← Акыда

Акыда · id 30197

سبيل الرشاد في هدي خير العباد

محمد تقي الدين الهلالي

Полный текст (2 277 стр.). Показаны 1681–1720 · переход к 1686.

стр. 1681

قال (ك): «وهذا الحديث أقل أقسامه أن يكون موقوفًا من كلام الصحابي، ومعناه صحيح، فإن أوّل بدعة وقعت في الإسلام فتنة الخوراج وكان مبدؤهم بسبب الدنيا حين قسم النبي ﷺ غنائم حنين، فكأنهم رأوا في عقولهم الفاسدة أنه لم يعدل في القسمة، ففاجؤوه بهذه المقالة، فقال قائلهم - وهو ذو الخويصرة -: اعدل فإنك لم تعدل، فقال رسول الله ﷺ : «لقد خبت وخسرت، إن لم أكن أعدل فمن يعدل، أيأمنني من في السماء على أهل الأرض ولا تأمنوني؟». فلما قضي الرجل استأذن عمر بن الخطاب - وفي رواية خالد بن الوليد - في قتله فقال: «دعه، فإنه يخرج من ضئضئ هذا - أي من جنسه - قوم يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وقراءته مع قراءتهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، فأينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإن في قتلهم أجرًا لمن قتلهم» (١). ثم كان ظهورهم أيام علي بن أبي طالب وقتلهم بالنهروان، ثم تشعبت منهم شعوب وقبائل وآراء وأهواء ومقالات ونحل كثيرة منتشرة (٢)، ثم انبعث القدرية ثم المعتزلة ثم الجهمية، وغير ذلك من البدع التي أخبر عنها الصادق المصدوق ﷺ في قوله: «وستفترق هذه الأمة على ثلاثة وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة». قالوا: وما هي يا رسول الله؟ قال: «من كان على ما أنا عليه وأصحابي» (٣). أخرجه الحاكم في «مستدركه» بهذه الزيادة. وقوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ الآية اختلف العلماء في الوقف على اسم الجلالة: هو الصواب أم الصواب الوقف على قوله تعالى: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾؟ وأكثر علماء السلف يقولون بالوقف على اسم الجلالة، لاعتقادهم أن معنى التأويل هنا ليس التفسير بل حقيقته وما يؤول إليه في نفس الأمر، وهذا لا يعلمه إلا الله، ككيفية استوائه على عرشه، وكيفية إتيانه ومجيئه، فليس في طاقة البشر علم ذلك، أما معنى الاستواء وهو العلو فإنه معلوم، وكذلك النزول = رقم (٧٤)، والآجري في «الشريعة» (ط دار الوطن)، وأبو نصر السجزي في «الإبانة» - كما في «الدر المنثور» (٢/ ٢٩١) - بسندٍ واه مسلسل بالضعفاء، فيه علي بن قدامة، لين، ومجاشع بن عمرو متهم، وميسرة بن عبد ربه، مثله، بل أسوأ منه حالًا!

