل موافقًا … لما كان للآبا إليه ذهاب رضوه وإلا قيل هذا مُؤوّلٌ … فيركب للتأويل فيه صِعَابُ ولا ريب أن هذا داخل في قوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ الآية. قال المصنف: وقال أحمد بن حنبل: عجبت لقوم عرفوا الإسناد وصحته يذهبون إلى رأي سفيان، والله تعالى يقول: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ﴾ أتدري ما الفتنة؟ الفتنة الشرك، لعله إذا رد بعض قوله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك. (ش): هذا الكلام من أحمد رواه عنه الفضل بن زياد وأبو طالب. قال الفضل عن أحمد (١): نظرت في المصحف فوجدت طاعة الرسول في ثلاثة وثلاثين موضعًا (٢)، ثم جعل يتلو ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ﴾ الآية وجعل يكررها ويقول: وما الفتنة إلا الشرك لعله إذا رد (٣) بعض قوله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيزيغ قلبه فيهلك، وجعل يتلو هذه الآية: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء: ٦٥]. وقال أبو طالب عن أحمد وقيل له: إن قومًا يدعون الحديث ويذهبون إلى رأي سفيان، فقال: عجبت لقوم سمعوا الحديث وعرفوا الإسناد وصحته يدعونه ويذهبون إلى رأي سفيان وغيره، قال الله: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ أتدري ما الفتنة؟ الكفر، قال الله تعالى: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾ [البقرة: ٢١٧]، فيدعون الحديث عن رسول الله ﷺ وتغلبهم أهواؤهم إلى الرأي، ذكر ذلك شيخ الإسلام. قلت: وكلام أحمد في ذم التقليد وإنكار تأليف كتب الرأي كثير مشهور.

стр. 1301

قوله: (عرفوا الإسناد) أي: إسناد الحديث وصحته؛ أي: صحة الإسناد دليل على صحة الحديث. قوله: (يذهبون إلى رأي سفيان) أي: الثوري الإمام الزاهد العابد الثقة الفقيه، وكان له أصحاب ومذهب مشهور فانقطع، ومراد أحمد الإنكار على من يعرف إسناد الحديث وصحته ثم بعد ذلك يقلد سفيان أو غيره، ويعتذر بالأعذار الباطلة؛ إما بأن الأخذ بالحديث اجتهاد والاجتهاد انقطع منذ زمان، وإما بأن هذا الإمام الذي قلدته أعلم مني، فهو لا يقول إلا بعلم ولا يترك هذا الحديث - مثلًا - إلا عن علم، وإما بأن ذلك اجتهاد ويشترط في المجتهد أن يكون عالمًا بكتاب الله عالمًا بسنة رسول الله ﷺ ناسخ ذلك ومنسوخه وصحيح السنة وسقيمها عالمًا بوجوه الدلالات، عالمًا بالعربية والنحو والأصول، ونحو ذلك من الشروط التي لعلها لا توجد تامة في أبي بكر وعمر ﵄ كما قاله المصنف؟ فيقال له: هذا إن صح؛ فمرادهم بذلك المجتهد المطلق، أما أن يكون ذلك شرطًا في جواز العمل بالكتاب والسنة فكذب على الله، وعلى رسول الله ﷺ ، وعلى أئمة العلماء، بل الفرض والحتم على المؤمن إذا بلغه كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وعلم معنى ذلك في أي شيء كان أن يعمل به ولو خالفه من خالفه. فبذلك أمرنا ربنا ﵎ ونبينا ﷺ ، وأجمع على ذلك العلماء قاطبة إلا جهال المقلدين وجفاتهم، ومثل هؤلاء ليسوا من أهل العلم، كما حكى الإجماع على أنهم ليسوا من أهل العلم: أبو عمر ابن عبد البر وغيره (١). قال الله تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُم مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ٢]، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ [النور: ٥٤] فشهد تعالى لمن أطاع الرسول ﷺ بالهداية، وعند جفاة المقلدين أن من أطاعه ﷺ ليس بمهتد إنما المهتدي من عصاه، وعدل عن أقواله، ورغب عن سنته إلى مذهب أو شيخ ونحو ذلك، وقد وقع في هذا التقليد المحرم خلق كثير ممن يدّعي العلم (٢) والمعرفة بالعلوم ويصنف التصانيف في الحديث والسنن، ثم بعد ذلك تجده جامدًا على أحد هذه المذاهب يرى (٣).

стр. 1302

الخروج عنها من العظائم، وفي كلام أحمد إشارة إلى أن التقليد قبل بلوغ الحجة لا يذم. إنما المذموم المنكر الحرام: الإقامة على ذلك بعد بلوغ الحجة، نعم وينكر الإعراض عن كتاب الله وسنة رسوله ﷺ والإقبال على تعلم الكتب المصنفة في الفقه استغناء بها عن الكتاب والسنة، بل إن قرؤوا شيئًا من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، فإنما يقرؤون تبركًا لا تعلمًا وتفقهًا. أو لكون بعض [الواقفين] (١) وقف على من قرأ البخاري مثلًا؛ فيقرؤونه لتحصيل الوظيفة لا لتحصيل الشريعة، فهؤلاء من أحق الناس بدخولهم في [قوله] (٢) تعالى: ﴿وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا (٩٩) مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا﴾ [طه: ٩٩، ١٠٠] وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ إلى قوله: ﴿وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى﴾ [طه: ١٢٤ - ١٢٧]. فإن قلت: فماذا يجوز للإنسان من قراءة هذه الكتب المصنفة في المذاهب؟ قيل: يجوز من ذلك قراءتها على سبيل الاستعانة بها على فهم الكتاب والسنة، وتصوير المسائل، فتكون من نوع الكتب الآلية، أما أن تكون هي المقدمة على كتاب الله وسنة رسوله ﷺ الحاكمة بين الناس فيما اختلفوا فيه المدعو إلى التحاكم إليها دون التحاكم إلى الله والرسول ﷺ فلا ريب أن ذلك مناف للإيمان مضاد له، كما قال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥] فإذا كان التحاكم عند المشاجرة إليها دون الله أو رسوله إثمًا إذا قضى الله ورسوله أمرًا وجدت الحرج في نفسك، وإن قضى أهل [ذلك] (٣) الكتاب بأمر لم تجد حرجًا، ثم إن (٤) قضى الرسول ﷺ بأمر لم تسلم له، وإن (٤) قضوا بأمر سلمت له، فقد أقسم (٥) الله تعالى سبحانه وهو أصدق القائلين بأجل مقسم به، وهو نفسه ﵎ أنك لست بمؤمن والحالة هذه، وبعد ذلك، فقال: قال الله تعالى: ﴿بَلِ الْإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (١٤) وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ﴾ [القيامة: ١٤، ١٥] على أن الأئمة الأربعة وغيرهم من أهل العلم، قد نهوا عن تقليدهم مع ظهور السنة، فكلام أحمد الذي ذكره المصنف كافٍ عن تكثير النقل عنه. وقال

стр. 1303

أبو حنيفة: «إذا جاء الحديث عن الرسول فعلى الرأس والعين، وإذا جاء عن الصحابة فعلى الرأس والعين، وإذا جاء عن التابعين: فنحن رجال وهم رجال» (١). وفي «روضة العلماء»: «سئل أبو حنيفة: إذا قلت قولًا وكتاب الله يخالفه، قال: اتركوا قولي لكتاب الله، قيل: إذا كان قول الرسول ﷺ يخالفه، قال: اتركوا قولي للرسول ﷺ . قيل: إذا كان قول الصحابة يخالفه، قال: اتركوا قولي لقول الصحابة». فلم يقل: هذا الإمام ما يدعيه جفاة المقلدين له إنه لا يقول قولًا يخالف كتاب الله، حتى أنزلوه بمنزلة المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى. وروى البيهقي في «السنن» عن الشافعي أنه قال: «إذا قلت قولًا وكان عن النبي ﷺ قول يخالف قولي فما يصح من حديث رسول الله ﷺ أولى فلا تقلدوني» (٢). وقال الربيع: «سمعت الشافعي يقول: إذا وجدتم في كتابي خلاف سنة رسول الله ﷺ فقولوا بسنة رسول الله ﷺ ودعوا ما قلت» (٣). وتواتر عنه أنه قال: «إذا صح الحديث - أي: بخلاف قولي - فاضربوا بقولي عرض الحائط (٤). وقال مالك: كل أحد يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله ﷺ . وكلام الأئمة مثل هذا» (٥).

