← Акыда

Акыда · id 30197

سبيل الرشاد في هدي خير العباد

محمد تقي الدين الهلالي

Полный текст (2 277 стр.). Показаны 1436–1475 · переход к 1441.

стр. 1436

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1437

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1438

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1439

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1440

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1441

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1442

فانظر كيف خصوا بعض علماء المسلمين واقتدوا بهم في مسائل الدين، ورفضوا الباقين، بل جاوزوا هذا إلى أن الإجماع ينعقد بأربعة من علماء هذه الأمة، وأن الحجة قائمة بهم، مع أن في عصر كل واحد منهم من هو أكثر علمًا منه، فضلًا عن العصر المتقدم على عصره والعصر المتأخر على عصره، وهذا يعرفه كل من يعرف أحوال الناس.

стр. 1443

الباب الخامس قوله تعالى: ﴿اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ مَا لَكُمْ مِنْ مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ (٤٧) فَإِنْ أَعْرَضُوا فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ وَإِنَّا إِذَا أَذَقْنَا الْإِنسَانَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الْإِنسَانَ كَفُورٌ﴾ [الشورى: ٤٧، ٤٨] قال (ك): «لما ذكر تعالى ما يكون في يوم القيامة من الأهوال والأمور العظام الهائلة، حذر منه وأمر بالاستعداد له فقال: ﴿اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ﴾ أي: إذا أمر بكونه فإنه كلمح البصر يكون، ليس له دافع ولا مانع، وقوله : ﴿مَا لَكُمْ مِنْ مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ﴾ أي: ليس لكم حصن تتحصنون فيه ولا مكان يستركم وتتنكرون فيه فتغيبون (١) عن بصره ﵎، بل هو محيط بكم بعلمه وبصره وقدرته فلا ملجأ منه إلا إليه ﴿يَقُولُ الْإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ (١٠) كَلَّا لَا وَزَرَ (١١) إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ﴾ [القيامة: ١٠ - ١٢]. وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا﴾؛ يعني: المشركين ﴿فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ أي: لست عليهم بمصيطر وقال: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة: ٢٧٢] وقال تعالى: ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ﴾ [الرعد: ٤٠] وقال جل وعلا هاهنا: ﴿إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ﴾ أي: إنما كلفناك أن تبلغهم رسالة الله إليهم. ثم قال ﵎: ﴿وَإِنَّا إِذَا أَذَقْنَا الْإِنسَانَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِهَا﴾ أي: إذا أصابه رخاء ونعمة فرح بذلك ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ﴾؛ يعني: الناس ﴿سَيِّئَةٌ﴾ أي: جدب (٢) ونقمة وبلاء وشدة ﴿فَإِنَّ الْإِنسَانَ كَفُورٌ﴾ أي: يجحد ما تقدم من النعم ولا يعرف إلا الساعة الراهنة، فإن أصابته نعمة أشر وبطر وإن أصابته محنة يئس وقنط كما قال رسول الله ﷺ للنساء: «يا معشر النساء تصدقن فإني رأيتكن أكثر أهل النار». فقالت امرأة: ولم يا رسول الله؟ فقال ﷺ : «لأنكن تكثرن الشكاية وتكفرن العشير، لو أحسنت إلى إحداهن الدهر ثم تركت يومًا قالت: ما رأيت

стр. 1444

مِنْكَ خَيْرًا قَطُّ» (١) وهذا حال أكثر النساء (٢) إلا من هداه الله تعالى وألهمه رشده وكان من الذين آمنوا وعملوا الصالحات، فالمؤمن كما قال ﷺ : «إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن» (٣)». فصل قال محمد تقي الدين: كل من أعرض عن كتاب الله وسنة رسوله فإنه لم يستجب لربه وهو متعرض للمصائب كما تقدم في سورة النساء: ﴿فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ [النساء: ٦٢] ونحن نرى اليوم هذه الشعوب التي استجاب أسلافها لربهم، فأطاعوا الله ورسوله وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر، لما أعرضوا عن كتاب الله وسنة رسوله أصابتهم مصائب شتى وهم يقاسونها ويعذبون بها، ولم يهتدوا سبيلًا إلى التخلص منها بالرجوع إلى كتاب الله وسنة رسول الله، بل هم مستمرون في ضلالتهم، ومن أسباب إعراضهم عن الكتاب والسنة: التقليد والتعصب واتباع الطرائق القدد. قال المحقق القنوجي في «الدين الخالص» ما نصه: ثم تجاوزوا في ذلك إلى أنه لا اجتهاد لغيرهم، بل هو مقصور عليهم، فكأن هذه الشريعة كانت لهم، لا حظ لغيرهم فيها، ولم يتفضل الله على عباده بما تفضل عليهم، وكل عاقل يعلم أن هذه المزايا التي جعلوها لهؤلاء الأئمة رحمهم الله تعالى، إن كانت باعتبار كثرة علمهم وزيادة على علم غيرهم، فهذا مدفوع عند كل من له اطلاع على أحوالهم وأحوال غيرهم، فإن في أتباع كل واحد من هو أعلم منه، لا ينكر هذا إلا مكابر أو جاهل، فكيف بمن لم يكن من أتباعهم من المعاصرين لهم والمتقدمين عليهم والمتأخرين عنهم؟ وإن كانت تلك المزايا بكثرة الورع والعبادة فالأمر كما تقدم، فإن في معاصريهم والمتقدمين عليهم والمتأخرين عنهم من هو أكثر عبادة وورعًا منهم، لا ينكر هذا إلا من لا يعرف تراجم الناس بكتب التواريخ.

стр. 1445

وإن كانت تلك المزايا بتقدم عصورهم فالصحابة والتابعون أقدم منهم عصرًا بلا خلاف، وهم أحق بهذه المزايا ممن بعدهم لحديث: «خير القرون قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم» (١). وإن كانت تلك المزايا لأمر عقلي، فما هو؟ أو لأمر شرعي، فأين هو؟ ولا ننكر أن الله قد جعلهم بمحل من العلم والورع، وصلابة الدين، وأنهم من أهل السبق في الفضائل والفواضل، ولكن الشأن في المتعصب لهم من أتباعهم القائلين إنه لا يجوز تقليد غيرهم، ولا يعتد بخلافه إن خالف، ولا يجوز لأحد من علماء المسلمين أن يخرج عن تقليدهم، وإن كان عارفًا بكتاب الله وسنة رسوله، قادرًا على العمل بما فيهما متمكنًا من استخراج المسائل الشرعية منهما. فلم يكن مقصودنا إلا التعجب لمن كان له عقل صحيح وفكر رجيح، وتهوين الأمر عليه فيما نحن بصدده من الكلام على ما يفعله المعتقدون للأموات، وأنه لا يغتر العاقل بالكثرة وطول المهلة مع الغفلة، فإن ذلك لو كان دليلًا على الحق، لكان ما زعمه المقلدون المذكورون حقا، ولكان ما يفعله المعتقدون للأموات حقا». الباب السادس * قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢) صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ﴾ [الشورى: ٥٢، ٥٣]. قال (ك): «يعني القرآن ﴿مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ﴾ أي: على التفصيل الذي شرع لك في القرآن ﴿وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ﴾ أي: القرآن ﴿نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ كقوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى﴾ [فصلت: ٤٤] والآية وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ﴾ يا محمد ﴿لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ وهو الحق القويم، ثم فسره بقوله تعالى: ﴿صِرَاطِ اللَّهِ﴾ أي: ربهما (٢) ومالكهما (٢) والمتصرف فيهما (٢) والحاكم الذي لا

