← Акыда

Акыда · id 30197

سبيل الرشاد في هدي خير العباد

محمد تقي الدين الهلالي

Полный текст (2 277 стр.). Показаны 1366–1405 · переход к 1371.

стр. 1366

وقال الطبراني بسنده عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول ﷺ : «ليس على أهل لا إله إلا الله وحشة في الموت ولا في [القبور] (١) ولا في النشور، وكأني أنظر إليهم عند الصيحة ينفضون رؤوسهم من التراب يقولون: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ﴾» (٢). قال ابن عباس وغيره: «غفر لهم الكثير من السيئات وشكر لهم اليسير من الحسنات» (٣) ﴿الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ﴾ يقولون: الذي أعطانا هذه المنزلة وهذا المقام من فضله ومَنّه ورحمته لم تكن أعمالنا تساوي ذلك، كما ثبت في «الصحيح» أن رسول الله ﷺ قال: «لن يدخل أحدًا منكم عمله الجنة» قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: «ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله تعالى برحمة منه وفضل» (٤). ﴿لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ﴾ لا يمسنا فيها عناء ولا إعياء، والنصب واللغوب كل منهما يستعمل في التعب (٥)، وكأن المراد بنفي هذا وهذا عنهم أنهم لا تعب على أبدانهم ولا أرواحهم والله أعلم، فمن ذلك أنهم كانوا يُدئِبون أنفسهم في العبادة في الدنيا، فسقط عنهم التكليف بدخولها وصاروا في راحة دائمة مستمرة، قال الله [تبارك] (٦) وتعالى: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾ [الحاقة: ٢٤]» (٧).

стр. 1367

فصل قال محمد تقي الدين: ذكر الحافظ (كه) في معنى الظالم أحاديث كثيرة تدل على أن أهل هذا القسم لا يدخلون جهنم، ولكن يطول وقوفهم في المحشر، ويصيبهم الحزن والخوف وذلك هو عذابهم، وهذه الأحاديث كلها ضعيفة لكنه استأنس بها لكثرة طرقها؛ وهذا القول لا يتفق أبدًا مع ما نطقت به آيات الكتاب والأحاديث الصحيحة، وأجمع عليه أهل السنة من أن طائفة من الموحدين يدخلون النار، ويخرجون منها بشفاعة النبي ﷺ . ومن الأدلة على ذلك ما جاء في «جامع الصغير» للسيوطي (١) في حرف اللام: «ليردن علي ناس من أصحابي الحوض، حتى إذا رأيتهم وعرفتهم اختلجوا دوني، فأقول: يا رب؛ أصيحابي! أصيحابي! فيقال لي: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك» (٢). رواه أحمد والبخاري ومسلم عن أنس بن مالك، وعن حذيفة بن اليمان (٣). وقد حكى ابن الجوزي في تفسيره «زاد المسير» في معنى ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ أربعة أقوال: «الأول: إنهم أهل الصغائر، فلا يدخل أحد منهم النار، والثاني: أنهم من مات على الكبائر، والثالث: أنهم الكفار، والرابع: أنهم المنافقون» (٤). ولما كان الكفار والمنافقون في الحقيقة قسمًا واحدًا؛ لأنهم من رحمة الله آيسون، وفي عذاب جهنم خالدون، صارت الأقوال ثلاثة، الراجح منها هو الثاني للعلة المتقدم ذكرها، والذين أورثوا الكتاب لا يمكنهم الاعتقاد والعمل به إلا بمعرفة بيان الرسول ﷺ وهو السنة، فالمقلدون المتعصبون لأئمتهم شر من القسم الثاني وهم الذين يموتون على الكبائر؛ لأن البدعة شر من الكبيرة، ولأن مرتكب الكبيرة، يعصي الله تعالى وهو معترف بذنبه راج أن يتوب الله عليه، أما المقلد والمبتدع فإنهما يعصيان الله تعالى ويردان كتابه وسنة رسوله مع اعتقادهما أن ذلك قربة إلى الله وصواب وخير، ولا تخطر في بالهم التوبة من ذلك.

стр. 1368

وفي «الصوارم»: «قال ابن مسعود: «ألا لا يقلدن أحدكم دينه رجلا؛ إن آمن آمن، وإن كفر كفر، فإنه لا أسوة في الشر» (١)، وقال: «ليس تعرف خطأ معلمك حتى تجالس غيره» (٢). ولم يوجب الله ولا رسوله على أحد من الناس أن يتمذهب بمذهب رجل من الأمة فيقلده دينه دون غيره. وقد انطوت القرون الفاضلة ببراءة أهلها (٣) من هذه النسبة، بل لا يصح للعامي مذهب ولو تمذهب به؛ لأن المذهب إنما يكون لمن له نوع نظر واستدلال، فمن ليس كذلك لا يكون بقوله: أنا مالكي، - مثلا - مالكيا، بل هي مجرد دعوى كاذبة، وهذه بدعة قبيحة حدثت في الأمة لم يقل بها أحد من أئمة الإسلام. وأبعد منه القول بلزوم واحد من الأربعة، فيا الله [للعجب] (٤)، ماتت مذاهب الصحابة والتابعين وتابعيهم وسائر أئمة الإسلام وبطلت جملة إلا مذاهب أربع أنفس فقط من بين الأئمة والفقهاء، وهل قال بذلك أحد من الأئمة أو دعا إليه، أو دلت لفظة واحدة من كلامه عليه، والذي أوجبه الله ورسوله على الصحابة والتابعين هو الذي أوجبه على من بعدهم إلى يوم القيامة؟ وإذا تأملت هذا يظهر لك أن التقليد لمذهب إمام معين من غير نظر إلى دليل من الكتاب والسنة جهل عظيم؛ لأنه مجرد هوى وعصبية، والأئمة المجتهدون قاطبة على خلافه؛ لأنه صح عن كل واحد منهم ذم التقليد بغير دليل وإبطاله، ويظهر لك أنه يجوز لمن يقتدي بمذهب إمام معين أن يجتهد وينظر إلى

стр. 1369

الدليل حسب طاقته، فمتى وجد دليلًا يدل على خلاف رأي إمامه تركه وتمسك بالدليل، ويكون بذلك متبعًا لإمامه وسائر الأئمة، ومتبعًا لكتاب الله وسنة رسوله. وإنما يكون خارجًا عن مذهب إمامه وعن سائر مذاهب المجتهدين، إذا صمم على تقليد إمامه بعد ظهور الدليل من كتاب أو سنة أو إجماع على خلاف رأي إمامه الذي تمسك به؛ لأن إمامه لو بلغه (١) السالم من المعارض لترك رأيه واتبع الحديث، فالمصمم على التقليد في هذه الحالة عاص الله ورسوله متبع لهواه، وقد برئ منه الأئمة الأربعة وغيرهم، وصار من حزب الشيطان والهوى ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ [الجاثية: ٢٣] الآية، أجارنا الله من العمى بعد الهدى (٢). اهـ. المراد منه بلفظه، قلت: قوله: «إن العامي لا يصح له مذهب ولو تمذهب به» أصله لإمام الحرمين في «البرهان» (٣) ومثله في «التحرير» (٤) لابن الهمام الحنفي و «شرحه» لابن الحاج» (٥).