стр. 1304

كثير، فخالف المقلدون ذلك، وجمدوا على ما وجدوه في الكتب المذهبية، سواء كان صوابًا أم خطأ، مع أن كثيرًا من هذه الأقوال المنسوبة إلى الأئمة ليست أقوالًا لهم منصوصًا عليها، وإنما هي تفريعات ووجوه واحتمالات وقياس على أقوالهم، ولسنا نقول: إن الأئمة على خطأ بل هم إن شاء الله على هدى من ربهم، وقد قاموا بما أوجب الله عليهم من الإيمان بالرسول ﷺ ومتابعته، ولكن العصمة منتفية عن غير الرسول، فهو الذي ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ فما العذر في اتباعهم وترك اتباع الذي لا ينطق عن الهوى»؟ قوله: «لعله» أي: لعل الإنسان الذي تصح عنده سنة رسول الله ﷺ ، قوله: «إذا رد بعض (١) قول النبي ﷺ »، قوله: «أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك»، هذا تنبيه على أن رد قول الرسول ﷺ سبب لزيغ القلب الذي هو سبب الهلاك في الدنيا والآخرة، فإذا كانت إساءة الأدب معه في الخطاب سببًا لحبوط الأعمال كما قال تعالى: ﴿لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ [الحجرات: ٢] فما ظنك برد أحكامه وسنته، لقول أحد من الناس كائنًا من كان؟ قال شيخ الإسلام: «فإذا كان المخالف عن أمره قد حذر من الكفر والشرك ومن العذاب الأليم، دل على أنه قد يكون مفضيًا إلى الكفر والعذاب الأليم، ومعلوم أن إفضاءه إلى العذاب هو مجرد فعل المعصية، فإفضاؤه إلى الكفر إنما هو بما يقترن به من استخفاف بحق الأمر كما فعل إبليس لعنه الله. فإذا علمت أن المخالفة عن أمره ﷺ ، سبب للفتنة، التي هي الشرك والعذاب الأليم في الدنيا والآخرة، علمت أن من ردّ قوله وخالف أمره لقول أبي حنيفة، أو مالك أو غيرهما: لهم النصيب الكامل، والحظ الوافر من هذه الآية، وهذا الوعيد على مخالفة أمره ﷺ ، وقد استدل بهذه الآية كثير من العلماء، على أن أصل الأمر للوجوب حتى يقوم دليل على استحبابه، قال عدي بن حاتم أنه سمع النبي ﷺ يقرأ هذه الآية ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ الآية [التوبة: ٣١] فقلت له: إنا لسنا نعبدهم. قال: «أليس يحرمون ما أحل الله فتحرمونه، ويحلون ما حرم الله فتحلونه». فقلت: بلى قال: «فتلك عبادتهم» (٢) رواه أحمد والترمذي وحسنه.

стр. 1305

(ش): هذا الحديث قد روي من طرق فرواه ابن سعد، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن جرير، وابن أبي حاتم، والطبراني، وأبو الشيخ، وابن مردويه، والبيهقي في «السنن» وفيه قصة اختصرها المصنف. قوله: «عن عدي بن حاتم» أي: الطائي المشهور، وهو ابن عبد الله بن سعد بن الحشرج - بفتح المهملة وسكون المعجمة وآخره جيم، مات مشركًا وعدي يكنى أبا طريف - بفتح المهملة - صحابي شهير، حسن الإسلام، مات سنة ثمان وستين وله مائة وعشرون سنة. قوله: «فقلت: إنا لسنا نعبدهم»؛ ظنَّ عديٌّ أن العبادة المراد بها التقرب إليهم بأنواع العبادة، من السجود والذبح والنذر ونحو ذلك فقال: «إنا لسنا نعبدهم»، قوله: «أليس يحرمون ما أحل الله فتحرمونه» إلى آخره؟ صرح ﷺ في هذا الحديث بأن عبادة الأحبار والرهبان هي طاعتهم في تحريمهم الحلال وتحليل الحرام، وهو طاعتهم في خلاف حكم الله ورسوله. قال المصنف ﵀: وفيه تغيير الأحوال إلى هذه الغاية صار عند الأكثر عبادة الرهبان هي أفضل الأعمال ويسمونها (١) الولاية، وعبادة الأحبار هي العلم والفقه. ثم تغيرت الحال إلى أن عبد من ليس من الصالحين. وعبد بالمعنى الثاني من هو من الجاهلين. قوله: «صار عند الأكثر عبادة الرهبان هي أفضل الأعمال»، يشير إلى ما يعتقده كثير من الناس ممن ينتسب إلى الولاية من الضر والنفع والعطاء والمنع، ويسمون ذلك الولاية والسر ونحو ذلك، وهو الشرك. قوله: «وعبادة الأحبار هي العلم والفقه» أي: هي التي تسمى اليوم العلم والفقه المؤلف على مذهب الأئمة ونحوهم، فيطيعونهم في كل ما يطيعونك سواء وافق حكم الله أم خالفه، بل لا يعبؤون بما خالف ذلك من كتاب وسنة، بل يردون كلام الله وكلام رسوله لأقوال مَنْ قلدوه، ويصرحون بأنه لا يحتمل العمل بكتاب ولا سنة، وأنه لا يجوز تلقي العلم والهدى منهما، وإنما الفقه والهدى عندهم هو (٢) ما وجدوه في هذه الكتب، بل أعظم من ذلك وأطم: رمي كثير

стр. 1306

منهم كلام الله ورسوله بأنه لا يفيد العلم ولا اليقين في باب معرفة أسماء الله وصفاته وتوحيده، ويسمونها ظواهر لفظية، ويسمون ما وضعه الفلاسفة المشركون القواطع العقلية. ثم يقدّمونها في باب الأسماء والصفات والتوحيد على ما جاء من عند الله، ثم يرمون من خرج عن عبادة الأحبار والرهبان إلى طاعة رب العالمين، وطاعة رسوله وتحكيم ما أنزل الله في موارد النزاع بالبدعة أو الكفر وقوله: «ثم تغيرت الأحوال إلى أن عبد من ليس من الصالحين». وذلك كاعتقادهم في كثير ممن ينتسب إلى الولاية من الفساق والمجاذيب، وقوله: «وعبد بالمعنى الثاني من هو من الجاهلين»، وذلك كاعتقادهم العلم في أناس من جهلة المقلدين فيحسنون لهم البدع والشرك فيطيعونهم، ويظنون أنهم علماء مصلحون ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِن لَا يَشْعُرُونَ﴾ [البقرة: ١٢] (١). فصل قال محمد تقي الدين: قول الإمام أحمد ﵀ لصاحبه الفضل بن زياد: «أتدري ما الفتنة؟ الفتنة الشرك لعله إذا ردّ بعض قوله أن يقع في قلبه زيع فيهلك: من المعلوم أن اتباع النبي ﷺ الذي هو آية الإيمان ناتج عن محبته وتعظيمه، وهما لازمان للمتبع فإذا خالف شخص كلام النبي ﷺ متعمدًا فلا بد أن ينقص تعظيمه ومحبته من قلبه، وإذا استمرت المخالفة استمر نقص المحبة والتعظيم حتى يزولا بالكلية، وذلك هو الكفر؛ فإن كل من خالفه الإنسان وكان في قلبه له تعظيم ومحبة، كالوالد والوالدة والصديق والأمير لا بد أن تنقص محبته وتعظيمه من قلبه، وما بعد النقص إلا الزوال. فإذا قلت لشخص من المخالفين: لماذا لا تصلي صلاة رسول الله، أو لماذا تخالف سنة رسول الله وهي في غاية الوضوح؟ يغالطك ويقول: الله يهدينا. فإن شددت عليه غضب وتبرأ من سنة النبي أو تحيل في ردها، وذلك هو طريق الكفر وما أحسن ما قال الشاعر: تعصي الرسول (٢) وأنت تظهر حبه … هذا محال في القياس بديع لو كان حبك صادقًا لأطعْتَه … إِنَّ المحب لمن يحب مطيع» (٣)

стр. 1307

سورة الفرقان الباب الأول قوله تعالى: ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ١] قال (ك): «يمدح (١) الله تعالى نفسه الكريمة على ما نزل على رسوله الكريم من القرآن العظيم كما قال تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَهُ عِوَجًا (١) قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ﴾ وقال ههنا: ﴿تَبَارَكَ﴾ وهو تفاعل من البركة المستقرة الثابتة الدائمة ﴿الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ﴾ نزل فعل من التكرر والتكثر؛ لأن الكتب المتقدمة كانت تنزل جملة واحدة، والقرآن نزل آيات [بعد آيات] (٢) وأحكامًا بعد أحكام وسورًا بعد سور، وهذا أبلغ وأشد اعتناء بمن أنزل عليه، كما قال تعالى في هذه السورة ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا (٣٢) وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ [الفرقان: ٣٢، ٣٣] ولهذا سماه (٣) الفرقان لأنه يفرق بين الحق والباطل، والهدى والضلال، والغي والرشاد والحلال والحرام.

