← Акыда

Акыда · id 30197

سبيل الرشاد في هدي خير العباد

محمد تقي الدين الهلالي

Полный текст (2 277 стр.). Показаны 1541–1580 · переход к 1546.

стр. 1541

سورة الطلاق الباب الأول قوله تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ، فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا وَعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا نُكْرًا (٨) فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْرًا (٩) أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فَاتَّقُوا اللَّهَ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ الَّذِينَ آمَنُوا قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا (١٠) رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا﴾ [الطلاق: ٨ - ١١] قال (ك): «يتوعد الله تعالى من يخالف أمره ويكذب رسله ويسلك غير ما شرعه ومخبرًا عما حل بالأمم السالفة بسبب ذلك فقال تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ﴾ أي: تمردت على اتباع أمر الله تعالى ومتابعة رسله ﴿فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا وَعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا نُكْرًا﴾ أي: منكرًا فظيعًا ﴿فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا﴾ بعد مخالفتها وندموا حيث لا ينفع الندم ﴿وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْرًا (٩) أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾ أي في الدار الآخرة مع ما حل بهم من العذاب في الدنيا، ثم قال تعالى بعدما قص من خبر هؤلاء: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ أي: الأفهام المستقيمة لا تكونوا مثلهم فيصيبكم ما أصابهم يا أولي الألباب ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي: صدقوا بالله ورسله. وقوله تعالى: ﴿قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا﴾؛ يعني: القرآن وقوله تعالى: ﴿رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ﴾ أي: الرسول ترجمة عن الذكر [أي تفسيرًا له ولهذا قال تعالى: ﴿رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ﴾] (١) أي: [حال] (١) واضحة ﴿لِيُخْرِجَ

стр. 1542

﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ كقوله تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُم مِنَ الظُّلُمَاتِ﴾ [البقرة: ٢٥٧] أي: من ظلمات الكفر والجهل، إلى نور الإيمان والعلم، وقد سمّى الله تعالى الوحي الذي أنزله نورًا، لما يحصل به من الهدى كما سماه روحًا، لما يحصل به حياة القلوب، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا قَدْ أَحْسَنَ اللهُ لَهُ رِزْقًا﴾ قد تقدم تفسير مثل هذا أكثر من مرة بما أغنى عن إعادته، والله الحمد والمنة» (١). فصل قال محمد تقي الدين: أعيد وأكرر أن كل شعب أو أمة أو فرد بلغه أمر ربه بواسطة رسل الله تعالى، فعصى أمره وكذب رسله؛ يعذبه الله في هذه الدنيا عذابًا أليمًا، ولعذاب الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون ولا يفلح أبدًا، فإن قلت: هذه الأمم الأوروبية نراها تعيش في سعادة دنيوية عزيزة منصورة موسعًا عليها في الرزق، مع أنها عتت عن أمر ربها؟ فالجواب: من بلغها الإسلام على وجهه ونحن نعلم أن ارتقاءها بدأ عند انحطاط المسلمين ورجوعهم إلى الوراء، اقرأ «المدنية المغربية في إسبانيا (٢) ترجمة مصنف هذا الكتاب وقد تقدم ذكره. وقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ الَّذِينَ آمَنُوا قَدْ أَنْزَلَ اللهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا (١٠) رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ الذكر هو التذكرة والتبصرة، والذي جاء بها هو الرسول ﷺ ومعه كتاب الله، فمن اتبع الكتاب والسنة خرج من الظلمات إلى النور، ومن أعرض عنهما بعد أن قامت عليه حجة الله خرج من النور إلى الظلمات، ومن الحياة إلى الموت إن كان قبل ذلك حيا، والمقلد الذي يرد نصوص الوحي تعصبًا لمن قلده أو يتحيل في ردّها بادعاء النسخ أو يقول: إمامي أعلم بها ما تركها إلا لعلة تارك للنور متخبط في الظلمات. قال صاحب «الدين الخالص» (٤/ ٣٤٧) ما نصه: «الوجه الثاني والخمسون: قولكم: إن عمر كتب إلى شريح: أن اقض بما

стр. 1543

في كتاب الله، فإن لم يكن في كتاب الله فبما في سنة رسول الله، فإن لم يكن في سنة رسول الله، فيما قضى به الصالحون؟ (١). فهذا من أظهر الحجج على بطلان التقليد، فإنه أمر أن يقدم الحكم بالكتاب على كل ما سواه، فإن لم يجده في الكتاب، ووجده في السنة لم يلتفت إلى غيرها، فإن لم يجده في السنة، قضى بما قضى به الصحابة. ونحن نناشد الله فرقة التقليد، هل هم كذلك، أو قريب من ذلك؟ وهل إذا نزلت بهم نازلة حدث أحد منهم نفسه، أن يأخذ حكمها من كتاب الله ثم ينفذه، فإن لم يجدها في كتاب الله، أخذها من سنة رسول الله ﷺ فإن لم يجدها في السنة، أفتى فيها بما أفتى به الصحابة؟ والله يشهد عليهم، وملائكته، هم شاهدون على أنفسهم بأنهم إنما يأخذون حكمها من قول من قلدوه. وإن استبان لهم في الكتاب، أو السنة، أو أقوال الصحابة (٢)، خلاف ذلك لم يلتفتوا إليه، ولم يأخذوا بشيء منه إلا بقول من قلدوه. فكتاب عمر من أشد الأشياء إبطالا وكسرا (٣) لقولهم. وهكذا كان سير السلف المستقيم، وهديهم القويم (٤).

стр. 1544

سورة التحرير الباب الأول قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: ٦]. قال (ك): «يقول تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ أي: تأمر نفسك وأهلك من زوجة وولد وإخوان وقرابة وإماء وعبيد بطاعة الله، وتنهى نفسك وجميع من تعول عن معصية الله تعالى، وتعلمهم وتؤدبهم، وأن تقوم عليهم بأمر الله، وتأمرهم به وتساعدهم عليه فإذا رأيت معصية (١)، قذعتهم وزجرتهم عنها وهذا حق على كل مسلم أن يعلم من هم تحت إمرته ما فرض الله عليهم وما نهاهم الله عنه، وفي معنى هذا الآية الحديث الذي رواه أحمد وأبو داود عن [الربيع بن] (٢) سَبْرَة قال: قال رسول الله ﷺ : «مروا الصبي بالصلاة إذا بلغ سبع سنين، فإذا بلغ عشر سنين فاضربوه عليها» (٣) وهذا لفظ أبي داود. وقال الترمذي: هذا حديث حسن، قال: الفقهاء وهكذا في الصوم؛ ليكون ذلك تمرنًا (٤) له على العبادات، لكي يبلغ وهو مستمر على العبادة والطاعة، ومجانبة

стр. 1545

المعصية وترك المنكر، والله الموفق» (١). وقوله تعالى: ﴿وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ أي: حطبها الذي يلقى فيه جثث بني آدم ﴿وَالْحِجَارَةُ﴾ قيل: الأصنام وقال ابن مسعود وغيره: حجارة من كبريت (٢) زاد مجاهد: أنتن من الجيفة (٣)، رواه ابن أبي حاتم (٤). وقوله تعالى: ﴿عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ﴾ أي: غلاظ الطباع، نزع الله من قلوبهم الرحمة بالكافرين ﴿شِدَادٌ﴾ أي: تركيبهم في غاية الشدة والكثافة والمنظر المزعج: مظلمة وجوههم (٥)، كالحة أنيابهم، ليس في قلب واحد منهم مثقال ذرة من الرحمة (٦). وقوله تعالى: ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ أي: لا يتأخرون عن أمر الله طرفة عين وهم قادرون على ذلك ما بهم عجز عنه، وهؤلاء الزبانية - عياذا بالله منهم (٧).

