← Акыда

Акыда · id 30197

سبيل الرشاد في هدي خير العباد

محمد تقي الدين الهلالي

Полный текст (2 277 стр.). Показаны 1331–1370 · переход к 1336.

стр. 1331

سورة العنكبوت الباب الأول قوله تعالى: ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٥] قال (ك): «يقول (١) تعالى أمرًا رسوله والمؤمنين بتلاوة القرآن وهو قراءته وإبلاغه للناس ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾؛ يعني: إن الصلاة تشتمل على شيئين: على ترك الفواحش، والمنكرات، أي: إن (٢) مواظبتها تحمل على ترك ذلك، وقد جاء في الحديث من رواية عمران وابن عباس مرفوعًا «من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم تزده من الله إلا بعدًا»» (٣). وقال ابن جرير بسنده عن عبد الله بن ربيعة قال: قال لي ابن عباس هل تدري ما قوله تعالى: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾؟ قال: قلت: نعم، قال: فما هو؟ قلت: التسبيح والتحميد والتكبير في الصلاة وقراءة القرآن ونحو ذلك، قال: «لقد قلت قولًا عجيبًا وما هو كذلك، ولكنه إنما يقول: ذكر الله إياكم عِنْدَ ما أمر به أو نهى عنه إذا ذكرتموه أكبر من ذكركم إياه (٤)، وقد روي هذا من غير وجه عن

стр. 1332

ابن عباس وغيره (١). ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ أي: يعلم كل ما تفعلونه وسوف يجزيكم عليه؛ إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشر (٢)، ومن ذلك تلاوة القرآن والعمل به وتبليغه وإقامة الصلاة وأداؤها على الوجه الأكمل، المطابق لفعل النبي ﷺ لقوله: «وصلوا كما رأيتموني أصلي» (٣). فصل قال محمد تقي الدين: أمر الله سبحانه نبيه محمدًا بتلاوة القرآن وبيانه للناس كما تقدم في قوله تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (٤)﴾ [النحل: ٤٤] وأمره باتباعه في قوله سبحانه: ﴿اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ١٠٦] وأمره بالتمسك به في قوله: ﴿فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٤٣) وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ﴾ [الزخرف: ٤٣، ٤٤] وأمره بالحكم به في قوله: ﴿وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللهُ إِلَيْكَ﴾ [المائدة: ٤٩] وأمر الناس كلهم باتباع القرآن فقال: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُم مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ٣] واتباع القرآن مع بيان الرسول ﷺ - وهو السنة - شرط في سعادة الدنيا والآخرة، ومن لم يتبعه كان شقيًا في الدنيا والآخرة إذا بلغه وقامت عليه الحجة، وهناك أمور كثيرة تحول دون اتباعه منها الجهل والغفلة وعدم الإيمان أو ضعفه، ومنها اتباع الرؤساء المضلين، ومنها التقليد والمذهب واتخاذ الطرائق المضلة ورفقاء السوء والأحزاب الناكبة عن الصراط المستقيم، فالسعيد الموفق هو الذي يرضى بالغربة ويتمسك بالقرآن والسنة ويأمر أهله بذلك كما قال تعالى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ [طه: ١٣٢] ولا يبالي بضلال الناس ولو بقي وحده، والهدى بيد الله. قال المحقق القنوجي في «الدين الخالص» (٣/ ٦٠) ما نصه:

стр. 1333

ونظيره (١) اليوم بدعة التقليد فإنه منذ أحدثه الأقوام، نزع الله منهم سنة الاتباع الذي أمروا به، ثم لم يعدها (٢) إليهم إلى الآن ولا عبرة بشرذمة قليلة من القبائل الشاذة الفاذة، فإن الحكم للأكثر، وللأكثر حكم الكل. ولا شك أن المقلدين أكثر والمحدثين أقل ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ ولا تعجبك كثرة الخبث (٣). وعن ابن مسعود ﵁ قال: «من كان مستنًا - أي يريد السلوك على الصراط السوي وسواء السبيل والطريق القويم والهدي المستقيم - فليستن بمن قد مات - أي: يقتدي بالميتين على الإسلام والعلم والعمل - فإنَّ الحي لا تؤمن عليه الفتنة» (٤). قال في «الأشعة» (٥): هذا القول قاله ابن مسعود في زمانه للتابعين، ونصحهم، وأراد بمن مات: الصحابة، وبالحي: أهل زمنه غير الصحابة، «أولئك أصحاب محمد ﷺ ، كانوا أفضل هذه الأمة» (٦) ممن سواهم «وأبرها قلوبًا، وأعمقها علمًا» أي أكثرها غورًا من جهة العلم النافع، «وأدقها فهمًا» في اتباع الكتاب والسنة «وأقلها تكلفًا» أي: تصنعًا ورياء وسمعة ومراعاة للرسوم والعادات المتعارفة بين الناس، قال تعالى في رسوله ﷺ : ﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ [ص: ٨٦]. «اختارهم الله لصحبة نبيه، ولإقامة دينه»، وهذا يدل على أفضليتهم وأكمليتهم؛ لأن الله لما اصطفاهم من بين الخلق أجمعين، وجعلهم أصحاب نبيه ﷺ على أنهم أفضل الخلائق، وأخيار الأمة، وجواهر نفوسهم أليق وأحرى.

стр. 1334

بانعكاس أنوار الهداية والإيمان كما قال تعالى في القرآن: ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا﴾ [الفتح: ٢٦]. وقد وردت أحاديث في اصطفاء الصحابة واختيارهم على من سواهم، لصحبة نبيه ﷺ . فالويل كل الويل لمن يسبهم ويشتمهم، ولا يعرف فضلهم، كالرافضة ومن ضاهاهم في هذه الصفة الملعونة. «فاعرفوا لهم فضلهم، واتبعوهم على أثرهم» أي: في العلم النافع والعمل الصالح وإخلاص التوحيد ومحض الاتباع السديد، «وتمسكوا بما استطعتم من أخلاقهم وسيرهم، فإنهم كانوا على الهدى المستقيم»؛ لأنهم كانوا أتباع الرسول الكريم، في كل نقير وقطمير، وحقير وجليل ووضيع وعظيم. رواه رزين (١). وفي هذا الحديث: دليل على إيثار آثار الصحابة والتمسك بأخلاقهم المرضية وسيرهم على السنة الصحيحة المأثورة، ولا شك أنهم أحق بذلك بعد الاعتصام بأدلة الكتاب والسنة. ثم الأمثل فالأمثل. والتمسك غير التقليد لغة واصطلاحا، وكذلك الاقتداء، ولهذا قال تعالى لرسوله ﷺ : ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠]. ولم أقف على قول لعالم يعتمد عليه، أنه فسر هذه الألفاظ بالتقليد، بل فيه إشارة إلى ترك تقليد الرجال؛ لأن ابن مسعود حصر التمسك فيهم، ولم يرشد إلى التمسك بمن بعدهم من أئمة الأمة، فخرج بذلك تقليدات الأئمة الأربعة الفقهاء، الكائنين بعد عصر الصحابة، ولهذا نهى الأربعة (٢) المذكورون عن تقليدهم، وتقليد غيرهم، لا سيما أبو حنيفة (٣). كيف؟! وهو يقتدي بروايات ابن مسعود، في كثير من فتاواه، ولا ينبغي له أن يخالفه في هذه الفتوى. ولهذا روي عنه رحمه الله تعالى أنه قال: «ما جاء عن الصحابة فعلى

стр. 1335

الرأس والعين، وما جاء عن التابعين زاحمناهم، فإنهم رجال، ونحن رجال (١). وهذا القول من ذاك الإمام (٢) أدل دليل على ترك التقليد، وإرشاد منه لغيره إليه، وهو اللائق بإمامته (٣)، بل هذا من علامات إمامة الأئمة، وعلى هذا درج سلف هذه الأمة وأئمتها قاطبة، ولم يخالفهم أحد إلا من لا يعتد به ولا يلتفت إليه، من أفراخ الرأي، وأبناء البدع، وأصحاب الجدل وأرباب الجهل، ومقلّدة دينهم الأحبار والرهبان، عافانا الله من ذلك (٤). وعن سهل بن سعد قال: قال رسول الله ﷺ : «إني فرطكم على الحوض» (٥)، «الفرط» بفتحتين: الفارط المتقدم إلى المنزل؛ لإصلاح الحياض والدلاء والأرشية، أي أنا سابقكم المهيئ (٦) لكم «من مر علي شرب» من الحوض ومن شرب لم يظمأ أبدًا، ليردن علي أقوام أعرفهم ويعرفونني قيل: لعلهم الذين قال فيهم أصحابي ثم يحال بيني وبينهم فأقول: سحقًا سحقًا لمن غير بعدي أي: بعدًا أو هلاكًا. متفق عليه (٧). وفي حديث ابن عباس ﵁ عن النبي ﷺ : «إن أناسًا من أصحابي يؤخذ بهم ذات الشمال (٨) فأقول: أصيحابي أصيحابي - على صيغة جمع القلة والتصغير لقلة عددهم - فيقول - أي الله سبحانه -: إنهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم. فأقول كما قال العبد الصالح - أي عيسى معتذرًا (٩) -: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ﴾ … إِلَى قَوْلِهِ ﴿الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة: ١١٧ - ١١٨] متفق عليه (١٠). وتمام الآية ﴿فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (١١٧) إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾.

