← Акыда

Акыда · id 30197

سبيل الرشاد في هدي خير العباد

محمد تقي الدين الهلالي

Полный текст (2 277 стр.). Показаны 1576–1615 · переход к 1581.

стр. 1576

ولا يجب عليه أن يعرف ما لا تدعوه الحاجة إلى معرفته، وليس في ذلك إضاعة لمصالح الخلق، ولا تعطيل لمعاشهم، فقد كان الصحابة قائمين لمصالحهم (١) ومعاشهم وعمارة حروثهم، والقيام على مواشيهم، والضرب في الأرض لمتاجرهم، والصفق بالأسواق (٢)، وهم أهدى العلماء الذين لا يشق غبارهم (٣). الخامس: إن العلم النافع هو الذي جاء به الرسول، دون مقدرات الأذهان، ومسائل الخرص والألغاز، وذلك - بحمد الله - أيسر شيء على النفوس، تحصيله وحفظه وفهمه، فإنه كتاب الله الذي يسره للذكر، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: ١٧]. قال البخاري في «صحيحه»: قال مطر الوراق: هل من طالب علم فيعان عليه (٤)؟ ولم يقل: فتضيع عليه مصالحه، وتتعطل عليه معايشه. وسنة رسوله - وهي بحمد الله - مضبوطة، محفوظة، أصول الأحكام التي يدور عليها خمسمائة حديث، وفروعها وتفاصيلها، نحو أربعة آلاف، وإنما الذي هو في غاية الصعوبة والمشقة مقدرات الأذهان. وأغلوطات المسائل والفروع والأصول، التي ما أنزل الله بها من سلطان، التي كل

стр. 1577

مالها (١) في نمو وزيادة وتوليد (٢)، والدين لا يزال في غربة ونقصان، والله المستعان (٣)» (٤).

стр. 1578

سورة الإنسان الباب الأول قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا (٢٣) فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا (٢٤) وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٢٥) وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا (٢٦) إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا (٢٧) نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلًا (٢٨) إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا (٢٩) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (٣٠) يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [الإنسان: ٣١ - ٣٢] قال (ك): يمتن الله سبحانه على رسوله بما أنزله عليه من القرآن العظيم تنزيلًا ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ أي: فاصبر على قضائه وقدره وإنه سيدبرك بحسن تدبيره ﴿وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ أي: لا تطع من أرادوا صدك عما أنزل إليك، بل بلغ ما أنزل إليك من ربك وتوكل على الله فإنه يعصمك من الناس الفاجرين في أعمالهم، والكافرين في قلوبهم ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ أي: أوّل النهار وآخره ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا﴾ كقوله تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا﴾ أي: هؤلاء الكفار يحبّون الدنيا وبهرجها ويذرون الآخرة ثم قال تعالى: ﴿نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ﴾ قال ابن عباس: أي خلقهم ﴿نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلًا﴾ أي: أتينا بقوم آخرين غيرهم. ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ (١)﴾ يعني:

стр. 1579

﴿هذه﴾ السورة (١) ﴿تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾ أي: من شاء اهتدى بالقرآن ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ أي: لا يستطيع أحد أن يهدي نفسه إلّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ أي: عليم بمن يستحق الهداية فييسرها له ومن يستحق الغواية فيصرفه عن الهدى وله الحجة البالغة ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ ثم قال تعالى: ﴿يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ أي يهدي من يشاء ويضل من يشاء فمن يهده فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له» (٢). فصل قال محمد تقي الدين: قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ﴾ أنزل الله تعالى القرآن تذكرة وإنما يتذكر أولوا الألباب، فمن نفعه الله به واتبعه سعد في دنياه وأخراه، ومن أعرض عنه بعد أن عرفه فإن له معيشة ضنكًا في هذه الدنيا كلها شقاء، ويحشره الله يوم القيامة أعمى ويسلكه عذابًا صعدًا، والمقلدون وأصحاب الطرائق أعرضوا عنه فلا بد أن يصيبهم الوعيد الذي ذكره الله تعالى، وقد أصابهم. فمتى يتوبون إلى الله ويرجعون عن غيهم ويمتثلون أمر ربهم؟ قال صاحب «الدين الخالص» (٣/ ٣٦٣) ما نصه: «الوجه الثالث والستون: قولكم (٣): قد أجمع الناس على تقليد الزوج لمن يهدي إليه زوجته ليلة الدخول، وعلى تقليد الأعمى في القبلة والوقت، وتقليد المؤذنين وتقليد الأئمة في الطهارة وقراءة الفاتحة، وتقليد الزوجة في انقطاع دمها ووطئها وتزويجها. فجوابه ما تقدم، إن استدلالكم بهذا من باب المغاليط، وليس هذا من التقليد المذموم - على لسان السلف والخلف - في شيء. ونحن لم نرجع إلى أقوال هؤلاء، لكونهم أخبروا بها، بل لأن الله ورسوله

стр. 1580

أمر بقبول قولهم، وجعله دليلًا على ترتب الأحكام، فإخبارهم بمنزلة الشهادة والإقرار. فأين في هذا ما يسوغ التقليد في أحكام الدين، الإعراض عن القرآن والسنن، ونصب رجل بعينه ميزانًا على كتاب الله وسنه رسوله؟» (١).

стр. 1581

سورة المرسلات الباب الأول قوله تعالى: ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ [المرسلات: ٥٠] قال ابن كثير: «يقول تعالى: ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ﴾؟ أي: إذا لم يؤمنوا بهذا القرآن فبأي كلام يؤمنون به؟ روى ابن أبي حاتم بسنده إلى أبي هريرة أنه إذا قرأ ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا﴾ … - فقرأ - ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾، فليقل (١): (آمنت بالله وبما أُنزل) (٢).» (٣). فصل قال محمد تقي الدين: من ادعى الإيمان بالقرآن ولم يعمل به في مسجده وبيته وسوقه ومحكمته وسلمه وحربه فإيمانه دعوى تكذبها سيرته، والمقلد وصاحب الطريق كذلك، فهو كالمريض الذي عنده دواء ولا يستعمله، فكأنه لا دواء عنده أو يستعمله بغير ما وصفه الطبيب، والطبيب هنا هو رسول الله ﷺ ، فلا ينفعه ذلك الدواء بل يضره؟

стр. 1582

سورة التكوير الباب الأول قوله تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (١٥) الْجَوَارِ الْكُنَّسِ (١٦) وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ (١٧) وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ (١٨) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (١٩) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ (٢٠) مَكِينٍ (٢١) مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ (٢٢) وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ (٢٣) وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ (٢٤) وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ (٢٥) وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ (٢٦) فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ (٢٦) إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (٢٧) لِمَنْ شَاءَ مِنكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٩)﴾ [التكوير: ١٥ - ٢٩] قال (ك): «روي عن علي: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (١٥) الْجَوَارِ الْكُنَّسِ (١٦)﴾ هي النجوم تخنس بالنهار وتكنس بالليل (١)، ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ (١٧)﴾ أي: إذا اشتد ظلامه، والمراد: إذا أقبل. كأنه أقسم بالليل وظلامه إذا أقبل، وبالفجر وضيائه إذا أشرق، كما قال تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (١) وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى (٢)﴾ [الليل: ١ - ٢] أي: إذا طلع وأضاء وأقبل وقوله: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (١٩)﴾ يعني: إن هذا القرآن لتبليغ رسول كريم؛ أي مَلَك شريف وهو: جبريل ﵊، ﴿ذِي قُوَّةٍ﴾ كقوله تعالى: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (٥) ذُو مِرَّةٍ (٦)﴾ [النجم: ٥ - ٦] أي: شديد الخلق شديد البطش والفعل: ﴿عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ﴾ أي: له مكانة عند الله ، ومنزلة رفيعة ﴿مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ (٢٢)﴾ أي: في السموات وهو مسموع القول مطاع في الملأ الأعلى، وليس هو من (٢) أفناد الملائكة، بل هو من السادة والأشراف،

