← Акыда

Акыда · id 30197

سبيل الرشاد في هدي خير العباد

محمد تقي الدين الهلالي

Полный текст (2 277 стр.). Показаны 1611–1650 · переход к 1616.

стр. 1611

خائبون خاسرون أشقياء في الدنيا والآخرة؛ فالمفلحون هم الذي زكوا أنفسهم باتباع كتاب الله وسنة رسوله إيمانا واعتقادا وعملا، والخائبون الخاسرون هم الذين خالفوهما أو كفروا بهما، وتقليد المذاهب واتباع الطرائق يفضيان إلى مخالفتهما لا محالة، فيمنعان صاحبهما من تزكية نفسه ويوقعانه في الخيبة والخسران. قال صاحب «الدين الخالص» (٤/ ٣٨٥) ما نصه: «الوجه السابع والسبعون: أن نقول لطائفة المقلدين: هل تسوغون تقليد كل عالم من السلف والخلف، أم تقليد (١) بعضهم دون بعض، فإن سوغتم تقليد الجميع، كان تسويغكم لتقليد من انتميتم إلى مذهبه كتسويغكم لتقليد غيره سواء. فكيف صارت أقوال هذا العالم مذهبا لكم تفتون وتقضون بها، وقد سوغتم من تقليد هذا ما سوغتم من تقليد الآخر؟ فكيف صار هذا صاحب مذهبكم دون هذا، وكيف استجزتم أن تردوا أقوال هذا، وتقلدوا أقوال هذا، وكلاهما عالم يسوغ اتباعه؟ فإن كانت أقواله من الدين فكيف ساغ لكم دفع الدين؟ وإن لم تكن أقواله من الدين فكيف سوغتم تقليده؟ وهذا لا جواب لكم عنه؛ يوضحه: الوجه الثامن والسبعون: إن من قلدتموه إذا روي عنه روايتان (٢)، سوغتم العمل بهما، وقلدتم مجتهدا (٣) له قولان، فقلتم: يسوغ لنا (٤) الأخذ بهذا وهذا. وكان القولان جميعا مذهبا لكم، فهلا جعلتم قول نظيره من المجتهدين بمنزلة قوله الآخر، وجعلتم القولين جميعا مذهبا لكم، وربما كان قول نظيره، ومن هو أعلم منه، أرجح من قوله الآخر، وأقرب إلى الكتاب والسنة؟ يوضحه: الوجه التاسع والسبعون: إنكم - معاشر المقلدين - إذا قال بعض أصحابكم ممن قلدتموه قولا خلاف قول المتبوع، أو خرجه على قوله (٥) جعلتموه وجها

стр. 1612

وقضيتم وأفتيتم به وألزمتم بمقتضاه، فإذا قال الإمام الذي هو نظير متبوعكم، أو فوقه، قولًا يخالفه، لم تلتفتوا إليه ولم تعدوه شيئًا. ومعلوم أن واحدًا من الأئمة الذين هم نظراء (١) متبوعكم أجل من جميع أصحابه، من أولهم إلى آخرهم، فقدّروا أسوأ التقادير أن يكون قوله بمنزلة وجه في مذهبكم. فيا الله للعجب، صار من أفتى أو حَكَم بقول واحد من مشايخ المذهب، أحق بالقبول ممن أفتى بقول الخلفاء الراشدين، وابن مسعود، وابن عباس، وأبي بن كعب، وأبي الدرداء، ومعاذ بن جبل؟! وهذا من بركة التقليد عليكم!!» (٢).

стр. 1613

سورة العصر الباب الأخير قوله تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر: ١ - ٣] قال (ك): «﴿وَالْعَصْرِ﴾ الزمان، وقال زيد بن أسلم: صلاة العصر، والمشهور الأول، فأقسم تعالى بذلك على الإنسان (١) لفي خسارة وهلاك ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ فاستثنى من جنس الإنسان من الخسران: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بقلوبهم ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ بجوارحهم ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ أي: على المصائب والأقدار وأذى من يؤذيهم (٢) ممن يأمرونه بالمعروف وينهونه عن المنكر» (٣). ذكروا أن عمرو بن العاص وَفَد على مسيلمة الكذاب، وذلك بعدما بعث رسول الله ﷺ وقبل أن يسلم عمرو، فقال له مسيلمة: ماذا أنزل على صاحبكم في هذه المدة؟ فقال: لقد أنزل عليه سورة وجيزة بليغة، فقال: وما هي؟ فقال: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ ففكر مسيلمة هنيهة ثم قال: وقد أنزل علي مثلها، فقال له عمرو: وما هو؟ فقال: يا وَبر (٤) إنما أنت أذنان وصدر وحفر وسترك ونقر (٥) ثم قال: كيف ترى يا عمرو؟ فقال عمرو: والله إنك لتعلم أني أعلم أنك تكذب (٦).

стр. 1614

وقد رأيت أبا بكر الخرائطي أسند في كتابه المعروف بـ «مساوئ الأخلاق» (١) في الجزء الثاني منه شيئًا من هذا أو قريبًا منه، والوبر: دويبة تشبه الهر أعظم شيء فيه أذناه وصدره وباقيه دميم، فأراد مسيلمة أن يركب من هذا الهذيان ما يعارض به القرآن، فلم يرج (٢) ذلك على عابد الأوثان في ذلك الزمان» (٣). فصل قال محمد تقي الدين: ختمت هذا الكتاب المبارك - وأسأل الله أن ينفعنا به وينفع به كثيرًا من خلقه - بسورة العصر التي قال فيها الشافعي ﵀: «لو لم ينزل الله تعالى على عباده إلا هذه السورة لكفتهم» (٤). ووجه الاستدلال بها على اتباع الكتاب والسنة وترك مخالفتهما لقول أحد من الناس كائنًا من كان، ظاهر مفهوم قوله تعالى في مدح عباده الصالحين: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ﴾؛ لأن الذين يقلدون المذاهب تقليد أعمى دون أن يسألوهم عن دليل من الكتاب والسنة لم يتواصوا بالحق، بل تواصوا بالباطل وابتدعوا في دين الله. قال صاحب «الدين الخالص» (٤/ ٣٨٦) ما نصه: «الوجه الثمانون: إنكم إن رُمتم التخلص من هذه الخطة (٥) وقلتم: بل سَوَّغوا (٦) تقليد بعضهم دون بعض، وقالت كلُّ فرقة منكم: يسوغ أو يجب تقليد من قلدناه من الأئمة الذين هم مثله أو أعلم منه، كان أقل ما في ذلك معارضة قولكم بقول الفرقة الأخرى في ضرب هذه الأقوال بعضها ببعض. ثم يقال: ما الذي جعل متبوعكم أولى بالتقليد من متبوع الفرقة الأخرى، بأي كتاب أم بأي سنة؟

стр. 1615

وهل تقطعت الأمة أمرها بينها زُبُرًا، وصار ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ إلا بهذا السبب؟! فكل طائفة تدعو إلى متبوعها، وتنأى عن غيره، وتنهى عنه، وذلك مُفْضِ إلى التفريق بين الأمة، وجعل دين الله تابعًا للتشهي والأغراض، وعُرضة للاضطراب والاختلاف، وهذا كله يدلُّ (١) على أن التقليد ليس من عند الله، للاختلاف الكثير الذي فيه. ويكفي في فساد هذا المذهب: تناقض أصحابه، ومعارضة أقوالهم بعضها ببعض، ولو لم يكن فيه من الشناعة إلا إيجابهم تقليد صاحبهم، وتحريمهم تقليد الواحد من أكابر الصحابة كما صرحوا به في كتبهم، [لكان كافيًا في الشناعة] (٢). الوجه الحادي والثمانون: إن المقلدين حكموا على الله - قدرًا وشرعًا - بالحكم الباطل جهارًا، المخالف لما أخبر به رسوله، فأخلوا الأرض من القائمين الله بحججه (٣)، وقالوا: لم يبق في الأرض عالم منذ الأعصار المتقدمة، فقالت طائفة: ليس لأحد أن يختار بعد أبي حنيفة وأبي يوسف، وزُفّر بن الهذيل، ومحمد بن الحسن، والحسن بن زياد اللؤلؤي، وهذا قول كثير من الحنفية، وقال بكر بن العلاء القشيري المالكي: ليس لأحد أن يختار بعد المائتين من الهجرة، وقال آخرون: ليس لأحد أن يختار بعد الأوزاعي، وسفيان الثوري، ووكيع بن الجراح، وعبد الله بن المبارك. وقالت طائفة: ليس لأحد أن يختار بعد الشافعي، واختلف المقلدون من أتباعه فيمن يؤخذ بقوله من المنتسبين إليه، ويكون له وجه يُفتي ويحكم به، ومن ليس كذلك، وجعلوهم ثلاث مراتب: ١ - طائفة أصحاب وجوه، كابن سريج (٤)، والقفال، وأبي حامد (٥). ٢ - وطائفة أصحاب احتمالات لا أصحاب وجوه؛ كأبي المعالي. ٣ - وطائفة ليسوا أصحاب وجوه ولا احتمالات؛ كأبي حامد (٦) وغيره.

