← Акыда

Акыда · id 30197

سبيل الرشاد في هدي خير العباد

محمد تقي الدين الهلالي

Полный текст (2 277 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

على أنه خلق عيسى بكلمة كن فكان كما أمره الله، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: ٥٩]). قال محمد تقي الدين: لم يبق لي ما أقوله بعدما حقق الإمامان (ك) و (ج) تفسير هاتين الآيتين، إلا أنه كان ينبغي أن تدرج في (القسم الثاني) من هذا الكتاب، وهو (توحيد الربوبية)، لأنهما عليه أدل، وإليه أدنى ولكن هذين النوعين من التوحيد متلازمان لتحقيق الإيمان بالله، فإن توحيد العبادة يستلزم توحيد الربوبية؛ لأن من وحد الله في عبادته، قد علم وأيقن وآمن أنه لا رب له ولا خالق ولا رازق ولا محيي ولا مميت ولا حافظ لوجوده ولا متصرف فيه إلا واحد، وهو الله تعالى، أما توحيد الربوبية فإنه لا ينفع إلا إذا كان معه توحيد العبادة، ولكن لما كان النصارى قد اتخذوا ادعاء بنوة عيسى الله تعالى ذريعة لعبادته وإشراكه مع الله تعالى، كانت هناك مناسبة لإدخال الآيتين في قسم توحيد العبادة، وهكذا جميع المشركين حين يعبدون غير الله تعالى يزعمون أنهم ما عبدوا ذلك المعبود إلا لقربه من الله تعالى وعلو مكانته عنده، كما قال تعالى في أول سورة الزمر: ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ [الزمر: ٣] فجعلهم الله تعالى كاذبين وكافرين أشد الكفر بقولهم ذلك. الباب التاسع قوله تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة : ١٢٤] قال (ك): «يقول تعالى منبهًا على شرف إبراهيم خليله ﵇، وأن الله جعله إمامًا للناس يقتدى به في التوحيد حين قام بما كلفه الله تعالى به من الأوامر والنواهي، ولهذا قال: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ﴾ [البقرة: ١٢٤] أي: واذكر يا محمد لهؤلاء المشركين وأهل الكتابين الذين ينتحلون ملة إبراهيم، وليسوا عليها، وإنما الذي هو عليها مستقيم، فأنت والذين معك من المؤمنين، اذكر لهؤلاء ابتلاء الله إبراهيم؛ أي اختباره له بما كلفه به من الأوامر والنواهي ﴿فَأَتَمَّهُنَّ﴾ أي: قام بهن كلهن كما قال تعالى: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ [النجم: ٣٧] أي: وفى

стр. 177

جميع ما شرع له فعمل به صلوات الله عليه، وقال تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ ﴿شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ﴿وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل: ١٢٠ - ١٢٣]، وقال تعالى: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِن كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ٦٧ - ٦٨]. وقال محمد تقي الدين: والكلمات العشر التي امتحن الله بها إبراهيم، فرائض فرضها عليه فوفى بها وعمل بها وأتمها، وقد اختلف المفسرون في تعيينها اختلافًا كثيرًا، ولم يثبت عن النبي ﷺ في تعيينها شيء كما قاله (ج) (١)، فنفوض أمرها إلى الله تعالى، إذ لا سبيل إلى معرفة أعيانها إلا بالرواية عن النبي ﷺ كأمره ببناء البيت مع ابنه إسماعيل وأمره بتطهيره، وأمره بذبح ابنه، وقد فعل كل ما أمره ربه به على أحسن وجه، ولذلك جعله الله إمامًا لأهل الحنيفية يقتدى به من بعده والله أعلم. قال (ك): وقوله: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ لما جعل الله إبراهيم إمامًا سأل الله أن تكون الأئمة من بعده من ذريته، فأجيب إلى ذلك، وأخبر أنه سيكون من ذريته ظالمون، وأنه لا ينالهم عهد الله، ولا يكونوا أئمة يقتدى بهم، والدليل أنه أجيب إلى طلبه، قوله تعالى في سورة العنكبوت: الآية: ٢٧: ﴿وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾ فكل نبي أرسله الله، وكل كتاب أنزله الله بعد إبراهيم، ففي ذريته صلوات الله وسلامه عليه». ثم قال (ك) - بعد كلام طويل للمفسرين في قوله تعالى: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ - ما نصه: «فهذه أقوال مفسري السلف في هذه الآية (٢)، وإن كانت ظاهرة الخبر (٣) أنه لا ينال عهد الله بالإمامة ظالمًا، ففيها إعلام من الله لإبراهيم الخليل ﵇،

стр. 178

أنه سيوجد من ذريتك من هو ظالم لنفسه كما تقدم عن مجاهد (١) وغيره، والله أعلم. وقال ابن خويز منداد المالكي: الظالم لا يصلح أن يكون خليفة ولا حاكمًا ولا مفتيًا ولا شاهدًا ولا راويًا (٢). الباب العاشر قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة : ١٢٨] قال (ع): «يعنيان بذلك: واجعلنا مستسلمين لأمرك، خاضعين لطاعتك، لا نشرك معك في الطاعة أحدًا سواك، ولا في العبادة غيرك» (٣). قال محمد تقي الدين: إن إبراهيم وإسماعيل كانا مسلمين نبيين رسولين ولكنهما كما قال (ج) سألا الله أن يجعل قلوبهما ونفوسهما على الدوام مطيعة مخلصة موحدة له في عبادته وفي طاعته، ودعاء الأنبياء في هذا تعبد وخضوع؛ لأنهم معصومون، ثم عطف عليه ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾. نقل (ك) عن السدي أن المراد بهذه الأمة العرب، وخالفه (ع) فقال: «إن هذا الدعاء يعم العرب وبني إسرائيل، لقوله تعالى في سورة الأعراف ١٥٩: ﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٩]» (٤)، وأجاب (ك) بأن هذا لا يتنافى مع تفسير السدي ولا سيما والكلام الآن في العرب، ويؤيده قوله تعالى بعد ذلك: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٩]، وهذا الرسول بلا شك هو محمد ﷺ ، وهو من العرب، وكلا الوجهين صحيح، فكل من اتبع ملة إبراهيم من العرب والإسرائيليين داخل في هذا الدعاء» (٥).

стр. 179

الباب الحادي عشر قوله تعالي: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (١٣٠) إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٣١) وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَابَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٣٢) أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٣) تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: ١٣٠ - ١٣٤] قال (ك): يقول ﵎ رادا على الكفار فيما ابتدعوه وأحدثوه من الشرك بالله المخالف لملة إبراهيم الخليل إمام الحنفاء، فإنه جرد توحيد ربه ﵎، فلم يدع معه غيره ولا أشرك به طرفة عين، وتبرأ من كل معبود سواه، وخالف في ذلك سائر قومه حتى تبرأ من أبيه، فقال: ﴿قَالَ يَاقَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٧٨) إِنِّي وَجَهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٧٨ - ٧٩]. وقال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾ [الزخرف: ٢٦ - ٢٧]، وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾ [التوبة: ١١٤] وقال تعالى: ﴿إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا ولم يك من المشركين (١٢٠) شاكرا لأنعمه اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إلى صراط مستقيم (١٢١) وَآتَيْنَاهُ في الدنيا حسنة وإنه في الآخرة لمن الصالحين﴾ [النحل: ١٢٠ - ١٢٢] ولهذا وأمثاله قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ (١) إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ أي: ظلم نفسه بسفهه وسوء تدبيره بتركه الحق إلى الضلال، حيث خالف طريق من اصطفى في الدنيا للهداية والرشاد من حداثة سنه إلى أن اتخذه الله خليلًا، وهو في الآخرة من الصالحين السعداء، فمن ترك طريقه هذا ومسلكه وملته واتبع طرق الضلالة والغي، فأي سفه أعظم من هذا؟ أم أي ظلم

