← Акыда

Акыда · id 30197

سبيل الرشاد في هدي خير العباد

محمد تقي الدين الهلالي

Полный текст (2 277 стр.). Показаны 1401–1440 · переход к 1406.

стр. 1401

تحريم الإفتاء بالتقليد، فكل ما دعا ﷺ عليه على فاعله فهو حرام، وكذلك سؤال ابن (١) العسيف - الذي زنا بامرأة مستأجره - أهل (٢) العلم (٣)، فإنهم لما أخبروه بسنته ﷺ في البكر الزاني أقره على ذلك ولم ينكره فلم يكن سؤالهم عن رأيهم ومذاهبهم، فما احتججتم به من أكبر الحجج عليكم» (٤)، «وأما قولكم: يكفي في صحة التقليد الحديث المشهور: «أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم» (٥).

стр. 1402

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1403

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1404

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1405

فجوابه: إن البزار قال: هذا الكلام لا يصح عن النبي ﷺ ، مع أنكم استجزتم ترك تقليد النجوم التي يهتدى بها، وقلدتم من هو دونهم بمراتب كثيرة. فكان تقليد الأئمة الأربعة أثر عندكم من تقليد الخلفاء الأربعة، فما دل عليه الحديث خالفتموه صريحًا واستدللتم به على تقليد من لم يتعرض له بوجه، والاقتداء بالصحابة هو اتباع القرآن والسنة والقبول من كل من دعا إليهما، فالاقتداء بهم يحرم عليكم التقليد ويوجب الاستدلال وتحكيم الدليل كما كان عليه القوم ﵃، فالحديث من أقوى الحجج عليكم» (١). «وأما قولكم: كان الصحابة يفتون ورسوله ﷺ حي بين أظهرهم وهذا تقليد من المستفتين لهم، فجوابه أن فتوى الصحابة في حياته نوعان: أحدهما: ما كان يبلغه ويقر عليه، فهو حجة بإقراره، لا بمجرد إفتائهم. الثاني: ما كانوا يفتون به مبلغين له عن نبيهم، فهم فيه رواة لا مقلدون ولا مقلدون» (٢).

стр. 1406

سورة غافر الباب الأول قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾ [غافر ٣٥] قال (ك): «أي: الذين يدفعون الحق بالباطل ويردون (١) الحجج بغير دليل وحجة معهم من الله [تعالى] (٢)، فإن الله [ ] (٢) يمقت على ذلك أشد المقت، ولهذا قال تعالى: ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي: والمؤمنون أيضًا يبغضون من تكون هذه صفاته (٣)، فإن من كانت هذه صفته يطبع الله على قلبه فلا يعرف بعد ذلك معروفًا ولا ينكر منكرًا، ولهذا قال [﵎] (٢): ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ﴾ أي: على اتباع الحق ﴿جَبَّارٍ﴾ روى ابن أبي حاتم عن عكرمة، وحكى عن الشعبي أنهما قالا (٤): «لا يكون الإنسان جبارًا حتى يقتل نفسين». وقال أبو عمران الجوني وقتادة: «آية الجبابرة القتل بغير حق». [والله تعالى أعلم] (٢)» (٥). فصل قال محمد تقي الدين: ومن الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان المقلدون والمبتدعون كما تقدم في كلام ابن القيم، فقد رد شبهاتهم من ثمانين

стр. 1407

وجها تقدم ذكر بعضها في هذا الكتاب. قال صاحب «الصوارم» في حديث: «قتلوه قتلهم الله» (١) ما نصه: «قلت: حديث صاحب الشجة أخرجه ابن ماجه موصولا وأبو داود منقطعا، وفيه من العلم أنه عابهم بالفتوى بغير علم وألحق بهم الوعيد على ذلك بأن دعا عليهم وجعلهم في الإثم قتلة، وفيه من الفقه الجمع بين التيمم وغسل سائر البدن، وكون أحد الأمرين ليس كافيا دون الآخر. قال عطاء بن أبي رباح: بلغنا أنه ﷺ قال: «لو غسل جسده وترك رأسه حيث أصابه الجرح [وتيمم لأجزأه]» (٢). وقال الصنعاني في (الجزء الثاني) من كتابه (سبل السلام شرح بلوغ المرام) ما نصه: «وأما حديث «عليكم بسنتي (٣) الحديث، وحديث «اقتدوا باللذين من بعدي» (٤) الحديث، فإنه ليس المراد إلا طريقتهم الموافقة لطريقته ﷺ من جهاد الأعداء وتقوية شعائر الدين، فإن الحديث عام لكل خليفة راشد ومعلوم أنه ليس لخليفة راشد أن يشرع طريقة غير ما كان عليها النبي ﷺ فتأمل، على أن الصحابة خالفوا الشيخين في مواضع، فدل على أنهم لم يحملوا الحديث على أن ما قالاه وفعلاه حجة» (٥). اهـ. وفي «الإرشاد» للشوكاني ما نصه: «وأما ما تمسك به بعض القائلين بحجية (٦) قول الصحابي مما روي عنه ﷺ أنه قال: «أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم» (٧) فهذا مما لم يثبت قط والكلام فيه معروف عند أهل هذا الشأن، بحيث لا يصح العمل بمثله في أدنى حكم من أحكام الشرع، فكيف بمثل هذا الأمر العظيم والخطب الجليل؟» (٨). اهـ.

стр. 1408

وفي «تفسير البيضاوي» عند قوله تعالى: ﴿أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ١٧٠] ما نصه: «وفي الآية (١) دليل على المنع من التقليد لمن قدر على النظر والاجتهاد» (٢). اهـ. وفي «التقرير والتحبير» (٣) لابن أمير الحاج الحنفي ما نصه: «قال ابن حزم: أجمعوا أنه لا يحل لحاكم ولا مفت تقليد رجل فلا يحكم ولا يفتى إلا بقوله» (٤). اهـ. وقال ابن حزم أيضًا في كتابه «الدرة» (٥) ما نصه: «ولا يحل لأحد أن يقلد أحدًا لا حيًا ولا ميتًا، ولا أن يتبع أحدًا من دون رسول الله ﷺ لا قديمًا ولا حديثًا، ومن التزم بطاعة إنسان بعينه بعد رسول الله ﷺ كان قائلًا بالباطل ومخالفًا لما عليه جماعة الصحابة والتابعين وتابعي التابعين بلا خلاف من أحد منهم، وما كان في الأعصار الثلاثة واحد فما فوقه أخذ قول إنسان فوقه فنصره كله واعتقده بأسره وانتسب إليه، فهذه بدعة خالف الإجماع التام صاحبها». اهـ. وفي أوائل (الجزء الثاني عشر) من «جامع المعيار» (٦) أن الشيوخ يقولون: «أصح الإجماعات إجماعات ابن حزم» (٧). اهـ. وفي (الجزء الثاني) من «المهذب» (٨) في الفروع للشيخ الإمام أبي إسحاق إبراهيم بن محمد (٩) الشيرازي