стр. 1616

واختلفوا: متى انسد باب الاجتهاد (١)؟ على أقوال كثيرة، ما أنزل الله بها من سلطان، وعند هؤلاء: إن الأرض قد خلت من قائم لله بحججه (٢)، ولم يبق فيها من يتكلم بالعلم ولن يحل لأحد بعد أن ينظر في كتاب الله ولا سنة رسوله لأخذ الأحكام منهما (٣)، ولا يقضي ويُفتي بما فيهما (٤)، حتى يعرضه على قول مقلده ومتبوعه، فإن وافقه حكم به وأفتى به، وإلا رده ولم يقبله، وهذه الأقوال (٥) - كما ترى - قد بلغت من الفساد والبطلان والتناقض والقول على الله بلا علم، وإبطال حججه، والزهد في كتابه وسنة رسوله وتلقي الأحكام منهما مبلغًا (٦) [في غاية الفساد] (٧)، ويأبى الله إلا أن يتم نوره، ويُصدِّق قول رسوله: «إنه لا تخلو الأرض من قائم لله بحجته (٨)»، ولن تزال طائفة من أمته على محض

стр. 1617

الحق الذي بعثه به (١) و «لا يزال الله يبعث على رأس كل مائة سنة لهذه الأمة من يجدد لها دينها» (٢). ويكفي في فساد هذه الأقوال [أن يقال] (٣) لأربابها فإذا لم

стр. 1618

يكن لأحد أن يختار بعض من ذكرتم، فمن أين وقع لكم اختيار تقليدهم دون غيرهم؟ وكيف حرَّمتم تقليد من سواه، ورجحتموه على تقليد من سواه؟ فما الذي سوغ لكم هذا الاختيار الذي لا دليل عليه من كتاب ولا سنة، ولا إجماع ولا قياس، ولا قول صاحب، وحرمتم اختيار ما عليه الدليل من الكتاب والسنة، وأقوال الصحابة؟ ويقال لكم: فإذا كان لا يجوز الاختيار بعد المائتين عندك ولا عند غيرك، فمن أين يسوغ لك - وأنت لم تولد إلا بعد المائتين بنحو ستين سنة - أن تختار قول مالك، دون من هو أفضل منه من الصحابة والتابعين، أو من هو مثله من فقهاء الأمصار، أو ممن جاء بعده؟ وموجب هذا القول أن أشهب وابن الماجشون ومطرف بن عبد الله، وأصبغ بن الفرج، وسحنون بن سعيد، وأحمد بن المعدل (١)، ومن في طبقتهم من الفقهاء، كان لهم أن يختاروا إلى انسلاخ ذي الحجة من سنة مائتين، فلما استهل هلال المحرم من سنة إحدى ومائتين، وغابت الشمس من تلك الليلة، حرم عليهم في الوقت بلا مهلة، ما كان مطلقًا لهم من الاختيار، ويقال للآخرين: أليس من المصائب وعجائب الدنيا تجويزكم الاختيار والاجتهاد، والقول في دين الله بالرأي والقياس، لمن ذكرتم من أئمتكم، ثم لا تجيزون الاختيار والاجتهاد لحفاظ الإسلام، وأعلم الأمة بكتاب الله وسنة رسوله وأقوال الصحابة وفتاواهم كأحمد بن حنبل، والشافعي، وإسحاق بن راهويه، ومحمد بن إسماعيل البخاري، وداود بن علي، ونظرائهم على سعة علمهم بالسنن أو وقوفهم (٢) على الصحيح منها والسقيم وتحريهم في معرفة أقوال الصحابة والتابعين ودقة نظرهم، ولطف استخراجهم للدلائل، ومن قال منهم بالقياس فقياسه من أقرب القياس إلى الصواب وأبعده عن الفساد، وأقربه إلى النصوص، مع شدة ورعهم، وما منحهم الله من محبة المؤمنين لهم، وتعظيم المسلمين علمائهم وعامتهم لهم. فإن احتج كل فريق منهم بترجيح متبوعه بوجه من وجوه الترجيح، في تقدم

стр. 1619

زمان أو زهد أو ورع، أو لقاء شيوخ وأئمة، لم يلقهم من بعده أو فوقه، وأمكن غير هؤلاء كلهم أن يقولوا لهم جميع قولكم هذا، إن لم تأنفوا من التناقض، يوجب عليكم أن تتركوا قول متبوعكم لقول (١) من هو أقدم منه من الصحابة والتابعين، وأعلم وأورع وأزهد، وأكثر اتباعًا وأجل، فأين أتباع ابن عباس، وابن مسعود وزيد بن ثابت ومعاذ بن جبل، بل أتباع عمر وعلي، من أتباع الأئمة المتأخرين في الكثرة والجلالة؟!! وهذا أبو هريرة قال البخاري (٢): «حمل العلم عنه ثمان مائة رجل، ما بين صاحب وتابع»، وهذا زيد بن ثابت من جملة أصحاب عبد الله بن عباس، وأين في أتباع الأئمة مثل عطاء وطاوس، ومجاهد، وعكرمة، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة، وجابر بن زيد؟! وأين في أتباعهم مثل: السعيدين والشعبي، ومسروق، وعلقمة، والأسود وشريح؟! وأين في أتباعهم مثل: نافع وسالم، والقاسم، وعروة، وخارجة بن زيد، وسليمان بن يسار، وأبي بكر بن عبد الرحمن؟! فما الذي جعل الأئمة بأتباعهم أسعد من هؤلاء بأتباعهم؟! ولكن أولئك وأتباعهم على قدر عصرهم، فعظمتهم وجلالهم (٣)، منع المتأخرين من الاقتداء بهم، وقالوا بلسان قالهم وحالهم: هؤلاء كبار علينا، لسنا من رسومهم، كما صرحوا وشهدوا على أنفسهم، فإن أقدارهم تتقاصر عن تلقي العلم من القرآن والسنة. وقالوا: لسنا أهلًا لذلك، لا لقصور الكتاب والسنة، ولكن لعجزنا - نحن - وقصورنا، فاكتفينا بمن هو أعلم بهما منا، فيقال لهم: فلم تنكرون على من (٤) اقتدى بهما وحكمهما وتحاكم إليهما وعرض أقوال العلماء عليهما، [فما وافقهما] قبله، وما خالفهما ردّه، فهب أنكم لم تصلوا إلى هذا العنقود، فلم تنكرون على من وصل إليه وذاق حلاوته؟

стр. 1620

وكيف تحجّرون (١) الواسع من فضل الله، الذي ليس على عقول العالمين ولا اقتراحاتهم؟ وهم وإن كانوا في عصركم ونشؤوا معكم، وبينكم وبينهم نسب قريب، فالله يمن على من يشاء من عباده. وقد أنكر سبحانه على من ردّ النبوة بأن الله صرفها عن عظماء القرى وعن رؤسائها وأعطاها لمن (٢) ليس كذلك بقوله: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [الزخرف: ٣٢]. وقد قال النبي ﷺ : «مثل أمتي كالمطر، لا يُدرى أوله خير أم آخره» (٣). وقد أخبر الله سبحانه عن السابقين بأنهم ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٣) وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ﴾ [الواقعة: ١٣، ١٤] وأخبر سبحانه أنه ﴿بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ، وَيُزَكِّيهِمْ

стр. 1621

وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [الجمعة: ٢] ثم قال: ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الجمعة: ٣] ثم أخبر أن ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الجمعة: ٤]. وقد أطلنا الكلام في القياس والتقليد، وذكرنا من مأخذهما وحجج أصحابهما، وما لهم وعليهم من المنقول والمعقول، ما لا يجده الناظر في كتاب من كتب القوم، من أولها إلى آخرها، ولا يظفر به في غير هذا الكتاب أبدًا، وذلك بحول الله وقوته، ومعونته وفتحه، فله الحمد والمنة. وما كان فيه من صواب، فمن الله وهو المان به، وما كان فيه من خطأ، فمني ومن الشيطان، وليس الله ورسوله ودينه في شيء منه، وبالله التوفيق» (١).

стр. 1622

خاتمة نسأل الله حسنها قال محمد تقي الدين: لقد من الله علي وأعانني على ختم هذا (القسم) وأسأله بأسمائه الحسنى وصفاته العليا وبمحبتنا واتباعنا لحبيبه وخليله محمد رسول الله صلوات الله وسلامه عليه أن يعينني على (القسم الثالث) ويجعل هذا العمل خالصًا لوجهه الكريم. ولما كنت أنقل كلام الأئمة كنت أمر بأشعار في الرد على المقلدين وذم طريقتهم ومدح أتباع الكتاب والسنة، فرأيت أن أؤخرها وأجعلها خاتمة لهذا القسم يستمتع بها من حبب الله له الاتباع وكره إليه التقليد وهذه هي!! وأول ما أبدأ به (القصيدة المقصورة) (١) نظمتها في مصر سنة ١٣٤١ هـ: تركتُ الطريق طريقَ الجَفَا … وأقبلتُ أتبعُ المُصطفى وسنَّتَهُ وكتاب الإله … وأصحابه، أنجم الإهتدا وأتباعهم أينما وُجِدُوا … سواءٌ نَأَى عصرُهم أَمْ دَنَا سواءٌ (٢) ذُوو الشرق أم غربنا … وأهل الخيام وأهل القرى وَلَيْسَ يَجُوزُ بمذهبنا ان تِبَاعٌ (٣) لغيرِ فَدَعْ مَنْ هَذَى ولسنا نؤوّل لفظ الحَدِي ثِ … والذِّكْرِ إلا بما قَدْ أَتَى فَمَا هَلَكَ النَّاسُ إلا بما … تؤولَهُ زمرة الإعتدا فنحن على مذهب السَّابِقِي نَ … مَنْ ﵃ علا

стр. 1623

ومَنْ حَادَ عن نَهْجِهِم قَدْ هَوَى … سَواءٌ دَرَى ذاك أم ما درى فخيرُ الهُدَى هَدْي خيرِ الوَرَى … وشر الأمور اتباع الهوى فلا تتصوف (١) ولا تتكلف … ولا تَلْج إلا لرب العُلا ولا تَدْعُ من دونه أحدا … فليس وَلِيُّ سواه يُرَى أغير الإله أرى لي وليا … إذا قد ضَلَلْتُ طريق الهُدَى أَأَتَّخِذُ الأولياء وربي … بمُحْكَمِ ذِكْرِهِ عَنْهُمْ نَهَى ولو مُرسَلِينَ ولو صَالِحينَ … ولو طَائِرَينَ بأَوْجِ السَّمَا ولا يُعبد الله إلا بما … أتي في شريعيهِ وَارْتَضى ومَن زَعَمَ (٢) العِلْمَ غير الكتاب … وغَيْرَ الحديث الصحيح افْتَرَى ولا فَضْلَ في ديننا لأرسطو … ولا لابْنِ رُشْدِ وَمَنْ قَدْ قَفَا فتوحيدُ رَبِّي بِمَنْزِلِهِ غَنِيٌّ (٣) … عن المنطق المرتأى فإن أرسطو وأَتْبَاعَهُ … عَدُوٌّ لِدِينِ إِلَهِ الوَرَى وَإِنْ هُمْ رَأَوْا (٤) حِكَمًا أَحْكَمُوها … أَخَذْنَا بها في أُمُورِ الدُّني ومهما وَجَدْنَا الحديث الصحيحَ … عَبَدْنَا بِهِ مَنْ له المُنْتَهَى ولَيْسَ لَهُ مِنْ وَسِيلَة الا … عُلُومُ اصْطَلَاحٍ وَعِلْمُ اللُّغَى فَعِلْمُ الكَلَام وبَعْضُ الأُصُولِ … ظُلَامُ يَجرَّانَ كُلَّ العَنَا ولا نَسْتَغِيتُ بِغَيْرِ الإلهِ … ومَنْ يَسْتَغِتْ بِالعِبَادِ غَرَى ونَعْتَقِدُ اللهَ سُبْحَانَهُ … على عَرْشِهِ ذِي التَّعَالِي اسْتَوَى ولَسْنَا نُؤوِّلُ ذاك بقَهْرٍ … ولا غَيْرِهِ مثل مَنْ قَدْ مَضَى وإن البخاري في كُتُبِهِ … قَدَ احْسَنَ للناس دون امتِرا عليها اعْتَكِفْ ثُمَّ منها اقْتَطِفْ … تَجِدْ كُلَّ ما رُمْتَهُ من مُنَى ومُسْلِمُ لا تَنْسَ تَأليفَهُ … فَنِعْمَ الكتاب الوثيق العرى وَإِنْ خُضْتَ في غير ذَيْنِكَ (٥) فَاسْلُكْ … بِعِلم غزيرٍ وإِلَّا فَلَا ولا تَعْتَبِرْ كلَّ كُتبٍ عَلَيْهَا … فقد مَزَجُوها بما يُرْتَمَى

