← Акыда

Акыда · id 30197

سبيل الرشاد في هدي خير العباد

محمد تقي الدين الهلالي

Полный текст (2 277 стр.). Показаны 1506–1545 · переход к 1511.

стр. 1506

فصل قال محمد تقي الدين: القرآن كلام الله ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٢] أشرق نوره في قلوب المؤمنين فنالوا به سعادة الدارين، وعمى عنه الأشقياء الكافرون والمنافقون ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٦) خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (١) [البقرة: ٧] بما كانوا يكذبون، والمقلدون وإن كانوا لا يعجبون ولا يضحكون فإنهم عن القرآن والسنة سامدون والمنتسبون للمذهب المالكي منهم لا يسجدون هذه السجدة التي سجدها النبي ﷺ وسجدها معه الإنس والجن والمسلمون والكافرون، تركوا سنة خليل الله نسيًا منسيا، واتبعوا أمر خليلهم (٢)، فإن لم يتوبوا فسيقولون يوم القيامة: ﴿يَالَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا (٢٧) يَاوَيْلَتَا لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا (٢٨) لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنسَانِ خَذُولًا (٢٩) وَقَالَ الرَّسُولُ يَارَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ [الفرقان: ٢٧ - ٣٠]. «الوجه التاسع والثلاثون: (٣) قولهم: إن عبد الله كان يدع قوله لقول عمر، وأبو موسى كان يدع قوله لقول علي، وزيد كان يدع قوله لقول أبي بن كعب. فجوابه: إنهم لم يكونوا يدعون ما يعرفون من السنة تقليدًا لهؤلاء الثلاثة، كما تفعله فرقة التقليد. بل من تأمل سيرة القوم، رأى إنهم كانوا إذا ظهر (٤) لهم السنة لم يكونوا يدعونها لقول أحد، كائنًا من كان. وكان ابن عمر يدع قول عمر إذا ظهرت له السنة، وابن عباس ينكر على من يعارض ما بلغه من السنة بقوله: قال أبو بكر وعمر، ويقول: «يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء أقول: قال رسول الله، وتقولون: قال أبو بكر وعمر؟» (٥).

стр. 1507

فرحم الله ابن عباس ورضي عنه، فوالله لو شاهد خلفنا هؤلاء الذين إذا قيل لهم: قال رسول الله فقالوا: قال فلان وفلان، لمن لا يداني الصحابة، ولا قريبًا من قريب، وإنما كانوا يدعون أقوالهم لأقوال هؤلاء؛ لأنهم يقولون القول، ويقول هؤلاء، فيكون الدليل معهم، فيرجعون إليهم، ويدعون أقوالهم، كما يفعل أهل العلم الذين هو أحب إليهم مما سواه. وهذا عكس طريقة فرقة أهل التقليد من كل وجه، وهذا هو الجواب عن قول مسروق: ما كنت أدع قول ابن مسعود لقول أحد من الناس (١).

стр. 1508

سورة القمر الباب الأول قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَهُم مِنَ الْأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ (٤) حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ﴾ [القمر: ٤، ٥] ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: ١٧] تفسير الآيتين : قال (ك): «﴿وَلَقَدْ جَاءَهُم مِنَ الْأَنْبَاءِ﴾ أي: من الأخبار عن قصص الأمم المكذبة (١) بالرسل وما حل بهم من العقاب والنكال والعذاب مما يتلى عليهم في هذا القرآن ﴿مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ﴾ أي: ما فيه واعظ لهم عن الشرك والتمادي على التكذيب، وقوله تعالى: ﴿حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ﴾ أي: في هدايته تعالى لمن هداه وإضلاله لمن أضله ﴿فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ﴾؛ يعني: أي شيء تغني النذر عمن كتب الله عليه الشقاوة وختم على قلبه؟ فمن الذي يهديه من بعد الله؟ وهذه الآية كقوله تعالى: ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الأنعام: ١٤٩] وكذا (٢) قوله تعالى: ﴿وَمَا (٣) تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ١٠١]» (٤). تفسير الآية المفردة : قال (ك): أي: سهلنا لفظه ويسرنا معناه لمن أراده ليتذكر الناس كما قال: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ (٥) مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ، وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص: ٢٩] وقال تعالى:

стр. 1509

﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا﴾ [مريم: ٩٧]. قال مجاهد: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ﴾؛ يعني: هونا قراءته. وقال السدي: يسرنا تلاوته على الألسن، وقال الضحاك عن ابن عباس: «لولا أن الله يسره على لسان الآدميين ما استطاع أحد من الخلق أن يتكلم بكلام الله ». (قلت) ومن تيسيره تعالى على الناس تلاوة القرآن ما تقدم عن النبي ﷺ أنه قال: «إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف» (١) وأوردنا الحديث بطرقه وألفاظه بما أغنى عن إعادته ههنا، والله الحمد والمنة. وقوله: ﴿فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ أي: فهل من متذكر بهذا القرآن الذي قد يسر الله حفظه ومعناه؟ وقال محمد بن كعب القرظي: فهل من (٢) منزجر عن المعاصي، وقال ابن أبي حاتم بسنده عن مطر - هو الوراق - في قوله تعالى: ﴿فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾: هل من طالب علم فيعان عليه؟ وكذا علقه البخاري بصيغة الجزم عن مطر الوراق ورواه ابن جرير (٣)) (٤). فصل قال محمد تقي الدين: إن في كتاب الله من الأخبار والقصص والأمثال ما يفتح القلوب المقفلة الغلف والعيون العمي والآذان الصم، ولكن لا يحصل ذلك إلا لمن طلب الحق بإخلاص وتجرد من هوى نفسه الأمارة بالسوء، فهذا هو الذي ينتفع بالنذر، والمقلد المتعصب الذي اتخذ إلهه هواه لا ينتفع بذلك، وقد يسر النطق به، فترى التركي والهندي كلاهما يقرآنه بغاية التجويد مع بعد لغاتهما عن اللغة العربية، ويسر حفظه، حتى أنه يوجد في البلدان التي تحبه وتعتني به كثير من الصبيان يحفظونه في سن مبكرة فمنهم من يحفظه وهو ابن سبع سنين. يومًا من الأيام كنت أسير ومعي رفيق في شارع من شوارع (لكنو) - مدينة مشهورة بالهند - فمررت على باب قرأت في أعلاه ما نصه:

стр. 1510

في هذا البيت طفلة لا يتجاوز عمرها خمس سنين، تحفظ القرآن كله فمن أراد أن يشاهدها فليدخل، فدخلنا وصعدنا درجا انتهى بنا إلى غرفة كبيرة، وجدنا فيها رجلا ذا لحية سوداء، جالسا على حصير، ورأينا طفلة تلعب بلعب مختلفة في ناحية من الغرفة، فسلمنا عليه فرد علينا السلام، ودعانا إلى الجلوس فجلسنا، فقال لنا: أي جزء من القرآن تريدان أن تقرأ لكما منه هذه الطفلة؟ فقلت أنا: من قوله تعالى في سورة هود: ﴿وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا﴾ فلم ينادها ولم يأمرها بالقراءة، بل بدأ هو يقرأ بعد الاستعاذة مبتدئا بالآية التي طلبت أنا فتركت الطفلة اللعب وأقبلت عليه وجلست أمامه، وبدأت تقرأ في الموضع نفسه، فسكت هو وتركها وحدها فاستمرت كالسهم بدون تلكؤ ولا تعتعة، حتى قلنا لها: حسبك، وكانت قراءتها فصيحة ومنظرها يدل على أنها إن لم تكن بنت خمس كما هو في الإعلان لا تزيد على سبع، وهذا برهان يفسر لنا هذه الآية، وأنا أعتقد أن هذه الطفلة لو وجدت من يعلمها معنى القرآن ولغة القرآن والسنة التي تبين معناه لتعلمت ذلك في أقرب وقت. فيا أسفا على هؤلاء الذين وهبهم الله القرآن يقرأ عندهم صباح مساء، وهم في ظلماتهم يتخبطون، لا يتدبرونه ولا يتعظون به، ولا يتأدبون بأدبه، ولا يستضيئون بنوره، أولئك هم الخاسرون، وأعطينا ذلك الرجل شيئا من الدراهم، وقد سرنا غاية السرور، ولم ينقض عجبنا مما رأينا وسمعنا. قال صاحب «الدين الخالص» (٤/ ٣٣٩) ما نصه: «الوجه الأربعون: قولهم: إن النبي ﷺ قال: «قد سن لكم معاذ فاتبعوه» (١). فعجبا لمحتج بهذا على تقليد الرجال في دين الله وهل صار ما سنه معاذ سنة إلا بقوله: «فاتبعوه» كما صار الأذان سنة بقوله وإقراره وشرعه (٢)، لا بمجرد المنام؟