стр. 1682

والإتيان والمجيء معناها معروف في اللغة، وقد آمن به السلف الصالح ومن اتبعهم، وقوله تعالى: ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾، قال (كه): أي: إنما يفهم ويعقل ويتدبر المعاني على وجهها أولو العقول السليمة والفهوم المستقيمة (١). هـ. فصل قال محمد تقي الدين: كل من يتعاطى ما يسمى بعلم الكلام؛ لا بد أن يكون من أهل الجدل، وهم الذين يتبعون ما تشابه منه، وقد حذرنا رسول الله ﷺ أن نكون منهم أو أن نغتر بأقوالهم. قال أبو عمر في كتابه «جامع بيان العلم وفضله» ما نصه: «أجمع أهل الفقه والآثار من جميع الأمصار أن أهل الكلام أهل بدع وزيغ، ولا يعدون عند الجميع [في جميع الأمصار] (٢) في طبقات العلماء، وإن العلماء (٣) أهل الأثر والتفقه فيه، ويتفاضلون فيه بالإتقان والميز والفهم، وذكر بسنده إلى أبي عبد الله محمد بن إسحاق بن خويز منداد المصري (٤) المالكي قال في كتاب الإجارات» من كتابه في «الخلاف»: قال مالك: لا تجوز الإجارات (٥) في شيء من كتب الأهواء (٦) والبدع والتنجيم، وذكر كتبا ثم قال: وكتب أهل الأهواء والبدع عند أصحابنا هي كتب أصحاب الكلام من المعتزلة وغيرهم، وتفسخ الإجارة في ذلك، [قال]: وكذلك كتب القضاء بالنجوم وعزائم الجن وما أشبه ذلك (٧)، وقال في «كتاب الشهادات» في تأويل قول مالك: لا تجوز شهادة أهل البدع وأهل الأهواء، قال: أهل الأهواء عند مالك وسائر أصحابنا هم أهل الكلام، فكل متكلم فهو من أهل الأهواء والبدع، أشعريا كان أو غير أشعري، ولا تقبل له (٨) شهادة في الإسلام أبدا، ويهجر ويؤدب على بدعته فإن تمادى

стр. 1683

عليها استتيب منها، قال أبو عمر: ليس في الاعتقاد [كله] في صفات الله وأسمائه إلا ما جاء منصوصًا في كتاب الله أو صح عن رسول الله ﷺ أو أجمعت عليه الأمة، وما جاء من أخبار الآحاد من ذلك كله، أو نحوه يسلم له، ولا يناظر فيه (١). الباب الثاني قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ اللهُ يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ [آل عمران: ٥٥] قال محمد تقي الدين: يموّه النصارى على الجهال من المسلمين؛ فيقولون لهم: أنتم تدعون أن عيسى لم يمت ولم يقتل وكتابكم يشهد بأنه مات ففي سورة آل عمران: ﴿إِذْ قَالَ اللهُ يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ وهذا موافق لاعتقاد النصارى، فأقول وبالله التوفيق: هذا التمويه مردود من وجوه: الأول: إن التوفي لا يدل دائمًا على الموت، قال تعالى في سورة الأنعام: الآية ٦٠. ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِالنَّهَارِ﴾ [الأنعام: ٦٠] أي: يستوفي مدة يقظتكم فتنامون بالليل ثم تستيقظون بالنهار، والله يعلم ما تفعلون بالنهار من خير وشر، بدليل ﴿ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى﴾ [الأنعام: ٦٠]، وقال تعالى في سورة الزمر الآية ٤٢: ﴿اللهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [الزمر: ٤٢] فقد أطلق الله تعالى التوفي على التي ماتت وعلى التي لم تمت، وأخبر أنه يرسلها فتستيقظ، وتعيش إلى أن ينقضي أجلها، فمعنى مُتَوَفِّيكَ مستوف مدة إقامتك في الأرض. الدليل الثاني: هو أن التوفي إذا قدر أنه هنا بمعنى الإماتة؛ فمن المعلوم عند جميع العرب والنحاة أن الواو لمطلق الجمع لا تفيد تعقيبًا ولا ترتيبًا. قال تعالى في سورة الأحزاب الآية ٧: ﴿وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ [الأحزاب: ٧]، الخطاب في ﴿مِنْكَ﴾ لمحمد ﷺ ، فمن توهم أن الواو تفيد