стр. 1624

فَجِدَّ وخُذْ زُبْدَ مَا سَطَرُوا … وَدَعْ ما تَرَاهُ مَعِيبًا سُدَى وما قد يُسَمُّونَهُ بَاطِنًا … فَبِاللامِ يَقْرَأُهُ مَنْ دَرَى فإنَّ الشريعة قد أُعْمِلَتْ … وقد بُيِّنَتْ مِثل شَمْسِ الضُّحَى فما مَاتَ خير الورى أحمد … إلى أنْ جَلاها بغيرِ خَفَا وما أحدٌ مِنْ أُهَيلِ النِّفاقِ … نَجَا فَاصْبِرِ انْ نِلْتَ مِنْهُمْ أَذَى ولا تَبْن فِي تُرْبَةٍ قُبَّةٌ … ومَهْمَا تَرَاهَا فَهَدْمِ البِنَا فقد عَبدُوهَا وَمَا فَطِنُوا … ووَافَقَهُمْ عُلَمَاءُ الشَّقَا وقد أَلفُوا في عِبَادَتِهَا … بِدُونِ احْتِشَامِ بِدُونِ حَيَا لِتَدْعُ الإله بما قَدْ رَوَى الثـ … ثِقَاتُ الهُدَاةُ عَنِ المُجْتَبَى وإِنَّ البُخَارِي رَوَى في «الصَّحِيحِ» … دُعَاء وذِكْرًا بِهِ الإكتفا وحَاذِرٌ مِنَ الشِّرْكِ فَهْوَ بِذَا الزِّ … زَمَانِ بِكُلِّ النَّوَاحِي فَشَا ولا قُطْبَ نَعْلَمُهُ غَيْر نَجْمِ … يُرَى في السَّمَاءِ وَقُطْبِ الرَّحَى ونَحْوَهُمَا لا الَّذِي ذَكَرُوا … يَكُونُ مُقِيمًا بِغَارِ حِرَا يَمُدُّ الأَنَامَ وَيُجْرِي الشُّؤُو … نَ في الكَوْنِ تَالِكَ أَدْهَى الفِرَا فَهَلْ مِنْ كِتَابٍ وَهَل سُنَّةٍ … أَتَتْ مِنْ صَحِيح الحديثِ بِذَا فَخُذْ بالنصوص ولا تَبْتَدِعْ … وفي عَدَمِ النَّصَّ قِسْ مَا جَلَا ولَيْسَ لَنَا مَذْهَبٌ لَازِمٌ … سِوَى مَذْهَبُ المُصْطَفَى المُرْتَضَى عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَأَزْكَى السَّلَامُ … سَلَامًا يَدُومُ بِغَيرِ انتِهَا وَيَشْمَلُ آلًا وَصَحْبًا كِرَامًا … وَمَنْ قَدْ قَفَاهُمْ بِنَهْجِ الصَّفَا ذكر ما جاء في كتاب «الصوارم» من الأشعار التي تدل على فساد التقليد. قال اللخمي من أئمة المالكية: أَيَا نَفْسُ بِالمَأْثُورِ عَنْ خَيْرِ مُرْسَلٍ … وَأَصْحَابِهِ وَالتَّابِعِينَ تَمَسَّكِي عَسَاكِ إِذَا بِالَغتِ فِي نَشْرِ دِينِهِ … بِمَا طَابَ مِنْ نَشْرٍ لَهُ أَنْ تَمَسَّكِي (١) وَخَافِي غَدًا يَوْمَ الحِسَابِ جَهَنَّمًَا … إِذَا لَفَحَتْ نِيرَانُهَا أَنْ تَمَسَّكِ» (٢) في هذه الأبيات جناس تام فتمسك الأولى من التمسك، وهو الأخذ والثبات. وتمسك الثانية من المسك أن تكون رائحتك طيبة كالمسك وقد صح

стр. 1625

في الحديث: «أن المؤمن إذا خرجت روحه فاحت منها رائحة كأطيب ريح مسك» (١)، فلعله يشير إلى ذلك. وأما تمسك الثالثة فإنه من المس: أي خافي أن تصيبك وتحرقك، والإمام اللخمي أندلسي، وأهل الأندلس يغلب عليهم الأدب في نظمهم ونثرهم في أي فن ألفوا وتكلموا. وقال الشافعي ﵀: كل العلوم سوى القرآن مشغلة … إلا الحديث وإلا الفقه في الدين العلم ما كان فيه قال حدثنا … وما سوى ذاك وَسْوَاسُ الشَّياطين (٢) وللحافظ أبي محمد عبد العزيز بن محمد الأنصاري رحمه الله تعالى: لا تغفلن أحاديث الرسول ولا … تُهمل تتبعها معنى وألفاظًا وعد عمن تعداها وضيعها … واجعل صحابك طلابًا وحفاظًا ولا تفيضن في علم يخالفها … فهي النجاة لراويها إذا فاضا وللحافظ الذهبي رحمه الله تعالى: العلم قال الله قال رسوله … إن صح والإجماع فاجهد فيه وحذار من نصب الخلاف جهالة … بين الرسول وبين قول (٣) فقيه (٤) وللحافظ أبي عمر بن عبد البر رحمه الله تعالى: مقالة ذي نصح وذات فوائد … إذا من ذوي الألباب كان استماعها علكم بآثار النَّبي فإنَّها … من افضل أعمال الرجال (٥) اتباعها (٦) ولشرف الدين ابن أبي الفضل رحمه الله تعالى:

стр. 1626

مَنْ كان يرغب في النجاة فما له … غير اتباع المصطفى فيما أتى ذاك السبيل المستقيم وغيره … سبل الضَّلالة والغواية والردى فاتبع كتاب الله والسنن التي … صحتْ فذاك إذا اتبعت (١) هو الهدى ودع السؤال بلم وكيف فإنه … باب يجر ذوي البصيرة للعمى الدين ما قال النبي وصحبه … والتابعون ومن مناهجهم قَفَا ومن قصيدة شمس الدين ابن القيم رحمه الله تعالى المشهورة: يا مَنْ يريد نجاته يوم الحسا … ب من الجحيم وَمُوقَدِ النيران اتَّبِعْ رسول الله في الأقوال … والأفعال (٢) لا تخرج عن القرآن وخُذِ «الصحيحين اللذين هما لعق … د (٣) الدين والإيمان واسطتان واقرأ هما (٤) بعد التَّجَرد مِنْ هوى … وتعصب وحمية الشيطانِ واجعلهما حَكَمًا ولا تَحْكُمْ على … ما فيهما أصلًا بقول فُلان وانصر مقالته كَنَصْرِك للذِي … قَلَّدْتَهُ من غير ما بُرْهانِ قدر رسول الله عندك وحدَهُ … والقَولُ منه إليك ذُو تبيان ماذا ترى فرضًا عليك مُعيَّنًا … إن كُنْتَ ذا عقل وذا إيمان عرض الذي قالوا على أقوالِهِ … أو عكس ذاك فذانك الأمران قدر مقالات العباد جميعِهِمْ … عَدَمًا وراجع مَطْلَعَ الإيمان فالرب رب واحد وكتابُهُ … حَقٌّ وفَهْم الحق منه داني (٥) ورسوله قد أوضح الحق المبين … بغاية الإيضاح والتبيانِ ما ثم أوضح من عبارته فلا … يحتاج سامِعُها إلى تبيان والنصح منه فوق كلّ نصيحة … والعلم مأخوذ من الرحمان فلأي شيء يعدل الباغي الهدى … عن قوله لولا عمى الخذلان» (٦). اهـ (٧)

стр. 1627

وقال تقي الدين السبكي رحمه الله تعالى من قصيدة له يخاطب بها ابنه الأكبر أبا بكر: وإذا أَتَتْكَ مقالة قد خالفت … نص الكتاب أو الحديث المسند فاقْفُ الكتاب ولا تَمِلْ عنه وقف … متأدبًا مع كُلِّ حبرٍ أَوحَد. اهـ (١) وكان بعض الأئمة إذا رأى أصحاب الحديث ينشد قول أبي بكر بن دريد: أهلًا وسهلًا بالذين أحبهم … وأودهم في الله ذي الآلاء أهلًا بقوم صالحين ذوي تُقى … غرّ الوجوه وزين كل مَلاءِ يسعون في طلب الحديث بعفّة … وتوقّر وسكينة وحياء لهم المهابة والجلالةُ والنُّهى … وفضائلُ جَلَّتْ عن الإحصاء و مداد ما تجري به أقلامهم … أزكى وأطيب من دم الشهداء يا طالبي علم النبي محمد … ما أنتم وسواكم بسواء (٢) وللعلامة مجد الدين محمد بن أحمد بن الظهير رحمه الله تعالى: أهل الحديث فلذ بهم (٣) … أعلى الورى قدرًا وأغلى نقلوا لنا سُنَنَ الرسو … ل وأحسنوا عدلًا فعدلًا جابوا لسعيهم (٤) لذا … لك حسبة حزنًا وسهلا وسروا كما تسري النجو … م فأرشدوا من كان ضَلَّا آيات فضلهم المبيـ … ـن بألسن الحساد تتلى. اهـ. وللعلامة أبي محمد هبة الله بن الحسن الشيرازي رحمه الله تعالى: عليك بأصحاب الحديث فإنهم … على منهج ما زال للدين مَعْلِما وما النور إلا في الحديث وأهله … إذا ما دجا الليل البهيم وأظلما فأعلى البرايا مَنْ إلى السنن اعتزى (٥) … وأغوى البرايا من إلى البدع انتمى ومن يترك الآثار قد ضل (٦) سعيه … وهل يترك الآثارِ مَنْ كان مسلما