стр. 180

أكبر من هذا؟ (١) قال تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]. قال أبو العالية وقتادة: نزلت هذه الآية في اليهود أحدثوا طريقا ليست من عند الله وخالفوا ملة إبرهيم فيما أحدثوه (٢)، ويشهد لصحة هذا القول قول الله تعالى: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِن كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٦٧) إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ٦٧ - ٦٨] وقوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة: ١٣١] أي: أمره الله تعالى بالإخلاص له والاستسلام والانقياد فأجاب إلى ذلك شرعا وقدرا، وقوله: ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ﴾ [البقرة: ١٣٢] أي: وصى بهذه الملة وهي الإسلام الله، أو يعود الضمير على الكلمة وهي قوله: ﴿أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، لحرصهم عليها ومحبتهم لها حافظوا عليها إلى حين الوفاة، ووصوا أبناءهم بها من بعدهم، كقوله تعالى: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾ [الزخرف: ٢٨] (٣) وقوله: ﴿يَابَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٢] أي: أحسنوا في حال الحياة والزموا هذا؛ ليرزقكم الله الوفاة عليه، فإن المرء يموت غالبا على ما كان عليه، ويبعث على ما مات عليه، وقد أجرى الله الكريم عادته، بأن من قصد الخير وفق له ويسر (٤) عليه، ومن نوى صالحا ثبت عليه، وهذا لا يعارض ما جاء في الحديث الصحيح: «إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا باع أو ذراع، فيسبق عليه الكتاب؛ فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن الرجل ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا باع أو ذراع، فيسبق عليه الكتاب؛ فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها» (٥). لأنه قد جاء في بعض روايات هذا الحديث: «فيعمل بعمل أهل الجنة فيما يبدو للناس» (٦). وقد قال الله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى﴾

стр. 181

وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ [الليل: ٥ - ١٠] قوله تعالى: ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٣) تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: ١٣٣ - ١٣٤]. يقول تعالى محتجًا على المشركين من العرب أبناء إسماعيل، وعلى الكفار من بني إسرائيل - وهو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم ﵇ بأن يعقوب لما حضرته الوفاة، وصى بنيه بعبادة الله وحده لا شريك له، فقال لهم: ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾ وهذا من باب التغليب؛ لأن إسماعيل عمه، قال النحاس: والعرب تسمي العم أبًا، نقله القرطبي (١)، وقد استدل بهذه الآية الكريمة من جعل الجد أبًا، وحجب به الأخوة، كما هو قول الصديق، حكاه البخاري عنه من طريق ابن عباس وابن الزبير (٢)، ثم قال البخاري ولم يختلف عليه (٣)، وإليه ذهبت عائشة أم المؤمنين (٤)، وبه يقول الحسن البصري وطاوس وعطاء (٥)، وهو مذهب أبي حنيفة (٦) وغير واحد من السلف والخلف (٧).

стр. 182

وقال مالك والشافعي وأحمد في المشهور عنه: إنه يقاسم الأخوة (١)، وحكي ذلك عن عمر وعثمان وعلي وابن مسعود وزيد بن ثابت (٢) وجماعة من السلف والخلف (٣)، واختاره صاحبا أبي حنيفة القاضي أبو يوسف، ومحمد بن الحسن (٤)، وقوله: ﴿إِلَهًا وَاحِدًا﴾ أي: نوحده بالألوهية ولا نشرك به شيئًا غيره ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ أي: مطيعون خاضعون كما قال تعالى: ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ [آل عمران: ٨٣] والإسلام هو ملة الأنبياء قاطبة، وإن تنوعت شرائعهم، واختلفت مناهجهم، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥] والآيات في هذا كثير، والأحاديث فمنها قوله ﷺ : «نحن معشر الأنبياء أولاد علات ديننا واحد» (٥) (٦). قال ابن منظور في «لسان العرب»: «معنى أولاد العلات أنهم لأمهات مختلفة ودينهم واحد، كذا في «التهذيب» (٧)،

стр. 183

وفي «النهاية» (١) لابن الأثير: أراد أن إيمانهم واحد وشرائعهم مختلفة» (٢).

стр. 184

قال محمد تقي الدين الهلالي: شبه النبي ﷺ الشرائع بالأمهات والدين بالأب، فالدين هو توحيد الله تعالى في ربوبيته وعبادته وأسمائه وصفاته، والإيمان به وبجميع رسله وأنبيائه من آدم إلى محمد ﷺ ، وإقامة العدل والإحسان، فهذه أصول الدين لا يختلف فيها الأنبياء والرسل، أما الشرائع والأحكام، فإن الشرائع مختلفة؛ لأن أزمنتهم مختلفة، وأحوال أهلها مختلفة، وقد شرع الله لكل واحد منهم شريعة تناسب زمانه وقومه، ثم ختم الرسل والأنبياء والشرائع ببعثة محمد ﷺ ، فنسخت شريعته كل الشرائع المتقدمة؛ لأنها صالحة (١) لكل زمان ومكان ولكل قوم، وهي خالدة باقية إلى يوم القيامة. قال المؤلف: قد نقلت في تفسير هذه الآيات ما جعلها واضحة للقراء وأزيد شيئًا من البيان تنبيهًا للمعاصرين فأقول: إن المسلمين قد أهملوا توحيد الله في أكثر أوطانهم، وانغمسوا في الشرك الأكبر، واستوى في ذلك عالمهم وجاهلهم إلا قليلًا ممن أخذ الله بيده، فلو أن عالمًا من علماء المسلمين نشأ في بلد إسلامي، وله أولاد علمهم القرآن، وعلمهم كتب العلوم الإسلامية على ما عليه العامة ممن يسمون بالعلماء، وعاش معهم زمنًا طويلًا يؤدون العبادات المفروضة ثم حضرته الوفاة، فجمع أولاده، وقال لهم: ما تعبدون من بعد موتي؟ لقال الناس: إنه أصيب بجنون، وأنه يهذي هذيان المحموم؛ لأنهم يزعمون أن من صلى وصام وحج وقرأ القرآن وأحل الحلال وحرم الحرام وإن عبد غير الله تعالى بالدعاء والاستغاثة والاستعاذة والتوكل والخوف والرجاء والحلف والذبح

стр. 185

والنذر، وجعل الحكم لغير الله وما أشبه ذلك مما تقدم ذكره، لا يضره ذلك شيئًا وهو مسلم مؤمن كامل الإيمان، ولا يخافون عليه ضلالًا ولا زيغًا، وهذا إبراهيم الخليل إمام الحنفاء، يوصي بنيه بتوحيد الله تعالى، وهذا يعقوب حفيده نبي الله تعالى لم يكفه إجمال الوصية بالإسلام، بل يؤكد ذلك بقوله: ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي﴾ وذلك عندما حضره الموت، فلم يقولوا له: نحن أبناؤك ولم نزل نعبد الله معك وحده لا شريك له، فكيف تسألنا هذا السؤال؟ بل أجابوه جوابًا واضحًا بقولهم: ﴿نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾ لا نشرك به شيئًا ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ بقلوبنا وألسنتنا لا نتوجه لغيره أبدًا، وبهذا اطمأنت نفس يعقوب على أولاده، وكذلك قول إبراهيم الخليل ﵇ في سورة إبراهيم: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِي أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾ [إبراهيم: ٣٥] والجاهلون في هذا الزمان يقولون: نحن نقول: لا إله إلا الله، ونصلي ونصوم، فكيف تخاف الشرك علينا وعلى أولادنا؟ وهذا هو الجهل المركب من جهلين: أحدهما: إنهم لا يعرفون حقيقة الإسلام، والثاني: إنهم يجهلون أنهم لا يعلمون هذه الحقيقة، فهم كما قال شاعر على لسان حمار الطبيب توما الذي يضرب به المثل في الجهل بالطب: قال حِمارُ الحكيم توما … لو أَنْصَفُوني ما كُنْتُ أَرْكَبُ لأَنَّ جَهلي غَدا بَسيطًا … وراكِبي جَهلُهُ مُرَكَّب (١) الباب الثاني عشر قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَّبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةٌ وَنَحْنُ لَهُ عَبدُونَ قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَلُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ﴾ [البقرة: ١٣٥ - ١٣٩]