стр. 1583

مُعْتَنى به، انتُخب لهذه الرسالة العظيمة، وقوله تعالى: ﴿أَمِينٍ﴾ صفة الجبريل بالأمانة، وهذا عظيم جدًا أن الربّ يزكي عبده ورسوله الملكي جبريل كما زكى عبده ورسوله البشري محمدًا ﷺ بقوله تعالى: ﴿وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ﴾ يعني: محمدًا ﷺ ، وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ﴾ يعني: ولقد رأى محمد جبريل الذي يأتيه بالرسالة عن الله ، على الصورة الملكية التي خلقه الله عليها له ست مائة جناح ﴿بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ﴾ وهي الرؤية الأولى المذكورة في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى (٧) ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى﴾ [النجم: ٧ - ٨] والظاهر - والله أعلم - أن هذه السورة نزلت قبل الإسراء لأنه لم يذكر فيها إلا هذه الرؤية الأولى، أما الثانية فهي المذكورة في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنتَهَى (١٤) عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى﴾ فتلك إنما ذكرت في سورة النجم وقد نزلت بعد سورة الإسراء، وقوله تعالى: ﴿وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ﴾ قرئ (ضنين) وقرئ (ظنين) وكلاهما متواتر (١) فعلى قراءة «ظنين»، أي: وما محمد

стр. 1584

على ما أنزله الله إليه بمتهم، وعلى قراءة (ضنين): أي ما ضن بالقرآن على الناس بل نشره وبلغه وبذله للناس جميعًا. وقوله تعالى: ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ﴾ أي وما هذا القرآن بقول شيطان رجيم، أي: لا يقدر على حمله ولا يريده ولا ينبغي له، كما قال تعالى: ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ (٢١٠) وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ (٢١١) إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٠ - ٢١٢]. وقوله تعالى: ﴿فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ﴾ أي: فأين تذهب عقولكم في تكذيبكم بهذا القرآن، مع ظهوره ووضوحه، وبيان كونه حقا من عند الله تعالى؟! وقوله تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾ أي هذا القرآن ذكر لجميع الناس يتذكرون به ويتعظون، ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾ أي: من أراد الهداية، فعليه بهذا القرآن، ولا هداية فيما سواه، ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ أي: ليست المشيئة موكولة لكم فمن شاء اهتدى ومن شاء ضل، بل ذلك كله تابع لمشيئته تعالى رب العالمين» (١). فصل قال محمد تقي الدين: قوله تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (٢٧) لِمَنْ شَاءَ مِنكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾ معناه: إن القرآن أنزله الله لتذكير جميع العالمين من الإنس والجن كما قال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ١] ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنكُمْ﴾، والخطاب للعالمين ﴿أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾ باتباعه واتباع السنة التي هي بيانه وهي أقوال النبي ﷺ ، وأفعاله وأخلاقه وتروكه؛ أي ما ترك من الأمور التي تنسب إلى الدين، فلا يمكن أحدًا أن يستقيم إلا بذلك. ولما كان المسلمون متبعين للكتاب والسنة كانوا مستقيمين سالكين الصراط المستقيم

стр. 1585

سعداء أقوياء، ولما تركوا إتباعهما فقدوا سعادتهم وقوتهم وعزتهم. ومن أسباب الإعراض عن الكتاب والسنة ظهور التقليد والطرائق التي فرقت المسلمين، فإن أرادوا استرداد ما فقدوا فليرجعوا إلى الكتاب والسنة. قال صاحب «الدين الخالص» (٤/ ٣٧١) ما نصه: «الوجه السابع والستون: قولكم: وقد جعل الله سبحانه في فطر العباد تقليد المتعلمين للمعلمين والأستاذين، في جميع الصنائع والعلوم … إلى آخره؟ فجوابه: إن هذا حق لا ينكره عاقل، ولكن كيف يستلزم ذلك صحة التقليد في دين الله، وقبول قول المتبوع بغير حجة توجب قبول قوله، وتقديم قوله على قول من هو أعلم منه، وترك الحجة لقوله، وترك أقوال أهل العلم جميعًا من السلف والخلف لقوله، فهل جعل الله ذلك في فطرة أحد من العالمين؟ ثم يقال: بل الذي فطر الله عباده (١): طلب الحجة، أو الدليل المثبت لقول المدعي، فركز سبحانه في فطر الناس أنهم لا يقبلون قول من لم يقم الدليل على صحة قوله. ولأجل ذلك أقام الله سبحانه البراهين القاطعة، والحجج الساطعة، والأدلة الظاهرة، والآيات الباهرة على صدق رسله؛ إقامة للحجة وقطعًا للمعذرة، هذا وهم أصدق خلقه، وأعلمهم وأبرهم، وأكملهم، فأتوا بالآيات والحجج والبراهين مع اعتراف أممهم لهم بأنهم أصدق الناس. فكيف يُقبل قول من عداهم بغير حجة توجب قبول قوله؟ والله تعالى إنما أوجب قبول قولهم بعد قيام الحجة، وظهور الآيات المستلزمة لصحة دعواهم، لما جعل في فطر عباده من الانقياد للحجة وقبول (٢) صاحبها، وهذا أمر مشترك بين جميع أهل الأرض: مؤمنهم وكافرهم، وبرهم وفاجرهم والانقياد للحجة، وتعظيم صاحبها، وإن خالفوه عنادًا وبغيًا، فلفوات أغراضهم بالانقياد. ولقد أحسن القائل: إذا غاب (٣) وجهُ الحقِّ عن قلب سامع … فدَعْهُ فنورُ الحقِّ يسيرُ ويُشرقُ

стр. 1586

سيؤنسه رشدًا (١) وينسى نِفَارَه … كما نسي التوثيق من هو مُطْلَقُ ففطرة الله وشرعه (٢) من أكبر الحجج على فرقة التقليد» (٣).

стр. 1587

سورة الانشقاق الباب الأول قوله تعالى: ﴿فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٢٠) وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ (٢١) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ (٢٢) وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ (٢٣) فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٢٤) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (٢٥)﴾ [الإنشقاق: ٢٠ - ٢٥] قال (ك): «قوله تعالى: ﴿فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٢٠) وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ (٢١)﴾، أي فماذا يمنعهم من الإيمان بالله ورسوله واليوم الآخر، وما لهم إذا قرئت عليهم آيات الله وكلامه وهو هذا القرآن لا يسجدون إعظامًا وإكرامًا واحترامًا، وقوله تعالى: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ (٢٢)﴾ أي: من سجيتهم التكذيب والعناد والمخالفة للحق ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ (٢٣)﴾ أي: يكتمون في صدورهم ﴿فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٢٤)﴾ أي: فأخبرهم يا محمد بأن الله قد أعد لهم عذابًا أليمًا. وقوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ يعني: لكن ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾؛ أي: بقلوبهم، ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ أي: بجوارحهم ﴿لَهُمْ أَجْرٌ﴾ أي: في الدار الآخرة ﴿غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ أي: غير مقطوع، كما قال تعالى: ﴿عَطَاء غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [هود: ١٠٨]. إن الله له المنة على أهل الجنة في كل حال وآن ولحظة، وإنّما دخلوها بفضله ورحمته لا بأعمالهم، فله عليهم المنة دائمًا سرمدًا، والحمد لله وحده أبدًا، ولهذا يلهمون تسبيحه وتحميده كما يلهمون النفس، وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين» (١).