стр. 1308

وقوله تعالى: ﴿عَلَى عَبْدِهِ﴾ هذه صفة مدح وثناء لأنه [أضاف] (١) عبوديته [إلى ربه] (٢) كقوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾ [الإسراء: ١] وقوله تعالى: ﴿لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ كما قال ﷺ : «إني أعطيت خمسًا لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي فذكر منهن: أن النبي كان يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى الناس عامة» (٣).» (٤). فصل قال محمد تقي الدين: أرسل الله رسوله محمدًا ﷺ نذيرًا لمن عصاه بالعذاب المهين في الدنيا والآخرة، وبشيرًا لمن أطاعه بالسعادة الأبدية، وإنما يكون العذاب على قدر بلوغ الحجة وقيامها على المنذرين، ولذلك نرى المسلمين في هذا الزمان أشد الناس شقاء وأعظمهم ذلة وهوانًا، وهذا الشقاء يعم أفرادهم وجماعاتهم، وهو ملازم لهم في بلادهم وحين يخرجون منها، ولا يزالون كذلك حتى يتوبوا من جرائمهم، ويتبعوا كتاب الله وسنة رسوله ويجتمعوا عليهما ويستضيؤوا بنورهما ويتخلقوا بأخلاقهما، ويعمروا بهما مساجدهم ومدارسهم ومحاكمهم ومؤتمراتهم ومجالسهم، وقد أعذر من أنذر، والله عاقبة الأمور. الباب الثاني قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَالَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا (٢٧) يَاوَيْلَتَا لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا (٢٨) لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنسَانِ خَذُولًا (٢٩) وَقَالَ الرَّسُولُ يَارَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا (٣٠) وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِي عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا﴾ [الفرقان: ٢٧ - ٣١] قال (ك): يخبر تعالى عن ندم الظالم الذي فارق طريق الرسول، وما جاء به من عند الله من الحق البين الذي لا مرية فيه، وسلك طريقًا أُخرى غير سبيل

стр. 1309

الرسول، فإذا كان يوم القيامة ندم حيث لا ينفعه الندم، وعض على يديه حسرة وأسفًا، وسواء كان سبب نزولها في عقبة بن أبي معيط (١) أو غيره من الأشقياء، فإنها عامة في كل ظالم، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ﴾ الآيتين. فكل ظالم يندم يوم القيامة غاية الندم ويعض على يديه قائلًا: ﴿يَالَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا (٢٧) يَاوَيْلَتَا لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا﴾ يعني من صرفه عن الهدى وعدل به إلى طريق الضلال من دعاة الضلالة، وسواء في ذلك أمية بن خلف أو (٢) أخوه أبي بن خلف أو غيرهما: ﴿لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ﴾ وهو القرآن ﴿بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي﴾ أي بعد بلوغه إليَّ (٣) قال الله تعالى: ﴿وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنسَانِ خَذُولًا﴾ أي: يخذله عن الحق ويصرفه عنه ويستعمله في الباطل ويدعوه إليه» (٤). وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَارَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ … ﴾ إلى آخره، قال (ك): يخبر الله تعالى عن رسوله ونبيه محمد ﷺ أنه قال: ﴿يَارَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ وذلك أن المشركين إذا تلي عليهم القرآن أكثروا اللغط والكلام في غيره حتى لا يسمعونه (٥) فهذا من هجرانه، وترك الإيمان به، وعدم تدبره أو (٦) ترك العمل به، والعدول عنه إلى غيره، كل ذلك من هجرانه أيضًا، نسأله تعالى أن يجنبنا ما يسخطه، ويستعملنا في ما يرضيه من حفظ كتابه بفهمه والعمل بمقتضاه دائمًا على الوجه الذي يرضاه، إنه سميع مجيب كريم وهاب، وقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِي عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ﴾ أي: كما أن قومك عادوك لما دعوت إلى توحيد الله، كذلك فعل الأمم الماضية مع رسلهم، فكان منهم أعداء لهم يصدون الناس عن الهدى، ولكن الله تعالى هو الهادي فلا يستطيع أحد أن يحول دون هدايته، ولذلك قال عز من قائل: ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا﴾ لمن اتبع رسوله وآمن بكتابه وصدقه واتبعه، فإن الله هاديه وناصره في الدنيا والآخرة، والله غالب على أمره» (٧).

стр. 1310

فصل قال محمد تقي الدين: هذه الآيات تشمل كلَّ مَنْ بلغته دعوة الرسول ﷺ وأعرض عنها، سواء أكان من المكذبين أم من المنافقين الذين يقولون: سمعنا وهم لا يسمعون، أم من المقلدين المتعصبين الذين يقولون بلسان حالهم أو قالهم أو بهما معًا: ما وافق قول إمامنا وأهل مذهبنا من سنة النبي ﷺ قبلناه وعملنا به، وما خالفه رددناه؛ إما بتأويل يحرف معناه، أو ادعاء نسخ أو ضعف أو غير ذلك من وجوه الرد. وقوله: ﴿لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا﴾ يصدق على كل مؤلف يخالف في تأليفه كتاب الله وسنة رسوله تعصبًا لمقلده بفتح اللام. قال الإمام المحقق سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب في كتاب «تيسير العزيز الحميد في شرح كتاب التوحيد» ما نصه (المتن ممزوج بالشرح): «باب قوله الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ﴾ [النساء: ٦٠]. (ش): لما كان التوحيد الذي هو معنى شهادة أن لا إله إلا الله مشتملًا على الإيمان بالرسول ﷺ مستلزمًا له، وذلك هو [معنى] (١) الشهادتين، ولهذا جعلهما النبي ﷺ ركنًا واحدًا في قوله: «بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت من استطاع إليه سبيلًا» (٢)، نبه في هذا الباب على ما تضمنه التوحيد، واستلزمه من تحكيم الرسول ﷺ في موارد النزاع، إذ هذا هو مقتضى شهادة أن لا إله إلا الله، ولازمها الذي لا بد منه لكل مؤمن، فإن من عرف أن لا إله إلا الله، فلا بد من الانقياد لحكم الله والتسليم لأمره الذي جاء من عنده على يد رسوله محمد ﷺ ، فمن شهد أن لا إله إلا الله، ثم عدل إلى تحكيم غير الرسول في موارد النزاع فقد كذب في شهادته، وإن شئت قلت: لما كان التوحيد مبنيًا على الشهادتين، إذ لا تنفك إحداهما عن الأخرى؛ لتلازمهما، وكان ما تقدم من هذا الكتاب في معنى شهادة أن لا إله إلا الله التي تتضمن حق الله على عباده، نبه في هذا الباب على معنى شهادة أن محمدًا رسول الله، التي تتضمن حق الرسول ﷺ ،

стр. 1311

فإنها تتضمن أنه عبد لا يعبد، ورسول صادق لا يكذب، بل يطاع ويتبع؛ لأنه المبلغ عن الله تعالى: فله ﵊ منصب الرسالة، والتبليغ عن الله والحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه: إذ هو لا يحكم إلا بحكم الله ومحبته [أكثر من] (١) النفس، والأهل والمال والوطن [شرط الإيمان] (٢) وليس له من الإلهية شيء؛ بل هو عبد الله ورسوله كما قال تعالى: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾ [الجن: ١٩] وقال ﷺ : «إنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله» (٣)، ومن لوازم ذلك متابعته وتحكيمه في موارد النزاع، وترك التحاكم إلى غيره كالمنافقين الذين يدعون الإيمان به ويتحاكمون إلى غيره، وبهذا يتحقق العبد بكمال التوحيد وكمال المتابعة وذلك هو كمال سعادته، وهو معنى الشهادتين، إذا تبين هذا فمعنى الآية المترجم لها: إن الله ﵎ أنكر على من يدعي الإيمان بما أنزل الله على رسوله، وعلى الأنبياء قبله، وهو مع ذلك يريد أن يتحاكم في فصل الخصومات إلى غير كتاب الله وسنة رسوله، كما ذكر المصنف في سبب نزولها. قال ابن القيم: «والطاغوت كل من تعدى به حده، من الطغيان؛ وهو مجاوزة الحد» (٤)، فكل ما تحاكم إليه متنازعان غير كتاب الله وسنة رسوله ﷺ فهو طاغوت إذ قد تعدى به حده، ومن هذا كل من عبد شيئًا دون الله فإنه (٥) عبد الطاغوت، وجاوز بمعبوده حده فأعطاه العبادة التي لا تنبغي له، كما أن من دعا إلى تحكيم غير الله تعالى ورسوله ﷺ فقد دعا إلى تحكيم الطاغوت، وتأمل تصديره سبحانه الآية منكرًا لهذا التحكيم على من زعم أنه قد آمن بما أنزله الله على رسوله ﷺ وعلى من قبله، ثم هو مع ذلك يدعو إلى تحكيم غير الله ورسوله ﷺ ويتحاكم إليه عند النزاع. وفي ضمن قوله: ﴿يَزْعُمُونَ﴾ نفي لما زعموه من الإيمان، ولهذا لم يقل: (ألم تر إلى الذين آمنوا)، فإنهم لو كانوا من أهل الإيمان حقيقة لم يريدوا أن يتحاكموا إلى غير الله تعالى ورسوله ﷺ ، ولم يقل فيهم: ﴿يَزْعُمُونَ﴾ فإن هذا إنما يقال غالبًا لمن ادعى دعوى هو فيها كاذب أو.