стр. 1628

ولبعضهم: أهل الحديث هم أهل النَّبي وإن … لم يصحبوا نفسه أنفاسه صحبوا. اهـ. ولبعض علماء الآل رحمه الله تعالى: العلم ميراث النبي كذا أتى … في النَّص والعلماء هم وراثه ما خلف المختار غير حديثه فينا … فذاك متاعه وأثاثه. اهـ. قوله: «كذا أتى» في النص يشير إلى ما ذكره البخاري في صورة التعليق (١) وأخرجه أحمد وأبو داود والترمذي والدارمي وابن حبان (٢) والحاكم مصححًا والبيهقي عن أبي الدرداء ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهل الله له طريقًا إلى الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها الطالب العلم رضًا بما يصنع، وإن العالم ليستغفر له من في السموات ومن في الأرض حتى الحيتان في الماء، وفضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب، وإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا إنما ورثوا العلم، فمن أخذه فقد أخذ بحظ وافر» (٣). اهـ. وفي «الأذكار النووية» ما نصه: وكان سهل بن عبد الله التستري أحد أفراد زهاد (٤) الأمة وعبادها يأتي أبا

стр. 1629

داود السجستاني صاحب «السنن» ويقول: أخرج لي لسانك الذي تحدث به عن (١) رسول الله ﷺ ، لأقبله فيُقبله» (٢). اهـ. وأخرج الشيخ نصر المقدسي في كتاب «الحجة على تارك المحجة» (٣) بسنده عن الإمام أحمد بن حنبل أنه قيل له: هل لله في الأرض أبدال؟ قال: نعم، قيل: من هم؟ قال: إن لم يكن أصحاب الحديث هم الأبدال فما أعرف أبدالًا (٤). اهـ. وللحافظ أبي عبد الله محمد بن علي بن عبد الله الصُّوري رحمه الله تعالى: عاب قوم علم الحديث وقالوا … هو علم طلابه جُهّال عدلوا عن محجة العلم لما … دق عنهم فهم العلوم ومالوا (٥) إنما العلم (٦) يا أخي كتاب الله … لا هوة به ولا إشكال (٧) ثم من بعده حديث رسول اللـ … ـه قاض يفضي إليه المال وطريق الآثار تعرف بالنقل … وللنقل فأعلمنه (٨) رجال همهم نقله ونفي (٩) الذي قد … وضَعَتْه عصابة ضلال لم ينوا (١٠) فيه جاهدين ولم تقطعهم (١١) … عن طلابه الأشغال (١٢) وقضوا لذة الحياة اغتباطًا … بالذي حرروه منه وقالوا (١٣)

стр. 1630

وَرِضوُه (١) مِنْ كُلِّ شَيءٍ بَديلًا … فَلَعَمري لَنِعمَ ذاكَ البَدَالُ وَلَقَدْ جاءَنا عَنِ السَّيدِ المَا … جِدُّ حِلفِ العَلياءِ (٢) فيهِم مَقَالُ أحمد المنتَمِي إلى حَنبَلٍ أكْـ … رِم بِهِ فيهِ مَفخَرٌ وجَمَالُ إن أبدالَ أمة المُصطَفَى أحْـ … مَدُهُم (٣) حينَ تُذكَرُ الأبدالُ. اهـ. (٤) وفي «النظم المتناثر من الحديث المتواتر» للكتاني ما نصه: «وفي الحديث المتواتر: «نضر الله امرأ سمع مقالتي فوعاها فأداها كما سمعها» (٥) دعا له بالنضرة وهي البهجة والحسن. قال ابن عثينة: ليس أحد من أهل الحديث إلا وفي وجهه نضرة لهذا الحديث. اهـ (٦). قال الحافظ المنذري في: «الترغيب والترهيب» ما نصه: «قوله: (نَضَّرَ): هو بتشديد الضاد المعجمة وتخفيفها حكاه الخطابي، ومعناه: الدعاء له بالنضارة، وهي: النعمة والبهجة والحسن، فيكون تقديره: جمله الله وزينه، وقيل غير ذلك» (٧). وقال ابن حجر الهيتمي (٨) في «شرح الأربعين النووية» ما نصه: «قوله: «نضر الله» يحتمل الخبر والدعاء وعلى كل؛ فيحتمل كما قال العراقي كونه في الدنيا وفي الآخرة. وللحافظ السيوطي: مَنْ كان من أهل الحديث فإنه … ذو نضرة في وجهه نور سَطَع إنَّ النبي دعا بنضرة وجهِ مَنْ … أدّى الحديثَ كما تحمل واتَّبَعْ. اهـ» (٩)» (١٠) وقال مؤلف هذا الكتاب محمد تقي الدين الهلالي من قصيدة مدح بها

стр. 1631

الملك محمد الخامس ﵀ (١): ومَنْ بدَّل الشرع الكريم برأيه … وقد ردّ أحكامًا رواها الأكابر وردّ كتاب الله والسُّنن التي … عن المصطفى جاءت وفيها البصائر فإياكم أن تقبلوا ترهاته … فما الجاهل الأعمى كمن هو ناظر وصل وسلم يا إله على النبي … وآله والأصحاب ما جَنَّ كافر وقلت في تخميس قصيدة العلامة أبي بكر أحمد بن عبد الله بن الحسين الأنصاري المدعو بحميد القرطبي شهرة، وهو مالقي رحمه الله تعالى التي أنشدها القسطلاني في أول «شرح البخاري» (٢)، وسبب إنشائه أن الشيخ السلفي محمد حسين الفقيه تلميذ جمال الدين القاسمي - رحمهما الله - سألني أن أخمسها في شهر صفر سنة ١٣٤٢ حين كنت هناك مقيمًا عند المفضال الشيخ محمد حسين نصيف (٣)، فجمدت القريحة حينئذ بسبب الاهتمام بالظعن إلى بمباي، فلما بلغت بلدة دهلي من بلاد الهند، وألقيت بها عصا التسيار، وأسفر بعد السفر صبح الاستقرار، درت القريحة بهذا التخميس عسى أن يكون سعيًا مشكورًا عند الله ثم عند المؤمنين، وقد نشر هذا التخميس أستاذي العلامة الورع الزاهد الرباني عبد الرحمن بن عبد الرحيم المبارك بوري (٤) في «مقدمة شرح جامع الترمذي» الموسوم بـ «تحفة الأحوذي» (٥)، معبرًا بقوله: «وخمسها بعض الأعلام».

стр. 1632

وهذه هي القصيدة (١)، وهي من بحر البسيط: إِنْ كُنْتَ تَطْلُبُ عِلْمًا جِدُّ مُلْتَمِسِ … وَحِرْتَ إِذْ غُمَّ عَنْكَ الرَّطْبُ بِاليَبَسِ فَاسْمَعْ لِنُصْحٍ لَبِيبٍ أَي مُحْتَرِسٍ نُورُ الحَدِيثِ مُبِينٌ فَادْنُ وَاقْتَبِسِ … وَاحْدُ الرِّكَابَ لَهُ نَحْوَ الرِّضَا النَّدَسِ * * * وَاقْطَعْ عَلَائِقَ مِنْ تَحْصِيلِهِ مَنَعَتْ … تنظر شُمُوسَ الهُدَى فِي الْأُفْقِ قَدْ طَلَعَتْ وَحُجبَ غَيٌّ تَرَى عَنْ قَلْبِكَ ارْتَفَعَتْ فَاطْلُبْهُ بِالصِّينِ فَهُوَ العِلْمُ إِنْ رُفِعَتْ … أَعْلَامُهُ بِرُبَاهَا يَا ابْنَ أَنْدَلُسِ * * * وَلَازِمِ الدَّرْسَ وَاغْنَمْ مِنْ فَوَائِدِهِ … لَا تَقْنَعِ الدَّهْرَ مِنْ حَلْوَى مَوَائِدِهِ وَاشْرَبْ فَدَيْتُكَ عَلَّا مِنْ مَوَارِدِهِ وَلَا تُضِعْ فِي سِوَى تَقْيِيدِ شَارِدِهِ … عُمْرًا يَفُوتُكَ بَيْنَ اللَّحْظِ وَالنَّفَسِ * * * دَعِ الكَلامَ فَمَا فِيهِ سِوَى الخَطَلِ … وَانْبِذْ (٢) مَجَالِسَهُ تُحْفَظُ مِنَ العِلَلِ فَهُوَ شَرُّ ابْتِدَاعِ جاء بالخَلَلِ وَخَلٌ سَمْعَكَ عَنْ بَلْوَى أَخِي جَدَل … شُغْلُ اللَّبِيبِ بِهَا ضَرْبٌ مِنَ الهَوَسِ * * * اللهُ يَعْلَمُ كَمْ قَدْ سِيقَ مِنْ ضَرَرٍ … لِلنَّاسِ مِنْ أَجْلِهِ فِي البَدْوِ وَالحَضَرِ أَقْبِحْ بِهَا بِدْعَةٌ تُدْنِي إِلَى الشَّرَرِ مَا إِنْ سَمَتْ بِأَبِي بِكْرٍ وَلَا عُمَرِ … وَلَا أَتَتْ عَنْ أَبِي هِرٌ وَلَا أَنَسِ * * * وَكَمْ دِمَاءٍ غَدَتْ في النَّاسِ مُهْرَقَةً … فَهْوَ الكَلامُ بِكَسْرِ سَاءَ مخرقة