стр. 1588

وعن أبي هريرة ﵁ قال: «سجدنا مع رسول الله ﷺ فِي ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ و ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾» رواه مسلم (١). فصل قال محمد تقي الدين: في هذه السورة سجدة من سجدات القرآن وقد نفاها المنتسبون إلى المذهب المالكي ونفوا معها ثلاث سجدات أخرى ثابتة عن النبي ﷺ ؛ وهي السجدة الثانية من سورة الحج، وسجدة آخر سورة النجم، وسجدة آخر سورة ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق: ١] وليس لهم عذر في نفي هذه السجدات إلا الجهل أو العناد، وإذا ثبت أن الإمام مالكًا ﵀ لم يُثبت هذه السجدات فعذره أن الحديث في زمانه لم يكن قد تكامل جمعه، ولم يطف في الدنيا لطلب علم الحديث، وقد عمل بما بلغه وقال: «إنما أنا بشر أصيب وأخطئ» (٢)، وقال: «ما منا إلا راد ومردود عليه إلا صاحب هذا القبر» وأشار إلى بيت النبي ﷺ (٣)، وتقدم أن عبد الله بن قعنب - وهو من الرواة عنه - دخل فوجده يبكي فسأله عن بكائه: ما سببه؟ فقال: «إنا لله! يا ابن قعنب على ما فرط مني، وددت أني ضربت بكل فتوى أفتيتها برأي واجتهادي سوطًا ولم أسبق إلى شيء تركه من هو خير مني - يعني أصحاب رسول الله ﷺ » (٤)، وهو فيما بكى عليه ﵀ معذور ومأجور. أما المنتسبون إليه فهم غير معذورين ولا مأجورين بل هم مأزورون؛ لأن الحديث في زمانهم قد جمع وحقق وانتشر ونخل، حتى تبين صحيحه من سقيمه وغثه من سمينه.

стр. 1589

قال الأبي في «شرحه لصحيح مسلم» (١) عند حديث: «إذا اجتهد الحاكم وأصاب فله أجران … » (٢) إلخ: «إن الاجتهاد في زماننا أيسر منه في زمان مالك لأن من قرأ «الأحكام الكبرى» لعبد الحق الإشبيلي في مسألة وجد فيها من الأحاديث ما لا يكاد يحضر مالكًا» (٣). والأبي من أهل القرن الثامن للهجرة فرحمه الله فقد نصح وبلغ ولم يكتم وهذا شأن العلماء العاملين والأئمة والمخلصين، وقال شيخنا محمد بن العربي العلوي رحمة الله عليه: «إذا رأيت خليلًا يقول: «لا» فإنه يرد على النبي ﷺ ». وقد قال خليل في «مختصره» في هذه السجدات الأربع ما نصه: «لا ثانية الحج والنجم والانشقاق والعلق» (٤)، و «مختصر خليل» هو عمدة المتأخرين من المنتسبين إلى المذهب المالكي، قلدوه قلادة سوء وصار حجة عندهم يفتخرون به، والله در من قال: انظر فلا عجب يومًا لمعتبر … أشد من ذي عمى يسطو بقائده ومعناه: إن الأعمى إذا افتخر بمن يقوده وادعى أنه أحد الناس بصرًا يكون كاذبًا؛ لأنه مقلد أعمى لا يستطيع أن يعرف تفاوت الناس في الإبصار، هذا إذا كان قائده مبصرًا أما إذا كان قائده أعمى أيضًا فذاك أشد عجبًا وأكثر ضلالًا وجهلًا. وخليل في «مختصره» لا يذكر الأدلة، فهو أعمى يقود عميانًا، فيقعون جميعًا في حفر الضلال، وقد تقدم الكلام في هذا مستوفي، فالحمد لله على العافية. قال صاحب «الدين الخالص» (٤/ ٣٧٢) ما نصه: «الوجه الثامن والستون قولكم: إن الله سبحانه فاوت بين قوى الأذهان كما فاوت بين قوى الأبدان، فلا يليق بحكمته وعدله أن يفرض على كل أحد معرفة الحق بدليله في كل مسألة … إلى آخره. فنحن لا ننكر ذلك ولا ندعي

стр. 1590

أن الله فرض على جميع خلقه معرفة الحق بدليله في كل مسألة في مسائل الدين دقه وجله؛ إنما أنكرنا ما أنكره الأئمة، ومن تقدمهم من الصحابة والتابعين، وما حدث في الإسلام بعد انقضاء القرون الفاضلة في القرن الرابع المذموم على لسان رسول الله ﷺ ، من نَصْبِ رجل واحد، وجعل فتاواه (١) بمنزلة نصوص الشارع، بل تقدم على أقواله ويقدم (٢) قوله على أقوال من بعد رسول الله ﷺ من جميع علماء أمته، والاكتفاء بتقليده عن تلقي الأحكام من كتاب الله، وسنة رسوله. وهذا مع تضمنه للشهادة بما لا يعلم الشاهد، والقول (٣) بلا علم، والإخبار عمن خالفه وإن كان (٤) منه أنه غير مصيب للكتاب والسنة، ومتبوعه (٥) هو المصيب أو يقول: كلاهما مصيب للكتاب والسنة، وقد تعارضت أقوالهما فيجعل أدلة الكتاب والسنة متعارضة متناقضة، والله ورسوله يحكم بالشيء وضده في وقت واحد، ودينه تبع لآراء الرجال وليس له في نفس الأمر حكم معين. فهو إما أن يسلك هذا المسلك أو يخطئ (٦) من خالف متبوعه، ولا بد له من واحد من الأمرين، وهذا من بركة التقليد عليه. إذا عرفت هذا، فنحن نقول: إن الله تعالى أوجب على العباد أن يتقوه بحسب استطاعتهم، وأصل التقوى معرفة ما يُتَّقى ثم (٧) العمل به. فالواجب على كل عبد أن يبذل جهده في معرفة ما يتقيه، مما أمر (٨) الله به ونهاه عنه، ثم يلتزم طاعة الله ورسوله، وما خفي عليه فهو فيه أسوة أمثاله ممن عدا الرسول. فكل أحد سواه، قد خفي عليه بعض ما جاء به ولم يخرجه ذلك عن كونه من أهل العلم، ولم يكلفه الله ما لا يطيق من معرفة الحق واتباعه.

стр. 1591

قال أبو عمر: وليس أحد - بعد رسول الله ﷺ إلا وقد خفي عليه بعض أمره. فإذا أوجب الله سبحانه على كل أحد ما استطاعه وبلغته قواه من معرفة الحق، وعذره فيما خفي عليه منه، فأخطأه أو قلد فيه غيره كان ذلك هو مقتضى حكمته وعدله ورحمته. بخلاف ما لو فرض على العباد تقليد من شاؤوا من العلماء، وأن يختار كل منهم رجلًا ينصبه معيارًا على وحيه، ويُعرض عن أخذ الأحكام واقتباسها من مشكاة الوحي، فإن هذا ينافي حكمته ورحمته وإحسانه، ويؤدي إلى ضياع دينه، وهجر كتابه، وسنة رسوله كما وقع فيه من وقع، وبالله التوفيق (١).