стр. 1370

سورة يس الباب الأول قوله تعالى: بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿يس (١) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ (٢) إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (٣) عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٤) تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (٥) لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ (٦) لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٧) إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ (٨) وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ (٩) وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠) إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ﴾ [يس: ١ - ١١] في «تفسير الجلالين»: «قوله تعالى: ﴿يس﴾ الله أعلم بمراده ﴿وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ﴾ المحكم بعجيب النظم وبديع المعاني ﴿إِنَّكَ﴾ يا محمد ﴿لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾، ﴿عَلَى﴾ متعلق بما قبله ﴿صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ أي: طريق الأنبياء قبلك: التوحيد والهدى، والتأكيد بالقسم وغيره رد لقول الكفار له: لست مرسلًا، ﴿تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ﴾ في ملكه ﴿الرَّحِيمُ﴾ بخلقه ﴿لِتُنْذِرَ﴾ به ﴿قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ﴾ أي: لم ينذروا في زمن الفترة ﴿فَهُمْ﴾ أي: القوم ﴿غَافِلُونَ﴾ عن الإيمان [أو] (١) الرشد، ﴿لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ﴾ وجب ﴿عَلَى أَكْثَرِهِمْ﴾ بالعذاب ﴿فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ أي: الأكثر ﴿إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا﴾ بأن تضم إليها الأيدي؛ لأن الغل يجمع اليد إلى العنق ﴿فَهِيَ﴾ أي: الأيدي مجموعة ﴿إِلَى الْأَذْقَانِ﴾ جمع ذقن وهو مجتمع اللحيين ﴿فَهُمْ مُقْمَحُونَ﴾ رافعون رؤوسهم لا يستطيعون خفضها، وهذا تمثيل.

стр. 1371

والمراد أنهم لا يذعنون للإيمان ولا يخفضون رؤوسهم له، ﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا﴾ [أي حاجزا عن الهداية] (١) ﴿فَأَغْشَيْنَاهُمْ﴾ [أي غطينا قلوبهم وأبصارهم] (١) ﴿فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ تمثيل أيضًا لسد طرق الإيمان عليهم ﴿وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾، ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ﴾ ينفع إنذارك ﴿مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ﴾ القرآن ﴿وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ﴾ خافه ولم يره ﴿فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَة وَأَجْرٍ كَرِيمٍ﴾ وهو الجنة» (٢). فصل قال محمد تقي الدين: أخبر الله مؤكدًا بالقسم وغيره من المؤكدات أن محمدًا ﷺ من المرسلين، وأنه على صراط مستقيم، كل من اتبعه سعد وكل من خرج عنه شقي، وأخبر سبحانه أنه أنزل هذا القرآن على رسوله لينذر به أهل الأرض كلهم عامة والعرب خاصة، إذ لم يرسل إليهم نذير من قبله، ولا كان عندهم كتاب يرجعون إليه ولا سنة نبي يتمسكون بها، فهم لذلك في غاية الغفلة والجهالة والظلمة. ولما كذبوا الرسول وكفروا بما أنزل إليهم من ربهم وجحدوه ظلمًا وعلوا حقت عليهم كلمة الله وسدت عليهم أبواب الهداية، وتحتم عذابهم وشقاؤهم، وحيل بينهم وبين الإيمان بسبب إعراضهم وطغيانهم. ثم أخبر أن الذين ينتفعون بالإنذار هم الذين يستمعون القرآن ويتبعونه، ويمنعهم خوف الله تعالى عن مخالفة القرآن والرسول ﷺ ، فأولئك بشرهم الله بمغفرة ذنوبهم، وبالأجر العظيم والثواب الجزيل في الدنيا والآخرة، وصدق الله وعده، فانتصروا على أعدائهم واستولوا على مشارق الأرض ومغاربها وأذعنت لهم أمم الأرض وشعوبها، ومضوا على ذلك قرونًا طوالًا حتى نبذوا القرآن والسنة؛ فسلبهم الله ما وهبهم وجعلهم عبرة لأولي الأبصار، ولا يزال باب التوبة مفتوحًا أمامهم لو رجعوا إلى رشدهم وأنابوا إلى ربهم. ولما كان التقليد والتعصب والتفرق والتمذهب واتباع الطرائق القدد.

стр. 1372

والأحزاب البدد والقوميات والوطنيات والأهواء والعادات من أعظم أسباب شقائهم التي سدت عنهم أبواب الخير وفتحت لهم أبواب الشقاء، عزمت في هذا القسم من «سبيل الرشاد» أن أبذل كل جهد في التحذير من هذه الطرق المعوجة وأنقل كلام الأئمة مصحوبًا بالحجة. قال العلامة محمد بن أبي مدين في «الصوارم»: «وقال الإمام سند بن عنان بن إبراهيم أبو علي الأزدي المتوفى بالإسكندرية سنة إحدى وأربعين وخمس مائة رحمه الله تعالى - في شرحه على «المدونة» المسمى بـ «طراز المَجَالِس وفاكهة المُجالس» (١) في نحو ثلاثين سفرًا وتوفي قبل إكماله ما نصه: «نفس المقلد ليست على بصيرة، ولا يتصف من العلم بحقيقة؛ إذ ليس التقليد بطريق إلى العلم بوفاق أهل الآفاق. فإن نوزعنا في ذلك أبدينا برهانًا فنقول: قال الله تعالى: ﴿فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ﴾ [ص: ٢٦] وقال: ﴿بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ [النساء: ١٠٥] وقال: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦] وقال: ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٦٩]. ومعلوم أن العلم معرفة المعلوم على ما هو عليه، فنقول للمقلد: إذا اختلفت الأقوال وتشعبت المعاني من أين تعلم صحة قول من قلدته دون غيره؟ أو صحة قولة على قولة أخرى؟ ولا يبدي كلامًا في [قوله] (٢) إلا انعكس عليه في نقيضه، لا سيما إذا عرض له ذلك في قولة لإمام مذهبه الذي قلده وقولة تخالفها لبعض الأئمة [من] (٣) أصحابه (٤)، ولا يبقى له محصول. أما التقليد: فهو قبول قول الغير من غير حجة، فمن أين يحصل به علم، وليس له مستند إلى قطع؟ وهو أيضًا في نفسه بدعة محدثة؛ لأنا نعلم بالقطع أن الصحابة رضوان الله عليهم لم يكن في زمانهم وعصرهم مذهب لرجل معين يدرس ويقلد، وإنما كانوا يرجعون في النوازل إلى الكتاب والسنة أو إلى ما

стр. 1373

يتمحض بينهم من النظر عند فقد الدليل، وكذلك تابعوهم أيضًا يرجعون إلى الكتاب والسنة، فإن لم يجدوا نظروا إلى ما أجمع عليه الصحابة، فإن لم يجدوا اجتهدوا واختار بعضهم قول صحابي فرآه الأقوى في دين الله تعالى. ثم كان القرن الثالث وفيه كان الأئمة الأربعة، فإن مالكًا توفي سنة تسع وسبعين ومائة. وتوفي أبو حنيفة سنة [خمسين] (١) ومائة وفي هذه السنة ولد الشافعي، وولد ابن حنبل سنة أربع وستين ومائة، فكانوا على منهاج من مضى لم يكن في عصرهم مذهب رجل (٢) معين يتدارسونه، وعلى قريب منهم كان أتباعهم فكم من قولة لمالك ونظائره (٣) خالفه فيها أصحابه؟ ولو نقلنا ذلك لخرجنا عن مقصود هذا الكتاب، وما ذلك إلا لجمعهم آلات الاجتهاد وقدرتهم على ضروب الاستنباطات، ولقد صدق الله نبيه في قوله: «خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم» (٤). [ثم القرن عند المحققين أربعون سنة] (٥). ذكر بعد قرنه قرنين أو ثلاثة (٦)، والحديث في «صحيح البخاري». فالعجب لأهل التقليد: كيف يقولون: «هذا هو الأمر القديم» و «عليه أدركنا الشيوخ» وهو إنما حدث بعد مائتي سنة بعد الهجرة، وبعد فناء القرون الذين أثنى عليهم الرسول ﷺ ، ولو قلت لأحدهم: مالك ﵀ مذهبه مذهب من؟ لم يُجب بجواب. وحكى أهل التاريخ أن الذي أشاع مذهب مالك بالأندلس إنما هو عيسى بن دينار، وإنما كان يعمل فيه بمذهب الأوزاعي ومكحول، فكيف يدعون أنه هو الأمر القديم عندهم؟. ولما أرغم بعض أهل التقليد [على] (٧) الحجة واستبانت له المحجة، قال: نحن لا ننكر أن أصول الفتوى الكتاب والسنة والإجماع والقياس، ولكن من [يفي] (٨) بشرطية النظر ويستقل بأعبائه؟ فنقول لهم: نحن نقطع أنه ما من باب من أبواب العلم كان يسلك في عصر مالك إلا وهو مفتوح إلى الآن لمن شاء أن