стр. 1633

فَلَا تَرَى فِيهِ شَمْسَ الحَقِّ مُشْرِقَةً إِلَّا هَوًى وَخُصُومَاتٍ مُلَفَّقَةً … لَيْسَتْ بِرَطْبٍ إِذَا عُدَّتْ وَلَا يَبَسِ * * * دَاءً كَمَا جَرَبٌ فِي النَّاسِ مُنْتَشِرُ … وَكُتُبُهُ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ تُسْتَطَرُ ذَرْ بِدْعَةٌ عِنْدَ أَهْلِ الحَقِّ تُحْتَقَرُ فَلَا يَغُرَّنَّكَ (١) مِنْ أَرْبَابِهَا هَذَرُ … أجدى وجدك مِنْهَا نَعْمَة الجَرَسِ * * * نَأَوْا عَنِ الحَقِّ بِالأَوْهَامِ وَانْطَلَقُوا … فِي مَهْمَةٍ بَلْقَعِ مَا فِيهِ مُرْتَفَقُ [وَجَادَلُوا بِأَبَاطِيلِ بِهَا مَرَقُوا أَعِرْهُمُ أُذُنًا صُمَّا إِذَا نَطَقُوا … وَكُنْ إِذَا سَأَلُوا تُعْزَى إِلَى خُرْسِ * * * وَابْعُدْ عَنِ الرَّأْيِ بُعْدًا يَعْدُكَ الخَطَرُ … فَهُوَ السَّحَابُ وَلَكِنْ مَا بِهِ مَطَرُ الرَّأْيُ أَغْصَانُ سِدْرٍ مَا بِهَا ثَمَرُ] (٢) مَا العِلْمُ إِلَّا كِتَابُ اللهِ أَوْ أَثَرُ … يَجْلُو بِنُورِ سَنَاهُ كُلَّ مُلْتَبَسٍ * * * إِنَّ الحَدِيثَ زُلَالٌ خَيْرُ مُنْبَجِسٍ … لَمْ يَنْأَ عَنْهُ سِوَى ذِي الغَيِّ وَالهَوَسِ فَاعْمَلْ بِهِ لَا تَكُنْ عَنْهُ بِمُنْحَبِسِ نُورٌ لِمُقْتَبِسٍ خَيْرٌ لِمُلْتَمِسِ … حِمّى لِمُحْتَرِسٍ نُعْمَى لِمُبْتَئِسِ * * * وَإِنَّ لِلدِّينِ أَصْلَينِ اعْتَنَى بِهِمَا … خَيْرُ القُرُونِ وَجَدُّوا فِي طِلابِهِمَا (٣) يَا وَيْلَ مَنْ قَدْ (٤) جَرَى عَلَى اجْتِنَا بِهِمَا

стр. 1634

فَاعْكُفْ بِبَابِهِمَا عَلَى طِلابِهِمَا … تَمْحُو العَمَى بِهِمَا عَنْ كُلِّ مُلْتَمِسِ * * * وَدَعْ فَرِيقًا جَرَوْا عَلَى نِقَاضِهِمَا … وَلَا تَمَلَّنَّ يَوْمًا مِنْ عِرَاضِهِمَا وَسَرِّحِ الطَّرْفَ وَارْتَعْ فِي رِيَاضِهِمَا وَرِدْ بِقَلْبِكَ عَذْبًا مِنْ حِيَاضِهِمَا … تَغْسِلْ بِمَاءِ الهُدَى مَا فِيهِ مِنْ دَنَسِ * * * لَا تَرْكَنَنَّ لِتَقْلِيدٍ بِأَيِّ زَمَنْ … فَذَاكَ جَهْلٌ عَظِيمٌ في الصُّدُورِ كَمَنْ إِنَّ المُقَلِّدَ بَيْتَ العَنْكَبُوتِ سَكَنْ (١) وَاقْفُ النَّبِيَّ وَأَتْبَاعَ النَّبِيِّ تَكُنْ … مِنْ هَدْيِهِمْ أَبَدًا تَدْنُو إِلَى قَبَسٍ * * * شُدَّ الرِّحَالَ إِلَيْهِمْ كَيْ تُجَالِسَهُمْ … وَاحْذَرْ - فَدَيْتُكَ - يَوْمًا أَنْ تُعَاكِسَهُمْ لَا تَحْسُدَنْهُمْ وَلَكِنْ كُنْ مُنَافِسَهُمْ وَالْزَمْ مَجَالِسَهُمْ وَاحْفَظْ مُجَالِسَهُمْ … وَانْدُبْ مَدَارِسَهُمْ بِالْأَرْبُعِ الدَّرْسِ * * * وَاطْلُبْ مَوَدَّتَهُمْ وَكُنْ صَدِيقَهُمُ … وَكُنْ مُجَالِسَهُمْ تَشْرَبْ رَحِيقَهُمُ وَقُرْهُمْ كُلَّهُمْ وَاعْرِفْ حُقُوقَهُمُ وَاسْلُكْ طَرِيقَهُمُ وَاتْبَعْ فَرِيقَهُمُ … تَكُنْ رَفِيقَهُمُ فِي حَضْرَةِ القُدُسِ * * * هِيَ الشَّرِيعَةُ فَانْظُرْ فِي سَمَاحَتِهَا … كَفِيلَة لِلنُّفُوسِ بِاسْتِرَاحَتِهَا في حَفْرِهَا حِكْمَةٌ وَفِي إِبَاحَتِهَا تِلْكَ السَّعَادَةُ إِنْ تَلْممْ بِسَاحَتِهَا … فَحُطَّ رَحْلَكَ قَدْ عُوفِيتَ مِنْ تَعس ملحق: قال محمد تقي الدين: ثم ظهر لي أن أنقل أشعارًا أخرى من جنس ما تقدمها، أنقلها من كتاب «الصوارم»، الذي هو لأعداء السنة قاصم، فمن ذلك قصيدة للعلامة الفقيه المحدث ابن أبي بكر بن احميد

стр. 1635

الديماني (١) المالكي رحمه الله تعالى لما كثر الاختلاف في هذه المسألة في هذه البلاد: «وَاعْلَمْ بِأَنَّ القَبْضَ فِي إِنْكَارِهِ … خَطَرٌ فَسَلَّمْ وَالمُوَطَّأَ فَانْظَرَا وَعَلَى الصَّحِيحَينِ المَدَارُ وَفِيهِمَا … فانظرهما قد جاء وأقرا الكوثرا وَالقُرْطُبِيُّ أَبُو الوليدِ مُحَمَّدٌ … بِبَيَانِهِ الأَخْبَارُ عَنْهُ بِأَظْهَرَا وَمُقَدِّمَاتُ أَبِي الوَلِيدِ فَضِيلَةٌ … عَدَّتْهُ كَالقَاضِي عِيَاضٍ فَانْصُرَا وكذاك حبر زناته إن لم يرد به … الاعتماد لديهما فتدبرا» (٢) وقد تركت منها تسعة عشر بيتًا في معنى ما نقلته لم يعجبني نظمها؛ لأنه عديم الانسجام بعيد عن الفصاحة والبلاغة. وسأعوضكم أيها القراء عن ذلك بقصيدة لعالم آخر شنقيطي أيضًا، وهو العلامة المحقق محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر بن فتى (٣) الحسني المالكي رحمه الله تعالى، وهي فصيحة نَظْمُها منسجم، وموضوع القصيدتين ومعناهما واحد: دَعِ الإكثار وَيْحَكَ والتَّمادي (٤) … بلا جدوى على الخَبَرِ المُعَادِي (٥) وَخَلِّ سبيل أمر ليس يُجْدِي … إذا نادى إلى العَرْضِ المُتَادِ فَمَهْمَا رُمْتَ هذا السَّدْلَ فَاعْلَمْ … فَإِنَّ السَّدْلَ عَمَّ بذي البلاد وَمَهْمَا رُمْتَ سُنَّةَ خَيْرِ هَادٍ … فَإِنَّ القَبْضَ سُنَّةُ خَيْرِ هَادِ فَفِعْلُ القَبْضِ في الفَرْضِ اقْتِدَاءً … بِخَيْرِ الخَلْقِ أَقْرَبُ للرَّشادِ بِهِ وَرَدَ الكِتَابُ لَدَى عَلِيّ … وآثارٌ تَفُوحُ بِعَرْفِ حَادِ ويفعله الإمام وإنْ تَسَلْني … فإنَّ على أبي عُمر اعتمادي رواه الحبر أشهب وابن وهب … وأعلام المدينة خير نادي وأصحاب الإمام رووه كلًا … سوى ابن القاسم الحبر الجواد

стр. 1636

وليس كلامه نصًّا فأَنَّى … يكونُ السَّدل أقرب للسداد وفيما في «الموطأ» وهو نص … صريح ما يردُّ أخا العنادِ وفي نص «المدونة» احتجاج … لأهل القبض دون السدل بادِ وفي نص «النوادر» وابن رشد حذامي (١) … لقول أعلن بالمراد ويُنْمَى لابن عبدوس (٢) ويُنمى … ليوسف ذي العلوم والاجتهاد كذا اللخمي و «الإكمال» (٣) أدنى … لدى فهم الذكي إلى مراد كذا المواق وابن الحاج أيضًا … أجادا الطعن في حُجَجِ المضاد كذاك الجَهْبَذُ العَدَوِيُّ أيضًا … بغيرِ القبض ليس بذي اعتداد كذاك الحبر الأجهوري أيضًا … كفيل بالمراد لكل جاد (٤) كذاك أبو علي وهو أيضًا … بمجموع الأمير أخو اعتضادِ كذلكم الميسر والمُحَشِّي … أخو الفَهم الصحيح والانتقاد كذلك آخرون ذوو انتساب … لمذهب مالك نجم الرشاد (٥) كذا باقي المذاهب فهي إلب … على السدل الضعيف لدى الجلاد كذاك الأنبياء عليه طرا … مِنَ اوّلهم إلى خير العِبَادِ كذلكم الملائك وابن رشد … إذا ما عن معترض عتادي (٦) وللحبر ابن عزوز عليه … من الأنقال ما يروي الصوادي وما للسدل من أثر ضعيف … يكافح إن ألم به الأعادي فأهل القبض أبهى الخلق نورًا … وأقربهم إلى مجرى الأيادي فما للسدل فضل بعد هذا … عليه سوى الشذوذ والانفراد به ألقى الإله ولا أبالي … وإنْ سَلقوا بألسنة حداد وألغي ما سواه ولست أصغي … لمانع الاقتداء بخير هادِ