стр. 1592

سورة الأعلى الباب الأول قوله تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى (٩) سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى (١٠) وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى (١١) الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى (١٢) ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى﴾ [الأعلى: ٩ - ١٣]. قال (ك): وقوله تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى﴾ أي: ذكر حيث تنفع التذكرة، ومن ههنا يؤخذ الأدب في نشر العلم فلا تضعه عند غير أهله … كما قال أمير المؤمنين علي ﵁: ما أنت بمحدث قومًا حديثًا لا تبلغه عقولهم إلا كان فتنة لبعضهم (١)، وقوله تعالى: ﴿سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى﴾ أي: سيتعظ بالرسالة من قلبه يخشى الله، ﴿وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى (١١) الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى (١٢) ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى﴾ أي: لا يموت فيستريح ولا يحيى حياة تنفعه؛ لأنه يعاقب فيها بأليم العذاب وأنواع النكال، وروى الإمام أحمد عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : «أما أهل النار الذين هم أهلها فإنهم لا يموتون فيها ولا يحيون ولكن أناس - أو كما قال: - تصيبهم النار بذنوبهم - أو قال: - بخطاياهم، فيميتهم إماتة حتى إذا صاروا فحمًا أذن في الشفاعة فجيء بهم ضبائر (٢) ضبائر، فبثوا على أنهار الجنة، فيقال: يا أهل الجنة أفيضوا عليهم فينبتون نبات الحبة تكون في حميل السيل» (٣).

стр. 1593

ورواه مسلم (١) (٢). فصل قال محمد تقي الدين: أمر الله نبيه الكريم أن يذكر عباده بأن يتلو عليهم آياته ويبينها لهم بأقواله وأفعاله، فمن آمن به وصدقه قولًا وعملًا واعتقادًا فهو الفائز السعيد، ومن رد قوله وعصى أمره فهو الخاسر البليد، وإذا لم نهيئ أنفسنا لتلقي كلام الله وكلام رسوله كله بالقبول والرضى والتسليم والحب والعمل واعتذرنا بتقليد الآباء والأئمة والمذاهب والطرائق والأحزاب وما أشبه ذلك، فإننا لن ننجو من عذاب الله لا في الدنيا ولا في الآخرة، ولن نفوز برضوان الله ولطفه وتأييده ونصره، لا في العاجل ولا في الآجل. قال صاحب «الدين الخالص» (٤/ ٣٧٣) ما نصه: «الوجه التاسع والستون: قولكم: إنكم في تقليدكم بمنزلة المأموم مع الإمام والمتبوع مع التابع، والركب خلف الدليل. جوابه: إنا - والله - حولها نُدنْدِن، ولكن الشأن في الإمام، والدليل، والمتبوع الذي فرض الله على الخلائق أن تأتم به، ويسير خلفه. وأقسم سبحانه بعزته أن العباد لو أتوه من كل طريق، أو استفتحوا من كل باب، لم يُفتح لهم حتى يدخلوا من بابه (٣). فهذا - لعمر الله - هو إمام الخلق ودليلهم وقائدهم حقًا، ولم يجعل الله منصب الإمام بعده إلا لمن دعا إليه ودلّ عليه، وأمر الناس أن يقتدوا به، ويأتموا به ويسيروا خلفه وأن لا ينصبوا لنفوسهم (٤) متبوعًا، ولا إمامًا، ولا دليلًا غيره، بل يكون العلماء مع الناس بمنزلة أئمة الصلاة مع المصلين، كل واحد يصلي طاعة لله وامتثالًا لأمره، وهم في الجماعة متعاونون متساعدون، وبمنزلة الوفد مع الدليل كلهم يتمسك بطاعة الله (٥) امتثالًا لأمره. لا أن المأموم يصلي لأجل كون الإمام يصلي، بل هو يصلي كما صلَّى

стр. 1594

إمامه أولًا، بخلاف المقلد، فإنه إنما ذهب إلى قول متبوعه؛ لأنه قاله، لا لأن الرسول قاله. ولو كان كذلك، لدار مع قول (١) الرسول أين كان، ولم يكن مقلدًا. فاحتجاجهم بإمام الصلاة، ودليل الحاج من أظهر الحجج عليهم، يوضحه: الوجه السبعون: إن الإمام قد علم أن هذه الصلاة التي فرضها الله سبحانه على عباده، وأنه وإمامه في وجوبها سواء، وأن هذا البيت هو الذي فرض الله حجه على كل من استطاع إليه سبيلًا، وأنه هو والدليل في هذا الفرض سواء. فهو لم يحج تقليدًا للدليل، ولم يصل تقليدًا للإمام. وقد استأجر النبي ﷺ ، دليلًا يدله على طريق المدينة لما هاجر الهجرة التي فرضها الله عليه (٢). وصلى خلف عبد الرحمن بن عوف مأمومًا (٣)، والعالم يُصلِّي خلف مثله، ومن هو دونه، بل خلف من ليس بعالم، وليس من تقليده في شيء، يوضحه: الوجه الحادي والسبعون: إن المأموم يأتي بمثل ما يأتي به الإمام سواء، والركب (٤) يأتي بمثل ما أتوا به سواء من معرفة الدليل، وتقديم الحجة وتحكيمها حيث كانت، مع من كانت، فهذا يكون متبعًا لهم. وأما من أعرض عن الأصل الذي قامت عليه إمامتهم ويسلك غير سبيلهم ثم يدعي أنه مؤتم بهم، فتلك أمانيهم، ويقال لهم: ﴿هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: ١١١] (٥).

стр. 1595

سورة الغاشية الباب الأول قوله تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (٢١) لَسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ (٢٢) إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ (٢٣) فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ﴾ [الغاشية: ٢١ - ٢٤]. قال (ك): «وقوله تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (٢١) لَسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ﴾ أي: فذكر يا محمد الناس بما أرسلت به إليهم ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ﴾ [الرعد: ٤٠] ولهذا قال: ﴿لَسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ﴾ أي: لست تخلق الإيمان في قلوبهم، وعن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله » ثم قرأ: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (٢١) لَسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ﴾ (١). وهذا الحديث مخرج في «الصحيحين» (٢). بدون ذكر هذه الآية، وقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ﴾ أي: تولّى عن العمل بأركانه، وكفر بالحق بجنانه ولسانه، وهذا كقوله تعالى: ﴿فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى (٣١) وَلَكِن كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ [القيامة: ٣١، ٣٢] ولهذا قال: ﴿فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ﴾ وروى الإمام أحمد عن أبي أمامة الباهلي أنه مرّ على خالد بن يزيد بن معاوية فسأله عن ألين كلمة سمعها من رسول الله ﷺ ، فقال: «سمعت من رسول الله ﷺ يقول: «كلكم يدخل الجنة إلا من شرد على الله شراد البعير على أهله» (٣).» (٤).