стр. 1511

فإن قيل: فما معنى الحديث؟ قيل: معناه: إن معاذًا فعل فعلًا جعله الله لكم سنة؛ وإنما صار سنة لنا، حين أمر به النبي ﷺ لا لأن معاذًا فعله فقط. وقد صح عن معاذ أنه قال: كيف تصنعون بثلاث: ١ - دنيا تقطع أعناقكم. ٢ - وزلة عالم. ٣ - وجدال منافق بالقرآن؟ فأما العالم، فإن اهتدى فلا تقلدوه دينكم، وإن افتتن فلا تقطعوا منه إياسكم، فإن المؤمن يفتتن ثم يتوب. وأما القرآن فإن له منارًا كمنار الطريق، لا يخفى على أحد، فما علمتم منه فلا تسألوا عنه أحدًا، وما لم تعلموه، فكلوه إلى عالمه. = عبد الله بن زيد بن عبد ربه عن أبيه عبد الله بن زيد. رواه من هذا الطريق: أحمد (٤/¬٤٣)، والدارمي (١/ ٢٦٨ و ٢٦٩)، والبخاري في «خلق أفعال العباد» (١٨٠ و ١٨١)، وأبو داود (٤٩٩) في «الصلاة»، باب كيف الأذان، والترمذي (١٨٩) مختصرًا، وابن ماجه (٧٠٦) في الأذان، باب بدء الأذان، وابن الجارود (١٥٨)، وابن حبان (١٦٧٩)، وابن خزيمة (٣٧١)، والدارقطني (١/ ٣٤١)، والبيهقي (١/ ٣٩٠ - ٣٩١ و ٤١٥). قال الترمذي: حسن صحيح، وقال ابن خزيمة: سمعت محمد بن يحيى (الذهلي) يقول: ليس في أخبار عبد الله بن زيد في قصة الأذان خبر أصح من هذا لأن محمد بن عبد الله بن زيد سمعه من أبيه. وقال ابن خزيمة: وخبر عبد الله بن زيد ثابت صحيح من جهة النقل. وقد صححه أيضًا البخاري فيما نقله عنه الترمذي في «العلل الكبير»، وانظر: «تنقيح التحقيق» (١/ ٧٠٦، ٧٠٧)، «التلخيص الحبير» (١/ ٢٠٩)، «نصب الراية» (١/ ٢٧٩ - ٢٨٠)، «الإشراف» (١/ ٢٣٣) للقاضي عبد الوهاب وتعليقي عليه. أقول: ونحن إنما نخشى من تدليس ابن إسحاق، وقد صرح بالسماع، وقد جاء في هذا الحديث: فلما خَبَّرتُها رسول الله ﷺ قال: «إنها لرؤيا حق إن شاء الله فقم مع بلال فألقها عليه؛ فإنه أندى صوتًا». فلما أذن بها بلال سمع بها عمر بن الخطاب فخرج إلى رسول الله ﷺ يجر رداءه وهو يقول: يا نبي الله والذي بعثك بالحق لقد رأيت مثلما رأى! فقال رسول الله ﷺ : «فلله الحمد».

стр. 1512

وأما الدنيا فمن جعل الله غناه في قلبه فقد أفلح، ومن لا، فليست بنافعته دنياه» (١). فصدع ﵁ بالحق، ونهى عن التقليد في كل شيء، وأمر باتباع ظاهر القرآن، وأن لا يُبالي بمن خالف فيه، وأمر بالتوقف فيما أشكل، وهذا كله، خلاف طريقة المقلدين، وبالله التوفيق» (٢).

стр. 1513

سورة الواقعة الباب الأول : قوله تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (٧٥) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (٧٦) إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ (٧٨) لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (٧٩) تَنزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٨٠) أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ (٨١) وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ (٨٢) [الواقعة: ٧٥ - ٨٢] قال الإمام المحقق معين الدين في تفسيره «جامع البيان» ما نصه: «﴿فَلَا أُقْسِمُ﴾ لا: مزيدة لتأكيد القسم وردا لقول الكفار أنه سحر وشعر ثم استأنف القسم ﴿بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ أي: نجوم القرآن ومواقعها أوقات نزولها، أو بمغارب نجوم السماء أو منازلها أو انتشارها يوم القيامة ﴿وَإِنَّهُ﴾ هذا القسم الذي أقسمت به ﴿لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (٧٦) إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧)﴾ كثير النفع ﴿فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ (٧٨)﴾ مصون من الشياطين وهو اللوح ﴿لَا يَمَسُّهُ﴾ أي: الكتاب ﴿إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ أي: الملائكة زعمت قريش أن القرآن تنزلت به الشياطين فردهم الله تعالى بقوله: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ كما قال تعالى: ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ (٢١٠)﴾ [﴿تَنزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٨٠)﴾ صفة أخرى للقرآن ﴿أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ﴾ أي: القرآن ﴿أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ﴾ متهاونون مكذبون ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ﴾ الرزق بمعنى الشكر في لغة أو شكر رزقكم الذي هو المطر ﴿أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ بمعطيه وتقولون: مطرنا بنوء كذا، وتجعلون حظكم ونصيبكم من القرآن تكذيبكم به». فصل قال محمد تقي الدين: هذا القرآن الكريم صنع المعجزات واعترف بها العدو والصديق حتى أعداء الدين الملاحدة، ومنهم المؤرخ المشهور جوزيف ماك

стр. 1514

كيب، في الكتاب الذي ترجمته له: «مدنية المغاربة في إسبانيا» (١) (The Moorich) (Civilization in Spain): «لا توجد حضارة مبنية على الدين لأن الدين لا يثمر الحضارة أبدًا، ولكن لا شك أن القرآن وتعاليم محمد نفخت في العرب روح الحياة فاجتمعوا وتعاونوا وبذلك تمت لهم الفتوحات العظيمة وورثوا حضارات الأمم السابقة كالفرس واليونانيين وعلموها الأوروبيين» (٢). فهذا الرجل يعادي الأديان كلها ومع ذلك لم يجد بدًا أن يعترف أن القرآن ودعوة محمد رسول الله سبب قوة العرب والدول الإسلامية، فيا أسفًا على هؤلاء المنتسبين إلى الإسلام الذين أعرضوا عن الكتاب والسنة ونبذوهما وراء ظهورهم فماتوا موتًا معنويًا تامًا، وكذلك المقلدون وأصحاب الطرائق بإعراضهم عن الكتاب والسنة جعلوا الدين جسمًا بلا روح، فكان ذلك سبب شقائهم وحرمانهم. قال صاحب «الدين الخالص» (٤/ ٣٤٠) ما نصه: «الوجه الحادي والأربعون: قولكم: إن الله سبحانه أمر بطاعة أولي الأمر وهم العلماء، وطاعتهم تقليدهم فيما يفتون به. فجوابه: إن أولي الأمر قد قيل: هم الأمراء، وقيل: هم العلماء (٣)، وهما روايتان عن الإمام أحمد. والتحقيق: إن الآية تتناول الطائفتين، وطاعتهم من طاعة الرسول، لكن خفي على المقلدين أنهم إنما يطاعون في طاعة الله، إذا أمروا بأمر الله ورسوله،

стр. 1515

فكان العلماء مبلغين لأمر الرسول، والأمراء منفذين له، فحينئذ تجب طاعتهم تبعًا لطاعة الله ورسوله؟ فأين في الآية تقديم آراء الرجال على سنة رسول الله ﷺ وإيثار التقليد عليها؟ (١)