стр. 186

قال محمد بن إسحاق بسنده عن عبد الله بن عباس قال: قال عبد بن صوريا الأعور لرسول الله ﷺ : ما الهدى إلا ما نحن عليه فاتبعنا يا محمد تهتد، وقالت النصارى مثل ذلك؛ فأنزل الله : ﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا﴾ (١). وقوله: ﴿قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [البقرة: ١٣٥] أي: لا نريد ما

стр. 187

دعوتمونا إليه من اليهودية والنصرانية، بل نتبع ﴿مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ أي: مستقيمًا، قاله محمد بن كعب القرظي، وعيسى بن جارية، وقاله خصيف (١) عن مجاهد ملخصًا) (٢). قال محمد تقي الدين الحنيف هو الذي يؤمن بجميع الأنبياء والرسل، ويوحد الله تعالى ويتبرأ من الشرك والمشركين ويعاديهم في الله ويحاربهم ما استطاع إلى ذلك سبيلًا، يدل على ذلك ما وصف الله به إبراهيم والذين معه في سورة الممتحنة، وفي خصامه مع أبيه في سورة مريم، وفي سورة الأنعام: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام: ٧٤] أرشد الله عباده المؤمنين إلى الإيمان بما أنزل إليهم بواسطة رسوله محمد ﷺ مفصلًا، وما أنزل على الأنبياء المتقدمين مجملًا، ونص على أعيان من الرسل، وأجمل ذكر بقية الأنبياء وأن لا يفرق بين أحد منهم، بل يؤمنوا بهم كلهم، ولا يكونوا كمن قال الله فيهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١٥٠) أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا﴾ الآية [النساء: ١٥٠ - ١٥١]. وقال البخاري بسنده إلى أبي هريرة قال: كان أهل الكتاب يقرؤون التوراة بالعبرانية، ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام، فقال رسول الله ﷺ : «لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم ﴿قُولُوا آمَنَا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ الآية» (٣). «قال أبو العالية والربيع

стр. 188

وقتادة: الأسباط بنو يعقوب اثنا عشر رجلًا، ولد كل رجل منهم أمة من الناس فسموا الأسباط» (١). قال محمد تقي الدين: السبط، يلفظ به في اللغة العبرانية - شفيط - وهو غصن الشجرة، وسمي أبناء يعقوب الاثنا عشر أسباطًا؛ لأنهم أبناء أب واحد كأغصان الشجرة. «قال الخليل بن أحمد وغيره: الأسباط في بني إسرائيل كالقبائل في بني إسماعيل» (٢)، ثم قال (ك) بعد نقول متعددة بمعنى ما تقدم: «وهذا يقتضي أن المراد بالأسباط ههنا شعوب بني إسرائيل، وما أنزل الله من الوحي على الأنبياء الموجودين منهم، كما قال موسى لهم: ﴿اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا﴾ الآية [المائدة: ٢٠]» (٣). وقال تعالى: ﴿وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا﴾ [الأعراف: ١٦٠] ثم قال (ك): عن عكرمة عن ابن عباس قال: كل الأنبياء من بني إسرائيل إلا عشرة، إدريس (٤)، ونوح، وهود، وصالح، وشعيب وإبراهيم، وإسحاق ويعقوب، وإسماعيل، ومحمد ﷺ (٣). وقال ابن أبي حاتم بسنده عن معقل بن يسار قال: قال رسول الله ﷺ : «آمنوا بالتوراة والزبور والإنجيل وليسعكم القرآن» (٥). قال محمد تقي الدين: مقتضاه أن المسلمين لا يأخذون دينهم من الكتب السابقة، وإنما يأخذونه من القرآن والسنة؛ لأن القرآن ناسخ لما تقدم قبله من الكتب، ولأن الله تعالى جعل لهم الأسوة والقدوة في أفضل النبيين وإمام المرسلين محمد ﷺ ، فلا حاجة بهم إلى غيره (٦). اهـ.

стр. 189

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 190

يقول تعالى: ﴿فَإِنْ آمَنُوا﴾ (١)؛ يعني الكفار من أهل الكتاب وغيرهم ﴿بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ﴾ يا أيها المؤمنون من الإيمان بجميع كتب الله ورسله، ولم يفرقوا بين أحد منهم ﴿فَقَدِ اهْتَدَوا﴾ أي: فقد أصابوا الحق وأرشدوا إليه ﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ أي: عن الحق إلى الباطل بعد قيام الحجة عليهم ﴿فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللهُ﴾ أي: فسينصرك عليهم ويظفرك بهم، ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾. قال ابن عباس وغيره من السلف: ﴿صِبْغَةَ اللهِ﴾: دين الله (٢)، وانتصاب صبغة الله، إما على الإغراء كقوله: ﴿فِطْرَتَ اللهِ﴾ [الزموا] (٣) ذلك عليكموه، وقال بعضهم: بدلًا من قوله: ﴿مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ﴾ (٤) قال (ش): وقد ذكر المفسرون أن أصل ذلك، أن النصارى كانوا يصبغون أولادهم في الماء وهو الذي يسمونه المعمودية، ويجعلون ذلك تطهيرًا لهم، فإذا فعلوا ذلك قالوا: الآن صار نصرانيًا حقًا، فرد الله عليهم بقوله: ﴿صِبْغَةَ اللهِ﴾ أي: الإسلام وسماه صبغة، استعارة، ومنه قول بعض شعراء همدان: وكُلُّ أُناسٍ لهُم صِبْغَةٌ … وصِبْغَةُ هَمْدان خَيرُ الصِّبَغ صبَغْنا على ذاك أَولادَنا … فَأَكْرِمْ بصِبْغَتِنا في الصِّبَغْ (٥) قال (ك) في قوله تعالى: ﴿قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللهِ﴾؛ أي: تناظروننا في

стр. 191

توحيد الله والإخلاص له والانقياد واتباع أوامره وترك زواجره ﴿وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ﴾ المتصرف فينا وفيكم، المستحق لإخلاص [الألوهية] (١) له وحده لا شريك له ﴿وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ﴾ أي: نحن براء منكم ومما تعبدون» (٢). الباب الثالث عشر قوله تعالى: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (١٥١) فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة: ١٥١ - ١٥٢] قال (ك): «يذكر تعالى عباده المؤمنين ما أنعم به عليهم من بعثه الرسول محمدًا ﷺ إليهم يتلو عليهم آيات الله مبينات، ويزكيهم؛ أي: يطهرهم من رذائل الأخلاق ودنس النفوس وأفعال الجاهلية، ويخرجهم من الظلمات إلى النور، ويعلمهم الكتاب، وهو القرآن، والحكمة وهي السنة، ويعلمهم ما لم يكونوا يعلمون، فكانوا في الجاهلية الجهلاء [سفهاء لا يعقلون] (٣)، فانتقلوا ببركة رسالته ويُمن سفارته إلى حال الأولياء، وسجايا العلماء، فصاروا أعمق الناس علمًا، وأبرهم قلوبًا وأقلهم تكلفًا، وأصدقهم لهجة، وقال تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنفُسِهِمْ﴾ (٤) ﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ، وَيُزَكِّيهِمْ﴾ الآية [آل عمران: ١٦٤]، وذم (٥) من لم يعرف قدر هذه النعمة فقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ﴾ [إبراهيم: ٢٨] قال ابن عباس: يعني بنعمة الله محمدًا ﷺ ، ولهذا ندب الله المؤمنين إلى الاعتراف بهذه النعمة، ومقابلتها بذكره وشكره، فقال (٦): ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة: ١٥٢] قال مجاهد في قوله: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنكُمْ﴾ يقول: كما فعلت فاذكروني، قال عبد الله بن وهب عن هشام بن سعد (٧) عن