стр. 1546

فصل قال محمد تقي الدين: أمرنا الله تعالى أن نحفظ أنفسنا وأهلنا من النار بطاعة الله ورسوله بالنسبة إلى أنفسنا وبأمر أهلنا بذلك، وقد قال النبي ﷺ : «كلكم راع وكل راع مسؤول عن رعيته؛ الرجل راع في أهل بيته وهو مسؤول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها وهي مسؤولة عن رعيتها، والعبد راع في مال سيده وهو مسؤول عن رعيته» (١). فواجب الرعاية يقضي علينا أن نأمر أهل بيتنا بطاعة الله تعالى وطاعة رسوله ﷺ ، فإذا أهملناهم استحققنا العذاب، وهذا هو الواقع في هذا الزمان في أكثر الناس حتى علماء الدين، قل أن تجد عالمًا قد ربي أبناءه وبناته على طاعة الله ورسوله، وهذا من أسباب شقاء المسلمين. وطاعة الله ورسوله تقتضي العمل بكتاب الله وبما صح عن نبيه ﷺ فمن رد شيئًا من ذلك فهو عاص الله تعالى ولرسوله ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [الجن: ٢٣] والمقلد وصاحب الطريقة والمنتسب إلى الحزب السياسي والمتعصب لوطنه أو قومه لا بد أن يرد شيئًا من الكتاب والسنة؛ لأن متبوعه غير معصوم من الخطأ والجهل ببعض الأحكام، وهو قد التزم طاعته وإن خالف رأيه الكتاب والسنة، فنحمدك اللهم على العافية، يا رب زدنا إيمانًا واتباعًا لكتابك وسنة نبيك الكريم. قال صاحب «الدين الخالص» (٤/ ٣٥٢) ما نصه: «الوجه الثالث والخمسون قولكم: منع عمر من بيع أمهات الأولاد (٢)،

стр. 1547

وتبعه الصحابة، وألزم بطلاق الثلاث (١) وتبعوه أيضا، جوابه من وجوه: [أحدهما: أنهم لم يتبعوه تقليدا له، بل آداهم اجتهادهم في ذلك إلى ما آداه إليه اجتهاده ولم يقل أحد منهم قط: إني رأيت ذلك تقليدا لعمر] (٢). الثانية (٣): أنهم لم يتبعوه كلهم، فهذا ابن مسعود يخالفه في أمهات الأولاد (٤)، وهذا ابن عباس يخالفه في الإلزام بالطلاق الثلاث (٥)، وإذا اختلف الصحابة وغيرهم، فالحاكم هو الحجة. الثالثة: إنه ليس في اتباع قول عمر (٦) في هاتين المسألتين وتقليد الصحابة

стр. 1548

- لو فرضنا (١) له في ذلك - ما يسوغ تقليد من هو دونه بكثير، في كل ما يقوله، وترك قول من (٢) هو مثله، ومن هو فوقه، وأعلم منه، فهذا من أبطل الاستدلال وهو تعلق ببيت العنكبوت؟ فقلدوا عمر، واتركوا تقليد فلان وفلان. فأما أنتم تصرحون بأن عمر لا يقلّد، وأبو حنيفة، والشافعي، ومالك يقلدون، فلا يمكنكم الاستدلال بما أنتم مخالفون له، فكيف يجوز للرجل أن يحتج بما لا يقول به؟ الوجه الرابع والخمسون: قولكم: إن عمرو بن العاص قال لعمر - لما احتلم -: خذ ثوبًا غير ثوبك، فقال: «لو فعلت صارت سنة» (٣)، فأين في هذا من الإذن من عمر في تقليده، والإعراض عن كتاب الله وسنة رسوله. وغاية هذا أنه تركه لئلا يقتدي به من يراه يفعل ذلك ويقول: لولا أن هذا سنة رسول الله ﷺ ما فعله عمر. فهذا هو الذي خشيه عمر، والناس مقتدون بعلمائهم شاؤوا أم (٤) أبوا فهذا هو الواقع، وإن كان الواجب فيه تفصيل (٥).

стр. 1549

سُورة الملك الباب الأول ﴿إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا وَهِيَ تَفُورُ (٧) تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (٨) قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ (٩) وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ (١٠)﴾ [الملك: ٧ - ١٠] قال (ك): «يقول تعالى: ﴿إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا﴾ يعني: صياحًا ﴿وَهِيَ تَفُورُ﴾ تغلي بهم وقوله تعالى: ﴿تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ﴾ أي: يكاد ينفصل بعضها من بعض من شدة غيظها عليهم ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (٨) قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ﴾ يذكر تعالى عدله في خلقه وأنه لا يعذب أحدًا إلا بعد قيام الحجة وإرسال الرسول إليه كما قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]، وهكذا عادوا على أنفسهم بالملامة وندموا حيث لا تنفعهم الندامة فقالوا: ﴿لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ روى الإمام أحمد بسنده (١) إلى من سمعه من رسول الله ﷺ : «لا يدخل أحد النار إلا وهو يعلم أن (٢) النار أولى به من الجنة».» (٣).

стр. 1550

فصل قال محمد تقي الدين: فهمنا من هذا الكلام أن خزنة جهنم يقولون لكل جماعة تدخل النار: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ﴾ ألم تبلغكم دعوة رسول من الرسل؟ فيجيبون بقولهم: بلى، قد جاءنا نذير فكذبناه، وقلنا له: ما أنزل الله عليك من شيء بل أنت ضال كاذب. وفرق التقليد وأصحاب الطرائق يقولون للرسول بلسان الحال وهو أبلغ من لسان المقال: أنت صادق آمنا بأن الله أنزل عليك كتابه وبعثك إلينا رسولًا وجعلك علينا حجة، ولكننا قد اتخذنا إمامًا من أمتك نعترف أنه يجوز عليه الخطأ والنسيان والجهل ويجوز كذلك عليه أن يزل، فنحن نعرض ما جئت به على مذهب إمامنا فما وافقه قبلنا، وما خالفه تحيلنا في رده وعادينا من يأخذ به، وحاربناهم وسميناهم وهابية وأصحاب مذهب خامس، فلا جرم أن هؤلاء أيضًا إذا لم يتوبوا وبقوا على اعتقادهم إلى الممات يدخلون جهنم ويجري عليهم ما جرى على المكذبين، راجع تفسير قوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ [النور: ٦٣] في آخر سورة النور من هذا الكتاب. قال صاحب «الدين الخالص» (٤/ ٣٥٣) ما نصه: «الوجه الخامس والخمسون: قولكم: قد قال أبي: «وما اشتبه عليك فكله إلى عالمه» (١)، فهذا حق. وهو الواجب على من سوى الرسول. فإن كل أحد بعد الرسول لا بد أن يشتبه عليه (٢) بعض ما جاء به، وكل من (٣) اشتبه عليه شيء، وجب عليه أن يكله إلى من هو أعلم منه فإن تبين له، صار عالمًا مثله وإلا وَكَله إليه ولم يتكلف ما لا علم له به فهذا هو الواجب علينا في كتاب ربنا وسنة نبينا، وأقوال أصحابه، وقد جعل الله سبحانه، فوق كل ذي علم عليمًا (٤). فمن خفي عليه بعض الحق فوَكَلَهُ إلى مَنْ هو أعلم منه، فقد أصاب، فأي شيء في هذا من الإعراض عن القرآن والسنن وآثار الصحابة واتخاذ رجل بعينه معيارًا على ذلك، وترك النصوص لقوله، وعرضها عليه، وقبول كل ما أفتى به، ورد كل ما خالفه؟!

стр. 1551

وهذا الأثر نفسه، من أكبر الحجج على بطلان التقليد، فإن أوله: «ما استبان لك فاعمل به، وما اشتبه عليك فكله إلى عالمه» (١). ونحن نناشدكم الله إذا استبانت لكم السنة، هل تتركون قول من قلدتموه لها، وتعملون بها، وتفتون أو تقضون بموجبها، أم تتركونها وتعدلون عنها إلى قوله، وتقولون: هو أعلم بها منا؟ فأبي مع سائر الصحابة على هذه الوصية، وهي مبطلة للتقليد قطعا، وبالله التوفيق. ثم نقول: هلا وكلتم ما اشتبه عليكم من المسائل إلى عالمها من أصحاب رسول الله ﷺ ، إذ هم أعلم الأمة وأفضلها؟ ثم تركتم أقوالهم وعدلتم عنها؟ فإن كان من قلدتموه ممن يوكل ذلك إليه، فالصحابة أحق أن يوكل ذلك إليهم؟» (٢).