стр. 1374

يَسْلُكُه، ولا يحتاجُ النّاظِرُ أنْ يَكونَ في كُلِّ فَنٍّ لا رُتبَةَ فَوقَهُ، فإنّا نَعلَمُ قَطْعًا أنَّ الصّحابةَ كانوا مُختَلِفي الرّتبَة، وكانَ الإمامُ مِنهُم يَستَفتي مَنْ هو دُونه، ويَرى أنَّ نَظَرَه نافِذٌ وَحُكمُه ماض، وقد قالَ اللهُ تَعالى: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٦] وقد ماتَ أبو بَكرٍ وعُمرُ ﵄ وهُما لَم يَستَتِمّا حِفظَ القُرآن، والرّواية عن عليٍّ في ذلكَ مُختلفة، وكانَ عُمرُ في مجالسَ عديدة يَستَدعي الحديثَ عَنْ رسولِ اللهِ ﷺ في بَعْضِ النّوازلِ مِمّن حَضَرهُ مِنَ الصّحابةِ ﵃ أجمعين، وكذلكَ أبو بَكرٍ ﵁ فإنّه قالَ لِلْجَدَّة: «ما عَلِمتُ لكِ في كِتابِ اللهِ نَصيبًا ولا في السُنَّةِ». حتى رُوِيَ له الحديثُ فيها (١). ولقد كانَ مالكٌ وأبو حنيفةَ ونُظَراؤُهما غير

стр. 1375

متبحرين في علم اللغة والنحو حتى نقل عن بعضهم في ذلك ما لا يخفى مثله. اهـ. قلت: نقل كلام سند هذا برمته السنوسي في «الإيقاظ»، ونقل بعضه الشوكاني في «القول المفيد» (١). اهـ» (٢). الباب الثاني قوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ (٦٩) لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [يس: ٦٩، ٧٠] في «تفسير الجلالين»: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ﴾ أي: النبي ﴿الشِّعْرَ﴾ رد لقولهم أن ما أتى به من القرآن شعر ﴿وَمَا يَنبَغِي﴾ يليق (٣) ﴿لَهُ﴾ الشِّعْرَ ﴿إِنْ هُوَ﴾ ليس الذي أتى به ﴿إِلَّا ذِكْرٌ﴾ عظة ﴿وَقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾ مظهر للأحكام وغيرها ﴿لِيُنْذِرَ﴾ بالياء والتاء به ﴿مَنْ كَانَ حَيًّا﴾ يعقل ما يخاطب به وهم المؤمنون ﴿وَيَحِقَّ الْقَوْلُ﴾ بالعذاب ﴿عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ وهم كالميتين ولا يعقلون ما يخاطبون به (٤). اهـ. فصل قال محمد تقي الدين: كل من يعرف اللغة العربية سواء أكان من أهلها أم ممن تعلمها من الأجانب يعلم يقينًا أن القرآن ليس بشعر، ومن زعم من كفار العرب أنه شعر فهو إما جاهل أو متجاهل وما جرى على لسان النبي ﷺ من الكلام المتزن كقوله: «أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب» (٥)؛ فإنه لم يقصده، ومثل هذا يجري على ألسنة جميع الناس في محاوراتهم ومحادثاتهم. ولا إشكال في كون القرآن ليس شعرًا ولا في كون محمد رسول الله غير شاعر، والمهم هنا هو قوله تعالى: ﴿لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ فجعل

стр. 1376

الناس فريقين: فريقًا أحياء القلوب يتلقون القرآن وبيانه بالقبول ويؤمنون به ويتبعونه، كما قال تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ﴾ [الأنعام: ١٢٢]، وفريقًا أموات القلوب وهم الكافرون والمنافقون ولا ثالث لهذين القسمين، فمن رد القرآن وبيانه لتقليد أو وليجة أخرى من الولائج فهو من أموات القلوب. قال العلامة محمد بن أبي مدين في «الصوارام»: «وفي (الجزء الأول) من «شرح الحطاب لمختصر خليل» (١) عازيًا إياه لتقي الدين السبكي (٢) يخاطب أصحاب المذاهب الأربعة ما نصه: «وأما تعصبكم في فروع الدين، وحملكم الناس على مذهب واحد فهو الذي لا يقبله الله منكم ولا يحملكم عليه إلا محض التعصب والتحاسد، ولو أن الشافعي ومالكًا وأبا حنيفة وأحمد أحياء يُرزقون لشدَّدوا النكير عليكم وتبرؤوا منكم فيما تفعلون». اهـ. منه بلفظه. وفي «الرد على من أخلد إلى الأرض» (٣) للسيوطي ما نصه: «قال ابن حزم في كتابه «النبذ الكافية في علم الأصول» (٤): «التقليد حرام ولا يحل لأحد أن يأخذ قول (٥) أحد غير رسول الله ﷺ (٦) بلا برهان لقوله (٧) تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾ [الأعراف: ٣] وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ [البقرة: ١٧٠] وقال في حق من لم يقلد (٨): ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ (١٧) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الزمر: ١٧ - ١٨] (٩) وقال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [النساء: ٥٩].

стр. 1377

فلم يبح الله تعالى الرد عند التنازع إلى أحد (١) دون القرآن والسنة (٢)، وقد صح إجماع الصحابة كلهم وإجماع جميع التابعين وإجماع تابعي التابعين على الامتناع (٣)، والمنع من أن يقصد منهم أحد إلى قول إنسان منهم أو (٤) ممن قبلهم فيأخذه كله، فليعلم من أخذ بجميع أقوال (٥) أبي حنيفة، أو جميع أقوال (٥) مالك، أو جميع أقوال (٥) الشافعي، أو جميع أقوال (٥) أحمد (٦) [﵃، ممن يتمكن من النظر، ولم يترك من اتبعه منهم إلى غيره] (٧) أنه قد خالف إجماع الأمة كلها بيقين لا إشكال فيه، وأنه لا يجد لنفسه سلفًا في جميع الأعصار المحمودة الثلاثة، فقد اتبع غير سبيل المؤمنين. نعوذ بالله من هذه المنزلة. اهـ. المراد منه بلفظه» (٨).

стр. 1378

سورة ص الباب الأول قوله تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص: ٢٩] قال القنوجي: ﴿كِتَابٌ﴾ أي: القرآن كتاب ﴿أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ﴾ يا محمد ﴿مُبَارَكٌ﴾ أي كثير الخير والبركة ﴿لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾ متعلق بأنزلناه، وفي الآية دليل على أن الله سبحانه إنما أنزل القرآن للتدبر والتفكر في معانيه لا بمجرد التلاوة بدون تدبر (١). اهـ. وفي تفسير «القاسمي» ما نصه: «قال الزمخشري (٢): تدبر الآيات: التفكر فيها والتأمل الذي يؤدي إلى معرفة ما [يقتضي] (٣) ظاهرها من التأويلات الصحيحة والمعاني الحسنة؛ لأن من اقتنع بظاهر المتلو لم يحظ (٤) منه بكثير طائل أو (٥) كان مثله كمثل من له لقحة درور (٦) لا يحلبها، ومهرة نثور (٧) لا يستولدها. وعن الحسن: قد قرأ هذا القرآن عبيد وصبيان لا علم لهم بتأويله، حفظوا حروفه وضيعوا حدوده، حتى إن أحدهم ليقول: والله لقد قرأت القرآن فما أسقطت منه حرفًا، وقد والله أسقطه كله، ما يُرى للقرآن عليه أثر في خُلق ولا عمل، والله ما هو (٨) بحفظ حروفه مع إضاعة حدوده، والله ما هؤلاء بالحكماء.