стр. 192

زيد بن أسلم أن موسى ﵇ قال: «يا رب كيف أشكرك»؟ قال له ربه: «تذكرني ولا تنساني، فإذا ذكرتني فقد شكرتني، وإذا نسيتني فقد كفرتني» (١). قال ابن أبي حاتم بسنده إلى مكحول الأزدي قال: قلت لابن عمر: أرأيت قاتل النفس وشارب الخمر والسارق والزاني [يذكرون] (٢) الله؟ وقد قال تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ قال: إذا ذكر الله هذا ذكره الله بلعنته حتى يسكت» (٣)، وفي الحديث الصحيح (٤) يقول الله تعالى: «من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، ومن ذكرني في ملا ذكرته في ملا خير منه». وقال الإمام أحمد (٥) بسنده عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : «قال الله : يا ابن آدم إن ذكرتني في نفسك ذكرتك في نفسي، وإن ذكرتني في ملا ذكرتك في ملا من الملائكة - أو قال: في ملا خير منه - وإن دنوت مني شبرًا دنوت منك ذراعًا، وإن دنوت مني ذراعًا دنوت منك باعًا، وإن أتيتني تمشي أتيتك هرولة»، صحيح الإسناد، أخرجه البخاري، وقوله: ﴿وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ أمر الله بشكره ووعد على شكره بمزيد الخير، فقال: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم: ٧] (٦). قال محمد تقي الدين محل الشاهد في إيراد الآيتين، أن من عبد غير الله تعالى من قبور الصالحين وغيرها لم يشكر الله؛ لأنه بدل نعمة الله - وهي القرآن والرسول - كفرًا، وأحل نفسه وقومه دار البوار. اهـ.

стр. 193

الباب الرابع عشر قوله تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (١٦٣) إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (١٦٤) وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ (١٦٥) إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ (١٦٦) وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ [البقرة: ١٦٣ - ١٦٧] قال (ك): «يخبر تعالى عن تفرده بالإلهية، وأنه لا شريك له ولا عديل له، بل هو الله الواحد (١) الفرد الصمد، الذي لا إله إلا هو الرحمن (٢) الرحيم، وقد تقدم تفسير هذين الاسمين في أول الفاتحة، وفي الحديث عن شهر بن حوشب عن أسماء بنت يزيد بن السكن عن رسول الله ﷺ أنه قال: «اسم الله الأعظم في هاتين الآيتين ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ والَمَ ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [آل عمران: ١ - ٢]» (٣) ثم ذكر الدليل على تفرده (٤) بالإلهية

стр. 194

بِخَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ وَمَا [فيها] (١)، وما بين ذلك مما ذرأ وبرأ من المخلوقات الدالة على وحدانيته [بقوله تعالى] (٢): ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ تلك في ارتفاعها ولطافتها واتساعها وكواكبها السيارة والثوابت ودوران فلكها، [وهذه] (٣) في كثافتها وانخفاضها وجبالها وبحارها وقفارها ووهادها وعمرانها وما فيها من المنافع، واختلاف الليل والنهار، هذا يجيء ثم يذهب ويخلفه الآخر ويعقبه لا يتأخر عنه لحظة، كما قال تعالى: ﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس: ٤٠] تارة يطول هذا ويقصر هذا، وتارة يأخذ هذا من هذا، ثم يتعارضان كما قال تعالى: ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ﴾ [آل عمران: ٢٧] أي [يزيد في هذا من هذا] (٤)، ومن هذا في هذا ﴿وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ﴾ أي: في تسخير البحر [بحمل] (٥) السفن من جانب إلى جانب [لمعايش] (٦) الناس والانتفاع بما عند أهل ذلك الإقليم، ونقل هذا إلى [أولئك] (٧)، وما عند أولئك إلى هؤلاء ﴿وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ كما قال تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ﴾. إلى قوله: ﴿وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ﴾ [يس: ٣٣ - ٣٦]. ﴿وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ﴾ أي: على اختلاف أشكالها وألوانها ومنافعها وصغرها وكبرها (٨)، وهو يعلم ذلك كله ويرزقه لا يخفى عليه شيء من ذلك، كما قال تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [هود: ٦] ﴿وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ﴾ أي: فتارة تأتي بالرحمة، وتارة تأتي بالعذاب، وتارة تأتي مبشرة بين يدي السحاب، وتارة تسوقه، وتارة تجمعه، وتارة تفرقه، وتارة تصرفه، ثم تارة تأتي من الجنوب وهي الشامية، وتارة تأتي من ناحية اليمن، وتارة صبًا، وهي الشرقية التي تصدم وجه الكعبة، وتارة دبورًا وهي غربية تنفذ من ناحية دبر الكعبة، وقد صنف الناس في الرياح والمطر والأنواء كتبًا.

стр. 195

كثيرة فيما يتعلق بلغاتها وأحكامها، وبسط ذلك يطول ههنا والله أعلم، ﴿وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: سائر بين السماء والأرض مسخر إلى ما يشاء الله من الأراضي والأماكن، كما [يصرفه تعالى] (١) ﴿لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ أي: في هذه الأشياء دلالات بينة على وحدانية الله تعالى، كما قال تعالى (٢): ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران: ١٩٠ - ١٩١] (٣). قال محمد تقي الدين: قوله تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ حجة في توحيد العبادة على كل من يؤمن بالله ربًا، فلا يعبد غيره ولا يتوجه إلى غيره بأي وجه، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ دليل على ذلك؛ لأن الذي خلق السموات والأرض وما ذكر بعدها، وهو الذي يصرفه كيف يشاء، وهو الذي يستحق العبادة وحده، فتوحيد الربوبية دليل على توحيد الإلهية عند كل عاقل رشيد ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ [الزمر: ٢٣]. ثم قال (ك) في تفسير الآية الثانية: يذكر تعالى حال المشركين به في الدنيا وما لهم في الدار الآخرة، حيث جعلوا له أندادًا، أي أمثالًا ونظراء يعبدونهم معه ويحبونهم كحبه، وهو الله لا إله إلا هو ولا ضد له ولا ند له ولا شريك معه، وفي «الصحيحين» (٤) عن عبد الله بن مسعود قال: قلت: يا رسول الله أي الذنب أعظم؟ قال: «أن تجعل الله ندًا وهو خلقك». وقوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ ولحبهم الله وتمام معرفتهم به وتوقيرهم وتوحيدهم له لا يشركون به شيئًا، بل يعبدونه وحده ويتوكلون عليه ويلجؤون في جميع أمورهم إليه، ثم توعد تعالى المشركين به الظالمين لأنفسهم بذلك فقال: ﴿وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾. قال بعضهم: تقدير الكلام: لو عاينوا العذاب لعلموا حينئذ أن القوة الله جميعًا، أي: إن الحكم له وحده لا شريك له، وإن جميع الأشياء تحت [غلبته

стр. 196

وقهره] (١) وسلطانه ﴿وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ﴾، كما قال: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ (٢٥) وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ﴾ [الفجر: ٢٥ - ٢٦]، يقول: لو [يعلمون] (٢) ما يعاينونه هنالك وما يحل بهم من الأمر الفظيع المنكر الهائل على شركهم وكفرهم، لانتهوا عما هم فيه من الضلال، ثم أخبر عن كفرهم بأوثانهم وتبريء المتبوعين من التابعين، فقال: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾ تبرأت منهم الملائكة الذين (٣) يزعمون أنهم يعبدونهم في الدار الدنيا، فتقول الملائكة: ﴿تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ﴾ [القصص: ٦٣] ويقولون: ﴿سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِم بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُم بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ [سبأ: ٤١] والجن أيضًا تتبرأ منهم ويتنصلون من عبادتهم لهم كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (٥) وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاء وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ [الأحقاف: ٥ - ٦] وقال تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا (٨١) كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ [مريم: ٨١ - ٨٢]. وقال الخليل لقومه: ﴿إِنَّمَا اتَّخَذْتُم مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُم بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُم بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ [العنكبوت: ٢٥] وقال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلَا أَنتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ (٣١) قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُم بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ (٣٢) وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَندَادًا وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [سبأ: ٣٢ - ٣٣]. وقال تعالى: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [إبراهيم: ٢٢]. وقوله: ﴿وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾ أي: عاينوا عذاب الله