стр. 1552

سورة القلم الباب الأول قوله تعالى: ﴿فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُم مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (٤٤) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ [القلم: ٤٤ - ٤٥]. قال (ك): «وقوله تعالى: ﴿فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ﴾ يعني القرآن، وهذا تهديد شديد، أي: دعني وإياه أنا أعلم به منه كيف أستدرجه وأمده في غيه وأنظره ثم آخذه أخذ عزيز مقتدر، ولهذا قال سبحانه: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُم مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ﴾ أي: وهم لا يشعرون بل يعتقدون أن ذلك كرامة من الله، وهو في حقيقة الأمر إهانة، كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ، فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾ [الأنعام: ٤٤] ولهذا قال هاهنا: ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ أي: وأؤخرهم وأمدهم وذلك من كيدي ومكري بهم ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ أي: عظيم لمن خالف أمري وكذب رسلي واجترأ على معصيتي، وفي «الصحيحين» (١): عن رسول الله ﷺ أنه قال: «إن الله تعالى ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته» ثم قرأ: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود: ١٠٢] (٢). فصل قال محمد تقي الدين: تقدم أن المقلدين وأصحاب الطرائق القدد لا يصرحون بتكذيب الكتاب والسنة، ولكنهم في الواقع يعاملونهما معاملة المكذبين، ولا بد أن يعذبهم الله في الدنيا والآخرة إن لم يتوبوا قبل الموت،

стр. 1553

فالمقلد يقول: إمامي إمامي؛ مذهبي مذهبي لا أحيد عنه قيد شعرة. كنت أصلي في المسجد النبوي قبل ثلاث سنين تقريبا وكان إلى جانبي شخص يصلي النافلة فأقيمت صلاة الفريضة وبقي مستمرا في نفله حتى أكمله بعد ركوع الإمام ورفعه من الركوع، فقلت له بلطف يا أخي كان ينبغي لك أن تسلم وتدخل مع الإمام. وبعبارة أخرى: أن تقطع النافلة، قال رسول الله ﷺ : «إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة» (١) وفي حديث آخر: «فلا صلاة إلا التي أقيمت» (٢). فقال لي بغضب: مذهب أبي حنيفة سيد المذاهب، والمغاربة جهال وصلاتهم فاسدة. فقلت له: أنا لا أدافع عن المغاربة وإنما أدافع عن سنة النبي ﷺ ، فازداد لجاجًا فأعرضت عنه، وأما صاحب الطريقة فيؤمن بما يقوله شيوخه أن علماء الرسوم والأوراق والروايات إنما يعلمون قشور الشريعة ونحن نعرف الحقيقة التي هي لباب الشريعة، فإذا قال لك علماء الظاهر: حدثني أبي عن جدى فقل لهم: حدثني قلبي عن ربي، ومراده بحدثني أبي عن جدي مثلا حديث علي بن الحسين عن أبيه الحسين عن جده علي بن أبي طالب عن النبي صلى الله وسلم عليهم، ومعنى هذا أن غلاة المتصوفة يزعمون أنهم يأخذون العلم عن الله بدون وساطة الرسول ﷺ ، أعني علم الشريعة، وهذا كفر بإجماع المسلمين. قال صاحب: «الدين الخالص» (ج ٤/ ٣٥٤) ما نصه: الوجه السادس والخمسون قولكم: كان الصحابة يفتون ورسول الله ﷺ بين أظهرهم، وهذا تقليد للمستفتين لهم. فجوابه: إن فتواهم إنما كانت تبليغا عن الله ورسوله، وكانوا بمنزلة المخبرين فقط، لم تكن فتواهم تقليدا لرأي فلان وفلان، وإن خالفت النصوص فهم لم يكونوا يقلدون فتواهم ولا يفتون بغير النصوص، ولم يكن المستفتي لهم يعتمد إلا على ما يبلغونه (٣) إياه عن نبيهم، فيقولون: أمر بكذا، وفعل كذا، ونهى عن كذا.

стр. 1554

هكذا كانت فتواهم، فهي حجة على المستفتين. كما هي حجة عليهم، ولا فرق بينهم وبين المستفتين لهم في ذلك إلا في الواسطة بينهم وبين الرسول وعدمها، والله ورسوله وسائر أهل العلم يعلمون أنهم وأن مستفتيهم لم يعلموه إلا بما علموه عن نبيهم، وشاهدوه، وسمعوه منه، هؤلاء بواسطة، وهؤلاء بغير واسطة. ولم يكن فيهم من يأخذ قول واحد من الأمة، يحلل ما حلله، ويحرم ما حرمه، ويستبيح ما أباحه. وقد أنكر النبي ﷺ على من أفتى بغير السنة منهم، كما أنكر على أبي السنابل (١) وكذبه (٢)، وأنكر على من أفتى برجم الزاني البكر (٣). وأنكر على من أفتى باغتسال الجريح حتى مات (٤) وأنكر على من أفتى بغير علم، كمن يفتي بما لم يعلم صحته، وأخبر أن إثم المستفتي عليه (٥). فإفتاء الصحابة في حياته نوعان: أحدهما: كان يبلغه، ويقرّهم عليه، فهو حجة بإقراره، لا بمجرد إفتائهم. الثاني: ما كانوا يفتون به، مبلغين له عن نبيهم، فهم فيه رواة لا مقلدون ولا مقلدون (٦).

стр. 1555

سورة الحاقة الباب الأول قوله تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ (٣٨) وَمَا لَا تُبْصِرُونَ (٣٩) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (٤٠) وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ (٤١) وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٤٢) تَنزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٣) وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (٤٦) فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ (٤٧) وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (٤٨) وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ (٤٩) وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ (٥٠) وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ (٥١) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ [الحاقة: ٣٨ - ٥٢] قال (ك): «يقول تعالى مقسمًا لخلقه بما يشاهدونه من آياته في مخلوقاته الدالة على كماله في أسمائه وصفاته، وما غاب عنهم مما لا يشاهدونه من المغيبات عنهم: إن القرآن كلامه ووحيه وتنزيله على عبده ورسوله الذي اصطفاه لتبليغ الرسالة وأداء الأمانة، فقال تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ (٣٨) وَمَا لَا تُبْصِرُونَ (٣٩) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ يعني: محمدًا إضافة إليه على معنى التبليغ؛ لأن الرسول من شأنه أن يبلغ عن المرسل. ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ (٤١) وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ روى الإمام أحمد بسنده إلى عمر بن الخطاب قال: «خرجت أتعرض لرسول (١) الله قبل أن أسلم، فوجدته قد سبقني إلى المسجد، فقمت خلفه فاستفتح سورة الحاقة، فجعلت أعجب من تأليف القرآن قال: فقلت: هذا والله شاعر كما قالت قريش قال فقرأ: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (٤٠) وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ﴾ قال: فقلت: كاهن قال: فقرأ: ﴿وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٤٢) تَنزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٣) وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنَا

стр. 1556

مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (٤٦) فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ … إلى آخر السورة قال: فوقع الإسلام في قلبي كل موقع» (١). فهذه جملة الأسباب (٢) التي جعلها الله تعالى مؤثرة في هداية عمر بن الخطاب كما أوردنا كيفية إسلامه في سيرته المفردة، والله الحمد والمنة» (٣). وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ﴾ … إلى آخر السورة. قال (ك): يقول تعالى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا﴾ أي: محمد ﷺ لو كان كما يزعمون مفتريًا فزاد في الرسالة أو نقص (٤) منها، أو قال شيئًا من عنده فنسبه إلينا وليس كذلك لعاجلناه بالعقوبة، ولهذا قال تعالى: ﴿لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾ وهو نياط القلب أي: العرق المعلق فيه القلب، وقوله تعالى: ﴿فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ أي: فما يستطيع أحد منكم أن يحجز بيننا وبينه، والمعنى: بل هو صادق بار راشد؛ لأن الله عَنَّ مقرر له ما يبلغه عنه ومؤيد له بالمعجزات الباهرات. ثم قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾ يعني: القرآن كما قال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاء وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى﴾ [فصلت: ٤٤] ثم قال: ﴿وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ﴾ أي: مع هذا البيان والوضوح سيوجد منكم من يكذب بالقرآن ثم قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ أي: إن القرآن والإيمان به لحسرة في نفس الأمر على الكافرين ﴿وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ﴾ أي: إنه الخبر الصدق الحق الذي لا شك فيه ثم قال: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ الذي أنزل هذا (٥) القرآن العظيم (٦).