стр. 1516

سورة الحديد الباب الأول قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُم مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحديد: ٩]. قال (ك): «حججًا واضحات ودلائل باهرات، وبراهين قاطعات ليُخْرِجَكُم مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ أي: من ظلمات الجهل والكفر والآراء المتضادة إلى نور الهدى واليقين (١) ﴿وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ أي: في إنزاله الكتاب وإرساله الرسل لهداية الناس، وإزاحة العلل وإزالة الشبه» (٢). فصل قال محمد تقي الدين: لا يرتاب أحد لا مسلم ولا كافر كما قدمنا من كلام جزيف ماك كيب عدو الأديان أن القرآن أخرج العرب من الظلمات إلى النور، وأخرج جميع الدول الإسلامية السابقة من ظلمات الجهل والفقر والذلة والتشتت والضعف إلى أضدادها، وفي قتال المسلمين لجميع دول أوربا بملوكها وجيوشها، مدة مئة وتسعين سنة على أرض فلسطين وما حولها، وانتصار المسلمين عليهم شاهد من أعظم الشواهد للمقارنة مع استيلاء ثلاثة ملايين من غرباء الآفاق من اليهود إلى المسجد الأقصى أحد المساجد الثلاثة المقدسة عند المسلمين، ويقابل هذه الملايين الثلاثة مائة مليون من العرب وست مائة مليون (٣) من المسلمين غير العرب، وقد حارب العرب اليهود مرارًا وتكرارًا فلم يحصلوا

стр. 1517

على طائل، فكل من اتبع القرآن والسنة من الشعوب والدول والأفراد يخرجه الله من الظلمات إلى النور، وكل من خالفهما بعد المعرفة يخرجه الله من النور إلى الظلمات، ومن المخالفين لهما المقلدون وأصحاب الطرائق الذين فرقوا دينهم وصاروا شيعًا. قال صاحب «الدين الخالص» (٤/ ٣٤٠) ما نصه: «الوجه الثاني والأربعون: إن هذه الآية من أكبر الحجج عليهم وأعظمها إبطالًا للتقليد، وذلك من وجوه: أحدها: الأمر بطاعة الله التي هي امتثال أمره واجتناب نهيه. الثاني: طاعة رسوله، ولا يكون العبد مطيعًا لله ورسوله حتى يكون عالمًا بأمر الله. ومن أقر على نفسه بأنه ليس من أهل العلم بأوامر الله ورسوله، وإنما هو مقلد فيها لأهل العلم، لم يمكنه تحقيق طاعة الله ورسوله البتة. الثالث: إن أولي الأمر قد نهوا عن تقليدهم كما صح ذلك عن معاذ بن جبل، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، وغيرهم من الصحابة، وذكرناه نصًا عن الأئمة الأربعة وغيرهم (١). وحينئذ فطاعتهم في ذلك: إن كانت واجبة بطل التقليد، وإن لم تكن واجبة بطل الاستدلال. الرابع: إنه سبحانه قال في الآية نفسها: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [النساء: ٥٩]. وهذا صريح في إبطال التقليد، والمنع من رد المتنازع فيه إلى رأي أو مذهب أو تقليد، فإن قيل: فما هي طاعتهم المختصة بهم؟ إذ لو كانوا إنما يطاعون فيما يخبرون به عن الله ورسوله، كانت الطاعة الله ورسوله لا لهم. قيل: وهذا هو الحق، وطاعتهم إنما هي تبع لا استقلال، ولهذا قرنها بطاعة الرسول، ولم يُعد العامل، وأفرد طاعة الرسول وأعاد العامل (٢)، لئلا يتوهم أنه إنما يطاع تبعًا كما يطاع أولو الأمر تبعًا، وليس كذلك.

стр. 1518

بل طاعته واجبة استقلالًا، كان ما أمر به ونهى عنه في القرآن أو لم يكن (١). الباب الثاني قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [الحديد: ١٦] قال (ك): «يقول تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ أي: أما آن أن تلين قلوبهم عند الذكر والموعظة وسماع القرآن فتفهمه وتنقاد له، وتسمع له وتطيعه، قال ابن عباس: إن الله استبطأ قلوب المؤمنين فعاتبهم على رأس ثلاث عشرة سنة (٢) من نزول القرآن فنزلت هذه الآية، رواه ابن أبي حاتم ثم روى هو و ومسلم عن ابن عباس (٣) قال: ما كان بين إسلامنا وبين أن عاتبنا الله بهذه الآية إلا أربع سنين كذا رواه مسلم في آخر الكتاب» وأخرجه النسائي وابن ماجه والبزار عن ابن مسعود (٤). وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ نهى الله تعالى المؤمنين أن يتشبهوا بالذين حملوا الكتاب من قبلهم من اليهود والنصارى، لما تطاول عليهم الأمد بدلوا كتاب الله الذي بأيديهم واشتروا به ثمنًا قليلًا، ونبذوه وراء ظهورهم وأقبلوا على الآراء المختلفة، وقلدوا الرجال في دين الله واتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله، فعند ذلك قست قلوبهم فلا يقبلون موعظة ولا تلين قلوبهم بوعد ولا وعيد ﴿وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ أي: في الأعمال فقلوبهم فاسدة وأعمالهم باطلة كما قال تعالى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِم مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ، وَنَسُوا حَظًّا

стр. 1519

مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ [المائدة: ١٣] ولهذا نهى الله المؤمنين أن يتشبهوا بهم في شيء من الأمور الأصلية والفرعية (١). فصل قال محمد تقي الدين: من قرأ القرآن لوجه الله على الطريقة التي قرأه عليها أصحاب رسول الله ﷺ ، لا بد أن يخشع عند سماعه وأن يعمل به وأن يتحاكم إليه ويحكمه ويتأدب بأدبه ويستضيء بنوره، أما الذي لم يؤمن به ولم يقرأه الله ولا على طريقة أصحاب رسول الله ﷺ الذين كانوا إذا تعلموا عشر آيات لم يتجاوزوهن حتى يعرفوا معناهن والعمل بهن، بل قرأه ليأكل به أو ليفخر به، فهو جدير أن لا يتدبر آياته ولا يخشع ولا يتذكر ولا يتأثر، وهذه حال أكثر قرائه في هذا الزمان - لا كثرهم الله - فإن كثرتهم تجلب غضب الله وتكثر من معصية الله وتبعد عن طاعة الله، والمقلدون لا ينتفعون بالقرآن ولو فهموا معناه؛ لأنهم لا يعملون به إلا إذا وافق مقلدهم ومذهبهم. قال صاحب «الدين الخالص» (٣/ ٣٤١) ما نصه: "الوجه الثالث والأربعون قولهم: إن الله ﷺ أثنى على السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان، وتقليدهم ليس (٢) اتباعهم بإحسان، فما أصدق المقدمة الأولى وما أكذب الثانية! بل الآية من أعظم الأدلة ردًا على فرقة التقليد، فإن اتباعهم هو سلوك سبيلهم ومنهاجهم، وقد نهوا عن التقليد وكون الرجل إمعة، وأخبروا أنه ليس من أهل البصيرة. ولم يكن فيهم - ولله الحمد - رجل واحد على مذهب هؤلاء المقلدين، وقد أعاذهم الله وعافاهم، مما ابتلي به من يرد النصوص لآراء الرجال وتقليدهم (٣)، فهذا ضد متابعتهم وهو نفس مخالفتهم. فالتابعون لهم بإحسان حقًا هم أولو العلم والبصائر، الذين لا يقدمون على كتاب الله وسنة رسوله رأيًا ولا قياسًا، ولا معقولًا، ولا قول أحد من العالمين،

стр. 1520

ولا يجعلون مذهب أحد عيارًا على القرآن والسنة (١)، فهؤلاء أتباعهم حقًا، جعلنا الله منهم بفضله ورحمته» (٢) الباب الثالث قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٨) لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الحديد: ٢٨ - ٢٩] قال (ك): «قد تقدم أنه ورد في الصحيحين» (٣) عن أبي موسى الأشعري أن مؤمني أهل الكتاب يؤتون أجرهم مرتين (٤) كما في الآية في سورة القصص (٤٥) قال سعيد بن جبير: لما افتخر أهل الكتاب بأنهم يؤتون أجرهم مرتين أنزل الله تعالى هذه الآية في حق هذه الأمة: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ﴾ أي: ضعفين ﴿مِنْ رَحْمَتِهِ﴾ وزادهم ﴿وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ﴾ يعني: هدى يتبصر به من العمى والجهالة ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾، ففضلهم بالنور والمغفرة، رواه ابن جرير (٥)، وهذه الآية كقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الأنفال: ٢٩]. روى أحمد عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : مثلكم ومثل اليهود والنصارى كمثل رجل استعمل عمالًا فقال: من يعمل لي من