стр. 1446

مُعَقِّبٌ لِحُكْمِهِ ﴿أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ﴾ أي: ترجع الأمور فيفصلها ويحكم فيها [سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون والجاحدون علوا كبيرا] (١). فصل قال محمد تقي الدين: أوحى الله هذه الروح الذي هو القرآن به حياة من اتبعه، وبتركه موت من تركه، وقد بلغه النبي ﷺ إلينا بأقواله وأفعاله وأخلاقه، فقامت علينا حجة الله وجعله نورًا ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُم مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [المائدة: ١٦] ومن لم يتبع القرآن والسنة فقد خرج عن صراط الله، وصار كل ما في السموات والأرض أعداء له، والله جنود السموات والأرض. قال المحقق القنوجي في «الدين الخالص» ما نصه (٤/ ٣٠٨): «بيان تلاعب المقلدين بالنصوص وتأويلها حسب مشتهياتهم تعصبًا لمذاهبهم؛ ولنذكر من هذا طرفًا فإنه من عجيب أمرهم، فاحتج طائفة منهم في (٢) سلب طهورية الماء المستعمل في رفع الحدث بأن النبي ﷺ «نهى أن يتوضأ الرجل بفضل وضوء المرأة والمرأة بفضل وضوء الرجل» (٣)، وقالوا: الماء المنفصل عن أعضائهما هو فضل وضوئهما، وخالفوا نفس الحديث، فجوزوا لكل منهما أن يتوضأ بفضل ظهور الآخر، وهو المقصود بالحديث، فإنه نهى أن يتوضأ الرجل بفضل وضوء المرأة إذا خلت بالماء، وليس عندهم للخلوة أثر، ولا لكون الفضلة فضلة امرأة أثر، فخالفوا نفس الحديث الذي احتجوا به، وحملوا الحديث على غير محله، إذ فضل الوضوء - بيقين - هو الماء الذي فضل منه، ليس هو الماء المتوضأ به فإن ذلك لا يقال له: فضل الوضوء.

стр. 1447

فاحتجوا به فيما لم يرد به، وأبطلوا الاحتجاج به فيما أريد به (١)، ومن ذلك احتجاجهم على نجاسة الماء بالملاقاة وإن لم يتغير بنهيه ﷺ أن يبال في الماء الدائم (٢). ثم قالوا: لو بال في الماء الدائم لم ينجسه حتى ينقص عن قلتين، واحتجوا على نجاسته أيضًا بقوله ﷺ : «إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثًا» (٣). ثم قالوا: لو غمسها قبل غسلها، لم يتنجس الماء ولا يجب عليه غسلها، وإن شاء أن يغمسها قبل الغسل فعل (٤).

стр. 1448

واحتجوا في هذه المسألة بأن النبي ﷺ أمر بحفر الأرض التي بال فيها البائل وإخراج ترابها (١). ثم قالوا: لا يجب حفرها، بل لو تركت حتى يبست بالشمس والريح طهرت، واحتجوا على منع الوضوء بالماء المستعمل بقوله ﷺ : «يا بني عبد المطلب إن الله كره لكم غسالة أيدي الناس» (٢). (يعني الزكاة)، ثم قالوا: لا تحرم الزكاة على بني عبد المطلب. واحتجوا على أن السمك الطافي إذا وقع في الماء ينجسه بخلاف غيره من ميتة البحر (٣)، فإنه ينجس الماء بقوله ﷺ في البحر: «هو الطهور ماؤه، الحل ميتته» (٤).

стр. 1449

ثم خالفوا (١): هذا الخبر بعينه (٢)، وقالوا: لا يحل ما مات في البحر من السمك ولا يحل شيء مما فيه أصلا غير السمك. واحتج أهل الرأي على نجاسة الكلب وولوغه بقوله ﷺ : «إذا ولغ الكلب

стр. 1450

في إناء أحدكم فليغسله سبع مرات (١) ثم قالوا: لا يجب غسله سبعًا بل يغسله مرة ومنهم من قال: ثلاثًا (٢). واحتجوا على تفريقهم في النجاسة المغلظة بين قدر الدرهم وغيره بحديث لا يصح، من طريق [روح بن] (٣) غطيف عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة يرفعه: تعاد الصلاة من قدر الدرهم (٤). ثم قالوا: لا تعاد الصلاة من قدر الدرهم (٥)، ثم احتجوا بحديث عمرو بن

стр. 1451

حزم: «إن ما زاد على مائتي درهم فلا شيء فيه حتى يبلغ أربعين، فيكون فيها درهم» (١)، وخالفوا الحديث بعينه (٢) في نص ما فيه، في أكثر من خمسة عشر موضعًا. واحتجوا على أن الخيار لا يكون أكثر من ثلاثة أيام بحديث المصراة (٣)، وهذا من إحدى العجائب، فإنهم من أشد الناس إنكارًا له ولا يقولون به، فإن كان حقا وجب اتباعه، وإن لم يكن صحيحًا لم يجز الاحتجاج به في تقدير الثلاث، مع أنه ليس في الحديث تعرض لخيار الشرط، فالذي أريد بالحديث ودل عليه خالفوه والذي احتجوا عليه به لم يدل عليه. واحتجوا لهذه المسألة أيضًا بحديث حبان بن منقذ الذي كان يُغبن في البيع، فجعل له النبي ﷺ الخيار ثلاثة أيام (٤)، وخالفوا الخبر كله. فلم يثبتوا

стр. 1452

الخيار بالغبن ولو كان يساوي عشر معشار ما بذله فيه، وسواء قال المشتري: «لا خلابة»، أو لم يقل، وسواء غبن قليلًا أو كثيرًا، لا خيار له في ذلك» (١). ثم مضى إلى أن عد ثلاثة وخمسين حديثًا كلها خالف مدلولها المتمذهبون واحتجوا بها فيما لا تدل عليه، وذلك غاية في التناقض واتباع الهوى.