стр. 1557

فصل قال محمد تقي الدين: برأ الله نبيه ﷺ مما اتهمه به الكفار من زعمهم أنه شاعر أو كاهن، وأخبر أن هذا القرآن ليس شعرًا ولا كهانة، وإنما هو تذكرة، أي: موعظة بليغة، ولكن لا ينتفع بها إلا المتقون الذين لم يمنعهم الحسد ولا الهوى من اتباع الحق واجتناب الباطل، فالكبر والحسد واتباع الهوى هذه الصفات الخبيثة منعت الناس في كل زمان ومكان من اتباع القرآن والاهتداء به، وهذه الصفات نفسها هي التي منعت المقلدين وأصحاب الطرائق الجهال والشيوخ المحتالين من اتباع القرآن، الذي هو حبل الله المتين، من تركه تجبرًا قصمه الله ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله، وأي عاقل يقدم مختصر خليل المالكي وكتاب «الهداية» الحنفي وكتاب «المنهاج» الشافعي على كتاب الله وسنة رسوله إلا شقي ضال مضل. قال صاحب «الدين الخالص» (٤/ ٣٥٥) ما نصه: «الوجه السابع والخمسون: قولكم: وقد قال تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٢٢]. فأوجب قبول نذارتهم، وذلك تقليد لهم. جوابه من وجوه: أحدها: إن الله سبحانه إنما أوجب عليهم قبول ما أنذروهم به من الوحي، الذي ينزل في غيبتهم على النبي ﷺ في الجهاد. فأين في هذا حجة لفرقة (١) التقليد على تقديم آراء الرجال على الوحي؟ الثاني: إن الآية حجة عليهم ظاهرة، فإنه سبحانه نوع عبوديتهم وقيامهم بأمره إلى نوعين: أحدهما: نفير الجهاد، والثاني: التفقه في الدين. وجعل قيام الدين بهذين الفريقين، وهم الأمراء والعلماء، أهل الجهاد، وأهل العلم. فالنافرون يجاهدون عن القاعدين والقاعدون يحفظون العلم للنافرين، فإذا رجعوا من نفيرهم استدركوا ما فاتهم من العلم بإخبار من سمعه من رسول الله ﷺ ، وهنا للناس [في] الآية قولان:

стр. 1558

أحدهما: إن المعنى: فهلا نفر من كل فرقة طائفة تتفقه وتنذر القاعدة، فيكون المعنى في طلب العلم، وهذا قول الشافعي وجماعة من المفسرين واحتجوا به على قبول خبر الواحد؛ لأن الطائفة لا يجب أن تكون عدد التواتر. والثاني: أن المعنى: فلولا نفر من كل فرقة طائفة تجاهد لتتفقه القاعدة، وتنذر النافرة للجهاد إذا رجعوا إليهم، ويخبروهم (١) بما نزل بعدهم من الوحي، وهذا قول الأكثرين، وهو الصحيح؛ لأن النفير إنما هو الخروج للجهاد، كما قال النبي ﷺ : «وإذا استنفرتم فانفروا» (٢). وعلى كلا القولين، فليس في الآية ما يقتضي صحة القول بالتقليد (٣) المذموم، بل هي حجة على فساده وبطلانه، فإن الإنذار إنما يقوم بالحجة، فمن لم يقم عليه (٤) الحجة، لم يكن قد أنذر، كما أن النذير من أقام الحجة فمن لم يأت بحجة فليس بنذير، فإن سميتم ذلك تقليدًا!! فليس الشأن في الأسماء. ونحن لا ننكر التقليد بهذا المعنى، فسموه ما شئتم، وإنما ننكر نصب رجل معين، يُجعل قوله عيارًا على القرآن والسنن، فما وافق قوله منها قبل، وما خالفه لم يقبل، ويقبل قوله بغير حجة، ويرد قول نظيره أو أعلم منه والحجة معه، فهذا الذي أنكرناه، وكل عالم على وجه الأرض يُعلن بإنكاره وذم أهله» (٥).

стр. 1559

سورة المعراج الباب الأول قوله تعالى: ﴿فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ (٣٦) عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ عِزِينَ (٣٧) أَيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ (٣٨) كَلَّا إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ (٣٩) فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ إِنَّا لَقَادِرُونَ (٤٠) عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْرًا مِنْهُمْ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (٤١) فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (٤٢) يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ (٤٣) خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ﴾ [المعارج: ٣٦ - ٤٤]. قال (ك): «ينكر الله على الكفار الذين تفرقوا عن رسول الله ﷺ ، فرقًا فرقًا مع أنهم كانوا في زمانه وشاهدوه وما أيده الله به من المعجزات (١) الباهرات. فيقول الله: ﴿فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ﴾ أي: نافرين منك منطلقين بسرعة ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ عِزِينَ﴾ معرضين متفرقين يمينًا وشمالًا يقولون: ما قال هذا الرجل .. ؟ وعن جابر بن سمرة: إن رسول الله ﷺ ، خرج عليهم وهم حِلَقٌ، فقال: «ما لي أراكم عزين» (٢) أي: متفرقين حِلَقًا حِلَقًا. رواه أحمد ومسلم وأبو داود وغيرهم. وقوله تعالى: ﴿أَيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ (٣٨) كَلَّا﴾ أي: أيطمع هؤلاء - والحالة هذه من فرارهم عن رسول الله ﷺ ، ونفارهم عن الحق - أن يدخلوا جنة النعيم؟. ﴿كَلَّا﴾ بل مأواهم جهنم، ثم قال تعالى مقررًا وقوع المعاد والعذاب بهم الذي أنكروه واستبعدوا وجوده، مستدلًا عليهم بالبداءة التي

стр. 1560

الإعادة أهون منها، وهم معترفون بها، فقال تعالى: ﴿إِنَّا خَلَقْنَاهُم مِمَّا يَعْلَمُونَ﴾ أي من المني الضعيف كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾ [المرسلات: ٢٠] ثم قال: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ﴾ أي: بخالق السموات والأرض والنجوم التي تبدو من مشارقها وتغيب في مغاربها، تقدير الكلام: إن البعث والنشور والحساب كل ذلك واقع لا محالة ولا يمنعه إنكارهم ولهذا أتى: «بلا» في ابتداء القسم ليدل على أن المقسم عليه نفي، أي: لا … ليس الأمر كما تزعمون أُقْسِمُ وقد شاهدوا من عظيم قدرة الله تعالى ما هو أبلغ من إقامة القيامة، ولهذا قال: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [غافر: ٥٧]؟ وقال تعالى: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُم بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (٨١) إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨١، ٨٢]. وقال ههنا: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ إِنَّا لَقَادِرُونَ (٤٠) عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْرًا مِنْهُمْ﴾ أي: يوم القيامة (١) بأبدان خير من هذه ﴿وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ أي: بعاجزين، كما قال تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ (٣) بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ﴾ [ثم] (٢) قال تعالى: ﴿فَذَرْهُمْ﴾ أي: يا محمد ﴿يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا﴾ [أي: دعهم ﴿يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا﴾] (٢) أي: دعهم في تكذيبهم وكفرهم وعنادهم ﴿حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾ أي: فسيعلمون نتائج ذلك ويذوقون الوبال ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ﴾ أي: يقومون من القبور إذا دعاهم الرب ﵎ لموقف الحساب، ينهضون سراعًا كأنهم إلى أصنامهم يسرعون، أي: كأنهم في إسراعهم إلى الموقف كما كانوا في الدنيا يهرولون إلى أصنامهم يبتدرون أيهم يستلمه أول؟ وهذا مروي عن مجاهد وغيره، وقوله تعالى: ﴿خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ﴾ أي: خاضعة ﴿تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ﴾ في مقابلة ما استكبروا في الدنيا عن الطاعة ﴿ذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ﴾» (٣).

