← Акыда

Акыда · id 30197

سبيل الرشاد في هدي خير العباد

محمد تقي الدين الهلالي

Полный текст (2 277 стр.). Показаны 1471–1510 · переход к 1476.

стр. 1471

سُورَةُ مُحَمَّدٍ الباب الأول قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُم﴾ [محمد: ١٤]. قال (ك): «يقول تعالى: ﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ أي: على بصيرة ويقين من الله وأمره (١) ودينه ﴿كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُم﴾ أي: ليس هذا كهذا، كقوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى﴾ [الرعد: ١٩]» (٢). فصل قال محمد تقي الدين: الصحابة والتابعون والأئمة المجتهدون ومن اتبع طريقهم - وهو اتباع الكتاب والسنة - كان على بينة من ربه، وأصحاب الفرق من المبتدعين في العقائد والمقلدين في الفروع وأصحاب الطرائق المستمدون من شيوخهم تنوير القلوب وانشراحها، كل هؤلاء لم يكونوا على بينة من ربهم، بل زين لهم سوء عملهم واتبعوا أهواءهم، وقد تقدم مثل هذا المعنى في مواضع. ثم قال المحقق القنوجي في «الدين الخالص» (٤/ ٣٢٨) ما نصه: «الوجه التاسع والعشرون: إن الاختلاف كثير في كتب المقلدين وأقوالهم، وما كان من عند الله فلا اختلاف فيه، بل هو حق يصدق بعضه بعضًا، ويشهد بعضه لبعض، وقد قال تعالى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾» (٣) [النساء: ٨٢].

стр. 1472

قال محمد تقي الدين: ومن المعلوم أن أصحاب المذاهب بينهم اختلاف كثير بعضهم مع بعض، وفي داخل كل مذهب اختلاف كثير، فلا يكون من الله تعالى، وإذا لم يكن من الله تعالى، فهو من اتباع الهوى، كما تقدم فيما نقلته عن ابن القيم. الباب الثاني قوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (٢٤) إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِم مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ (٢٥) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ (٢٦)﴾ [محمد: ٢٤ - ٢٦] قال (ك): «يأمر تعالى بتدبر القرآن وتفهمه وناهيًا من الإعراض عنه، فقال سبحانه: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ أي: بل على قلوب أقفالها، فهي مطبقة لا يخلص إليها شيء من معانيه، ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِم مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى﴾ أي: فارقوا الإيمان ورجعوا إلى الكفر - والعياذ بالله تعالى من سوء المنقلب - ﴿مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ﴾ أي زين لهم ذلك وحسنه ﴿وَأَمْلَى لَهُمْ﴾ أي: غرهم وخدعهم ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ﴾ أي: مالؤوهم ونصحوهم في الباطن (١) وهذا شأن المنافقين يظهرون خلاف ما يبطنون، ولهذا قال ﷻ : ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ﴾ أي: ما يخفون (٢)». فصل قال محمد تقي الدين: ومن المعلوم أن المقلدين لا يتدبرون القرآن، فقلوبهم مقفلة عنه ولو علموا معناه لا يعملون به، فقد زين لهم شيطانهم أن الأحكام لا تؤخذ من القرآن وإنما تؤخذ من آراء أئمتهم، ويزعمون أن أئمتهم قد مخضوا القرآن والسنة، وأخرجوا زبدهما وأودعوه كتب الرأي، ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ

стр. 1473

عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ [فاطر: ٨]. قال المحقق القنوجي في «الدين الخالص» (٤/ ٣٢٨) ما نصه: «الوجه الثلاثون: إنه لا يجب على العبد أن يقلد زيدًا دون عمرو، بل يجوز له الانتقال من تقليد هذا إلى تقليد الآخر عند المقلدين. فإن كان قول من قلده - أولًا - هو الحق لا سواه، فقد جوزتم له الانتقال عن الحق إلى خلافه، وهذا محال. وإن كان الثاني هو الحق وحده، فقد جوزتم الإقامة على خلاف الحق، وإن قلتم: القولان المتضادان المتناقضان حق، فهو أشد ضلالة (١)، ولا بد لكم من قسم من هذه الأقسام الثلاثة» (٢). قال محمد تقي الدين: والمقلد لواحد من هذه المذاهب إما أن يكون عاقلًا رشيدًا، كالذي يسلم. فنسأل المقلدين: أي مذهب تختارونه له؟ فلا شك لا يتفقون على اختيار أبدًا، بل كل فرقة منهم تقول له يجب أن تدخل في مذهبنا، وتعدد له فضائله، ولا تبيح له أن يدخل في مذهب آخر فيبقى متحيرًا، وربما رجع إلى دينه الأول؛ لأنه إذا انضم إلى فرقة منهم أغضب الفرق الأخرى، وهذا ما قال الدكتور أمبدكار زعيم المتحررين من المنبوذين في الهند (٣)، فإن أصحابه الذين اقتنعوا بأن المنبوذية باطلة، وأن الله تعالى أعدل وأرحم من أن يحكم على أطفال بأنهم أنجاس محرومون يجب إبعادهم وتعذيبهم من خروجهم من بطون أمهاتهم إلى موتهم بسبب ذنوب ارتكبتها أرواحهم في التجسدات السابقة، هذا على فرض صحة عقيدة التناسخ، وهي فاسدة؛ فإن الأرواح لا تدخل الأجساد إلا مرة واحدة ثم ترجع إلى ربها لتلقى جزاء عملها، أجمعت على ذلك الديانات السماوية واتفق عليه جميع الرسل والأنبياء. سأل هؤلاء المتحررون الذين أنقذوا من المنبوذية زعيمهم الدكتور أمبدكار: في أي دين ندخل الآن بعد ما تحررنا من دين الهنادك؟ فقال لهم: أفضل الأديان.