стр. 1312

منزل منزلة الكاذب، لمخالفته لموجبها وعمله بما ينافيها. قال (ك): «والآية ذامة لمن عدل عن الكتاب والسنة وتحاكم إلى ما سواهما من الباطل، وهو المراد بالطاغوت ههنا» (١). وقوله تعالى: ﴿وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾ أي: بالطاغوت وهو دليل على أن التحاكم إلى الطاغوت منافٍ للإيمان مضاد له، فلا يصح الإيمان إلا بالكفر به وترك التحاكم إليه، فمن لم يكفر بالطاغوت لم يؤمن بالله، وقوله: ﴿وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ أي: لأن إرادة التحاكم إلى غير كتاب الله وسنة رسوله ﷺ من طاعة الشيطان، وهو إنما يدعو أحزابه ليكونوا من أصحاب السعير، وفي الآية دليل على أن ترك التحاكم إلى الطاغوت، الذي هو ما سوى الكتاب والسنة من الفرائض وأن المتحاكم إليه غير مؤمن بل ولا مسلم. وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾ [النساء: ٦١] أي: إذا دعوا إلى التحاكم إلى ما أنزل الله وإلى الرسول أعرضوا إعراضًا مستكبرين كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [النور: ٤٨] قال ابن القيم: «هذا دليل على أن من دعي إلى تحكيم الكتاب والسنة، فلم يقبل، وأبى ذلك أنه من المنافقين» (٢)، و ﴿يَصُدُّونَ﴾ هنا لازم لا متعد، هو بمعنى يعرضون، لا بمعنى يمنعون غيرهم، ولهذا أتى مصدره على صدود، ومصدر المتعدي صدًا. فإذا كان المعرضون (٣) عن ذلك قد حكم الله سبحانه بنفاقهم، فكيف بمن زاد (٤) إلى إعراضه منع الناس من تحكيم الكتاب والسنة، والتحاكم إليهما بقوله وعمله وتصانيفه؛ ثم يزعم مع ذلك أنه إنما أراد الإحسان والتوفيق، الإحسان في فعله ذلك أو التوفيق بين الطاغوت الذي حكمه، وبين الكتاب والسنة؟ قلت: وهذا حال كثير ممن يدعي العلم والإيمان في هذه الأزمان، إذا قيل لهم: تعالوا نتحاكم إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيتهم يصدون وهم مستكبرون، ويعتذرون أنهم لا يعرفون ذلك، ولا يعقلون، بل لعنهم الله بكفرهم فقليلًا ما يؤمنون (٥).

стр. 1313

الباب الثالث قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا (٥١) فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُم بِهِ، جِهَادًا كَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٥١، ٥٢] قال (ك): «يقول تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا﴾ يدعوهم إلى الله ولكنا خصصناك يا محمد بالبعثة إلى جميع الأرض وأمرناك أن تبلغهم هذا القرآن ﴿لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ، وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام: ١٩] كما قال تعالى: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف: ١٥٨] وفي «الصحيحين»: «بعثت إلى الأحمر والأسود» (١) وفيهما: «وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى الناس عامة» (٢) ولهذا قال تعالى: ﴿فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُم بِهِ﴾؛ يعني: القرآن قاله ابن عباس (٣)، «﴿جِهَادًا كَبِيرًا﴾ أي: غليظًا» (٤). فصل قال محمد تقي الدين: الكافرون بالقرآن وبيان النبي ﷺ للقرآن على نوعين: أحدهما: يجهر بالكفر. والآخر: يخفي الكفر ويظهر الإيمان، ولكنه لا يقبل ما جاء به الرسول، بل يتبع هواه، فيقبل ما وافقه أو وافق مذهبه أو طريقته أو حزبه أو فرقته، ويرد ما خالف ذلك بأنواع من الحيل والروغان والتدليس، وقد أمر الله رسوله والمؤمنين به أن يجاهدوهم جهادًا كبيرًا، ولا يكون متبعًا للنبي ﷺ حق الاتباع إلا من جاهدهم، فنسأل الله أن يجعلنا من المجاهدين، وأن يجعل النصر حليفنا، ويهدينا صراطه المستقيم. الباب الرابع قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٥٦) قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلَّا مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: ٥٦، ٥٧] قال (ك): ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ أي: بشيرًا للمؤمنين، ونذيرًا

стр. 1314

للكافرين لمن خالف أمره ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾ أي: على هذا البلاغ إنما أفعل ذلك ابتغاء وجه الله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾ أي: طريقًا ومنهجًا يقتدي فيها بما جئت به (١). فصل قال محمد تقي الدين: أرسل الله رسوله محمدًا ﷺ مبشرًا للمتبعين له الذين لا يتخذون من دونه وليجة تعوقهم عن الاتباع، لا مذهبًا ولا طريقة ولا حزبًا ولا قومية ولا اشتراكية ولا شيوعية، بل يعتقدون أن الله واحد في السماء هو ربهم، وأنه بيده جميع أمورهم، وأن محمدًا ﷺ واحد في الأرض هو إمامهم، به يقتدون، وبه يهتدون، وبسنته وهديه يعملون، وإذا سئلوا في قبورهم وقيل لكل منهم: «ما علمك بهذا الرجل؟» يقول - إن شاء الله -: «هو محمد، جاءنا بالبينات فآمنا به واتبعناه، هو محمد، هو محمد، هو محمد» فيقال له: «نم صالحًا قد علمنا، إن كنت لموقنًا به. ويفتح له باب إلى النار فيقال له: هذا مقامك لو لم تتبع الرسول ثم يفتح له باب إلى الجنة، فلا يزال يناله من نعيمها وبركاتها ما تقر به عينه حتى يبعثه الله» (٢)، والذي ينام هو جسمه، أما روحه فإنها تتنعم في الجنة حرة طليقة، حتى يردها الله إلى جسدها يوم القيامة، نسأل الله أن يجعلنا منهم بمنه وكرمه. الباب الخامس قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا﴾ [الفرقان: ٧٣] قال (ك): «وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا﴾ وهذه أيضًا من صفات المؤمنين قال الحسن: كم من رجل يقرؤها ويخر عليها أصم وأعمى؟! (٣)، قال ابن أبي حاتم عن عون قال: سألت الشعبي قلت: الرجل يرى القوم سجودًا ولم يسمع ما سجدوا، أيسجد معهم؟

стр. 1315

فتلا هذه الآية (١) … يعني لا يسجد معهم؛ لأنه لم يتدبر أمر السجود ولا ينبغي للمؤمن أن يكون إمعة، بل يكون على بصيرة من أمره ويقين واضح بين، وقال مجاهد (٢): قوله تعالى: ﴿لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا﴾ قال: لم يسمعوا ولم يبصروا ولم يفقهوا شيئًا» (٣) فصل قال محمد تقي الدين: الإمعة: هو الغمر المقلد الذي لا يفكر بعقله، ولا يميز الهدى من الضلال، وإنما يتبع غيره بدون دليل ولا برهان قال ابن مسعود: «كنا نعد الإمعة في الجاهلية الذي يتبع القوم إذا دعوا إلى وليمة دون أن يكون هو مدعوًا، وهو فيكم المحقب دينه الرجال» (٤)، أي: الذي يجعل دينه كالحقيبة ويضعه على رجل

стр. 1316

يُقلده لا يعرف صوابه من خطئه. ويروى عن علي بن أبي طالب أنه كان كثيرًا ما يُنشد: إذا المُعضلاتُ تصدَّينَ لي … كَشَفتُ حقائقها بالنَّظرِ ولستُ بإمعة في الرِّجا … لِ أسائل هذا وذا: ما الخَبَر (١) وقال بعض الناصحين: ولا تَكُنْ إمَّعة الأقوامِ وقُلْ بِما عندك من إفهام وقد أثنى الله على أصناف من الناس في هذه الآيات وجعل منهم الذين إذا ذكروا بآيات الله - أي: القرآن - وبيانه من سنة الرسول ﷺ لم يعرضوا عنها إعراض الصم العمي، بل يتدبرونها ويؤمنون بما دلت عليه ويعملون به، والمقلد لمذهب أو شيخ طريقة لا يفكر إلا فيما يأمره به مذهبه أو شيخه، ولا يعرض شيئًا من ذلك على كتاب الله ولا سنة رسول الله ﷺ ؛ لينظر أهو حق أم باطل؟ لأن أئمة مذهبه وشيخ طريقته ليسوا معصومين من الخطأ، فلا بد أن توضع آراؤهم في الميزان، فيأخذ ما وافق الحق منها، ويطرح ما خالفه.