стр. 197

وتقطعت بهم الحيل وأسباب الخلاص، ولم يجدوا عن النار معدلًا ولا مصرفًا، وقال عطاء عن ابن عباس: ﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾، قال: المودة (١)، وكذا قال مجاهد (٢) في رواية ابن أبي نجيح، وقوله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا﴾ أي: لو أن لنا عودة إلى الدار الدنيا حتى نتبرأ من هؤلاء ومن عبادتهم، فلا نلتفت إليهم، بل نوحد الله وحده بالعبادة وهم كاذبون في هذا، بل لو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون، كما أخبر الله تعالى عنهم بذلك، ولهذا قال: ﴿كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ﴾ أي: تذهب وتضمحل كما قال تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣]. وقال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لَا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ﴾ [إبراهيم: ١٨]. وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [النور: ٣٩]، ولهذا قال تعالى: ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ (٣). يقول مؤلفه محمد تقي الدين عفا الله عنه: في هذا الكلام فوائد: الأولى: إن كل معبود عبد من دون الله أو متبوع اتبع في الباطل، يتبرأ من كل من عبده أو تبعه في الباطل يوم القيامة، فلا تسأل عما يحل بالمشركين في ذلك اليوم من الندامة والحسرات. الثانية: إن كل من عبد مخلوقًا اتبعه في الباطل، يعذبه الله تعالى عذابًا شديدًا، ولا ينفعه متبوعه شيئًا. الثالثة: إن هذه الأسباب الواقعة في الدنيا بين المشركين وبين معبوديهم من دون الله: كالذبائح والتذور والاستغاثة والاستعاذة والدعاء والتوكل والتوالي على

стр. 198

ذلك والتحاب فيه والاجتماع عليه، كل ذلك يزول يوم القيامة حين تطلع شمس الحقيقة، ويزول ظلام الكذب. الرابعة: إن أولئك المشركين المتبعين في الباطل لا يستطيعون أن يكتموا ما يصيبهم من الندم والجزع، بل يصرخون أمام الأشهاد، ويقولون: يا ليتنا نعود إلى الدنيا حتى نتبرأ من هؤلاء المعبودين كما تبرؤوا منا وخذلونا. الخامسة: إن كل من مات وهو يعبد مخلوقًا - وإن جلّت مرتبته، وعلا قدره - يخلد في النار ولا يخرج منها أبدًا، ولا تنفعه صلاة ولا زكاة ولا حج ولا جهاد ولا غير ذلك من الأعمال التي كان يعملها في الدنيا. الباب الخامس عشر قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة : ١٨٦]. قال (ك): «عن جماعة من المفسرين الأولين بأسانيدهم إلى [الصلب] (١) بن حكيم بن معاوية بن حيدة القشيري، عن أبيه، عن جده «أن أعرابيًا قال: يا رسول الله أقريب ربنا فنناجيه، أم بعيد فنناديه؟ فسكت النبي ﷺ ، فأنزل الله: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾» (٢). أخرج أحمد والجماعة بأسانيدهم إلى أبي موسى الأشعري قال: كنا مع رسول الله ﷺ في غزوة، فجعلنا لا نصعد شرفًا ولا نعلو شرفًا ولا نهبط واديًا إلا رفعنا أصواتنا بالتكبير، قال: فدنا منا، فقال: «يا أيها الناس، أربعوا على أنفسكم، فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبًا إنما تدعون سميعًا بصيرًا، إن الذي تدعون أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته، يا عبد الله بن قيس ألا أعلمك كلمة من كنوز الجنة؟ لا حول ولا قوة إلا بالله» (٣). وقال الإمام

стр. 199

أحمد بسنده عن أنس أن النبي ﷺ قال: «يقول الله تعالى: أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا دعاني» (١)، وقال الإمام أحمد بسنده إلى أبي هريرة أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «قال الله تعالى: أنا مع عبدي ما ذكرني وتحركت بي شفتاه» (٢). قلت: وهذا كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل: ١٢٨]، وقوله لموسى وهارون ﵉ ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه: ٤٦]. والمراد من هذا أنه تعالى لا يخيب دعاء داع ولا يشغله عنه شيء، بل هو سميع الدعاء، ففيه ترغيب في الدعاء، وأنه لا يضيع لديه تعالى، وروى أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه بأسانيدهم عن سلمان الفارسي، عن النبي ﷺ أنه قال: «إن الله يستحي أن يبسط العبد إليه يديه يسأله فيهما خيرًا فيردهما خائبتين» (٣). قال الإمام أحمد بسنده عن أبي سعيد أن النبي ﷺ قال: «ما من مسلم يدعو الله بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم، إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث خصال: إما أن يعجل له دعوته، وإما أن يدخرها له في الأخرى، وإما أن يصرف عنه من السوء مثلها»، قالوا: إذًا نكثر، قال: «الله أكثر» (٤). أخرج مالك

стр. 200

والبخاري ومسلم، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «يستجاب لأحدكم ما لم يعجل، يقول: دعوت فلم يستجب لي» (١). وقال الإمام أحمد بسنده عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله ﷺ قال: «القلوب أوعية، وبعضها أوعى من بعض، فإذا سألتم الله أيها الناس فاسألوه وأنتم موقنون بالإجابة، فإنه لا يستجيب لعبد دعاه عن ظهر قلب غافل» (٢). قال البزار بسنده عن أنس، عن النبي ﷺ قال: «يقول الله تعالى: يا ابن آدم، واحدة لك، وواحدة لي، وواحدة فيما بيني وبينك، فأما التي لي: فتعبدني ولا تشرك بي شيئا، وأما التي لك: فما عملت من شيء أو من عمل وفيتكه، وأما الذي بيني وبينك: فمنك الدعاء وعلي الإجابة» (٣). وفي ذكره تعالى هذه الآية الباعثة على الدعاء متخللة بين أحكام الصيام، إرشاد إلى الاجتهاد في الدعاء عند إكمال العدة، بل وعند كل فطر، كما رواه الإمام أبو داود الطيالسي عن عبد الله بن عمرو قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «للصائم عند إفطاره دعوة مستجابة». فكان عبد الله بن عمرو إذا أفطر دعا أهله وولده ودعا (٤). وقال أبو عبد الله محمد بن يزيد بن ماجه بسنده عن عبد الله بن عمرو قال:

стр. 201

قال النبي ﷺ : «إن للصائم عند فطره دعوة ما ترد». قال عبد الله بن أبي مليكة: سمعت عبد الله بن عمرو يقول إذا أفطر: «اللهم إني أسألك برحمتك التي وسعت كل شيء أن تغفر لي» (١). وفي «مسند الإمام أحمد» و «سنن الترمذي» والنسائي وابن ماجه (٢) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «ثلاثة لا ترد دعوتهم: الإمام العادل، والصائم حتى يفطر، ودعوة المظلوم يرفعها الله دون الغمام يوم القيامة، وتفتح لها أبواب السماء، ويقول: بعزتي لأنصرنك ولو بعد حين» (٣). قال محمد تقي الدين: قد تبين لك أيها القارئ والسامع معنى هذه الآية بغاية الوضوح، واستفدنا منها فوائد عظيمة نفعنا الله بها، وأزيد على ذلك فأقول: أيها المشرك الداعي غير الله، الكافر النعمة الله، ألا تستحيي من الله، ما عذرك في دعائك غير الله، وطلب الحاجات من غير الله، وخضوعك وتملقك وشكواك لأهل القبور، وابتهالك إليهم ليجلبوا لك خيرًا، ويدفعوا عنك شرًا، وهذا رب العالمين الغني الحميد الرؤوف الرحيم السميع المجيب، يرغبك في دعائه ويعدك - ومن أصدق من الله - وعدًا بإجابة دعوتك وقضاء حاجتك، بشرط أن تستجيب له بالإيمان به ويرسله وما جاؤوا به، وتفعل ما أمرك به وتجتنب ما نهاك عنه، فانظر إلى هذه السفاهة التي وقعت فيها، والخسران المبين، فوحد ربك وتوجه إليه وحده؛ تر العجب العجاب من لطفه وبركاته، ﴿وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [البقرة: ٢١٣].