стр. 1409

الشافعي المتوفى سنة ست وسبعين وأربعمائة من (كتاب الأقضية) ما نصه: «فصل: ولا يجوز أن يعقد (١) تقلد القاضي (٢) على أن يحكم بمذهب بعينه لقوله : ﴿فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ﴾ [ص: ٢٦]، والحق ما دل عليه الدليل، وذلك لا يتعين في مذهب بعينه، فإن قلد على هذا الشرط بطلت التولية؛ لأنه علقها على شرط، وقد بطل الشرط فبطلت التولية».» (٣). الباب الثاني قوله تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَلَا الْمُسِيءُ قَلِيلًا مَا تَتَذَكَّرُونَ (٥٨) إِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [غافر: ٥٨، ٥٩]. قال (ك): «أي: كما لا يستوي الأعمى الذي لا يبصر شيئًا والبصير الذي يرى ما انتهى إليه بصره، بل بينهما فرق عظيم، كذلك لا يستوي المؤمنون الأبرار والكفرة الفجار ﴿قَلِيلًا مَا تَتَذَكَّرُونَ﴾ أي: ما أقل ما يتذكر كثير من الناس! ثم قال تعالى (٤): ﴿إِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ﴾ أي: لكائنة وواقعة ﴿لَا رَيْبَ فِيهَا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ أي: لا يصدقون بها بل يكذبون بوجودها» (٥). فصل قال محمد تقي الدين: قد علمت مما تقدم أن كل مقلد لإمام أو شيخ أو رئيس غير المعصوم ﵊ أنه جاهل لا فرق بينه وبين البهيمة كما تقدم في أبيات الحافظ أبي عمر بن عبد البر: «لا فرق بين مقلّد وبهيمةٍ … تنقاد بين جنادل ودعائر تبا لقاض أو لمفت لا يرى … عللًا ومعنى للمقال السائر

стр. 1410

فإذا اقتديت فبالكتاب وسنة الـ … مبعوث بالدين الحنيف الطاهر وإذا الخلاف أتى فدونَكَ فاجْتَهِد … ومع الدليل فمل بفهم حاضر (١) قال صاحب «الصوارم»: «وفي «المعيار» للونشريسي في (الفصل الذي ذُكِرَ فيه المُسْتَحْسَنُ من البدع وغيره) (٢) ما نصه: «ومنها ما حكاه الباجي (٣) قال: كان الولاة عندنا بقرطبة إذا ولوا القضاء رجلًا شرطوا عليه في سجله أن لا يخرج عن قول ابن القاسم ما وجده، قال الأستاذ أبو بكر الطرطوشي: وهذا جهل عظيم، والتولية صحيحة، والشرط باطل كان موافقًا لمذهب (٤) المشترط أو مخالفًا له. اهـ. قال صاحب «الإيقاظ»: «ونقل هذا الكلام ابن الحاجب (٥) والقرافي (٦) وأقراه، قال القرافي: يريد أن الحق ليس محصورًا في رأي شخص معين». اهـ. قلت: ونقله عنه خليل (٧) في «التوضيح ونقل ابن فرحون في «التبصرة» (٨) عنه بطلانهما». وفي «تحرير الكلام في مسائل الالتزام» (٩) للحطاب ما نصه:

стр. 1411

«قال في «الجواهر» (١): فإن شرط على القاضي أن يحكم بمذهب إمام معين من أئمة المسلمين ولا يحكم بغيره، فالعقد (٢) صحيح والشرط باطل، كان موافقًا لمذهب المشترط أو مخالفًا له. اهـ. قلت: قد وقع الاتفاق كما رأيت على بطلان الشرط وإنما الخلاف في التولية، فأبطلها الشافعية وصححها المالكية. وقال شيخ الإسلام تقي الدين ابن تيمية في (الجزء الثاني) من «فتاويه» ما نصه: «من أوجب تقليد (٣) إمام بعينه استتيب فإن تاب وإلا قتل، وإن قال: ينبغي … كان جاهلًا ضالًا» (٤). اهـ. وفي «الإرشاد» للشوكاني ما نصه: اختلفوا في المسائل الشرعية الفرعية هل يجوز التقليد فيها أم لا؟ فذهب جماعة من أهل العلم إلى أنه لا يجوز مطلقًا، قال ابن حزم: فمالك ينهى عن التقليد، وكذلك الشافعي وأبو حنيفة. وبهذا تعلم أن المنع من (٥) التقليد إن لم يكن إجماعًا فهو مذهب الجمهور، ويؤيد هذا ما سيأتي من حكاية الإجماع على عدم جواز تقليد الأموات، وما سيأتي من أن عمل المجتهد برأيه إنما هو رخصة له عند عدم الدليل، ولا يجوز لغيره أن يعمل به بالإجماع، فهذان الإجماعان يجتثان التقليد من أصله، فالعجب من كثير من أهل الأصول حيث لم يحكوا هذا القول إلا عن بعض المعتزلة، والحاصل أنه لم يأتِ من جوز التقليد - فضلًا عمن أوجبه - بحجة ينبغي الاشتغال بجوابها قط، ولم نؤمر برد شرائع الله سبحانه إلى آراء الرجال، بل أمرنا بما قال سبحانه: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩] أي: كتاب الله وسنة رسوله (٦). اهـ. ونحوه في تفسيره المسمى «فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير» في الكلام على قوله

стр. 1412

تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٣]» (١).». اهـ (٢). قال محمد تقي الدين: جاء فيما نقله صاحب «الصوارم» عن الونشريسي لفظ «فيما يستحسن من البدع»؛ وهو كلام باطل في غاية الضلالة والجهالة (٣)؛ فإن البدع كلها قبيحة وضلالة لقول النبي ﷺ : «كل بدعة ضلالة» (٤). وقال مالك الله: «من ابتدع في الإسلام بدعة يراها حسنة فقد زعم أن محمدًا ﷺ خان الرسالة؛ لأني سمعت الله يقول: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣] وما لم يكن يومئذ دينًا لا يكون اليوم دينًا» (٥)، ذكره عنه الشاطبي في «الاعتصام» (٦). اهـ. الباب الثالث قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ أَنَّى يُصْرَفُونَ (٦٩) الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتَابِ وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا فَسَوْفَ