стр. 1317

سُورَةُ الشُّعَرَاءِ الباب الأول قوله تعالى: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢) لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٣) إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ (٤) وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إِلَّا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ (٥) فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [الشعراء: ١ - ٦]. قال (ح): (أي هذا القرآن الواضح الجلي الفاصل بين الحق والباطل، وقوله تعالى: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ﴾ (١) أي: مهلك ﴿بَاخِعٌ﴾ أي: من شدة ما تحرص وتحزن عليهم ﴿أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ وهذه تسلية من الله تعالى لرسوله ﷺ كما قال تعالى: ﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾ [فاطر: ٨]، ثم قال تعالى: ﴿إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ﴾ لو نشاء لأنزلنا معجزة تضطرهم إلى الإيمان قهرًا، ولكن لا نريد إلا الإيمان الاختياري، ثم قال تعالى: ﴿وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إِلَّا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ﴾ أي: كلما جاءهم كتاب من السماء أعرض أكثر الناس عنه كقوله تعالى: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف: ١٠٣] وقال تعالى هنا: ﴿فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ أي: فقد كذبوا بما جاءهم من الحق فسيعلمون ما سيحيق بهم) (٢). فصل قال محمد تقي الدين في هذه الآيات فوائد:

стр. 1318

الأولى: شدة حرص النبي ﷺ على هداية الناس وإيمانهم بالله ورسوله، حتى كاد يقتل نفسه من شدة الغم والأسف. الثانية: تسلية الله تعالى له، وفي ضمنها تبشيره بأن تلك الحال التي كانت في مكة عند نزول سورة الشعراء لا تدوم، وسيعقبها الفتح والنصر المبين، فيدخل الناس في دين الله أفواجًا، وتقر عين النبي ﷺ وأعين المؤمنين. الثالثة: إعلام الله نبيه أن حكمته تعالى اقتضت ترك الاختيار للناس وعدم إجبارهم على الإيمان؛ ليكون الثواب للمحسنين والعقاب للمسيئين. الرابعة: إخبار الله تعالى عن المشركين أنهم كلما جاءتهم آية من آيات الله قابلوها بالإعراض، وكلما نزل شيء من الوحي لم يستمعوا له، وكذبوا رسول الله ﷺ واستهزؤوا به وبمن اتبعه. الخامسة: إن عقاب الله لا بد أن ينزل بهم عاجلًا أو آجلًا. السادسة: إن كل من ترك العمل بآية أو حديث فهو داخل في الجملة في هذا الوعيد. قال رسول الله ﷺ : «ومن رغب عن سنتي فليس مني» (١). فالمقلد الذي يقدّم قول إمامه أو بعض أهل مذهبه على كتاب الله أو حديث رسول الله ﷺ معرض في حكم المكذب، فإن قلت: وهل يوجد من يقدم رأيه أو رأي غيره على كتاب الله من مقلدة المذاهب؟ أقول: نعم؛ المنتسبون إلى مذهب مالك في هذا الزمان يجعلون عدة المرأة المطلقة ثلاثة أشهر ولو كانت تحيض (٢)، ويعللون ذلك بأن النساء في هذا الزمان ليس لهن دين يمنعهن من الكذب، فلو وكلت الأمر إلى المرأة لكذبت وادعت أنها حاضت ثلاث حيضات، فالصواب عندهم أن تكون عدتها ثلاثة أشهر كاليائسة والصغيرة التي لم تحض، فجمعوا بين ما فرق الله بينه، وأعرضوا عن كتاب الله وحديث رسول الله وإجماع الصحابة، وقد تقدم في (الباب الثاني) من (سورة يونس) ذكر أمثلة متعددة لمخالفة بعض أهل المذاهب للأدلة الشرعية تعصبًا لمذاهبهم، نسأل الله العافية.

стр. 1319

الباب الثاني قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِي مُبِينٍ (١٩٥) وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ (١٩٦) أَوَلَمْ يَكُنْ لَهمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ (١٩٧) وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ (١٩٨) فَقَرَأَهُ عَلَيْهِم مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ (١٩٩) كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ (٢٠٠) لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ، حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٢٠١) فَيَأْتِيَهُم بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٢٠٢) فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ (٢٠٣) أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ [الشعراء: ١٩٢ - ٢٠٤] قال (ك): يخبر تعالى عن الكتاب الذي أنزله على عبده ورسوله محمد ﷺ ﴿وَإِنَّهُ﴾ أي: القرآن ﴿لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ الذي أوحاه إليك ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ﴾ وهو جبريل ﵇ ﴿عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ﴾ أي: نزل به على قلبك سالمًا من الزيادة والنقص لتنذر به بأس الله ونقمته على من خالفه وكذبه، وتبشر به المؤمنين المتبعين له ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِي مُبِينٍ﴾ أي: أنزلنا القرآن باللسان العربي الفصيح الكامل الشامل؛ ليكون واضحًا قاطعًا للعذر مقيمًا للحجة دليلًا إلى المحجة. روى ابن أبي حاتم عن إبراهيم التيمي عن أبيه قال: بينما رسول الله ﷺ مع أصحابه في يوم دُجُنٌ (١) إذ قال لهم: «كيف ترون بواسقها؟» (٢)؟ قالوا: ما أحسنها وأشدّ تراكمها! قال: فكيف ترون قواعدها؟ قالوا: ما أحسنها وأشدّ تمكنها! قال: فكيف ترون جريها؟ قالوا: ما أحسنه وأشد سواده، قال: «فكيف ترون رحاها استدارت؟» قالوا: ما أحسنها وأشدّ استدارتها! قال: «» فكيف ترون برقها؟ أوميضًا أو خفقًا، أم يشق شقًا؟ قالوا: بل يشق شقًا. قال: «الحيا (٣) الحيا إن شاء الله» قال: فقال رجل: يا رسول الله بأبي وأمي ما أفصحك! ما رأيت الذي هو أعرب منك. قال: فقال: حق لي، وإنما أنزل القرآن بلساني،

стр. 1320

وَاللَّهُ يَقُولُ: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ١٩٥] (١) (٢). وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٦] إلى قوله: ﴿مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٢٠١]. قال (ك): يقول تعالى: وإن ذكر هذا القرآن والتنويه به الموجود في كتب الأولين المأثورة عن أنبيائهم، الذين بشروا به في قديم الدهر وحديثه، كما أخذ الله عليهم الميثاق بذلك، حتى قام آخرهم خطيبًا في ملئه بالبشارة بأحمد: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصف: ٦] والزبر جمع زبور وهو الكتاب، والزبور الكتاب الذي نزل على داود ﵇، ومعنى زبر الأولين: كتب الأولين، ثم قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الشعراء: ١٩٧] أي: أو ليس يكفيهم من الشاهد الصادق على ذلك أن علماء بني إسرائيل يجدون ذكر هذا القرآن في كتبهم التي يدرسونها؟! والمراد: العدول منهم الذين يعترفون بما في أيديهم من صفة محمد ﷺ ومبعثه (٣) كعبد الله بن سلام وغيره) (٤)، وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ (١٩٨) فَقَرَأَهُ عَلَيْهِم مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٨، ١٩٩] أي: إن قريشًا من شدة عنادهم وكفرهم بهذا القرآن أنه لو نزل على رجل من الأعاجم ممن لا يدري من العربية كلمة وأنزل عليه هذا الكتاب ببيانه وفصاحته لا يؤمنون به كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ (١٤) لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ﴾ [الحجر: ١٤، ١٥] وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ٩٦] وقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ (١٢)﴾ [الحجر: ١٢] إلى آخره». قال (ك): يقول تعالى: ﴿كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الشعراء: ٢٠٠] أي:

стр. 1321

كذلك أدخلنا التكذيب والكفر والجحود والعناد في قلوب المجرمين جزاء وفاقًا لما كذبوا به أول مرة فسلكناه في قلوبهم عقابًا لهم وجعلناهم ﴿لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ أي: بالحق الذي كفروا به ﴿حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ حين لا ينفع الظالمين معذرتهم ﴿فَيَأْتِيَهُم بَغْتَةً﴾ أي: عذاب الله ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٢٠٢) فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ﴾ أي: يتمنون لو يؤجلون ليعملوا في زعمهم بطاعة الله، فكل ظالم وفاجر وكافر إذا شاهد عقوبته ندم ندمًا شديدًا، كما حصل لفرعون لعنه الله، ولكن ما ينفع الندم إذا أتى أمر الله. وقوله تعالى: ﴿أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ إنكار عليهم وتهديد لهم، فقد كانوا يكذبون بالعذاب ويستبعدون وقوعه (١). فصل قال محمد تقي الدين: ذكر الله القول بأن القرآن تنزيل رب العالمين، نزل به الروح الأمين على قلب محمد ﷺ ؛ ليكون من المنذرين المحذرين من عذاب الله لكل من خالفه ونبذه وراء ظهره وابتغى الهدى في غيره، وقد جاء في حديث الحارث الأعور عن علي عن النبي ﷺ : «من تركه تجبرًا قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله» (٢)، ونحن اليوم نرى الشعوب التي سعد أسلافها به تتخبط في ظلمات الجهل، وتتقلب في أنواع الشقاء، وتلتمس حل مشاكلها من طرق مسدودة كالالتجاء إلى دول الشرق أو دول الغرب، وهيهات هيهات أن تجد حلًا لمشاكلها، ولا فرجًا لكربتها، إلا في هذا القرآن وسنة من إنزاله الله عليه، وكذلك المقلدون يلتمسون العلم في كتب الفروع التي هي ظلمات بعضها فوق بعض، ويتركون المورد العذب الصافي، وهو كتاب الله وسنة رسوله الكريم، نسأل الله أن يجعلهما شفاء لما في صدورنا من الجهل، ويهدينا بهما صراطه المستقيم.

стр. 1322

سورة النمل الباب الأول قوله تعالى: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿طس تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ (١) هُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ [النمل: ١ - ٣] قال (ك): قد تقدم الكلام في سورة البقرة على الحروف المقطعة في أوائل السور، وقوله تعالى: ﴿تِلْكَ آيَاتُ﴾ أي: هذه آيات ﴿الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ﴾ أي: بين واضح ﴿هُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: هو بشارة وهدى لمن اتبعه وصدقه ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ أي: يقيمون الصلاة المكتوبة ويؤتون الزكاة المفروضة وأيقنوا بالدار الآخرة والبعث بعد الموت والجزاء على الأعمال خيرها وشرها والجنة والنار كما قال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ﴾ الآية [فصلت: ٤٤] (١). فصل قال محمد تقي الدين: أخبرنا الله سبحانه أن آيات القرآن فيها هدى وبشرى، فالهدى يمنع من الضلال في أمور الدين والدنيا، والبشرى تدخل السرور والانشراح على قلوب أهل الإيمان وتظهر نضرتها على وجوههم، كما قال النبي ﷺ : «نضر الله امرءًا سمع مقالتي فوعاها فأداها كما سمعها، فرب مبلغ أوعى من سامع» (٢). وهذا الهدى وهذه البشرى خاصتان بالمؤمنين الذين يصدقون

стр. 1323

كل ما جاء به الرسول بقلوبهم ويعملون الصالحات بجوارحهم، وأهمها إقامة الصلاة؛ أي: وَإكمالها وأداؤها كاملة مستوفية الشروط جامعة للآداب مطابقة لصلاة رسول الله ﷺ ، وهو القائل: «صلوا كما رأيتموني أصلي» (١). وأعظم ركن بعد الصلاة: الزكاة، وهما متلازمتان لا تتم إحداهما بدون الأخرى، ولذلك قرنهما الله تعالى في أكثر المواضع التي جرى ذكر إحداهما فيها، ثم وصفهم بوصف آخر وهو أصل كل صفة، وذلك إيقانهم المتجدد الذي لا ينقطع بالآخرة وهي دار الجزاء، ولا شك أن جامع هذه الأوصاف يكون متبعًا للرسول لا مقلدًا ولا متمذهبًا ولا صاحب طريقة ولا حزب إلا حزب الله ﴿أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [المجادلة: ٢٢]. الباب الثاني قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (٧٦) وَإِنَّهُ لهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (٧٧) إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُم بِحُكْمِهِ، وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ (٧٨) فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ (٧٩) إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ (٨٠) وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [النمل: ٧٦ - ٨١]. قال (ك): «يخبر الله تعالى عن كتابه العزيز، وما اشتمل عليه من الهدى والبيان والفرقان، أنه يقص على بني إسرائيل وهم حملة التوراة والإنجيل، ﴿أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ كاختلافهم في عيسى فاليهود افتروا، والنصارى غلوا، فجاء القرآن بالقول الوسط الحق العدل أنه عبد من عباد الله وأنبيائه ورسله الكرام، عليهم (٢) أفضل الصلاة والسلام كما قال تعالى: ﴿ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ

стр. 1324

قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ [مريم: ٣٤] وقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ﴾ أي يوم القيامة ﴿بِحُكْمِهِ، وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ أي: في انتقامه ﴿الْعَلِيمُ﴾ بأفعال عباده وأقوالهم ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ أي: في جميع أمورك وبلغ رسالة ربك ﴿إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ﴾ وإن خالفك الكافرون الذين لا يؤمنون ولو جاءتهم كل آية. ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ لأن حالهم في عدم سماع الحق يشبه حال الموتى الذين تعطل سمعهم بالموت، ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ (٨٠) وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ﴾ أي: إنما يستجيب لك من ينفعه سمعه وبصره الخاضع الله، ولما جاء عنه على ألسنة الرسل الكرام على نبينا وعليهم أفضل الصلاة وأتم السلام (١). فصل قال محمد تقي الدين: قد أجاد الحافظ ابن كثير الله في تفسير هذه الآيات، وغرضي أنا منها قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾، إن القرآن في هذا الزمان يقرأ ويحفظ أكثر مما كان يقرأ ويحفظ في زمان النبي ﷺ والصحابة أضعافًا مضاعفة، ولكن هل يحصل به من الهدى والرحمة ما كان يحصل به في ذلك الزمان؟ الجواب: لا ثم لا؛ لأنه في ذلك الزمان كان تعلمه الله وقراءته الله مصحوبة بتدبر وخشوع يعمل به ويحكم به ويتأدب بأدبه، وفي هذا الزمان عكس ذلك، فالانتفاع بالقرآن كالانتفاع بالدواء، إذا استعمل حسب ما وصف الطبيب وتجنب المريض ما نهاه عنه طبيبه من المأكولات والمشروبات نفعه الدواء، وإذا استعمله على خلاف ذلك لا ينفعه بل يضره وقد جاء في الخبر: «رب قارئ للقرآن والقرآن يلعنه» (٢). وذلك واضح في الظالم الذي يقرأ القرآن فيقرأ فيه ﴿أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود: ٨] وفي الكاذب الذي يقرأ القرآن فيقرأ فيه: ﴿ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾ [آل عمران: ٦١] وفي الذي يقرأ القرآن ولا يأمر بمعروف ولا ينهى عن منكر فيقرأ فيه ﴿لُعِنَ الَّذِينَ

стр. 1325

كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (٧٨) كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ﴾ [المائدة: ٧٨، ٧٩]. وقد قال النبي ﷺ : «لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليلعننكم الله كما لعنهم (١)». وفي الوقت الذي استولى المستعمرون على المغرب بأسره، كان القرآن يختم في كل شهر آلاف المرات، فلم ينفع المغاربة شيئًا، بل هزموا شر هزيمة واستولى عليهم أعداؤهم واستمر استيلاؤهم عشرات السنين، ولو كان القرآن يقرأ فيهم كما كان يقرأ في زمان النبي ﷺ وأصحابه لما قدر أولئك الأعداء أن يستولوا عليهم، ومن ذلك نعلم أن القرآن يكون هدى ورحمة للمؤمنين الذين يتعلمونه الله، ويعلمونه الله، ويعملون به، ويجعلونه إمامًا وحكمًا ويتأدبون بآدابه، ويستضيؤون بنوره، وإلا كانوا كالذين قال الله تعالى فيهم: ﴿كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ (٢٠٠) لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٢٠١) فَيَأْتِيَهُم بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٢٠٢) فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٠ - ٢٠٣] وهيهات هيهات! لا ينظرون والمقلد مع القدرة على معرفة الدليل أو معرفته بالفعل والإعراض عنه لا ينال من هدى القرآن ورحمته شيئًا، وكذلك المبتدع والحاكم الذي يحكم بخلاف ما في القرآن فنيل الهدى والرحمة متوقف على الإيمان والعمل. الباب الثالث قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٩١) وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنذِرِينَ (٩٢) وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [النمل: ٩١ - ٩٣]. يخبر الله تعالى رسوله ويأمره أن يقول: ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ﴾ كما قال تعالى: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلَا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ﴾ وإضافة الربوبية إلى البلدة على سبيل التشريف لها والاعتناء بها، كما قال تعالى: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ﴾ [قريش: ٣] وقوله تعالى: ﴿الَّذِي حَرَّمَهَا﴾ أي: هو