стр. 1637

ومَا الرَّحمنُ جَلَّ له محبُّ … إلى التصويب أقر في الاجتهاد يحرك ساكني ويشدُّ أزري … ويدفع ما تلجلج في فؤادي (١) وإنْ يَنَل المخالف منك يومًا … وشَدَّد في النكير للاعتياد فذا فِعْلُ النَّبي فلا تدعه … لإرضاء الصديق ولا المعادي فقد قلَّدت أهل العلم حقًا … مع المروي عن خير العباد صلاةُ الله يَتْبَعُها سَلامٌ … على الهادي إلى طُرُقِ الرَّشادِ» (٢) وفي رجز الشيخ محمد سفر المدني المالكي المسمى «رسالة المهدي» ما نصه: «والوَضعُ للكف على الكفَّ وَرَدْ … عن النبي الهاشمي فلا يُرَدْ رواه مالك وأصحابُ «السُّنَنْ» … ومسلم مع البخاري فاعْلَمَنْ ومَنْ يَقُلْ هو بدعةٌ فَقَد كَذَبْ … دَعْهُ ولا تَذْهَب لِمَا لَهُ ذَهَبْ وحيثما وُضِعَتْ تحتَ السُّره … أو فوق أو في الصدر ليس يُكْرَهُ (٣) لأنه جاءت به الروايه … وأخَذَتْ به ذوو الدرايه وصحح الحفاظ فوقَ الصَّدرِ … كَمَا رواه وائل بن حُجْرِ» (٣) وقال صاحب «الصوارم» أيضًا: وفي رجز العلامة محمد فاضل بن أحمد دليل اليعقوبي المالكي رحمه الله تعالى المسمى «مثبت الأقدام» ما نصه: «واقبض على رسغ الشمال باليمين … من تحت صدرك فذا فعل الأمين وكل مرسل كما قد أخبرا … رسولُنا عنهم وعنه اشتهرا وللشيخ مر به ربو (٤) ابن الشيخ ماء العينين رحمهما الله تعالى: لا يستوي المبطل والمحقُّ … وفي نصوص القبض جاء الحق وزهق الباطل إنَّ الباطلا … كان زهوقًا فاترك الأباطلا» (٥) «ولمحيي السنة الشيخ سيدي ابن الشيخ سيدي محمد ابن الشيخ سيدي

стр. 1638

المتوفى يوم الخميس ثالث جمادى الآخرة عام اثنين وأربعين وثلاث مائة، وألف عن أربع وستين سنة وثلاثة أشهر رَحْمَةُ اللهِ في إبطال هذه الدعوى: القَبْضُ والرَّفْعُ ممَّا صحَّ من سُنن … عن الرَّسولِ بلا نَسْخٍ ولا وَهَنْ فلا تكن يا صحيح العقل مُتَّبعًا … آثارَ أشياء لم تُخْلَقْ ولم تَكُنْ وقال صاحب «رسالة الهدى»: وقولهم رفع اليدين مُبْطِلُ … في الانتقال ليس شيئًا يُقْبَلُ وقد روى الرَّفْعَ من الصَّحَابه … خمسون قال صاحب الإصابه (١) «ومن قصيدة العلامة المأمون بن محمد الصوفي اليعقوبي المالكي رحمه الله تعالى: لئن أنكروا رفع اليدين فَرَفْعُه … لو انتبه النُّوَّامُ أثبت وارد عن العَشْرَةِ الأعلام من خير أمة … من اصحاب خير المرسلين الأماجد رموا بالحصى من يترك الرفع وانتحى … إلى العكس قومي في صدور المشَاهِدِ وبثوه في «الأثبات» من كل متقن … طبيب بإرواء (٢) الأحاديث ناقد وواطأ في نص «الموطأ» نافع … به سالمًا عن كل مولى ووالد به شهدوا لابن الحويرث إذْ حَكَى … عليهم صلاةُ المصطفى في المساجد عليه صلاةُ اللهِ ما قام بالهدى … حليف له من هديه خير قائد مع الآل والأصحاب خير كواكب … بها يُعرف الساري وجوه الموارد ومن تبعوهم مهتدين بهديهم … وسنّتهم لا محدثات العوائد وقال البخاري ليس يثبت كفهم … عن الرفع عن فرد من الصحبِ وَاحِدِ وإثباته لم يأتِ قط محدث … بأثبت منه في صحاح «المساند» على الكلمةِ العُليا برغم المعاند … أحق بأن تعلى ففيها فجاهد عذيري وصمي يا صمام لقولهم … بنبذ الأحاديث الصحاح الأساند فإن قيل أدرى بالأحاديث مالكٌ … فَمَا لَهم في فضله مِنْ مُعَانِدِ هو النجم نجم السُّنَّةِ المُهْتَدَى به … إذا اشتبهت فيها وجوه الموارد

стр. 1639

ولكنه نادى بنبذ كلامه … إذا خالفته سنة قول قاصد تواتر ذا بالنَّقل عنه ومثله … لكلِّ زعيم بالأزمة قائد كأحمد والنعمان والشَّافعي الرضى … وجِلَّة مَنْ يرمى لهم بالمقاود وقالوا إذا صَح الحديث فإنه … لنا المنهج المنحو والنَّقل شاهدي ونقح عز الدين مضمون قولهم … فَسَلَّم بالاجماع من كل ناقد ومن قصيدة المختار بن حامد الديماني الرائقة: والرفع والقبضُ عن خير الورى ثَبَتا … وصحبه قبضوا قطعًا كما رفعوا ومالك جاء عنه القَبْضُ مثلهم … والرفع فهو لهم في دينِكُم تَبَعُ» (١) «قال أبو عمر بن عبد البر: رحم الله القائل: لَقَدْ بان للنَّاسِ الهُدَى غير أنهم … غدوا بجلابيب الهوى (٢) قد تجليبوا» (٣) «وقد نظم ذلك شيخنا محمد عال بن عبد الودود المباركي حفظه الله تعالى فقال: من ادعى محبة الله ولم … يَسِرُ على سنة سيد الأمم فذاك كذاب أخو مَلاهِ … كذَّب دَعواه كتاب الله» (٤) وقال أبو بكر بن أبي داود في «قصيدته» في السنة: ودع عنك آراء الرجال وقولَهُمْ … فقولُ رسول الله أزكى وأشرح (٥) ونقل الفلاني في «إيقاظ الهمم»: «عن سفيان بن عيينة قال: كان ابن شبرمة يقول: ما في القضاء شفاعة لمخاصم … عند اللبيب ولا الفقيه العالم أهون (٦) علي إذا قضيتُ بسنَّةٍ … أو بالكتاب برغم أنف الراغم وقضيت فيما لم أجد أثرًا به … ببصائر معروفة ومعالم» (٧)

стр. 1640

وقال أبو عمر: وإلى هذا المعنى - والله أعلم - أشار مصعب بن الزبير في «قصيدته» حيث قال: أأقعد بعدما رجفت عظامي … وكان الموتُ أقرب ما يليني أجادل كلَّ معترض خصيم … وأجعل دينَه غرضًا لديني فأترك ما علمت لرأي غيري … وليس الرأي كالعلم اليقيني (١) وما أنا والخصومة وهي لبس … تصرف في الشمال وفي اليمين (٢) وقد سُنَّتْ لنا سنن قِوَامٍ … يَلُحْنَ بكل فج أو وجيين وكان الحق ليس به خفاء … أغر كغرة الفلق المبين وما عوض لنا منهاج جَهْمٍ … بمنهاج ابن آمنة الأمين فأما ما علمت فقد كفاني … وأما ما جهلتُ فجنبوني فلستُ بمكفر أحدًا يُصلّي … ولم أحرمكم أن تكفروني وكنا إخوة نرمي جميعًا … فنرمي كل مرتاب ظنين وما برح التكلف أن رمينا (٣) … بشأن واحد فوق (٤) الشؤون (٥) فأوشك أن يخر عماد بيت … وينقطع القرين من القرين (٦) وأنشد أبو عمر في المقلدين: زَوَامل لِلأسفارِ لا عِلْم عِندَهم … بِجِيدِها إِلّا كَعِلْمِ الأبَاعِر لعمرك لا يدري البعير إذا غدا … بأحماله أو راح ما في الغرائر وأنشد فيهم أيضًا قول عمار الكلبي: إنَّ الرواة على جهل بما حَمَلوا … مثل الجمال عليها يحمل الودع لا الودع ينفعه حمل الجمال له … ولا الجمال بحمل الودع تنتفع وقال الإمام محمد بن عبد السلام الخشني ﵀:

стр. 1641

قطعت بلاد الله للعلم طالبًا … فحملت أسفارًا فصرت حمارها إذا ما أراد الله حتفًا بنملةٍ … أتاح جناحين لها فأطارها (١) وقال ابن القيم في «النونية» رحمه الله تعالى: وَالجَهْلُ دَاءً قَاتِلٌ وَشِفَاؤُه … أَمْرَانِ في التَّرْكِيبِ مُتَّفِقَانِ نَصُّ مِنَ القُرْآنِ أَوْ مِنْ سِنَّةٍ … وَطَبِيبُ ذاكَ العَالِمُ الرَّبَّانِي وَالعِلْمُ أَقْسَامٌ ثَلَاثٌ مَا لَهَا … مِنْ رَابِعِ، وَالحَقُّ ذُو تِبْيَانِ عِلْمٌ بِأَوْصَافِ الإِلَهِ وَفِعْلِهِ … وَكَذَلِكَ الأَسْمَاء لِلرَّحْمَنِ وَالأَمْرُ وَالنَّهْيُ الَّذِي هُوَ دِينُهُ … وَجَزَاؤُهُ يَوْمَ المَعَادِ الثَّانِي وَالكُلُّ في القُرْآنِ وَالسُّنَنِ الَّتِي … جَاءَتْ عَنِ المَبْعُوثِ بِالقُرْآنِ وَاللهِ مَا قَالَ امْرُؤٌ مُتَحَذْلِقٌ … بِسِوَاهُمَا إِلَّا مِنَ الهَذَيَانِ (٢) وهنا أنقل ما يتعلق بالموضوع من قصيدة لي عدد أبياتها خمسة وتسعون، وقد رأيتُ أن أذكر الغزلَ الذي صدّرتها به؛ لأني أعلم أن بعض القراء يحبون الاطلاع عليه، وبعد ذلك أنقل ما فيه رد للتقليد أو تمسك بالسنة من حيث الفروع، أما ما يدل على العقائد فأؤخره إلى القسم الثالث) (٣) إن شاء الله وهذه القصيدة قلتها في مكناس سنة ١٣٨١ هـ، وهذا أولها:

стр. 1642

لَقَدْ طَالَ لَيْلِي وَالجَوَى مَالِي صَدْرِي … وَبرَّحَ بِي شَوْقٌ إِلى رَبَّةِ الخِدْرِ أُقَنِّي نَهَارِي دَائِمَ الفِكْرِ والأَسَى … وَلَيْلِيَ تَسْهَادٌ إِلَى مَطْلَعِ الْفَجْرِ وَأَكْتُمُ أَسْرَارِي حِذَارًا مِنَ العِدَى … وَمَهْمَا أَبُحْ فَالحُبُّ أَفْقَدَنِي صَبْرِي تَذَكَّرْتُ أَيَّامَ الوِصَالِ فَكَادَ مِنْ … تَذَكَّرِهَا قَلْبِي يَطِيرُ مِنَ (١) الصَّدْرِ فَيَا وَيْحَ قَلْبِي مَا يُلاقِي مِنَ الهَوَى … وَمِنْ فَرْطِ آلَامِ الصَّبَابَةِ والهَجْرِ وعَاذِلَةٍ جَاءَتْ بِلَوْمٍ كَأَنَّهُ … نُعَابُ غُرَابٍ للفُؤَادِ غَدَا يَبْرِي ولَسْتُ بِسَالٍ لو أَطَلْتِ مَلَامَتِي … فَكُفِّي عَنِ الإِسْفَافِ والمَنْطقِ الهُجْرِ وكَيْفَ سلوي بعدما شَابَ مَفْرَقِي … وأَنْفَقْتُ في حُبِّي لَهَا زَهْرَةَ العُمْرِ ألم تَعْلَمِي أَنَّ الملامَ وإِنْ غَدًا … عَدِيمًا من الجَدْوَى فبالحُبِّ قد يُغْرِي وطُفْتُ بلادَ اللهِ شَرْقًا ومَغْرِبًا … على قَدَمِي طَوْرًا وطَوْرًا على مُهْرِ وَأَنْضَيتُ (٢) بُعِرَانًا وحَلَّقْتُ فِي السَّمَا … على جَائِبَاتِ الجو كالنَّجم إِذْ يَسْرِي وطورًا على فُلْكِ عَظِيمٍ كَأَنَّهُ … ثَبِيرٌ يَرُوعُ الحُوتَ فِي لُجَّةِ البَحْرِ حَلِيفُ اغْتِرَابِ فِي ثَوَاءٍ ورِحْلَةٍ … وإِنْ كُنْتُ فِي أَهْلِ كَثِيرٍ ذَوِي وَفْرِ (وَمَا غُرْبَةُ الإِنْسَانِ مِنْ شُقَّةِ النَّوَى … وَلكِنَّهَا) (٣) في الدِّينِ والخُلْقِ والبر إلى اللهِ أَشْكُو غُرْبةَ الدِّينِ والهُدَى … وَطُغْيان أَهْلِ الكُفْرِ وَالفِسْقُ وَالغَدْرِ

стр. 1643

ومنها: وَمَنْ يَقُلِ سُنَّاتِ الرَّسُولِ فَإِنَّهُ … يُعَذِّبُ فِي الدُّنْيا وفِي فِتْنَةِ القَبْرِ وَيَسْأَلُهُ فِيهِ نَكِيرٌ ومُنْكَرٌ … وَمَا مِنْ جَوَابٍ عِنْدَهُ غَيرَ لَا أَدْرِي وَذِي سُنَّةُ الجَبَّارِ في كُلِّ مَنْ غَدًا … يُحَارِبُ دِينَ اللَّهِ فِي السِّرَّ والجَهْرِ أَلَمْ تَدْرِ أَنَّ اللهَ نَاصِرُ دِينه … ومُوقِعُ أَهْل البَغْيِ فِي دَارَةِ (١) الخُسْرِ وكَمْ قَدْ سَعَى سَاعِ لإِطْفَاءِ نُورِهِ … بِكَيْدٍ فَرَدَّ اللهُ كَيْدَهُ في النَّحْرِ وَتَنْصُرُ إِشْرَاكًا وَفِسْقًا وَبِدْعَةٌ … وَنَاصِرُ هَذِي (٢) خَاسِرٌ أَبَدَ الدَّهْرِ دَعَا المُصْطَفَى قِدْمًا عَلَيْهِ بِلَعْنَةٍ … وَمَنْ يَلْعَن المُخْتَارُ فَهُوَ إِلَى شَرِّ وَتَلْعَنُهُ الأَمْلَاكُ مِنْ فَوْقِ سَبْعَةٍ … كَذَلِكَ أَهْلُ الْأَرْضِ فِي السَّهْلِ وَالوَعْرِ ومنها: وَمَا نَحْنُ إِلَّا خَادِمُونَ لِسُنَّةٍ … أَتَتْ عَنْ نَبِيِّ اللَّهِ ذِي الفَتْحِ والنَّصْرِ وخَادِمُ سُنَّاتِ الرَّسُولِ حَيَاتَهُ … كَخَادِمِهَا مِنْ بَعْدِ مَا صَارَ فِي الْقَبْرِ وَمَا غَابَ إِلَّا شَخْصُهُ عن عُيُونِنَا … وَأَنْوَارُهُ تَبْقَى إِلَى الْحَشْرِ وَالنَّشْرِ فَيَا مُبْغِضِي هَذِي النَّبِيِّ أَلَا ابْشِرُوا … بِخَزْي على خِزْيِ وَقَهْرٍ عَلى قَهْرِ سَلَكْتُمْ سَبِيلًا قد قَفَاهَا إِمَامُكُمْ … أَبُو جَهْل المَقْصُومُ فِي مُلْتَقَى بَدْرِ وَعَاقِبَةُ المَتْبُوعِ حَتْمٌ لِتَابِعِ … كما لَزِمَ الإِحْرَاقُ لِلْقَابِضِ الجَمْرِ فَإِنْ أَنْتُمُ كَذَّبْتُمُ بِوَعِيدِهِ … فَكَمْ كَذَّبْت مِنْ قَبْلِكُمْ أُمَمُ الكُفْرِ فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ سَوْطَ نِقْمَةٍ … فَصَارُوا أَحَادِيثَ المُقِيمِينَ وَالسَّفْرِ فَيَا رَبِّ هَلْ إِلَّا بِكَ النَّصْرُ يُرْتَجَى … عَلَيْهِمْ إِلَيْكَ الْأَمْرُ فِي العُسْرِ وَاليُسْرِ قَلَوْا سُنَّةَ المُخْتَارِ يَبْغُونَ مَحْوَهَا … وَكَادُوا لَهَا فَاجْعَلْ لَهُمْ كَيْدَهُمْ يَفْرِي هُمُ اسْتَضْعَفُونَا اليَوْمَ مِنْ أَجْلِ أَنَّنَا … قَلِيلٌ وقَدْ يَعْلُو القَلِيلُ عَلَى الكُثْرِ وَلَا سِيَّمَا إِنْ كَانَ (٣) اللهِ قَائِمًا … وَأَعْدَاؤُهُ لِلبَغْيِ مِنْ جَهْلِهَا تَجْرِي وَإِدْرَاكُ إِحْدَى الحُسْنَيَيْنِ مُحَقَّقٌ … لِمَنْ يَقْتَدِي بِالمُصْطَفَى مِنْ ذَوِي الْحِجْرِ

стр. 1644

وَمَنْ ظَنَّ أَنَّ اللهَ مُخْلِفُ وَعْدِهِ … وَخَاذِلُ أَنْصَارِ النَّبِيِّ بِذَا العَصْرِ فَذَاكَ غَلِيظُ الطَّبْعِ أَرْعَنُ جَاهِلٌ … عَرِيضُ القَفَا بَيْنَ الوَرَى مُظْلِمُ الفِكْرِ تَكَفَّلَ بِالنَّصْرِ العَلِيُّ لِحِزْبِهِ … حَيَاتَهُمُ هَذِي وفِي مَوْقِفِ الحَشْرِ فَفِي (عَافِرٍ) قد جَاءَ ذلك وَاضِحًا … وَلَكِنَّهُ يَخْفَى على القَدْمِ وَالغُمْرِ سَلَامٌ على أَنْصَارِ سُنَّةِ أَحْمَدٍ … فَهُمْ أَوْلِيَاءُ اللَّهِ فِي كُلِّ مَا دَهْرِ إِلَيْهِمْ أَجُوبُ البَرَّ والبَحْرَ قَاصِدًا … فَرُؤْيَتُهُمْ تَشْفِي السَّقِيمَ مِنَ الضَّرِّ هُمُ حَفِظُوا الدِّينَ الحَنِيفَ وَنَاضَلُوا … عَنِ الحَقِّ بِالبُرْهَانِ وَالبِيضِ وَالسُّمْرِ هُمُ خَلَفُوا المُخْتَارَ فِي نَشْرِ سُنَّةٍ … بِفِعْلٍ وأَقْوَالٍ تَلألأ كالدُّرِّ هُمُ جَرَّدُوا التَّوْحِيدَ مِنْ كُلِّ نَزْغَةٍ … مِنَ الشِّرْكِ وَالإِلْحَادِ وَالزِّيْغِ وَالنُّكْرِ فَلَا قُبّةٌ تُبْنَى عَلَى قَبْرِ مَيْتٍ … وَلَمْ يَعْبُدُوا قَبْرًا بِذَبْحِ وَلَا نَذْرِ وَلا بِطَوَافٍ أو بِتَقْبِيل تُرْبَةٍ … فَذَلِكَ فِعْلُ المُشْرِكِينَ ذَوِي الكُفْرِ وَلَا رَحَلُوا يَوْمًا لِغَيرِ ثَلَاثَةٍ … مَسَاجِدَ خُصَّتْ بالفَضَائِلِ والأَجْرِ وَلَمْ يَسْتَغِيثُوا في الشَّدَائِدِ كُلِّها … بِغَيْرِ إِلَهِ النَّاسِ ذِي الخَلْقِ وَالْأَمْرِ ومنها قولي: وَمَنْ ظَنَّ تَقْلِيدَ الأَئِمَّةِ مُنْجِيَا … فَأَفْتَى بِتَقْلِيدٍ فَيَا لَهُ مِنْ غِرِّ كَمُنْتَحِل عُذْرًا لِيُغْفَرَ ذَنْبُهُ … أَضَافَ لَهُ جُرْمًا تَجَدَّدَ بِالعُذْرِ أَلَا إِنَّمَا التَّقْلِيدُ جَهْلٌ وَظُلْمَةٌ … وَطَالِبُهُ خُلْوٌّ مِنْ العِلْمِ والخُبْرِ (١) كَطَالِبِ وِرْدٍ بَعْدَمَا شُفِهَ الظَّمَا … جَرَى خَلْفَ آلِ لَاحَ فِي مَهْمَةٍ (٢) قَفْرِ فَإِنْ قُمْتَ بالإِفْتَاءِ أو كُنْتَ قَاضِيا … فَإِيَّاكَ والتَّقْلِيدَ فَهْوَ الَّذِي يَزْرِي وَجَرِّدْ سُيُوفًا مِنْ بَرَاهِينَ قَدْ سَمَتْ … عَنِ الحَدْسِ وَالتَّخْمِينِ وَالسُّخْفِ وَالهَتْرِ وَطَرْفَكَ سَبِّحْ في الكِتَابِ فَإِنَّهُ … رِيَاضٌ حَوَتْ مَا تَشْتَهِيهِ مِنَ الزَّهْرِ وَمِنَ بَعْدِهِ فَاعْلَقْ بِسُنَّةِ أَحْمَدٍ … فَأَنْوَارُهَا تَسْمُو على الشَّمْسِ والبَدْرِ وَلَا تَحْكُمَنْ بِالرَّأْي إِلَّا ضَرُورَةٌ … كَمَا حَلَّتِ المَيْتَاتُ أَكَلًا لِمُضْطَرِّ