стр. 1521

صلاة الصبح إلى نصف النهار على قيراط قيراط؟ فعملت اليهود، ثم قال: من يعمل لي من صلاة الظهر إلى صلاة العصر على قيراط؟ (١) فعملت النصارى، ثم قال: من يعمل لي من صلاة العصر إلى غروب الشمس على قيراطين قيراطين؟ ألا فأنتم الذين عملتم، فغضبت النصارى واليهود وقالوا: نحن أكثر عملًا وأقل عطاء! قال: هل ظلمتكم من أجركم شيئًا؟ قالوا: لا. قال: فإنما هو فضلي أوتيه من أشاء» (٢). ورواه البخاري (٣) قال ابن جرير: ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ﴾ أي: ليعلم، وقد ذكر عن ابن مسعود أنه قرأها «لكي يعلم» (٤) وكذا عطاء بن عبد الله وسعيد بن جبير (٥). فصل قال محمد تقي الدين: كل من اتقى الله بامتثال الأوامر واجتناب المنهيات لا بد أن يتبع كتاب الله وسنة رسوله، وحينئذ يجعل الله له نورًا يمشي به في الناس، ويبارك له في رزقه وعمله وعلمه وفي كل شيء من أمر دينه ودنياه، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٢ - ٣] أي: يفرج عنه كل كربة ويأتيه الرزق الحسي والمعنوي من الجهات التي لا يظن أنه يأتيه منها، والمقلد وصاحب الطريقة والحزبي والمتعصب للوطن أو الجنس يمنعه ذلك من اتباع كتاب الله وسنة رسوله، فلا يحصل على شيء من تلك الفضائل. قال المحقق القنوجي في الدين الخالص (٤/ ٣٤٢) ما نصه: «الوجه الرابع والأربعون: إن أتباعهم لو كانوا هم المقلدين الذين هم

стр. 1522

مقرون على أنفسهم، وجميع أهل العلم على أنهم ليسوا من أولي الأمر، لكان سادات العلماء الدائرين مع الحجة ليسوا من أتباعهم، والجهال أسعد بأتباعهم منهم، وهذا عين المحال، بل من خالف واحدًا منهم للحجة، فهو المتبع له، دون من أخذ قوله بغير حجة، وهكذا القول في أتباع الأئمة. معاذ الله أن يكونوا هم المقلدين لهم الذين ينزلون آراءهم منزلة النصوص، بل يتركون لها النصوص، فهؤلاء ليسوا من أتباعهم. وإنما أتباعهم من كان على طريقهم، واقتفى منهاجهم. ولقد أنكر بعض المقلدين على شيخ الإسلام (ابن تيمية) في تدريسه بمدرسة ابن الحنبلي، وهي وقف على الحنابلة، والمجتهد ليس منهم. فقال: «إنما أتناول ما أتناوله منها على معرفتي بمذهب أحمد، لا على تقليدي له» (١)، ومن المحال أن يكون هؤلاء المتأخرون على مذهب الأئمة دون أصحابهم الذين لم يكونوا يقلدونهم. فأتبع الناس لـ (مالك) ابن وهب وطبقته، ممن يحكم بالحجة، وينقاد للدليل أين كان. وكذلك أبو يوسف ومحمد أتبع لأبي حنيفة من المقلدين له مع مخالفتهما له. كذلك البخاري، ومسلم (٢)، وأبو داود، والأثرم، وهذه الطبقة من أصحاب أحمد أتبع له من المقلدين المحض في المنتسبين إليه. وعلى هذا، فالوقف على أتباع الأئمة أهل الحجة والعلم أحق به من المقلدين في نفس الأمر» (٣).

стр. 1523

سورة المجادلة الباب الأول قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ (٢٠) كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [المجادلة: ٢٠، ٢١]. قال (ك): «يخبر تعالى عن الكفار المعاندين المحادين (١) الله ورسوله، يعني: الذين هم في حد، والشرع في حد [آخر] (٢)، أي مجانبون للحق مشاقون له ﴿أُولَئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ﴾ أي: في الأشقياء الأذلين في الدنيا والآخرة ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾ أي: قد حكم وكتب وقدر بأن النصرة الله ولكتبه (٣) ورسله وعباده المؤمنين في الدنيا والآخرة، وأن العاقبة للمتقين وأن النصر للمؤمنين، كما قال تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر: ٥١] (٤). فصل قال محمد تقي الدين: كل من بلغته دعوة محمد ﷺ على وجهها وعرفها حق المعرفة ثم تنكر لها ونبذها وراءه واستبدلها بالقوانين والأعراف والعادات التي لم تنزل من السماء وإنما جاءت من الأرض، فهو محاد الله ولرسوله ولا بد أن يكون من الأذلين لا من الأذلاء فقط بل من الأذلين، أي أذل أهل عصره، وأنت إذا تأملت حال المسلمين في الوقت الحاضر وعددهم سبع مائة مليون تجدهم أذل الناس، ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ، وَهُوَ السَّمِيعُ

стр. 1524

العليم (١٥)﴾. وكل من بلغته سنة النبي ﷺ وعرف صحتها وخالفها لتقليد مذهب أو طريقة أو الانتماء إلى حزب أو قومية كان مستحقا هذا الوعيد، فيا أيها المسلمون اتقوا الله وارجعوا إلى سنة نبيكم، ودعوا التفرقة والتحزب، وكونوا أمة واحدة، إلهها واحد ونبيها واحد وكتابها واحد وشريعتها واحدة ودينها واحد، اللهم اهدنا وإياهم يا رب العالمين إلى اتباع صراطك المستقيم. قال صاحب «الدين الخالص» (٤/ ٣٤٣) ما نصه: «الوجه الخامس والأربعون: قولهم: يكفي في صحة التقليد الحديث المشهور: «أصحابي كالنجوم، بأيهم اقتديتم اهتديتم» (١) جوابه من وجوه: أحدها: إن هذا الحديث قد روي من طريق الأعمش، عن أبي سفيان عن جابر، ومن حديث سعيد بن المسيب، عن ابن عمر، ومن طريق حمزة الجزري (٢) عن نافع عن ابن عمر، لا يثبت شيء منها. قال ابن عبد البر (٣) وذكر سنده إلى البزار أنه قال: «وأما ما يروى عن النبي ﷺ : «أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم» فهذا الكلام لا يصح عن النبي ﷺ ». الثاني: أن يقال لهؤلاء المقلدين: فكيف استجزتم ترك تقليد النجوم التي يهتدى بها، وقلدتم من هو دونهم بمراتب كثيرة؟ فكان تقليد مالك، والشافعي، وأبي حنيفة، وأحمد، آثر عندكم من تقليد أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، فما دل عليه الحديث خالفتموه صريحا، واستدللتم به على تقليد من لم يتعرض له بوجه. الثالث: إن هذا يوجب عليكم تقليد من ورث (٤) الجد مع الإخوة منهم، ومن أسقط الإخوة به معا، وتقليد من قال: الحرام يمين، ومن قال: هو طلاق، وتقليد من حرم الجمع بين الأختين بملك اليمين، ومن أباحه.

стр. 1525

وتقليد من جوز للصائم أكل البرد، ومن منع منه، وتقليد من قال: تعتد المتوفى عنها زوجها بأقصى الأجلين، ومن قال بوضع الحمل … وتقليد من قال: يحرم على المحرم استدامة الطيب، وتقليد من أباحه. وتقليد من جوز بيع الدرهم بالدرهمين، وتقليد من حرمه. وتقليد من أوجب الغسل من الإكسال، وتقليد من أسقطه. وتقليد من ورث ذوي الأرحام، ومن أسقطهم. وتقليد من رأى التحريم برضاع الكبير، ومن لم يره. وتقليد من منع تيمم الجنب، ومن أوجبه. وتقليد من أباح لحوم الحمر الأهلية، ومن منع منها. وتقليد من رأى النقض بمس الذكر ومن لم يره. وتقليد من رأى بيع الأمة طلاقها، ومن لم يره. وتقليد من وقف المولى عند الأجل، ومن لم يقفه (١). وأضعاف أضعاف ذلك مما اختلف فيه أصحاب رسول الله ﷺ ، فإن سوغتم هذا، فلا تحتجوا بقول على قول، ومذهب على مذهب، بل اجعلوا الرجل مخيرًا في الأخذ بأي قول شاء من أقوالهم، ولا تنكروا على من خالف مذاهبكم، واتبع قول أحدهم. وإن لم تسوغوه فأنتم أول مبطل لهذا الحديث ومخالف له وقائل بمقتضاه، وهذا مما لا انفكاك لكم منه. الرابع: إن الاقتداء بهم، يحرم عليكم التقليد، ويوجب الاستدلال، وتحكيم الدليل كما كان عليه القوم ﵃، وحينئذ فالحديث من أقوى الحجج عليكم وبالله التوفيق» (٢).

