← Акыда

Акыда · id 30197

سبيل الرشاد في هدي خير العباد

محمد تقي الدين الهلالي

Полный текст (2 277 стр.). Показаны 1646–1685 · переход к 1651.

стр. 1646

الحمد لله الذي وصف نفسه بصفات الكمال، وأمر خلقه أن يصفوه بها، ونزه نفسه عن صفات النقص، وأمر عباده أن ينزهوه عنها، وسمى نفسه بأكمل الأسماء، وأمر عباده أن يدعوه بها، وأوعد من ألحد فيها بدخول دار العذاب، أشهد أنه الله الذي لا إله إلا هو الرحمن الرحيم، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، الهادي إلى الصراط المستقيم، اللهم صل على محمد، وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد. أما بعد، فيقول العبد الفقير إلى رحمة ربه محمد تقي الدين بن عبد القادر الهلالي الحسيني - غفر الله ذنبه، وستر في الدارين عيبه -: لم أزل منذ عهد الشباب أتمنى أن يوفقني الله تعالى إلى جمع آيات التوحيد بأنواعه، وتفسيرها بأحاديث النبي الكريم، وبأقوال الصحابة والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وقد وفقني الله تعالى لإتمام (القسم الأول) ثم (القسم الثاني)، وهأنذا أقف بباب الغني الكريم خاشعًا ذليلًا أسأله أن يمن عليَّ بالتوفيق والعون على تأليف (القسم الثالث)، وهو: آيات الأسماء والصفات.

стр. 1647

سورة الفاتحة الباب الأول في هذه السورة المباركة من أسمائه تعالى: اسم الجلالة الله، والرحمن، والرحيم، ورب العالمين، ومالك يوم الدين، وفيها من الصفات الرحمة والربوبية والملك والهداية والإنعام والغضب، وستأتي هذه الصفات كلها مفصلة فيما أنقله من كلام الأئمة إن شاء الله.

стр. 1648

سورة البقرة الباب الأول : قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٩]. قال القاسمي: «بيان نعمة أخرى مرتبة على الأولى، فإنما (١) خلقهم أحياء (٢)، وهذا (٣) خلق ما يتوقف عليه بقاؤهم، ويتم به معاشهم، ومعنى «لَكُمْ» لأجلكم ولانتفاعكم، وفيه دليل على أن الأصل في الأشياء المخلوقة الإباحة حتى يقوم دليل يدل على النقل عن هذا الأصل، ولا فرق بين الحيوانات وغيرها، مما يُنتفع به من غير ضرر، وفي التأكيد بقوله: ﴿جَمِيعًا﴾ أقوى دلالة على هذا، ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ قال أبو العالية الرياحي: ﴿اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ أي: ارتفع، نقله عنه البخاري في صحيحه (٤) ورواه (ج) في «تفسيره» عن الربيع بن أنس (٥) وقال البغوي: «قال ابن عباس وأكثر المفسرين (٦): ارتفع إلى السماء» (٧)، وقال الخليل بن أحمد في ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾: ارتفع،

стр. 1649

رواه أبو عمر بن عبد البر في شرح «الموطأ» (١) نقله الذهبي في كتاب «العلو» (٢)، وقد استدل بقوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى﴾ على أن خلق الأرض متقدم على السماء (٣) (٤). وقال العالم المحقق محمد صديق حسن في «فتح البيان» ما نصه: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ أي: قصد وأقبل على خلقها، وقيل: عمد، وقال ابن عباس: ارتفع، وقال الأزهري: صعد أمره (٥)، وكذا ذكره صاحب «المحكم» (٦) وذلك أن الله خلق الأرض أولًا ثم عمد إلى خلق السماء، وأصل «ثم» يقتضي تراخيًا زمانيًا ولا زمان هنا، فقيل: هي إشارة إلى التراخي بين رتبتي خلق الأرض والسماء، قاله القرطبي، والاستواء في اللغة: الاعتدال والانتصاب والاستقامة، وضده الاعوجاج، قاله في «الكشاف» «والرازي» (٧). ويطلق على الارتفاع والعلو على الشيء قال تعالى: ﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ﴾ [المؤمنون: ٢٨] وقال: ﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ﴾ [الزخرف: ١٣] وهذا المعنى هو المناسب لهذه الآية، وقد قيل: إن هذه الآية، من المشكلات وقد ذهب كثير من الأئمة إلى الإيمان بها وترك التعرض لتفسيرها وخالفهم آخرون (٨). قال (ك): في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ «أي: قصد إلى السماء، والاستواء ههنا مضمن (٩) معنى القصد والإقبال؛ لأنه عدي بإلى» (١٠). وقال ابن الجوزي في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾: «أي: عمد إلى خلقها» (١١)، وقال معين الدين في تفسيره «جامع البيان» في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾: «قصد وارتفع». وقال ابن عطية في تفسيره: وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى﴾ «ثم» هنا هي لترتيب الأخبار لا لترتيب الأمر في نفسه، واستوى قال قوم: معناه علا دون

стр. 1650

تكييف ولا تحديد، هذا اختيار الطبري، والتقدير علا أمره وقدرته وسلطانه». وقال ابن كيسان: معناه قصد إلى السماء، قال القاضي أبو محمد (١) أي: بخلقه وارتفاعه (٢). وقيل: معناه كَمُل صنعه فيها كما تقول: استوى الأمر، قال القاضي أبو محمد (٣): «وهذا قلق»، وحكى الطبري (٤) عن قوم: أن المعنى: أقبل، وضعفه. وحُكِيَ عن قوم: المستوي (٥) هو الدخان، وهذا أيضًا يأباه صف الكلام، وقيل: المعنى استولى، كما قال الشاعر: قد استوى بشر على العراق … من غير سيف ودم مُهراق (٦) وهذا إنما يجيء في قوله تعالى: ﴿عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] والقاعدة في هذه الآية ونحوها منع النقلة وحلول الحوادث ويبقى استواء القدرة والسلطان» (٧). فصل قال محمد تقي الدين: قوله: «بيان نعمة أخرى مرتبة على الأولى»، الأولى: هي المفهومة من قوله تعالى في الآية الحادية والعشرين: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ٢١] في هذه الآية امتن الله على عباده بإيجادهم من العدم، وفي الآية التي نحن بصدد الكلام عليها امتن الله على عباده بأن خلق لهم ما في الأرض جميعًا، وهذا يدل على أن

стр. 1651

الأصل في الأشياء الإباحة حتى يقوم دليل على تحريم شيء منها ويبينه الحديث: عن سلمان ﵁: سئل رسول الله ﷺ عن السمن والجبن والفراء؟ فقال: «الحلال ما أحل الله في كتابه، والحرام ما حرم الله في كتابه، وما سكت عنه رحمة بكم من غير نسيان، فهو مما عفا عنه». رواه الترمذي وابن ماجه من رواية سيف بن هارون عن سليمان التيمي عن أبي عثمان (١). والمسألة المهمة هنا التي عقدت هذا الباب لأجلها، هي: معنى قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾، وقد اختلف فيها المفسرون كما تقدم، فأكثر المفسرين من السلف أو كلهم فسَّروها بارتفع، وفسرها الحافظ (ك) بقصد وما في معناها، وقد اختلف أهل اللغة أيضًا في ذلك، والراجح عندنا هو تفسير السلف، فإن قال الجهمي: الارتفاع يقتضي التنقل من تحت إلى فوق، وتلك صفة الأجسام ففي هذا التفسير تشبيه الله بخلقه، فالجواب: إن هذا التفكير السخيف، هو سبب ضلال نفاة الصفات؛ لقياسهم صفات الله على صفة