стр. 1336

قال في «أشعة اللمعات»: «قالوا: ليس المراد بهذا خواص الأصحاب، لأنا نعلم - يقينًا - أنه لم يرتد أحد منهم بعد النبي ﷺ إلا قوم من جفاة العرب من أصحاب (مسيلمة الكذاب) و (الأسود العنسي) (١) أو بعض مؤلفة القلوب الذي لم تكن لهم بصيرة بالدين ولا قوة في الإيمان. أو المراد بالردة: خروج عن حد الاستقامة في بعض الحقوق، وإصلاح السريرة في بعض الأمور (٢)، ورعاية أهل البيت في التأدب معهم للابتلاء بالدنيا والفتن؛ لأن النبي ﷺ قال: «لا أخاف عليكم الكفر وعبادة الأوثان، إنما أخاف عليكم الدنيا وآفاتها» (٣) كذا قالوا، لا رجوعهم عن دين الإسلام». انتهى. وبالجملة قد دلّ الحديث على نفي علم الغيب عنه ﷺ لقوله: «لا تدري» ودلّ على وقوع الإحداث بعده (٤)، لأن الحديث الثاني زاده إيضاحًا بقوله: «أصيحابي» حيث إن كل من رأى النبي ﷺ لحظة، وأسلم، يطلق عليه لفظ (الصاحب) صح أن بعض من كان صاحبًا بهذه الصفة أحدث شيئًا بعد النبي ﷺ لعدم رسوخه في الإسلام، وهذا خاص بمثل هؤلاء الأصيحاب. ومن عمم الحديث فيهم فقد غلط غلطًا بينًا؛ لأن نفس الحديث يرد عليه مراده هذا، كالرافضة قاتلهم الله، فإنهم تعلقوا بهذا الحديث في إثبات ردّة أكابر الصحابة، لا سيما الراشدين منهم، ولا حجة لهم (٥) في ذلك، والحديث دل أيضًا على الدعاء على أهل الإحداث وهو ضد الاتباع، «وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار» (٦). ودل الاستشهاد في الحديث الثاني بقول العبد الصالح المذكور، على أن عيسى ﷺ كان عبدًا ولم يكن يعلم الغيب. وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى» أي: امتنع من قبول ما جئت به كأهل البدع، من التقليد وغيره،

стр. 1337

فإنهم أبوا أن يتبعوا الكتاب والسنة، وتمسكوا في مقابلته بالتفريعات المحدثة، والتخريجات المبتدعة، واتخذوها دينًا. قيل: ومن أبى؟ قال: «من أطاعني» باتباع سنتي والاعتصام بكتاب الله «دخل الجنة، ومن عصاني ولم يعمل بما جئت به من القرآن والحديث فقد أبى» رواه البخاري (١). قال في الترجمة: أي عصاني بإيثار البدعة واتباع هوى النفس، فقد عصى (٢) ولا يدخل الجنة. اهـ. وهذا ظاهر في عدم دخول المبتدعة (٣) الجنة، وفي ذلك من الوعيد ما لا يقدر قدره؟ وبهذا تقرر أن الابتداع عصيان للرسول، كما أن الاتباع طاعة له ﵇، وقد قال تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [المائدة: ٩٢]. وفي حديث أنس مرفوعًا في قصة ثلاث (٤) رهط: «أما والله، إني لأخشاكم الله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني». متفق عليه (٥). أي: من أعرض عن سنتي استهانة، وزهدًا، فليس من أشياعي، وكل من لا يتبع السنة فإنه مستهين بها زاهد فيها (٦).

стр. 1338

سورة الروم الباب الأول : قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَلَئِنْ جِئْتَهُم بِآيَةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ أَنتُمْ إِلَّا مُبْطِلُونَ (٥٨) كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (٥٩) فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ﴾ [الروم: ٥٨ - ٦٠] قال (ك): يقول تعالى: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ﴾ أي: قد بينا لهم الحق ووضحناه لهم وضربنا لهم فيه الأمثال ليستبينوا الحق ويتبعوه ﴿وَلَئِنْ جِئْتَهُم بِآيَةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ أَنتُمْ إِلَّا مُبْطِلُونَ﴾ أي: لو رأوا أي آية كانت، سواء (١) باقتراحهم أو غيره لا يؤمنون بها ويعتقدون أنها سحر وباطل كما قالوا في انشقاق القمر ونحوه، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ [يونس: ٩٦، ٩٧]. ولهذا قال ههنا: ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (٥٩) فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ أي: اصبر على مخالفتهم وعنادهم فإن الله تعالى منجز لك ما وعدك من نصره إياك [عليهم] (٢) وجعله العاقبة لك ولمن اتبعك في الدنيا والآخرة ﴿وَلَا يَسْتَخِفَنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ﴾ أي: بل اثبت على ما بعثك الله به، فإنه الحق الذي لا مرية فيه ولا تعدل عنه، وليس فيما سواه هدى يتبع بل الحق كله منحصر فيه، قال سعيد عن قتادة: نادى رجل من الخوارج عليًا ﵁ وهو في صلاة الغداة فقال: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الزمر: ٦٥] فأنصت له علي حتى فهم!

стр. 1339

ما قاله (١) فأجابه وهو في الصلاة ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ﴾ (٢). رواه ابن جرير وابن أبي حاتم (٣). فصل قال محمد تقي الدين: تقدم في الأبواب السابقة أن القرآن سبب السعادة في الدنيا والآخرة لكل من بلغه واعتقد صدقه وعمل به، وبيانه في سنة الرسول ﷺ ، ومن أعرض عنه فهو خاسر في الدنيا والآخرة. قال القنوجي في «الدين الخالص»: «عن أبي موسى قال: قال رسول الله ﷺ : مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم، كمثل الغيث الكثير، أصاب أرضًا، فكانت منها طائفة طيبة قبلت الماء، فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكانت منها أجادب أمسكت الماء، فنفع الله به الناس فشربوا وسقوا وزرعوا، وأصاب منها طائفة أخرى إنما هي قيعان، لا تمسك ماء، ولا تنبت كلًا، فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه ما بعثني الله به، فعلم وعلم، ومثل من لم يرفع بذلك رأسًا، ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به» (٤). متفق عليه. و «الأجادب»: الأراضي الصلبة المنخفضة التي تمسك الماء. و «الكلا» بالكاف واللام المفتوحتين مهموزًا هو على زنة جبل، يقع على الرطب واليابس، و «العشب بالضم الرطب، والقيعان» جمع «قاع» وهي الأرض المستوية. ذكر في هذا الحديث أن الناس قسمان منتفع بدينه وغير منتفع به، وكذلك الأرض على قسمين: منتفعة بالماء، وغير منتفعة به، والمنتفعة نوعان: منبت: وغير منبت.