стр. 1526

سورة الحشر الباب الأول قوله تعالى: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الحشر: ٧]. قال (ك): «أي جميع البلدان التي تفتح هكذا فحكمها حكم أموال بني النضير، ولهذا قال تعالى: ﴿فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ … ﴾ إلى آخرها. والتي بعدها، فهذه مصارف أموال الفيء ووجوهه (١)، روى الإمام أحمد عن عمر بن الخطاب قال: «كانت أموال بني النضير مما أفاء الله على رسوله مما لم يوجف المسلمون عليه بخيل ولا ركاب، فكانت لرسول الله خالصة، فكان ينفق على أهله منها نفقة سنته - وقال مرة: قوت سنته -، وما بقي جعله في الكراع والسلاح في سبيل الله ». هكذا أخرجه أحمد هاهنا مختصرا، وقد أخرجه الجماعة في كتبهم إلا ابن ماجه (٢). والمعلوم أن ما تركه رسول الله ﷺ بعد وفاته فهو صدقة لا يرثه أحد لقوله: «لا نورث ما تركنا صدقة» (٣) ولهذا فقد منع أبو بكر الصديق فاطمة مما ترك رسول الله ﷺ مستندا إلى هذا الحديث، وكان أبو بكر على حق في ذلك، فلما توفي أبو بكر وتولى من بعده الخلافة عمر بن الخطاب جاء بعد زمن من

стр. 1527

خلافته العباس وعلي ودخلا عليه، فقال العباس: يا أمير المؤمنين اقضي بيني وبين هذا، فأقبل عليهما عمر، وقال: أنشدكما بالله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض هل تعلمان أن رسول الله ﷺ قال: «لا نورث ما تركناه (١) صدقة»؟ فقالا: نعم … ثم قال: فلما توفي رسول الله ﷺ قال أبو بكر: أنا ولي رسول الله ﷺ ، فجئت أنت وهذا إلى أبي بكر تطلب أنت ميراثك من ابن أخيك، ويطلب هذا ميراث امرأته من أبيها، فقال أبو بكر: قال رسول الله ﷺ : «لا نورث ما تركنا صدقة». والله يعلم إنه لصادق بار راشد تابع للحق فوليها أبو بكر، فلما توفي قلت: أنا ولي رسول الله وولي أبي بكر، فوليتها ما شاء الله أن أليها، فجئت أنت وهذا وأنتما جميع وأمركما واحد فسألتمانيها فقلت: إن شئتما فأنا أدفعها إليكما على أنّ عليكما عهد الله أن تلياها بالذي كان رسول الله ﷺ يليها، فأخذتماها مني على ذلك، ثم جئتماني لأقضي بينكما بغير ذلك، والله لا أقضي بينكما بغير ذلك حتى تقوم الساعة فإن عجزتما عنها فرداها إليه). أخرجوه من حديث الزهري به (٢) وكان اللذان (٣) سألاه - أي العباس وعليا (٤) - أموال بني النضير (٥) التي كانت خالصة لرسول الله، والله تعالى أعلم. وقوله تعالى: ﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ﴾ أي: جعلنا هذه المصارف لمال الفيء كيلا يبقى مأكلة يتغلب عليها الأغنياء ويتصرفون فيها بمحض الشهوات والآراء، ولا يصرفون منه شيئًا إلى الفقراء. وقوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا﴾ أي: مهما أمركم به فافعلوه، ومهما نهاكم عنه فاجتنبوه، فإنه إنما يأمر بخير وإنما ينهى عن شر. روى ابن أبي حاتم عن مسروق قال: جاءت امرأة إلى ابن مسعود فقالت: بلغني أنك تنهى عن الواشمة والواصلة، أشيء وجدته في كتاب الله تعالى، أو

стр. 1528

عن رسول الله ﷺ ؟ قال: بلى شيء وجدته في كتاب الله وعن رسول الله. قالت: والله لقد تصفحت ما بين دفتي المصحف فما وجدت فيه الذي تقول! قال: فما وجدت فيه ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا﴾؟ قالت: بلى، قال: فإني سمعت رسول الله ﷺ ينهى عن الواصلة والواشمة والنامصة، قالت: فلعله في بعض أهلك، قال: فادخلي فانظري فدخلت فنظرت ثم خرجت، قالت: ما رأيت بأسًا. فقال لها: أما حفظت وصية العبد الصالح ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ﴾ (١) [هود: ٨٨] وقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ أي: اتقوه في امتثال أوامره وترك زواجره فإنه شديد العقاب لمن عصاه، وخالف أمره وأباه، وارتكب ما عنه زجره ونهاه (٢). فصل قال محمد تقي الدين: قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا﴾ من أعظم الحجج على إبطال التقليد، فإن جميع الأحكام يجب أن نأخذها من الرسول ﷺ ، وكل من عداه من العلماء من عصر الصحابة إلى يوم القيامة ليس لهم إلا التبليغ، ومن جعل لهم الحكم فقد اتخذهم أربابًا من دون الله؟ قال صاحب «الدين الخالص» (٤/ ٣٤٤) ما نصه: «الوجه السادس والأربعون: قولكم: قال عبد الله بن مسعود: «من كان مستنًا، فليستن بمن قد مات، أولئك أصحاب محمد» (٣). فهذا من أكبر الحجج عليكم من وجوه: فإنه نهى عن الاستنان بالأحياء وأنتم تقلدون الأحياء والأموات. والثاني: إنه عين المستن بهم، بأنهم خير الخلق، وأبر الأمة، وأعلمهم، وهم الصحابة.

стр. 1529

وأنتم معاشر المقلدين لا ترون تقليدهم ولا الاستنان بهم، وإنما ترون تقليد فلان وفلان، ممن هو دونهم بكثير. الثالث: إن الاستنان بهم هو الاقتداء بهم، وهو بأن يأتي المقتدي بمثل ما أتوا به، ويفعل كما فعلوا، وهذا يبطل قبول قول أحد بغير حجة كما كان الصحابة عليه. الرابع: إن ابن مسعود قد صح عنه النهي عن التقليد، وأن لا يكون الرجل إمعة لا بصيرة له (١)، فعلم أن الاستنان عنده غير التقليد» (٢). الباب الثاني قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٨) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (١٩) لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ (٢٠) لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الحشر: ١٨ - ٢١]. قال (ك): قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ﴾ أمر بتقواه وهو يشمل ما به أمر وترك ما عنه زجر، وقوله تعالى: ﴿وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ أي: حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وانظروا ماذا ادخرتم لأنفسكم من الأعمال الصالحة ليوم معادكم وعرضكم على ربكم، ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ تأكيد ثان ﴿إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ أي: اعلموا أنه سبحانه عالم بجميع أعمالكم وأحوالكم، لا تخفى عليه منكم خافية، ولا يغيب عنه (٣) من أموركم جليل ولا حقير. وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ﴾ أي: لا تنسوا

стр. 1530

ذكر الله تعالى فينسيكم العمل لمصالح أنفسكم التي تنفعكم في معادكم، فإن الجزاء من نوع العمل، ولهذا قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ أي: الخارجون عن طاعة الله الهالكون يوم القيامة الخاسرون يوم معادهم، كما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [المنافقون: ٩]. وقوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾ أي: لا يستوي هؤلاء وهؤلاء في حكم الله تعالى يوم القيامة، كما قال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [الجاثية: ٢١]. وقال تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَلَا الْمُسِيء قَلِيلًا مَا تَتَذَكَّرُونَ﴾ [غافر: ٥٨]. وكثيرة الآيات الدالة (١) على أن الله تعالى يكرم الأبرار ويهين الفجار، ولهذا قال تعالى ههنا: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ أي: الناجون المسلمون من عذاب الله (٢). وقوله تعالى: ﴿لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ﴾ الآية. قال (ك): «يقول تعالى معظما لأمر القرآن، ومبينا علو قدره، وأنه ينبغي أن تخشع له القلوب وتتصدع عند سماعه، لما فيه من الوعد الحق والوعيد الأكيد: ﴿لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ أي: إذا كان الجبل مع (٣) قساوته وغلظته وصممه لو سمع وفهم هذا القرآن فتدبر بما فيه لخشع وتصدع من ثقله ومن خوف الله وخشيته، فكيف بكم وقد سمعتم وفهمتم آياته؟ وكيف يليق بكم يا أيها البشر أن لا تلين قلوبكم وتخشع وتتصدع من خشيته ﵎؟ ولهذا قال جلت عظمته: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾. وقد ذكر في الحديث المتواتر (٤): «إن رسول الله ﷺ لما عمل له المنبر، وقد كان يوم الخطبة يقف إلى جانب جذع من جذوع المسجد، فلما وضع المنبر أول ما وضع وجاء النبي ﷺ ليخطب فجاوز الجذع إلى نحو المنبر، فعند ذلك حن