стр. 1379

ولا الورعة (١) لا كثر الله في الناس مثل هؤلاء، اللهم اجعلنا من العلماء المتدبرين وأعذنا من القراء المتكبرين» (٢). اهـ. وقال الحافظ المنذري في «الترغيب والترهيب» (٣) (١/ ١٠٧) ما نصه: «وعن عمر بن الخطاب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «يظهر الإسلام حتى تختلف التجار في البحر، وحتى تخوض الخيل في سبيل الله، ثم يظهر قوم يقرؤون القرآن يقولون: من أقرأ منا؟ من أعلم منا؟ من أفقه منا؟» ثم قال لأصحابه: «هل في أولئك من خير؟» قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: «أولئك منكم من هذه الأمة، وأولئك هم وقود النار» (٤). رواه البزار بإسناد لا بأس به». فصل قال محمد تقي الدين: ذكر الله الغرض الذي من أجله أنزل القرآن في مواضع من كتابه، منها قوله تعالى في أول سورة إبراهيم: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [إبراهيم: ١]، وقال تعالى في أول سورة طه: ﴿مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى (٢) إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى﴾ [طه: ٢، ٣]. وقال تعالى في سورة الأنعام رقم (٩٢): ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾، وقال تعالى فيها أيضا رقم (١٥٥): ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾. والآيات في هذا المعنى كثيرة، وكلها تدل على أن من قرأ القرآن لغرض غير الغرض الذي أنزله الله لأجله كابتغاء حسن الذكر والافتخار والتأكل به والمراء والجدال هو كما قال النبي ﷺ من وقود النار، انظر «صحيح البخاري».

стр. 1380

و «شروحه» عند قوله: (باب من تأكل بالقرآن أو فخر به) (١). وقد رأينا المقلدين لا يقرؤون القرآن لتدبر آياته أو العمل بها أو الخروج بها من الظلمات إلى النور، ولذلك حرموا من بركات القرآن وبقوا في ظلمات الجهالات. وفي «الصوارم» لابن أبي مدين ما نصه: وفي (الجزء الثالث) من «الإعلام» لابن القيم ما نصه: ومن المحال أن يكون هؤلاء المتأخرون على مذهب الأئمة دون أصحابهم الذين لم يكونوا يقلدونهم، فأتبع الناس لمالك ابن وهب وطبقته ممن يحكم الحجة وينقاد للدليل أين كان، وكذلك أبو يوسف (٢) أتبع لأبي حنيفة من المقلدين له مع كثرة [مخالفته] (٣) له، وكذلك (٤) الأثرم وطبقته من أصحاب أحمد أتبع له من المقلدين المنتسبين إليه، وعلى هذا فالوقف على أتباع الأئمة أهل الحجة والعلم أحق به من المقلدين في نفس الأمر، وقد أنكر بعض المقلدين على شيخ الإسلام ابن تيمية في تدريسه في مدرسة ابن الحنبلي - وهي وقف على الحنابلة والمجتهد ليس منهم - فقال: إنما أتناول ما أتناوله منها على معرفتي بمذهب أحمد لا على تقليدي له» (٥). اهـ المراد منه بلفظه. قلت: نقل كلام ابن تيمية هذا السيوطي في كتابه «الرد على من أخلد إلى الأرض وجهل أن الاجتهاد في كل عصر فرض» (٦). وقال عقبه ما نصه: «وقد كنت أجبت بمثل هذا الجواب قبل أن أقف عليه لما قيل لي [مثل] ذلك في العام الماضي، واستندت إلى أن ابن الصباغ ولي تدريس الشافعية بالنظامية وهو موصوف بالاجتهاد المطلق، وابن عبد السلام ولي تدريس الشافعية بالصالحية وبالظاهرية، وابن دقيق العيد ولي تدريس المدرسة المجاورة لضريح الإمام

стр. 1381

الشافعي وغيرها من المدارس الموقوفة على الشافعية، وكذلك السبكي والبلقيني كل قد ولي مدارس الشافعية، مع القطع بأنهم مجتهدون بقولهم وشهادة الناس لهم» (١). اهـ كلام السيوطي بلفظه. الباب الثاني قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا مُنذِرٌ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (٦٥) رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ (٦٦) قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ (٦٧) أَنتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ﴾ [ص: ٦٥ - ٦٨]. قال (ك): «يقول تعالى أمرًا رسوله ﷺ أن يقول للكفار بالله المشركين به المكذبين لرسوله ﴿إِنَّمَا أَنَا مُنذِرٌ﴾ لست كما تزعمون ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ أي: هو وحده قد قَهَر كل شيء وغلبه ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ أي: هو مالك جميع ذلك ومتصرف فيه ﴿الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ﴾ أي: غفار مع [عظمته وعزته] (٢). ﴿قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ﴾ أي: خبر عظيم وشأن بليغ وهو إرسال الله [تعالى] (٣) إياي إليكم ﴿أَنتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ﴾ أي: غافلون» (٤). فصل قال محمد تقي الدين: وهذا النبأ العظيم الذي أحدث انقلابًا على وجه الأرض لا يعرف له نظير في التاريخ، فسعدت به أمم وشعوب وارتفعت به من الحضيض الأسفل إلى أعلى درجات الرقي. هذه الأمم نفسها قد أعرضت عنه أيما إعراض، فكان لها هذا الإعراض أحد أسباب الانقراض، ومن الأمور التي صدتها عنه التقليد والتمذهب والقوميات والوطنيات وطرائق المتصوفة واتباع الأهواء ﴿نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [الحشر: ١٩].

стр. 1382

قال العلامة محمد بن أبي مدين في «الصوارم»: «وفي (الجزء الثالث) من «سبل السلام شرح بلوغ المرام» للصنعاني ما نصه: «والتكلف لرد الظواهر من الأدلة محاماة (١) عن المذهب، ليس من شأن المتبع لما جاء عن الله ورسوله ﷺ » (٢). اهـ. وفي «القوانين الفقهية» لابن جُزَيّ ما نصه: «والتعصب لمذهب دون آخر من حمية الجاهلية» (٣). اهـ. وفي تعليق الأستاذ حسين على «موافقات الشاطبي» ما نصه: «التعصب للمذهب ينشأ عن قصر النظر وعدم التفقه في الأصول العالية، ولهذا تجد المتبحر في علم الكتاب والسنة، المطلع على مذاهب الفقهاء ومداركها لا يزيد احترامه للمذهب الذي يتبعه على احترامه للمذاهب الأخرى (٤)، وذلك لما يبدو له من رجحانها وتفوّقها على مذهبه في كثير من المسائل» (٥). اهـ.