стр. 1340

وكذلك المنتفع بالدين على صنفين: أحدهما: عالم عابد متفقه، متفهم معلم، كالطائفة الطيبة من الأرض التي قبلت الماء وأنبتت الكلأ ونفع الله بها الناس. والثاني: عالم معلم غير متعبد بالنوافل لم يتفقه فيما جمع من العلم كالأرض الجدبة التي أمسكت الماء وانتفع به الناس. وأما من لم يرفع رأسه، ولم يلتفت إلى العلم قطعا، أو التفت ولم يعمل به مطلقا ولم يعلم أحدا، سواء دخل في الدين أو لم يدخل، وبقي كافرا، فهو كالقاع لم يمسك ماء، ولم ينبت كلا، هذا خلاصة ما ذكره شراح «صحيح البخاري» (١). قال في الترجمة: ويمكن أن يقال: إن القسم الأول عبارة عمن تعلم واجتهد، واستنبط المعاني والنكات والأسرار وشرح وبين كالفقهاء المجتهدين، والعلماء المتقنين (٢) المحققين، فإنهم كالأرض المنبتة للكلأ النابت من الأرض وثمراتها ونتائجها. ومصداق القيعان طوائف أهل البدعة والمحدثات من سائر الفرق الإسلامية الماضية، والحاضرة، والآتية إلى قيام الساعة، فإنهم لم يرفعوا رؤوسهم بالهدى والعلم، ولم يقبلوا هدى الله الذي أرسل به رسوله ﷺ إليهم، بل قدموا بدعهم على السنن، ونبذوا كتاب الله وراء ظهورهم، ولا شيء أشق عليهم من تلاوة آية من كتاب أو ذكر حديث (٣) صحيح عند المناظرة في المسائل والأحكام، وإذا حررت لهم رواية من كتب الرأي، وصحف الفقه وذكرت قولا لإمام، برقت أساريرهم، وهذا كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [الزمر: ٤٥] وما أجمع هذا الحديث للفوائد الكثيرة. وبالتأمل فيه تظهر الفوائد الغزيرة لمن رزقه الله فهما صحيحا، وقلبا سليما، وألقى السمع وهو شهيد.

стр. 1341

وعن أبي رافع قال: قال رسول الله ﷺ : «لا أُلْفِيَنَّ أحدكم»، أي: لا أجدن «متكئًا على أريكته». أي: سريره المزين بالحلل والأثواب «يأتيه الأمر من أمري مما أمرت به أو نهيت عنه» وهي الأوامر والنواهي المدونة في الكتب الستة وغيرها من دواوين الحديث ومسانيد الأخبار «فيقول: لا أدري ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه» (١) رواه أحمد وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه، والبيهقي في «دلائل النبوة». قال في المرقاة: «المعنى: لا يجوز الإعراض عن حديثه ﷺ لأن المعرض عنه، معرض عن القرآن» (٢). اهـ. وقال في «الأشعة»: «أخبر رسول الله ﷺ عن حال بعض أهل الجهل والفراغ والتكبر، أنه يتقاعد ويتكاسل عن العمل بالحديث في الأمر الذي لا يوجد حكمه في القرآن، ويظن أن الأحكام تنحصر في القرآن فقط، وهو جاهل بأن أكثر الأحكام في الأحاديث، وليس في الكتاب. وكما أن القرآن حجة، فكذلك الحديث أيضًا حجة، وكما أن الرسول ﷺ أعطي القرآن فكذلك أعطي أيضًا الأحاديث، فكلاهما وحي كما في حديث المقداد بن معد يكرب يرفعه: «ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه، ألا يوشك رجل شبعان على أريكته يقول: عليكم بهذا القرآن فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه، وما وجدتم فيه من حرام فحرموه، وإن ما حرم رسول الله ﷺ كما حرم الله» (٣) الحديث. رواه أبو داود، وروى الدارمي نحوه، وكذلك ابن ماجه. قال: المماثلة هي في كونهما وحيًا، فكما أن القرآن وحي منزل من الله تعالى، فكذلك الأحاديث وحي من الله الحق تعالى. والشبعان كناية عن بلادة العقل وسوء الفهم؛ لأن الشبع والشره للطعام سبب لذلك، أو كناية عن الكبر والحماقة التي يوجبها التنعم والترفه». اهـ. قلت: قصر التمسك على الكتاب العزيز شعبة من الخروج ونوع من النفاق، والخارجية هم القائلون في مقابلة علي ﵇: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ أي: لا نقبل شيئًا إلا ما في القرآن والمراد بهذا إنكار الحديث، والفرار (٤) عن اتباعه، فمن لم يقبل السنة، واقتصر على القرآن، ففيه شائبة، بل شيمة الخارجية بلا تفاوت، ولا

стр. 1342

يصح إيمان أحد حتى يتبع السنن كما يتبع القرآن، كيف وقد جاءنا بهذه من جاء بالقرآن، ولم نعلم القرآن إلا ببيان الرسول، فإذا لم يقبل أحد بيانه ﷺ فإنه غير قابل للقرآن أيضًا» (١).

стр. 1343

سورة السجدة الباب الأول قوله تعالى: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُم مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [السجدة: ٢، ٣]. قال (ك): «أي لا شك فيه ولا مرية أنه منزل من رب العالمين*. ثم قال تعالى مخبرا عن المشركين: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ﴾ أي: اختلقه من تلقاء (١) نفسه ﴿بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُم مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾ أي: يتبعون الحق» (٢). فصل قال محمد تقي الدين: القرآن حق أنزله الله على قلب محمد ﷺ ؛ لينذر به العرب والعجم والإنس والجن. وكل من قبله واتبعه صار من المهتدين إلى طرق السعادة في الدنيا والآخرة، وكل من رده كله أو رد بعضه فقد خاب وخسر في الدارين. وهذه سبعمائة مليون من المدعين للإسلام خائبون خاسرون، وهذا أكبر شاهد. ثم قال المحقق القنوجي في (٣/ ٦٩): [بَلِ الَّذِي] (٣) يَجِبُ الْأَخْذُ (٤) بِهِمَا جَمِيعًا وَلَا يُؤْخَذُ بِغَيْرِهِمَا فَإِنَّ أَصْلَ الْأُصُولِ الْإِسْلَامِيَّةِ، هُوَ هَذَانِ الْأَصْلَانِ لَا ثَالِثَ لَهُمَا وَلَا رَابِعَ، وَإِنَّمَا يُسْتَأْنَسُ بِالْإِجْمَاعِ وَبِالْقِيَاسِ لِلْمُتَابَعَةِ وَالشَّهَادَةِ، لَا إِنَّهُمَا أَصْلَانِ مُسْتَقِلَّانِ يُبْنَى عَلَيْهِمَا شَيْءٌ مِنْ أَحْكَامِ الْإِسْلَامِ، فَإِنَّهُ لَمْ يَقُلْ (٥) بِذَلِكَ أَحَدٌ مِمَّنْ يُعْتَدُّ بِهِ مِنْ عُلَمَاءِ الْإِسْلَامِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 1344

وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من أكل طيبًا وعمل في سُنَّة، وأمن الناسُ بوائقه دخل الجنة» (١). «البائقة»: الداهية، والمراد هنا: الشرور. والمعنى من أكل الحلال، واجتنب الحرام، وعمل على وفق الحديث والقرآن، والناس من شره في أمان، فهو مستحق لدخول الجنان. فقال رجل: يا رسول الله، إن هذا اليوم لكثير في الناس، قال: «وسيكون في قرون بعدي»، المراد بالقرن: أهل العصر، وكلما بعد عصر من زمان النبي ﷺ كان الصلحاء فيه أقل ممن قبلهم، ولهذا قال: «خير القرون قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم» (٢). والمراد بقوله: «سيكون زمان» العامل بالحديث من غرباء الإسلام، وفيه إخبار بأن الخير لا ينقطع من أمته ﷺ مطلقًا، وإن تفاوت بالقلة والكثرة، وأنه يكون في آخر الزمان جماعة تقوم على طريقة التقوى والسنة المطهرة كما في الترجمة. وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إنكم في زمان من ترك منكم عُشر ما أمر به هلك، وعوقب عليه، ثم يأتي زمان من عمل منهم بعشر ما أمر به نجا» (٣). رواه الترمذي. أي: نجا من العذاب وأثيب عليه.

стр. 1345

وقال في «المرقاة»: ««ما أمر به» من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إذ لا يجوز صرف هذا القول إلى عموم المأمورات؛ لأنه عرف أن مسلمًا لا يعذر فيما يهمل من الفرض الذي تعلق بخاصة نفسه. والمراد بـ «هلك»: إن الدين اليوم عزيز، والحق ظاهر، وفي أنصاره كثرة، فالترك يكون تقصيرًا منكم فلا يعذر أحد منكم في التهاون، «ثم يأتي زمان يضعف فيه الإسلام من عمل منهم بعشر ما أمر به نجا»، لانتفاء تلك المعاني المذكورة. انتهى (١). والحاصل أن قليل العمل في زمان كثير الفتن، يوجب النجاة» (٢). الباب الثاني قوله تعالى ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾ [السجدة: ٢٢]. دقال (ك): «أي: لا أظلم ممن ذكره الله بآياته وبينها له ووضحها ثم بعد ذلك تركها وجحدها وأعرض عنها وتناساها كأنه لا يعرفها، قال قتادة: إياكم والإعراض عن ذكر الله، فإن من أعرض عن ذكره فقد اغتر أكبر الغرة وأعوز أشد العوز (٣)، ولهذا قال تعالى متهددًا لمن فعل ذلك: ﴿إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾ أي: سأنتقم ممن فعل ذلك أشد الانتقام» (٤). فصل قال محمد تقي الدين: والمقلدون يدخلون في هؤلاء دخولًا بينًا، فكل من أعرض عن اتباع الكتاب والسنة داخل في هذا الوعيد دخولًا أوليًا، ويسمى مجرمًا شرعًا ويكون متعرضًا لانتقام الله تعالى، كما ترى في أهل هذا الزمان نسأل الله العافية.