стр. 1413

يَعْلَمُونَ (٧٠) إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ (٧١) فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ (٧٢) ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ (٧٣) مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِنْ قَبْلُ شَيْئًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ (٧٤) ذَلِكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ (٧٥) ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾ [غافر: ٦٩ - ٧٦] قال (ك): «يقول تعالى: ألا تعجب يا محمد من هؤلاء المكذبين بآيات الله ويجادلون في الحق بالباطل كيف تُصرَفُ عقولهم عن الهدى إلى الضلال؟! ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتَابِ وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ، رُسُلَنَا﴾ أي: من الهدى والبيان ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ هذا تهديد شديد ووعيد أكيد، من الرب ﷻ لهؤلاء كما قال تعالى: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ وقوله [ ] (١): ﴿إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ﴾ أي: متصلة بالأغلال بأيدي الزبانية يسحبونهم على وجوههم تارة إلى الحميم وتارة إلى الجحيم، ولهذا قال تعالى (١): ﴿يُسْحَبُونَ (٧١) فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ﴾ وقوله تعالى (١): ﴿ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تُشْرِكُونَ (٧٣) مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾؟ أي: قيل لهم: أين الأصنام التي كنتم تعبدونها من دون الله؟ هل ينصرونكم اليوم؟ ﴿قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا﴾ أي: ذهبوا فلم ينفعونا ﴿بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِنْ قَبْلُ شَيئًا﴾ أي: جحدوا عبادتهم (٢) ولهذا قال [ ] (٣): ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ﴾ وقوله: ﴿ذَلِكُم بِمَا كُنتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنتُمْ تَمْرَحُونَ﴾ أي: تقول لهم الملائكة هذا الذي أنتم فيه جزاء على فرحكم في الدنيا بغير الحق ومرحكم وأشركم وبطركم ﴿ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِرِينَ﴾ أي: فبئس المنزل والمقيل الذي فيه الهوان والعذاب الشديد لمن استكبر عن آيات الله واتباع دلائله (٤) [والله أعلم] (٣)» (٥). اهـ.

стр. 1414

فصل قال محمد تقي الدين: كل من رد حديث النبي ﷺ ولو في مسألة واحدة تعصبًا لمذهبه أو نحلته كائنة ما كانت، ودافع عن رأيه واعتقد أنه هو الصواب فهو من الذين يجادلون في آيات الله، وهو من المكذبين بالكتاب قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي﴾ [آل عمران: ٣١]، وقال تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣]، وقال تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣، ٤]، وقال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الحشر: ٧] وقد تقدم حديث: «إني أخاف على أمتي من ثلاث: من زلة عالم ومن هوى متبع ومن حكم جائر» (١). اهـ. وفي «الصوارم» ما نصه: «وروي عن ابن المبارك أنه قال: كنا في الكوفة فناظروني في النبيذ المختلف فيه، فقلت لهم: تعالوا فليحتج المحتج منكم عن من شاء من أصحاب النبي ﷺ ، فإن لم نبين الرد عليه عن ذلك الرجل بشدة صحت عنه فاحتجوا، فما جاؤوا عند (٢) واحد برخصة إلا جئناهم بشدة، فلما لم يبق في يد أحد منهم إلا ابن مسعود، وليس احتجاجهم عنه في رخصة النبيذ بشيء يصح عنه. قال ابن المبارك: فقلت للمحتج عنه في الرخصة: يا أحمق عُدَّ أن ابن مسعود لو كان هاهنا جالسًا فقال: هو لك حلال، وما وصفنا عن النبي ﷺ وأصحابه في الشدة كان ينبغي لك أن تحذر (٣) أو تخشى، فقال قائلهم: يا أبا عبد الرحمن، فالنخعي والشعبي وسمى عدة منهما كانوا يشربون الحرام؟! فقلت لهم: دعوا عند الاحتجاج تسمية الرجال، فرب رجل في الإسلام مناقبه كذا وكذا وعسى أن يكون منه زلة، أفلأحد أن يحتج بها؟ فإن أبيتم فما قولكم في عطاء وطاوس وجابر بن زيد وسعيد بن جبير وعكرمة؟ قالوا: كانوا خيارًا. فقلت: إن هؤلاء رأوه حلالًا فماتوا وهم يأكلون الحرام (٤). وانقطعت حجتهم» (٥).

стр. 1415

سورة فصلت الباب الأول قوله تعالى: ﴿تَنزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٢) كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٣) بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ (٤) وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ﴾ [فصلت: ٢ - ٥]. قال (ك): «يقول تعالى: ﴿تَنزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾؛ يعني: القرآن منزل من الرحمن الرحيم كقوله: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ [النحل: ١٠٢] وقوله ﵎: ﴿كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ﴾ أي: بينت معانيه وأحكمت أحكامه ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ أي: في حال كونه قرآنًا (١) عربيًا بينًا واضحًا فمعانيه مفصلة وألفاظه واضحة غير مشكلة. وقوله تعالى: ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ أي: إنما يعرف هذا البيان والوضوح العلماء الراسخون ﴿بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ أي: تارة يبشر المؤمنين وتارة ينذر الكافرين ﴿فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾ أي: أكثر قريش فهم لا يفهمون منه شيئًا مع بيانه ووضوحه ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ﴾ أي: في غلف مغطاة ﴿مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي

стр. 1416

عَاذَانِنَا وَقْرُ أي: صمم عما جئتنا به ﴿وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ﴾ فلا يصل إلينا شيء مما تقول: ﴿فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ﴾ أي: اعمل أنت على طريقتك ونحن على طريقتنا لا نتابعك. قال الإمام العالم (١) عبد بن حميد في «مسنده» بسنده (٢) إلى جابر بن عبد الله قال: اجتمعت قريش يومًا فقالوا: انظروا أعلمكم بالسحر والكهانة والشعر فليأت هذا الرجل الذي قد فرق جماعتنا وشتت أمرنا وعاب ديننا فليكلمه، ولننظر ماذا يَرُدّ عليه، فقالوا: ما نعلم أحدًا غير عتبة بن ربيعة، فقالوا: أنت يا أبا الوليد، فأتاه عتبة فقال: يا محمد أنت خير أم عبد الله؟ فسكت رسول الله ﷺ فقال: أنت خير أم عبد المطلب؟ فسكت رسول الله ﷺ فقال: إن كنت تزعم أن هؤلاء خير منك فقد عبدوا الآلهة التي عبت، وإن كنت تزعم أنك خير منهم فتكلم حتى نسمع قولك، وإنا والله ما رأينا سخلة قط أشأم على قومك منك، فرقت جماعتنا وشتت أمرنا، وعبت ديننا وفضحتنا في العرب، حتى لقد طار فيهم أن في قريش (٣) كاهنًا، والله ما ننتظر إلا صيحة الحبلى أن يقوم بعضنا إلى بعض بالسيوف حتى نتفانى أيها الرجل إن كان إنما بك الحاجة جمعنا لك حتى تكون أغنى قريش (٤)، وإن كان إنما بك الباءة فاختر أي نساء قريش [شئت] (٥) فلنزوجك عشرًا فقال رسول الله ﷺ : «فرغت؟» قال: نعم، فقال رسول الله ﷺ : ﴿بسم اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿حم (١) تَنزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ حتى بلغ ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا﴾