стр. 1652

المخلوقين، وبسبب ذلك نفوا كلام الله تعالى، وجواز رؤية العباد له بأبصارهم، ونحن نقول: إن الله تعالى يُرى بالأبصار يوم القيامة، ويتكلم بحرف وصوت، وارتفع إلى السماء، فارتفاعه ليس كارتفاع المخلوق، وكذلك استواؤه على عرشه وكلامه وعلمه وحياته وقدرته وإرادته ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، وسيأتي مزيد بيان في الأبواب التالية إن شاء الله. الباب الثاني قوله تعالى: ﴿قَالَ يَاآدَمُ أَنْبِئْهُم بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُم بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ [البقرة: ٣٣]. قال (ك): «وقال (ج) (١): وأولى الأقوال في ذلك قول ابن عباس، وهو أن معنى قوله تعالى: ﴿وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ﴾ - وأعلم مع علمي غيب السموات والأرض ما تظهرونه بألسنتكم، وما كنتم تخفون (٢) في أنفسكم، فلا يخفى علي شيء سواء عندي سرائركم وعلانيتكم، والذي أظهروه بألسنتهم: قولهم: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا﴾، والذي كانوا يكتمون (٣): ما كان منطويًا عليه إبليس من الخلاف على الله في أوامره والتكبر عن طاعته، قال: وصح ذلك، وكما (٤) تقول العرب: قُتل الجيش وهزموا، وإنما قتل الواحد أو البعض، وهزم الواحد أو البعض فيخرج الخبر عن المهزوم منه والمقتول مخرج الخبر عن جميعهم، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ﴾ [الحجرات: ٤] ذكر أن الذي نادى إنما كان واحدًا من بني تميم (٥) وكذلك قوله تعالى: ﴿وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ (٦).

стр. 1653

فصل قال محمد تقي الدين: المراد هنا أن علم الله محيط بكل شيء ولا يشارك الله أحد في علمه، لا ملك مقرب ولا نبي مرسل، فهو عالم الغيب والشهادة، وغيره لا يعلم إلا ما علمه الله، قال تعالى: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾. . . . قوله تعالى ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ [البقرة: ٢١٠]. قال (ك): «يقول تعالى: مهددًا للكافرين بمحمد صلوات الله وسلامه عليه: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلائِكَةُ﴾؛ يعني يوم القيامة لفصل القضاء بين الأولين والآخرين فيجزي كل عامل بعمله، إن خيرًا فخير وإن شرًا فشر، ولهذا قال تعالى: ﴿وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ كما قال تعالى: ﴿كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا (٢١) وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢) وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى﴾ [الفجر: ٢١ - ٢٣] وقال: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ الآية [الأنعام: ١٥٨] (١). قال شيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية في «العقيدة الواسطية» ما نصه: وقوله تعالى ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ﴾ (٢) ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ (٢) ﴿كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا (٢١) وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ (٢) ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٥]» (٣). وقال شارح هذه العقيدة الأستاذ المحقق عبد العزيز بن محمد آل سلمان (٤).

стр. 1654

مدرس العقائد في المعاهد العالية بالمملكة العربية السعودية ما نصه: «في هذه الآيات إثبات صفة مجيء الله وإتيانه (١) على ما يليق بجلاله وعظمته، وهذا من أفعاله الاختيارية. الآية الأولى : ﴿هَلْ﴾: حرف استفهام، ﴿يَنْظُرُونَ﴾ ينتظرون، قال امرؤ القيس: فإِنَّكُما إِنْ تَنْظُراني ساعةً … مِنَ الدَّهْرِ تَنْفَعْني لدى أُمَّ جُنْدَبٍ (٢) فإذا كان النظر مقرونًا بذكر الوجه أو معدّى بإلى لم يكن إلا بمعنى الرؤية، الـ ﴿ظُلَلٍ﴾: جمع ظلة (٣) وهو ما يظلك (٤)، ﴿الْغَمَامَ﴾: السحاب الرقيق الأبيض، سُمِّي بذلك لأنه يغم، أي: يستر، ﴿وَقُضِيَ الْأَمْرُ﴾ أي: فرغ منه، يقول تعالى: هل ينتظر الكفار الساعون في الأرض فسادًا، التاركون للدخول في السلم، المتبعون لخطوات الشيطان، النابذون لأمر الله، إلا يوم الجزاء بالأعمال الذي قد ملئ من الأهوال والشدائد والفظائع التي تقلق (٥) القلوب الظالمة، وذلك أن الله تعالى يطوي السموات وتنتشر الكواكب، وتكور الشمس وتنزل الملائكة فتحيط بالخلائق وينزل الجبار في ظلل (٦) من الغمام؛ للفصل بالقضاء بين العباد بالعدل.

стр. 1655

ففي الآية: ١ - دليل لمذهب السلف المثبتين للصفات والأفعال الاختيارية. ٢ - إثبات الصفات (١) على ما يليق بجلاله وعظمته. ٣ - فيها تخويف ووعيد وتهديد لمن كفر بالله وعصاه. ٤ - إثبات صفة الكلام الله. ٥ - إثبات البعث والحساب والجزاء على الأعمال. ٦ - إثبات الألوهية الله. ٧ - دليل على علو الله على خلقه. ٨ - الرد على من أنكر صفة الإتيان أو أوَّلها بتأويل باطل. ٩ - إتيان الملائكة. ١٠ - في الآية عبرة للمؤمن، ترغبه في المبادرة إلى التوبة؛ لئلا يفاجئه وعد الله وهو غافل، فإذا لم يفاجئه قيام الساعة وهلاك هذا العالم كله فاجأه قيام قيامته بموته بغتة، فإذا لم يجئه بغتة، جاءه المرض بغتة، فلا يقدر على العمل وتدارك الزلل. الآية الثانية : يقول تعالى: هل ينظر الذين استمروا في ظلمهم وعنادهم إلا أن تأتيهم الملائكة لقبض أرواحهم، وعند ذلك ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام: ١٥٨]، أو يأتي ربك لفصل القضاء بين العباد لمجازات المحسنين والمسيئين. وهذه الآية وما أشبهها دليل لمذهب السلف أهل السنة والجماعة، المثبتين للصفات والأفعال الاختيارية، كالاستواء (٢) والنزول والمجيء، ونحو ذلك من الصفات التي أخبر تعالى بها (٣) عن نفسه أو أخبر بها عنه رسوله ﷺ ، فيثبتونها على الوجه اللائق بجلاله وعظمته من غير تشبيه ولا تحريف ولا تمثيل ولا