стр. 1383

وَفي (الجزء الأول) من «زاد المعاد» لابن القيم ما نصه: «ويا الله ما يصنع التقليد ونصرة الآراء بأصحابه» (١). اهـ. وَفي «القواعد الكبرى» لعز الدين بن عبد السلام ما نصه: «ولم يزل الناس يسألون من اتفق من العلماء من غير تقيد بمذهب ولا إنكار على أحد من السائلين إلى أن ظهرت هذه المذاهب ومتعصبوها من المقلدين، فإن أحدهم يتبع إمامه مع بعد مذهبه عن الأدلة مقلدًا له فيما قال كأنه نبي أرسل إليه، وهذا نأي عن الحق، وبعد عن الصواب لا يرضى به أحد من أولي الألباب» (٢). اهـ. وَفي (الجزء الثاني) من «فتاوى شيخ الإسلام» تقي الدين ابن تيمية ما نصه: «وإذا كان الرجل متبعًا بعض الأئمة الأربعة، ورأى في بعض المسائل أن مذهب غيره أقوى فاتبعه كان قد أحسن في ذلك، بل هذا أولى بالحق وأحب إلى الله ورسوله ممن يتعصب لواحد معين، ويرى أن قوله هو الصواب دون قول الذي خالفه، وما زال المسلمون يستفتون علماءهم فيقلدون هذا تارة وهذا تارة، فإذا كان المقلد يقلد في مسألة يراها أصلح لدينه أو القول بها أرجح، جاز هذا باتفاق جماهير علماء المسلمين» (٣). اهـ. وَفي «سنن المهتدين في مقامات الدين» للموّاق ما نصه: «لا يتعين على العامي إذا قلد إمامًا في مسألة أن يقلد غيره في (٤) سائر مسائل الخلاف؛ لأن الناس من لدن الصحابة إلى أن ظهرت المذاهب يسألون عما (٥) يسنح لهم العلماء

стр. 1384

المختلفين من غير نكير من أحد، وسواء اتباع (١) الرخص في ذلك أو العزائم؛ لأن من جعل المصيب واحدًا لم يعينه، ومن قال: كل مجتهد مصيب، فلا إنكار على من قلد في الصواب» (٢). اهـ. قلت: تصويب كل مجتهد عند من قاله من الصواب الذي لا ينافي الخطأ، بمعنى أن المجتهد لا يأثم بالخطأ، بل يؤجر عليه بعد توفية الاجتهاد حقه، لا من الإصابة التي هي مقابلة للخطأ، فإن ذلك لا يقوله عالم (٣)؛ لأن النبي ﷺ قسم ما يصدر من المجتهد إلى صواب وخطأ فقال: «إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران وإن أخطأ فله أجر»، أخرجه الشيخان والأربعة (٤). قال السندي في «حاشيته على البخاري» في الكلام على الحديث المذكور ما نصه: «وفيه دلالة على أن الحق عند الله واحد وأن المجتهد يخطئ ويصيب» (٥). اهـ. الباب الثالث قوله تعالى: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ (٨٦) إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (٨٧) وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ﴾ [ص ٨٦ - ٨٨] قال (ك): يقول تعالى: ﴿قُلْ﴾ يا محمد لهؤلاء المشركين ﴿مَا أَسْأَلُكُمْ

стр. 1385

عَلَيْهِ﴾ أي: على [إبلاغ] (١) الرسالة، والنصح ﴿مِنْ أَجْرٍ﴾ من عرض الدنيا تعطونيه ﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ وما أمرت بتبليغه فقد بلغته وأديته لا أزيد عليه ولا أنقص منه، وإنما أبتغي بذلك وجه الله والدار الآخرة، قال سفيان الثوري عن عبد الله بن مسعود قال: «يا أيها الناس من علم شيئًا فليقل به، ومن لم يعلم فليقل: الله أعلم، فإن من العلم أن يقول الرجل لما لا يعلم الله أعلم، فإن الله قال لنبيه ﷺ : ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ أخرجاه من حديث الأعمش به (٢). وقوله تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾ يعني القرآن ذكر الجميع المكلفين من الإنس والجن، كقوله تعالى: ﴿لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام: ١٩]، وقوله تعالى: ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ﴾ أي يوم القيامة. قال الحسن: يا ابن آدم عند الموت يأتيك الخبر» (٣). وفي «الصوارم»: وقال مالك - رحمه الله تعالى: ليس في اختلاف الصحابة سعة وإنما الحق في واحد قيل له: فمن يقول: إن كل مجتهد مصيب؟ فقال: لا يكون قولان مختلفان صوابين. وهذا قول الليث والأوزاعي والشافعي وأبي ثور وجماعة أهل النظر فمن زعم أن تصويب كل مجتهد من الإصابة للحق فقد غلط غلطًا بينًا، ومن لم يفهم الفرق فعليه أن يتهم نفسه، انظر: «القول المفيد للشوكاني» و (الجزء الرابع) من «مقامات (٤) الشاطبي» و «الجامع» لابن

стр. 1386

عبد البر و (الجزء الأول) من «المحلى» لابن حزم و (الجزء الثالث) من «تهذيب السنن» لابن القيم وغيرها من كتب الأصول. اهـ. وفي «جمع الجوامع» لابن السبكي ما نصه ممزوجًا بكلام شارحه المحلي: «(وأما الجزئية التي فيها قاطع من نص أو إجماع واختلف فيها لعدم الوقوف عليه، فالمصيب فيها واحد وفاقًا)، وهو من وافق ذلك القاطع» (١). اهـ. وقال أبو عمر بن عبد البر في كتابه «جامع بيان العلم وفضله» (٢) ما نصه: «واعلم أن مَنْ عني بحفظ السنن والأحكام المنصوصة في القرآن، ونظر في أقاويل الفقهاء، فجعلها عونًا له على اجتهاده ومفتاحًا لطرائق النظر وتفسيرًا (٣) على كل حال دون نظر، ولم يرح نفسه مما أخذ العلماء به أنفسهم من حفظ السنن وتدبرها واقتدى بهم في (٤) البحث والتفهم والنظر، وشكر لهم سعيهم فيما أفادوه ونبهوا عليه، وحمدهم على صوابهم الذي هو أكثر أقوالهم، ولم يبرئهم من الزلل كما لم يبرؤوا أنفسهم منه، فهذا هو الطالب المتمسك بما عليه السلف الصالح، وهو المصيب لحظه، والمعاين لرشده، والمتبع لسنة نبيه ﷺ وهدي صحابته ﵃، ومن أعفى نفسه من النظر، وأضرب عما ذكرنا، وعارض السنن برأيه، ورام أن يردها إلى مبلغ نظره، فهو ضال مضل، ومن جهل ذلك كله وتقحم في الفتوى بلا علم، فهو أشد عمى وأضل سبيلًا» (٥). اهـ.

стр. 1387

سورة الزمر الباب الأول : قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ [الزمر: ٢٢، ٢٣]. قال (ك): أي: هل يستوي هذا ومن هو قاسي القلب بعيد من الحق؟ كقوله: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِج منها﴾ [الأنعام: ١٢٢] ولهذا قال تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ أي: فلا تلين عند ذكره ولا تخشع ولا تعي ولا تفهم، ﴿أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ (١). وقوله تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ﴾ … الآية. قال (ك): «هذا مدح من الله لكتابه العظيم فقال جل وعلا: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ﴾ قال بعض العلماء ومنهم سفيان بن عيينة: إن سياقات القرآن تارة تكون في معنى واحد فهذا من المتشابه، وتارة تكون بذكر الشيء وضده، كذكر المؤمنين ثم الكافرين أو كصفة الجنة ثم صفة النار وما أشبه هذا .. فهذا من المثاني كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (١٣) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾ [الانفطار: ١٣، ١٤]. وأما إذا كان السياق كله في معنى واحد يشبه بعضه بعضًا فهو المتشابه.