стр. 1417

فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾ فأمسك عتبة على فيه وناشده بالرحم، ورجع إلى أهله، ولم يخرج إلى قريش واحتبس عنهم، فقال أبو جهل: يا معشر قريش! والله ما نرى عتبة إلا قد صبأ إلى محمد وأعجبه طعامه، وما ذاك إلا من حاجة أصابته، فانطلقوا بنا إليه، فقال أبو جهل: يا عتبة ما حبسك عنا إلا أنك صبأت إلى محمد وأعجبك طعامه، فإن كانت بك حاجة جمعنا لك من أموالنا ما يغنيك عن طعام محمد، فغضب عتبة، وأقسم أن لا يكلم محمدًا أبدًا، وقال: والله لقد علمتم أني من أكثر قريش مالًا، ولكني أتيته وقصصت عليه القصة فأجابني بشيء والله ما هو بشعر ولا كهانة ولا سحر، وقرأ السورة إلى قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾ فأمسكت بفيه وناشدته بالرحم أن يكف، وقد علمتم أن محمدًا إذا قال شيئًا لم يكذب، فخشيت أن ينزل بكم العذاب» (١). فصل قال محمد تقي الدين: وقد عامل أهل هذا الزمان الذين يدعون الإسلام من العرب وغيرهم هذا الكتاب العظيم بمثل ما عاملته قريش في أول الأمر، فوقعوا فيما أنذرهم به، ولا نجاة لهم منه إلا بالرجوع إلى الإيمان به واتخاذه إمامًا، والاستضاءة بنوره، ومن المعرضين عنه وعن السنة التي هي بيانه المقلدون الذين ﴿فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [الروم: ٣٢] فذرهم في غمرتهم حتى حين. ثم قال صاحب: «الصوارم»: «والحق ما قاله ابن المبارك؛ فإن الله تعالى يقول: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩]. وعن أبي الدرداء: «إن مما أخشى عليكم زلة العالم أو جدال المنافق بالقرآن» (٢). وكان معاذ بن جبل يقول في خطبته: «إياكم وزيغة الحكيم، قالوا: وكيف هي؟ قال: هي كلمة تروعكم وتنكرونها، فاحذروا زيغته ولا تصدنكم عنه، فإنه يوشك أن يفيء.

стр. 1418

ويراجع الحق» (١). وعن المعتمر بن سليمان قال: «رآني أبي وأنا أنشد الشعر فقال: يا بني لا تنشد الشعر، فقلت له: يا أبت كان الحسن وابن سيرين ينشدانه، فقال لي: أي بني إن أخذت بشرُّ ما في الحسن وابن سيرين اجتمع فيك الشر كله» (٢). قال الغزالي: «إن زلة العالم قد تصير كبيرة وهي في نفسها صغيرة، فيموت العالم، ويبقى شره مستطيرًا في العالم فطوبى لمن إذا مات ماتت معه ذنوبه، وهذا الحكم مستمر في زلته في الفتيا من باب أولى، فإنه ربما خفي على العالم بعض السنة، فيفضي ذلك إلى أن يصير قوله شرعًا يتقلد وقولًا يعتبر في مسائل الخلاف، فربما رجع عنه وتبين له الحق فيفوته تدارك ما سار في البلاد عنه، ومن هنا قالوا: زلة العالم مضروب بها الطبل» (٣).

стр. 1419

الباب الثاني قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (٤١) لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (٤٢) مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ (٤٣) وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ [فصلت: ٤١ - ٤٤] قال (ك): «هو القرآن: ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ﴾ أي: منيع الجناب لا يرام أن يأتي أحد بمثله ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ﴾ أي: ليس للبطلان إليه سبيل؛ لأنه منزل من رب العالمين، ولهذا قال: ﴿تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ أي: ﴿حَكِيمٌ﴾ في أقواله وأفعاله ﴿حَمِيدٌ﴾ بمعنى محمود، أي: في جميع ما يأمر به وينهى عنه الجميع، محمودة عواقبه وغاياته، ثم قال ﴿مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ﴾ قال قتادة وغيره: ما يقال لك من التكذيب إلا كما قد قيل للرسل من قبلك، فكما كُذِّبت كُذِّبوا (١) وكما صبروا على أذى قومهم لهم، فاصبر أنت على أذى قومك لك. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ﴾ أي: لمن تاب إليه ﴿وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ﴾ أي لمن استمر على كفره وطغيانه وعناده وشقائه (٢) ومخالفته» (٣). وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا﴾ إلى قوله: ﴿بَعِيدٍ﴾. قال (ك): «لما ذكر تعالى القرآن وفصاحته وبلاغته وإحكامه في لفظه ومعناه، ومع هذا لم يؤمن به المشركون، نبه على أن كفرهم به كفر عناد وتعنت كما قال [ ] (٤): ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ (١٩٨) فَقَرَأَهُ عَلَيْهِم مَا كَانُوا بِهِ

стр. 1420

مُؤْمِنِينَ﴾ وكذلك لو أُنزل القرآن كله بلغة العجم لقالوا على وجه التعن والعناد: ﴿لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ﴾ أي: لقالوا: هلا أنزل مفصلًا بلغة العرب لأنكروا (١) ذلك، فقالوا (٢): ﴿أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ﴾؟ أي: كيف ينزل كلام أعجمي على مخاطب عربي لا يفهمه؟ ثم قال : ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ﴾ أي: قل يا محمد: هذا القرآن لمن آمن به هدى لقلبه وشفاء لما في الصدور من الشكوك والريب ﴿وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ﴾ أي: لا يفهمون ما فيه ﴿وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى﴾ كما قال : ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾ [الإسراء: ٨٢] ﴿أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ قال ابن جرير: معناه كأنّ من يخاطبهم يناديهم من مكان بعيد لا يفهمون ما يقول» (٣). فصل قال محمد تقي الدين: لا شك أن القرآن كان لأصحاب رسول الله والتابعين وسائر أهل القرون المفضلة هدى وشفاءً، هداهم الله به من الضلال وشفى به صدورهم مما كان فيها من الأمراض المعنوية، وفيه هدى وشفاء لكل من اتبعه من الجماعات والأفراد، وكل من عرف تاريخ الإسلام والشعوب التي سعدت به يعلم هذا يقينًا، ويعلم أن سبب شقائها هو الإعراض عنه، ومن جملة المحرومين مما فيه من الهدى والشفاء المقلدون وأصحاب الطرائق. وفي «الصوارم» ما نصه: «وفي الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان» لتقي الدين ابن تيمية ما نصه: «وقد اتفق سلف الأمة وأئمتها على أن كل أحد يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله ﷺ ، وهذا من الفروق بين الأنبياء وغيرهم، فإن الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم يجب الإيمان بجميع ما يخبرون به عن الله ، وتجب

стр. 1421

طاعتهم فيما يأمرون به، بخلاف الأولياء (١)، فإنهم يعرض أمرهم وخبرهم على الكتاب والسنة؛ فما وافقهما وجب قبوله، وما خالفهما كان مردودًا، وإن (٢) كان صاحبه من أولياء الله، وكان مجتهدًا أجر (٣) على اجتهاده … . وكثير من الناس يغلط في هذا (٤) فيظن في شخص أنه ولي الله (٥) ويظن أن ولي الله يقبل منه كل ما يقوله، ويسلم له كل ما يفعله، وإن خالف الكتاب والسنة، فيوافق ذلك الشخص ويخالف ما بعث الله به رسوله … ، فتجره مخالفة الرسول وموافقته (٦) ذلك الشخص أولًا إلى البدعة والضلال وآخرًا إلى الكفر والنفاق (٧). اهـ.