стр. 1684

تعقيبًا يلزمه أن يقول: إن الله أخذ الميثاق من محمد ﷺ قبل أن يأخذه من نوح، وكفى بقول يفضي إلى هذا إسفافًا وبطلانًا. الدليل الثالث: قوله تعالى سورة النساء الآية ١٥٧: ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِن شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (١٥٧) بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ [النساء: ١٥٧، ١٥٨] وسيأتي لهذا المقام زيادة بيان فيما سأنقله بعد إن شاء الله من كتابي «البراهين الإنجيلية» (١). الدليل الرابع: قال البخاري في صحيحه: (باب نزول عيسى ابن مريم ﵉ وقال بسنده إلى أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «والذي نفسي بيده ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكمًا عدلًا، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية (٢) ويفيض المال حتى لا يقبله أحد، حتى تكون السجدة الواحدة خيرًا من الدنيا وما فيها»، ثم يقول أبو هريرة: واقرؤوا إن شئتم: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ، وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ [النساء: ١٥٩] وروى بسنده عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «كيف أنتم إذا نزل ابن مريم فيكم وإمامكم منكم». تابعه عقيل والأوزاعي. اهـ (٣). قال الحافظ في «الفتح»: «قوله: والذي نفسي بيده فيه الحلف في الخبر مبالغة في تأكيده» (٤). قال محمد تقي الدين هذا كلام من أنزل عليه قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ﴾ الآية، ولو كان معنى التوفي الإماتة، فكيف ينزل في آخر الزمان؟! والله تعالى يقول حكاية عن قول المشركين: ﴿رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ [غافر: ١١]؟ فلو مات عيسى ﵇ قبل رفعه إلى الله تعالى ثم أحيي، ونزل إلى الأرض في آخر الزمان وحكم بشريعة محمد ﷺ مدة إقامته معهم، ثم مات - ولا بد من الموت؛ لقوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران: ١٨٥]- يكون قد مات ثلاث موتات: موتة قبل أن تنفخ فيه الروح، وموتة قبل رفعه، وموتة ثالثة عند انقضاء أجله، فالذين حكوا أنه مات ثلاث ساعات

стр. 1685

قبل رفعه أو أكثر من ذلك ليس لهم دليل، وقد غفلوا غفلة عظيمة ووافقوا النصارى في زعمهم، ولا يختلفون معهم إلا في ادعاء الصلب والقتل. الدليل الخامس: قال تعالى في سورة النساء الآية ١٥٩: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ، قَبْلَ مَوْتِهِ، وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ [النساء: ١٥٩] قال (ك): قال (ع): اختلف أهل التأويل في معنى ذلك، فقال بعضهم: معنى ذلك ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ﴾ (١) ﴿قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ يعني: قبل موت عيسى، يوجه ذلك إلى أن جميعهم يصدقون به إذا نزل لقتل الدجال؛ فتصير الملل كلها واحدة، وهي ملة الإسلام الحنيفية دين إبراهيم ﵇. ذكر من قال ذلك: عن ابن عباس: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ قال: «قبل موت عيسى ابن مريم ﵇[لا يبقى أحد من أهل الكتاب إلا آمن به]» (٢). وقال الضحاك عن ابن عباس: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ يعني: اليهود خاصة، وعن الحسن: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ قال: قبل موت عيسى، والله إنه لحي الآن عند الله ولكن إذا نزل آمنوا به أجمعون، وقال ابن أبي حاتم بسنده إلى جويرية بن بشير قال: سمعت رجلًا قال للحسن: يا أبا سعيد، قول الله : ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ قال: قبل موت عيسى إن الله رفع إليه عيسى، وهو باعثه قبل يوم القيامة مقامًا يؤمن به البر والفاجر (٣)، وكذا قال قتادة وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وغير واحد، وهذا القول هو الحق كما سنبينه بعد بالدليل القاطع إن شاء الله، وبه الثقة وعليه التكلان، قال (ج): وقال آخرون: يعني بذلك (٤) ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ﴾ بعيسى قبل موت الكتابي [ذكر من] (٥) كان يُوجه ذلك إلى أنه إذا عاين علم الحق من الباطل؛ لأن كل من نزل به الموت لم تخرج نفسه حتى يتبين له الحق من الباطل في دينه.