стр. 1561

فصل قال محمد تقي الدين: عاب الله تعالى على الكفار إعراضهم عن النبي ﷺ وتفرقهم فرقًا مع اتفاقهم على الكفر به، وتوعدهم بالعذاب في الدنيا والآخرة. والإعراض عما جاء به الرسول ﷺ كله شر، سواء أكان مع ادعاء الإيمان به أم مع التصريح بالكفر، فمن ادعى الإيمان به صلوات الله عليه ولم يتبعه فقد حرم الخير كله ويخشى عليه الكفر، كما تقدم عن أحمد بن حنبل ﵀ في تفسير قوله تعالى في آخر سورة النور: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ الآية. قال صاحب «الدين الخالص» (٤/ ٣٥٧) ما نصه: «الوجه الثامن والخمسون قولكم: إن ابن الزبير سئل عن الجد والإخوة فقال: أما الذي قال رسول الله ﷺ : «لو كنت متخذًا من أهل الأرض خليلًا لاتخذته خليلًا» يريد أبا بكر، فإنه أنزله أبًا (١). فأي شيء في هذا مما يدل على التقليد بوجه من الوجوه؟ وقد تقدم من الأدلة الشافية التي لا مطمع في دفعها مما يدل على أن قول الصديق في الجد أصح الأقوال على الإطلاق. وابن الزبير لم يخبر بذلك تقليدًا، بل أضاف المذهب إلى الصديق، لينبه على جلالة قائله، وأنه ممن لا يقاس غيره به، لا ليُقبل قوله بغير حجة، ويترك الحجة من القرآن والسنة لقوله؛ فابن الزبير وغيره من الصحابة، كانوا أتقى الله، وحجج الله وبيناته أحب إليهم من أن يتركوها لآراء الرجال ولقول أحد كائنًا من كان. وقول ابن الزبير: «إن الصديق أنزله أبًا» متضمن للحكم والدليل معًا» (٢).

стр. 1562

سورة المزمل الباب الأول قوله تعالى: ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (٣) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا (٤) إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ [المزمل: ٢ - ٥] قال (ك): «أي: أمرناك أن تقوم نصف الليل بزيادة قليلة، أو نقصان قليل لا حرج عليك في ذلك، ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ أي: اقرأه على تمهل فإنه يكون عونًا على فهم القرآن وتدبره، وكذلك كان يقرأ صلوات الله وسلامه عليه وفي «صحيح البخاري» عن أنس: أنه سئل عن قراءة رسول الله فقال: كانت مدًا ثم قرأ: «بسم الله الرحمن الرحيم» يمد: «بسم الله» ويمد «الرحمن» ويمد «الرحيم» (١) وعن أم سلمة أنها سئلت عن قراءة رسول الله، فقالت: «كان يقطع قراءته آية آية» ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾» رواه أحمد وأبو داود والترمذي (٢). وفي الحديث: «زينوا القرآن بأصواتكم» (٣)، «وليس منا من لم يتغنَّ».

стр. 1563

بالقرآن» (١) و «لقد أوتي هذا … مزمارًا من مزامير آل داود» (٢)؛ يعني: أبا موسى الأشعري. وقوله تعالى: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ أي: ثقيل وقت نزوله من عظمته، كما قال زيد بن ثابت: «أنزل على رسول الله وفخذه على فخذي فكادت ترض فخذي» (٣). وفي «صحيح البخاري» (٤) عن عائشة ﵂: «إن الحارث بن هشام سأل رسول الله: كيف يأتيك الوحي؟»، فقال: «أحيانًا يأتي في مثل صلصلة الجرس، وهو أشده علي فيفصم عني وقد وعيت عنه ما قال، وأحيانًا يتمثل لي الملك رجلًا فيكلمني فأعي ما يقول»، قالت عائشة: «ولقد رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد فيفصم عنه وإن جبينه ليتفصد عرقًا». هذا لفظه» (٥). فصل قال محمد تقي الدين القرآن كنز عظيم جاءنا به النبي الكريم فاستغله سلف هذه الأمة أحسن استغلال، وبلغوا به أوج العلا في سعادة الروح والجسد، وحكموا به مشارق الأرض ومغاربها، وملأوا الدنيا علمًا وعدلًا، ثم خلف من بعدهم خلوف نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم، فردُّوا إلى أسفل سافلين، وهم في ظلماتهم يعمهون، وقد تعلقوا بالسراب يظنون أنه شراب، ولن يجدوا لدائهم دواء

стр. 1564

ولا لمشاكلهم حلًا إلا بالرجوع إلى القرآن درسًا وتعليمًا وتحكيمًا، ويتخذونه سراجًا لهم يضيء ظلمات الحياة الدنيا ويسعدهم في الأخرى. قال صاحب «الدين الخالص» (٤/ ٣٥٧) ما نصه: «الوجه التاسع والخمسون قولكم: وقد أمر الله بقبول شهادة الشاهد، وذلك تقليد له، فلو لم يكن في آفات (١) التقليد غير هذا الاستدلال، لكفى به بطلانًا، وهل قبلنا قول الشاهد إلا بنص كتاب ربنا، وسنة نبينا، وإجماع الأمة على قبول قوله؟ فإن الله سبحانه نصبها حجة يحكم الحاكم بها، كما يحكم بالإقرار، وكذلك قول المقر أيضًا، حجة شرعية، وقبوله تقليدًا (٢) له كما سميتم قبول شهادة الشاهد تقليدًا. فسموه ما شئتم، فإن الله سبحانه أمرنا بالحكم بذلك، وجعله دليلًا على الأحكام، فالحاكم بالشهادة والإقرار، منفذ لأمر الله ورسوله، وقد كان النبي ﷺ يقضي بالشاهد (٣) وبالإقرار (٤)، وذلك حكم بنفس ما أنزل الله لا بالتقليد، فالاستدلال بذلك على التقليد المتضمن للإعراض عن الكتاب والسنة وأقوال الصحابة وتقديم آراء الرجال عليها وتقديم قول الرجل على من هو أعلم منه، واطراح قول من عداه جملة، من باب قلب الحقائق، وانتكاس العقول والأفهام، بالجملة؛ فنحن إذا قبلنا قول الشاهد، لم نقبله لمجرد كونه شهد به، بل لأن الله سبحانه أمرنا بقبول قوله.

стр. 1565

فأنتم - معاشر المقلدين - إذا قبلتم قول من قلدتموه، قبلتموه بمجرد (١) كونه قاله، لا لأنَّ الله أمركم بقبول قوله، وطرح قول من سواه (٢)» (٣).

стр. 1566

سُورَةُ المُدّثِرِ الباب الأول : قوله تعالى: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا (١١) وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا (١٢) وَبَنِينَ شُهُودًا (١٣) وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا (١٤) ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ (١٥) كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا (١٦) سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا (١٧) إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (١٨) فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (١٩) ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (٢٠) ثُمَّ نَظَرَ (٢١) ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ (٢٢) ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ (٢٣) فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ (٢٤) إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ (٢٥) سَأُصْلِيهِ سَقَر (٢٦)﴾ [المدثر: ١١ - ٢٦] قال (ك): «يقول تعالى متوعدًا للوليد بن المغيرة المخزومي أحد رؤساء قريش لعنه الله، وقد روى ابن عباس قال: دخل الوليد بن المغيرة على أبي بكر بن أبي قحافة فسأله عن القرآن، فلما أخبره خرج على قريش فقال: يا عجبًا لما يقول ابن أبي كبشة، فوالله ما هو بشعر ولا بسحر ولا بهذي من الجنون، وإن قوله لمن كلام الله، فلما سمع بذلك النفر من قريش ائتمروا وقالوا: والله لئن صبأ الوليد، لتصبأ قريش. فلما سمع بذلك أبو جهل بن هشام قال: أنا والله أكفيكم شأنه، فانطلق حتى دخل عليه بيته فقال للوليد: ألم تر قومك قد جمعوا لك الصدقة؟ فقال: ألست أكثرهم مالًا وولدًا؟ فقال أبو جهل: يتحدثون أنك إنما تدخل على ابن أبي قحافة لتصيب من طعامه، فقال الوليد: أقد تحدث به عشيرتي؟ فلا والله لا أقرب ابن أبي قحافة ولا عمر ولا ابن أبي كبشة، وما قوله إلا سحر يؤثر. فأنزل الله تعالى على رسوله: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا (١١)﴾ - إلى قوله -: ﴿لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ (٢٨)﴾ (١).