стр. 202

الباب السادس عشر قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [البقرة: ٢٢١]. هذا تحريم من الله على المؤمنين أن يتزوجوا المشركات من عبدة الأوثان، ثم إن كان عمومها مرادًا وإنه يدخل فيها كل مشركة من كتابية ووثنية فقد خص من ذلك نساء أهل الكتاب بقوله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾ [المائدة: ٥] قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله: ﴿وَلَا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ استثنى الله من ذلك نساء أهل الكتاب (١)، وهكذا قال جماعة المفسرين من السلف، وقيل: بل المراد بذلك المشركون من عبدة الأوثان. ولم يرد أهل الكتاب بالكلية، والمعنى قريب من الأول (٢). قال (ج) بعد حكايته الإجماع على إباحة تزويج الكتابيات: «وإنما كره عمر ذلك لئلا يزهد الناس في المسلمات، أو لغير ذلك من المعاني» (٣)، ثم روى (ج) بسنده عن شقيق قال: تزوج حذيفة يهودية، فكتب إليه عمر: خل سبيلها، فكتب إليه: أتزعم أنها حرام، فأخلي سبيلها؟ فقال: لا أزعم أنها حرام، ولكنني أخاف أن تعاطوا (٤) المؤمنات منهن (٥). وهذا إسناد صحيح. ثم روى بسنده إلى عمر،

стр. 203

قال: «المسلم يتزوج النصرانية، ولا يتزوج النصراني المسلمة» (١). قال: وهذا أصح إسنادًا من الأول، ثم روى بسنده إلى جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : «نتزوج نساء أهل الكتاب، ولا يتزوجون نساءنا» (٢). ثم قال: وهذا الخبر وإن كان في إسناده ما فيه، فالقول به لإجماع الجميع من الأمة [عليه] (٣)، كذا قال (ج) (٤). وقال أبو بكر الخلال بسنده إلى صالح بن أحمد: أنهما سألا أبا عبد الله أحمد بن حنبل عن قول الله: ﴿وَلَا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ قال: مشركات العرب الذين يعبدون الأصنام (٥). ﴿وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِن مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ﴾ قال السدي: نزلت في عبد الله بن رواحة، كانت له أمة سوداء فغضب عليها فلطمها، ثم فزع فأتى رسول الله ﷺ فأخبره خبرها، فقال له: «ما هي؟» قال: تصوم وتصلي وتحسن الوضوء وتشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله. فقال: يا عبد الله هذه مؤمنة، فقال: والذي بعثك بالحق لأعتقنها ولأتزوجنها، ففعل، فطعن عليه ناس من المسلمين، وقالوا: نكح أمته، وكانوا يريدون أن ينكحوا بنات المشركين (٦) وينكحوهم [بناتهم] (٧) رغبة في أحسابهم، فأنزل الله (٨): ﴿وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِن مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِن مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ﴾. قال عبد (٩) بن حميد بسنده عن

стр. 204

عبد الله بن عمرو، عن النبي ﷺ قال: «لا تنكحوا النساء لحسنهن، فعسى حسنهن أن يرديهن، ولا تنكحوهن على أموالهن فعسى أموالهن أن تطغيهن، وأنكحوهن على الدين، فلأمة سوداء جرداء ذات دين أفضل» (١) (٢). وقد ثبت في «الصحيحين» عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: «تنكح المرأة لأربع: لمالها، ولحسبها، ولجمالها، ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك» (٣). ولمسلم عن جابر مثله (٤)، وله عن ابن عمرو أن رسول الله ﷺ قال: «الدنيا متاع وخير متاع الدنيا المرأة الصالحة» (٥). وقوله: ﴿وَلَا تُنكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾ أي: لا تزوجوا الرجال المشركين النساء المؤمنات، كما قال تعالى: ﴿لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ [الممتحنة: ١٠]. ثم قال تعالى: ﴿وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ﴾ أي: [الرجل] (٦) مؤمن ولو كان عبدًا حبشيًا خير من مشرك وإن كان رئيسًا سريًا ﴿أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾ أي: معاشرتهم ومخالطتهم تبعث على حب الدنيا واقتنائها وإيثارها على الدار الآخرة، وعاقبة ذلك وخيمة. ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ﴾ أي: بشرعه وما أمر به [ونهى عنه] (٧) ﴿وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ (٨). قال محمد تقي الدين: قد تبين معنى هذه الآية من كلام الأئمة والأحاديث النبوية، وأزيد شيئًا فأقول: رب فرخ لا يزال أعمى في عشه يعترض ويقول: لماذا أباح شرعكم أن يتزوج المسلم اليهودية والنصرانية ومنعتم اليهودي والنصراني من تزوج المسلمة؟ فقد قسمتم وفضلتم أنفسكم، ولم تنصفوا، وهذا من التعصب!

стр. 205

فنقول: على رسلك أيها الفريخ! إن المسلم إذا تزوج يهودية أو نصرانية يؤمن برسلها، ويقدس كتبها، ويحترم دينها؛ لأنه لو طعن في رسلها وكتبها الكفر بالإسلام، أما اليهودي والنصراني، فإنه كافر بمحمد ﷺ وبالقرآن فهو إنما يعيش معها على المداهنة والخداع لو تزوجها، ومن سيئات الاستعمار الفرنسي، بل من سيئات المغاربة وضعف دينهم، أنهم كانوا في زمان الاستعمار يزوجون اليهود والنصارى بناتهم، وهو واقع، وإن كان نادرًا إلى زماننا هذا، حتى بعد الاستقلال، وهذا خزي ينفردون به من دون الشعوب الإسلامية (١)، فنعوذ بالله من الكفر والضلال. أما الحديث الذي في سنده عبد الرحمن الإفريقي وهو ضعيف، فلا يضره ذلك لأن معناه صحيح تشهد له الأدلة والأصول، وأما قول عمر ﵁ في حكايته مع حذيفة: أخاف أن تعاطوا المؤمنات منهن» (٢)، فالمراد به أخاف إن أكثرتم من تزوج اليهوديات والنصرانيات أن تبقى المؤمنات ضائعات بلا زواج، ويدل على هذا رواية «أخاف أن تزهدوا في المسلمات» (٣). الباب السابع عشر قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُم مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٥٤) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِندَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (٢٥٥) لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٥٦) اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُم مِنَ

стр. 206

الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٥٧) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ٢٥٤ - ٢٥٨]. قال (ك): «يأمر تعالى بالإنفاق مما رزقهم في سبيله، سبيل الخير ليدخروا ثواب ذلك عند ربهم ومليكهم، وليبادروا إلى ذلك في هذه الحياة الدنيا ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ﴾؛ يعني: يوم القيامة ﴿لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ﴾ أي: لا يباع أحد من نفسه، ولا يفادى بمال لو بذله، ولو جاء بملء الأرض ذهبًا، ولا تنفعه خلة أحد، يعني صداقته، بل ولا [نسبه] (١)، كما قال: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠١]، ﴿وَلَا شَفَاعَةٌ﴾ أي: لا تنفعهم شفاعة الشافعين (٢) ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ مبتدأ محصور في خبره (٣)، أي: ولا ظالم أظلم ممن وافى الله يومئذ كافرًا، وقد روى ابن أبي حاتم عن عطاء بن دينار أنه قال: الحمد لله الذي قال: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ ولم يقل: والظالمون هم الكافرون» (٤)، قال (ك): «هذه آية الكرسي، ولها شأن عظيم، قد صح الحديث عن رسول الله ﷺ بأنها أفضل آية في كتاب الله، قال الإمام أحمد بسنده إلى أبي بن كعب أن النبي ﷺ سأله: «أي آية في كتاب الله أعظم؟» قال: «الله ورسوله أعلم»، فرددها مرارًا ثم قال أبي: «آية الكرسي»، قال: «ليهنك العلم أبا المنذر، والذي نفسي بيده، إن لها لسانًا وشفتين، تقدس الملك عند ساق العرش» (٥)، وأخرجه