стр. 1346

سورة الأحزاب الباب الأول قوله تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُم مَعْرُوفًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا﴾ [الأحزاب: ٦]. قال (ك): «قد علم الله تعالى شفقة رسوله ﷺ على أمته ونصحه لهم، فجعله أولى بهم من أنفسهم، وحكمه فيهم مقدما على اختيارهم لأنفسهم كما قال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥]، وفي «الصحيح»: والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه وماله وولده والناس أجمعين» (١)، وفي الصحيح أيضا أن عمر ﵁ قال: «يا رسول الله، والله لأنت أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي»، فقال ﷺ : «لا يا عمر حتى أكون أحب إليك من نفسك». فقال: يا رسول الله، والله لأنت أحب إلي من كل شيء حتى من نفسي، فقال ﷺ : «الآن يا عمر» (٢). ولهذا قال تعالى في هذه الآية: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ﴾ وقال البخاري في هذه الآية الكريمة بسنده عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «ما من مؤمن إلا وأنا أولى الناس به في الدنيا والآخرة؛ اقرؤوا إن شئتم ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ﴾ فأيما مؤمن ترك مالا فليرثه عصبته من كانوا، وإن ترك دينا أو ضياعا فليأتني فأنا مولاه» (٣). وقوله تعالى: ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ أي: في الحرمة والاحترام، والتوقير.

стр. 1347

والإكرام والإعظام، ولكن لا تجوز الخلوة بهن، ولا ينتشر التحريم إلى بناتهن وأخواتهن بالإجماع، وإن سمَّى بعض العلماء بناتهن أخوات المؤمنين كما هو منصوص عن الشافعي ﵀ عنه في «المختصر» (١)، وهو من باب إطلاق العبارة لا إثبات الحكم. وقوله تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللهِ﴾ أي: في حكم الله أي: القرابات أولى بالتوارث من المهاجرين والأنصار، وهذه ناسخة لما كان قبلها من التوارث بالحلف والمؤاخاة التي كانت بينهم، وقوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُم مَعْرُوفًا﴾ أي: ذهب الميراث وبقي النصر والبر والصلة والإحسان والوصية، وقوله تعالى: ﴿كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا﴾ أي: هذا الحكم وهو أن أولي الأرحام بعضهم أولى ببعض حكم من الله مقدر مكتوب في الكتاب الأول الذي لا يبدل ولا يغيّر، قاله مجاهد وغير واحد، وإن كان تعالى قد شرع خلافه في وقت لما له في ذلك من الحكمة البالغة وهو يعلم أنه سينسخه إلى ما هو جار في قدره الأزلي وقضائه القدري الشرعي، والله أعلم» (٢). فصل قال محمد تقي الدين هاتان الآيتان وما جاء في تفسيرهما يحتم على كل مسلم اتباع الكتاب والسنة وترك الرأي والتقليد إلا بقدر الضرورة. قال المحقق القنوجي ﵀ في (٤/ ١٠٨): (باب في رد بدعات التقليد): ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] المجيء بالنون في الفعلين، لقصد الإخبار عن سائر الموحدين، وفيه إشعار على التزام جماعة السنة وإطلاق العبادة والاستعانة لقصد التعميم، ليتناول ترك كل معبود ومستعان به، واستحسنه الزمخشري (٣)، أفادت الآية الشريفة تخصيص العبادة الله، والاستعانة بالله، وترك التقليد؛ لأن التقليد العرفي المصطلح عليه، إذا تأملت فيه وجدته نوعًا من أنواع العبادة لغير الله، والاستعانة بغيره (٤) ، لكونه اتباعًا للهوى، ومن اتبع هواه فقد اتخذه معبودًا له.

стр. 1348

قال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ [الجاثية: ٢٣] وإطلاق «الهوى» على التقليد مشعر بكونه من أبواب الشرك، المخالف للتوحيد، ولهذا جزم ابن حزم رحمة الله بكون التقليد شركًا وأنه حرام على الإطلاق (١). فهذه الآية الكريمة، كما دلت على التوحيد ونفي الشرك، فهكذا دلت بالإشارة إلى نفي التقليد. ويا الله العجب (٢) من أقوام يقرؤون هذه الآية في سورة الفاتحة كل يوم خمس مرات فصاعدًا، في كل صلاة، ويقرون بتخصيص العبادة الله والاستعانة به ثم يشركون خارج الصلوات، ويقلدون في الشرائع الأموات، ولا يخطر ببالهم أن ذلك يقع منهم موقع الكذب بين يدي الله سبحانه، فما أعظم إثم ذلك!! أعاذنا الله مما هنالك. وهذه أول آية في القرآن الشريف ترد الشرك والتقليد. والثانية: قوله تعالى في هذه السورة: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾. والصراط المستقيم هو اتباع القرآن والحديث، في كل نقير وقطمير، وحقير (!!) وجليل، وصغير وكبير. ومن ترك اتباعهما وقلد الناس - أي ناس كانوا - فقد بعد عن الصراط المستقيم، والتنصيص على أن صراط المسلمين هو المشهود عليه بالاستقامة على أكد وجه وأبلغه. بحيث لا يذهب الوهم عند ذكره إلا إليه. وهذا يرشدك إلى أن المطيع الله ولرسوله، وهو الذي يتبع الكتاب العزيز والسنة المطهرة، دون من يطيع الأحبار والرهبان. [فإنه ليس من هذه الإطاعة المشار إليها في شيء] (٣).

стр. 1349

وفيه أن ذلك إنما يحصل بطاعة الله، أي: طاعة كتابه وطاعة الرسول، أي اتباعه. ومفهومه أنه لا يحصل لمن قلد غيرهما، فالآية الشريفة حاملة لهم على سؤال اتباع الكتاب والسنة، ومشيرة إلى ترك التقليد. وكذا ما بعدها وهو قوله سبحانه: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧]؛ لأن المراد بهم اليهود والنصارى، كما ورد بذلك الحديث (١). (٢) الباب الثاني قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٢١] قال (ك): «هذه الآية الكريمة أصل كبير في التأسي برسول الله ﷺ في أقواله وأفعاله وأحواله، ولهذا أمر ﵎ الناس بالتأسي بالنبي ﷺ يوم الأحزاب في صبره ومصابرته ومرابطته ومجاهدته وانتظاره الفرج من ربه صلوات الله وسلامه عليه دائمًا إلى يوم الدين، ولهذا قال تعالى للذين قلقوا (٣) وتضجروا وتزلزلوا واضطربوا في أمرهم يوم الأحزاب: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ أي: هلا اقتديتم به وتأسيتم بشمائله ﷺ ؟» (٤). فصل قال محمد تقي الدين كل مسلم يجب عليه أن يقتدي بالنبي ﷺ وهذا معنى الأسوة، فإن كان عالمًا بالكتاب والسنة لم يحل له أن يعمل ويفتي بغيرهما، وإن كان جاهلًا وجب عليه أن يسأل العلماء عنهما، فإذا اتخذ إمامًا و مذهبًا بدلًا من الكتاب والسنة، فقد خرج عن طاعة الله ورسوله وأشرك بالله وعبد معه غيره لأنه جعل له الحكم، وكما أن الصلاة والدعاء والذبح والنذر والاستغاثة والحج والصدقة والحلف والتوكل والرجاء والخوف والرغبة وما جرى مجراها لا يكون شيء من ذلك إلا لله، فكذلك الحكم وهو التحليل والتحريم