стр. 1567

وقال قتادة: زعموا أنه قال: والله لقد نظرت فيما قال الرجل، فإذا هو ليس بشعر، وإن له لحلاوة وإن عليه لطلاوة، وإنه يعلو (١) وما يُعلى عليه، وما أشك أنه سحر … ! فأنزل الله: ﴿قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ (٢) فيقول تعالى متوعدًا لهذا الخبيث الذي أنعم الله عليه بنعم الدنيا فكفر بأنعم الله وبدلها كفرًا، وقابلها بالجحد بآيات الله والافتراء عليها، وجعلها من قول البشر، وقد عدد الله عليه نعمه حيث قال: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ أي: خرج من بطن أمه وحيدًا وحده، لا مال له ولا ولد، ثم رزقه الله تعالى رزقًا عظيمًا فقال: ﴿وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا﴾ أي: واسعًا كثيرًا، قيل: مئة ألف دينار وقيل: أرضًا (٣) يستغلها، وجعل له ﴿وَبَنِينَ شُهُودًا﴾ أي: حضورًا عنده لا يسافرون بالتجارة (٤) بل مواليهم وأجراؤهم يتولون ذلك عنهم، وهم قعود عند أبيهم يتمتع بهم ويتحلى (٥) بهم، وكانوا فيما ذكر (٦) السدي وأبو مالك وعاصم بن عمر وقتادة ثلاثة عشر .. وهذا أبلغ في النعمة ﴿وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا﴾ أي: مكنته من صنوف المال والأثاث وغير ذلك ﴿ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ (١٥) كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا﴾ أي: معاندًا وهو الكفر بعد

стр. 1568

العلم، قال الله تعالى: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ *. روى الإمام أحمد بسنده إلى أبي سعيد عن رسول الله قال: «ويل: واد في جهنم يهوي به الكافر أربعين خريفًا قبل أن يبلغ قعره، والصعود جبل من نار يتصعد فيه الكافر سبعين خريفًا ثم يهوي به كذلك فيه أبدًا» (١). وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ﴾ * أي: تروى ﴿فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (١٩) ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ * دعاء عليه ﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾ * أي: أعاد النظرة والتروي ﴿ثُمَّ عَبَسَ﴾ * أي: قبض بين عينيه وقطب ﴿وَبَسَرَ﴾ * أي: كلح (٢)، وقوله: ﴿ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ﴾ * أي: صرف عن الحق ورجع القهقرى مستكبرًا عن الانقياد للقرآن ﴿فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾ * أي: هذا سحر ينقله محمد عن غيره ممن قبله ويحكيه عنهم، ولهذا قال: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ * أي: ليس بكلام الله، قال تعالى: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ * أي: سأغمره فيها» (٣). فصل قال محمد تقي الدين: قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا﴾ كان عناده بالتكذيب وهو يعلم أن القرآن حق، والمقلدون وأصحاب الطرائق يقولون: آمنا بالقرآن وبالرسول ﷺ ، وبكل ما جاء به ولكنهم لا يعملون بسنته ولا بكتاب الله إلا إذا وافق مذهبهم أو طريقتهم، فأصحاب الطرائق يقدسون ابن عربي الحاتمي ويسمونه الشيخ الأكبر وهو يكذب كتاب الله والله تعالى يقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾. وابن عربي يقول: «إن الذين عبدوا العجل ما عبدوا إلا الله» لأن كل شيء عنده هو الله ويقول في قوله تعالى في قوم نوح: ﴿مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا﴾ يقول: أغرقوا في بحار

стр. 1569

العلم بالله، فأدخلوا نار المحبة في الله. ويزعم أن فرعون كان مؤمنًا وأنه كان من العارفين. وأصحاب المذاهب يأبون أن يتبعوا رسول الله ﷺ ، أن يصلوا صلاته وأن يحجوا كما حج، وأن يعتمروا كما اعتمر، فيعرضون عباداته على مذاهبهم ويتبعونها وإن خالفت سنة الرسول ﷺ ، أليس هذا عنادًا للكتاب والسنة؟ ومن لم يتب منهم فجزاؤه أن يصلى سقر، نسأل الله أن يهدينا وإياهم صراطه المستقيم ويبعدنا جميعًا من طريق أصحاب الجحيم. قال صاحب «الدين الخالص» (ج ٤/ ٣٥٨) ما نصه: «الوجه الستون قولكم: وقد جاءت الشريعة بقبول قول القائف، والخارص، والقاسم، والمقوّم، والحاكمين بالمثل في جزاء الصيد، وذلك تقليد محض، أتعنون به أنه تقليد لبعض العلماء في قبول أقوالهم، وتقليد لهم فيما يخبرون به؟ فإن عنيتم الأول فهو باطل، وإن عنيتم الثاني فليس فيه ما تستروحون (١) إليه من التقليد الذي قام الدليل على بطلانه. وقبول قول هؤلاء من باب قبول خبر المُخبر والشاهد، لا من باب قبول الفتيا في الدين بغير (٢) قيام دليل على صحتها، بل بمجرد (٣) إحسان الظن بقائلها مع تجويز الخطأ عليه، فأين قبول الأخبار، والشهادات والأقارير، إلى التقليد في الفتوى؟ والمخبر بهذه الأمور يخبر عن أمر حسي، طريق العلم به إدراكه بالحواس، والمشاعر الظاهرة والباطنة، وقد أمر الله سبحانه يقبول خبر المخير به، إذا كان ظاهر الصدق والعدالة، وطرد (٤) هذا. ونظيره قبول خبر المخبر عن رسول الله ﷺ ، بأنه قال، وفعل (٥)، وقبول خبر المخبر عمن أخبر عنه بذلك وهلم جرًا، فهذا حق لا ينازع فيه أحد. وأما تقليد الرجل فيما يخبر به عن ظنه، فليس فيه أكثر من العلم بأن ذلك ظنه واجتهاده، أفتقليدنا (٦) له في ذلك، بمنزلة تقليدنا له فيما يخبر به عن رؤيته وسماعه، وإدراكه؟ فأين في هذا ما يُوجب علينا أو يسوغ لنا، أن نفتي بذلك أو نحكم به، وندين الله به، ونقول: هذا هو الحق، وما خالفه باطل، ونترك له

стр. 1570

نصوص القرآن والسنة، وآثار الصحابة، وأقوال من عداه من جميع أهل العلم؟ ومن هذا الباب: تقليد الأعمى في القبلة، ودخول الوقت، لغيره، وقد كان ابن أم مكتوم لا يؤذن حتى يُقلّد غيره في طلوع الفجر، ويقال له: «أصبحت أصبحت» (١). وكذلك تقليد الناس للمؤذن في دخول الوقت، وتقليد من في المطمورة لمن يُعلمه بأوقات الصلاة، والفطر والصوم، وأمثال ذلك. ومن ذلك: التقليد في قبول الترجمة والرسالة والتعريف والتعديل والجرح، كل هذا من باب الأخبار التي أمر الله بقبول المخبر بها، إذا كان عدلًا صادقًا، وقد أجمع الناس على قبول خبر الواحد في الهدية، وإدخال الزوجة على زوجها، وقبول خبر المرأة، ذمّية كانت أو مسلمة، في انقطاع دم حيضها لوقته، وجواز وطئها، وإنكاحها بذلك. وليس هذا تقليدًا في الفتيا والحكم، وإذا كان تقليدًا (٢) لها، فالله سبحانه شرع لنا أن نقبل قولها ونقلدها فيه، ولم يشرع لنا تلقي (٣) أحكامه عن غير رسوله، فضلًا عن ترك سنة رسوله، لقول واحد من أهل العلم، وتقديم (٤) قوله على قول من عداه من الأمة (٥). الباب الثاني ﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ (٤٩) كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ (٥٠) فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ (٥١) بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفًا مُنَشَّرَةً (٥٢) كَلَّا بَلْ لَا يَخَافُونَ الْآخِرَةَ (٥٣) كَلَّا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ (٥٤) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (٥٥) وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ (٥٦)﴾ [المدثر: ٤٩ - ٥٦]. قال (ك): «أي فما لهؤلاء الكفرة الذين قبلك عما تدعوهم إليه وتذكرهم به معرضين ﴿كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنفِرَةٌ (٥٠) فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾ أي: كأنهم في نفارهم عن الحق، وإعراضهم عنه، حمر من حمر الوحش إذا فرت ممن يريد صيدها من