стр. 1656

تَعطيلٌ، خلافًا للمُعَطِّلةِ من جَهْمِيَّةٍ أو مُعتزلة أو أشاعِرة ونحوهم من نُفاةِ الصِّفات، أو يَتأوَّلُ لأجلِها الآيات بتأويلات ما أَنْزَلَ اللهُ بها من سُلطان (١)، والزَّعم بأنَّ كلامَهم هو الذي تَحصُل به الهداية في هذا الباب، فهؤلاء ليس معهم دليل نَقليٌّ ولا عَقلي. أمَّا النَّقليّ؛ فقد اعترفوا أنَّ النُّصوص الواردة في الكتاب والسُّنَّة ظاهِرُها بل صريحُها دالٌّ على مَذهَب أهل السُّنَّة والجماعة، وأنَّها لا تحتاجُ لِدلالتِها على مَذهَب المُبتَدِعين (٢) الباطل أن تخرج عن ظاهِرها ويزاد (٣) فيها وينقص، وهذا (٤) لا يرتضيه من في قلبِه مِثقالُ ذَرَّة إيمان (٥). وأمَّا العَقْليُّ (٦)؛ فليس في العقل ما يدلُّ على نفي الصِّفات، بل دلَّ العقل على أنَّ الفاعلَ أَكمَلُ من الذي لا يَقْدِر على الفعل، وأنَّ فعله تعالى المتعلِّق بنفسه والمتعلِّق بخَلْقِهِ هو كمالٌ؛ فإن زعموا أنَّ إثباتَها يدلُّ على التَّشبيه بخَلْقِه! قيل لهم: الكلامُ على الصِّفات يتْبعُ الكلامَ على الذَّات، فكما أنَّ اللهَ ذاتًا لا تشبهها الذَّوات، فله صفاتٌ لا تشبهُها الصِّفات، فصِفاتُه تبعٌ لِذاته، وصفات خَلْقِه تبعٌ لذواتِهم، فليس في إثباتِها ما يقتضي التَّشبيه، ويقال أيضًا لمن أثبت بعضَ الصِّفات ونفى بعضًا، أو أثبتَ الأسماءَ دون الصِّفات: إمَّا أن تُثْبتَ الجميعَ كما أثبته اللهُ لنفسه وأثبته له رسولُه ﷺ ، وإمَّا أن تنفيَ الجميع وتكون منكِرًا لرَبِّ العالمين، وأمَّا إثباتُك بعض ذلك ونفيك لبعضه فهذا تناقض، ففرِّق بين ما أثبته وما نفيته، ولن تجد إلى الفَرقِ سبيلًا. فإن قلت: ما أثبته لا يقتضي تشبيهًا، قال لك أهلُ السُّنَّةِ والإثبات لما نفيته: لا يقتضي تشبيهًا. فإن قلت: لا أعقل من الذي نفيته إلا التَّشبيه، قال لك النُّفاة: ونحن لا

стр. 1657

نعقل من الذي أثبته إلا التشبيه، فما أجبت به النفاة أجابك به أهل السنة. والحاصل: أن من نفى شيئا وأثبت شيئا مما دل الكتاب والسنة على إثباته فهو متناقض، لا يثبت له دليل شرعي ولا عقلي، بل قد خالف المعقول والمنقول. وقوله: ﴿أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ أي: الدالة على قرب [قيام الساعة] (١) وهو طلوع الشمس من مغربها، وطلوعها من مغربها هو أحد أشراط الساعة الكبار، وأمارات الساعة ثلاثة أقسام: قسم ظهر وانقضى، كبعثة النبي ﷺ ، ووقعة الجمل، وصفين، ونحوهما، وملك بني أمية والعباسية، ونار الحجاز التي أضاءت منها أعناق الإبل ببصرى، وخروج الكذابين المدعين النبوة، وكثرة المال والزلزال، وقسم متوسط ككون أسعد الناس بالدنيا لكع بن لكع وإماتة الصلاة وإضاعة الأمانة والتباهي بالمساجد وأكل الربا ونحو ذلك، وكرفع العلم وكثرة الجهل، وكثرة الزنا، وشرب الخمر، وقلة الرجال وكثرة النساء، وتوسيد الأمور إلى غير أهلها، ولحوق حي من الأمة بالمشركين وعبادة فئام من الأمة الأوثان وغير ذلك، والقسم الثالث العلامات العظام التي تعقبها الساعة وهي عشر، نظمها السفاريني بقوله: وما أتى بالنص (٢) من أشراط … فكله حق بلا شطاط منها الإمام الخاتم الفصيح … محمد المهدي والمسيح وأنه القاتل (٣) للدجال … بباب «لد» خل عن جدال وأمر يأجوج ومأجوج اثبت … فإنه حق كهدم الكعبة وأن منها آية الدخان … وأنه يذهب بالقرآن طلوع شمس الأفق من دبور … كذات أجياد على المشهور وآخر الآيات حشر النار … كما أتى في محكم الأخبار فكلها صحت بها الآثار (٤) … وسطرت آثارها الأخبار (٥)

стр. 1658

ففي الآية [أمور] (١): ١ - دليل لمذهب السلف المثبتين للصفات والأفعال الاختيارية. ٢ - إتيان الملائكة. ٣ - إتيان الرب جل وعلا على ما يليق بجلاله وعظمته. ٤ - التخويف والوعيد والتهديد لمن كفر بالله وعصاه. ٥ - إثبات صفة الكلام الله. ٦ - إثبات الربوبية. ٧ - دليل على علو الله على خلقه. ٨ - الرد على من أنكر إتيان الرب أو أوله بتأويل باطل. ٩ - الحث على التوبة خوف مفاجأة القيامة العامة أو الخاصة. ١٠ - الحث على مراقبة الله. ١١ - إثبات البعث والحشر والحساب والجزاء على الأعمال. ١٢ - إن الله قسم ونوع، ففرق بين إتيان الرب وإتيان الملائكة. الآية الثالثة : الدك: حط المرتفع بالبسط والتسوية، ومنه اندكاك سنام البعير إذا انغرس في ظهره، وناقة دكاء (٢) إذا كانت كذلك. قال الشاعر: ليت الجبال تداعت عند مصرعها … دكًا فلم يبق من أحجارها حَجَرُ وقوله: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ أي: لفصل القضاء ﴿وَالْمَلَكُ﴾ أي: جنس الملائكة ﴿صَفًّا صَفًّا﴾ أي: صفًا بعد صف. يؤخذ من الآية [أمور] (٢): ١ - إثبات المجيء على ما يليق بجلاله وعظمته. ٢ - دليل على إتيان الملائكة.

стр. 1659

٣ - دليل على علو الله على خلقه. ٤ - حث على التقلل من الدنيا والعمل للآخرة. ٥ - إثبات الربوبية. ٦ - الرد على من أنكر صفة المجيء أو أولها بتأويل باطل. ٧ - دليل على البعث والحساب والجزاء على الأعمال. ٨ - الحث على المراقبة. ٩ - الحث على محاسبة النفس والاستعداد لذلك اليوم. ١٠ - إن ما على الأرض من جبال وقصور وأبنية يزول وتكون قاعًا صفصفًا، لا ترى فيها عوجًا ولا أمتًا. ١١ - دليل على هول ذلك (١) اليوم، الذي ترجف له القلوب، وتخشع له الأبصار. ١٢ - أن الله هو [الذي] (٢) يتولى الحكم والفصل في ذلك اليوم. ١٣ - إن الملائكة يأتون صفوفًا. ١٤ - دليل على قدرة الله. الآية الرابعة : يخبر تعالى عن عظمة يوم القيامة، وما فيه من الشدائد والأهوال والكروب ومزعجات القلوب، فقال: واذكر يوم تشقق السماء بالغمام وتنفتح عنه، وذلك الغمام ينزل فيه فوق (٣) سمواته، وتنزل الملائكة، ويحيطون بالخلائق في مقام الحشر (٤). ففي الآية أمور: ١ - إثبات مجيء ء الله ونزوله، ونفس الدليل من الآية على نزول الله بذاته سبحانه على ما يليق بجلاله وعظمته، كما هو المتبادر من النصوص، وأفعاله.