стр. 1596

فصل قال محمد تقي الدين: هذه السورة مكية نزلت قبل أن يأمر الله رسوله بقتال المشركين من أهل جزيرة العرب حتى يسلموا فلم يكن عليه إلا البلاغ، وأخبر الله تعالى أن من أعرض عن تذكرة النبي ﷺ ، وكفر بها يعذبه الله العذاب الأكبر في الدنيا والآخرة، ومن ادعى أنه لم يكفر بها ولكنه امتنع من العمل بما جاء به الرسول ﷺ ، كأهل هذا الزمان الذين يحلون الربا وشرب الخمر والزنا وغير ذلك فادعاؤهم الإيمان لا ينفعهم مثقال ذرة وسيعذبهم الله العذاب الأكبر، وقد فعل سبحانه فإن عجز ثمان مائة مليون عن مقاومة ثلاثة ملايين هو من العذاب الأكبر ﴿وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٢٦]، وكذلك المقلد الذي يأمره النبي ﷺ أن يصلي على هيئة مخصوصة أو يتوضأ أو يحج أو يعقد النكاح أو يؤتي الزكاة أو يبيع ويشتري وما أشبه ذلك، فيعصي أمر النبي ﷺ لأنه خالف مذهب إمامه أيضًا يعذبه الله العذاب الأكبر (١). قال صاحب «الدين الخالص» (٤/ ٣٧٥) ما نصه: «الوجه الثاني والسبعون قولكم: إن أصحاب رسول الله ﷺ فتحوا البلاد، وكان الناس حديثي عهد بالإسلام وكانوا يفتونهم، ولم يقولوا لأحد منهم: عليك أن تطلب معرفة الحق في هذه الفتوى بالدليل. جوابه: إنهم لم يفتوهم بآرائهم، وإنما بلغوهم ما قاله نبيهم، وفعله، وأمر به، فكان ما أفتوهم به هو الحكم، وهو الحجة، وقالوا لهم: هذا عهد نبينا إلينا، وهو عهدنا إليكم، فكان ما يخبرونهم به هو نفس الدليل، وهو الحكم. فإن كلام رسول الله ﷺ هو الحكم، وهو دليل الحكم، وكذلك القرآن، وكان الناس إذ ذاك، إنما يحرصون على (٢) ما قاله نبيهم وفعله، وأمر به. وإنما يُبلغهم الصحابة ذلك. فأين هذا من زمان، إنما يحرص الناس فيه على ما قاله الآخر فالآخر،

стр. 1597

وكلما تأخر الرجل أخذوا كلامه، وهجروا - أو كادوا يهجرون -، كلام من فوقه، حتى تجد أتباع الأئمة أشد الناس هجرا لكلامهم. وأهل كل عصر إنما يقضون ويفتون بقول الأدنى إليهم. وكلما بعد العهد، ازداد كلام المتقدم هجرا ورغبة عنه، حتى إن كتبه لا تكاد تجد فيهم (١) منها شيئا بحسب تقدم زمانه. ولكن أين قال أصحاب رسول الله ﷺ للتابعين: «لينصب كل منكم لنفسه رجلا يختاره ويقلده دينه ولا يلتفت إلى غيره، ولا يتلق (٢) الأحكام من الكتاب والسنة، بل من تقليد الرجال فإذا جاءكم عن الله ورسوله شيء، وعمن نصبتموه إماما تقلدونه، فخذوا بقوله، ودعوا ما بلغكم عن الله ورسوله». فوالله لو كشف الغطاء لكم، وحقت الحقائق، لرأيتم نفوسكم وطريقكم مع الصحابة كما قال الأول: نزلوا بمكة في قبائل هاشم … ونزلت بالبيداء أبعد منزل (٣) سارت مشرقة وسرت مغربا … شتان بين مشرق ومغرب (٤) وقال آخر (٥): أيها المنكح الثريا سهيلا … عمرك الله كيف يلتقيان هي شامية إذا ما استقلت … وسهيل إذا استقل يماني (٦) الوجه الثالث (٧) والسبعون قولكم: إن التقليد من لوازم الشرع والقدر. والمنكرون له مضطرون إليه ولا بد، كما تقدم بيانه من الأحكام. جوابه: إن التقليد المنكر المذموم ليس من لوازم الشرع، وإن كان من

стр. 1598

لوازم القدر، بل بطلانه وفساده من لوازم الشرع: كما عرف بهذه الوجوه التي ذكرناها، وأضعافها، وإنما الذي من لوازم الشرع، المتابعة، وهذه المسائل التي ذكرتم إنها من لوازم الشرع، ليست تقليدًا، وإنما هي متابعة وامتثال للأمر، فإن أبيتم إلا تسميتها تقليدًا، فالتقليد بهذا الاعتبار حق وهو من الشرع ولا يلزم من ذلك أن يكون التقليد الذي وقع النزاع فيه من الشرع ولا من لوازمه، وإنما بطلانه من لوازمه» (١).

стр. 1599

سورة البلد الباب الأول قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَل لَهُ عَيْنَيْنِ (٨) وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ (٩) وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ (١٠) فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (١١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ (١٢) فَكُّ رَقَبَةٍ (١٣) أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (١٤) يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ (١٥) أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ (١٦) ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ (١٧) أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ (١٨) وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا هُمْ أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ (١٩) عَلَيْهِمْ نَارٌ مُؤْصَدَةٌ﴾ [البلد: ٨ - ٢٠]. قال (ك): وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَل لَهُ عَيْنَيْنِ﴾ أي: يبصر بهما، ﴿وَلِسَانًا﴾ ينطق به، فيعبّر عما في ضميره، ﴿وَشَفَتَيْنِ﴾ يستعين بهما على الكلام، وأكل الطعام، وجمالًا لوجهه وفمه؟ ويروى في بعض الأحاديث القدسية ما معناه: «يا ابن آدم إنّ من نعمي عليك أن جعلت لك عينين تنظر بهما، وجعلت لهما غطاء فانظر بعينيك ما أحللت لك، وأطبق غطاءهما عما حرمت عليك، وخلقت لسانك وجعلت له غلافًا، فتكلم بما أمرتك وأحللت لك، وأغلقه عما حرمت عليك. وجعلت لك فرجًا وجعلت لك سترًا، فأصب بفرجك ما أحللت لك وأبعده عما حرمت عليك، يا ابن آدم إنك لا تحمل سخطي ولا تطيق انتقامي» (١). ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ أي: الطريقين الخير والشر، ونظير ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ [الإنسان: ٣].

стр. 1600

العقبة جبل في جهنم قاله ابن عمر (١). قال قتادة: إنها عقبة قحمة شديدة فاقتحموها بطاعة الله. ثم قال: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ﴾ ثم أخبر تعالى عن اقتحامها فقال: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ أو إطعام. قال ابن زيد: ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (١١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ (١٢) فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ أي: فلا (٢) سلك الطريق التي فيها النجاة والخير ثم بينها فقال تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ (١٢) فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ الرقبة المملوك، وروى الإمام أحمد عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «من أعتق رقبة مؤمنة أعتق الله بكل إرب - أي: عضو - منها، إربًا منه من النار حتى إنه ليعتق باليد اليد وبالرجل الرجل وبالفرج الفرج» (٣). قال علي بن الحسين: أنت سمعت هذا من أبي هريرة؟ فقال سعيد: نعم، فقال علي بن الحسين لغلام له - أفره غلمانه (٤) -: ادع لي مطرفًا، فلما قام بين يديه قال: «اذهب فأنت حر لوجه الله» رواه البخاري ومسلم (٥). وقوله تعالى: ﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾ قال ابن عباس: أي ذي مجاعة (٦) أو (٧) يتيمًا أي: أطعم في مثل هذا اليوم يتيمًا ﴿ذَا مَقْرَبَةٍ﴾ أي: ذا قرابة من المطعم: كما جاء في الحديث الذي رواه أحمد عن سلمان بن عامر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «الصدقة على المسكين صدقة، وعلى ذي الرحم اثنتان صدقة وصلة» (٨). وقوله تعالى: ﴿أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ﴾ أي: فقيرًا