стр. 1422

سورة الشورى الباب الأول قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لَا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ (٧) وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ [الشورى: ٧، ٨] قال القاسمي في «تفسيره»: «﴿لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى﴾ أي: أهلها، هي مكة ﴿وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ أي: من العرب وسائر الناس ﴿وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ﴾ أي: يوم القيامة الذي تكون فيه الفضيحة أعظم؛ لأنه يجمع فيه الخلائق ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ في السَّعِيرِ﴾ أي: منهم فريق في الجنة وهم الذين آمنوا بالله واتبعوا ما جاءهم به رسول الله ﷺ ، وفريق في السعير؛ أي: النار الموقدة المسعورة على أهلها، وهم الذين كفروا بالله وخالفوا ما جاءهم به رسوله ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ أي: أهل دين واحد وملة واحدة ﴿وَلَكِن يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ﴾ أي: ولكن لم يفعل ذلك فيجعلهم أمة واحدة، لمنافاة ذلك ما تقتضيه (١) حكمة خلق الإنسان من تنوع أفراده المستلزم اختلاف أميالهم ومشاربهم، ولذا شاء ما اقتضاه خلقهم واستعدادهم، فكلفهم وبنى أمرهم على ما يختارون، فأدخل من شاء في رحمته وهم المؤمنون، وفي عذابه الكافرين، قال أبو السعود: «ولا ريب في أن مشيئته تعالى لكل من الإدخالين تابعة لاستحقاق كل من الفريقين لدخول مدخله» (٢) ﴿وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ أي: والكافرون بالله ما لهم من ولي يتولاهم يوم القيامة، ولا نصير ينصرهم من عقاب الله فينقذهم من عذابه؛ لأنه يدخلهم في

стр. 1423

قهره، ووصفهم (١) بالظالمين إشارة إلى عدل المؤمنين في باب الاعتقادات والأخلاق والأعمال والأفعال، وأنه تعالى يواليهم وينصرهم (٢). فصل قال محمد تقي الدين: هذا القرآن العربي الذي أنزله الله تعالى على عبده ورسوله خاتم النبيين محمد ﷺ ؛ حجة على جميع أهل الأرض على كل من بلغه على وجه صحيح، ومن أعرض عنه بعد بلوغه خسر الدنيا والآخرة، وكان الشقاء حليفه، والبرهان على ذلك أوضح من الشمس، فهذه سبعمائة مليون (٣) يتخبطون في ظلمات الشقاء بسبب الإعراض عنه، ولم يجدوا وليا ولا نصيرًا وعلى قدر تحقق البلوغ يكون العقاب. وفي «الصوارم» ما نصه: «في (الجزء الأول) من «سبل السلام» للصنعاني ما نصه: وليس أحد من أفراد العلماء إلا وله نادرة ينبغي أن تغمرها في جنب فضله وتجتنب» (٤). اهـ. وفي «الجامع» لابن عبد البر ما نصه: «وتشبه زلة العالم بانكسار السفينة؛ لأنها إذا غرقت غرق معها خلق كثير، وإذا صح وثبت أن العالم يزل ويخطئ لم يجز لأحد أن يفتي ويدين بقول لا يعرف وجهه». اهـ. قلت: وقال ﷺ : «اتقوا زلة العالم» (٥) الحديث رواه الديلمي في «مسند

стр. 1424

الفردوس»، وقال ابن عبد البر في «جامعه»: وروي عن رسول الله ﷺ أنه قال: «احذروا زلة العالم». وعن عمر ومعاذ وسلمان مثل ذلك (١). اهـ. وفي «الإعلام» لابن القيم ما نصه: والمصنفون في السنة جمعوا بين فساد التقليد وإبطاله، وبين زلة العالم؛ ليبينوا بذلك فساد التقليد وأن العالم قد يزل ولا بد؛ إذ ليس بمعصوم، فلا يجوز قبول كل ما يقوله وينزل قوله منزلة قول المعصوم، فهذا الذي ذمه كل عالم على وجه الأرض، وحرموه وذموا أهله، وهو أصل بلاء المقلدين وفتنتهم، فإنهم يقلدون العالم فيما زل فيه وفيما لم يزل فيه، وليس لهم تمييز بين ذلك فيأخذون الدين بالخطأ ولا بدّ، فيحلون ما حرم الله ويحرمون ما أحل الله ويشرعون ما لم يشرع ولا بدّ لهم من ذلك إذ كانت العصمة منتفية عمن قلدوه، فالخطأ واقع منه ولا بدّ، ومن المعلوم أن المخوف في زلة العالم تقليده فيها، إذ لولا التقليد لم يخف على زلة العالم على غيره. اهـ. قلت: ولأجل الحذر من هذا المعنى وقع التصريح من كل إمام كما تقدم بأن اتباعه إنما يجوز على شرط أنه حاكم بالسنة، فإذا ظهر أنه حاكم بغيرها فقد خرج أتباعه بالتصميم على تقليده عن شرطه. اهـ. وقال علي كرم الله وجهه (٢): إذا المشكلات تصدّينَ لي … كشفتُ حقائقَها بالنظر ولستُ بإمَّعةٍ في الرِّجا ل … يسائلُ هذا وذا: ما الخَبَر (٣)

стр. 1425

الباب الثاني قوله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ (١٣) وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ (١٤) فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ ﴿وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ [الشورى: ١٣ - ١٦] قال (ك): «يقول تعالى لهذه الأمة: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ فذكر أول الرسل بعد آدم ﵇ وهو نوح ﵇ وآخرهم محمد ﷺ ، ثم ذكر من بين ذلك من أولي العزم، وهم: إبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم، وهذه الآية انتظمت ذكر الخمسة كما اشتملت آية الأحزاب عليهم في قوله ﵎: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَم﴾ [الأحزاب: ٧] الذي جاءت به الرسل كلهم هو عبادة الله وحده لا شريك له كما قال : ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥] وفي الحديث: «نحن معشر الأنبياء أولاد علات ديننا واحد» (١) أي: القدر المشترك بينهم هو عبادة الله وحده لا شريك له وإن اختلفت شرائعهم ومناهجهم كقوله ﷻ : ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٨] ولهذا قال [تعالى] ها هنا: ﴿أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ أي: أوصى الله تعالى جميع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بالائتلاف والجماعة ونهاهم عن الافتراق والاختلاف.