стр. 1474

في نظري هو الإسلام، ولولا اختلاف المسلمين على فرق ومذاهب لنصحت لكم أن تدخلوا في الإسلام، فلم يبق لكم إلا أن تدخلوا في (البدية) فإنها ملة هندية خالية من عقيدة التناسخ. وإن ولد في الإسلام ووجد والديه مقلدين لمذهب ومنتسبين لفرقة ومتمسكين بطريقة فإنه يتبع والديه في ضلالهم، ويقول: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٣] وهذا ما وقع لنا معشر الحنفاء الموحدين، فأنا مثلًا وجدت والدي مقلدًا للمذهب المالكي، ومنتسبًا إلى الفرقة الأشعرية، ومتمسكًا بالطريقة الدرقاوية الشاذلية فلم يكن لي بد من اتباعه، ثم انتقلت من الدرقاوية إلى التجانية، وبقيت فيها مدة تسع سنين حتى لقيت شيخنا العلامة الداعي إلى الله على بصيرة محمد بن العربي العلوي في مدينة فاس سنة ١٣٣٨ هـ، في ربيع الأول في اليوم - ١٢ - منه وهو الذي يحتفل به المبتدعون وعباد القبور أجمعون، وكان عمري حينئذ ثماني وعشرين سنة، وقد قرأت القرآن وحفظته وجودته وقرأت (عبادات خليل) ومن علم النحو درست «الآجرومية» و «ملحة الأعراب» و «ألفية بن مالك»، ومع ذلك كله بقيت على عقيدة أبي وأمي، ففتح أستاذي - بإذن الله - عين بصيرتي، وعلمتُ أني كنت في ظلمات بعضها فوق بعض، وتبت إلى الله من عقيدة الأشعرية المتأخرين، ومن التقليد، ومن الطريقة (١). إذا اصطفاك لأمر هيأتك له … يد العناية حتى تبلغ الأملا وهذا يبين لك شؤم التفرق في الدين، وأنه سبيل الهالكين. الباب الثالث قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَشَاقُوا الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَسَيُحْبِطُ أَعْمَالَهُمْ﴾ ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٢ - ٣٣]. قال (ك): يخبر تعالى عمن كفر وصدَّ عن سبيل الله وخالف الرسول شاقه وارتد عن الإيمان من بعد ما تبين له الهدى أنه لن يضر الله شيئًا. وإنما يضر

стр. 1475

نفسه ويخسرها يوم معادها، وسيحبط الله عمله فلا يثيبه على سالف عمله الذي عقبه بردته مثقال (١) بعوضة من خير، بل يحبطه ويمحقه بالكلية، كما أن الحسنات يذهبن السيئات. روى الإمام أحمد من طريق عبد الله بن المبارك عن ابن عمر قال: «كنا معشر أصحاب رسول الله نرى أنه ليس شيء من الحسنات إلا مقبولًا حتى نزلت: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣] فقلنا: ما هذا الذي يبطل أعمالنا؟ فقلنا: الكبائر الموجبات والفواحش، حتى نزل قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨، ١١٦]، فلما نزلت كففنا عن القول في ذلك، فكنا نخاف على من أصاب الكبائر والفواحش ونرجو لمن لم يصبها» (٢). ثم أمر ﵎ عباده المؤمنين بطاعته وطاعة رسوله التي هي سعادتهم في الدارين، ونهاهم عن الارتداد الذي هو مبطل للأعمال، ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ أي: بالردة» (٣). قال المحقق القنوجي في تفسيره لهذه الآية: «واستدل بهذه الآية من لا يرى إبطال النوافل حتى لو دخل في صلاة تطوع أو صوم تطوع، لا يجوز له إبطال ذلك العمل والخروج منه. وبه قال أبو حنيفة ﵀، وقال الشافعي بخلافه، ولا دليل لهم في الآية ولا حجة؛ لأن السنة مبينة للكتاب، وقد ثبت في «الصحيحين»: أن النبي ﷺ أصبح صائمًا فلما رجع إلى البيت وجد حيسًا، فقال لعائشة، قريبه (٤) فلقد أصبحت صائمًا فأكل (٥). وهذا معنى الحديث وليس

стр. 1476

بلفظه، وليس (١) في هذه الآية دليل كما ظنه الزمخشري (٢) على إحباط الطاعات بالكبائر على ما زعمت المعتزلة، والخوارج بجمهورهم على أن كبيرة واحدة تحبط جميع الطاعات، حتى إن من عبد الله طول عمره ثم شرب جرعة خمر، فهو كمن لم يعبده قط. فصل قال محمد تقي الدين: من مبطلات الأعمال يقينًا مخالفة سنة النبي ﷺ ، روى مسلم عن أم المؤمنين عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد» (٣) فكل امرئ يسمي نفسه مالكيًا ويصلي سادلًا يديه بعد علمه بما رواه مالك وغيره كالبخاري ومسلم عن النبي ﷺ من وضع اليمني على اليسرى (٤)، لا صلاة له (٥)!! للحديث المتقدم ولقوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣]. وتقدم تفسير أحمد بن حنبل للفتنة بالكفر، ويدل على ذلك أيضًا حديث سلمة بن الأكوع في الرجل الذي أكل بشماله عند النبي ﷺ : فدعا عليه فأشل (٦) الله يده (٧). والحنفي الذي لا يرفع يديه عند الركوع ولا عند الرفع منه ولا عند القيام من اثنتين ويمنع الجهر بالتأمين لا صلاة له (٥)!! إذا عرف أن سنة النبي ﷺ بخلاف ذلك. وقال في «الدين الخالص» (٤/ ٣٢٩) ما نصه: «الوجه الحادي والثلاثون أن يقال للمقلد: بأي شيء عرفت أن الصواب مع من قلدته دون من لا تقلده؟ فإن قال: عرفته بالدليل، فليس بمقلد، وإن قال: عرفته تقليدًا له، فإنه أفتى بهذا القول، ودان به وعلمه (٨) وحسن ثناء الأمة عليه، يمنعه أن يقول غير الحق. قيل له: أفمعصوم هو عندك، أمن يجوز عليه الخطأ؟

стр. 1477

فإن قال بعصمته، أبطل، وإن جوّز عليه الخطأ قيل له: فما يؤمنك أن يكون قد أخطأ فيما قلدته فيه، وخالف فيه غيره؟ فإن قال: وإن أخطأ فهو مأجور، قيل: أجل هو مأجور لاجتهاده، وأنت غير مأجور لأنك لم تأت بموجب الأجر، بل قد فرطت في اتباع (١) الواجب، فأنت إذا مأزور. فإن قال: كيف يأجره الله على ما أفتى به ويمدحه عليه، ويذم المستفتي على قبوله منه، وهل يعقل هذا؟ قيل: المستفتي إن قصر وفرط في معرفة الحق مع قدرته عليه، لحقه الذم والوعيد، وإن بذل جهده ولم يقصر فيما أمر به واتقى الله ما استطاع، فهو مأجور أيضًا، وأما المتعصب الذي جعل قول متبوعه عيارًا على الكتاب والسنة وأقوال الصحابة، يزنها به (٢)، فما وافق (٣) قول متبوعه منها قبله، وما خالفه رده، فهذا إلى الذم والعقاب أقرب منه إلى الأجر والثواب. وإن قال - وهو الواقع -: اتبعته وقلدته، ولا أدري، أعلى صواب هو، أم لا؟ فالعهدة على القائل، وأنا حاك لأقواله. قيل له: فهل تتخلص بهذا من الله عند السؤال لك عما حكمت به بين عباد الله وأفتيتهم به؟ فوالله إن للحكام والمفتين لموقفًا للسؤال، لا يتخلص فيه إلا من عرف الحق، وحكم به وعرفه وأفتى به. وأما من عداهما فسيعلم - عند انكشاف الحال - إنه لم يكن على شيء» (٤).