стр. 1453

سورة الزخرف الباب الأول قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (٣٦) وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (٣٧) حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَالَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ﴾ [الزخرف: ٣٦ - ٣٨]. قال (ك): يقول تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ﴾ أي: يتعامى ويتغافل ويعرض عن ﴿ذِكْرِ الرَّحْمَنِ﴾ والعشا في العين ضعف بصرها، والمراد ههنا عشا البصيرة ﴿نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى﴾ [النساء: ١١٥] الآية، وكقوله: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: ٥] وكقوله ﷻ : ﴿وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ الآية ولهذا قال ﵎ ههنا: ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (٣٧) حَتَّى إِذَا جَاءَنَا﴾ أي: هذا الذي تغافل عن الهدى فقيض (١) له من الشياطين من يضله ويهديه إلى صراط الجحيم، فإذا وافى الله على يوم القيامة يتبرأ (٢) من الشيطان الذي وكل به ﴿قَالَ يَالَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ﴾ وقرأ بعضهم (٣): ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَنَا﴾ يعني: القرين والمقارن. قال عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن سعيد الجريري قال: بلغنا أن الكافر إذا بعث من قبره يوم القيامة شفع بيده شيطان لم يفارقه حتى يصيرهما الله ﵎ إلى النار فذلك حين يقول:

стр. 1454

﴿يَالَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ﴾ (١). والمراد بالمشرقين ههنا (٢) ما بين المشرق والمغرب، وإنما استعمل ههنا تغليبًا كما يقال (٣): القمران والعمران والأبوان، قاله (ج) وغيره (٤). فصل قال محمد تقي الدين: ذكر الرحمن هو القرآن، من أعرض عنه أو عن السنة المبينة له يقيض الله له شيطانًا يزين له الإعراض، ولا يزال معه يمنعه من الاهتداء إلى أن يموت على الضلال وهو يحسب أنه مهتد بتزيين شياطين الإنس والجن، وكل من اختار التقليد وعمي عن الحجة فإنه يخشى عليه من هذا الوعيد؛ لأن اتباع الذكر يمنع من التقليد والتعصب والتمذهب وكل بدعة في دين الله. قال المحقق القنوجي في «الدين الخالص» (٤/ ٣٢٣) ما نصه: «رجوع إلى ذكر بقية الوجوه من الأدلة العقلية والنقلية على بطلان التقليد: الوجه العشرون: إن فرقة التقليد قد ارتكبت مخالفة أمر الله وأمر رسوله، وهدي أصحابه، وأحوال أئمتهم وسلكوا ضد طريق أهل العلم، أما أمر الله، فإنه أمر برد ما تنازع فيه المسلمون إليه وإلى رسوله، والمقلدون قالوا: إنما نرده إلى من قلدناه (٥). وأما أمر رسوله، فإنه ﷺ أمر - عند الاختلاف - بالأخذ بسنته وسنة خلفائه الراشدين المهديين، وأمر أن يتمسك بها، ويعض عليها بالنواجذ (٦). وقال المقلدون: بل عند الاختلاف نتمسك بقول من قلدناه ونقدمه على كل ما عداه. وأما هدي الصحابة فمن المعلوم - بالضرورة - أنه لم يكن فيهم شخص

стр. 1455

واحد يقلد رجلا في جميع أقواله، ويخالف من عداه من الصحابة، بحيث لا يرد من أقواله شيئا، ولا يقبل من أقوالهم شيئا، وهذا من أعظم البدع، وأقبح الحوادث. وأما مخالفتهم لأئمتهم، فإن الأئمة نهوا عن تقليدهم، وحذروا منه كما تقدم ذكر بعض ذلك عنهم. وأما سلوكهم ضد طريق أهل العلم، فإن طريقهم طلب أقوال العلماء وضبطها، والنظر فيها وعرضها على القرآن والسنن الثابتة عن رسول الله ﷺ وأقوال خلفائه الراشدين. فما وافق ذلك منهم (١)، قبلوه ودانوا الله به وقضوا به وأفتوا به، وما خالف ذلك منها، لم يلتفتوا إليه، وردوه. وما لم يتبين لهم، كان عندهم من مسائل الاجتهاد، التي غايتها أن تكون سائغة الاتباع لا واجبة الاتباع من غير أن يلزموا بها أحدا، ولا يقولوا: إنها الحق دون ما خالفها. هذه طريقة أهل العلم سلفنا وخلفنا (٢).

стр. 1456

سورة الدخان الباب الأول قوله تعالى: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (١٠) يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (١١) رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ (١٢) أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ (١٣) ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ (١٤) إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ (١٥) يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ (١٦)﴾ [الدخان: ١٠، ١١]. وفي «الجلالين»: «﴿فَارْتَقِبْ﴾ [لهم] (١) ﴿يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ فأجدبت الأرض واشتد بهم الجوع إلى أن رأوا من شدته كهيئة الدخان بين السماء والأرض ﴿يَغْشَى النَّاسَ﴾ فقالوا: ﴿رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ﴾ مصدقون نبيك قال تعالى: ﴿أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى﴾ أي: لا ينفعهم الإيمان عند نزول العذاب: ﴿وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ﴾ بين الرسالة ﴿ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ﴾ أي: يعلمه القرآن بشر ﴿مَجْنُونٌ﴾، ﴿إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ﴾ أي: الجوع عنكم زمنًا قليلا فكشف عنهم ﴿إِنَّكُمْ عَائِدُونَ﴾ إلى كفركم فعادوا إليه، اذكر ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى﴾ هو يوم بدر ﴿إِنَّا مُنْتَقِمُونَ﴾ منهم والبطش الأخذ بقوة» (٢). فصل قال محمد تقي الدين: عاقب الله قريشًا بالجدب والقحط؛ لأنهم لم يتبعوا رسوله ولا قبلوا كتابه، ثم عاقبهم بالقتل والهزيمة في غزوة بدر، وكانت العقوبة الثالثة - وهي الأخيرة - غزوة الفتح فيها جاء نصر الله، وخسر حزب الشيطان،