стр. 1426

وقوله : ﴿كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ﴾ أي: شق عليهم وأنكروا ما تدعوهم إليه يا محمد من التوحيد، ثم قال تعالى ﷻ : ﴿اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ﴾ أي: هو الذي يُقدّر الهداية لمن يستحقها ويكتب الضلالة على من آثرها على طريق الرشد ولهذا قال ﵎: ﴿وَمَا تَفَرَّقُوا﴾ (١) ﴿إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ﴾ أي: إنما كان مخالفتهم للحق بعد بلوغه إليهم وقيام الحجة عليهم، وما حملهم على ذلك إلا البغي والعناد والمشاقة. ثم قال : ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ أي: لولا الكلمة السابقة من الله تعالى بإنظار العباد بإقامة حسابهم إلى يوم المعاد، لعجل عليهم العقوبة في الدنيا سريعًا، وقوله: [جلت عظمته] (٢): ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾؛ يعني: الجيل المتأخر بعد القرن الأول المكذب للحق ﴿لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ﴾ أي: ليسوا على يقين من أمرهم [وإيمانهم] (٢) وإنما هم مقلدون لآبائهم وأسلافهم بلا دليل ولا برهان، وهم في حيرة من أمرهم وشك مريب وشقاق بعيد» (٣). وقوله ﵎: ﴿فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ إلى قوله: ﴿الْمَصِيرُ﴾ قال (ك): اشتملت هذه الآية الكريمة على عشر كلمات مستقلات كل منها منفصلة عن التي قبلها حكم برأسها (٤)، قالوا: ولا نظير لها سوى آية الكرسي فإنها أيضًا عشر فصول كهذه، وقوله (٥): ﴿فَلِذَلِكَ فَادْعُ﴾ أي: فللذي أوحينا إليك من الدين الذي وصينا به جميع المرسلين قبلك أصحاب الشرائع الكبار المتبعة كأولي العزم وغيرهم فادع الناس إليه، وقوله : ﴿وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ أي: واستقم أنت ومن اتبعك على عبادة الله تعالى كما أمركم (٦) الله ، وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾؛ يعني: المشركين فيما اختلقوه وكذبوه وافتروه من عبادة الأوثان.

стр. 1427

وقوله جل وعلا: ﴿وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ﴾ أي: صدقت بجميع الكتب المنزلة من السماء على الأنبياء لا نفرق بين أحد منهم، وقوله: ﴿وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ﴾ أي: في الحكم كما أمرني الله، وقوله جلت عظمته (١): ﴿اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ﴾ أي: هو المعبود لا إله غيره، فنحن نقر بذلك اختيارًا وأنتم وإن لم تفعلوه اختيارًا فله يسجد من في العالمين طوعًا وإجبارًا (٢)، وقوله ﵎: ﴿لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ﴾ أي: نحن برآء منكم كما قال : ﴿وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [يونس: ٤١] وقوله تعالى (١): ﴿لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ﴾ قال مجاهد: أي: لا خصومة، قال السدي: وذلك قبل نزول آية السيف، وهذا متجه؛ لأن هذه الآية مكية وآية السيف بعد الهجرة، وقوله: ﴿اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا﴾ أي: يوم القيامة، وقوله جل وعلا: ﴿إِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ أي: المرجع والمثاب يوم الحساب» (٣). وقوله ﵎: ﴿وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ﴾ الآية». قال (ك): «يقول تعالى متوعدًا الذين يصدون عن سبيل الله من آمن به: ﴿وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ﴾ أي: يجادلون المؤمنين المستجيبين لله ولرسوله ليصدوهم عما سلكوه من طريق الهدى ﴿حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ أي: باطلة عند الله ﴿وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ﴾ أي: منه ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ أي: يوم القيامة. قال ابن عباس ومجاهد: جادلوا المؤمنين بعد ما استجابوا لله ولرسوله ليصدوهم عن الهدى وطمعوا أن تعود الجاهلية (٤)، وقال قتادة: هم اليهود والنصارى قالوا لهم: ديننا خير من دينكم ونبينا خير من نبيكم (٥) ونحن خير منكم وأولى بالله منكم وقد كذبوا في ذلك» (٦).

стр. 1428

فصل قال محمد تقي الدين: اعلم أن دين الرسل واحد في أصوله، وهي أربعة: توحيد الله في ربوبيته وعبادته وأسمائه وصفاته، ومن توحيده في عبادته جعل الحكم له. الثاني: الإيمان بجميع الرسل وبجميع الكتب التي أنزلها الله على أنبيائه من عرفنا منهم ومن لم نعرف. الثالث: إقامة العدل بين الناس لا تفضيل لشعب على شعب ولا لفرد على فرد إلا بتقوى الله العظيم وما خص الله به الأنبياء من الوحي والعصمة لا يشاركهم في ذلك أحد. الرابع: حسن الخلق ورحمة أهل الأرض كلهم حتى البهائم. فهذه لا يختلف فيها رسول ورسول ولا ملة وملة. أما الشرائع كالحلال والحرام والعقوبات على الجرائم، فإنها كانت مختلفة في شرائع الأنبياء السابقين قبل بعثته خاتمهم صلوات الله وسلامه عليه، أما بعد بعثته فجميع بني آدم لهم ملة واحدة يجب عليهم اتباعها وهي الإسلام عقيدة وشريعة، ومن أبى من أهل الكتاب أن يدخل في الإسلام ويدين الله به وارتبط مع المسلمين بعهد وذمة فله شريعته يحكم بها في الدنيا، أما بالنسبة إلى الآخرة فكل من بلغته دعوة خاتم النبيين على وجهها كما بلغها أصحاب رسول الله ﷺ إلى فارس والروم ومصر وبعض أهل الهند وخراسان ولم يؤمن بها ويدن الله بها فإن الله يعذبه عذابًا شديدًا، وأما من لم تبلغه أو بلغته مشوهة مبدلة فنكل أمره إلى الله، قال الله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥] والآيات في هذا المعنى كثيرة في القرآن ولا يظلم ربك أحدًا. وقوله تعالى: ﴿أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ يمنع اتباع الفرق والمذاهب ويجعل أهل الحق أمة واحدة، فمن حاد الله ورسوله وشاق الرسول من بعد ما تبين له الهدى واتبع غير سبيل المؤمنين وهم أصحاب رسول الله ﷺ وسائر القرون المفضلة يوله الله ما تولى ويُصْلِه جهنم وساءت مصيرًا. وقلت في قصيدة (١):