стр. 207

مسلم به (١)، وليس عنده زيادة نفسي بيده (٢) إلخ، وقال البخاري «في فضائل «القرآن» وفي كتاب «الوكالة»، وفي صفة إبليس» من «صحيحه» (٣) عن أبي هريرة قال: «وكلني رسول الله ﷺ بحفظ زكاة رمضان، فأتاني آت فجعل يحثو من الطعام، فأخذته، وقلت: لأرفعنك إلى رسول الله ﷺ ، قال: دعني، فإني محتاج وعلي عيال ولي حاجة شديدة، قال: فخليت عنه، فأصبحت فقال النبي ﷺ : «يا أبا هريرة، ما فعل أسيرك البارحة؟» قال: قلت: يا رسول الله شكا حاجة شديدة وعيالًا فرحمته وخليت سبيله، قال: «أما أنه كذبك وسيعود»: فعرفت أنه سيعود، لقول رسول الله ﷺ : «إنه سيعود» فرصدته فجاء يحثو من الطعام فأخذته، فقلت: لأرفعنك إلى رسول الله ﷺ ، قال: دعني فإني محتاج وعلي عيال لا أعود، فرحمته وخليت سبيله، فأصبحت فقال لي رسول الله ﷺ : «يا أبا هريرة ما فعل أسيرك البارحة؟» قلت: يا رسول الله شكا حاجة وعيالًا فرحمته فخليت سبيله، قال: «أما إنه قد كذبك وسيعود»، فرصدته الثالثة، فجاء يحثو من الطعام فأخذته، فقلت: لأرفعنك إلى رسول الله ﷺ ، وهذا آخر ثلاث مرات إنك تزعم أنك لا تعود ثم تعود فقال: دعني أعلمك كلمات ينفعك الله بها، قلت: وما هي؟ قال: إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾، حتى تختم الآية، فإنك لن يزال عليك من الله حافظ، ولا يقربك شيطان حتى تصبح، فخليت سبيله، فأصبحت فقال لي رسول الله ﷺ : «ما فعل أسيرك البارحة؟» قلت: يا رسول الله زعم أنه يعلمني كلمات ينفعني الله بها فخليت سبيله، قال: «ما هي؟ قال: قال لي: إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي من أولها حتى تختم الآية ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾، وقال لي:

стр. 208

لن يزال عليك من الله حافظ ولا يقربك شيطان حتى تصبح، وكانوا أحرص شيء على الخير، فقال النبي ﷺ : «أما إنه صدقك وهو كذوب، تعلم من تخاطب من ثلاث ليال يا أبا هريرة؟» قلت: لا، قال: «ذاك شيطان». كذا رواه البخاري معلقًا بصيغة الجزم (١). قال محمد تقي الدين وصيغة الجزم أن يقول البخاري قال فلان عن فلان، أو ذكر فلان، وتقابلها صيغة التمريض، وهي: يُذكر ويُروى، وحتى هذه ليست دائمًا صيغة تمريض عند البخاري، فقد حقق الحافظ صحة الحديث المعبر عنه بها في بعض المواضع. اهـ. ثم ذكر (ك) أحاديث كثيرة في فضل آية الكرسي، وأن أبي بن كعب وقع له مع صبي مثل ما وقع لأبي هريرة (٢)، ثم روى حديثًا للترمذي وأبي داود أن هذه الآية تشتمل على اسم الله الأعظم (٣). ثم قال (ك): روى ابن حبان في «صحيحه» وغيره عن أبي أمامة قال: قال رسول الله ﷺ : «من قرأ آية الكرسي دبر كل صلاة لم يمنعه من دخول الجنة إلا أن يموت» (٤). قال (ك): «وإسناده

стр. 209

صحيح على شرط البخاري وقد زعم أبو الفرج ابن الجوزي (١) أنه حديث موضوع «والله أعلم» (٢). وهذه الآية مشتملة على عشر جمل مستقلة: فقوله تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ إخبار بأنه المنفرد بالإلهية لجميع الخلائق ﴿الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ أي: الحي في نفسه الذي لا يموت أبدًا القيم لغيره، وكان عمر يقرأ (القيام) (٣) فجميع الموجودات مفتقرة إليه، وهو غني عنها (٤) ولا قوام لها بدون أمره كقوله: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ﴾ [الروم: ٢٥] وقوله: ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ أي: لا يعتريه نقص ولا غفلة ولا ذهول عن خلقه، بل هو قائم على كل نفس بما كسبت، شهيد على كل شيء، لا يغيب عنه شيء، ولا تخفى (٥) عليه خافية، ومن تمام القيومية أنه لا يعتريه سنة ولا نوم، فقوله: ﴿لَا تَأْخُذُهُ﴾ أي: لا تغلبه سنة، وهو الوسن، والنعاس، ولهذا قال: ﴿وَلَا نَوْمٌ﴾ لأنه أقوى من السنة، وفي «الصحيح» (٦) عن أبي موسى قال: قام فينا رسول الله ﷺ بأربع كلمات: فقال: «إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل النهار قبل عمل الليل، وعمل الليل قبل عمل النهار، حجابه النور أو النار، لو كشف لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه». وقوله (٧): ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ كقوله: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ [النجم: ٢٦] وكقوله: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: ٢٨] وهذا من عظمته وجلاله وكبريائه ، أنه لا يتجاسر أحد على أن يشفع لأحد عنده إلا بإذنه (٨) له في الشفاعة، كما في حديث (٩): «آتي تحت العرش، فأخر ساجدًا، فيدعني ما شاء أن.

стр. 210

يدعني، ثم يقال: ارفع رأسك، وقل تسمع، واشفع تشفع، قال: فيحد لي حدًا فأدخلهم الجنة»، وقوله: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ دليل على إحاطة علمه بجميع الكائنات ماضيها وحاضرها ومستقبلها، كقوله إخبارًا عن الملائكة: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: ٦٤] وقوله: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ أي: لا يطلع أحد من علم الله على شيء إلا بما أعلمه الله ل وأطلعه عليه (١)، لا يطلعون على شيء من علم ذاته وصفاته إلا بما أطلعهم (٢). قال محمد تقي الدين: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ قال بعض المفسرين من السلف: كرسيه: علمه (٣)، وقال أكثر المفسرين: إن الله كرسيًا هو أصغر من العرش (٤)، وجاءت الأخبار التي رواها المفسرون وأهل الحديث، أن الكرسي في عظمته لو جمعت السموات السبع وقوبلت بالكرسي لكانت كحلقة ملقاة في فلاة، ونحن نؤمن بهذا، ونترك تفسيره إلى الله تعالى، وهذه الأمور لا يطلب من مؤمن معرفة تفاصيلها إلا ما ورد عن النبي ﷺ ، وإنما يطلب منه الإيمان بها. قال (ك): ﴿وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾ أي: لا يثقله ولا يكرثه حفظ السموات والأرض ومن فيهما ومن بينهما، بل ذلك سهل عليه يسير لديه، وهو القائم على كل نفس بما كسبت، الرقيب على جميع الأشياء، فلا يعزب عنه شيء، ولا يغيب عنه شيء، والأشياء كلها حقيرة بين يديه، متواضعة ذليلة صغيرة بالنسبة إليه، محتاجة فقيرة وهو الغني الحميد الفعال لما يريد، الذي لا يسأل عما يفعل وهم يسألون، وهو القاهر لكل شيء، الحسيب على كل شيء، الرقيب العلي العظيم،

стр. 211

لا إله غيره ولا رب سواه، فقوله: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ كقوله: هو «الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ» [الرعد: ٩] وهذه الآيات وما في معناها من الأحاديث الصحاح، الأجود فيها طريقة السلف الصالح أمروها كما جاءت من غير تكييف ولا تشبيه». قال (ك): «يقول تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ أي: لا تكرهوا أحدًا على الدخول في دين الإسلام، فإنه بين واضح جلي، دلائله وبراهينه لا يحتاج إلى أن يكره (١) على الدخول فيه، بل من هداه الله للإسلام وشرح صدره ونور بصيرته، دخل فيه على بينة، ومن أعمى الله قلبه وختم على سمعه وبصره، فإنه لا يفيده الدخول في الدين مكرهًا مقسورًا، وقد ذكروا أن سبب نزول هذه الآية في قوم من الأنصار (٢)، وإن كان حكمها عامًا، وقال ابن جرير، عن ابن عباس قال: «كانت المرأة تكون مقلاتًا (٣) فتجعل على نفسها إن عاش لها ولد أن تهوده»، فلما أجليت بنو النضير كان فيهم أبناء الأنصار، فقالوا: لا ندع أبناءنا، فأنزل الله : ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾. وقد رواه أبو داود والنسائي جميعًا عن بُندار به (٤)، وقال محمد بن إسحاق: عن ابن عباس قوله: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ قال: نزلت في رجل من الأنصار من بني سالم بن عوف يقال له: الحصين (٥) كان له ابنان نصرانيان، وكان هو رجلًا مسلمًا، فقال للنبي ﷺ : ألا أستكرههما فإنهما قد أبيا إلا النصرانية؟ فأنزل الله فيه ذلك (٦)، رواه ابن