стр. 1660

سبحانه قائمة به فيجب إثباتها على الوجه اللائق بجلاله وعظمته، قال القحطاني: والله يومئذ يجيءُ لِعَرْضِنا … مع أنه في كل وقت دان والأشعري يقول يأتي أمره … ويعيب وصف الله بالإتيان (١) ويؤخذ من الآية أمور: ١ - إثبات البعث والحشر والحساب والجزاء على الأعمال. ٢ - الحث على الاستعداد لذلك اليوم. ٣ - دليل على نزول الملائكة. ٤ - الرد على من أنكر المجيء. ٥ - إثبات صفة الكلام لله. ٦ - دليل على علو الله على خلقه. ٧ - دليل على نزول الملائكة. ٨ - إن السماء تتغير عن حالتها لعظم ذلك اليوم. أنواع الإتيان والمجيء، وبيان الرد على من أوّل النزول والمجيء بمجيء الأمر ونحو ذلك «الإتيان والمجيء المضاف إلى الله نوعان: مطلق ومقيد، فإذا كان مجيء رحمته وعذابه ونحو ذلك قيد بذلك، كما جاء في الحديث «حتى جاء الله بالرحمة والخير» (٢) وكقوله: ﴿وَلَقَدْ جِئْنَاهُم بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ [الأعراف: ٥٢] والنوع الثاني: الإتيان والمجيء المطلق، فهذا لا يكون إلا مجيئه سبحانه كقوله: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ﴾ وقوله: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ (٣)» أما الرد على من أوّل النزول والمجيء بمجيء الأمر وأنه من مجاز الحذف، فهذا باطل من وجوه:

стр. 1661

أحدها: إنه إضمار ما لا يدل عليه اللفظ لا بمطابقة ولا تضمن ولا التزام (١)، وادعاء حذف ما لا دليل عليه يرفع الوثوق من الخطاب، ويجرئ (٢) كل مبطل على ادعاء إضمار ما يصح باطله. الثاني: إن صحة التركيب واستقامة اللفظ لا تتوقف على هذا المحذوف، بل الكلام مستقيم تام قائم المعنى بدون إضمار، فإضماره مجرد خلاف الأصل فلا يجوز. الثالث: إنه إذا لم يكن في اللفظ دليل على تعيين قول المتكلم بلا علم، وإخبار عنه بإرادة ما لم يقم (٣) دليل على إرادته، وذلك كذب عليه. الرابع: في السياق ما يبطل هذا التقدير، وهو قوله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ﴾ فعطف مجيء الملك على مجيئه سبحانه يدل على تغاير المجيئين وأن مجيئه حقيقة، كما أن مجيء الملك حقيقة، بل مجيء الرب أولى أن يكون حقيقة من مجيء الملك، وكذلك قوله: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ﴾ (٤) فقسم ونوّعَ، ومع هذا التقسيم يمتنع أن يكون القسمان واحدًا فتأمله» (٥) اهـ. من كلام ابن القيم. قال: «وأما من قال: يأتي أمره، وتنزل رحمته وأمره، فإن أراد أنه سبحانه إذا نزل وأتى حلّت رحمته وأمره فهذا حق، وإن أراد أن النزول والمجيء والإتيان للرحمة والأمر ليس إلا [ذلك] (٦) فهو باطل من وجوه عديدة، قد تقدمت ونزيدها وجوهًا أخر منها: أن يقال: أتريدون رحمته وأمره؟ صفته القائمة بذاته أم مخلوقًا منفصلًا سميتموه رحمة وأمرًا؟ فإن أردتم الأول؛ فنزوله يستلزم نزول الذات ومجيئها قطعًا، وإن أردتم الثاني، كان الذي ينزل ويأتي لفصل القضاء مخلوقًا محدثًا لرب

стр. 1662

العالمين، وهذا معلوم البطلان قطعًا، وهو تكذيب صريح (١)، فإنه يصح معه أن يقال: لا ينزل إلى السماء الدنيا، ولا (٢) يأتي لفصل القضاء، وإنما ينزل ويأتي غيره. ومنها: كيف يصح أن يقول ذلك المخلوق: «لا أسأل عن عبادي غيري» ويقول: «من يستغفرني فاغفر له» (٣)؟ ونزول رحمته وأمره مستلزم لنزوله سبحانه ومجيئه، وإثبات ذلك للمخلوق مستلزم للباطل الذي لا يجوز نسبته إليه سبحانه، مع رد خبره صريحًا. ومنها: إن نزول رحمته وأمره لا يختص بالثلث الأخير، ولا بوقت دون وقت، ينزل أمره فلا تنقطع رحمته ولا أمره عن العالم العلوي والسفلي طرفة عين» (٤). اهـ. من «مختصر الصواعق» (٥). قال الحافظ عبد الغني المقدسي الحنبلي المتوفى سنة (٦٠٠ هـ) في «عقيدته» في «المجموعة العلمية السعودية» (صفحة ٣٥) ما نصه: «وتواترت الأخبار وصحت الآثار بأن الله ينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا، فيجب الإيمان والتسليم له وترك الاعتراض عليه وإمراره من غير تكييف ولا تمثيل ولا تأويل ولا تنزيه ينفي حقيقة النزول، فروى أبو هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «ينزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر، فيقول: من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟ حتى يطلع الفجر» (٦). وفي لفظ: ينزل الله ، ولا يصح حمله على نزول القدرة ولا الرحمة ولا نزول ملك، لما روى مسلم بإسناده عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: «ينزل الله إلى سماء الدنيا حين يمضي ثلث الليل الأول فيقول: أنا الملك أنا الملك، من ذا الذي يدعوني فأستجيب له، من ذا الذي يستغفرني فأغفر له؟ حتى يضيء الفجر» (٧).

стр. 1663

وروى رفاعة بن عرابة (١) الجهني عن رسول الله ﷺ قال: «إذا مضى نصف الليل - أو ثُلُثا (٢) الليل - ينزل الله إلى سماء الدنيا فيقول: لا أسْأَلُ عن عبادي أحدًا غيري، من ذا الذي يستغفرني فأغفر (٣) له؟ من ذا الذي يدعوني فأستجيب (٤) له؟ من ذا الذي يسألني فأعطيه (٥)؟ حتى ينفجر الصبح» (٦) رواه الإمام أحمد. وهذان الحديثان يقطعان تأويل كل متأول، ويدحضان حجة كل مبطل، وروى حديث النزول علي بن أبي طالب (٧)، وعبد الله بن مسعود (٨)، وجبير بن مطعم (٩) وجابر بن عبد الله (١٠)، وأبو سعيد الخدري (١١)، وعمرو بن عبسة (١٢)،

стр. 1664

وأبو الدرداء (١)، وعثمان بن أبي العاص (٢)، ومعاذ بن جبل (٣)، وأم سلمة زوج النبي ﷺ (٤) وخلق سواهم (٥) ونحن مؤمنون بذلك مصدقون من غير أن نصف له كيفية، أو نشبه بنزول المخلوقين. وقد قال بعض العلماء: سئل أبو حنيفة عنه - يعني عن النزول - فقال: «ينزل بلا كيف» (٦) وقال محمد بن الحسن الشيباني صاحب أبي حنيفة: «الأحاديث التي جاءت أن الله يهبط إلى سماء الدنيا ونحو هذا من الأحاديث، إن روتها الثقات، فنحن نرويها ونؤمن بها ولا نفسرها» (٧) وروينا