стр. 1429

ومَنْ ردّ قول المصطفى بعد صحة … فذلك كَفَّارٌ أثيم ومعتد سيسود في يوم القيامة وجهه … وإن يأت للحوض المبارك يطرد ويبرأ منه ذلك اليوم مالك … وكلُّ تقي للإله موحد سواء أصلى قابضًا في صلاته … أم اختار سدلًا نقله لم يؤيد وفي «الصوارم» ما نصه: وقال تقي الدين السبكي رحمه الله تعالى من قصيدة له يخاطب بها ابنه الأكبر أبا بكر: وإذا أتتك مقالة قد خالفت … نص الكتاب أو الحديث المسند فاقْفُ الكتاب ولا تمل عنه وقف … متأدبًا مع كل حبر أَوْحَدِ. اهـ. وقال الحافظ أبو محمد ابن حزم الظاهري رحمه الله تعالى: واحذر من التقليد فهو مضلة … إنَّ المقلّد في سبيل الهالك (١) تأبونه في العقل وهو مقالكم … في الدين يا له من ضلال فاتك قوله: «يا له»، بالاختلاس وهو لغة بني عقيل (٢) ويجوز عند غيرهم اضطرارًا. اهـ. وفي «روح البيان» (٣) للشيخ إسماعيل حقي أفندي التركي (٤) ما نصه: «الآية ناعية على كثير من الفرق الضالة الذين تركوا كتاب الله وسنة رسوله ﵊ لكلام علمائهم ورؤسائهم، والحق أحق بالاتباع، فمتى ظهر وجب على المسلم اتباعه وإن أخطأه اجتهاد مقلده». اهـ.

стр. 1430

وفي «تفسير الفخر الرازي» في الموضع المذكور ما نصه: «ولو تأملت حق التأمل وجدت هذا الداء ساريا في عروق الأكثرين من أهل الدنيا». اهـ. وفي «الاعتصام» (١) للشاطبي بعد ذكره حديث عدي بن حاتم (٢) المذكور ما نصه: «فتأملوا يا أولي الألباب كيف حال الاعتماد في الفتوى على الرجال من غير تحر للدليل الشرعي بل لمجرد الغرض (٣) العاجل عافانا الله من ذلك بمنه» (٤). اهـ. قلت: الأحبار العلماء والرهبان العباد كما نص عليه غير واحد. اهـ. وفي (الجزء الأول) من «حاشية الصاوي على تفسير الجلالين» في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٦٤] في (سورة آل عمران) ما نصه: «واتخاذهم أربابا من حيث أنهم ينسبون التحليل والتحريم والإقالة من الذنوب لهم ولا يتبعون ما أنزل الله، والمدار (٥) عندهم على ما حللته (٦) الرهبان والأحبار أو حرموه، وهذه الآية وإن كانت خطابا لليهود والنصارى إلا أنها تجر ذيلها (٧) على من يشرك بالله غيره من المسلمين كضعفاء الإيمان الذين يعتقدون في الأولياء أنهم يضرون أو ينفعون بذواتهم ويحلون ما حرم الله ويحرمون ما أحل الله، ومع ذلك يحدثون بدعا (٨) عظيمة ما أنزل الله بها من سلطان ويجعلون تلك البدع طرقا لهؤلاء الأولياء (٩) ويزعمون أنها منجية وإن كانت مخالفة للشرع ﴿وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ (١٨) اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [المجادلة: ١٨، ١٩] (١٠)» (١١).

стр. 1431

الباب الثالث قوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢١) تَرَى الظَّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُوا وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الكَبِيرُ (٢٢) ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبَادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ [الشورى: ٢١ - ٢٣] قال المحقق القنوجي في تفسيره «فتح البيان»: «﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ﴾ أي: بل ألهم شركاء؟! أو أيقبلون ما شرع الله من الدين أم لهم آلهة ﴿شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ من الشرك والمعاصي والشرائع المضلة وإنكار البعث والعمل للدنيا؟ والآية بعمومها تشمل كل شيء لم يأمر به الله سبحانه أو رسوله، فيدخل فيه التقليد؛ لأنه مما لم يأذن به الله بل ذمه في كتابه في غير موضع ولم يأذن به رسوله ولا إمام من أئمة الدين ولا أحد من سلف الأمة وسادتها وقادتها، بل نهى عنه المجتهدون الأربعة ومن كان بعدهم من أهل الحق برك (١) الإيمان وأتباع السنة المطهرة، وإنما أحدثه من أحدث من الجهال والعوام بعد القرون المشهود لها بالخير، فرحم الله امرأ سمع الحق فاتبعه وسمع الباطل ودمغه وبالله التوفيق. ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ﴾ وهي تأخير عذابهم حيث قال: ﴿بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ﴾ [القمر: ٤٦] ﴿لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ في الدنيا فعوجلوا بالعقوبة والضمير في ﴿بَيْنَهُمْ﴾ راجع إلى المؤمنين والمشركين أو المشركين وشركائهم ﴿وَإِنَّ الظَّالِمِينَ﴾ أي: المشركين الكافرين والمكذبين ﴿لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ مؤلم في الدنيا والآخرة ﴿تَرَى الظَّالِمِينَ﴾ خطاب لكل من تتأتى منه الرؤية ﴿مُشْفِقِينَ﴾ أي: خائفين وجلين ﴿مِمَّا كَسَبُوا﴾ من السيئات وذلك الخوف والوجل يوم القيامة ﴿وَهُوَ﴾ أي: جزاء ما كسبوا ﴿وَاقِعٌ بِهِمْ﴾ نازل عليهم لا محالة، أشفقوا أو لم يشفقوا.