стр. 1478

سورة الفتح الباب الأول قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٨) لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٩) إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الفتح: ٨ - ١٠]. قال (ك): يقول تعالى لنبيه محمد ﷺ : ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا﴾ أي: على الخلق ﴿وَمُبَشِّرًا﴾ أي: للمؤمنين: ﴿وَنَذِيرًا﴾ أي: للكافرين وقد تقدم تفسيرها في سورة الأحزاب ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَتُعَزِّرُوهُ﴾ قال ابن عباس وغير واحد: تعظموه (١) ﴿وَتُوَقِّرُوهُ﴾ من التوقير وهو الاحترام والإجلال والإعظام ﴿وَتُسَبِّحُوهُ﴾ أي: تسبحوا الله: ﴿بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ أي: أول النهار وآخره. ثم قال لرسوله ﷺ تشريفًا له وتعظيمًا وتكريمًا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ﴾ كقوله : ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠] ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ أي: هو حاضر معهم يسمع أقوالهم ويرى مكانهم ويعلم ضمائرهم وظواهرهم فهو تعالى هو المبايع بواسطة رسول الله ﷺ كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: ١١١]. وعن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ في الحجر: «والله ليبعثنه يوم القيامة

стр. 1479

له عينان ينظر بهما ولسان ينطق به ويشهد على من استلمه بالحق فقد بايع الله تعالى. ثم قرأ رسول الله ﷺ : ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ (١) ولهذا قال تعالى ها هنا: ﴿فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ أي: إنما يعود وبال ذلك على الناكث والله غني عنه: ﴿وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ أي: ثوابا جزيلا وهذه البيعة هي بيعة الرضوان وكانت تحت شجرة سمرة (٢) بالحديبية، وكان الصحابة الذين بايعوا رسول الله ﷺ يومئذ، قيل: ألف وثلاث مائة، وقيل: وأربع مائة، وقيل: وخمس مائة، والأوسط أصح (٣). فصل قال محمد تقي الدين: كل مسلم يعتبر مبايعا للرسول ﷺ كأنه وضع يده في يده أن يطيعه في كل ما أمر به وأن ينتهي عن كل ما نهى عنه، وأن يحبه أكثر من نفسه ووالديه وأولاده والناس أجمعين، فمن أوفى ببيعته سعد في الدنيا والآخرة، ومن نكث بيعته تعرض لعذاب الله وغضبه ونقمته، قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾ [السجدة: ٢٢] من ترك سنة النبي ﷺ واتبع آراء الرجال وقلدهم قلادة سوء فقد نكث البيعة ونقض العهد. وقال صاحب «الدين الخالص»، (١/ ٣٣٠) ما نصه: «الوجه الثاني والثلاثون: أن نقول: أخذتم بقول فلان؛ لأن فلانا قاله، أو لأن رسول الله ﷺ قاله؟ فإن قلتم: لأن فلانا قاله، جعلتم قول فلان حجة، وهذا عين الباطل، وإن قلتم: لأن رسولالله ﷺ قاله، كان هذا أعظم وأقبح فإنه - مع تضمنه للكذب على رسول الله ﷺ وتقويلكم عليه ما لم يقله، وهو أيضا كذب على المتبوع، فإنه لم يقل: هذا قول رسول الله ﷺ :

стр. 1480

فقد دار قولكم بين أمرين لا ثالث لهما: إما جعل قول غير المعصوم حجة. وإما تقويل المعصوم ما لم يقله، ولا بد من واحد من الأمرين، فإن قلتم: بل منهما بد وبقي قسم ثالث، وهو أنا قلنا كذا؛ لأن رسول الله ﷺ أمرنا أن نتبع من هو أعلم منا، ونسأل أهل الذكر إن كنا لا نعلم، ونرد ما لم نعلمه إلى استنباط أولي العلم، فنحن في ذلك متبعون ما أمرنا به نبينا. قيل: وهل ندندن إلا حول اتباع أمره ﷺ ؟ فحيهلا بالموافقة على هذا الأصل الذي لا يتم الإيمان والإسلام إلا به، فنناشدكم بالذي أرسله، إذا جاء أمره، وجاء قول من قلدتموه، هل تتركون قوله لأمره ﷺ ، وتضربون به الحائط، وتحرمون الأخذ به، والحالة هذه حتى تتحقق المتابعة كما زعمتم؟ أم تأخذون بقوله وتفوضون أمر الرسول ﷺ إلى الله وتقولون: هو أعلم برسول الله ﷺ منا، ولم يخالف هذا الحديث إلا وهو عنده (١) منسوخ أو معارض ما هو أقوى منه، أو غير صحيح عنده، فتجعلون قول المتبوع محكمًا، وقول الرسول متشابهًا؟» (٢). الباب الثاني قوله: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَنْ يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [الفتح: ١٧] قال (): «يذكر الله تعالى الأعذار في ترك الجهاد، فمنها لازم كالعمى والعرج المستمر، وعارض كالمرض الذي يطرأ أيامًا ثم يزول، فهو في حال مرضه ملحق بذوي الأعذار اللازمة حتى يبرأ، ثم قال ﵎ مرغبًا في الجهاد وطاعة الله ورسوله: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَنْ يَتَوَلَّ﴾ أي: ينكل عن الجهاد ويقبل على المعاش: ﴿يُعَذِّبْهُ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ في الدنيا بالمذلة وفي الآخرة بالنار، والله تعالى أعلم» (٣).