стр. 1665

عن عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: كنت أنا وأبي في المسجد (١) فسمع قاصًا يقص في حديث (٢) النزول فقال: «إذا كان ليلة النصف من شعبان ينزل الله إلى سماء الدنيا بلا زوال ولا انتقال ولا تغير حال» فارتعد أبي ﵀ واصفر لونه ولزم يدي فأمسكته (٣) حتى سكن ثم قال: قف بنا على هذا المتخرص، فلما حاذاه قال: «يا هذا رسول الله ﷺ أغير على ربك (٤) منك، قل كما قال رسول الله ﷺ ، وانصرف (٥) قال حنبل: قلت لأبي عبد الله - يعني أحمد -: ينزل الله إلى سماء الدنيا، قلت: نزوله بعلمه أو ماذا؟ فقال لي: «اسكت عن هذا، مالك ولهذا؟! أمض (٦) الحديث على ما روي، بلا كيف ولا حد، على ما جاءت به الآثار وبما جاء به الكتاب (٧). وقال إسحاق بن راهويه: قال لي الأمير عبد الله بن طاهر: يا أبا يعقوب، هذا الحديث الذي ترويه عن رسول الله ﷺ : «ينزل ربنا شأنه كل ليلة إلى سماء الدنيا». كيف ينزل؟ قال: قلت: أعز الله الأمير، لا يقال لأمر الرب : كيف؟ إنما ينزل بلا كيف» (٨). ومن قال: يخلو العرش عند النزول أو لا يخلو، فقد أتى بقول مبتدع ورأي مخترع» (٩). وقد ألف شيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية الله كتابًا في «شرح حديث النزول» جوابًا عن سؤال رفع إليه ومضمونه: إن رجلين اختلفا، فقال

стр. 1666

أحدهما: «ينزل ربنا كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى الثلث الأخير من الليل … الحديث» (١)، فأنكر ذلك الرجل الآخر، وقال: إنما تنزل رحمته وسأله: كيف ينزل؟ فقال: ينزل كما شاء بلا كيف … إلى آخر ما جرى بينهما، وسأنقل هنا شيئًا من جواب شيخ الإسلام، فإنه طويل يشتمل على مائة وست عشرة صفحة، وفيه فوائد كثيرة زائدة عن جواب السؤال، حتى صار كتاب عقيدة كاملًا، قال شيخ الإسلام: «الحمد لله رب العالمين، أما القائل الأول الذي ذكر نص النبي ﷺ فقد أصاب فيما قال، فإن هذا القول الذي قاله، قد استفاضت به السنة عن النبي ﷺ ، واتفق سلف الأمة وأئمتها وأهل العلم بالسنة والحديث على تصديق ذلك وتلقيه بالقبول، ومن قال ما قاله الرسول ﷺ ، فقوله حق وصدق وإن كان لا يعرف حقيقة ما اشتمل عليه من المعاني، كمن قرأ القرآن ولم يفهم ما فيه من المعاني، فإن أصدق الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، والنبي ﷺ قال هذا الكلام وأمثاله علانية، وبلغه الأمة تبليغًا عامًا، لم يخص به أحدًا دون أحد، ولا كتمه عن أحد، وكان (٢) الصحابة والتابعون تذكره وتؤثره (٣) وتبلغه وترويه في المجالس الخاصة والعامة»، واشتملت عليه كتب الإسلام التي تقرأ في المجالس الخاصة والعامة (٤) كـ «صحيحي البخاري ومسلم» و «موطأ مالك» و «مسند الإمام أحمد» و «سنن أبي داود» و «الترمذي» و «النسائي» وأمثال ذلك من كتب المسلمين. لكن من فهم من هذا الحديث وأمثاله ما يجب تنزيه الله عنه، كتمثيله بصفات المخلوقين، ووصفه بالنقص المنافي لكماله الذي يستحقه، فقد أخطأ في ذلك وإن أظهر ذلك منع منه، وإن زعم أن الحديث يدل على ذلك ويقتضيه فقد أخطأ أيضًا في ذلك، فإن وصفه في هذا الحديث بالنزول، هو كوصفه بسائر الصفات، كوصفه بالاستواء إلى السماء وهي دخان، ووصفه بأنه خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش، ووصفه بالإتيان والمجيء في مثل قوله (٥): ﴿هَلْ

стр. 1667

يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ [الأنعام: ١٥٨] وقوله: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر: ٢٢] وكذلك قوله تعالى: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [السجدة: ٤] وقوله: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ﴾ [الذاريات: ٤٧]. وقوله: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُم مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُم مِنْ شَيْءٍ﴾ [الروم: ٤٠] وقوله: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ﴾ [السجدة: ٥] وأمثال ذلك من الأفعال التي وصف الله تعالى بها نفسه، التي تسميها النحاة أفعالًا متعدية، وهي غالب ما ذكر في القرآن، ويسمونها (١) لازمة لكونها لا تنصب المفعول به بل لا تتعدى إليه إلا بحرف الجر، كالاستواء إلى السماء وعلى (٢) العرش والنزول إلى السماء الدنيا ونحو ذلك، فإن الله وصف نفسه بهذه الأفعال ووصف نفسه بالأقوال اللازمة والمتعدية (٣) في مثل قوله: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ﴾ [البقرة: ٣٠] وقوله: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤] وقوله تعالى: ﴿وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا﴾ [الأعراف: ٢٢] وقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص: ٦٥] (٤). اهـ. المراد نقله منه في هذا المقام. الباب الرابع قوله تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِندَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة: ٢٥٥]. قال (ك): روى الإمام أحمد بسنده عن أبي بن كعب أن النبي ﷺ سأله: «أي آية في كتاب الله أعظم؟» قال: الله ورسوله أعلم، فرددها مرارًا، ثم قال:

стр. 1668

أبي: آية الكرسي، قال: «ليهنك العلم أبا المنذر، والذي نفسي بيده إن لها لسانًا وشفتين، تقدّس الملك عند ساق العرش» (١). وروى أحمد والأربعة إلا النسائي عن أسماء بنت يزيد بن السكن قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول في هاتين الآيتين: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾، و ﴿الم (١) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [آل عمران: ١ - ٢] «إن فيهما اسم الله الأعظم» (٢). وروى النسائي في «اليوم والليلة» وابن حبان في «صحيحه» عن أبي أمامة قال: قال رسول الله ﷺ : «من قرأ دبر كل صلاة مكتوبة آية الكرسي، لم يمنعه من دخول الجنة إلا أن يموت» (٣) قال (ك): إسناده على شرط البخاري وروى البخاري في كتاب فضائل القرآن من «صحيحه» في صفة إبليس بسنده عن أبي هريرة قال: وكلني رسول الله ﷺ بحفظ زكاة رمضان، فأتاني آت فجعل يحثو من الطعام، فأخذته، وقلت: لأرفعنك إلى رسول الله ﷺ ! قال: دعني، فإني محتاج، وعلي عيال، ولي حاجة شديدة، قال: فخليت عنه، فأصبحت، فقال النبي ﷺ : «يا أبا هريرة ما فعل أسيرك البارحة؟» قال: قلت: يا رسول الله شكا حاجة شديدة وعيالًا فرحمته وخليت سبيله، قال: «أما إنه قد كذبك وسيعود» فعرفت أنه سيعود لقول رسول الله ﷺ أنه سيعود، فرصدته، فجاء يحثو من الطعام فأخذته، فقلت: لأرفعنك إلى رسول الله ﷺ ، قال: دعني فإني محتاج وعلي عيال لا أعود، فرحمته وخليت سبيله، فأصبحت فقال رسول الله ﷺ : يا أبا هريرة ما فعل أسيرك البارحة؟ قلت: يا رسول الله شكا حاجة وعيالًا فرحمته، فخليت سبيله، قال: «أما إنه قد كذبك وسيعود» فرصدته الثالثة، فجاء يحثو من الطعام فأخذته، فقلت: لأرفعنك إلى رسول الله ﷺ ، وهذا آخر ثلاث مرات، إنك تزعم أنك لا تعود ثم تعود فقال: دعني أعلمك كلمات ينفعك الله بها، قلت: وما هي؟ قال: إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾، وقال لي: لن يزال عليك من الله حافظ، ولا يقربك شيطان حتى تصبح، فخليت سبيله، فأصبحت، فقال لي رسول الله ﷺ : ما فعل أسيرك البارحة؟ قلت: يا رسول الله زعم أنه يعلمني كلمات ينفعني الله بها فخليت سبيله، قال:

стр. 1669

«ما هي»؟ قال: قال لي: إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي من أولها حتى تختم الآية ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾، وقال لي: لن يزال عليك من الله حافظ، ولا يقربك شيطان، حتى تصبح، وكانوا أحرص شيء على الخير، فقال النبي ﷺ : «إنه صدقك وهو كذوب، تعلم من تخاطب من ثلاث ليال يا أبا هريرة؟ قلت: لا، قال: «ذاك شيطان» (١). وهذه الآية مشتملة على جمل مستقلة: فقوله: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ إخبار بأنه المنفرد بالإلهية لجميع الخلائق ﴿الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ أي: الحي في نفسه، الذي لا يموت أبدًا، القيم لغيره، وكان عمر يقرأ: القيام (٢)، فجميع الموجودات مفتقرة إليه، وهو غني عنها، ولا قوام لها بدون أمره، كقوله: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ﴾ [الروم: ٢٥] وقوله: ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ أي: لا يعتريه نقص ولا غفلة ولا ذهول عن خلقه، بل هو قائم على كل نفس بما كسبت، شهيد على كل شيء، لا يغيب عنه شيء، ولا يخفى عليه خافية، ومن تمام القيومية أنه لا يعتريه سنة ولا نوم، فقوله: ﴿لَا تَأْخُذُهُ﴾ أي: لا تغلبه سنة، وهي: الوسن، والنعاس، ولهذا قال: ﴿وَلَا نَوْمٌ﴾ لأنه أقوى من السنة» (٣). قال القنوجي في «فتح البيان» ما نصه: «﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ﴾ يقال: فلان وسع الشيء سعة، إذا احتمله وأمكنه القيام به، وأصل الكرسي في اللغة، مأخوذ من تركب الشيء بعضه على بعض، ومنه: الكراسة لتركيب (٤) بعض أوراقها على بعض، وفي العرف ما يُجلس عليه، والكرسي هنا الظاهر أنه الجسم الذي وردت الآثار بصفته كما سيأتي بيانات (٥) ذلك، وقد نفى وجوده جماعة من المعتزلة، وأخطؤوا في ذلك خطأ بينًا، وغلطوا غلطًا فاحشًا، وقال بعض السلف: إن الكرسي هنا عبارة عن العلم، قالوا: ومنه قيل للعلماء: كراسي، ومنه الكراسة التي يجمع فيها العلم، ورجح هذا القول ابن جرير الطبري.

стр. 1670

وفي «القاموس»: «الكرسي بالضم والكسر (١): السرير والعلم، والجمع كراسي» (٢) وقيل: كرسيه: قدرته التي يمسك بها السموات والأرض، كما يقال: اجعل لهذا الحائط كرسيًا أي ما يعمده، وقيل: إن الكرسي هو العرش، وقيل هو تصوير لعظمته ولا حقيقة له، قال التفتازاني (٣): إنه من باب إطلاق المركب الحسي المتوهم على المعنى العقلي المحقق، وقال البيضاوي: «لا كرسي في الحقيقة ولا قاعد، وهو تمثيل مجرد، وقيل: هو عبارة عن الملك والسلطان مأخوذ من كرسي العالم والملك (٤) والحق القول الأول، ولا وجه للعدول عن المعنى الحقيقي إلا مجرد خيالات (٥) وضلالات جاءت عن الفلاسفة، أقمأهم الله تعالى، والمراد بكونه وسع ﴿السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أنها صارت فيه وأنه وسعها ولا يضيق (٦) عنها؛ لكونه بسيطًا واسعًا» (٧). قال (ك): «وقوله: ﴿وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾ أي: لا يثقله ولا يكرثه حفظ السموات والأرض وما فيهما وما بينهما (٨)، بل ذلك سهل عليه يسير لديه، وهو القائم على كل نفس بما كسبت، الرقيب على جميع الأشياء فلا يعزب عنه شيء، ولا يغيب عنه شيء، والأشياء كلها حقيرة بين يديه متواضعة ذليلة صغيرة بالنسبة إليه محتاجة فقيرة، وهو الغني الحميد الفعال لما يريد، الذي لا يسأل عما يفعل وهم يسألون، وهو القاهر (٩) لكل شيء، الحسيب على كل شيء، الرقيب العلي العظيم لا إله غيره ولا رب سواه، فقوله: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ كقوله: ﴿الْكَبِيرُ﴾ (١٠) ﴿الْمُتَعَالِ﴾ [الرعد: ٩] وهذه الآيات وما في معناها من الأحاديث الصحاح، والأجود فيها طريقة السلف الصالح: أمروها كما جاءت من غير تكييف ولا تشبيه» (١١).

стр. 1671

فصل قال محمد تقي الدين مستعينًا بالله وحده: سبب الفضل الذي رأيناه في آية الكرسي أنها اشتملت على توحيد الله في فاتحتها، وأسمائه الحسنى الحي القيوم العلي العظيم، وصفاته بأنه الرقيب الذي لا يغفل، ويروى أن الله تعالى أراد أن يعلم عبده موسى ﵊ تعليمًا عمليًا بأنه لا يغفل عن عباده، فأمره أن يأخذ قارورتين مملوءتين ماء، وأن يمسك كل واحدة منهما بيد، ففعل ما أمره الله تعالى به وبقي ممسكًا لهما حتى أخذه النوم، فجعل يدفع النوم ويغلبه حتى استولى عليه النوم، فسقطت القارورتان وانكسرتا وهريق ماؤهما، فعلمه الله تعالى أن الذي يمسك السموات والأرض أن تزولا يستحيل عليه النوم والغفلة (١)،

стр. 1672

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1673

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1674

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1675

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1676

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1677

والصفة الثانية: إن السموات والأرض وما فيهما ملك له وتحت تصرفه. الثالثة: إن أحدًا لا يتجرأ على الشفاعة عنده إلا إذا أذن له الرابعة: إن علمه قد أحاط بكل شيء. الخامسة: إنه لا أحد من الخلق يعلم شيئًا إلا ما علمه الله تعالى. السادسة: إن السموات والأرض بالنسبة إلى الكرسي كحلقة ملقاة في فلاة، وهو

стр. 1678

رب العرش والكرسي وخالقهما وحافظ وجودهما. السابعة: إن حفظ السموات والأرض لا يكرثه ولا يثقل عليه ولو مثقال ذرة أو أقل، فلذلك كانت أعظم آية في القرآن. فصل اختلفت الأقوال في الكرسي، ونحن نؤمن بكل ما جاء عن النبي ﷺ وعن صحابته وسائر السلف الصالح، من غير تشبيه ولا تمثيل ولا تحريف ولا تعطيل.