стр. 1432

ولما ذكر سبحانه حال الظالمين ذكر حال المؤمنين، فقال: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ﴾ فيه تنبيه على أن عصاة المسلمين من أهل الجنة؛ لأنه خص الذين آمنوا وعملوا الصالحات بأنهم ﴿فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ من صنوف النعم وأنواع المستلذات ﴿ذَلِكَ﴾ ما ذكر للمؤمنين ﴿هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ أي: الذي لا يوصف ولا تهتدي العقول إلى كنه صفته ومعرفة حقيقته؛ لأن الحق إذا قال (كبير) فمن ذا الذي يقدر قدره؟! ﴿ذَلِكَ﴾ أي: الفضل الكبير ﴿الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبَادَهُ﴾ ثم وصف العباد بقوله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ فهؤلاء الجامعون بين الإيمان والعمل بما أمر الله به وترك ما نهى عنه هم المبشرون بتلك البشارة، ثم لما ذكر سبحانه ما أخبر به نبيه ﷺ من هذه الأحكام الشريفة التي اشتمل عليها كتابه أمره بأن يخبرهم بأنه لا يطلب منهم بسبب هذا التبليغ ثوابًا منهم فقال: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ أي: قل يا محمد: لا أطلب منكم الآن ولا في مستقبل الزمان لا على تبليغ الرسالة ببشارة أو نذارة جعلًا ولا نفعًا وإن قل. والخطاب إما لقريش أو للأنصار لأنهم أخواله أو لجميع العرب؛ لأنهم أقاربهم (١) في الجملة ﴿إِلَّا الْمَوَدَّةَ﴾ العظيمة الواسعة ﴿فِي الْقُرْبَى﴾» (٢). وقال (كه): «أي: قل يا محمد لهؤلاء المشركين من كفار قريش: لا أسألكم على هذا البلاغ والنصح لكم ما لا تعطونيه، وإنما أطلب منكم أن تكفوا شركم عني، وتذروني أبلغ رسالات ربي إن لم تنصروني فلا تؤذوني بما بيني وبينكم من القرابة. قال البخاري بسنده (٣) إلى عبد الملك بن ميسرة قال: سمعت طاوسًا يحدث عن ابن عباس أنه سئل عن قوله تعالى: ﴿إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ فقال سعيد بن جبير: قرب آل محمد ﷺ ، فقال ابن عباس عجلت، إن النبي ﷺ لم يكن بطن من قريش إلا كان له فيهم قرابة، فقال: إلا أن تصلوا ما بيني وبينكم من القرابة»، ومضى إلى أن قال: «وقوله ﴿وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا﴾ أي: ومن يعمل حسنة ﴿نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا﴾ أي: أجرًا وثوابًا كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ

стр. 1433

لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٤٠]. وقال بعض السلف (١): «إن من ثواب الحسنة الحسنة بعدها، ومن جزاء السيئة السيئة بعدها». وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ يغفر الكثير من السيئات ويكثر القليل من الحسنات» (٢). فصل قال محمد تقي الدين: تأمل يا أيها السامع وتأمل يا أيها القارئ! قول المحقق محمد صديق حسن ملك بهوبال وملك العلماء في زمانه ﵀: «والآية بعمومها تشمل كل شيء لم يأمر به الله سبحانه أو رسوله فيدخل فيه التقليد؛ لأنه مما لم يأذن به الله؛ بل ذمه في كتابه في غير موضع، ولم يأذن به رسوله ولا إمام من أئمة الدين، ولا أحد من سلف الأمة وسادتها وقادتها، بل نهى عنه المجتهدون الأربعة ومن كان بعدهم من أهل الحق برك الإيمان … » إلى آخره يظهر لك فساد ما عليه أهل هذا الزمان من التقليد والتفرق في الدين ونبذ كتاب الله وسنة رسوله وأقوال الأئمة المجتهدين، والاعتماد على أقوال المقلدين الذين هم في غمرة ساهون، وفي طغيانهم يعمهون. وقال صاحب «الصوارم»: «وقال تقي الدين ابن تيمية في كتابه: «اقتضاء الصراط المستقيم» (٣) ما نصه: «واليهود مقصرون عن الحق، والنصارى غالون فيه، فكفر اليهود أصله من جهة عدم العمل بعلمهم فهم يعلمون الحق ولا يتبعونه، وكفر النصارى من جهة عملهم بلا علم فهم مجتهدون (٤) في أصناف العبادات بلا شريعة من الله، ويقولون على الله ما لا يعلمون، ولهذا كان السلف كسفيان بن عيينة وغيره يقولون: من فسد من علمائنا ففيه شبه من اليهود، ومن فسد من عبادنا ففيه شبه من النصارى» (٥). اهـ.

стр. 1434

الباب الرابع قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [الشورى: ٣٨]. قال (ك): «أي: اتبعوا رسوله وأطاعوا أمره واجتنبوا زجره ﴿وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾ وهي أعظم العبادات الله عَجَالَ: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ أي: لا يبرمون أمرًا حتى يتشاوروا فيه؛ ليتساعدوا بآرائهم في مثل الحروب وما جرى مجراها كما قال ﵎: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩] الآية ولهذا كان ﷺ يشاورهم في الحروب ونحوها ليطيب بذلك قلوبهم، وهكذا لما حضرت عمر بن الخطاب الوفاة حين طعن جعل الأمر بعده شورى في ستة نفر، وهم: عثمان وعلي وطلحة والزبير وسعد وعبد الرحمن بن عوف، فاجتمع رأي الصحابة كلهم على تقديم عثمان عليهم (١). ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ وذلك بالإحسان إلى خلق الله، الأقرب إليهم منهم فالأقرب» (٢). فصل قال محمد تقي الدين: تفسير هذه الآية في قوله تعالى في سورة الرعد رقم (١٨): ﴿لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنَى وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ [الرعد: ١٨]. وهؤلاء الذين لم يستجيبوا لربهم بعضهم ترك الاستجابة كفرًا وجحودًا، وبعضهم أجابوا بلسانه ولم يستجب بقلبه، وعمله ومن هؤلاء المقلّدون والمبتدعون كأصحاب الطرائق. قال المحقق القنوجي في كتابه «الدين الخالص» (٤/ ٨٢) ما نصه: «أكبر بلية أصيب بها المسلمون هي فتنة التقليد» (٣).

стр. 1435

وانظر - إن كنت ممن يعتبر - ما ابتليت به هذه الأمة من التقليد للأموات في دين الله، حتى صارت كل طائفة تعمل في جميع مسائل الدين بقول عالم من علماء المسلمين، ولا تقبل قول غيره ولا ترضى به، وليتها وقفت عند عدم القبول والرضا، لكنها تجاوزت ذلك إلى الحط على سائر علماء المسلمين، والوضع من شأنهم، وتضليلهم، وتبديعهم والتنفير عنهم، ثم تجاوزوا ذلك إلى التفسيق والتكفير، ثم زاد الشر حتى صار أهل كل مذهب كأهل ملة مستقلة، لهم نبي مستقل، وهو ذلك العالم الذي قلدوه، فليس الشرع إلا ما قال به دون غيره، وبالغوا وغلوا فجعلوا قوله مقدما على قول الله ورسوله، وهل بعد هذه الفتنة والمحنة شيء من الفتن والمحن؟ فإن أنكرت هذا، فهؤلاء المقلدون على ظهر البسيطة، قد ملؤوا الأقطار الإسلامية، فاعمد إلى أهل كل مذهب، وانظر إلى مسألة من مسائل مذهبهم، هي مخالفة لكتاب الله أو لسنة رسوله، ثم أرشدهم إلى الرجوع عنها إلى ما قاله الله ورسوله، وانظر بماذا يجيبونك؟ فما أظنك تنجو من شرهم ولا تأمن من مضرتهم، وقد يستحلون لذلك دمك ومالك، وأورعهم يستحل عرضك وعقوبتك، وهذا يكفيك، إن كان لك فطرة سليمة وفكرة مستقيمة (١).

стр. 1436

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1437

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1438

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1439

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1440

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
следующие страницы →