стр. 1481

فصل قال محمد تقي الدين: قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ … ﴾ إلى آخره عام يشمل كل مطيع، وكذلك قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ﴾ يشتمل كل معرض عن الكتاب والسنة، سواء أكان مرتدًا يصرح بأن الكتاب والسنة لا يصلحان لهذا العصر، أو مبتدعًا مقلدًا يقدم رأي شيخه وإمامه على كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، فإن الله يعذبهم عذابًا أليمًا في الدنيا والآخرة. قال صاحب «الدين الخالص» (٤/ ٣٣١) ما نصه: ثم نقول في الوجه الثالث والثلاثين وأين أمركم رسول الله ﷺ بأخذ قول واحد من الأئمة بعينه، وترك قول نظيره؟ ومن هو أعلم منه وأقرب إلى الرسول؟ وهل هذا إلا نسبة رسول الله ﷺ إلى أنه أمر بما لم يأمر به قط، يوضحه: الوجه الرابع والثلاثون: إن ما ذكرتم بعينه، حجة عليكم. فإن الله سبحانه أمر بسؤال أهل الذكر، والذكر هو القرآن والحديث الذي أمر الله نساء نبيه أن يذكرنه بقوله: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ [الأحزاب: ٣٤] فهذا هو الذكر الذي أمرنا باتباعه، وأمر من لا علم عنده أن يسأل أهله. وهذا هو الواجب على كل أحد أن يسأل أهل العلم بالذكر الذي أنزله على رسوله ليخبروه به، فإذا أخبروه به، لم يسعه غير اتباعه، وهذا كان شأن أئمة أهل العلم، لم يكن لهم مقلد معين يتبعونه في كل ما قال، فكان عبد الله بن عباس يسأل الصحابة عما قاله رسول الله ﷺ أو فعله، أو سنه، لا يسألهم عن غير ذلك، وكذلك الصحابة كانوا يسألون أمهات المؤمنين، خصوصًا عائشة، عن فعل رسول الله ﷺ في بيته، وكذلك التابعون كانوا يسألون الصحابة عن شأن نبيهم فقط. وكذلك أئمة الفقه كما قال الشافعي لأحمد: يا أبا عبد الله أنت أعلم بالحديث مني، فإذا صح الحديث فأعلمني حتى أذهب إليه، شاميًا أو كوفيًا، أو بصريًا (١).

стр. 1482

ولم يكن أحد من أهل العلم قط يسأل عن رأي رجل بعينه ومذهبه فيأخذ به وحده ويخالف له ما سواه» (١).

стр. 1483

سورة الحجرات الباب الأول قوله تعالى: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (٢) إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [الحجرات: ١ - ٣]. قال (ك): «هذه آيات أدب الله تعالى بها عباده المؤمنين، فيما يعاملون به الرسول من التوقير والاحترام والتبجيل والإعظام، فقال ﵎: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ أي: لا تسرعوا في الأشياء بين يديه أي: قبله، بل كونوا تبعًا له في جميع الأمور، حتى يدخل في عموم هذا الأدب الشرعي: حديث معاذ حيث قال له النبي ﷺ حين بعثه إلى اليمن: «بم تحكم؟» قال: بكتاب الله تعالى، قال: «فإن لم تجد» قال: بسنة رسول الله، قال: «فإن لم تجد» قال: اجتهد رأيي، فضرب في صدره، وقال: «الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله إلى ما يرضي رسول الله ﷺ ». وقد رواه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه (١). فالغرض منه، أنه أخر رأيه ونظره واجتهاده إلى ما بعد الكتاب

стр. 1484

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1485

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1486

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1487

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1488

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1489

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1490

والسنة، ولو قدمه قبل البحث عنهما لكان من باب التقديم بين يدي الله ورسوله ﷺ ، قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: ﴿لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ أي: لا تقولوا خلاف الكتاب والسنة (١)، ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ فيما أمركم به ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ﴾ لأقوالكم، ﴿عَلِيمٌ﴾ بنياتكم، وقوله ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ هذا أدب ثان أدب الله تعالى به المؤمنين أن لا يرفعوا أصواتهم بين يدي النبي ﷺ فوق صوته. روى البخاري عن عبد الله بن الزبير: إنه قدم ركب بني تميم على النبي ﷺ فقال: أبو بكر: أمر القعقاع بن معبد، وقال عمر: بل أمر الأقرع بن حابس، فقال أبو بكر: ما أردت إلا خلافي، فقال عمر: ما أردت خلافك، فتماريا حتى ارتفعت أصواتهما، فنزلت في ذلك: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ حتى انقضت الآية: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ﴾.

стр. 1491

الآية (١). وروى البخاري عن أنس بن مالك أن النبي ﷺ افتقد ثابت بن قيس فقال رجل: يا رسول الله! أنا أعلم لك علمه، فأتاه فوجده في بيته منكسًا رأسه، فقال له: ما شأنك؟ فقال: شر، كان يرفع صوته فوق صوت النبي ﷺ فقد حبط عمله فهو من أهل النار، فأتى الرجل النبي ﷺ فأخبره أنه قال كذا وكذا، قال موسى (٢): فرجع إليه (٣) المرة الآخرة ببشارة عظيمة فقال: «أذهب إليه فقل له: إنك لست من أهل النار، ولكنك من أهل الجنة» (٤). ثم نهى عن الجهر له بالقول كما يجهر الرجل لمخاطبه، بل يخاطب بسكينة ووقار وتعظيم، ولهذا قال ﵎: ﴿وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ﴾ كما قال تعالى: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُم بَعْضًا﴾ [النور: ٦٣]، وقوله : ﴿أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ أي: إنما نهيناكم عن رفع الصوت عنده، خشية أن يغضب من ذلك فيغضب الله تعالى لغضبه، فيحبط عمل من أغضبه وهو لا يدري كما جاء في «الصحيح»: «إن الرجل ليتكلم بالكلمة من رضوان الله تعالى لا يلقي لها بالًا، يكتب له بها الجنة، وإن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله تعالى لا يلقي لها بالًا، يهوي بها في النار، أبعد ما بين السماء والأرض» (٥). ثم ندب تعالى إلى خفض الصوت عنده وحث على ذلك، وأرشد إليه، ورغب فيه، فقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى﴾، أي: أخلصها لها وجعلها أهلًا ومحلًا ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ وقد قال الإمام أحمد عن مجاهد قال: كتب إلى عمر: يا أمير المؤمنين، رجل لا يشتهي المعصية ولا يعمل بها أفضل؟ أم رجل يشتهي المعصية ولا يعمل بها؟ فكتب عمر: إن الذين يشتهون المعصية ولا يعملون بها: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ (٦).