стр. 1457

وكسرت قرون الكفر، وخضع أبو سفيان ورهطه، وقد ضمن الله ﷺ لكل من بلغه الإنذار بالقرآن والسنة وردهما وأعرض عنهما واستكبر عن اتباعهما وابتغى الهدى في غيرهما ضمن الله له شقاء الدارين وتمام الخسارتين، لا يشك في هذا عاقل منصف، وإن كان من أبعد الناس عن الإسلام، ولا يكشف عنهم هذا العذاب إلا بالرجوع إلى القرآن، والله عزيز ذو انتقام. اهـ. قال المحقق القنوجي في «الدين الخالص» (٤/ ٣٢٤) ما نصه: «الوجه الحادي والعشرون: إن الله سبحانه ذم ﴿الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [الروم: ٣٢] وهؤلاء هم أهل التقليد بأعيانهم بخلاف أهل العلم، فإنهم - وإن اختلفوا - لم يفرقوا دينهم، ولم يكونوا شيعا، بل شيعة واحدة، متفقة على طلب الحق، وإيثاره عند ظهوره، وتقديمه على كل ما سواه. فهم طائفة واحدة، قد اتفقت مقاصدهم وطريقتهم، فالطريق واحد، والقصد واحد. والمقلدون بالعكس، مقاصدهم شتى، وطرقهم مختلفة، فليسوا مع الأئمة في القصد ولا في الطريق. الوجه الثاني والعشرون: إن الله سبحانه ذم الذين: تَقَطَّعُوا ﴿أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٣]، و الزبر: الكتب المصنفة، التي رغبوا بها عن كتاب الله، وما بعث به رسوله، فقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٥١) وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ (٥٢) فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ زُبُرا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [المؤمنون: ٥١ - ٥٣]. فأمر تعالى الرسل بما أمر به أممهم أن يأكلوا من الطيبات، وأن يعملوا صالحا، وأن يعبدوه وحده، ويطيعوا أمره وحده، وأن لا يتفرقوا في الدين. فمضت الرسل وأتباعهم على ذلك، ممتثلين لأمر الله، قابلين لرحمته حتى نشأت خلوف ﴿فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٣] فمن تدبر هذه الآيات، ونزلها على الواقع، تبين له حقيقة الحال، وعلم من أي الحزبين هو، والله المستعان» (١).

стр. 1458

الباب الثاني قوله تعالى: ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٥٨) فَارْتَقِبْ إِنَّهُمْ مُرْتَقِبُونَ﴾ [الدخان: ٥٨، ٥٩]. قال (ك): أي: إنما يسرنا هذا القرآن الذي أنزلناه سهلًا واضحًا بينًا جليًا بلسانك الذي هو أفصح اللغات (١) وأحلاها وأعلاها ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ أي: يتفهمون ويعلمون، ثم لما كان مع هذا الوضوح والبيان (٢) من الناس من كفر وخالف وعاند قال تعالى لرسوله ﷺ مسليًا له [و واعدًا له] (٣) بالنصر ومتوعدًا لمن كذبه بالعطب (٤) والهلاك: ﴿فَارْتَقِبْ﴾ أي: فسيعلمون لمن تكون النصرة (٥) والظفر وعلو الكلمة في الدنيا والآخرة، فإنها لك يا محمد ولإخوانك من النبيين والمرسلين ومن اتبعكم من المؤمنين كما قال تعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾ [المجادلة: ٢١] الآية وقال تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ (٥١) يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ [غافر: ٥١ - ٥٢] (٦). فصل قال محمد تقي الدين: قد أجاد الحافظ (ك) في تفسير الآيتين، وفيهما فوائد: الأولى: إن الله يسر القرآن وسهله قراءة وحفظًا وفهمًا، وسهل العمل به والحكم به والدعوة إليه وتعليمه ونشره، وقد ادعى المقلدون المتفرقون في دينهم خلاف ذلك، وزعموا أنه لا يفهم حتى قالوا قولتهم الشنيعة: (صوابه خطأ وخطأه كفر) (٧)، ﴿اشْتَرَوْا بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ إِنَّهُمْ﴾.

стр. 1459

سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [التوبة: ٩] وجعلوا القرآن مقصورًا على قراءته للتبرك بلا تدبر، ولا فهم ولا عمل ولا تحكيم ولا اتباع، وعلى قراءته على القبور، وإهداء ثوابه للأموات، والسحر به، فلذلك أخذهم الله بذنوبهم وسلبهم نعمه، وعذبهم في هذه الدنيا عذابًا مهينًا ولعذاب الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون. الثانية: إن الغرض من إنزاله التذكر والعمل والتحكيم، واتخاذه إمامًا، والتأدب والتخلق به، ولم يفعلوا شيئًا من ذلك. الثالثة: إن كل من أعرض عنه يرتقب عذاب الله في الدنيا والآخرة وما لهم من ولي ولا نصير، ومن اتبعه واستضاء بنوره يرتقب نصر الله ورحمته في الدنيا والآخرة، وتكون لهم العاقبة كما قال الحافظ ﵀. ثم قال المحقق القنوجي ﵀ (٤/ ٣٢٥) ما نصه: «الوجه الثالث والعشرون: إن الله سبحانه قال: ﴿وَلْتَكُن مِنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٤] فخص هؤلاء بالفلاح دون من عداهم. والداعون إلى الخير هم الداعون إلى كتاب الله وسنة رسوله، لا الداعون إلى رأي فلان. الوجه الرابع والعشرون: إن الله سبحانه ذم من إذا دُعِي إلى الله ورسوله أعرض ورضي بالتحاكم إلى غيره، وهذا شأن أهل التقليد. قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾ [النساء: ٦١]. فكل من أعرض عن الداعي له إلى ما أنزل الله و [إلى] (١) رسوله إلى غيره، فله نصيب من هذا الذم؛ فمستكثر ومستقل. الوجه الخامس والعشرون: أن يقال لفرقة التقليد: دين الله - عندكم - قول واحد، أو في القول وضده. فدينه هو الأقوال المتضادة التي ينقض بعضها بعضًا، ويبطل بعضها بعضًا، كلها دين الله؟ فإن قال: بل هذه الأقوال المتضادة المتعارضة، التي يناقض بعضها بعضًا

стр. 1460

كلها دين الله، خرجوا على (١) نصوص أئمتهم، فإن جميعهم على أن الحق في واحد من الأقوال، كما أن القبلة في جهة من الجهات. وخرجوا عن نصوص القرآن، والسنة والمعقول الصريح، وجعلوا دين الله تابعا لآراء الرجال. وإن قالوا: الصواب الذي لا صواب غيره: إن دين الله واحد، وهو ما أنزل الله به كتابه وأرسل به رسله، وارتضاه لعباده كما أن نبيه واحد، وقبلته واحدة، فمن وافقه فهو المصيب وله أجران، ومن أخطأ فله أجر واحد على اجتهاده، لا على خطئه. قيل له: فالواجب إذا طلب الحق، وبذل الاجتهاد في الوصول إليه بحسب الإمكان؛ لأن الله سبحانه أوجب على الخلق تقواه، بحسب الاستطاعة، وتقواه فعل ما أمر به وترك ما نهى عنه. فلا بد أن يعرف العبد ما أمر به ليفعله، وما نهي عنه ليجتنبه، وما أبيح له ليأتيه. وهذا (٢)، لا يكون إلا بنوع اجتهاد، وطلب، وتحر للحق، فإذا لم يأت بذلك فهو في عهدة الأمر، ويلقى الله، ولما يقض ما أمره» (٣).