стр. 1350

والإيجاب والكراهة والاستحباب والإباحة؛ هذه الأحكام خاصة بالله وحده، ومن جعل شيئًا منها لغير الله فقد اتخذه إلهًا من دون الله، راجع حديث عدي بن حاتم (١) في سورة التوبة عند قوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣١]. فاتخاذهم الأحبار وهم العلماء والرهبان - وهم العباد - أربابًا إنما ذلك لأنهم جعلوا لهم التحليل والتحريم، ولم يعبدوهم بصلاة ولا غيرها وعبدوا المسيح بالصلاة والسجود والدعاء، فسوى الله تعالى بين العبادتين فلا فرق بين الصلاة وجعل الحكم، كل ذلك شرك. وأخبر الله تعالى في هذه الآية أن الذين يقتدون برسول الله ﷺ ويتبعونه هم الذين يرجون الله واليوم الآخر ويذكرون الله كثيرًا، ومن اتخذ لنفسه إمامًا غير النبي ﷺ وكتابًا غير كتاب الله وحزبًا غير أصحاب رسول الله ﷺ يسميهم أهل مذهبه فتلك علامة على أنه لا يرجو الله واليوم الآخر ولا يذكر الله كثيرًا. وقوله تعالى: ﴿أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ أي: تأسٌ حسن، وهو الاتباع التام في كل شيء من أمور الدين، فإن كان يقتدي بالنبي ﷺ فيما يوافق مذهبه أو قول إمامه ويتحيل على ردّ ما خالفه إما بالتحريف وإما بادعاء الضعف أو النسخ أو يدعي أن إمامه قد أحاط بجميع مسائل الكتاب والسنة، لا يغفل ولا ينسى ولا يجهل شيئًا فما ترك ذلك الحديث إلا لعلة، فقد ضل ضلالًا بعيدًا. اهـ. الباب الثالث قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: ٣٦] قال (ك): «هذه الآية عامة في جميع الأمور، وذلك أنه إذا حكم الله ورسوله بشيء فليس لأحد مخالفته، ولا اختيار لأحد ههنا ولا رأي ولا قول، كما قال ﵎: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥] وفي

стр. 1351

الحديث: «والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعًا لما جئت به» (١). ولهذا شدد في خلاف ذلك فقال: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ كقوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣] (٢) فصل قال محمد تقي الدين: هذه الآية من أعظم الحجج على المقلدين والمتمذهبين وأصحاب الطرائق والأحزاب التي ينتسب أفرادها إلى الإسلام، هؤلاء إذا خالفوا حكمًا واحدًا مما حكم الله ورسوله به، فلا عجب إذا غلبت خمسة عشر مليونًا - وهو عدد اليهود في الدنيا كلها - سبعمائة مليون (٣) يدعون الإسلام ويحكمون بغير ما أنزل الله علانية، وقد بان لهم البرهان في الهزائم المتوالية عليهم، وفي ذلتهم وهوانهم على الناس لو كانوا يعقلون، فنسأل الله أن يبصرهم من العمى، ويهديهم من الضلال. انتهى.

стр. 1352

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الباب الرابع قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٤٥) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ، وَسِرَاجًا مُنِيرًا (٤٦) وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا (٤٧) وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ [الأحزاب: ٤٥ - ٤٨]. «قال البخاري في «كتاب البيوع» تحت ترجمة: (باب كراهة الصخب في السوق)، ثم روى بسنده إلى عطاء بن يسار قال: لقيت عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، قلت: أخبرني عن صفة رسول الله ﷺ في التوراة، قال: أجل، والله إنه لموصوف في التوراة ببعض صفته في القرآن: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ وحرزًا للأميين أنت عبدي ورسولي، سميتك المتوكل ليس بفظ ولا غليظ ولا [صخاب] (١) في الأسواق، ولا يدفع بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويغفر، ولن يقبضه الله حتى يقيم به الملة العوجاء، بأن يقولوا: لا إله إلا الله، ويفتح بها أعينًا عميًا وآذانًا صما وقلوبًا غلفًا» (٢). وقاله سعيد عن هلال عن عطاء عن عبد الله بن سلام» (٣). قال محمد تقي الدين: ورواية هذا الحديث عن عبد الله بن سلام أولى من روايته عن عبد الله بن عمرو (٤)؛ لأن عبد الله بن سلام حبر عالم بالتوراة وقد كان

стр. 1353

قبل إسلامه أكبر علماء اليهود في المدينة، وإسلامه حجة على اليهود؛ لأنه لم يسلم إلا بعد أن سأل النبي ﷺ عن أصعب المسائل الواردة في الكتب السابقة، فأجابه عن كل ذلك بما بهره، وقد ذكرنا قصة إسلامه فيما مضى (١) وهذه القصة التي ذكرها عبد الله بن سلام للنبي ﷺ في التوارة بذلت كل ما استطعت من الجهد أن أجدها في مجموعة العهد القديم فلم أجدها، وقرأت البشارات التي ذكرها مؤلف كتاب «إظهار الحق» (٢) رحمة الله علي بن خليل الرحمن الهندي مما وجده في التوراة والإنجيل، وهي ثماني عشرة بشارة (٣)، ولم يذكر فيها حديث عبد الله بن سلام (٤) المتقدم الذكر. فلعل اليهود حذفوه، فإن من أمعن في قراءة التوراة يعلم يقينًا أن اليهود حذفوا كثيرًا منها، وقد بقي فيها كثير مما هو حُجَّة عليهم (٥)، انظر كتاب «إظهار الحق». والمراد هنا أن النبي ﷺ مبشر لكل من اتبعه من الناس بإدراك سعادة الدنيا والآخرة، ونذير لمن خالفه - سواء أكان يدعي الإسلام أم لا يدعيه - بالشقاء في الدنيا والآخرة، هذا في حق مَنْ بلغته سنته، أو قدر على البحث عنها فلم يبحث، وسماه الله سراجًا منيرًا؛ لأنه أضاء للبشر سبيل معاشهم ومعادهم، فمن اتبعه جعل الله له نورًا يمشي به في حياته فلا يضل أبدًا، ومن خالفه لم يجعل الله

стр. 1354

له نورًا، وبقي يخبط خبط عشواء في ليلة ظلماء كالمقلدين، قال الحافظ أبو محمد علي بن حزم رحم لله في المجلد الأول: صفحة (٦٦) ما نصه: «مسألة: ولا يحل لأحد أن يقلد أحدًا لا حيا ولا ميتًا، وعلى كل أحد من الاجتهاد حسب طاقته، فمن سأل عن دينه فإنما يريد معرفة ما ألزمه الله في هذا الدين، ففرض عليه - وإن كان أجهل البرية - أن يسأل عن أعلم أهل موضعه بالدين الذي جاء به رسول الله ﷺ ، فإذا دل عليه سأله، فإذا أفتاه قال له: هكذا قال الله ورسوله؟ فإن قال له: نعم، أخذ بذلك وعمل به أبدًا، وإن قال له: هذا رأيي أو (١) قياس، أو هذا قول فلان، وذكر له صاحبًا أو تابعًا أو فقيهًا قديمًا أو حديثًا، أو سكت أو انتهره أو قال له: لا أدري، فلا يحل له أن يأخذ بقوله ولكنه يسأل غيره. برهان ذلك قول الله : ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ﴾ [النساء: ٥٩]، فلم يأمرنا قط بطاعة بعض أولي الأمر، فمن قلد عالمًا أو جماعة علماء فلم يطع الله تعالى ولا رسوله ﷺ ولا أولي الأمر، وإذا لم يرد إلى من ذكرنا فقد خالف أمر الله . ولم يأمر الله قط بطاعة بعض أولي الأمر دون بعض، فإن قيل: فإن الله قال: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣]، وقال تعالى: ﴿لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ﴾ [التوبة: ١٢٢] قلنا: نعم، ولم يأمر الله أن يقبل من النافر للتفقه في الدين رأيه ولا أن يطاع أهل الذكر في رأيهم ولا في دين يشرعونه لم يأذن به الله ، وإنما أمر تعالى بأن يسأل أهل الذكر عما يعلمونه في الذكر الوارد من عند الله تعالى فقط، لا عمن قاله من لا سمع له ولا طاعة، وإنما أمر الله تعالى بقبول نذارة النافر للتفقه في الدين فيما تفقه فيه من دين الله تعالى الذي أتى به رسول الله ﷺ لا في دين لم يشرعه الله ، ومن ادعى وجوب تقليد العامي للمفتي فقد ادعى الباطل وقال قولًا لم يأت به قط نص قرآن ولا سنة ولا إجماع ولا قياس، وما كان هكذا فهو باطل؛ لأنه قول بلا دليل، بل البرهان قد جاء بإبطاله؛ قال تعالى ذاما لقوم قالوا: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا﴾ [الأحزاب: ٦٧]. والاجتهاد إنما معناه بلوغ الجهد في طلب دين الله الذي أوجبه على