стр. 1492

فصل قال محمد تقي الدين: هذه الآيات الكريمة فيها من الأمر بتعظيم النبي ﷺ وإجلاله ما لا حد له، وقد تقدم أن من لم يحب النبي ﷺ أكثر من نفسه ووالديه وأولاده والناس أجمعين لا يكون مؤمنًا حقا، وذلك معنى قول النبي ﷺ : «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين» (١). قال العلماء ويدخل في الناس أجمعين كل محبوب لديه منهم حتى هو نفسه، وكل من آمن بهذا يستحيل أن يخالف أمر النبي ﷺ في عقيدة أو عبادة أو معاملة أو خلق، وقد أشار الحافظ (ك) إلى ذلك وبينه غاية البيان وبسط القول فيه الحافظ ابن القيم، وقد تقدم كلامه ويدخل في هذا الوعيد المقلدون المتمذهبون وأصحاب الطرائق والأحزاب السياسية والتعصب للأوطان والقوميات. ثم قال صاحب «الدين الخالص» (٤/ ٣٣٢) ما نصه: «الوجه الخامس والثلاثون: إن النبي ﷺ إنما أرشد المستفتين كصاحب الشجة، بالسؤال عن حكمه وسننه، فقال: «قتلوه قتلهم الله» (٢)، فدعا عليهم حين أفتوا بغير علم، وفي هذا تحريم الإفتاء بالتقليد فإنه ليس علمًا باتفاق الناس، فإن ما دعا رسول الله ﷺ على فاعله فهو حرام، وذلك أحد أدلة التحريم. فما احتج به المقلّدون هو من أكبر الحجج عليهم، والله الموفق. و كذلك سؤال أبي العسيف (٣) الذي زنى بامرأة مستأجره عند أهل العلم، فإنهم لما أخبروه بسنة رسول الله ﷺ في البكر الزاني، أقره على ذلك، ولم ينكره، فلم يكن ثم سؤالهم عن رأيهم ومذاهبهم» (٤)

стр. 1493

سُورَةُ ق الباب الأول قوله تعالى: ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِم بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ﴾ [ق: ٤٥]. قال (كه): أي: بما يقول لك المشركون من التكذيب فلا يهولنك ذلك، وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِم بِجَبَّارٍ﴾ أي: وما أنت بمجبرهم على الإيمان، إنما أنت مبلغ، ثم قال: ﴿فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ﴾ أي: بلغ أنت رسالة ربك، فإنما يتذكر من يخاف الله ووعيده ويرجو وعده، كقوله تعالى: ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ﴾ [الرعد: ٤٠] وكان قتادة يقول: «اللهم اجعلنا ممن يخاف وعيدك ويرجو موعدك يا بار يا رحيم». (١). فصل قال محمد تقي الدين: كل من يؤمن بالله ورسوله وما أنزل عليه ويخاف الله فإن الذكرى تنفعه، فيتبع الكتاب والسنة، يجتنب التقليد والشرك والبدعة، فيكون من الذين هداهم الله وهم أولوا الألباب. قال صاحب «الدين الخالص» (٤/ ٣٣٣) ما نصه: «الرد على القائلين بمشروعية التقليد استنادًا إلى قول عمر: «إني لأستحيي من الله أن أخالف أبا بكر». الوجه السادس والثلاثون: قولهم: إن عمر قال في الكلالة: «إني لأستحيي من الله أن أخالف أبا بكر» (٢) وهذا تقليد منه له، فجوابه من خمسة أوجه:

стр. 1494

أحدها: إنهم اختصروا الحديث، وحذفوا منه ما يبطل استدلالهم، ونحن نذكره بتمامه. قال شعبة عن عاصم الأحول، عن الشعبي: إن أبا بكر قال في الكلالة: «أقضي (١) فيها برأيي، فإن يكن صوابًا فمن الله، وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان والله منه بريء، هو ما دون الولد والوالد». فقال عمر بن الخطاب: «أني لأستحيى من الله أن أخالف أبا بكر» (٢). فاستحيى عمر من مخالفة أبي بكر في اعترافه بجواز الخطأ عليه، وأنه ليس كلامه كله صوابًا، مأمونًا عليه الخطأ. ويدل على ذلك أن عمر بن الخطاب أقرّ عند موته أنه لم يقض في الكلالة بشيء، وقد اعترف أنه لم يفهمها (٣). الوجه الثاني: إن خلاف عمر لأبي بكر أشهر من أن يذكر كما خالفه في سبي أهل الردة، فسباهم أبو بكر، وخالفه عمر، وبلغ خلافه إلى أن رَدَّهُن حرائر إلى أهلهن إلا مَنْ ولدت لسيدها منهن، ونَقَضَ حكمه (٤)، ومن جملتهن خولة

стр. 1495

الحنفية أم محمد بن علي (١)، فأين هذا من فعل المقلدين لمتبوعهم؟ وخالفه في أرض العنوة، فقسمها أبو بكر، ووقفها عمر (٢)، وخالفه في المفاضلة في العطاء، فرأى أبو بكر التسوية، ورأى عمر المفاضلة (٣)، ومن ذلك مخالفته له في الاستخلاف، وصرح بذلك فقال: «إن أستخلف [فقد استخلف] أبو بكر، وإن لم أستخلف، فإن رسول الله ﷺ لم يستخلف». قال ابن عمر: فوالله ما هو إلا أن ذكر رسول الله ﷺ فعلمت أنه لا يعدل برسول الله ﷺ أحدًا، وإنه غير مستخلف (٤)، فهكذا يفعل أهل العلم حين يتعارض عندهم سنة رسول الله ﷺ وقول غيره، لا يعدلون بالسنة شيئًا سواها. لا كما يصرح به المقلدون. وخلافه له في الجد، والإخوة (٥) معلوم أيضًا. الثالث: أنه لو قدّر تقليد عمر لأبي بكر في كل ما قاله لم يكن في ذلك مستراح لمقلدي من هو بعد الصحابة والتابعين، ممن لا يداني الصحابة ولا يقاربهم، فإن كان - كما زعمتم - لكم أسوة بعمر، فقلدوا أبا بكر، واتركوا تقليد غيره، والله ورسوله وجميع عباده يحمدونكم على هذا التقليد، ما لا يحمدونكم على تقليد غير أبي بكر. الرابع: إن المقلدين لأئمتهم لم يستحيوا مما استحيى منه عمر؛ لأنهم

стр. 1496

يُخالفون أبا بكر وعمر معه، ولا يستحيون من ذلك، لقول من قَلَّدوه من الأئمة، بل قد صرح بعض غلاتهم في بعض الكتب الأصولية أنه لا يجوز تقليد أبي بكر وعمر، ويجب تقليد الشافعي. فيا الله للعجب!! ما الذي أوجب تقليد الشافعي، وحرم عليكم تقليد أبي بكر وعمر؟ ونحن نشهد الله، شهادة نسأل عنها يوم نلقاه، أنه إذا صح عن الخليفتين الراشدين اللذين أمرنا رسول الله ﷺ باتباعهما والاقتداء بهما (١) قول، وأطبق أهل الأرض على خلافه، لم نلتفت إلى أحد منهم، ونحمد الله أن عافانا مما ابتلى به من حرم تقليدهما، وأوجب تقليد متبوعه من الأئمة. وبالجملة، فلو صح تقليد عمر لأبي بكر لم يكن في ذلك راحة لمقلدي من لم يأمر الله ولا رسوله بتقليده، ولا جعله عيارًا على كتابه وسنة نبيه، ولا هو جعل نفسه كذلك. الخامس: إن غاية هذا، أن يكون عمر قلد أبا بكر في مسألة، فهل في هذا دليل على جواز اتخاذ أقوال رجل بعينه بمنزلة نصوص الشارع، لا يلتفت إلى أقوال من سواه، بل ولا إلى نصوص الشارع، إلا إذا وافقت أقواله؟ فهذا - والله - هو الذي أجمعت الأمة على أنه محرم في دين الله، ولم يظهر في الأمة إلا بعد انقراض القرون الفاضلة (٢).