стр. 1531

الجذع وجعل يئن كما يئن الصبي الذي يسكت، لما كان يسمع من الذكر والوحي عنده، ففي بعض روايات هذا الحديث قال الحسن البصري بعد إيراده: فأنتم أحق أن تشتاقوا إلى رسول الله من الجذع (١). فصل قال محمد تقي الدين كل من أعرض عن كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ فقد نسي الله، وجزاؤه أن ينسيه الله مصالح نفسه؛ أي يمهله ولا يعجل عقابه فيزداد اطمئنانًا إلى ضلاله حتى يأتيه العذاب بغتة كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ، فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (٤٤) فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: ٤٤، ٤٥] وهذا القرآن الذي وصفه الله تعالى بهذه الصفة وهي أنه لو أنزل على جبل وأعطي ذلك الجبل العقل والفهم لتصدع أي: تشقق وتباينت أجزاؤه خوفًا من الله تعالى، فالذي لا يؤثر فيه القرآن قلبه أقسى من الجبل ولا يعود وبال ذلك إلا عليه، ومن أعرض عن الكتاب والسنة بسبب تقليد الآباء والشيوخ فقد عرض نفسه للهلاك في العاجل والآجل. قال صاحب الدين الخالص (٤/ ٣٤٥) ما نصه: «الوجه السابع والأربعون قولكم: قد صح عن النبي ﷺ أنه قال: «عليكم بسنتي، وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي (٢) وقال: «اقتدوا باللذين من بعدي» (٣). فهذا من أكبر حججنا عليكم في بطلان ما أنتم عليه من التقليد، فإنه خلاف سنتهم. ومن المعلوم بالضرورة أن أحدًا منهم لم يكن يدع السنة - إذا ظهرت - لقول غيره، كائنًا من كان، ولم يكن له معها قول البتة، وطريقة فرقة التقليد خلاف ذلك» (٤).

стр. 1532

سورة الجمعة الباب الأول قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢) وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣) ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٤) مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [الجمعة: ٢ - ٥] قال (ك): «وقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ الأميون هم العرب وتخصيص الأميين بالذكر لا ينفي من عداهم، ولكن المنة عليهم أبلغ وأكثر، كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ [الزخرف: ٤٤] وهو كذلك لغيرهم يتذكرون به، وكقوله تعالى: ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤] وهذا وأمثاله لا ينافي قوله تعالى: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف: ١٥٨] إلى غير ذلك من الآيات الدالة على عموم بعثته صلوات الله وسلامه عليه إلى جميع الخلق، أحمرهم وأسودهم وقد تقدم تفسير ذلك في (سورة الأعراف) بالآيات والأحاديث الصحيحة، وهذه الآية هي مصداق إجابة دعوة إبراهيم ﵇: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٩] فبعثه الله وله الحمد والمنة - على حين فترة من الرسل وطموس من السبل، وقد اشتدت الحاجة إليه، ولهذا قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ، وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ وذلك أن العرب كانوا متمسكين بدين إبراهيم ﵇ فبدلوه

стр. 1533

وغيروه وقلبوه وخالفوه، واستبدلوا بالتوحيد شركًا وباليقين شكًا، وابتدعوا أشياء لم يأذن بها الله تعالى، كما فعل أهل الكتاب الذين بدلوا كتبهم وحرفوها وأولوها، فبعث الله محمدًا ﷺ بشرع كامل شامل يدعو الجميع إلى ما يقربهم إلى الجنة وما يبعدهم عن النار. وقوله تعالى: ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ روي الإمام أبو عبد الله البخاري رحمه الله تعالى عن أبي هريرة قال: كنا جلوسًا عند النبي ﷺ ، فأنزلت عليه سورة الجمعة: ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾ قالوا: من هم يا رسول الله؟ فلم يراجعهم حتى سئل ثلاثًا، وفينا سلمان الفارسي فوضع رسول الله يده على سلمان الفارسي، ثم قال: «لو كان الإيمان عند الثريا لناله رجال - أو رجل - من هؤلاء» (١). ورواه مسلم والترمذي والنسائي وابن أبي حاتم وابن جرير من طرق بالسند إلى أبي هريرة به، ففي هذا دليل على أن هذه السورة مدنية وعلى عموم بعثته ﷺ إلى جميع الناس، ولهذا كتب كتبه إلى فارس والروم وغيرهم من الأمم يدعوهم، [إلى الله]، وقال مجاهد وغيره في قوله تعالى: ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾ قال: هم الأعاجم وكل من صدق النبي ﷺ من غير العرب، وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ أي: ذو العزة والحكمة في شرعه وقدره (٢). وقوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ﴾ الآية. قال (ك): يقول تعالى ذامًا لليهود الذين أعطوا التوراة وحُمِّلوها للعمل بها ثم لم يعملوا بها مثلهم في ذلك كمثل الحمار يحمل أسفارًا، أي: إذا حمل كتبًا لا يدري ما فيها فهو يحملها حملًا حسّيًا لا يدري ما عليه، وكذلك اليهود في حملهم التوراة التي أوتوها حفظوها لفظًا ولم يفهموها ولا عملوا بمقتضاها، بل أولوها وحرفوها (٣) وبدلوها، فهم أسوأ حالًا من الحمير؛ لأن الحمار لا فهم له، وهؤلاء لهم فهوم لم يستعملوها، ولهذا قال تعالى في الآية الأخرى: ﴿أُولَئِكَ

стр. 1534

كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٩] وقال تعالى هاهنا: ﴿بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ روى الإمام أحمد (١) عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : «من تكلم يوم الجمعة والإمام يخطب فهو كمثل الحمار يحمل أسفارًا، والذي يقول له: أنصت، ليس له جمعة». (٢). فصل قال محمد تقي الدين: أخبرنا الله تعالى أن الرسول ﷺ جاء إلى الناس ليقرأ عليهم القرآن، ويشرحه لهم بأقواله وأفعاله وتروكه، ﴿وَيُزَكِّيهِمْ﴾ ويطهرهم بذلك من الشرك والمعاصي إذا عملوا به ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾: الكتاب هو القرآن. والحكمة هي السنة، كما يدل عليه قوله تعالى في سورة الأحزاب: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ [الأحزاب: ٣٤] فمن تلقى الكتاب والحكمة بإيمان وإخلاص من الجماعات والأفراد أسعده الله بهما سعادة كاملة في روحه وجسمه وعاجله وآجله، ومن أعرض عنهما ولم يقبلهما ولم يعمل بهما شقي شقاء تامًا، ومن الذين يشقون بهما المقلدون وأصحاب الطرائق والأحزاب المؤسسة على اتباع الهوى، والذين غووا بالعصبية القومية والوطنية واتبعوا قول هتلر: (جرمانية فوق الجميع)، ومعنى ذلك أنه يسعى هو ومن اتبعه لتقوية قومه وإسعاد قومه ولا يهمه أن يشقى جميع الناس، وهذه عقيدة كل مستعمر وكل ظالم. قال صاحب «الدين الخالص» (٤/ ٣٤٥) ما نصه: «الوجه الثامن والأربعون: إنه ﷺ قرن سنتهم بسنة الخلفاء الراشدين، في (٣) وجوب الاتباع (٤)، والأخذ بسنتهم ليس تقليدًا لهم، بل اتباعًا لرسول الله ﷺ ».

стр. 1535

كما أن الأخذ بالأذان لم يكن تقليدًا لمن رآه في المنام (١)، والأخذ بقضاء ما فات المسبوق من صلاته بعد سلام الإمام لم يكن تقليدًا لمعاذ، بل اتباعًا لمن أمرنا بالأخذ بذلك (٢)، فأين التقليد الذي أنتم عليه من هذا؟ يوضحه الوجه التاسع والأربعون: إنكم أول مخالف لهذين الحديثين، فإنكم لا ترون الأخذ بسنتهم والاقتداء بهم واجبًا، وليس قولهم عندكم حجة، وقد صرح بعض علماؤكم أنه لا يجوز تقليدهم، ويجب تقليد الشافعي، فمن العجائب احتجاجكم بشيء أنتم أشد الناس خلافًا له. وبالله التوفيق» (٣).