стр. 1601

مدقعًا لاصقًا بالتراب وهو الذي لا بيت له ولا شيء يقيه من التراب ولا أحد له، وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ثم هو - أي المتصدق مع هذه الأوصاف الجميلة الطاهرة - مؤمن بقلبه محتسب ثواب ذلك عند الله، كما قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ [النحل: ٩٧] وقوله تعالى: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ﴾ أي: كان من المؤمنين العاملين صالحًا، المتواصين بالصبر على أذى الناس وعلى الرحمة بهم (١) كما جاء في الحديث: «الراحمون يرحمهم الرحمن ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء» (٢). وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ﴾ أي: المتصفون بهذه الصفات من أصحاب اليمين، ثم قال: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا هُمْ أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ﴾ أي: أصحاب الشمال ﴿عَلَيْهِمْ نَارٌ مُؤْصَدَةٌ﴾ أي: «مطبقة عليهم فلا محيد عنها ولا خروج منها، ولا فرج إلى آخر الأبد فلا تستقر أقدامهم على قرار ولا ينظرون إلى أديم السماء أبدًا، ولا تلتقي جفون أعينهم على غمض نوم أبدًا، ولا يذوقون فيها بارد شراب أبدًا»، رواه ابن أبي حاتم عن أبي عمران الجوني» (٣). فصل قال محمد تقي الدين: قوله تعالى: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ أحد النجدين اتباع الرسول والتمسك بما جاء به والموالاة عليه والمعاداة عليه والحب فيه

стр. 1602

والبغض فيه. والثاني: الكفر بما جاء به الرسول أو الإيمان الكاذب الذي لا عمل معه والمتبعون لهذا النجد خاسرون كلهم وأصحاب النجد الثاني مغالطون فكيف يجتمع الإيمان بالرسول مع معصية الرسول؟ وما أحسن قول الشاعر: تعصي الرسول (١) وأنت تظهر حبه … هذا محال في القياس بديع لو كان حبك صادقا لأطعته … إن المحب لمن يحب مطيع (٢) فتصور في هذا الزمان رجلا انتمى إلى حزب سياسي يوجه إليه مكتب الحزب الدعوة بعد الدعوة فلا يحضر ولا يعتذر ولا يدفع اشتراكا ولم يدع أحدا ليدخل في الحزب، فهل يعقل أن رئيس الحزب يقبله عضوا في حزبه؟ كلا بل يتبرأ منه الحزب كل البراءة ويعاديه أشد العداوة. قال صاحب «الدين الخالص» (٤/ ٣٧٧) ما نصه: «الوجه الرابع والسبعون: إن ما كان من لوازم الشرع، فبطلان ضده من لوازم الشرع، فلو كان التقليد الذي وقع فيه النزاع من لوازم الشرع، لكان بطلان الاستدلال، واتباع الحجة في موضع التقليد من لوازم الشرع، فإن ثبوت أحد النقيضين يقتضي انتفاء الآخر، وصحة أحد الضدين توجب بطلان الآخر. ونحرره دليلا فنقول: لو كان التقليد من الدين لم يجز العدول عنه إلى الاجتهاد والاستدلال؛ لأنه يتضمن بطلانه، فإن قيل: كلاهما من الدين، وأحدهما أكمل من الآخر، فيجوز العدول من المفضول إلى الفاضل. قيل: إذا كان قد انسد باب الاجتهاد عندكم، وقطعت طريقته (٣)، وصار الفرض هو التقليد، فالعدول عنه إلى ما قد سد بابه، وقطعت طريقه، يكون - عندكم - مصيبة (٤)، وفاعله آثم. وفي هذا من قطع طريق العلم، وإبطال حجة (٥) الله وبيناته، وخلو الأرض من قائم لله بحججه، ما يبطل هذا القول ويدحضه. وقد ضمن النبي ﷺ : أنه لا تزال طائفة من أمته على الحق لا يضرهم من خذلهم، ولا من خالفهم حتى تقوم الساعة (٦).

стр. 1603

وهؤلاء هم أولوا العلم والمعرفة بما بعث الله به رسوله، فإنهم على بصيرة (١) من دينه بخلاف الأعمى الذي قد شهد على نفسه بأنه ليس من أولي العلم والبصائر، والمقصود أن الذي هو من لوازم الشرع: المتابعة (٢) والاقتداء، وتقديم النصوص على آراء الرجال، وتحقيم الكتاب والسنة في كل ما تنازع فيه العلماء. وأما الزهد في النصوص، والاستغناء عنها بآراء الرجال، وتقديمها عليها، والإنكار على من جعل كتاب الله وسنة رسوله، وأقوال الصحابة نصب عينيه، وعرض أقوال العلماء عليها، ولم يتخذ من دون الله، ولا رسوله وليجة، فبطلانه من لوازم الشرع، ولا يتم الدين إلا بإنكاره وإبطاله، فهذا لون، والاتباع لون، والله الموفق. الوجه السادس والسبعون (٣): قولكم: منعتم من التقليد خشية وقوع المقلد في الخطأ، بأن يكون من قلده مخطئا في فتواه، ثم أوجبتم عليه النظر والاستدلال في طلب الحق، ولا ريب أن صوابه (٤) في تقليده لمن هو أعلم منه أقرب من اجتهاده هو لنفسه، كمن أراد شراء سلعة لا خبرة له بها، فإنه إذا قلد عالما بتلك السلعة خبيرا بها، أمينا ناصحا، كان صوابه وحصول غرضه أقرب من اجتهاده لنفسه. جوابه من وجوه: أحدها: إنا منعنا التقليد طاعة لله ورسوله، والله (٥) منع منه وذم أهله في كتابه، وأمر بتحقيمه وتحقيم رسوله، ورد ما تنازعت فيه الأمة إليه وإلى رسوله، وأخبر أن الحكم له وحده، ونهى أن يتخذ من دونه أو دون رسوله وليجة، وأمر أن يعتصم بكتابه، ونهى أن يتخذ من دونه أولياء وأربابا يحل من اتخذهم ما أحلوه ويحرم ما حرموه، وجعل من لا علم له بما أنزله على رسوله بمنزلة

стр. 1604

الأنعام، وأمر بطاعة أولي الأمر إذا كانت طاعتهم طاعة لرسوله، بأن يكونوا متبعين لأمره مخبرين به، وأقسم بنفسه - سبحانه - أنه (١) لا نؤمن حتى نحكم الرسول خاصة فيما شجر بيننا، لا نحكم غيره، ثم لا نجد في أنفسنا حرجًا مما حكم به كما يجده المقلدون إذا جاء حكمه خلاف قول مَنْ قلدوه، وأن نسلّم لحكمه تسليمًا، كما يسلم المقلدون لأقوال من قلدوه، تسليمًا (٢) أعظم من تسليمهم وأكمل والله المستعان، وذم من حاكم إلى غير الرسول. وهذا كما أنه ثابت في حياته، فهو ثابت بعد مماته. فلو كان حيًا بين أظهرنا وتحاكمنا إلى غيره، لكنا من أهل الذم [والتقليد] (٣)، والوعيد، فسنته وما جاء به من الهدى ودين الحق لم تمت، وإن فقد بين الأمة شخصه الكريم، فلم تفقد من بيننا سنته ودعوته وهديه، والعلم والإيمان - بحمد الله - مكانهما، من ابتغاهما وجدهما. وقد ضمن الله سبحانه حفظ الذكر الذي أنزله على رسوله، فلا يزال محفوظًا بحفظ الله، محميا بحمايته؛ لتقوم حجة الله على عباده (٤) قرنًا بعد قرن. إذ كان نبيهم آخر الأنبياء ولا نبي بعده. فكان حفظه لدينه وما أنزله على رسوله مغنيًا عن رسول آخر بعد خاتم الرسل، والذي أوجبه الله سبحانه وفرضه على الصحابة، من تلقي العلم والهدى من القرآن والسنة دون غيرهما، هو - بعينه - واجب على من بعدهم، وهو محكم لم يُنسخ ولا يتطرق إليه النسخ حتى ينسخ الله العالم ويطوي الدنيا، وقد ذم الله تعالى من إذا دُعي إلى ما أنزل الله وإلى رسوله صدّ وأعرض، وحذره أن تصيبه مصيبة - بإعراضه عن ذلك - في قلبه ودينه ودنياه، وحذر من خالف عن أمره واتبع غيره، أن تصيبه فتنة أو يصيبه عذاب أليم، فالفتنة في قلبه، والعذاب الأليم في بدنه وروحه، وهما متلازمان، فمن فتن في قلبه - بإعراضه عما جاء به ومخالفته له إلى غيره - أصيب بالعذاب الأليم، ولا بد. وأخبر سبحانه أنه إذا قضى أمرًا على لسان رسوله، لم يكن لأحد من