стр. 1388

وقوله تعالى: ﴿تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ أي: هذه صفة الأبرار عند سماع كلامه ﷻ [بما يفهمونه] (١) منه من الوعد والوعيد والتخويف والتهديد تقشعر منه جلودهم من الخشية والخوف، ﴿ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ ذلك لما يرجون ويؤملون من رحمته ولطفه، فهم مخالفون لغيرهم من الفجار من وجوه: أحدها: إن سماع هؤلاء هو تلاوة الآيات، وسماع أولئك نغمات الأبيات من أصوات القينات. الثاني: إنهم إذا تليت عليهم آيات الرحمن خروا سجدًا وبكيًا، بأدب وخشية ورجاء ومحبة، وفهم وعلم، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا﴾ [الفرقان: ٧٣] أي: إنما يعملون بها ويسجدون عندها عن بصيرة، لا عن جهل وتقليد أعمى ومتابعة لغيرهم. الثالث: إنهم يلزمون الأدب عند سماعها كما كان الصحابة (٢) يسمعونها وتقشعر جلودهم وتلين قلوبهم إلى ذكر الله، ولم يكونوا يتصارخون ولا يتكلفون ما ليس فيهم، بل عندهم من الأدب والسكون والخشية ما لا يلحقهم أحد في ذلك، ولهذا فازوا بالرضا والمدح من الله في الدارين بخلاف بعض الجماعات الذين تذهب عقولهم ويغشى عليهم، إنما هذا في أهل البدع، وهذا من الشيطان، وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ أي: هذه صفات من هداه الله، ومن كان على خلاف ذلك، فهو ممن أضله الله ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ (٣). فصل قال محمد تقي الدين: كل من شرح الله صدره للإسلام الذي جاء به محمد رسول الله ﷺ بلا تبديل ولا تغيير ولا زيادة ولا نقصان يكون على نور من ربه يخرجه الله من الظلمات إلى النور، ويكون قلبه لينًا إذا سمع كتاب الله اقشعر قلبه ولان جلده وانتفع بكتاب الله وكان من المهتدين، ولا يمكن مع ذلك أن يرد شيئًا من كتاب الله أو من سنة رسوله ﷺ ؛ لتقليد أو تمذهب أو تعصب لحزب أو وطن

стр. 1389

أو جنس، قال العلامة محمد بن أبي مدين في «الصوارم» ما نصه: «وقال محيى السنة الشيخ سيدي ابن الشيخ سيدي محمد ابن الشيخ سيدي رحمهم الله تعالى في ترجمة كتابه «إرشاد المقلدين عند اختلاف المجتهدين» ما لفظه: أما بعد: فهذه نقول قصد بها بيان أن الأولى للمقلد لأحد الأئمة الأربعة إذا وجد خلاف إمامه عن أحد الأئمة الثلاثة في مسألة وتبين له رجحانه على مذهب إمامه في تلك المسألة بموافقته للقرآن أو السنة الصحيحة المخرجة في «الصحيحين» أو في أحدهما، أو نص الترمذي مثلًا على صحتها ولم يجد مثل ذلك لإمامه، أو وجد ثلاثة من الأئمة الأربعة متوافقين على خلاف إمامه في مسألة ولم يجد فيها دليلًا من القرآن أو السنة الصحيحة موافقًا لإمامه، ولا سيما إن اجتمعت هذه المرجحات كلها ومعها رواية عن إمامه أن يعمل بما تبين له رجحانه إن كان متحريًا للحق، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم» (١). اهـ. وقد قرظ (٢) كتابه المذكور بقوله: هذي نقول صحيحات صريحات … في قفوها لإله الناس مرضاة تهديك نحو كتاب الله أو سُنن … قد أثبتتها عن المختار أثبات وأعملتها وعاةُ العلم كلُّهم … أو جلهم إن تكن ثم اختلافات قد جمعت من بطون الكتب فالتأمت … وكن يلفين (٣) فيها وهي أشتات يرضى بها من أولي الألباب من صُقلت … من قلبه لقبول الحق مرأة لا يمتري عاقل فيها إذا سمعت … إن كان منه لقول الحق إنصات لكنها حين عاد الدين مغتربا … وهن عروته (٤) الوثقى غريبات فهذه السنة الغراء دارسة … وأهلها في تخوم الأرض أموات وعد كذلك موقوت بلا كذب … قد حان من عصره الموعود ميقات وفي اتباع كتاب الله أو سنن … صحت عن المصطفى للدين منجاة والرأي في وقته من أهله حسن … ولا تراه على المنصوص يفتات

стр. 1390

إن البدايات من يُحكم تحققها … تحققت عنده منها النهايات (١) الباب الثاني قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ فَمَنِ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ﴾ [الزمر: ٤١] قال (ك): «يخاطب تعالى رسوله محمدًا ﷺ : ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ﴾ أي: لجميع الخلق من الإنس والجن لتنذرهم به ﴿فَمَنِ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ﴾ أي: فإنما يعود نفع ذلك في نفسه ﴿وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا﴾ أي: يعود وبال ذلك على نفسه: ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ﴾ أي: بموكل أن يهتدوا ﴿إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ [هود: ١٢] (٢)، ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ﴾ [الرعد: ٤٠]» (٣). فصل قال محمد تقي الدين: قوله تعالى: ﴿لِلنَّاسِ﴾ أي: لتبشر وتنذر جميع الناس، وكل من بلغه هذا التبشير وهذا الإنذار على وجهه بدون تبديل ولا تغيير على يد دعاة مخلصين يشفعون أقوالهم بأفعالهم فهو حجة عليه، لقوله تعالى: ﴿لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام: ١٩]. ومن أعرض عنه بتكذيب ظاهر غير مستتر أو بتكذيب يستره بتقليد أو أخذ العهد والورد من شيخ، أو الانضمام إلى حزب، أو بسبب وطنية أو وثنية أو تعصبًا لقومية جاهلية، فقد قامت عليه حجة الله، وسيعذبهم الله عذابًا أليمًا في الدنيا والآخرة، وما لهم في الأرض من ولي ولا نصير. وفي «الصوارم» ما نصه: وقال شمس الدين ابن القيم في «الإعلام» (٤) ما نصه: «كل طائفة منكم

стр. 1391

معشر المقلدين قد نزلت (١) جميع الصحابة والتابعين وجميع علماء الأمة إلا من قلدتموه (٢) في مكان من (٣) لا يعتد بقوله ولا ينظر في فتواه إلا لإعمال الفكر في الرد عليهم إذا خالف قولهم قول متبوعهم، فإذا خالف قول متبوعهم نصا عن الله ورسوله فالواجب - عندهم - التكلف في إخراج ذلك النص عن دلالته والتحيل لدفعه بكل طريق حتى يصح قول متبوعهم، فيا الله لدينه وكتابه وسنة رسوله ولبدعة كادت تثل عرش الإيمان، وتهد ركنه لولا أن الله ضمن لهذا الدين أن لا يزال فيه من يتكلم بإعلائه (٤) ويذب عنه، ومن أعجب أمركم أنكم أقررتم على أنفسكم بالعجز عن معرفة الحق بدليله من كلام الله وكلام رسوله مع سهولته وقرب مأخذه واستيلائه على أقصى غايات البيان واستحالة التناقض والاختلاف عليه، فهو نقل محض (٥) عن قائل معصوم، وقد نصب الله سبحانه الأدلة الظاهرة على الحق وبين لعباده ما يتقون، فادعيتم العجز عن معرفة ما نصب عليه الأدلة وتولى سبحانه بيانه، ثم زعمتم أنكم عرفتم بالدليل أن صاحبكم أولى بالتقليد من غيره، فعجبا كل العجب لمن خفي عليه الترجيح فيما نصب الله عليه الأدلة من الحق ولم يهتد إليها واهتدى إلى أن متبوعه أولى بالصواب ممن عداه، ولم ينصب الله على ذلك دليلا واحدا، وطريقة أهل العلم سلفا وخلفا طلب النظر في أقوال العلماء وضبطها وعرضها على القرآن والسنن وأقوال الخلفاء الراشدين، فما وافق ذلك قبلوه ودانوا الله به وأفتوا به، وما خالف ذلك منها ردوه ولم يلتفتوا إليه، وما لم يتبين لهم جعلوه من مسائل الاجتهاد التي غايتها أن تكون سائغة الاتباع لا واجبته من غير أن يلزموا بها أحدا ولا يقولون إنها الحق دون ما خالفها. وأما هؤلاء الخلف؛ فعكسوا الطريق وقلبوا أوضاع الدين؛ فزيفوا كتاب الله وسنة رسوله وأقوال خلفائه وأصحابه، فعرضوها على أقوال من قلدوه، فما وافقه منها انقادوا له مذعنين، وما خالف أقواله منها لم يقبلوه، واحتال فضلاؤهم في ردها بكل ممكن، وتطلبوا لها وجوه الحيل التي تردها، فإذا كانت موافقة لمذاهبهم وكانت تلك الوجوه بعينها، قائمة فيها شنعوا على منازعهم وأنكروا عليه