стр. 1536

سورة التغابن الباب الأول قوله تعالى: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَالنُّورِ الَّذِي أَنزَلْنَا وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٨) يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٩) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ خَالِدِينَ فِيهَا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [التغابن: ٨ - ١٠]. قال (ك): ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنزَلْنَا﴾؛ يعني: القرآن ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ أي: فلا تخفى عليه من أعمالكم خافية، وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ ليوم الجمع﴾ وهو يوم القيامة، سمي بذلك لأنه يجمع فيه الأولون والآخرون في صعيد واحد يسمعهم الداعي وينفذهم البصر، كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ (٤٩) لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الواقعة: ٤٩، ٥٠]. وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ﴾ قال ابن عباس: «هو اسم من أسماء يوم القيامة» (١) وذلك أن أهل الجنة يغبنون أهل النار، وقد فسر بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٩) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ خَالِدِينَ فِيهَا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ وقد تقدم تفسير مثل هذه غير مرة (٢).

стр. 1537

فصل قال محمد تقي الدين: قوله تعالى: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَالنُّورِ الَّذِي أَنزَلْنَا﴾ في هذا الزمان يقول الجهال الأغمار المتأثرون بالدعاية الاستعمارية استعمارًا روحيًا وهو شر من الاستعمار المادي: ما فائدة الإيمان بالله ورسوله؟ أين النور الذي أنزله الله بزعمكم أيها المؤمنون؟ فنقول لهم: اقرؤوا التاريخ العالمي لا الإسلامي وحده؛ لأنكم لا تؤمنون بالإسلام، تتيقنوا أن الإيمان بالله ورسوله والنور الذي أنزله الله - وهو القرآن والسنة التي تشرحه - أحدث انقلابًا في جزيرة العرب لم ير الناس مثله في التاريخ، فقد كان العرب ثلاثة أقسام: القسم الشرقي: يحكمه الفرس، والقسم الغربي: يحكمه البزنطيون اليونانيون، والقسم الأوسط: كان أهله فوضى كل قبيلة لها شيخ يتقاتلون فيما بينهم بالقتل والنهب والسبي، فما الذي غيّر حالهم وجعلهم أمة واحدة خرجت من الشتات إلى الاجتماع، ومن الجهل إلى العلم، ومن الضعف إلى القوة، ومن مساوئ الأخلاق، إلى مكارم الأخلاق ومن كونها محكومة إلى كونها حاكمة، ومن التوحش إلى أعلى درجات المدنية؟ وسبب ذلك هو الإيمان بالله ورسوله والنور الذي أنزله الله. وقد تقدم نقل كلام (١) الملحد الكبير الذي هو عدو جميع الأديان: جوزيف ماك كيب الذي ترجمت كتابه وقد تقدم ذكره (٢) قريبًا، اعترف بأن دعوة محمد والقرآن هو الذي نفخ في العرب روح الحياة وفتح بصائرهم لتحصيل المدنية، وقد نقل هذا الرأي عن جميع العلماء الأحرار من الأوروبيين والأمركيين وهو واضح ومن أراد اليقين فليقرأ كتابي «مدنية المغاربة في إسبانيا» (٣). فأنتم ترون الأوربيين الذين تحاولون تقليدهم كما يقلد القرد الإنسان والصبيان الرجال بلا علم ولا عقل، اعترفوا بهذا النور، فجحدكم له أنتم جهل وتأثر بالدعاية الكاذبة، وإذا اعترفت الرؤوس فلا عبرة بالأذناب، هكذا نقول للمتملحدين ولا نسميهم ملاحدة؛ لأن الملحد الحقيقي هو الذي يدرس التاريخ

стр. 1538

العالمي ويدرس المعتقدات والنحل حتى يقتلها بحثًا ولا يستطيع عقله أن يقبل شيئًا منها، أما الجاهل المتأثر بالدعاية الكاذبة بلا دراسة ولا علم فإنه كاذب في ادعاء الإلحاد، وإنما يسمى متملحدًا كما يقال للشباب الذي يتظاهر بأنه شيخ تمشيخ، قال الشاعر (١): أعوذ بالله من أناس … تمشيخوا قبل أن يشيخوا تقوسوا وانحنوا رياء … فاحذرهم إنَّهم فخوخ وأما المقلدون وأصحاب الطرائق القدد فنقول لهم: أنتم معترفون بأن القرآن والسنة نور وزعمتم أنكم تؤمنون بهما، ولكن تقليدكم لشيوخكم أعمى بصائركم وأبطل تفكيركم، فاتخذتم شيوخكم أربابًا من دون الله تعرضون آيات الكتاب وسنن الرسول على آرائهم، فما وافق قبلتموه وما خالف تحيلتم في ردّه، فتقليدكم هو سبب شقائكم وعن قريب تندمون حين لا ينفع الندم، إذا وضعتم في قبوركم، وأهيل عليكم التراب، وغاب عنكم الأحباب، وبقيتم مستوحشين تجيئكم ملائكة الله تعالى فيقول لكم الملك: «ما علمك بهذا الرجل - يعني محمدًا رسول الله صلوات الله وسلامه عليه» فماذا تجيبون؟ تجيبون بما أخبر به الرسول ﷺ : «هاه هاه! لا أدري، سمعت الناس يقولون شيئًا فقلته» فتجيبكم ملائكة السؤال: لا دريت ولا تليت (٢). وتعذبون في قبوركم وفي البرزخ وفي المحشر ومأواكم جهنم وبئس المصير. وهذا شيء من معنى الحديث الصحيح الذي رواه البخاري من حديث أسماء بنت أبي بكر الصديق ﵄ قالت: سمعت رسول الله ﷺ : يقول في خطبة الاستسقاء: «وأوحي إلي إنكم تفتنون في قبوركم مثل أو قريبًا من فتنة المسيح الدجال يقال: ما علمك بهذا الرجل فأما المؤمن أو الموقن» قال الراوي: لا أدري أيهما قالت أسماء: «فيقول: هو محمد جاءنا بالبينات فآمنا به واتبعناه هو محمد هو محمد هو محمد: فيقال له: نم صالحًا قد علمنا إن كنت لموقنًا به. وأما المنافق أو المرتاب» قال الراوي: لا أدري أيهما قالت أسماء، فيقول: هاه هاه لا أدري سمعت الناس يقولون شيئًا فقلته … . الحديث (٣). وهذا هو المقلد بعينه.

стр. 1539

قال صاحب «الدين الخالص» (٤/ ٣٤٦) ما نصه: «الوجه الخمسون: إن الحديث - بجملته - حجة عليكم من كل وجه، فإنه أمر - عند كثرة الاختلاف - بسنته، وسنة خلفائه، وأمرتم - برأي فلان ومذهب فلان -. الثاني: أنه حذر من محدثات الأمور، وأخبر أن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة (١). ومن المعلوم بالاضطرار أن ما أنتم عليه من التقليد الذي ترك له كتاب الله وسنة رسوله، ويُعرض القرآن والسنة عليه، ويُجعل معيارًا عليهما، من أعظم المحدثات والبدع، التي برأ الله سبحانه القرون (٢) التي فضلها، وخيَّرها على غيرها [منها] (٣)، وبالجملة فما سنه الخلفاء الراشدون أو أحدهم للأمة. فهو حجة لا يجوز العدول عنها، فأين هذا من قول فرقة التقليد: ليست سنتهم حجة، ولا يجوز تقليدهم فيها بوجه؟ (٤) الحادي والخمسون: إنه ﷺ قال في نفس هذا الحديث: «فإنه من يعيش من بعدي، فسيرى اختلافًا كثيرًا» (١). وهذا ذم للمختلفين، وتحذير من سلوك سبيلهم، وإنما كثر الاختلاف، وتفاقم أمره بسبب التقليد وأهله (٥)، الذين فرقوا الدين، وصيَّروا أهله شيعًا، كل فرقة تنصر متبوعها، وتدعو إليه وتذم من خالفها، ولا يرون العمل بقولهم، حتى كأنهم ملة أخرى سواهم، يدأبون ويكدحون في الرد عليهم، ويقولون: كتبهم وكتبنا، وأئمتهم وأئمتنا، ومذهبهم ومذهبنا هذا والنبي واحد، والقرآن واحد، والدين واحد، والرب واحد، فالواجب على الجميع أن ينقادوا إلى كلمة سواء بينهم كلهم، وأن لا يطيعوا إلا الرسول، ولا يجعلوا معه من يكون (٦) أقواله كنصوصه، ولا يتخذ بعضهم بعضًا أربابًا، فلو اتفقت كلمتهم على ذلك، وانقاد كل واحد منهم لمن دعاه إلى الله ورسوله، وتحاكموا كلهم إلى السنة، وآثار الصحابة، لقل الاختلاف، وإن لم يعدم (٧) من الأرض.