стр. 1571

أَسد، وقوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ﴾ أي: حقًا إن القرآن تذكرة ﴿فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (٥٥) وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ كقوله: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ وقوله تعالى: ﴿هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾ أي: هو أهل أن يخاف منه، وهو أهل أن يغفر ذنب من تاب إليه وأناب، قاله قتادة. وعن أنس بن مالك قال: قرأ رسول الله ﷺ هذه الآية: ﴿هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾ وقال: «قال ربكم: أنا أهل أن أتقى فلا يُجعل معي إله، فمن اتقى أن يجعل معي إلهًا كان أهلًا أن أغفر له». رواه أحمد (١) وغيره.» (٢) فصل قال محمد تقي الدين: إن كفار العرب وغيرهم نفروا من دعوة النبي ﷺ ، كما تنفر حمر الوحش من الأسد إذا أحست به، وكل من اتخذ وليجة من دون الله ورسوله فإنه يفر من اتباع الكتاب والسنة وينفر منهما أعظم النفور، وإذا شئت أن تعلم ذلك يقينًا فَانّه عباد القبور عن الذبح والنذر لها والتمسح والطواف بها ودعائها والدعاء عندها، وأمر مقلدًا حنفيًا يجهر بالتأمين أو يرفع يده عند الركوع والرفع منه. وقد ألف البخاري ﷺ كتابًا خاصا في «رفع اليدين» (٣) روى فيه أحاديث كالشمس، وكان عبد الله بن عمر يحصب من لا يفعله (٤) أي: يرميه بالحصباء فإنهم لا يفعلون ذلك ولو قطعت أيديهم، أي: هددتهم بقطعها. وأمر المقلد المالكي أن يضع يده اليمنى على اليسرى في حال القيام في الصلاة فإنه ينفر أعظم النفور. ولا يقبل كلام النبي ﷺ ، الذي رواه مالك (٥) الذي هو إمامه - بزعمه - فيرد حديث النبي ﷺ ، وعمل مالك وجميع أصحابه إلا رجلًا واحدًا

стр. 1572

وهو ابن القاسم الذي روى عن مالك رواية معتلة مختلة في ترك وضع اليمنى على اليسرى في الفريضة، فنسأل الله العافية. قال صاحب «الدين الخالص» (٤/ ٣٦٠) ما نصه: «الوجه الحادي والستون: قولكم: وأجمعوا على جواز شراء اللحمان والأطعمة والثياب، وغيرها من غير سؤال عن حلّها، اكتفاء بتقليد أربابها. جوابه: إن هذا ليس تقليدًا في حكم من أحكام الله ورسوله من غير دليل، بل هو اكتفاء بقبول قول الذابح والبائع، وهو اقتداء واتباع لأمر الله ورسوله. حتى لو كان الذابح والبائع يهوديًا، أو نصرانيًا، أو فاجرًا، اكتفينا بقوله في ذلك، ولم نسأله عن أسباب الحل، كما قالت عائشة ﵂: يا رسول الله إن ناسًا يأتوننا باللحمان، لا ندري أذكروا اسم الله عليه أم لا؟، فقال: «سموا أنتم وكلوا» (١). فهل يسوغ لكم تقليد الكفار والفساق في الدين، كما تقلدونهم في الذبائح والأطعمة؟ فدعوا هذه الاحتجاجات الباردة، وادخلوا معنا في الأدلة الفارقة بين الحق والباطل، لنعقد معكم عقد الصلح اللازم على تحكيم كتاب الله وسنة رسوله، والتحاكم إليهما وترك أقوال الرجال لهما، وأن ندور مع الحق حيث كان، ولا نتحيز إلى شخص معين غير الرسول نقبل قوله كُلَّه ونرد قول من خالفه كله، وإلا فاشهدوا بأنا أول منكر لهذه الطريقة، وراغب عنها، داع إلى خلافها والله المستعان؟» (٢).

стр. 1573

سورة القيامة الباب الأول قوله تعالى: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [القيامة: ١٦ - ١٩] قال (ك): «هذا تعليم من الله لرسوله ﷺ في كيفية تلقيه الوحي من الملك، فإنه كان يبادره إلى أخذه ويسابق الملك في قراءته فأمره الله ﷺ إذا جاءه الملك بالوحي أن يستمع له، وتكفل الله أن يجمعه في صدره، وأن ييسره لأدائه على الوجه الذي ألقاه إليه، وأن يبينه له ويفسره ويوضحه، فالحالة الأولى: جمعه في صدره. والثانية: تلاوته والثالثة: تفسيره وإيضاح معناه. ولهذا قال: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ أي: بالقرآن كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤] ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمعَهُ﴾ أي: في صدرك ﴿وَقُرْآنَهُ﴾ أي: أن تقرأه ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ﴾ أي: إذا تلاه عليك الملك عن الله تعالى: ﴿فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ أي: فاستمع له، ثم اقرأه كما أقرأك: ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ أي: بعد حفظه وتلاوته، نبينه لك ونوضحه، ونلهمك معناه على ما أردنا وشرعنا» (١). فصل قال محمد تقي الدين تكفل الله تعالى ببيان القرآن لنبيه محمد ﷺ ، وبينه للناس هذا النبي الكريم وأمر الله ورسوله باتباع القرآن وبيانه، فسنة النبي بيان للقرآن فيجب على الأمة الإسلامية أن تتبع القرآن وبيانه، بل يجب على كل من بلغه القرآن بلاغًا كافيًا شافيًا أن يتبعه ومن لم يتبعه، كان من الخاسرين. فيا أيها

стр. 1574

المسلم اتبع كتاب الله وكن حنيفًا، لا تتعصب لطريقة ولا لمذهب ولا لحزب ولا لوطنية، واقطع كل علاقة تمنعك من اتباع الوحي، وكن كما كان أصحاب رسول الله ﷺ ، والتابعون والأئمة المجتهدون. دعوا كل قول غير قول محمد … فما آمن في دينه كمخاطر وقال غيره: فإن أنتم لم تقنعوا بمقاله (١) … فإني بما قال النبي لقانع (٢) وقال آخر: وهل ترك الإنسان في الدين غايةً … إذا قال قَلَّدتُ النبيَّ محمدًا (٣) قال صاحب «الدين الخالص (٤/ ٣٦١)» ما نصه: الوجه الثاني والستون قولكم: لو كلف الناس كلهم الاجتهاد، وأن يكونوا علماء، ضاعت مصالح العباد، وتعطلت الصنائع والمتاجر، وهذا مما لا سبيل إليه شرعًا وقدرًا، فجوابه من وجوه: أحدها: إن من رحمة الله سبحانه بنا ورأفته، أنه لم يكلفنا بالتقليد، فلو كلفنا به، لضاعت أمورنا، وفسدت مصالحنا؛ لأنا لم نكن ندري من نقلد من المفتين والفقهاء، وهم عدد فوق المئين، ولا يدري عددهم - في الحقيقة - إلا الله. فإن المسلمين قد ملؤوا الأرض شرقًا وغربًا، وجنوبًا وشمالًا، وانتشر الإسلام - بحمد الله وفضله - وبلغ مبلغ (٤) الليل. فلو كلفنا التقليد (٥)، لوقعنا في أعظم العنت (٦) والفساد، وتكلفنا (٧) بتحليل