стр. 1355

عباده، وبالضرورة يدري كل ذي عقل (١) سليم أن المسلم لا يكون مسلمًا إلا حتى يقر بأن الله تعالى إلهه لا إله غيره، وأن محمدًا (٢) رسول الله ﷺ [جاء] (٣) بهذا الدين إليه وإلى غيره، فإذ لا شك في هذا؛ فكل سائل في الأرض عن نازلة في دينه فإنما يسأله عما حكم الله تعالى به في هذه النازلة، فإذ لا شك في هذا ففرض عليه أن يسأل إذا سمع فتيا، أهذا حكم الله وحكم رسوله ﷺ ؟ وهذا لا يعجز عنه من يدري ما الإسلام، ولو أنه كما جُلِب من كوكو (٤). وبالله التوفيق» (٥). الباب الخامس قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا (٦٤) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (٦٥) يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَالَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا (٦٦) وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا (٦٧) رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا﴾ [الأحزاب: ٦٤ - ٦٨] قال (ك): «أي: أبعدهم من رحمته ﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا﴾ أي: في الدار الآخرة ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ أي: ماكثين مستمرين فلا خروج لهم منها ولا زوال لهم عنها: ﴿لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ أي: وليس لهم مغيث ولا معين ينقذهم مما هم فيه، ثم قال: ﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ﴾ [وهم كذلك] (٦) ﴿يَالَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا﴾ أي: يسحبون في النار على وجوههم وتلوى وجوههم على جهنم يقولون وهم كذلك يتمنون أن لو كانوا في الدار الدنيا ممن أطاع الله وأطاع الرسول، وهكذا أخبر عنهم في حالتهم هذه أنهم يؤدون أن لو كانوا أطاعوا الله وأطاعوا الرسول في الدنيا: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا﴾.

стр. 1356

وقال طاوُس: ﴿سَادَتَنَا﴾ يعني: الأشراف، ﴿وَكُبَرَاءَنَا﴾ يعني: العلماء، ورواه ابن أبي حاتم (١)، أي: اتبعنا السادة وهم الأمراء والكبراء من المشيخة، وخالفنا الرسل واعتقدنا أن عندهم شيئًا وأنهم على شيء، فإذا هم ليسوا على شيء، ﴿رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ أي بكفرهم وإغوائهم إيانا ﴿وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا﴾» (٢). قال المحقق القنوجي عند قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا﴾: «وفي هذا زجر عن التقليد شديد، وكم في الكتاب العزيز من التنبيه على هذا والتحذير منه والتنفير عنه، ولكن لمن يفهم معنى كلام الله ويقتدي به وينصف من نفسه، لا لمن هو من جنس الأنعام في سوء الفهم ومزيد البلادة وشدة التعصب ﴿فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا﴾ أي: عن السبيل بما زينوا لنا من الكفر بالله وبرسوله (٣)، والسبيل هو التوحيد» (٤). فصل قال محمد تقي الدين: صدق ﵀، فإن هذا الوصف ينطبق على المقلدين الذين يتعصبون لمذهبهم أو قول إمامهم، وهم يرونه مخالفًا لما صح عن النبي ﷺ كالمالكية في ترك وضع اليمنى على اليسرى في الصلاة، وترك التعوذ والبسملة ودعاء الاستفتاح ورفع اليدين عند الركوع والرفع منه، وترك الرحمة والبركة في السلام، إلى غير ذلك، وكالحنفية في ترك رفع اليدين عند الركوع والرفع منه والقيام من اثنتين، والجهر بالتأمين، والاعتدال بعد الركوع إلى غير ذلك (٥)، نسأل الله العافية، ونحمده أن شرح صدورنا لاتباع الرسول، وحبَّب لنا سنته وزينها في قلوبنا، وكره إلينا التقليد والتعصب، وقد تبرأ الأئمة الأربعة وغيرهم من المقلدين المتعصبين الذين ينسبون إليهم ما هم منه براء. قال المحدث الشيخ صالح الفلاني في منظومة (٦) له في تأييد الاعتماد على العمل بالكتاب والسنة وإن خالفهما رأي الفقهاء:

стр. 1357

قال أبو حنيفة الإمام … لا ينبغي لمن له إسلام الأخذ بالأقوال حتى تُعرضًا … على الكتاب والحديث المرتضى ومالك إمام دار الهجرة … قال وقد أشار نحو الحجرة كل كلام منه ذو قبول … ومنه مردود سوى الرسول والشافعي قال إن رأيتم … قولي مخالفًا لما رويتم من الحديث فاضربوا الجدارا … بقولي المخالف الأخبارا وأحمد قال لهم لا تكتبوا … ما قلته بل أصل ذلك اطلبوا فاسمع مقالات الهداة الأربعة … واعمل بها فإنّ فيها منفعة لقمعها لكل ذي تعصُّبِ … والمُنصفون يكتفون بالنبي

стр. 1358

سورة سبأ الباب الأول قوله تعالى: ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [سبأ: ٦] قال المحقق القنوجي في تفسير هذه الآية ما نصه: «﴿وَيَرَى﴾ أي يعلم ﴿الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ وهم الصحابة؛ قاله قتادة، وقال مقاتل: «هم [مؤمنوا] (١) أهل الكتاب» (٢)، وقيل: جميع المسلمين، والأولى أنه كلام مستأنف لدفع ما يقوله الذين سعوا في تأويل (٣) الآيات أي: إن ذلك السعي منهم يدل على جهلهم؛ لأنهم مخالفون لما يعلمه أهل العلم في شأن الكتاب ﴿الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ﴾ أي: الصدق، يعني: إنه من عند الله ﴿وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ﴾ معطوف على الحق عطف فعل على الحق (٣) عطف فعل على اسم؛ لأنه في تأويله كما في قوله: ﴿صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ﴾ [الملك: ١٩] أي: وقابضات كأنه قيل: (وهاديًا). وقيل: إنه مستأنف وفاعله ضمير يرجع إلى فاعل ﴿أُنْزِلَ﴾ وهو القرآن، والصراط: الطريق، أي: يهدي إلى طريق ﴿الْعَزِيزِ﴾ في ملكه ﴿الْحَمِيدُ﴾ عند خلقه. والمراد (٤): يهدي إلى دين الله الإسلام وهو التوحيد» (٥). فصل قال محمد تقي الدين: الصواب في تفسير ﴿الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ هو العموم؛

стр. 1359

لأن لفظ الذين من ألفاظ العموم، ولا داعي إلى تخصيصه بأهل الكتاب أو الصحابة، بل هو عام في كل من عرف الحق واعترف به، يدلنا على ذلك أن كثيرًا من أهل الكتاب يعترفون بأن هذا القرآن حق ويهدي إلى صراط مستقيم، مع أن هذا الزمان من شر أزمنة الإسلام أو هو شرها على الإطلاق، فإنه لم يبلغ من الضعف فيما مضى مثل ما بلغ في هذا الزمان، ومن أراد أن يرى البرهان على ذلك؛ فليقرأ كتاب «رجال ونساء أسلموا»، وكتاب «لماذا أسلمنا» وكلاهما طبع وانتشر بالإنكليزية والعربية. ومن عرف أن ما أنزل إلى رسول الله ﷺ هو الحق ويهدي إلى صراط العزيز الحميد لا بد أن يتبعه مع بيان النبي ﷺ ويقنع به، ويرى ما سواه باطلًا وهو الرأي والتقليد والتمذهب والتفرق والاستغناء بآراء الرجال عن هذا الحق المبين. قال العلامة المحقق فخر بلاد شنقيط، بل فخر بلاد المغرب في هذا الزمان محمد بن أبي مدين في كتابه «الصوارم والأسنة في الذب عن السنة» ما نصه: «قال العلماء: التقليد لغة: جعل القلادة في العنق، ومنه تقليد الولاة الأعمال، والبدن ما تعرف به، وشرعًا: أخذُ مذهب من ليس قوله إحدى الحجج الأربع الشرعية بدون واحدة منها، فالرجوع إلى الكتاب والسنة أو إجماع الأمة أو القياس الجلي ليس تقليدًا بل هو اتباع (١)، وإن شئت قلت: هو قبول مذهب الغير من دون مطالبة بحجة. اهـ. وله حدود [أخرى] (٢) لكن لا يسلم أكثرها من إشكال واعتراضات. اهـ. قال الحافظ السيوطي في كتابه «الرد على من أخلد إلى الأرض وجهل أن الاجتهاد في كل عصر فرض» (٣) ما نصه. «اعلم أنه ما زال السلف والخلف يأمرون بالاجتهاد ويحضون عليه، وينهون عن التقليد ويذمونه ويكرهونه، وقد صنف جماعة لا يحصون في [ذمه] (٤)، فممن صنف في ذلك المزني صاحب الإمام الشافعي، ألف كتاب «فساد التقليد» نقل