стр. 1540

ولهذا تجد أقل الناس اختلافًا (١) أهل السنة والحديث، فليس على وجه الأرض طائفة أكثر اتفاقًا، وأقل اختلافًا منهم لما بنوا على هذا الأصل، وكلما كانت الفرقة عن الحديث أبعد، كان اختلافهم في أنفسهم أشد وأكثر، فإن من رد الحق، مَرَجَ عليه أمره واختلط عليه، والتبس عليه وجه الصواب فلم يدر أين يذهب، كما قال تعالى: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ﴾ [ق: ٥] (٢).

стр. 1541

سورة الطلاق الباب الأول قوله تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ، فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا وَعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا نُكْرًا (٨) فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْرًا (٩) أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فَاتَّقُوا اللَّهَ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ الَّذِينَ آمَنُوا قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا (١٠) رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا﴾ [الطلاق: ٨ - ١١] قال (ك): «يتوعد الله تعالى من يخالف أمره ويكذب رسله ويسلك غير ما شرعه ومخبرًا عما حل بالأمم السالفة بسبب ذلك فقال تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ﴾ أي: تمردت على اتباع أمر الله تعالى ومتابعة رسله ﴿فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا وَعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا نُكْرًا﴾ أي: منكرًا فظيعًا ﴿فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا﴾ بعد مخالفتها وندموا حيث لا ينفع الندم ﴿وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْرًا (٩) أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾ أي في الدار الآخرة مع ما حل بهم من العذاب في الدنيا، ثم قال تعالى بعدما قص من خبر هؤلاء: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ أي: الأفهام المستقيمة لا تكونوا مثلهم فيصيبكم ما أصابهم يا أولي الألباب ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي: صدقوا بالله ورسله. وقوله تعالى: ﴿قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا﴾؛ يعني: القرآن وقوله تعالى: ﴿رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ﴾ أي: الرسول ترجمة عن الذكر [أي تفسيرًا له ولهذا قال تعالى: ﴿رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ﴾] (١) أي: [حال] (١) واضحة ﴿لِيُخْرِجَ

стр. 1542

﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ كقوله تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُم مِنَ الظُّلُمَاتِ﴾ [البقرة: ٢٥٧] أي: من ظلمات الكفر والجهل، إلى نور الإيمان والعلم، وقد سمّى الله تعالى الوحي الذي أنزله نورًا، لما يحصل به من الهدى كما سماه روحًا، لما يحصل به حياة القلوب، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا قَدْ أَحْسَنَ اللهُ لَهُ رِزْقًا﴾ قد تقدم تفسير مثل هذا أكثر من مرة بما أغنى عن إعادته، والله الحمد والمنة» (١). فصل قال محمد تقي الدين: أعيد وأكرر أن كل شعب أو أمة أو فرد بلغه أمر ربه بواسطة رسل الله تعالى، فعصى أمره وكذب رسله؛ يعذبه الله في هذه الدنيا عذابًا أليمًا، ولعذاب الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون ولا يفلح أبدًا، فإن قلت: هذه الأمم الأوروبية نراها تعيش في سعادة دنيوية عزيزة منصورة موسعًا عليها في الرزق، مع أنها عتت عن أمر ربها؟ فالجواب: من بلغها الإسلام على وجهه ونحن نعلم أن ارتقاءها بدأ عند انحطاط المسلمين ورجوعهم إلى الوراء، اقرأ «المدنية المغربية في إسبانيا (٢) ترجمة مصنف هذا الكتاب وقد تقدم ذكره. وقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ الَّذِينَ آمَنُوا قَدْ أَنْزَلَ اللهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا (١٠) رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ الذكر هو التذكرة والتبصرة، والذي جاء بها هو الرسول ﷺ ومعه كتاب الله، فمن اتبع الكتاب والسنة خرج من الظلمات إلى النور، ومن أعرض عنهما بعد أن قامت عليه حجة الله خرج من النور إلى الظلمات، ومن الحياة إلى الموت إن كان قبل ذلك حيا، والمقلد الذي يرد نصوص الوحي تعصبًا لمن قلده أو يتحيل في ردّها بادعاء النسخ أو يقول: إمامي أعلم بها ما تركها إلا لعلة تارك للنور متخبط في الظلمات. قال صاحب «الدين الخالص» (٤/ ٣٤٧) ما نصه: «الوجه الثاني والخمسون: قولكم: إن عمر كتب إلى شريح: أن اقض بما

стр. 1543

في كتاب الله، فإن لم يكن في كتاب الله فبما في سنة رسول الله، فإن لم يكن في سنة رسول الله، فيما قضى به الصالحون؟ (١). فهذا من أظهر الحجج على بطلان التقليد، فإنه أمر أن يقدم الحكم بالكتاب على كل ما سواه، فإن لم يجده في الكتاب، ووجده في السنة لم يلتفت إلى غيرها، فإن لم يجده في السنة، قضى بما قضى به الصحابة. ونحن نناشد الله فرقة التقليد، هل هم كذلك، أو قريب من ذلك؟ وهل إذا نزلت بهم نازلة حدث أحد منهم نفسه، أن يأخذ حكمها من كتاب الله ثم ينفذه، فإن لم يجدها في كتاب الله، أخذها من سنة رسول الله ﷺ فإن لم يجدها في السنة، أفتى فيها بما أفتى به الصحابة؟ والله يشهد عليهم، وملائكته، هم شاهدون على أنفسهم بأنهم إنما يأخذون حكمها من قول من قلدوه. وإن استبان لهم في الكتاب، أو السنة، أو أقوال الصحابة (٢)، خلاف ذلك لم يلتفتوا إليه، ولم يأخذوا بشيء منه إلا بقول من قلدوه. فكتاب عمر من أشد الأشياء إبطالا وكسرا (٣) لقولهم. وهكذا كان سير السلف المستقيم، وهديهم القويم (٤).

стр. 1544

سورة التحرير الباب الأول قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: ٦]. قال (ك): «يقول تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ أي: تأمر نفسك وأهلك من زوجة وولد وإخوان وقرابة وإماء وعبيد بطاعة الله، وتنهى نفسك وجميع من تعول عن معصية الله تعالى، وتعلمهم وتؤدبهم، وأن تقوم عليهم بأمر الله، وتأمرهم به وتساعدهم عليه فإذا رأيت معصية (١)، قذعتهم وزجرتهم عنها وهذا حق على كل مسلم أن يعلم من هم تحت إمرته ما فرض الله عليهم وما نهاهم الله عنه، وفي معنى هذا الآية الحديث الذي رواه أحمد وأبو داود عن [الربيع بن] (٢) سَبْرَة قال: قال رسول الله ﷺ : «مروا الصبي بالصلاة إذا بلغ سبع سنين، فإذا بلغ عشر سنين فاضربوه عليها» (٣) وهذا لفظ أبي داود. وقال الترمذي: هذا حديث حسن، قال: الفقهاء وهكذا في الصوم؛ ليكون ذلك تمرنًا (٤) له على العبادات، لكي يبلغ وهو مستمر على العبادة والطاعة، ومجانبة

стр. 1545

المعصية وترك المنكر، والله الموفق» (١). وقوله تعالى: ﴿وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ أي: حطبها الذي يلقى فيه جثث بني آدم ﴿وَالْحِجَارَةُ﴾ قيل: الأصنام وقال ابن مسعود وغيره: حجارة من كبريت (٢) زاد مجاهد: أنتن من الجيفة (٣)، رواه ابن أبي حاتم (٤). وقوله تعالى: ﴿عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ﴾ أي: غلاظ الطباع، نزع الله من قلوبهم الرحمة بالكافرين ﴿شِدَادٌ﴾ أي: تركيبهم في غاية الشدة والكثافة والمنظر المزعج: مظلمة وجوههم (٥)، كالحة أنيابهم، ليس في قلب واحد منهم مثقال ذرة من الرحمة (٦). وقوله تعالى: ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ أي: لا يتأخرون عن أمر الله طرفة عين وهم قادرون على ذلك ما بهم عجز عنه، وهؤلاء الزبانية - عياذا بالله منهم (٧).
следующие страницы →