стр. 1605

المؤمنين أن يختار من أمره غير ما قضاه، فلا خيرة بعد قضائه لمؤمن البتة. ونحن نسأل المقلدين: هل يمكن أن يخفى (١) عليه ذلك الذي (٢) أنزلوه فوق منزلة أبي بكر وعمر وعثمان وعلي والصحابة كلهم، فليس أحد منهم إلا وقد خفي عليه بعض ما قضى الله ورسوله به. فهذا الصديق أعلم الأمة به، خفي عليه ميراث الجدة، حتى أعلمه به محمد بن مسلمة، والمغيرة بن شعبة (٣)، وخفي عليه أن (٤) الشهيد لا دية له حتى أعلمه به عمر، فرجع إلى قوله» (٥). ثم ذكر صاحب «الدين الخالص» مسائل عن عمر نذكر بعضها: «فمنها: أنه خفي على (عمر) تيمم الجنب فقال: لو بقي شهرا لم يصل حتى يغتسل (٦). وخفي عليه دية الأصابع، فقضى في الإبهام والتي تليها بخمس وعشرين، حتى أخبر أن في كتاب النبي إلى عمرو بن حزم (٧) أن رسول الله ﷺ ، قضى فيها بعشر (٢)، فترك قوله ورجع إليه (٨).

стр. 1606

وخفي عليه شأن الاستئذان حتى أخبره به أبو موسى وأبو سعيد الخدري (١). وخفي عليه توريث المرأة من دية زوجها، حتى كتب إليه الضحاك بن سفيان الكلابي - وهو أعرابي من أهل البادية - «إن رسول الله ﷺ ، أمره أن يورث امرأة أَشْيَم الضبابي من دية زوجها» (٢). وخفي عليه حكم إملاص (٣) المرأة حتى سأل عنه فوجده عند المغيرة بن شعبة (٤).

стр. 1607

وخفي عليه أمر المجوس في الجزية حتى أخبره عبد الرحمن بن عوف أن رسول الله ﷺ أخذها من مجوس هَجَر (١). وخفي عليه سقوط طواف الوداع عن الحائض فكان يردهن حتى يطهرن ثم يطفن، حتى بلغه عن النبي ﷺ خلاف ذلك فرجع عن قوله (٢).

стр. 1608

وخفي عليه شأن متعة الحج وكان ينهى عنها حتى وقف على أن النبي ﷺ أمر بها فترك قوله وأمر بها (١). وخفي عليه جواز التسمي بأسماء الأنبياء فنهى عنه، حتى أخبره به طلحة أن النبي ﷺ كناه أبا محمد، فأمسك ولم يتماد (٢) على النهي (٣)، هذا وأبو موسى

стр. 1609

ومحمد بن مسلمة وأبو أيوب من أشهر الصحابة ولم يمر بباله أمر هو بين يديه حتى نهى عنه. وكما خفي عليه قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر: ٣٠] وقوله: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٤٤] حتى قال: والله كأني ما سمعتها قط قبل وقتي هذا (١)» (٢). فصل قال محمد تقي الدين ومقصود المصنف بسرد هذه المسائل، أن يقيم الحجة على المقلدين الذين يزعمون أن إمامهم وأهل مذهبهم أحاطوا علمًا بجميع المسائل وعرفوا جميع الأحاديث فإذا قيل لهم: لماذا لم تعملوا بهذا الحديث؟ أجابوا بقولهم: إمامنا أعلم به ولا يمكن أن يخفى عليه وما ترك العمل به إلا لعلة، إما أن يكون منسوخًا أو ضعيفًا عنده، أو عنده حديث آخر يعارضه، ولم نطلع عليه، فإذا رأوا أن كبار الصحابة يخفى عليهم كثير من السنن ويفتون بخلافها، حتى إذا ظهر الحق لهم ممن هو دونهم في العلم تركوا أقوالهم ورجعوا إليه، وهذا هو الواجب على كل مسلم، وإن كان أعلم الناس.

стр. 1610

سورة الشمس الباب الأول قوله تعالى: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (٨) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشمس: ٨ - ١٠] قال (ك): وقوله تعالى: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ أي: فأرشدها إلى فجورها وتقواها، وبيّن لها الخير والشر. وقوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ أي: قد أفلح من زكى نفسه بطاعة الله . وروى ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول في قول الله : ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾ قال ﷺ : «أفلحت نفس زكاها الله » (١)، وكان رسول الله ﷺ إذا مر بهذه الآية ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾، وقف ثم قال: «اللهم آت نفسي تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها» (٢).» (٣). فصل قال محمد تقي الدين: قسم الله سبحانه الناس قسمين: قسم: مفلحون فائزون بكل ما أملوا، ناجون من كل ما خافوا سعداء في الدنيا والآخرة. وقسم:

стр. 1611

خائبون خاسرون أشقياء في الدنيا والآخرة؛ فالمفلحون هم الذي زكوا أنفسهم باتباع كتاب الله وسنة رسوله إيمانا واعتقادا وعملا، والخائبون الخاسرون هم الذين خالفوهما أو كفروا بهما، وتقليد المذاهب واتباع الطرائق يفضيان إلى مخالفتهما لا محالة، فيمنعان صاحبهما من تزكية نفسه ويوقعانه في الخيبة والخسران. قال صاحب «الدين الخالص» (٤/ ٣٨٥) ما نصه: «الوجه السابع والسبعون: أن نقول لطائفة المقلدين: هل تسوغون تقليد كل عالم من السلف والخلف، أم تقليد (١) بعضهم دون بعض، فإن سوغتم تقليد الجميع، كان تسويغكم لتقليد من انتميتم إلى مذهبه كتسويغكم لتقليد غيره سواء. فكيف صارت أقوال هذا العالم مذهبا لكم تفتون وتقضون بها، وقد سوغتم من تقليد هذا ما سوغتم من تقليد الآخر؟ فكيف صار هذا صاحب مذهبكم دون هذا، وكيف استجزتم أن تردوا أقوال هذا، وتقلدوا أقوال هذا، وكلاهما عالم يسوغ اتباعه؟ فإن كانت أقواله من الدين فكيف ساغ لكم دفع الدين؟ وإن لم تكن أقواله من الدين فكيف سوغتم تقليده؟ وهذا لا جواب لكم عنه؛ يوضحه: الوجه الثامن والسبعون: إن من قلدتموه إذا روي عنه روايتان (٢)، سوغتم العمل بهما، وقلدتم مجتهدا (٣) له قولان، فقلتم: يسوغ لنا (٤) الأخذ بهذا وهذا. وكان القولان جميعا مذهبا لكم، فهلا جعلتم قول نظيره من المجتهدين بمنزلة قوله الآخر، وجعلتم القولين جميعا مذهبا لكم، وربما كان قول نظيره، ومن هو أعلم منه، أرجح من قوله الآخر، وأقرب إلى الكتاب والسنة؟ يوضحه: الوجه التاسع والسبعون: إنكم - معاشر المقلدين - إذا قال بعض أصحابكم ممن قلدتموه قولا خلاف قول المتبوع، أو خرجه على قوله (٥) جعلتموه وجها