стр. 1679

سورة آل عمران الباب الأول قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: ٧] قال ﵀: يخبر تعالى أن في القرآن آيات محكمات هن أم الكتاب، أي بينات واضحات الدلالة لا التباس فيها على أحد (١)، ومنه آيات أُخر فيها اشتباه في الدلالة على كثير من الناس أو بعضهم، فمن ردّ ما اشتبه إلى الواضح منه وحكم محكمه على متشابهه عنده، فقد اهتدى، ومن عكس انعكس، ولهذا قال تعالى: ﴿هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ أي: أصله الذي يرجع إليه عند الاشتباه ﴿وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ أي: تحتمل دلالتها موافقة المحكم، وقد تحتمل شيئًا آخر من حيث اللفظ والتركيب، لا من حيث المراد، وقد اختلفوا في المحكم والمتشابه، فروي عن السلف عبارات كثيرة: قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﵄: «المحكمات ناسخه وحلاله وحرامه وأحكامه ما يؤمر به (٢) ويعمل به»، وعن ابن عباس أيضًا أنه قال: المحكمات قوله تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [الأنعام: ١٥١] والآيات بعدها، وقوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٣] إلى ثلاث آيات بعدها ولهذا قال الله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾ أي: ضلال وخروج عن الحق إلى الباطل ﴿فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾

стр. 1680

أي: إنما يأخذون منه بالمتشابه الذي يمكنهم أن يحرفوه إلى مقاصدهم الفاسدة، وينزلوه عليها لاحتمال لفظه لما (١) يصرفونه، فأما المحكم فلا نصيب لهم فيه؛ لأنه دامغ (٢) لهم وحجة عليهم، ولهذا قال تعالى: ﴿ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ﴾ أي: الإضلال لأتباعهم، إيهامًا لهم أنهم يحتجون على بدعتهم بالقرآن، وهو (٣) حجة عليهم لا لهم، كما لو احتج النصارى بأن القرآن قد نطق بأن عيسى روح الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، وتركوا الاحتجاج بقوله: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ﴾ [الزخرف: ٥٩] وبقوله: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: ٥٩] وغير ذلك من الآيات المحكمة المصرحة بأنه خَلْق من مخلوقات الله، وعَبْد ورسول من رسل الله. وقوله تعالى: ﴿وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ أي: تحريفه على ما يريدون (٤). وقال الإمام أحمد بسنده عن عائشة أن رسول الله ﷺ قرأ: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ إلى قوله: ﴿إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ فقال: «إذا رأيتم الذين يجادلون فيه، فهم الذين عنى الله، فاحذروهم» (٥). وقال الإمام أحمد بسنده إلى أبي غالب قال: سمعت أبا أمامة يحدث عن النبي ﷺ في قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾ قال: هم الخوارج (٦)، وفي قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران: ١٠٦] قال: هم الخوارج (٧).

стр. 1681

قال (ك): «وهذا الحديث أقل أقسامه أن يكون موقوفًا من كلام الصحابي، ومعناه صحيح، فإن أوّل بدعة وقعت في الإسلام فتنة الخوراج وكان مبدؤهم بسبب الدنيا حين قسم النبي ﷺ غنائم حنين، فكأنهم رأوا في عقولهم الفاسدة أنه لم يعدل في القسمة، ففاجؤوه بهذه المقالة، فقال قائلهم - وهو ذو الخويصرة -: اعدل فإنك لم تعدل، فقال رسول الله ﷺ : «لقد خبت وخسرت، إن لم أكن أعدل فمن يعدل، أيأمنني من في السماء على أهل الأرض ولا تأمنوني؟». فلما قضي الرجل استأذن عمر بن الخطاب - وفي رواية خالد بن الوليد - في قتله فقال: «دعه، فإنه يخرج من ضئضئ هذا - أي من جنسه - قوم يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وقراءته مع قراءتهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، فأينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإن في قتلهم أجرًا لمن قتلهم» (١). ثم كان ظهورهم أيام علي بن أبي طالب وقتلهم بالنهروان، ثم تشعبت منهم شعوب وقبائل وآراء وأهواء ومقالات ونحل كثيرة منتشرة (٢)، ثم انبعث القدرية ثم المعتزلة ثم الجهمية، وغير ذلك من البدع التي أخبر عنها الصادق المصدوق ﷺ في قوله: «وستفترق هذه الأمة على ثلاثة وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة». قالوا: وما هي يا رسول الله؟ قال: «من كان على ما أنا عليه وأصحابي» (٣). أخرجه الحاكم في «مستدركه» بهذه الزيادة. وقوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ الآية اختلف العلماء في الوقف على اسم الجلالة: هو الصواب أم الصواب الوقف على قوله تعالى: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾؟ وأكثر علماء السلف يقولون بالوقف على اسم الجلالة، لاعتقادهم أن معنى التأويل هنا ليس التفسير بل حقيقته وما يؤول إليه في نفس الأمر، وهذا لا يعلمه إلا الله، ككيفية استوائه على عرشه، وكيفية إتيانه ومجيئه، فليس في طاقة البشر علم ذلك، أما معنى الاستواء وهو العلو فإنه معلوم، وكذلك النزول = رقم (٧٤)، والآجري في «الشريعة» (ط دار الوطن)، وأبو نصر السجزي في «الإبانة» - كما في «الدر المنثور» (٢/ ٢٩١) - بسندٍ واه مسلسل بالضعفاء، فيه علي بن قدامة، لين، ومجاشع بن عمرو متهم، وميسرة بن عبد ربه، مثله، بل أسوأ منه حالًا!

стр. 1682

والإتيان والمجيء معناها معروف في اللغة، وقد آمن به السلف الصالح ومن اتبعهم، وقوله تعالى: ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾، قال (كه): أي: إنما يفهم ويعقل ويتدبر المعاني على وجهها أولو العقول السليمة والفهوم المستقيمة (١). هـ. فصل قال محمد تقي الدين: كل من يتعاطى ما يسمى بعلم الكلام؛ لا بد أن يكون من أهل الجدل، وهم الذين يتبعون ما تشابه منه، وقد حذرنا رسول الله ﷺ أن نكون منهم أو أن نغتر بأقوالهم. قال أبو عمر في كتابه «جامع بيان العلم وفضله» ما نصه: «أجمع أهل الفقه والآثار من جميع الأمصار أن أهل الكلام أهل بدع وزيغ، ولا يعدون عند الجميع [في جميع الأمصار] (٢) في طبقات العلماء، وإن العلماء (٣) أهل الأثر والتفقه فيه، ويتفاضلون فيه بالإتقان والميز والفهم، وذكر بسنده إلى أبي عبد الله محمد بن إسحاق بن خويز منداد المصري (٤) المالكي قال في كتاب الإجارات» من كتابه في «الخلاف»: قال مالك: لا تجوز الإجارات (٥) في شيء من كتب الأهواء (٦) والبدع والتنجيم، وذكر كتبا ثم قال: وكتب أهل الأهواء والبدع عند أصحابنا هي كتب أصحاب الكلام من المعتزلة وغيرهم، وتفسخ الإجارة في ذلك، [قال]: وكذلك كتب القضاء بالنجوم وعزائم الجن وما أشبه ذلك (٧)، وقال في «كتاب الشهادات» في تأويل قول مالك: لا تجوز شهادة أهل البدع وأهل الأهواء، قال: أهل الأهواء عند مالك وسائر أصحابنا هم أهل الكلام، فكل متكلم فهو من أهل الأهواء والبدع، أشعريا كان أو غير أشعري، ولا تقبل له (٨) شهادة في الإسلام أبدا، ويهجر ويؤدب على بدعته فإن تمادى