стр. 1497

سورة الذاريات الباب الأول قوله تعالى: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ (٥٤) وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات: ٥٤، ٥٥]. قال (ك): ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ أي: فأعرض عنهم يا محمد ﴿فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ﴾؛ يعني: فما نلومك على ذلك ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: إنما ينتفع بها القلوب المؤمنة (١). فصل قال محمد تقي الدين: صدق الله في قوله: ﴿فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ﴾ فإن النبي ﷺ بلغ الرسالة وأدى الأمانة وجاهد في الله حق جهاده ونصح لعباده وعبد الله حتى أتاه اليقين، اللهم صلِّ على محمد وعلى آله، ومن اقتدى به إلى يوم الدين، وقد ذكر أحسن التذكرة، وخلف فينا كتاب الله وسنته هدى وتبصرة، فجزاه الله عنا أحسن الجزاء، فمن قَبلَ تذكرته وعمل بها فهو الموفّق السعيد، ومن ردها أو خالفها بعناد أو تقليد فهو الخاسر البليد. قال صاحب «الدين الخالص» (٤/ ٣٣٥) ما نصه: «الوجه السابع والثلاثون: قولهم: إن عمر قال لأبي بكر: «رأينا لرأيك تبع» (٢) فالظاهر أن المحتج بهذا، سمع الناس يقولون: كلمة تكفي العاقل، فاقتصر من الحديث على هذه الكلمة، واكتفى بها، والحديث من أعظم الأشياء إبطالًا لقوله، ففي «صحيح البخاري» عن طارق بن شهاب قال: جاء وفد (٣) من

стр. 1498

(أسد) و (غطفان) إلى أبي بكر، يسألون الصلح، فخيرهم بين الحرب المجلية (١)، والسلم المخزية (٢). فقالوا: هذه المجلية قد عرفناها فما المخزية؟ قال: «ننزع منكم الحلقة والكراع، ونغنم ما أصبنا لكم، وتردون لنا ما أصبتم منا، وتدون لنا قتلانا، ويكون قتلاكم في النار، وتتركون أقوامًا يتبعون أذناب الإبل حتى يُري الله خليفة رسوله والمهاجرين أمرًا يعذرونكم به، فعرض أبو بكر ما قال على القوم، فقام عمر بن الخطاب فقال: «قد رأيت رأيًا، وسنشير عليك». أما ما ذكرت من الحرب المجلية والسلم المخزية، فنعم ما ذكرت. وأما ما ذكرت: «يدون قتلانا ويكون قتلاهم في النار» فإن قتلانا قاتلت فقتلت على أمر الله، أجورها على الله ليس لها ديات، فتتابع القوم على ما قال عمر. فهذا هو الحديث الذي في بعض ألفاظه: «قد رأيت رأيًا، ورأينا لرأيك تبع» (٣)، فأي مستراح في هذه لفرقة التقليد؟!» (٤). اهـ.

стр. 1499

سورة النجم الباب الأول : قوله تعالى: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (٢٩) ذَلِكَ مَبْلَغُهُم مِنَ الْعِلْمِ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى﴾ [النجم: ٢٩، ٣٠]. قال (ك): «أي: أعرض عن الذي أعرض عن الحق وهجره (١)، وقوله: ﴿وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ أي: وإنما أكثر همه ومبلغ علمه الدنيا فذاك (٢) هو غاية ما لا خير فيه، ولهذا قال تعالى (٣): ﴿ذَلِكَ مَبْلَغُهُم مِنَ الْعِلْمِ﴾ أي: طلب الدنيا والسعي لها هو غاية ما وصلوا إليه، وقد روى الإمام أحمد عن أم المؤمنين عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : «الدنيا دار من لا دار له، ومال من لا مال له، ولها يجمع من لا عقل له» (٤) وفي الدعاء المأثور: «اللهم لا تجعل الدنيا أكبر

стр. 1500

همنا، ولا مبلغ علمنا (١). وقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ، وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى﴾ أي: هو الخالق لجميع المخلوقات والعالم بمصالح عباده وهو الذي يهدي من يشاء ويضل من يشاء، وذلك كله عن قدرته وعلمه وحكمته، وهو العادل الذي لا يجور أبدًا، لا في شرعه ولا في قدره (٢). فصل قال محمد تقي الدين: من أعرض عن ذكر الله ضل، ومن اتبعه اهتدى، والذين ضلوا عن الذكر مختلفون: بعضهم بلغه فلم يؤمن به، فهو من الضالين الهالكين، وبعضهم بلغه فادعى أنه آمن به ولم يتخذه إمامًا وحكمًا؛ لأن الشيطان لبس عليه وزين له التقليد واتباع الطرائق، وإن خالف ذلك القرآن والسنة فهؤلاء أيضًا من الضالين. قال صاحب «الدين الخالص» (٤/ ٣٣٦) ما نصه: «الوجه الثامن والثلاثون قولهم: إن ابن مسعود كان يأخذ بقول عمر، فخلاف ابن مسعود لعمر أشهر من أن يتكلف إيراده (٣) وإنما كان يوافقه كما يوافق العالم العالم، وحتى لو أخذ بقوله تقليدًا، فإنما ذلك في نحو أربع مسائل نعدها، وكان من عماله، وكان عمر أمير المؤمنين، وأما مخالفته ففي نحو مائة مسألة. منها: أن ابن مسعود صح عنه أن أم الولد تعتق من نصيب ولدها (٤). ومنها: أنه كان يُطبق في الصلاة إلى أن مات (٥)، وعمر كان يضع يديه

стр. 1501

على ركبتيه (١). ومنها: أن ابن مسعود كان يقول في الحرام: هي يمين (٢) وعمر يقول:

стр. 1502

طلقة واحدة (١). ومنها: أن ابن مسعود كان يحرم نكاح الزانية على الزاني أبدًا (٢)، وعمر

стр. 1503

يتوبهما وينكح أحدهما الآخر (١)؟ والعجب أن المحتجين بهذا، لا يرون تقليد ابن مسعود، ولا تقليد عمر. وتقليد مالك، وأبي حنيفة، والشافعي أحب إليهم وآثر عندهم، ثم كيف ينسب إلى ابن مسعود تقليد الرجال وهو يقول: «لقد علم أصحاب رسول الله ﷺ أني أعلمهم بكتاب الله! ولو أعلم أن أحدًا أعلم مني، لرحلت إليه. قال شقيق: فجلت (٢) في حلقة من أصحاب رسول الله ﷺ فما سمعت أحدًا يرد ذلك» (٣). وكان يقول: «والذي لا إله إلا هو، ما في كتاب الله سورة إلا أنا أعلم حيث نزلت، وما من آية إلا أنا أعلم فيما أنزلت، ولو أعلم أحدًا أعلم بكتاب الله مني، تبلغه الإبل، لركبت إليه» (٤).