стр. 1686

قال: (ج): وقال آخرون: معنى ذلك وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن بمحمد ﷺ قبل موت الكتابي ثم قال (ع): «وأولى هذه الأقوال بالصحة القول الأول، وهو أنه لا يبقى أحد من أهل الكتاب بعد نزول عيسى ﵇ إلا آمن به قبل موت عيسى ﷺ ولا شك أن هذا الذي قاله (ع) هو الصحيح لأنه (١) المقصود من السياق في تقرير بطلان ما ادعته اليهود من قتل عيسى وصلبه وتسليم من سلم لهم من النصارى الجهلة ذلك؛ فأخبر الله أنه لم يكن الأمر كذلك، وإنما شُبِّه لهم فقتلوا الشُّبَه وهم لا يتبينون ذلك، ثم إنه رفعه إليه وإنه باق حي، وإنه سينزل قبل يوم القيامة كما دلت عليه الأحاديث المتواترة» (٢) اهـ. ثم ذكر (ك) أحاديث كثيرة من «الصحيحين» وغيرهما في إثبات نزول عيسى لا نطيل بذكرها (٣). الدليل السادس: قال محمد تقي الدين: وهو حجة على النصارى أنقله من كتابي «البراهين الإنجيلية على أن عيسى داخل في العبودية ولا حظ له في الألوهية» (٤) ونصه: خاتمة في الأدلة على أن قصة الصلب موضوعة : الدليل الأول: إن الإنجيل يشهد بأن عيسى كان معروفًا عندهم، وكان يخطب في المسجد الأقصى الذي كانوا يسمونه بهيكل سليمان، فلا حاجة أن يستأجر اليهود من يدلهم عليه بثلاثين درهمًا. الدليل الثاني: أنهم حكموا أن التلميذ الثاني (٥) عشر يهوذا

стр. 1687

«الأسخريوطي» (١) أخذ من اليهود ثلاثين درهمًا على أن يدلهم عليه، فلما دلهم عليه وقضوا عليه رد لهم الدراهم، وندم وتبرأ من عملهم وخنق نفسه، كل هذا وقع في أقل من أربع وعشرين ساعة، وفيه متناقضات لا تخفى. الدليل الثالث: وهو أعظمها بل هو وحده كافٍ في بطلان هذه القصة، وذلك أنه عندما حكم عليه اليهود بالقتل وأرادوا موافقة الحاكم «بيلاطوس» وبعثوه إليه، ففي (الفصل - ٢٧) من إنجيل متى رقم (١١) أن الحاكم سأله، فقال له: هل أنت ملك اليهود؟ فقال له: أنت تقول، ولما اشتكاه رؤساء اليهود ورجال الدين عندهم بأنه كَفَر، وقال في الدين ما استوجب به القتل، سأله بيلاطوس: ألا تسمع إلى ما يقولون وما يشهدون به عليك، فأبى أن يتكلم أو ينطق ولو بكلمة واحدة، فسيؤوّل ذلك النصارى على أنه كان يريد الصلب؛ لأجل فداء الناس ومغفرة ذنوبهم، إذن فلماذا سأل الله أن يصرف عنه تلك الكأس - يعني القتل ـ؟ ولماذا صاح وهو على الصليب ونصه بالسريانية: إلي، إلي لا ما شبكتني؟ وآل اسم الله تعالى بالسريانية والعبرانية ومنه جبريل ولفظه بالسريانية كبرائيل «فكبرا» معناه بالسريانية رجل، وآل اسم الله وهو رجل الله الذي يرسله إلى أنبيائه، ومعنى: «إلي، لا ما شبكتني؟ أي: إلهي إلهي لماذا أخلفت وعدك لي؟ أي: بالنجاة من اليهود، وهذه كلمة كفر؛ لأن عيسى معصوم أن يتهم الله تعالى بالكذب والغدر. كيف يسكت عن بيان الحق ولو لم تكن فيه تبرئة نفسه واتباعه وتبرئة الحق وهو الفصيح اللسان الذي كان يخطب الخطب الطويلة ويملؤها تقريعًا وتوبيخًا لعلماء اليهود، لا يستطيع عاقل أن يصدق ذلك، وإذا بطلت قصة الصلب والفداء انهدم جميع ما يبني عليه النصارى عقيدتهم من الأساس». قال محمد تقي الدين: وفي قوله تعالى: ﴿وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [آل عمران: ٥٥] وقوله تعالى: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ [النساء: ١٥٧] دليل واضح على أن الله في السماء على عرشه، وسيأتي بسط القول إن شاء الله وبيان (أدلة العلو) في (سورة الأعراف).