стр. 1326

الذي حرمها فصارت حرامًا شرعًا وقدرًا، كما ثبت في «الصحيحين» عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ يوم فتح مكة: «إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السموات والأرض، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، لا يعضد شوكه، ولا ينفر صيده ولا تلتقط لقطته إلا من عرفها ولا يختلى خلاه» (١). وقد ثبت في الصحاح والحسان والمسانيد من طرق جماعة تفيد القطع، كما هو مبين في موضعه من كتاب (الأحكام)، ولله الحمد والمنة. وقوله تعالى: ﴿وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ﴾ من باب عطف العام على الخاص، أي: هو رب هذه البلدة ورب كل شيء ومليكه لا إله إلا هو ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ أي: الموحدين المطيعين له، وقوله تعالى: ﴿وَأَنْ أَتْلُو الْقُرْآنَ﴾ أي: على الناس أبلغهم إياه ﴿فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنذِرِينَ﴾ أي: لي أسوة بالرسل الذين أنذروا قومهم وقاموا بما عليهم من أداء الرسالة إليهم، وحساب أممهم على الله تعالى، كقوله تعالى: ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ﴾ [الرعد: ٤٠] وقوله تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا﴾ أي: الله الحمد الذي لا يعذب أحدًا إلا بعد قيام الحجة عليه، والإنذار إليه، كقوله تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ﴾ [فصلت: ٥٣] وقوله تعالى: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ أي: بل هو شهيد على كل شيء. قال ابن أبي حاتم عن أبي هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ : «يا أيها الناس لا يَغْتَرنَّ أحدكم بالله، فإن الله لو كان غافلًا شيئًا لأغفل البعوضة والخردلة والذرة» (٢). وقد ذكر عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى أنه كان ينشد هذين البيتين (٣) - إما له وإما لغيره -: إذا ما خلوت الدهر يومًا، فلا تَقُلْ: … خَلَوتُ ولكن قُلْ: علي رقيب ولا تحسبن الله يغفل ساعةً … ولا أن ما تُخفي عليه يغيب (٤)

стр. 1327

فصل قال محمد تقي الدين: محل الشاهد هنا هو قوله تعالى: ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٩١) وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ﴾ وأما دلالتها على التوحيد فقد تقدمت في (القسم الأول). والمراد بالإسلام هنا: الانقياد لطاعة الله وحده لا شريك له، والمراد بتلاوة القرآن: العمل به واتباع ما أنزل الله وعدم الخروج عنه، وقد أنذر النبي ﷺ أمته وحذرهم من معصية الله ومخالفة القرآن والسنة، فإن في خلافهما خزي الدنيا وعذاب الآخرة، كما أن في اتباعهما سعادة الدنيا والآخرة، والمقلد يمتنع من اتباعهما، إلا عندما يوافقان مذهب إمامه الذي اتخذه إلها من دون الله، يحلل ويحرم بقوله، ويوالي ويعادي لأجله، ونعوذ بالله من الخذلان.

стр. 1328

سورة القصص الباب الأول قوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [القصص: ٥٠] قال (ك): أي: إن لم يتبعوا الحق. ﴿فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ﴾ بلا دليل ولا حجة ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللهِ﴾ أي: بغير حجة من كتاب الله ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ (١). قال الإمام المحقق محمد صديق حسن القنوجي في كتابه «الدين الخالص» (٣/ ٥٠) ما نصه: «لا تقليد في الدين الإسلامي». يشير إلى قول نبينا محمد ﷺ : «لو كان موسى حيًا ما وسعه إلا اتباعي، ولو كان موسى حيًا واتبعتموه وتركتموني؛ لضللتم، أنا حظكم من الأنبياء، وأنتم حظي من الأمم» (٢).

стр. 1329

«وهذا الحديث نص قاطع وبرهان ساطع على رد التقليد؛ لأنه إذا لم يسع موسى النبي ﷺ إلا اتباعه ﷺ ، فمن ذاك الذي يجب تقليده واتباعه في الدين؟ وفي لفظة: «البيضاء النقية» (١) إشارة إلى أن أحكامها لا تحتاج إلى مزيد إيضاح بإلحاق الأقيسة والآراء، وضم التفاريع المبنية على الأهواء؛ لأنها إذا كانت محتاجة إلى ذلك، فلا يصح القصر عليها. وإنما يستقيم اتباعها إذا ثبت كونها كاملة (٢) واضحة غير خفية، وهي كذلك ولله الحمد. ويؤيده قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]. فهذا الملة الحنيفية السمحة السهلة البيضاء النقية، أدلتها وافية كافية شافية لفصل جميع الخصومات وقطع المنازعات، وقضايا الحوادث [الآتية] (٣)، بعموماتها وخصوصاتها، لا ملجأ لعارفها إلى إدراك ما قرره أهل الرأي، وحرره أصحاب البدع والأهواء. ولولا ذلك لما قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩] ثم قيده بقوله: ﴿إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ فأفاد أن الرد عند التنازع إلى غيرهما مناف للإيمان، ولهذا قال: ﴿ذَلِكَ﴾ أي: الرد ﴿خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾. إنك يا مسكين! إذا تأملت في صنائع أهل الرأي والهوى أدركت أن كل آفة وقعت في الإسلام، وكل غربة جاءت فيه إنما نشأت من عدم الرد إلى الله ورسوله، والرد إلى الأحبار والرهبان، وتقديم أقوالهم على الآيات البينات والأحاديث الصحيحات، بنوع من التحريف والتأويل والانتحال، اللهم وفقنا لصالح الأعمال، وجنبنا عما يهلكنا في الحال، أو في المال. وفي حديث جابر أن عمر بن الخطاب ﵁ أتى رسول الله ﷺ بنسخة من

стр. 1330

التوراة (١)، فسكت، فجعل يقرأ ووجه الرسول ﷺ يتغير، فقال أبو بكر: ثكلتك الثواكل! أما ترى ما بوجه رسول الله ﷺ ؟ فنظر عمر إلى وجه رسول الله ﷺ فقال: «أعوذ بالله من غضب الله وغضب رسوله، رضينا بالله ربًا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد نبيًا». فقال رسول الله ﷺ : «والذي نفس محمد بيده، لو بدا لكم موسى فاتبعتموه وتركتموني، لضللتم عن سواء السبيل، ولو كان حيًّا وأدرك نبوتي، لاتبعني (٢) رواه الدارمي (٣). وهذا أوضح من الأول، وفيه القضاء بالضلال على من تبع غير رسول الله ﷺ ولو كان في أعلى مرتبة من النبوة، فكيف باتباع من ليس بنبي، ولا برسول؛ بل من آحاد الأمة، وهو متعبد بكتاب الله وسنة رسوله كغيره من العباد، مثل أئمة المذاهب (٤) الأربعة وغيرهم من الأحبار والرهبان؟ وهذا يفيد أن تقليد الرجال، واتباع القيل والقال، ضلال وجهل ووبال، ولا يجوز لأحد أن يقلد أحدًا في شيء، حتى يوافق قوله قول الرسول المعصوم من الخطأ. فيكون اتباعه له في الحقيقة اتباع الدليل، لا تقليد ذلك الإمام الجليل، وحيث إن أكثر الناس الجهلة لا يعلمون الفرق بين التقليد والاتباع، يطعنون في العاملين بالحديث على قبول الدليل الذي ذكره أحد من أئمة الحديث وفقه السنة، ولا يدرون أن بين قبول الرأي وقبول الرواية بونًا بعيدًا، ومن لم يفرق بينهما، فليس أهلًا للخطاب، والله أعلم بالصواب» (٥). قال محمد تقي الدين: لقد أجاد هذا الإمام الجليل في الرد على المقلدين، ﴿الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [الروم: ٣٢].