стр. 1461

سورة الجاثية الباب الأول قوله تعالى: ﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾ ﴿يَسْمَعُ آيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ ﴿وَإِذَا عَلِمَ مِنْ آيَاتِنَا شَيْئًا اتَّخَذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ ﴿مِنْ وَرَائِهِمْ جَهَنَّمُ وَلَا يُغْنِي عَنْهُمْ مَا كَسَبُوا شَيْئًا وَلَا مَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ ﴿هَذَا هُدًى وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ﴾ [الجاثية: ٦، ١١]. قال (ك): «يقول تعالى: ﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ﴾ يعني: القرآن بما فيه من الحجج والبينات ﴿نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ﴾ أي: متضمنة الحق (١) فإذا كانوا لا يؤمنون بها ولا ينقادون لها ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ ثم قال تعالى: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾ أي: أفاك في قوله كذاب حلاف مهين ﴿أَثِيمٍ﴾ في فعله وقيله (٢) كافر بآيات الله ولهذا قال: ﴿يَسْمَعُ آيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ﴾ أي: تقرأ عليه ﴿ثُمَّ يُصِرُّ﴾ أي: على كفره وجحوده استكبارًا وعنادًا ﴿كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا﴾ أي: كأنه ما سمعها ﴿فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ أي: فأخبره أن له عند الله تعالى يوم القيامة عذابًا أليمًا موجعًا ﴿وَإِذَا عَلِمَ مِنْ آيَاتِنَا شَيْئًا اتَّخَذَهَا هُزُوًا﴾ أي: إذا حفظ شيئًا من القرآن كفر به واتخذه سخريا وهزوًا ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ أي: مقابل ما استهان بالقرآن واستهزأ به، ولهذا روى مسلم في «صحيحه» عن ابن عمر قال: نهى رسول الله ﷺ أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو مخافة أن يناله العدو» (٣). ثم فسر العذاب الحاصل له

стр. 1462

يوم معاده فقال: ﴿مِنْ وَرَائِهِمْ جَهَنَّمُ﴾ أي: كل من اتصف بذلك سيصير (١) إلى جهنم يوم القيامة ﴿وَلَا يُغْنِي عَنْهُم مَا كَسَبُوا شَيْئًا﴾ أي: لا تنفعهم أموالهم ولا أولادهم ﴿وَلَا مَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ﴾ أي: ولا تغني عنهم الآلهة التي عبدوها من دون الله شيئًا ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ ثم قال ﵎: ﴿هَذَا هُدًى﴾ يعني: القرآن ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ﴾ وهو المؤلم الموجع، والله ﷺ أعلم» (٢). فصل قال محمد تقي الدين: هذه الشعوب التي تدعي الإسلام قد نبذت كتاب الله وراء ظهورها، وآمنت بالتشبه بالأجانب واتخاذهم أربابًا، واقتباس قوانينهم وعاداتهم، فما زادتهم إلا خبالًا، فهم أحقر الناس وأخسر الناس وأفقر الناس، وإن كانت الأموال الكثيرة بأيديهم، فهم كما قال الشاعر: كالعيس في البيداء يقتلها الظمأ … والماء فوق ظهورها محمول بل كما قال الله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ [الجمعة: ٥] فأسفار العلم فيها الهدى والنور وفيها الحياة والرفعة والعيشة الراضية، ولكن الحمار إذا حملها لا تصل إلى قلبه ولا يناله منها إلا الثقل والعناء، فهذا القرآن الذي أحيا الله به شعوبًا ورفعهم من حضيض الهوان إلى أوج العزة والسعادة مهجور عند هؤلاء منبوذ لا يستضاء بنوره، ولا ينتفع بحكمه، ولا يستفاد من أحكامه، فاعجبوا يا أولي الأبصار ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى﴾ [الرعد: ٣١] لكان هذا القرآن ولكن إنما ينذر به ﴿مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [يس: ٧٠]، ﴿لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الحشر: ٢١] فقلوبهم أقسى من الحجارة صم بكم عمي فهم لا يفقهون. ثم قال المحقق القنوجي في «الدين الخالص» (٤/ ٣٢٧) ما نصه:

стр. 1463

«الوجه السادس والعشرون: إن دعوة الرسول ﷺ عامة لمن كان في عصره، ولمن يأتي بعده إلى يوم القيامة. الواجب على مَنْ بعد الصحابة، هو الواجب عليهم بعينه، وإن تنوعت صفاته وكيفياته، باختلاف الأحوال. ومن المعلوم - بالاضطرار - أن الصحابة لم يكونوا يعرضون ما يسمعون منه ﷺ على أقوال علمائهم، بل لم يكن لعلمائهم قول غير قوله، ولم يكن أحد منهم يتوقف في قبول ما سمعه منه على موافقة موافق أو رأي ذي رأي أصلًا، وكان هذا هو الواجب الذي لا يتم الإيمان إلا به. وهو - بعينه - الواجب علينا وعلى سائر المكلفين إلى يوم القيامة. ومعلوم أن هذا الواجب لم ينسخ بعد موته ولا هو مختص بالصحابة، فمن خرج عن ذلك، فقد خرج عن نفس ما أوجبه الله ورسوله» (١). الباب الثاني قوله تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الجاثية: ١٨] أي: اتبع ما أوحي إليك من ربك لا إله إلا هو وأعرض عن المشركين وقال ﷻ ههنا: ﴿وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [الجاثية: ١٩] أي: وماذا تغني عنهم ولايتهم لبعضهم بعضًا فإنهم لا يزيدونهم إلا خسارًا ودمارًا وهلاكًا ﴿وَاللهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ﴾ وهو تعالى: ﴿يُخْرِجُهُم مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ﴾ [البقرة: ٢٥٧] (٢). فصل قال محمد تقي الدين: تقدم في كلام ابن القيم الكلام في هذه الآية ونظائرها وبيّن بغاية الوضوح أنهما أمران لا ثالث لهما: إما اتباع الوحي، وإما اتباع الهوى، والتقليد ليس من اتباع الوحي يقينًا، فهو إذًا من اتباع الهوى،

стр. 1464

واتباع الهوى ضلال ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [الجاثية: ١٩] والمتقون لا يفتون ولا يقضون بالتقليد أبدًا. ثم قال صاحب «الدين الخالص» في (٤/ ٣٢٧) ما نصه: «الوجه السابع والعشرون: إن أقوال العلماء وآراءهم لا تنضبط، ولا تنحصر، ولم يضمن لها العصمة إلا إذا اتفقوا ولم يختلفوا، فلا يكون اتفاقهم إلا حقًا، ومن المحال أن يحيلنا الله ورسوله على ما لا ينضبط، ولا ينحصر ولم يضمن لنا عصمته من الخطأ، ولم يقم لنا دليلًا على أن أحد القائلين أولى أن نأخذ قوله كله من الآخر، بل يترك قول هذا كله ويؤخذ قول هذا كله، محال أن يشرعه الله، أو يرضى به إلا إذا كان أحد القائلين رسولًا، والآخر كاذبًا على الله؛ فالفرض حينئذ ما يعتمده هؤلاء المقلدون مع متبوعهم» (١).