стр. 1392

رُدَّها بتلك الوجوه بعينها وقالوا: لا تُرد النصوص بمثل هذا، ومن له همة تسمو إلى الله ومرضاته ونصر الحق الذي بعث به رسوله أين كان ومع من كان لا يرضى لنفسه بهذا المسلك الوخيم والخلق الذميم. اهـ. قلت: قد صدر هذا الكلام من ابن القيم - رحمه الله تعالى - منذ ستمائة سنة ونيف وعشرين سنة والعلماء إذ ذاك متوافرون والروضة أنف والحوض ملان (١)، وأما الآن فقد بلغ السيل الزبى وريعت الأرباء بكل أربي (٢)، فإنا لله وإنا إليه راجعون والله المستعان، حسبنا الله ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. اهـ. وفي (الجزء الأول) من «المدخل» لابن الحاج المالكي ما نصه: «ولو قلت لأحدهم مثلًا: السنة كذا وكذا، قابلك بما لا يليق فيقول: كان شيخي يفعل كذا وكذا، وما هذا طريق شيخي، ويصادم بذلك السنة الواضحة، وليتهم وقفوا عند هذا الحد لو كان سائغًا، بل زادوا على ذلك الأمر المخوف، وهو ما بلغني ممن أثق به أن بعض من ينسب إلى العلم تكلم في مسألة ونقل فيها عن بعض شيوخه نقلًا تأباه الشريعة، فقال له بعض من حضره: حديث النبي ﷺ يرد هذا. فقال له: حديث النبي ﷺ إنما يراد للتبرك والشيوخ هم الذين يقتدى بهم، وهذا إن كان معتقدًا لما قاله كان كافرًا حلال الدم، وإن لم يعتقده فهو مرتكب لكبيرة عظمى، يجب عليه أن يتوب منها مع الأدب الموجع» (٣). اهـ. الباب الثالث قوله تعالى: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ (٥٤) وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (٥٥) أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ (٥٦) أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (٥٧) أَوْ تَقُولَ حِينَ

стр. 1393

تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٥٨) بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٥٩) وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ (٦٠) وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦١)﴾ [الزمر: ٦١] قال (ك): «أي: ارجعوا إلى الله واستسلموا له ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ﴾ أي: بادروا بالتوبة والعمل الصالح قبل حلول النقمة ﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُم مِنْ رَبِّكُمْ﴾ وهو القرآن العظيم ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ أي: من حيث لا تعلمون ولا تشعرون، ثم قال : ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنبِ اللَّهِ﴾ أي: يوم القيامة يتحسر المجرم المفرط في التوبة والإنابة ويود لو كان من المحسنين المخلصين المطيعين الله ، وقوله ﵎: ﴿وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ﴾ أي: إنما كان عملي في الدنيا عمل ساخر مستهزئ غير موقن مصدق ﴿أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (٥٧) أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ أي: تود لو أعيدت إلى الدنيا لتحسن العمل، قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﵁: «أخبر الله ما العباد قائلون قبل أن يقولوه، وبعملهم (١) قبل أن يعملوه» (٢)، وقال [تعالى] (٣) ﴿وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فاطر: ١٤] ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ﴾ ﴿أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ ﴿أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ فأخبر الله (٤) أن لو ردّوا لما قدروا على الهدى فقال (٥): ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [الأنعام: ٢٨]. وقد قال الإمام أحمد بسنده عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «كل أهل النار

стр. 1394

يرى مقعده من الجنة فيقول: لو أن الله هداني. فتكون عليه حسرة»، قال: «وكل أهل الجنة يرى مقعده من النار فيقول: لولا أن الله هداني. قال: فيكون له الشكر» (١). ولما تمنى أهل الجرائم العود إلى الدنيا وتحسروا على [عدم] (٢) تصديق آيات الله واتباع رسله قال [ ]: ﴿بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ أي: قد جاءتك أيها العبد النادم على ما كان منه آياتي في الدار الدنيا وقامت حججي عليك فكذبت بها واستكبرت عن اتباعها وكنت من الكافرين بها الجاحدين لها» (٣). وقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿يَحْزَنُونَ﴾ قال (ك): يخبر تعالى عن يوم القيامة أنه تسود فيه وجوه وتبيض فيه وجوه، تسود وجوه أهل الفرقة والاختلاف، وتبيض وجوه أهل السنة والجماعة، قال تعالى ههنا: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ﴾ أي: في دعواهم له شريكًا وولدًا ﴿وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ﴾ أي: بكذبهم وافترائهم، وقوله تعالى: ﴿أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ﴾ أي: أليست جهنم كافية لهم سجنًا وموئلًا، لهم فيها الخزي والهوان بسبب تكبرهم وتجبرهم وإبائهم عن الانقياد للحق؟ قال ابن أبي حاتم بسنده عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إن المتكبرين يحشرون يوم القيامة أشباه الذر في صور الناس، يعلوهم كل شيء من الصغار، حتى يدخلوا سجنًا من النار في وادٍ يقال له: بولس، من نار الأنيار ويسقون من عصارة أهل النار ومن طين (٤) الخبال» (٥). وقوله ﵎:

стр. 1395

﴿وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ﴾ أي: بما سبق لهم من السعادة والفوز عند الله ﴿لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ﴾ أي: يوم القيامة ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ أي: ولا يحزنهم الفزع الأكبر بل هم آمنون من كل فزع مزحزحون عن كل شر، نائلون (١) كل خير» (٢). فصل قال محمد تقي الدين: قوله تعالى: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ﴾ خطاب لمن خوطبوا بقوله تعالى: ﴿لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ وهو شرط في مغفرة الذنوب خلافًا للمحدث القنوجي؛ لأنهم إذا لم ينيبوا ولم يسلموا ولم يتبعوا أحسن ما أنزل إليهم من ربهم لا يستحقون المغفرة؛ لأنهم لم يتوبوا من إسرافهم على أنفسهم فهذا كقوله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ إلى أن قال: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ١٣٣ - ١٣٥] وكل نفس لم تنب إلى الله تعالى ولم تسلم ولم تتبع القرآن واستمرت على ذلك إلى الموت، فلا بد أن يأتيها العذاب ولا بد أن تندم وتقول: ﴿يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٥٦] والمعرض عن القرآن والسنة لتقليد أو اتباع طريقة أو تعصب لحزب أو مذهب أو وطنية وثنية أو قومية طاغية داخل في هذا الوعيد، فإن كان يشهد الله تعالى بالتوحيد قولًا وعملًا واعتقادًا، ويشهد الرسول الله ﷺ بالبلاغ وقد قصر في طلب علم السنة، أو علمها وخالفها تعصبًا لما تقدم من النحل يخشى عليه العذاب الأليم والشقاء في الدنيا والآخرة».