стр. 1331

سورة العنكبوت الباب الأول قوله تعالى: ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٥] قال (ك): «يقول (١) تعالى أمرًا رسوله والمؤمنين بتلاوة القرآن وهو قراءته وإبلاغه للناس ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾؛ يعني: إن الصلاة تشتمل على شيئين: على ترك الفواحش، والمنكرات، أي: إن (٢) مواظبتها تحمل على ترك ذلك، وقد جاء في الحديث من رواية عمران وابن عباس مرفوعًا «من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم تزده من الله إلا بعدًا»» (٣). وقال ابن جرير بسنده عن عبد الله بن ربيعة قال: قال لي ابن عباس هل تدري ما قوله تعالى: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾؟ قال: قلت: نعم، قال: فما هو؟ قلت: التسبيح والتحميد والتكبير في الصلاة وقراءة القرآن ونحو ذلك، قال: «لقد قلت قولًا عجيبًا وما هو كذلك، ولكنه إنما يقول: ذكر الله إياكم عِنْدَ ما أمر به أو نهى عنه إذا ذكرتموه أكبر من ذكركم إياه (٤)، وقد روي هذا من غير وجه عن

стр. 1332

ابن عباس وغيره (١). ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ أي: يعلم كل ما تفعلونه وسوف يجزيكم عليه؛ إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشر (٢)، ومن ذلك تلاوة القرآن والعمل به وتبليغه وإقامة الصلاة وأداؤها على الوجه الأكمل، المطابق لفعل النبي ﷺ لقوله: «وصلوا كما رأيتموني أصلي» (٣). فصل قال محمد تقي الدين: أمر الله سبحانه نبيه محمدًا بتلاوة القرآن وبيانه للناس كما تقدم في قوله تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (٤)﴾ [النحل: ٤٤] وأمره باتباعه في قوله سبحانه: ﴿اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ١٠٦] وأمره بالتمسك به في قوله: ﴿فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٤٣) وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ﴾ [الزخرف: ٤٣، ٤٤] وأمره بالحكم به في قوله: ﴿وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللهُ إِلَيْكَ﴾ [المائدة: ٤٩] وأمر الناس كلهم باتباع القرآن فقال: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُم مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ٣] واتباع القرآن مع بيان الرسول ﷺ - وهو السنة - شرط في سعادة الدنيا والآخرة، ومن لم يتبعه كان شقيًا في الدنيا والآخرة إذا بلغه وقامت عليه الحجة، وهناك أمور كثيرة تحول دون اتباعه منها الجهل والغفلة وعدم الإيمان أو ضعفه، ومنها اتباع الرؤساء المضلين، ومنها التقليد والمذهب واتخاذ الطرائق المضلة ورفقاء السوء والأحزاب الناكبة عن الصراط المستقيم، فالسعيد الموفق هو الذي يرضى بالغربة ويتمسك بالقرآن والسنة ويأمر أهله بذلك كما قال تعالى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ [طه: ١٣٢] ولا يبالي بضلال الناس ولو بقي وحده، والهدى بيد الله. قال المحقق القنوجي في «الدين الخالص» (٣/ ٦٠) ما نصه:

стр. 1333

ونظيره (١) اليوم بدعة التقليد فإنه منذ أحدثه الأقوام، نزع الله منهم سنة الاتباع الذي أمروا به، ثم لم يعدها (٢) إليهم إلى الآن ولا عبرة بشرذمة قليلة من القبائل الشاذة الفاذة، فإن الحكم للأكثر، وللأكثر حكم الكل. ولا شك أن المقلدين أكثر والمحدثين أقل ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ ولا تعجبك كثرة الخبث (٣). وعن ابن مسعود ﵁ قال: «من كان مستنًا - أي يريد السلوك على الصراط السوي وسواء السبيل والطريق القويم والهدي المستقيم - فليستن بمن قد مات - أي: يقتدي بالميتين على الإسلام والعلم والعمل - فإنَّ الحي لا تؤمن عليه الفتنة» (٤). قال في «الأشعة» (٥): هذا القول قاله ابن مسعود في زمانه للتابعين، ونصحهم، وأراد بمن مات: الصحابة، وبالحي: أهل زمنه غير الصحابة، «أولئك أصحاب محمد ﷺ ، كانوا أفضل هذه الأمة» (٦) ممن سواهم «وأبرها قلوبًا، وأعمقها علمًا» أي أكثرها غورًا من جهة العلم النافع، «وأدقها فهمًا» في اتباع الكتاب والسنة «وأقلها تكلفًا» أي: تصنعًا ورياء وسمعة ومراعاة للرسوم والعادات المتعارفة بين الناس، قال تعالى في رسوله ﷺ : ﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ [ص: ٨٦]. «اختارهم الله لصحبة نبيه، ولإقامة دينه»، وهذا يدل على أفضليتهم وأكمليتهم؛ لأن الله لما اصطفاهم من بين الخلق أجمعين، وجعلهم أصحاب نبيه ﷺ على أنهم أفضل الخلائق، وأخيار الأمة، وجواهر نفوسهم أليق وأحرى.

стр. 1334

بانعكاس أنوار الهداية والإيمان كما قال تعالى في القرآن: ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا﴾ [الفتح: ٢٦]. وقد وردت أحاديث في اصطفاء الصحابة واختيارهم على من سواهم، لصحبة نبيه ﷺ . فالويل كل الويل لمن يسبهم ويشتمهم، ولا يعرف فضلهم، كالرافضة ومن ضاهاهم في هذه الصفة الملعونة. «فاعرفوا لهم فضلهم، واتبعوهم على أثرهم» أي: في العلم النافع والعمل الصالح وإخلاص التوحيد ومحض الاتباع السديد، «وتمسكوا بما استطعتم من أخلاقهم وسيرهم، فإنهم كانوا على الهدى المستقيم»؛ لأنهم كانوا أتباع الرسول الكريم، في كل نقير وقطمير، وحقير وجليل ووضيع وعظيم. رواه رزين (١). وفي هذا الحديث: دليل على إيثار آثار الصحابة والتمسك بأخلاقهم المرضية وسيرهم على السنة الصحيحة المأثورة، ولا شك أنهم أحق بذلك بعد الاعتصام بأدلة الكتاب والسنة. ثم الأمثل فالأمثل. والتمسك غير التقليد لغة واصطلاحا، وكذلك الاقتداء، ولهذا قال تعالى لرسوله ﷺ : ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠]. ولم أقف على قول لعالم يعتمد عليه، أنه فسر هذه الألفاظ بالتقليد، بل فيه إشارة إلى ترك تقليد الرجال؛ لأن ابن مسعود حصر التمسك فيهم، ولم يرشد إلى التمسك بمن بعدهم من أئمة الأمة، فخرج بذلك تقليدات الأئمة الأربعة الفقهاء، الكائنين بعد عصر الصحابة، ولهذا نهى الأربعة (٢) المذكورون عن تقليدهم، وتقليد غيرهم، لا سيما أبو حنيفة (٣). كيف؟! وهو يقتدي بروايات ابن مسعود، في كثير من فتاواه، ولا ينبغي له أن يخالفه في هذه الفتوى. ولهذا روي عنه رحمه الله تعالى أنه قال: «ما جاء عن الصحابة فعلى

стр. 1335

الرأس والعين، وما جاء عن التابعين زاحمناهم، فإنهم رجال، ونحن رجال (١). وهذا القول من ذاك الإمام (٢) أدل دليل على ترك التقليد، وإرشاد منه لغيره إليه، وهو اللائق بإمامته (٣)، بل هذا من علامات إمامة الأئمة، وعلى هذا درج سلف هذه الأمة وأئمتها قاطبة، ولم يخالفهم أحد إلا من لا يعتد به ولا يلتفت إليه، من أفراخ الرأي، وأبناء البدع، وأصحاب الجدل وأرباب الجهل، ومقلّدة دينهم الأحبار والرهبان، عافانا الله من ذلك (٤). وعن سهل بن سعد قال: قال رسول الله ﷺ : «إني فرطكم على الحوض» (٥)، «الفرط» بفتحتين: الفارط المتقدم إلى المنزل؛ لإصلاح الحياض والدلاء والأرشية، أي أنا سابقكم المهيئ (٦) لكم «من مر علي شرب» من الحوض ومن شرب لم يظمأ أبدًا، ليردن علي أقوام أعرفهم ويعرفونني قيل: لعلهم الذين قال فيهم أصحابي ثم يحال بيني وبينهم فأقول: سحقًا سحقًا لمن غير بعدي أي: بعدًا أو هلاكًا. متفق عليه (٧). وفي حديث ابن عباس ﵁ عن النبي ﷺ : «إن أناسًا من أصحابي يؤخذ بهم ذات الشمال (٨) فأقول: أصيحابي أصيحابي - على صيغة جمع القلة والتصغير لقلة عددهم - فيقول - أي الله سبحانه -: إنهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم. فأقول كما قال العبد الصالح - أي عيسى معتذرًا (٩) -: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ﴾ … إِلَى قَوْلِهِ ﴿الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة: ١١٧ - ١١٨] متفق عليه (١٠). وتمام الآية ﴿فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (١١٧) إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾.
следующие страницы →