стр. 1575

الشَّيءِ وتَحْرِيمِهِ، وإيجابِ الشَّيءِ، وإسقاطِهِ مَعًا، إنْ كُلِّفْنا بِتَقْليدِ كُلِّ عَالِمٍ، وإنْ كُلِّفْنا بِتَقْليدِ الأَعْلَمِ فالأَعْلَم، فَمَعْرِفَةُ ما دلَّ عليهِ القرآنُ والسننُ من الأحكام، أسهلُ بِكَثِيرٍ من مَعْرِفَةِ الأَعْلَمِ الذي اجتَمَعَتْ فيه شُروطُ التقليدِ. وفي مَعْرِفَةِ (١) ذلك مَشقَّةٌ على العالِمِ الرَّاسِخِ فضلًا عن المقلَّدِ الذي هو كالأعمى، وإنْ كُلِّفْنا البعض، وكان جعلُ ذلكَ إلى شَهْوَتِنا (٢) واخْتِيَارِنا، صارَ دينُ اللهِ تبعًا لإِرادتِنا واخْتِيارِنا وشَهَواتِنا، وهو عينُ المحال. فلا بدَّ أن يكونَ ذلك راجعًا إلى أمرِ اللهِ باتباع قوله، وتلقِّي الدينِ منه (٣) وذلك (محمد بن عبد الله بن عبد المطلب رسول الله) وأمينُه على وحيِهِ، وحجتُه على خَلْقِهِ، ولم يجعلِ اللهُ هذا المنصبَ لسواه بعده أبدًا. الثاني: إنْ بالنظرِ إلى الاستدلال، صلاحُ الأمورِ لا ضياعها، وبإهماله ذلك وتقليد من يُخطئ ويصيب، إضاعتها وفسادها، كما أن الواقع شاهد به. الثالث: إنْ كلَّ واحدٍ منا مأمور بأنْ يُصدِّق الرسول فيما أخبر (٤)، ويطيعه فيما أمر، وذلك لا يكون إلا بعد معرفة أمره وخبره. ولم يوجبِ اللهُ سُبحانه من ذلك على الأمةِ إلا ما فيه حفظُ دينها ودنياها، وصلاحُها في معاشها ومعادها، وبإهمال ذلك تضيع مصالحها، وتفسد أمورها؛ فما خرابُ العالمِ إلا بالجهلِ ولا عِمارتُه إلا بالعلم. وإذا ظهر العلمُ في بلدٍ أو محلة، قَلَّ الشَّرُّ في أهلها، وإذا خَفِيَ العلمُ هناك ظهر الشر والفساد، ومن لم يعرف هذا فهو ممن لم يجعلِ اللهُ له نورًا. قال الإمام أحمد: لولا العلم، كان الناس كالبهائم. وقال: الناس أحوج إلى العلم منهم إلى الطعام والشراب؛ لأن الطعام والشراب محتاج (٥) إليه في اليوم مرتين أو ثلاثًا، والعلم يحتاج إليه في كل وقت (٦). الرابع: إنَّ الواجبَ على كلِّ عبد (٧) أن يعرفَ ما يَخُصُّه من الأحكام،

стр. 1576

ولا يجب عليه أن يعرف ما لا تدعوه الحاجة إلى معرفته، وليس في ذلك إضاعة لمصالح الخلق، ولا تعطيل لمعاشهم، فقد كان الصحابة قائمين لمصالحهم (١) ومعاشهم وعمارة حروثهم، والقيام على مواشيهم، والضرب في الأرض لمتاجرهم، والصفق بالأسواق (٢)، وهم أهدى العلماء الذين لا يشق غبارهم (٣). الخامس: إن العلم النافع هو الذي جاء به الرسول، دون مقدرات الأذهان، ومسائل الخرص والألغاز، وذلك - بحمد الله - أيسر شيء على النفوس، تحصيله وحفظه وفهمه، فإنه كتاب الله الذي يسره للذكر، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: ١٧]. قال البخاري في «صحيحه»: قال مطر الوراق: هل من طالب علم فيعان عليه (٤)؟ ولم يقل: فتضيع عليه مصالحه، وتتعطل عليه معايشه. وسنة رسوله - وهي بحمد الله - مضبوطة، محفوظة، أصول الأحكام التي يدور عليها خمسمائة حديث، وفروعها وتفاصيلها، نحو أربعة آلاف، وإنما الذي هو في غاية الصعوبة والمشقة مقدرات الأذهان. وأغلوطات المسائل والفروع والأصول، التي ما أنزل الله بها من سلطان، التي كل

стр. 1577

مالها (١) في نمو وزيادة وتوليد (٢)، والدين لا يزال في غربة ونقصان، والله المستعان (٣)» (٤).

стр. 1578

سورة الإنسان الباب الأول قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا (٢٣) فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا (٢٤) وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٢٥) وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا (٢٦) إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا (٢٧) نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلًا (٢٨) إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا (٢٩) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (٣٠) يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [الإنسان: ٣١ - ٣٢] قال (ك): يمتن الله سبحانه على رسوله بما أنزله عليه من القرآن العظيم تنزيلًا ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ أي: فاصبر على قضائه وقدره وإنه سيدبرك بحسن تدبيره ﴿وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ أي: لا تطع من أرادوا صدك عما أنزل إليك، بل بلغ ما أنزل إليك من ربك وتوكل على الله فإنه يعصمك من الناس الفاجرين في أعمالهم، والكافرين في قلوبهم ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ أي: أوّل النهار وآخره ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا﴾ كقوله تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا﴾ أي: هؤلاء الكفار يحبّون الدنيا وبهرجها ويذرون الآخرة ثم قال تعالى: ﴿نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ﴾ قال ابن عباس: أي خلقهم ﴿نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلًا﴾ أي: أتينا بقوم آخرين غيرهم. ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ (١)﴾ يعني:

стр. 1579

﴿هذه﴾ السورة (١) ﴿تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾ أي: من شاء اهتدى بالقرآن ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ أي: لا يستطيع أحد أن يهدي نفسه إلّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ أي: عليم بمن يستحق الهداية فييسرها له ومن يستحق الغواية فيصرفه عن الهدى وله الحجة البالغة ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ ثم قال تعالى: ﴿يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ أي يهدي من يشاء ويضل من يشاء فمن يهده فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له» (٢). فصل قال محمد تقي الدين: قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ﴾ أنزل الله تعالى القرآن تذكرة وإنما يتذكر أولوا الألباب، فمن نفعه الله به واتبعه سعد في دنياه وأخراه، ومن أعرض عنه بعد أن عرفه فإن له معيشة ضنكًا في هذه الدنيا كلها شقاء، ويحشره الله يوم القيامة أعمى ويسلكه عذابًا صعدًا، والمقلدون وأصحاب الطرائق أعرضوا عنه فلا بد أن يصيبهم الوعيد الذي ذكره الله تعالى، وقد أصابهم. فمتى يتوبون إلى الله ويرجعون عن غيهم ويمتثلون أمر ربهم؟ قال صاحب «الدين الخالص» (٣/ ٣٦٣) ما نصه: «الوجه الثالث والستون: قولكم (٣): قد أجمع الناس على تقليد الزوج لمن يهدي إليه زوجته ليلة الدخول، وعلى تقليد الأعمى في القبلة والوقت، وتقليد المؤذنين وتقليد الأئمة في الطهارة وقراءة الفاتحة، وتقليد الزوجة في انقطاع دمها ووطئها وتزويجها. فجوابه ما تقدم، إن استدلالكم بهذا من باب المغاليط، وليس هذا من التقليد المذموم - على لسان السلف والخلف - في شيء. ونحن لم نرجع إلى أقوال هؤلاء، لكونهم أخبروا بها، بل لأن الله ورسوله

стр. 1580

أمر بقبول قولهم، وجعله دليلًا على ترتب الأحكام، فإخبارهم بمنزلة الشهادة والإقرار. فأين في هذا ما يسوغ التقليد في أحكام الدين، الإعراض عن القرآن والسنن، ونصب رجل بعينه ميزانًا على كتاب الله وسنه رسوله؟» (١).
следующие страницы →