стр. 1645

وَمَهْمَا بَدَا أَنَّ القَضَاءَ على خَطَأ … أُقِيمَ فَبَادِرْ لِلرُّجُوعِ على الفَوْرِ وَمَنْ يَقْضِ بِالتَّقْلِيدِ فَهْوَ على شَفَا … كَعْشَوَا غَدَتْ فِي كَافِرٍ حَالِكِ تَسْرِي وَمَنْ يُفْتِ بِالتَّقْلِيدِ فَهُوَ قَدِ افْتَرَى … وفي النَّحْلِ نَصَّ جَاءَ فِي غَايَةِ الزَّجْرِ لَعَمْرُكَ مَا التَّقْلِيدُ لِلجَهْلِ شَافِيًا … وأمَّا نُصُوصُ الوَحْيِ فَهْيَ الَّتِي تُبْرِي وَصَلِّ وَسَلَّمْ يَا إِلهِي على النَّبِي … صَلَاةٌ تَدُومُ الدَّهْرَ طَيِّبَةَ النَّشْرِ فَدُونَكَهَا بِكْرًا عَرُوبًا خَرِيدَةً … مُهَفْهَفَةٌ عِيدَى عَرُوسًا مِنَ الشَّعْرِ يُضِيءُ ظَلَامَ اللَّيْلِ نُورُ جَمَالِهَا … وَلَيْسَ لَهَا إِلَّا القِرَاءَةُ مِنْ مَهْرٍ (١) قَصَدْتُ بِهَا نَصْرًا لِسُنَّةِ أَحْمَدٍ … وَنَاصِرُهَا لَا شَلَّ يَظْفَرُ بِالنَّصْرِ وَعِدَّتُهَا تِسْعُونَ مِنْ بَعْدِ خَمْسَةٍ … وَأَخْتِمُهَا بِالحَمْدِ اللَّهِ وَالشَّكْرِ قال محمد تقي الدين: وهذا آخر ما يسره الله تعالى في هذا (القسم الثاني) من كتاب سبيل الرشاد نسأل الله تعالى أن ينفعنا به، متوسلين إليه بأسمائه الحسنى، وبمحبتنا واتباعنا لمحمد خليله صلوات الله وسلامه عليه، والحمد لله رب العالمين. وكان الفراغ منه بعد ظهر يوم السبت الخامس عشر من رمضان سنة ١٣٩٥ هـ.

стр. 1646

الحمد لله الذي وصف نفسه بصفات الكمال، وأمر خلقه أن يصفوه بها، ونزه نفسه عن صفات النقص، وأمر عباده أن ينزهوه عنها، وسمى نفسه بأكمل الأسماء، وأمر عباده أن يدعوه بها، وأوعد من ألحد فيها بدخول دار العذاب، أشهد أنه الله الذي لا إله إلا هو الرحمن الرحيم، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، الهادي إلى الصراط المستقيم، اللهم صل على محمد، وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد. أما بعد، فيقول العبد الفقير إلى رحمة ربه محمد تقي الدين بن عبد القادر الهلالي الحسيني - غفر الله ذنبه، وستر في الدارين عيبه -: لم أزل منذ عهد الشباب أتمنى أن يوفقني الله تعالى إلى جمع آيات التوحيد بأنواعه، وتفسيرها بأحاديث النبي الكريم، وبأقوال الصحابة والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وقد وفقني الله تعالى لإتمام (القسم الأول) ثم (القسم الثاني)، وهأنذا أقف بباب الغني الكريم خاشعًا ذليلًا أسأله أن يمن عليَّ بالتوفيق والعون على تأليف (القسم الثالث)، وهو: آيات الأسماء والصفات.

стр. 1647

سورة الفاتحة الباب الأول في هذه السورة المباركة من أسمائه تعالى: اسم الجلالة الله، والرحمن، والرحيم، ورب العالمين، ومالك يوم الدين، وفيها من الصفات الرحمة والربوبية والملك والهداية والإنعام والغضب، وستأتي هذه الصفات كلها مفصلة فيما أنقله من كلام الأئمة إن شاء الله.

стр. 1648

سورة البقرة الباب الأول : قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٩]. قال القاسمي: «بيان نعمة أخرى مرتبة على الأولى، فإنما (١) خلقهم أحياء (٢)، وهذا (٣) خلق ما يتوقف عليه بقاؤهم، ويتم به معاشهم، ومعنى «لَكُمْ» لأجلكم ولانتفاعكم، وفيه دليل على أن الأصل في الأشياء المخلوقة الإباحة حتى يقوم دليل يدل على النقل عن هذا الأصل، ولا فرق بين الحيوانات وغيرها، مما يُنتفع به من غير ضرر، وفي التأكيد بقوله: ﴿جَمِيعًا﴾ أقوى دلالة على هذا، ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ قال أبو العالية الرياحي: ﴿اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ أي: ارتفع، نقله عنه البخاري في صحيحه (٤) ورواه (ج) في «تفسيره» عن الربيع بن أنس (٥) وقال البغوي: «قال ابن عباس وأكثر المفسرين (٦): ارتفع إلى السماء» (٧)، وقال الخليل بن أحمد في ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾: ارتفع،

стр. 1649

رواه أبو عمر بن عبد البر في شرح «الموطأ» (١) نقله الذهبي في كتاب «العلو» (٢)، وقد استدل بقوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى﴾ على أن خلق الأرض متقدم على السماء (٣) (٤). وقال العالم المحقق محمد صديق حسن في «فتح البيان» ما نصه: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ أي: قصد وأقبل على خلقها، وقيل: عمد، وقال ابن عباس: ارتفع، وقال الأزهري: صعد أمره (٥)، وكذا ذكره صاحب «المحكم» (٦) وذلك أن الله خلق الأرض أولًا ثم عمد إلى خلق السماء، وأصل «ثم» يقتضي تراخيًا زمانيًا ولا زمان هنا، فقيل: هي إشارة إلى التراخي بين رتبتي خلق الأرض والسماء، قاله القرطبي، والاستواء في اللغة: الاعتدال والانتصاب والاستقامة، وضده الاعوجاج، قاله في «الكشاف» «والرازي» (٧). ويطلق على الارتفاع والعلو على الشيء قال تعالى: ﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ﴾ [المؤمنون: ٢٨] وقال: ﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ﴾ [الزخرف: ١٣] وهذا المعنى هو المناسب لهذه الآية، وقد قيل: إن هذه الآية، من المشكلات وقد ذهب كثير من الأئمة إلى الإيمان بها وترك التعرض لتفسيرها وخالفهم آخرون (٨). قال (ك): في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ «أي: قصد إلى السماء، والاستواء ههنا مضمن (٩) معنى القصد والإقبال؛ لأنه عدي بإلى» (١٠). وقال ابن الجوزي في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾: «أي: عمد إلى خلقها» (١١)، وقال معين الدين في تفسيره «جامع البيان» في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾: «قصد وارتفع». وقال ابن عطية في تفسيره: وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى﴾ «ثم» هنا هي لترتيب الأخبار لا لترتيب الأمر في نفسه، واستوى قال قوم: معناه علا دون

стр. 1650

تكييف ولا تحديد، هذا اختيار الطبري، والتقدير علا أمره وقدرته وسلطانه». وقال ابن كيسان: معناه قصد إلى السماء، قال القاضي أبو محمد (١) أي: بخلقه وارتفاعه (٢). وقيل: معناه كَمُل صنعه فيها كما تقول: استوى الأمر، قال القاضي أبو محمد (٣): «وهذا قلق»، وحكى الطبري (٤) عن قوم: أن المعنى: أقبل، وضعفه. وحُكِيَ عن قوم: المستوي (٥) هو الدخان، وهذا أيضًا يأباه صف الكلام، وقيل: المعنى استولى، كما قال الشاعر: قد استوى بشر على العراق … من غير سيف ودم مُهراق (٦) وهذا إنما يجيء في قوله تعالى: ﴿عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] والقاعدة في هذه الآية ونحوها منع النقلة وحلول الحوادث ويبقى استواء القدرة والسلطان» (٧). فصل قال محمد تقي الدين: قوله: «بيان نعمة أخرى مرتبة على الأولى»، الأولى: هي المفهومة من قوله تعالى في الآية الحادية والعشرين: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ٢١] في هذه الآية امتن الله على عباده بإيجادهم من العدم، وفي الآية التي نحن بصدد الكلام عليها امتن الله على عباده بأن خلق لهم ما في الأرض جميعًا، وهذا يدل على أن
следующие страницы →