стр. 1504

وقال أبو موسى الأشعري: كنا جئنا، وما نرى ابن مسعود وأمه إلا من أهل بيت النبي ﷺ ، من كثرة دخولهما ولزومهما (١) له (٢). وقال أبو مسعود البدري: - وقد قام عبد الله بن مسعود: ما أعلم رسول الله ﷺ ترك بعده أعلم بما أنزل الله من هذا القائم، فقال: أبو موسى: لقد كان يشهد إذا ما غبنا (٣) ويؤذن له إذا حجبنا (٤)، وكتب عمر إلى أهل الكوفة: إني بعثت إليكم عمارًا أميرًا، وعبد الله معلمًا ووزيرًا وهما من النجباء، من أصحاب محمد ﷺ من أهل بدر، فخذوا عنهما، واقتدوا بهما، فإني آثرتكم بعبد الله على نفسي (٥). وقد صح عن ابن عمر أنه استفتى ابن مسعود في (البتة) وأخذ بقوله (٦)، ولم يكن ذلك تقليدًا له، بل لما سمع قوله فيها تبين له أنه الصواب. فهذا هو الذي كان يأخذ به الصحابة من أقوال بعضهم بعضًا. وقد صح عن ابن مسعود أنه قال: «اغد عالمًا، أو متعلمًا، ولا تكونن إمعة» (٧). فأخرج الإمعة - وهو المقلد - من زمرة العلماء والمتعلمين. وهو كما قال، فإنه لا مع العلماء، ولا مع المتعلمين للعلم والحجة كما هو معروف ظاهر لمن تأمله» (٨).

стр. 1505

الباب الثاني قوله تعالى: ﴿أَزِفَتِ الْآزِفَةُ (٥٧) لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ (٥٨) أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ (٥٩) وَتَضْحَكُونَ وَلَا تَبْكُونَ (٦٠) وَأَنتُمْ سَامِدُونَ (٦١) فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا﴾ [النجم: ٥٧ - ٦٢]. قال (ك): «وقوله تعالى: ﴿أَزِفَتِ الْآزِفَةُ﴾ اقتربت القريبة وهي القيامة ﴿لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾ أي: لا يدفعها (١) من دون الله أحد ولا يطلع على علمها سواه، والنذير الحذر لها يعاين من الشر الذي يخشى وقوعه فيمن أنذرهم، كما قال: ﴿إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾ [سبأ: ٤٦] ثم قال تعالى منكرًا على المشركين في استماعهم القرآن وإعراضهم عنه: ﴿تَعْجَبُونَ﴾ من أن يكون صحيحًا ﴿وَتَضْحَكُونَ﴾ (٢) استهزاء وسخرية ﴿وَلَا تَبْكُونَ﴾ أي: كما يفعل الموقنون به كما أخبر عنهم ﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ [الإسراء: ١٠٩] وقوله تعالى: ﴿وَأَنتُمْ سَامِدُونَ﴾ أي: مستكبرون معرضون ثم قال تعالى آمرًا عباده بالسجود له، والعبادة المتابعة لرسول الله ﷺ والتوحيد والإخلاص ﴿فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا﴾ أي: فاخضعوا له وأخلصوا ووحدوه. روى البخاري (٣) عن ابن عباس قال: «سجد النبي ﷺ (٤) وسجد معه المسلمون والمشركون والجن والإنس» وروى الإمام أحمد والنسائي (٥) عن المطلب بن أبي وداعة قال: «قرأ رسول الله ﷺ بمكة سورة النجم، فسجد وسجد من عنده فرفعت رأسي فأبيت أن أسجد، ولم يكن أسلم يومئذ المطلب، فكان بعد ذلك لا يسمع أحدًا يقرؤها إلا سجد معه» (٦).

стр. 1506

فصل قال محمد تقي الدين: القرآن كلام الله ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٢] أشرق نوره في قلوب المؤمنين فنالوا به سعادة الدارين، وعمى عنه الأشقياء الكافرون والمنافقون ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٦) خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (١) [البقرة: ٧] بما كانوا يكذبون، والمقلدون وإن كانوا لا يعجبون ولا يضحكون فإنهم عن القرآن والسنة سامدون والمنتسبون للمذهب المالكي منهم لا يسجدون هذه السجدة التي سجدها النبي ﷺ وسجدها معه الإنس والجن والمسلمون والكافرون، تركوا سنة خليل الله نسيًا منسيا، واتبعوا أمر خليلهم (٢)، فإن لم يتوبوا فسيقولون يوم القيامة: ﴿يَالَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا (٢٧) يَاوَيْلَتَا لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا (٢٨) لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنسَانِ خَذُولًا (٢٩) وَقَالَ الرَّسُولُ يَارَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ [الفرقان: ٢٧ - ٣٠]. «الوجه التاسع والثلاثون: (٣) قولهم: إن عبد الله كان يدع قوله لقول عمر، وأبو موسى كان يدع قوله لقول علي، وزيد كان يدع قوله لقول أبي بن كعب. فجوابه: إنهم لم يكونوا يدعون ما يعرفون من السنة تقليدًا لهؤلاء الثلاثة، كما تفعله فرقة التقليد. بل من تأمل سيرة القوم، رأى إنهم كانوا إذا ظهر (٤) لهم السنة لم يكونوا يدعونها لقول أحد، كائنًا من كان. وكان ابن عمر يدع قول عمر إذا ظهرت له السنة، وابن عباس ينكر على من يعارض ما بلغه من السنة بقوله: قال أبو بكر وعمر، ويقول: «يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء أقول: قال رسول الله، وتقولون: قال أبو بكر وعمر؟» (٥).