стр. 1465

سُورَةُ الأحقاف الباب الأول قوله تعالى: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٩) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُم بِهِ، وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ، فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٠) وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ، فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ (١١) وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً وَهَذَا كِتَابٌ مُصَدِّقٌ لِسَانًا عَرَبِيًّا لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرَى لِلْمُحْسِنِينَ﴾ [الأحقاف: ٩ - ١٢]. قال (ك): وقوله تعالى: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾ أي: ما أنا بأول رسول، وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ﴾ قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، وكذا قال عكرمة والحسن وقتادة: إنها منسوخة بقوله تعالى: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: ٢]. فأما الحديث الذي رواه الإمام أحمد عن أم العلاء قالت: اشتكى عثمان بن مظعون عندنا فمرضناه، حتى إذا تُوَفِّي أدرجناه في أثوابه، فدخل علينا رسول الله ﷺ ، فقلت: رحمة الله عليك أبا السائب شهادتي عليك لقد أكرمك الله ل، فقال رسول الله ﷺ : «وما يدريك أن الله تعالى أكرمه»؟ فقلت: لا أدري بأبي أنت وأمي، فقال رسول الله ﷺ : «أما هو فقد جاءه اليقين من ربه، وإني لأرجو له الخير، والله ما أدري (١) ما يفعل بي». قالت: فقلت: والله لا أزكي أحدًا بعده أبدًا، وأحزنني ذلك، فنمت فرأيتُ لعثمان عينًا تجري، فجئت

стр. 1466

إلى رسول الله ﷺ فأخبرته بذلك، فقال رسول الله ﷺ : «ذلك عمله» أخرجه البخاري وفي لفظ له: «وما أدري (١) وأنا رسول الله ﷺ ما يُفعل به» (٢). وهذا أشبه أن يكون هو المحفوظ بدليل قولها: فأحزنني ذلك. وفي هذا الحديث وأمثاله دلالة على أنه لا يقطع لمعين بالجنة إلا الذي نص الشارع الحكيم على تعيينه كالعشرة، وابن سلام والغميصاء (٣) وبلال وسراقة، وعبد الله والد جابر بن عبد الله، والقراء السبعين الذين قتلوا ببئر معونة، وزيد بن حارثة، وجعفر، وابن رواحة وما أشبه هؤلاء (٤) وقوله تعالى: ﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ أي: ما أتبع إلا ما ينزل عليّ من الوحي، وما أنا إلا مبلغ عن ربي من النذارة الواضحة لكل ذي عقل، والله أعلم (٥). وقوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُم بِهِ﴾ إلى قوله: ﴿الْمُحْسِنِينَ﴾ قال (ع): يقول تعالى: ﴿قُلْ﴾ يَا مُحَمَّدٌ لِلْكَافِرِينَ بِالْقُرْآنِ ﴿أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ﴾ الْقُرْآنُ ﴿مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُم بِهِ﴾ ما ظنكم أن الله صانع بكم؟ ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ وهو عبد الله بن سلام ﴿عَلَى مِثْلِهِ﴾ أي: على مثل ما في التوراة بصدق القرآن لمعرفته بحقيقته من التوراة ﴿فَآمَنَ﴾ أي: هذا الشاهد بنبيه وكتابه ﴿وَاسْتَكْبَرْتُمْ﴾ أنتم عن اتباع القرآن فكفرتم بنبيكم وكتابكم. روى (٦) مالك عن سعد قال: ما سمعت رسول الله ﷺ يقول لأحد يمشي على وجه الأرض: إنه من أهل الجنة إلا لعبد الله بن سلام، قال: وفيه نزلت: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ﴾ رواه البخاري ومسلم (٧). وقال ابن عباس وجماعة من التابعين: إنه عبد الله بن سلام (٨).

стр. 1467

وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ﴾ أي: قال الكفار: لو كان في القرآن خير ما سبق (١) إليه أمثال المستضعفين، كعمار وبلال وصهيب وخباب وأشباههم من المستضعفين والعبيد والإماء كقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِم مِنْ بَيْنِنَا﴾ [الأنعام: ٥٣] أي: يتعجبون كيف اهتدى هؤلاء دونهم؛ لأنهم يعتقدون في أنفسهم أنهم وجيهون عند الله وله بهم عناية، وهذا هو الخطأ الفاحش الذي دعاهم يقولون: ﴿لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ﴾ وأما أهل السنة والجماعة فيقولون: كل فعل وقول لم يثبت عن الصحابة هو بدعة لأنه لو كان خيرا سبقونا (٢) إليه؛ لأنهم لم يتركوا خصلة من خصال الخير إلا وقد بادروا إليها، وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ﴾ أي: بالقرآن ﴿فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ﴾ كذب قديم [أي] مأثور عن [الناس] (٣) الأقدمين؛ ينتقصون القرآن (٤) وأهله وهذا هو الكبر الذي حدث عنه رسول الله ﷺ : «بطر الحق وغمط الناس» (٥). ثم قال تعالى: ﴿وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى﴾ وهي التوراة ﴿إِمَامًا وَرَحْمَةً﴾ [للناس] (٣) ﴿وَهَذَا كِتَابٌ﴾ يعني: القرآن ﴿مُصَدِّقٌ﴾ أي: لما قبله من الكتب ﴿لِسَانًا عَرَبِيًّا﴾ أي: فصيحا بينا واضحا ﴿لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرَى لِلْمُحْسِنِينَ﴾ أي: مشتمل على الندارة للكافرين والبشارة للمؤمنين (٦). فصل قال محمد تقي الدين: إن قوله تعالى: ﴿وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ﴾ منسوخة بقوله تعالى: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنبِكَ﴾ [الفتح: ٢]، مشكل؛ لأن

стр. 1468

الأخبار لا يدخلها النسخ إذ كلها صادقة والصواب أن يقال: ﴿وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ﴾ من أمور الدنيا، كالإخراج من الوطن (١) والحبس والقتل والنصر والهزيمة، فهي محكمة على هذا الوجه (٢). أما حديث عثمان بن مظعون فالرواية الصحيحة (٣) هي رواية: «ما أدري ما يفعل به» كما أشار إليه بعض المفسرين. قوله: «وأما أهل السنة … » إلى آخره، يقتضي أن يكون أصحاب الطرائق وعباد القبور والمتخذون المذاهب من المبتدعين، ويؤيده قول مالك إمام دار الهجرة: «من ابتدع في الإسلام بدعة يراها حسنة، فقد زعم أن محمدًا ﷺ خان الرسالة؛ لأني سمعت الله يقول: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣] وما لم يكن يومئذ دينًا، لا يكون اليوم دينًا» (٤). البابا الثاني قوله تعالى: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِم مُنْذِرِينَ (٢٩) قَالُوا يَاقَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ (٣٠) يَاقَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُم مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (٣١) وَمَنْ لَا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءُ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [الأحقاف: ٢٩ - ٣٢]. وفي «الجلالين» قوله: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا﴾ (٥) ﴿إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ

стр. 1469

الْجِنِّ﴾ (١) نصيبين باليمن أو جن نينوى وكانوا سبعة أو تسعة وكان ببطن نخلة (٢) يصلي بأصحابه الفجر. رواه الشيخان (٣). ﴿يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا﴾ أي: قال بعضهم لبعض: ﴿أَنصِتُوا﴾ اصغوا لاستماعه ﴿فَلَمَّا قُضِيَ﴾ فرغ من قراءته ﴿وَلَّوْا﴾ رجعوا ﴿إِلَى قَوْمِهِم مُنْذِرِينَ﴾ مخوفين قومهم العذاب إن لم يؤمنوا وكانوا يهودًا وقد أسلموا ﴿قَالُوا يَاقَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا﴾ هو القرآن: ﴿أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ أي: تقدمه كالتوراة ﴿يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ﴾ الإسلام ﴿وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيم﴾ أي: طريقه ﴿يَاقَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ﴾ محمدًا إلى الإيمان ﴿وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ﴾ أي: بعضها لأن منها المظالم ولا تغفر إلا بردها إلى أصحابها (٤) ﴿وَيُجِرْكُم مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ مؤلم ﴿وَمَنْ لَا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ﴾ أي: لا يعجز الله بالهرب منه فيفوته: ﴿وَلَيْسَ لَهُ﴾ لمن لا يجيب (٥) ﴿مِنْ دُونِهِ﴾ أي: الله ﴿أَوْلِيَاءَ﴾ أنصار يدفعون عنه العذاب ﴿أُولَئِكَ﴾ الذين لم يجيبوا ﴿فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ (٦) ظاهر» (٧). فصل قال محمد تقي الدين: نَصيبين ليست من اليمن وقد أشار إلى ذلك الجمل (٨) بقوله: «قوله: من اليمن هذا أحد قولين، والذي في «شرح المواهب» أنها بالجزيرة وهي بين الشام والعراق» (٩). اهـ.

стр. 1470

ونفهم من هذه الآيات أن كل من أجاب داعي الله محمدًا رسول الله ﷺ وتلقاه بالإيمان والنصرة يغفر له الله سبحانه من ذنوبه ويجيره من عذاب أليم في الدنيا والآخرة، ومن لا يجب داعي الله يقصمه الله ولا يجد وليا ولا نصيرًا، والمقلدون لا يجيبون داعي الله بل يجتهدون في رد ما جاء به ويركبون في ذلك الصعب والذلول، ومن قرأ كتبهم يعلم ذلك علم اليقين وقد تقدم نموذج من ذلك فيما نقلته من كتاب «الدين الخالص» وهو قليل من كثير فمن أراد التفصيل، فليقرأه؛ يرى العجب العجاب، فالحمد لله على السلامة والعافية. وقلت في التبرؤ من المتمذهبين: برئت إلى الرحمن مِنْ كُلِّ مذهب … سوى مذهب المختار سُؤلي ومطلبي مدى الدهر لا أبغي بديلًا به ولو … يزخرفه قوم بقول مُكَذَّب لقد عبدوا الأوثان معنى وما دروا … فباؤوا بإشراك وجهل مُرَكَّب (١) وقال صاحب «الدين الخالص» (٤/ ٣٢٨) ما نصه: «الوجه الثامن والعشرون: إن النبي ﷺ قال: «بدأ الإسلام غريبًا وسيعود غريبًا كما بدأ» (٢). وأخبر أن العلم يقل، فلا بد من وقوع ما أخبر به الصادق. ومعلوم أن كتب المقلدين قد طبقت شرق الأرض وغربها، ولم تكن في وقت قط أكثر منها في هذا الوقت، ونحن نراها كل عام في ازدياد وكثرة، والمقلدون يحفظون منها ما يمكن حفظه بحروفه. وشهرتها في الناس خلاف الغربة، بل هي المعروف الذي لا يعرفون غيره، فلو كانت هي العلم الذي بعث الله به رسوله، لكان الدين كل وقت في ظهور وزيادة، والعلم في شهرة وظهور وهو خلاف ما أخبر به الصادق» (٣).

стр. 1471

سُورَةُ مُحَمَّدٍ الباب الأول قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُم﴾ [محمد: ١٤]. قال (ك): «يقول تعالى: ﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ أي: على بصيرة ويقين من الله وأمره (١) ودينه ﴿كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُم﴾ أي: ليس هذا كهذا، كقوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى﴾ [الرعد: ١٩]» (٢). فصل قال محمد تقي الدين: الصحابة والتابعون والأئمة المجتهدون ومن اتبع طريقهم - وهو اتباع الكتاب والسنة - كان على بينة من ربه، وأصحاب الفرق من المبتدعين في العقائد والمقلدين في الفروع وأصحاب الطرائق المستمدون من شيوخهم تنوير القلوب وانشراحها، كل هؤلاء لم يكونوا على بينة من ربهم، بل زين لهم سوء عملهم واتبعوا أهواءهم، وقد تقدم مثل هذا المعنى في مواضع. ثم قال المحقق القنوجي في «الدين الخالص» (٤/ ٣٢٨) ما نصه: «الوجه التاسع والعشرون: إن الاختلاف كثير في كتب المقلدين وأقوالهم، وما كان من عند الله فلا اختلاف فيه، بل هو حق يصدق بعضه بعضًا، ويشهد بعضه لبعض، وقد قال تعالى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾» (٣) [النساء: ٨٢].

стр. 1472

قال محمد تقي الدين: ومن المعلوم أن أصحاب المذاهب بينهم اختلاف كثير بعضهم مع بعض، وفي داخل كل مذهب اختلاف كثير، فلا يكون من الله تعالى، وإذا لم يكن من الله تعالى، فهو من اتباع الهوى، كما تقدم فيما نقلته عن ابن القيم. الباب الثاني قوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (٢٤) إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِم مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ (٢٥) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ (٢٦)﴾ [محمد: ٢٤ - ٢٦] قال (ك): «يأمر تعالى بتدبر القرآن وتفهمه وناهيًا من الإعراض عنه، فقال سبحانه: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ أي: بل على قلوب أقفالها، فهي مطبقة لا يخلص إليها شيء من معانيه، ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِم مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى﴾ أي: فارقوا الإيمان ورجعوا إلى الكفر - والعياذ بالله تعالى من سوء المنقلب - ﴿مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ﴾ أي زين لهم ذلك وحسنه ﴿وَأَمْلَى لَهُمْ﴾ أي: غرهم وخدعهم ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ﴾ أي: مالؤوهم ونصحوهم في الباطن (١) وهذا شأن المنافقين يظهرون خلاف ما يبطنون، ولهذا قال ﷻ : ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ﴾ أي: ما يخفون (٢)». فصل قال محمد تقي الدين: ومن المعلوم أن المقلدين لا يتدبرون القرآن، فقلوبهم مقفلة عنه ولو علموا معناه لا يعملون به، فقد زين لهم شيطانهم أن الأحكام لا تؤخذ من القرآن وإنما تؤخذ من آراء أئمتهم، ويزعمون أن أئمتهم قد مخضوا القرآن والسنة، وأخرجوا زبدهما وأودعوه كتب الرأي، ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ

стр. 1473

عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ [فاطر: ٨]. قال المحقق القنوجي في «الدين الخالص» (٤/ ٣٢٨) ما نصه: «الوجه الثلاثون: إنه لا يجب على العبد أن يقلد زيدًا دون عمرو، بل يجوز له الانتقال من تقليد هذا إلى تقليد الآخر عند المقلدين. فإن كان قول من قلده - أولًا - هو الحق لا سواه، فقد جوزتم له الانتقال عن الحق إلى خلافه، وهذا محال. وإن كان الثاني هو الحق وحده، فقد جوزتم الإقامة على خلاف الحق، وإن قلتم: القولان المتضادان المتناقضان حق، فهو أشد ضلالة (١)، ولا بد لكم من قسم من هذه الأقسام الثلاثة» (٢). قال محمد تقي الدين: والمقلد لواحد من هذه المذاهب إما أن يكون عاقلًا رشيدًا، كالذي يسلم. فنسأل المقلدين: أي مذهب تختارونه له؟ فلا شك لا يتفقون على اختيار أبدًا، بل كل فرقة منهم تقول له يجب أن تدخل في مذهبنا، وتعدد له فضائله، ولا تبيح له أن يدخل في مذهب آخر فيبقى متحيرًا، وربما رجع إلى دينه الأول؛ لأنه إذا انضم إلى فرقة منهم أغضب الفرق الأخرى، وهذا ما قال الدكتور أمبدكار زعيم المتحررين من المنبوذين في الهند (٣)، فإن أصحابه الذين اقتنعوا بأن المنبوذية باطلة، وأن الله تعالى أعدل وأرحم من أن يحكم على أطفال بأنهم أنجاس محرومون يجب إبعادهم وتعذيبهم من خروجهم من بطون أمهاتهم إلى موتهم بسبب ذنوب ارتكبتها أرواحهم في التجسدات السابقة، هذا على فرض صحة عقيدة التناسخ، وهي فاسدة؛ فإن الأرواح لا تدخل الأجساد إلا مرة واحدة ثم ترجع إلى ربها لتلقى جزاء عملها، أجمعت على ذلك الديانات السماوية واتفق عليه جميع الرسل والأنبياء. سأل هؤلاء المتحررون الذين أنقذوا من المنبوذية زعيمهم الدكتور أمبدكار: في أي دين ندخل الآن بعد ما تحررنا من دين الهنادك؟ فقال لهم: أفضل الأديان.

стр. 1474

في نظري هو الإسلام، ولولا اختلاف المسلمين على فرق ومذاهب لنصحت لكم أن تدخلوا في الإسلام، فلم يبق لكم إلا أن تدخلوا في (البدية) فإنها ملة هندية خالية من عقيدة التناسخ. وإن ولد في الإسلام ووجد والديه مقلدين لمذهب ومنتسبين لفرقة ومتمسكين بطريقة فإنه يتبع والديه في ضلالهم، ويقول: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٣] وهذا ما وقع لنا معشر الحنفاء الموحدين، فأنا مثلًا وجدت والدي مقلدًا للمذهب المالكي، ومنتسبًا إلى الفرقة الأشعرية، ومتمسكًا بالطريقة الدرقاوية الشاذلية فلم يكن لي بد من اتباعه، ثم انتقلت من الدرقاوية إلى التجانية، وبقيت فيها مدة تسع سنين حتى لقيت شيخنا العلامة الداعي إلى الله على بصيرة محمد بن العربي العلوي في مدينة فاس سنة ١٣٣٨ هـ، في ربيع الأول في اليوم - ١٢ - منه وهو الذي يحتفل به المبتدعون وعباد القبور أجمعون، وكان عمري حينئذ ثماني وعشرين سنة، وقد قرأت القرآن وحفظته وجودته وقرأت (عبادات خليل) ومن علم النحو درست «الآجرومية» و «ملحة الأعراب» و «ألفية بن مالك»، ومع ذلك كله بقيت على عقيدة أبي وأمي، ففتح أستاذي - بإذن الله - عين بصيرتي، وعلمتُ أني كنت في ظلمات بعضها فوق بعض، وتبت إلى الله من عقيدة الأشعرية المتأخرين، ومن التقليد، ومن الطريقة (١). إذا اصطفاك لأمر هيأتك له … يد العناية حتى تبلغ الأملا وهذا يبين لك شؤم التفرق في الدين، وأنه سبيل الهالكين. الباب الثالث قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَشَاقُوا الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَسَيُحْبِطُ أَعْمَالَهُمْ﴾ ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٢ - ٣٣]. قال (ك): يخبر تعالى عمن كفر وصدَّ عن سبيل الله وخالف الرسول شاقه وارتد عن الإيمان من بعد ما تبين له الهدى أنه لن يضر الله شيئًا. وإنما يضر

стр. 1475

نفسه ويخسرها يوم معادها، وسيحبط الله عمله فلا يثيبه على سالف عمله الذي عقبه بردته مثقال (١) بعوضة من خير، بل يحبطه ويمحقه بالكلية، كما أن الحسنات يذهبن السيئات. روى الإمام أحمد من طريق عبد الله بن المبارك عن ابن عمر قال: «كنا معشر أصحاب رسول الله نرى أنه ليس شيء من الحسنات إلا مقبولًا حتى نزلت: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣] فقلنا: ما هذا الذي يبطل أعمالنا؟ فقلنا: الكبائر الموجبات والفواحش، حتى نزل قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨، ١١٦]، فلما نزلت كففنا عن القول في ذلك، فكنا نخاف على من أصاب الكبائر والفواحش ونرجو لمن لم يصبها» (٢). ثم أمر ﵎ عباده المؤمنين بطاعته وطاعة رسوله التي هي سعادتهم في الدارين، ونهاهم عن الارتداد الذي هو مبطل للأعمال، ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ أي: بالردة» (٣). قال المحقق القنوجي في تفسيره لهذه الآية: «واستدل بهذه الآية من لا يرى إبطال النوافل حتى لو دخل في صلاة تطوع أو صوم تطوع، لا يجوز له إبطال ذلك العمل والخروج منه. وبه قال أبو حنيفة ﵀، وقال الشافعي بخلافه، ولا دليل لهم في الآية ولا حجة؛ لأن السنة مبينة للكتاب، وقد ثبت في «الصحيحين»: أن النبي ﷺ أصبح صائمًا فلما رجع إلى البيت وجد حيسًا، فقال لعائشة، قريبه (٤) فلقد أصبحت صائمًا فأكل (٥). وهذا معنى الحديث وليس
следующие страницы →