стр. 1360

عنه ابن عبد البر في «كتاب العلم» والزركشي في «البحر» ولم أقف عليه، وألف ابن حزم ثلاثة كتب في [إبطاله] (١) وقفت عليها (٢)، وألف ابن عبد البر «كتاب العلم» (٣) في ذلك وقفت عليه، وألف أبو شامة في ذلك كتابه المسمى «خطبة الكتاب المؤمل في الرد إلى الأمر الأول» (٤) وقفت عليه، وألف ابن دقيق العيد كتاب «التسديد في ذم التقليد» (٥) لم أقف عليه، وألف ابن القيم [كتاب «إعلام

стр. 1361

الموقعين عن رب العالمين (١) في أربعة من المجلدات] (٢) في ذم التقليد وقفت على [كراستين] (٣) منه، وألف (٤) صاحب «القاموس» كتاب «الإصعاد إلى رتبة الاجتهاد» لم أقف عليه». اهـ كلام السيوطي بلفظه. قلت: وممن صنف في ذلك بعد السيوطي: الشوكاني؛ ألف كتابه «القول المفيد في أدلة الاجتهاد [وذم] التقليد، وقد وقفت عليه، وألف السنوسي كتابه «إيقاظ الوسنان في العمل بالحديث والقرآن» وقد وقفت عليه، وألف الصنعاني صاحب «سبل السلام» كتابه «إرشاد النقاد إلى تيسير الاجتهاد» [ولم أقف] (٥) عليه». اهـ (٦)، ثم ذكر ما نقلته من كتاب «جامع بيان العلم وفضله» عن ابن خويز منداد البصري المالكي (٧).

стр. 1362

سورة فاطر الباب الأول قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ [فاطر: ٨]. قال (ك): «يعني كالكفار والفجار يعملون أعمالًا سيئة وهم في ذلك يعتقدون ويحسبون أنهم يحسنون صنعًا، أي: أفمن كان هكذا قد أضله الله [فما لك] (١) فيه حيلة؟ لا حيلة لك فيه ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ أي بقدره كان ذلك: ﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾ أي: لا تأسف على ذلك فإن الله حكيم في قدره، إنما يضل من يضل ويهدي من يهدي لما له في ذلك من الحجة البالغة والعلم التام، ولهذا قال [تعالى] (٢): ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾» (٣). فصل قال محمد تقي الدين: وكل من رد آيات القرآن وسنة النبي الكريمة ﵊ لتقليد مذهب أو شيخ طريقة أو حزب أو قومية أو هوى نفسه الأمارة وادعى أن الخير فيما ذهب إليه وأنه هو الصواب، فهو ممن زين له سوء عمله فرآه حسنًا، فينبغي لنا أن ندعوه بالتي هي أحسن، ونفهمه خطأه ونقيم له الأدلة على ذلك، فإن أبى نتأسف عليه ولا تبالغوا في التأسف حتى نقتل أنفسنا حزنًا؛ امتثالًا لأمر الله تعالى الذي أمر به إمامنا ورسولنا محمدًا ﷺ . ثم قال العلامة محمد بن أبي مدين في «الصوارم» ما نصه:

стр. 1363

«قال الإمام الغزالي في (الجزء الثاني) من كتاب «المستصفى» ما نصه: «التقليد هو قبول قول بلا حجة وليس ذلك طريقًا إلى العلم لا في الأصول ولا في الفروع» (١). اهـ كلامه بلفظه. وقال الحافظ ابن الجوزي في كتابه «التلبيس» ما نصه: «اعلم أن المقلد على غير ثقة [فيما] (٢) قلد فيه، وفي التقليد إبطال منفعة العقل؛ لأنه إنما خُلق للتأمل والتدبر. وقبيح بمن أعطي شمعة يستضيء بها أن يطفئها ويمشي في [الظلمة] (٣). واعلم أن عموم أصحاب المذاهب يعظم في قلوبهم الشخص فيتبعون قوله من غير تدبر لما قال، وهذا عين الضلالة؛ لأن النظر ينبغي أن يكون إلى القول لا إلى القائل» (٤). اهـ كلامه بلفظه. وفي «تفسير البيضاوي» عند قوله تعالى: ﴿وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾ [الممتحنة: ١٢] ما نصه: «التقييد بالمعروف مع أن الرسول (٥) لا يأمر إلا به [للتنبيه] (٦) على أنه لا تجوز (٧) طاعة مخلوق في معصية الخالق» (٨). اهـ منه بلفظه. وفي (الجزء الأول) من «الاعتصام» لأبي إسحاق الشاطبي ما نصه: «وذكر الطبري في كتاب «تهذيب الآثار» (٩) له بإسناد إلى مالك قال: قال مالك: «قبض رسول الله ﷺ وقد تم هذا الأمر واستكمل؛ فإنما ينبغي أن نتبع [آثاره] (١٠) ﷺ ولا [نتبع] (١١) الرأي» (١٢). ومضى إلى أن قال: «وفي «القول المفيد» للشوكاني ما نصه: «ويكفي في دفع الرأي وأنه ليس من الدين قول الله : ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ

стр. 1364

نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣] فإذا كان الله قد أكمل دينه قبل أن يقبض نبيه ﷺ فما هذا الرأي الذي قد [أحدث] (١) بعد أن أكمل الله دينه؟ إن كان من الدين في اعتقادهم فهو لم يكمل عندهم إلا برأيهم، وهذا فيه رد [القرآن] (٢)، وإن لم يكن من الدين فأي فائدة [فيما] (٣) ليس من الدين؟ وه ﴿﴾ ذه حجة قاهرة ودليل عظيم لا يمكن صاحب الرأي أن يدفعه بدافع أبدًا، فاجعل هذه الآية الشريفة أول ما تصك به وجوه أهل الرأي، وترغم به آنافهم وتدحض به حججهم، فقد أخبر الله في محكم كتابه أنه أكمل دينه ولم يمت رسول الله ﷺ [حتى] (٤) أخبرنا بهذا الخبر عن الله، فمن جاءنا بالشيء من عند نفسه وزعم أنه من ديننا قلنا له: [رسول الله ﷺ ] (٥) أصدق منك، فاذهب فلا حاجة لنا في رأيك» (٦). اهـ منه بلفظه» (٧). الباب الثاني قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ، وَمِنْهُم مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (٣٢) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ (٣٣) وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ (٣٤) الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ﴾ [فاطر: ٣٢ - ٣٥] قال (ك): «يقول تعالى: ثم جعلنا القائمين بالكتاب العظيم المصدق لما بين يديه من الكتب ﴿الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ الذين اصطفينا من عبادنا، وهم

стр. 1365

هذه الأمة، ثم قسمهم إلى ثلاثة أنواع، فقال [تعالى] (١): ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ وهو المفرط في فعل بعض الواجبات المرتكب لبعض المحرمات «﴿وَمِنْهُم مُقْتَصِد﴾ وهو المؤدي للواجبات التارك للمحرمات، وقد يترك بعض المستحبات ويفعل بعض المكروهات ﴿وَمِنْهُم سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ وهو الفاعل للواجبات والمستحبات التارك للمحرمات والمكروهات وبعض المباحات. قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: «في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ قال: هم أمة محمد ﷺ ورثهم الله [تعالى] (١) كل كتاب أنزله فظالمهم يُغفر له، ومقتصدهم يحاسب حسابًا يسيرًا، وسابقهم يدخل الجنة بغير حساب» (٢). ثم حكى (ك) خلاف هذا القول ثم قال: «والصحيح أن الظالم لنفسه من هذه الأمة، وهذا اختيار ابن جرير (٣)، كما هو ظاهر الآية، وكما جاءت به الأحاديث عن رسول الله ﷺ من طرق يشد بعضها بعضًا» (٤). وقوله تعالى: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا﴾ إلى قوله: ﴿لُغُوبٌ﴾. قال (ك): «يخبر تعالى أن (٥) هؤلاء المصطفين من عباده الذين أورثوا الكتاب المنزل من رب العالمين [يوم القيامة مأواهم] (٦) ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾ أي: جنات الإقامة يدخلونها يوم معادهم وقدومهم على الله : ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا﴾ وثبت في «الصحيح» أن رسول الله ﷺ قال: «من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة». وقال: «هي لهم في الدنيا ولكم في الآخرة» (٧).