стр. 1507

فرحم الله ابن عباس ورضي عنه، فوالله لو شاهد خلفنا هؤلاء الذين إذا قيل لهم: قال رسول الله فقالوا: قال فلان وفلان، لمن لا يداني الصحابة، ولا قريبًا من قريب، وإنما كانوا يدعون أقوالهم لأقوال هؤلاء؛ لأنهم يقولون القول، ويقول هؤلاء، فيكون الدليل معهم، فيرجعون إليهم، ويدعون أقوالهم، كما يفعل أهل العلم الذين هو أحب إليهم مما سواه. وهذا عكس طريقة فرقة أهل التقليد من كل وجه، وهذا هو الجواب عن قول مسروق: ما كنت أدع قول ابن مسعود لقول أحد من الناس (١).

стр. 1508

سورة القمر الباب الأول قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَهُم مِنَ الْأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ (٤) حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ﴾ [القمر: ٤، ٥] ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: ١٧] تفسير الآيتين : قال (ك): «﴿وَلَقَدْ جَاءَهُم مِنَ الْأَنْبَاءِ﴾ أي: من الأخبار عن قصص الأمم المكذبة (١) بالرسل وما حل بهم من العقاب والنكال والعذاب مما يتلى عليهم في هذا القرآن ﴿مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ﴾ أي: ما فيه واعظ لهم عن الشرك والتمادي على التكذيب، وقوله تعالى: ﴿حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ﴾ أي: في هدايته تعالى لمن هداه وإضلاله لمن أضله ﴿فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ﴾؛ يعني: أي شيء تغني النذر عمن كتب الله عليه الشقاوة وختم على قلبه؟ فمن الذي يهديه من بعد الله؟ وهذه الآية كقوله تعالى: ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الأنعام: ١٤٩] وكذا (٢) قوله تعالى: ﴿وَمَا (٣) تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ١٠١]» (٤). تفسير الآية المفردة : قال (ك): أي: سهلنا لفظه ويسرنا معناه لمن أراده ليتذكر الناس كما قال: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ (٥) مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ، وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص: ٢٩] وقال تعالى:

стр. 1509

﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا﴾ [مريم: ٩٧]. قال مجاهد: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ﴾؛ يعني: هونا قراءته. وقال السدي: يسرنا تلاوته على الألسن، وقال الضحاك عن ابن عباس: «لولا أن الله يسره على لسان الآدميين ما استطاع أحد من الخلق أن يتكلم بكلام الله ». (قلت) ومن تيسيره تعالى على الناس تلاوة القرآن ما تقدم عن النبي ﷺ أنه قال: «إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف» (١) وأوردنا الحديث بطرقه وألفاظه بما أغنى عن إعادته ههنا، والله الحمد والمنة. وقوله: ﴿فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ أي: فهل من متذكر بهذا القرآن الذي قد يسر الله حفظه ومعناه؟ وقال محمد بن كعب القرظي: فهل من (٢) منزجر عن المعاصي، وقال ابن أبي حاتم بسنده عن مطر - هو الوراق - في قوله تعالى: ﴿فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾: هل من طالب علم فيعان عليه؟ وكذا علقه البخاري بصيغة الجزم عن مطر الوراق ورواه ابن جرير (٣)) (٤). فصل قال محمد تقي الدين: إن في كتاب الله من الأخبار والقصص والأمثال ما يفتح القلوب المقفلة الغلف والعيون العمي والآذان الصم، ولكن لا يحصل ذلك إلا لمن طلب الحق بإخلاص وتجرد من هوى نفسه الأمارة بالسوء، فهذا هو الذي ينتفع بالنذر، والمقلد المتعصب الذي اتخذ إلهه هواه لا ينتفع بذلك، وقد يسر النطق به، فترى التركي والهندي كلاهما يقرآنه بغاية التجويد مع بعد لغاتهما عن اللغة العربية، ويسر حفظه، حتى أنه يوجد في البلدان التي تحبه وتعتني به كثير من الصبيان يحفظونه في سن مبكرة فمنهم من يحفظه وهو ابن سبع سنين. يومًا من الأيام كنت أسير ومعي رفيق في شارع من شوارع (لكنو) - مدينة مشهورة بالهند - فمررت على باب قرأت في أعلاه ما نصه:

стр. 1510

في هذا البيت طفلة لا يتجاوز عمرها خمس سنين، تحفظ القرآن كله فمن أراد أن يشاهدها فليدخل، فدخلنا وصعدنا درجا انتهى بنا إلى غرفة كبيرة، وجدنا فيها رجلا ذا لحية سوداء، جالسا على حصير، ورأينا طفلة تلعب بلعب مختلفة في ناحية من الغرفة، فسلمنا عليه فرد علينا السلام، ودعانا إلى الجلوس فجلسنا، فقال لنا: أي جزء من القرآن تريدان أن تقرأ لكما منه هذه الطفلة؟ فقلت أنا: من قوله تعالى في سورة هود: ﴿وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا﴾ فلم ينادها ولم يأمرها بالقراءة، بل بدأ هو يقرأ بعد الاستعاذة مبتدئا بالآية التي طلبت أنا فتركت الطفلة اللعب وأقبلت عليه وجلست أمامه، وبدأت تقرأ في الموضع نفسه، فسكت هو وتركها وحدها فاستمرت كالسهم بدون تلكؤ ولا تعتعة، حتى قلنا لها: حسبك، وكانت قراءتها فصيحة ومنظرها يدل على أنها إن لم تكن بنت خمس كما هو في الإعلان لا تزيد على سبع، وهذا برهان يفسر لنا هذه الآية، وأنا أعتقد أن هذه الطفلة لو وجدت من يعلمها معنى القرآن ولغة القرآن والسنة التي تبين معناه لتعلمت ذلك في أقرب وقت. فيا أسفا على هؤلاء الذين وهبهم الله القرآن يقرأ عندهم صباح مساء، وهم في ظلماتهم يتخبطون، لا يتدبرونه ولا يتعظون به، ولا يتأدبون بأدبه، ولا يستضيئون بنوره، أولئك هم الخاسرون، وأعطينا ذلك الرجل شيئا من الدراهم، وقد سرنا غاية السرور، ولم ينقض عجبنا مما رأينا وسمعنا. قال صاحب «الدين الخالص» (٤/ ٣٣٩) ما نصه: «الوجه الأربعون: قولهم: إن النبي ﷺ قال: «قد سن لكم معاذ فاتبعوه» (١). فعجبا لمحتج بهذا على تقليد الرجال في دين الله وهل صار ما سنه معاذ سنة إلا بقوله: «فاتبعوه» كما صار الأذان سنة بقوله وإقراره وشرعه (٢)، لا بمجرد المنام؟
следующие страницы →