стр. 1396

وفي «الصوارم والأسنة» نقلًا (١) عن «إعلام الموقعين» ما نصه (٢): قال شمس الدين ابن القيم في كتابه: «إعلام الموقعين عن رب العالمين» مجيبًا لهم عن هذه الحجج ما نصه: «أما احتجاجكم على وجوب التقليد بقوله: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ﴾ (التوبة: ١٢٢) الآية فإن الله سبحانه إنما أوجب عليهم قبول ما أنذرهم (٣) به من الوحي الذي ينزل في غيبتهم عن النبي ﷺ في الجهاد، وليس في الآية ما يقتضي صحة القول بالتقليد المذموم؛ بل هي حجة على فساده؛ لأن الإنذار إنما يقوم بالحجة، فمن لم يأت بها فليس بنذير، ومن لم تقم عليه الحجة لم يكن قد أنذر، فإن سميتم ذلك تقليدًا فليس الشأن في الأسماء، ونحن لا ننكر التقليد بهذا المعنى، فسموه ما شئتم، وإنما ننكر نصب رجل معين يجعل قوله عيارًا على القرآن فما وافق قوله منها قبل وما خالفه لم يقبل ويقبل قوله بغير حجة ويرد قول نظيره أو أعلم منه والحجة معه، فهذا الذي أنكرناه، وكل عالم على وجه الأرض يُعلن إنكاره وذمه وذم أهله» (٤). واحتجاجكم بقوله تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ﴾ (النساء: ٥٩) فقد خفي عليكم أنهم إنما يطاعون إذا أمروا بأمر الله ورسوله، فطاعتهم إنما هي تبع لا استقلال، ولهذا قرنها بطاعة الرسول، ولم يُعِدْ العامل، وأفرد طاعة الرسول وأعاد العامل لئلا يتوهم أنه إنما يطاع تبعًا وليس كذلك، بل طاعته واجبة استقلالًا سواء كان ما أمر به في القرآن أو لم يكن، فأين في الآية تقديم آراء الرجال على السنة وإيثار التقليد عليها؟ وأولو الأمر قد نهوا عن تقليدهم كما صح ذلك عن معاذ (٥) وابن مسعود (٦) وابن عمر (٧).

стр. 1397

عباس (١) وغيرهم من الصحابة (٢)، وذكرناه نصًا عن الأئمة الأربعة وغيرهم وحينئذ فطاعتهم في ذلك إن كانت واجبة بطل التقليد وإن لم تكن واجبة بطل الاستدلال، فهذه الآية من أكبر الحجج عليكم وأعظمها إبطالًا للتقليد. وأما احتجاجكم بقوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٧] فما ذكرتم بعينه حجة عليكم؛ لأن الله سبحانه أمر بسؤال أهل الذكر وهو القرآن والحديث، فهما الذكر الذي أمر الله من لا علم عنده أن يسأل أهله، وهذا هو الواجب على كل أحد أن يسأل أهل العلم بالذكر، فإذا أخبروه به لم يسعه غير اتباعه، هذا كان شأن أئمة أهل العلم، لم يكن لهم مقلد معين يتبعونه في كل ما قال، فكان ابن عباس يسأل الصحابة عن ما قاله رسول الله ﷺ أو فعله لا يسألهم عن غير ذلك، وكان الصحابة يسألون أمهات المؤمنين خصوصًا عائشة عن فعله ﷺ في بيته، وكان التابعون يسألون الصحابة عن فعل نبيهم فقط، وكذلك أئمة الفقه كما قال الشافعي لأحمد: «أنت أعلم بالحديث مني، فإذا صح الحديث فأعلمني حتى أذهب إليه شاميًا كان أو كوفيًا أو بصريا» (٣)، ولم يكن أحد من أهل العلم قط يسأل عن رأي رجل بعينه أو مذهبه فيأخذ به وحده ويخالف له ما سواه».

стр. 1398

«وأما قولكم: قد صح عنه ﷺ أنه قال: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي» (١) وقال: «اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر» (٢)، فهو من أكبر حجتنا عليكم، إذ من المعلوم أن أحدًا منهم لم يكن يدع

стр. 1399

السنة إذا ظهرت لقول غيره كائنًا من كان، ولم يكن له معها قول البتة، فالأخذ بسنتهم ليس تقليدًا لهم بل اتباع له ﷺ ، مع أنكم أول مخالف لهذين الحديثين، فإنكم لا ترون الأخذ بسنتهم واجبًا وليس قولهم عندكم حجة، وقد صرح بعض غلاتكم أنه لا يجوز تقليدهم ويجب تقليد إمامه، فمن العجائب احتجاكم بشيء أنتم أشد الناس له خلافًا، فالحديث بجملته حجة عليكم من كل وجه، فإنه أمر عند الاختلاف بسنته وسنة خلفائه، وأمرتم أنتم برأي فلان ومذهب فلان، وحذر من محدثات الأمور وأخبر أن «كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة» (١) ومعلوم أن ما أنتم عليه من التقليد الذي ترك له كتاب الله وسنة رسوله ويعرضان عليه ويجعل معيارًا عليهما من أعظم المحدثات والبدع، التي برّأ الله سبحانه القرون التي فضلها على غيرها منها. وقد قال في نفس الحديث: «فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا» (٢) وهذا ذم للمختلفين وتحذير من سلوك سبيلهم، وإنما كثر الاختلاف بسبب التقليد؛ كل فرقة من أهله تنصر متبوعها وتذم من خالفها ولا يرون العمل بقولهم حتى كأنهم ملة أخرى، يدأبون في الرد عليهم ويقولون: كتبهم وكتبنا، وأئمتهم وأئمتنا ومذهبهم ومذهبنا (٣)، والنبي واحد والقرآن واحد والدين واحد والرب واحد، فالواجب على الجميع أن ينقادوا إلى كلمة سواء بينهم، وأن لا يطيعوا إلا الرسول ولا يجعلوا أقوال غيره كنصوصه، ولا يتخذ بعضهم بعضًا أربابًا من دون الله، فلو اتفقت كلمتهم على ذلك وتحاكموا إلى السنة وآثار الصحابة لقل الاختلاف، ولذا تجد أقل الناس اختلافًا أهل السنة والحديث لما بنوا على هذا.

стр. 1400

الأصل، وكلما كانت الفرقة عن الحديث أبعد كان اختلافهم أشد وأكثر، فإن من رد الحق مرج عليه أمره والتبس عليه الصواب كما قال تعالى: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ﴾ [ق: ٥] (١). «وأما احتجاجكم بأنه ﷺ حصر شفاء العي في سؤال العلماء والتقليد لهم فيما قالوه، فجوابه أنه إنما أرشد المستفتين كصاحب الشجة للسؤال عن حكمه وسنته فقال: «قتلوه قتلهم الله» (٢) فدعا عليهم حين أفتوا بغير علم، وفي هذا

стр. 1401

تحريم الإفتاء بالتقليد، فكل ما دعا ﷺ عليه على فاعله فهو حرام، وكذلك سؤال ابن (١) العسيف - الذي زنا بامرأة مستأجره - أهل (٢) العلم (٣)، فإنهم لما أخبروه بسنته ﷺ في البكر الزاني أقره على ذلك ولم ينكره فلم يكن سؤالهم عن رأيهم ومذاهبهم، فما احتججتم به من أكبر الحجج عليكم» (٤)، «وأما قولكم: يكفي في صحة التقليد الحديث المشهور: «أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم» (٥).

стр. 1402

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1403

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1404

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1405

فجوابه: إن البزار قال: هذا الكلام لا يصح عن النبي ﷺ ، مع أنكم استجزتم ترك تقليد النجوم التي يهتدى بها، وقلدتم من هو دونهم بمراتب كثيرة. فكان تقليد الأئمة الأربعة أثر عندكم من تقليد الخلفاء الأربعة، فما دل عليه الحديث خالفتموه صريحًا واستدللتم به على تقليد من لم يتعرض له بوجه، والاقتداء بالصحابة هو اتباع القرآن والسنة والقبول من كل من دعا إليهما، فالاقتداء بهم يحرم عليكم التقليد ويوجب الاستدلال وتحكيم الدليل كما كان عليه القوم ﵃، فالحديث من أقوى الحجج عليكم» (١). «وأما قولكم: كان الصحابة يفتون ورسوله ﷺ حي بين أظهرهم وهذا تقليد من المستفتين لهم، فجوابه أن فتوى الصحابة في حياته نوعان: أحدهما: ما كان يبلغه ويقر عليه، فهو حجة بإقراره، لا بمجرد إفتائهم. الثاني: ما كانوا يفتون به مبلغين له عن نبيهم، فهم فيه رواة لا مقلدون ولا مقلدون» (٢).
следующие страницы →