стр. 212

جرير، وروى السدي نحو ذلك، وزاد «وكانا قد تنصرا على أيدي تجار قدموا من الشام يحملون زيتا (١) فلما عزما على الذهاب معهم، أراد أبوهما أن يستكرههما، وطلب من رسول الله ﷺ أن يبعث في آثارهما، فنزلت هذه الآية»، وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عمرو بن عوف، أخبرنا شريك عن أبي هلال عن أسق (٢) قال: كنت في دينهم مملوكا نصرانيا لعمر بن الخطاب، فكان يعرض علي الإسلام، فأبى، فيقول: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾. ويقول: يا أسق (٢) لو أسلمت لاستعنا بك على بعض أمور المسلمين (٣). وقد ذهب طائفة كثيرة من العلماء أن هذه محمولة على أهل الكتاب ومن دخل في دينهم قبل النسخ والتبديل، إذا بذلوا الجزية، وقال آخرون: بل هي منسوخة بآية القتال، وأنه يجب أن يدعى جميع الأمم إلى الدخول في الدين الحنيف دين الإسلام، فإن أبى أحد منهم الدخول (٤)، ولم ينقد له أو يبذل الجزية، قوتل حتى يقتل، وهذا معنى ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ (٥)، قال الله تعالى: ﴿سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ﴾ [الفتح: ١٦] وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التحريم: ٩] وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة: ١٢٣]. وفي الصحيح (٦): «عجب ربك من قوم يقادون إلى الجنة في السلاسل (٧)، وتصلح أعمالهم وسرائرهم، فيكونون من أهل

стр. 213

الجنة». فأما الحديث الذي رواه الإمام أحمد (١)، عن أنس أن رسول الله ﷺ قال لرجل: «أسلم» قال: «إني أجدني كارهًا»، قال: «وإن كنت كارهًا» فإنه ثلاثي صحيح، ولكن ليس من هذا القبيل، فإنه لم يكرهه النبي ﷺ على الإسلام، بل دعاه إليه، فأخبره أن نفسه ليست قابلة له، بل هي كارهة، فقال له: «أسلم وإن كنت كارهًا، فإن الله [يرزقك] (٢) حسن النية والإخلاص، وقوله: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ أي من خلع الأنداد والأوثان وما يدعو إليه الشيطان من عبادة كل ما يعبدون من دون الله ووحد الله وحده، وشهد أن لا إله إلا هو ﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ أي: فقد ثبت في أمره، واستقام على الطريقة المثلى، والصراط المستقيم (٣). قال محمد تقي الدين: قال علماء التوحيد: الطاغوت: مأخوذ من الطغيان، والطغيان مجاوزة الحد في الكفر والضلال والإضلال، ومنه الطاغوت، جاء في اللسان العرب (٤): قال الشعبي وعطاء ومجاهد: الجبت السحر، والطاغوت الشيطان، والكاهن وكل رأس في الضلال، قد يكون واحدًا»؛ قال تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾ [النساء: ٦٠]، وقد يكون جَمْعًا، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِنَ النُّورِ إلَى الظُّلُمَاتِ﴾. قال محمد تقي الدين: قال علماء التوحيد الطواغيت كثيرة، أولهم إيليس لعنه الله، ومن دعا الناس إلى عبادته أو عبادة غيره، ومن حكم بغير ما أنزل الله، والكاهن، والساحر، ويجب على كل مؤمن أن يكفر بجميع الطواغيت، فإن القلب مثل الإناء، فلا بد من تطهيره قبل حلول الإيمان فيه، فإن الإيمان بالطاغوت نجاسة تجب إزالتها من القلب ليمتلئ بالإيمان بالله تعالى، وسيأتي إن شاء الله في سورة النساء زيادة على هذا.

стр. 214

ثم قال (ك): «وقوله: ﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انفِصَامَ لَهَا﴾ أي: فقد (١) استمسك من الدين بأقوى سبب، وشبه ذلك بالعروة القوية التي لا تنفصم، هي في نفسها محكمة مبرمة قوية وربطها قوي شديد، ولهذا قال: ﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انفِصَامَ لَهَا﴾ الآية». قال مجاهد: العروة الوثقى: يعني الإيمان (٢)، وقال السدي: هو الإسلام (٣)، وقال سعيد بن جبير والضحاك: يعني لا إله إلا الله (٤)، وعن أنس بن مالك: العروة الوثقى: القرآن (٥)، وعن سالم بن أبي الجعد، قال: هو الحب في الله، والبغض في الله (٦)، وكل هذه الأقوال صحيحة، ولا تنافي بينها، وقال معاذ بن جبل في قوله: ﴿لَا انفِصَامَ لَهَا﴾ (٧) دون دخول الجنة» (٨). وقال الإمام أحمد بسنده إلى محمد بن قيس بن عبادة قال: «كنت في المسجد فجاء رجل في وجهه أثر من خشوع، فدخل (٩) فصلى ركعتين أوجز فيهما، فقال القوم: هذا رجل من أهل الجنة، فلما خرج اتبعته حتى دخل منزله، فدخلت معه فحدثته فلما استأنس، قلت له: إن القوم لما دخلت (١٠) المسجد قالوا: كذا وكذا، قال: سبحان الله، ما ينبغي لأحد أن يقول ما لا يعلم، وسأحدثك (١١)، إني رأيت رؤيا على عهد رسول الله ﷺ ، فقصصتها عليه، رأيت كأني (١٢) في روضة

стр. 215

خضراء، قال ابن عون (١): فذكر من خضرتها وسعتها، وفي وسطها عمود من حديد أسفله في الأرض وأعلاه في السماء، في أعلاه عروة، فقيل لي: اصعد عليه، فقلت: لا أستطيع. فجاءني منصف - قال ابن عون (١): هو الوصيف - فرفع ثيابي من خلفي فقال: اصعد فصعدت حتى أخذت بالعروة، فقال: استمسك بالعروة، واستيقظت وإنها لفي يدي، فأتيت رسول الله ﷺ فقصصتها عليه، فقال: «أما الروضة، فروضة الإسلام، وأما العمود فعمود الإسلام، وأما العروة فهي العروة الوثقى، أنت على الإسلام حتى تموت (٢)، قال: وهو عبد الله بن سلام. أخرجاه في «الصحيحين»». ثم قال (ك): «يخبر تعالى أنه يهدي من اتبع رضوانه سبل السلام، فيخرج عباده المؤمنين من ظلمات الكفر والشك والريب إلى نور الحق الواضح الجلي البين السهل المنير، وأن الكافرين إنما وليهم الشيطان (٣)، يزين (٤) لهم ما هم فيه من الجهالات والضلالات، ويخرجونهم، ويحيدون بهم عن طريق الحق إلى الكفر والإفك ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ ولهذا وحد تعالى لفظ النور، وجمع الظلمات لأن الحق واحد، والكفر أجناس كثيرة، وكلها باطلة كما قال: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٣] (٥) قال (ك): «هذا الذي حاج إبراهيم في ربه - وهو ملك بابل - نمرود بن كنعان قال مجاهد: «ملك الدنيا مشارقها ومغاربها أربعة: مؤمنان وكافران: المؤمنان سليمان بن داود، وذو القرنين، والكافران: نمرود، وبخت نصر (٦)، ومعنى قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ أي:
следующие страницы →