стр. 1366

وقال الطبراني بسنده عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول ﷺ : «ليس على أهل لا إله إلا الله وحشة في الموت ولا في [القبور] (١) ولا في النشور، وكأني أنظر إليهم عند الصيحة ينفضون رؤوسهم من التراب يقولون: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ﴾» (٢). قال ابن عباس وغيره: «غفر لهم الكثير من السيئات وشكر لهم اليسير من الحسنات» (٣) ﴿الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ﴾ يقولون: الذي أعطانا هذه المنزلة وهذا المقام من فضله ومَنّه ورحمته لم تكن أعمالنا تساوي ذلك، كما ثبت في «الصحيح» أن رسول الله ﷺ قال: «لن يدخل أحدًا منكم عمله الجنة» قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: «ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله تعالى برحمة منه وفضل» (٤). ﴿لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ﴾ لا يمسنا فيها عناء ولا إعياء، والنصب واللغوب كل منهما يستعمل في التعب (٥)، وكأن المراد بنفي هذا وهذا عنهم أنهم لا تعب على أبدانهم ولا أرواحهم والله أعلم، فمن ذلك أنهم كانوا يُدئِبون أنفسهم في العبادة في الدنيا، فسقط عنهم التكليف بدخولها وصاروا في راحة دائمة مستمرة، قال الله [تبارك] (٦) وتعالى: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾ [الحاقة: ٢٤]» (٧).

стр. 1367

فصل قال محمد تقي الدين: ذكر الحافظ (كه) في معنى الظالم أحاديث كثيرة تدل على أن أهل هذا القسم لا يدخلون جهنم، ولكن يطول وقوفهم في المحشر، ويصيبهم الحزن والخوف وذلك هو عذابهم، وهذه الأحاديث كلها ضعيفة لكنه استأنس بها لكثرة طرقها؛ وهذا القول لا يتفق أبدًا مع ما نطقت به آيات الكتاب والأحاديث الصحيحة، وأجمع عليه أهل السنة من أن طائفة من الموحدين يدخلون النار، ويخرجون منها بشفاعة النبي ﷺ . ومن الأدلة على ذلك ما جاء في «جامع الصغير» للسيوطي (١) في حرف اللام: «ليردن علي ناس من أصحابي الحوض، حتى إذا رأيتهم وعرفتهم اختلجوا دوني، فأقول: يا رب؛ أصيحابي! أصيحابي! فيقال لي: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك» (٢). رواه أحمد والبخاري ومسلم عن أنس بن مالك، وعن حذيفة بن اليمان (٣). وقد حكى ابن الجوزي في تفسيره «زاد المسير» في معنى ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ أربعة أقوال: «الأول: إنهم أهل الصغائر، فلا يدخل أحد منهم النار، والثاني: أنهم من مات على الكبائر، والثالث: أنهم الكفار، والرابع: أنهم المنافقون» (٤). ولما كان الكفار والمنافقون في الحقيقة قسمًا واحدًا؛ لأنهم من رحمة الله آيسون، وفي عذاب جهنم خالدون، صارت الأقوال ثلاثة، الراجح منها هو الثاني للعلة المتقدم ذكرها، والذين أورثوا الكتاب لا يمكنهم الاعتقاد والعمل به إلا بمعرفة بيان الرسول ﷺ وهو السنة، فالمقلدون المتعصبون لأئمتهم شر من القسم الثاني وهم الذين يموتون على الكبائر؛ لأن البدعة شر من الكبيرة، ولأن مرتكب الكبيرة، يعصي الله تعالى وهو معترف بذنبه راج أن يتوب الله عليه، أما المقلد والمبتدع فإنهما يعصيان الله تعالى ويردان كتابه وسنة رسوله مع اعتقادهما أن ذلك قربة إلى الله وصواب وخير، ولا تخطر في بالهم التوبة من ذلك.

стр. 1368

وفي «الصوارم»: «قال ابن مسعود: «ألا لا يقلدن أحدكم دينه رجلا؛ إن آمن آمن، وإن كفر كفر، فإنه لا أسوة في الشر» (١)، وقال: «ليس تعرف خطأ معلمك حتى تجالس غيره» (٢). ولم يوجب الله ولا رسوله على أحد من الناس أن يتمذهب بمذهب رجل من الأمة فيقلده دينه دون غيره. وقد انطوت القرون الفاضلة ببراءة أهلها (٣) من هذه النسبة، بل لا يصح للعامي مذهب ولو تمذهب به؛ لأن المذهب إنما يكون لمن له نوع نظر واستدلال، فمن ليس كذلك لا يكون بقوله: أنا مالكي، - مثلا - مالكيا، بل هي مجرد دعوى كاذبة، وهذه بدعة قبيحة حدثت في الأمة لم يقل بها أحد من أئمة الإسلام. وأبعد منه القول بلزوم واحد من الأربعة، فيا الله [للعجب] (٤)، ماتت مذاهب الصحابة والتابعين وتابعيهم وسائر أئمة الإسلام وبطلت جملة إلا مذاهب أربع أنفس فقط من بين الأئمة والفقهاء، وهل قال بذلك أحد من الأئمة أو دعا إليه، أو دلت لفظة واحدة من كلامه عليه، والذي أوجبه الله ورسوله على الصحابة والتابعين هو الذي أوجبه على من بعدهم إلى يوم القيامة؟ وإذا تأملت هذا يظهر لك أن التقليد لمذهب إمام معين من غير نظر إلى دليل من الكتاب والسنة جهل عظيم؛ لأنه مجرد هوى وعصبية، والأئمة المجتهدون قاطبة على خلافه؛ لأنه صح عن كل واحد منهم ذم التقليد بغير دليل وإبطاله، ويظهر لك أنه يجوز لمن يقتدي بمذهب إمام معين أن يجتهد وينظر إلى

стр. 1369

الدليل حسب طاقته، فمتى وجد دليلًا يدل على خلاف رأي إمامه تركه وتمسك بالدليل، ويكون بذلك متبعًا لإمامه وسائر الأئمة، ومتبعًا لكتاب الله وسنة رسوله. وإنما يكون خارجًا عن مذهب إمامه وعن سائر مذاهب المجتهدين، إذا صمم على تقليد إمامه بعد ظهور الدليل من كتاب أو سنة أو إجماع على خلاف رأي إمامه الذي تمسك به؛ لأن إمامه لو بلغه (١) السالم من المعارض لترك رأيه واتبع الحديث، فالمصمم على التقليد في هذه الحالة عاص الله ورسوله متبع لهواه، وقد برئ منه الأئمة الأربعة وغيرهم، وصار من حزب الشيطان والهوى ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ [الجاثية: ٢٣] الآية، أجارنا الله من العمى بعد الهدى (٢). اهـ. المراد منه بلفظه، قلت: قوله: «إن العامي لا يصح له مذهب ولو تمذهب به» أصله لإمام الحرمين في «البرهان» (٣) ومثله في «التحرير» (٤) لابن الهمام الحنفي و «شرحه» لابن الحاج» (٥).

стр. 1370

سورة يس الباب الأول قوله تعالى: بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿يس (١) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ (٢) إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (٣) عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٤) تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (٥) لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ (٦) لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٧) إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ (٨) وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ (٩) وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠) إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ﴾ [يس: ١ - ١١] في «تفسير الجلالين»: «قوله تعالى: ﴿يس﴾ الله أعلم بمراده ﴿وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ﴾ المحكم بعجيب النظم وبديع المعاني ﴿إِنَّكَ﴾ يا محمد ﴿لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾، ﴿عَلَى﴾ متعلق بما قبله ﴿صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ أي: طريق الأنبياء قبلك: التوحيد والهدى، والتأكيد بالقسم وغيره رد لقول الكفار له: لست مرسلًا، ﴿تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ﴾ في ملكه ﴿الرَّحِيمُ﴾ بخلقه ﴿لِتُنْذِرَ﴾ به ﴿قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ﴾ أي: لم ينذروا في زمن الفترة ﴿فَهُمْ﴾ أي: القوم ﴿غَافِلُونَ﴾ عن الإيمان [أو] (١) الرشد، ﴿لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ﴾ وجب ﴿عَلَى أَكْثَرِهِمْ﴾ بالعذاب ﴿فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ أي: الأكثر ﴿إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا﴾ بأن تضم إليها الأيدي؛ لأن الغل يجمع اليد إلى العنق ﴿فَهِيَ﴾ أي: الأيدي مجموعة ﴿إِلَى الْأَذْقَانِ﴾ جمع ذقن وهو مجتمع اللحيين ﴿فَهُمْ مُقْمَحُونَ﴾ رافعون رؤوسهم لا يستطيعون خفضها، وهذا تمثيل.
следующие страницы →