стр. 1612

وقضيتم وأفتيتم به وألزمتم بمقتضاه، فإذا قال الإمام الذي هو نظير متبوعكم، أو فوقه، قولًا يخالفه، لم تلتفتوا إليه ولم تعدوه شيئًا. ومعلوم أن واحدًا من الأئمة الذين هم نظراء (١) متبوعكم أجل من جميع أصحابه، من أولهم إلى آخرهم، فقدّروا أسوأ التقادير أن يكون قوله بمنزلة وجه في مذهبكم. فيا الله للعجب، صار من أفتى أو حَكَم بقول واحد من مشايخ المذهب، أحق بالقبول ممن أفتى بقول الخلفاء الراشدين، وابن مسعود، وابن عباس، وأبي بن كعب، وأبي الدرداء، ومعاذ بن جبل؟! وهذا من بركة التقليد عليكم!!» (٢).

стр. 1613

سورة العصر الباب الأخير قوله تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر: ١ - ٣] قال (ك): «﴿وَالْعَصْرِ﴾ الزمان، وقال زيد بن أسلم: صلاة العصر، والمشهور الأول، فأقسم تعالى بذلك على الإنسان (١) لفي خسارة وهلاك ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ فاستثنى من جنس الإنسان من الخسران: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بقلوبهم ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ بجوارحهم ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ أي: على المصائب والأقدار وأذى من يؤذيهم (٢) ممن يأمرونه بالمعروف وينهونه عن المنكر» (٣). ذكروا أن عمرو بن العاص وَفَد على مسيلمة الكذاب، وذلك بعدما بعث رسول الله ﷺ وقبل أن يسلم عمرو، فقال له مسيلمة: ماذا أنزل على صاحبكم في هذه المدة؟ فقال: لقد أنزل عليه سورة وجيزة بليغة، فقال: وما هي؟ فقال: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ ففكر مسيلمة هنيهة ثم قال: وقد أنزل علي مثلها، فقال له عمرو: وما هو؟ فقال: يا وَبر (٤) إنما أنت أذنان وصدر وحفر وسترك ونقر (٥) ثم قال: كيف ترى يا عمرو؟ فقال عمرو: والله إنك لتعلم أني أعلم أنك تكذب (٦).

стр. 1614

وقد رأيت أبا بكر الخرائطي أسند في كتابه المعروف بـ «مساوئ الأخلاق» (١) في الجزء الثاني منه شيئًا من هذا أو قريبًا منه، والوبر: دويبة تشبه الهر أعظم شيء فيه أذناه وصدره وباقيه دميم، فأراد مسيلمة أن يركب من هذا الهذيان ما يعارض به القرآن، فلم يرج (٢) ذلك على عابد الأوثان في ذلك الزمان» (٣). فصل قال محمد تقي الدين: ختمت هذا الكتاب المبارك - وأسأل الله أن ينفعنا به وينفع به كثيرًا من خلقه - بسورة العصر التي قال فيها الشافعي ﵀: «لو لم ينزل الله تعالى على عباده إلا هذه السورة لكفتهم» (٤). ووجه الاستدلال بها على اتباع الكتاب والسنة وترك مخالفتهما لقول أحد من الناس كائنًا من كان، ظاهر مفهوم قوله تعالى في مدح عباده الصالحين: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ﴾؛ لأن الذين يقلدون المذاهب تقليد أعمى دون أن يسألوهم عن دليل من الكتاب والسنة لم يتواصوا بالحق، بل تواصوا بالباطل وابتدعوا في دين الله. قال صاحب «الدين الخالص» (٤/ ٣٨٦) ما نصه: «الوجه الثمانون: إنكم إن رُمتم التخلص من هذه الخطة (٥) وقلتم: بل سَوَّغوا (٦) تقليد بعضهم دون بعض، وقالت كلُّ فرقة منكم: يسوغ أو يجب تقليد من قلدناه من الأئمة الذين هم مثله أو أعلم منه، كان أقل ما في ذلك معارضة قولكم بقول الفرقة الأخرى في ضرب هذه الأقوال بعضها ببعض. ثم يقال: ما الذي جعل متبوعكم أولى بالتقليد من متبوع الفرقة الأخرى، بأي كتاب أم بأي سنة؟

стр. 1615

وهل تقطعت الأمة أمرها بينها زُبُرًا، وصار ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ إلا بهذا السبب؟! فكل طائفة تدعو إلى متبوعها، وتنأى عن غيره، وتنهى عنه، وذلك مُفْضِ إلى التفريق بين الأمة، وجعل دين الله تابعًا للتشهي والأغراض، وعُرضة للاضطراب والاختلاف، وهذا كله يدلُّ (١) على أن التقليد ليس من عند الله، للاختلاف الكثير الذي فيه. ويكفي في فساد هذا المذهب: تناقض أصحابه، ومعارضة أقوالهم بعضها ببعض، ولو لم يكن فيه من الشناعة إلا إيجابهم تقليد صاحبهم، وتحريمهم تقليد الواحد من أكابر الصحابة كما صرحوا به في كتبهم، [لكان كافيًا في الشناعة] (٢). الوجه الحادي والثمانون: إن المقلدين حكموا على الله - قدرًا وشرعًا - بالحكم الباطل جهارًا، المخالف لما أخبر به رسوله، فأخلوا الأرض من القائمين الله بحججه (٣)، وقالوا: لم يبق في الأرض عالم منذ الأعصار المتقدمة، فقالت طائفة: ليس لأحد أن يختار بعد أبي حنيفة وأبي يوسف، وزُفّر بن الهذيل، ومحمد بن الحسن، والحسن بن زياد اللؤلؤي، وهذا قول كثير من الحنفية، وقال بكر بن العلاء القشيري المالكي: ليس لأحد أن يختار بعد المائتين من الهجرة، وقال آخرون: ليس لأحد أن يختار بعد الأوزاعي، وسفيان الثوري، ووكيع بن الجراح، وعبد الله بن المبارك. وقالت طائفة: ليس لأحد أن يختار بعد الشافعي، واختلف المقلدون من أتباعه فيمن يؤخذ بقوله من المنتسبين إليه، ويكون له وجه يُفتي ويحكم به، ومن ليس كذلك، وجعلوهم ثلاث مراتب: ١ - طائفة أصحاب وجوه، كابن سريج (٤)، والقفال، وأبي حامد (٥). ٢ - وطائفة أصحاب احتمالات لا أصحاب وجوه؛ كأبي المعالي. ٣ - وطائفة ليسوا أصحاب وجوه ولا احتمالات؛ كأبي حامد (٦) وغيره.
следующие страницы →