стр. 1683

عليها استتيب منها، قال أبو عمر: ليس في الاعتقاد [كله] في صفات الله وأسمائه إلا ما جاء منصوصًا في كتاب الله أو صح عن رسول الله ﷺ أو أجمعت عليه الأمة، وما جاء من أخبار الآحاد من ذلك كله، أو نحوه يسلم له، ولا يناظر فيه (١). الباب الثاني قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ اللهُ يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ [آل عمران: ٥٥] قال محمد تقي الدين: يموّه النصارى على الجهال من المسلمين؛ فيقولون لهم: أنتم تدعون أن عيسى لم يمت ولم يقتل وكتابكم يشهد بأنه مات ففي سورة آل عمران: ﴿إِذْ قَالَ اللهُ يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ وهذا موافق لاعتقاد النصارى، فأقول وبالله التوفيق: هذا التمويه مردود من وجوه: الأول: إن التوفي لا يدل دائمًا على الموت، قال تعالى في سورة الأنعام: الآية ٦٠. ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِالنَّهَارِ﴾ [الأنعام: ٦٠] أي: يستوفي مدة يقظتكم فتنامون بالليل ثم تستيقظون بالنهار، والله يعلم ما تفعلون بالنهار من خير وشر، بدليل ﴿ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى﴾ [الأنعام: ٦٠]، وقال تعالى في سورة الزمر الآية ٤٢: ﴿اللهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [الزمر: ٤٢] فقد أطلق الله تعالى التوفي على التي ماتت وعلى التي لم تمت، وأخبر أنه يرسلها فتستيقظ، وتعيش إلى أن ينقضي أجلها، فمعنى مُتَوَفِّيكَ مستوف مدة إقامتك في الأرض. الدليل الثاني: هو أن التوفي إذا قدر أنه هنا بمعنى الإماتة؛ فمن المعلوم عند جميع العرب والنحاة أن الواو لمطلق الجمع لا تفيد تعقيبًا ولا ترتيبًا. قال تعالى في سورة الأحزاب الآية ٧: ﴿وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ [الأحزاب: ٧]، الخطاب في ﴿مِنْكَ﴾ لمحمد ﷺ ، فمن توهم أن الواو تفيد

стр. 1684

تعقيبًا يلزمه أن يقول: إن الله أخذ الميثاق من محمد ﷺ قبل أن يأخذه من نوح، وكفى بقول يفضي إلى هذا إسفافًا وبطلانًا. الدليل الثالث: قوله تعالى سورة النساء الآية ١٥٧: ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِن شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (١٥٧) بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ [النساء: ١٥٧، ١٥٨] وسيأتي لهذا المقام زيادة بيان فيما سأنقله بعد إن شاء الله من كتابي «البراهين الإنجيلية» (١). الدليل الرابع: قال البخاري في صحيحه: (باب نزول عيسى ابن مريم ﵉ وقال بسنده إلى أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «والذي نفسي بيده ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكمًا عدلًا، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية (٢) ويفيض المال حتى لا يقبله أحد، حتى تكون السجدة الواحدة خيرًا من الدنيا وما فيها»، ثم يقول أبو هريرة: واقرؤوا إن شئتم: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ، وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ [النساء: ١٥٩] وروى بسنده عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «كيف أنتم إذا نزل ابن مريم فيكم وإمامكم منكم». تابعه عقيل والأوزاعي. اهـ (٣). قال الحافظ في «الفتح»: «قوله: والذي نفسي بيده فيه الحلف في الخبر مبالغة في تأكيده» (٤). قال محمد تقي الدين هذا كلام من أنزل عليه قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ﴾ الآية، ولو كان معنى التوفي الإماتة، فكيف ينزل في آخر الزمان؟! والله تعالى يقول حكاية عن قول المشركين: ﴿رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ [غافر: ١١]؟ فلو مات عيسى ﵇ قبل رفعه إلى الله تعالى ثم أحيي، ونزل إلى الأرض في آخر الزمان وحكم بشريعة محمد ﷺ مدة إقامته معهم، ثم مات - ولا بد من الموت؛ لقوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران: ١٨٥]- يكون قد مات ثلاث موتات: موتة قبل أن تنفخ فيه الروح، وموتة قبل رفعه، وموتة ثالثة عند انقضاء أجله، فالذين حكوا أنه مات ثلاث ساعات

стр. 1685

قبل رفعه أو أكثر من ذلك ليس لهم دليل، وقد غفلوا غفلة عظيمة ووافقوا النصارى في زعمهم، ولا يختلفون معهم إلا في ادعاء الصلب والقتل. الدليل الخامس: قال تعالى في سورة النساء الآية ١٥٩: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ، قَبْلَ مَوْتِهِ، وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ [النساء: ١٥٩] قال (ك): قال (ع): اختلف أهل التأويل في معنى ذلك، فقال بعضهم: معنى ذلك ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ﴾ (١) ﴿قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ يعني: قبل موت عيسى، يوجه ذلك إلى أن جميعهم يصدقون به إذا نزل لقتل الدجال؛ فتصير الملل كلها واحدة، وهي ملة الإسلام الحنيفية دين إبراهيم ﵇. ذكر من قال ذلك: عن ابن عباس: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ قال: «قبل موت عيسى ابن مريم ﵇[لا يبقى أحد من أهل الكتاب إلا آمن به]» (٢). وقال الضحاك عن ابن عباس: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ يعني: اليهود خاصة، وعن الحسن: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ قال: قبل موت عيسى، والله إنه لحي الآن عند الله ولكن إذا نزل آمنوا به أجمعون، وقال ابن أبي حاتم بسنده إلى جويرية بن بشير قال: سمعت رجلًا قال للحسن: يا أبا سعيد، قول الله : ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ قال: قبل موت عيسى إن الله رفع إليه عيسى، وهو باعثه قبل يوم القيامة مقامًا يؤمن به البر والفاجر (٣)، وكذا قال قتادة وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وغير واحد، وهذا القول هو الحق كما سنبينه بعد بالدليل القاطع إن شاء الله، وبه الثقة وعليه التكلان، قال (ج): وقال آخرون: يعني بذلك (٤) ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ﴾ بعيسى قبل موت الكتابي [ذكر من] (٥) كان يُوجه ذلك إلى أنه إذا عاين علم الحق من الباطل؛ لأن كل من نزل به الموت لم تخرج نفسه حتى يتبين له الحق من الباطل في دينه.
следующие страницы →