стр. 1688

سورة المائدة الباب الأول قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [المائدة: ٥٤] قال (ك): «يقول تعالى مخبرًا عن قدرته العظيمة أنه من تولى عن نصرة دينه وإقامة شريعته، فإن الله يستبدل به من هو خير لها منه وأشد منعة وأقوم سبيلًا، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُم﴾ [محمد: ٣٨] وقال تعالى: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (١٩) وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ (٢٠)﴾ [إبراهيم: ١٩، ٢٠] أي: بممتنع ولا صعب، وقال تعالى ههنا: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَنْ دِينِهِ﴾ أي: يرجع عن الحق إلى الباطل، قال الحسن البصري: نزلت في أهل الردة أيام أبي بكر، ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ قال الحسن: هو والله أبو بكر وأصحابه، رواه ابن أبي حاتم» (١) (٢). قال محمد تقي الدين: كل من قاتل قومًا مرتدين أو خارجين على إمام حق فإنه يدخل في هذا المعنى وكل من جاهد في سبيل الله لتكون كلمة الله هي العليا بعد وفاة النبي ﷺ فإنه من هؤلاء القوم، والمراد هنا إثبات صفة المحبة الله

стр. 1689

تعالى فإنه ﴿يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ، صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ [الصف: ٤] و ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٢] ويحب كل من اتبع رسوله محمدا ﷺ كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران: ٣١] فالله تعالى يحب عباده المؤمنين وكما أن علمه منزه عن مشابهة علم المخلوقين، فكذلك محبته وغضبه وسخطه ورضاه ورحمته وعجبه، كل ذلك نثبته الله تعالى، وقد نفته الجهمية جهلا منهم، فمحبته لعباده تقتضي الإنعام عليهم، وغضبه سبحانه يقتضي عقابه، وسيأتي مزيد من بيان هذه الصفات إن شاء الله. اهـ. الباب الثاني قوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُم مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ [المائدة: ٦٤] قال القاسمي في تفسيره: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ أخرج الطبراني وابن إسحاق عن ابن عباس قال: قال رجل من اليهود - يقال له: شأس بن قيس -: إن ربك بخيل لا ينفق، فنزلت (١). وأخرج أبو الشيخ من وجه آخر عنه: نزلت في فنخاص، رأس يهود قينقاع، وتقدم أنه قال (٢): ﴿إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾، فضربه أبو بكر الصديق (٣).

стр. 1690

فيكون ما أريد بالآية هنا، ما حكي عنه بقوله المذكور، والله أعلم. ولما لم ينكر على القائل قومه ورضوا به، نُسبَتْ تلك العظيمة إلى الكل، كما يقال: بنو فلان قتلوا فلانًا، وإنما القاتل واحد منهم، و (غل اليد) و (بسطها) مجاز مشهور عن البخل والجود، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾ [الإسراء: ٢٩] قالوا: والسبب فيه أن اليد آلة لأكثر الأعمال، لا سيما لدفع المال والإنفاقه، فأطلقوا اسم السبب على المسبب، وأسندوا الجود والبخل إلى اليد والبنان والكف والأنامل (١)، ويقال للبخيل: كز الأصابع، مقبوض الكف، جعد الأنامل. وقوله تعالى: ﴿غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ﴾ دعاء عليهم بالبخل أو (٢) بالفقر والمسكنة، أو بغل الأيدي حقيقة، «يغلّون» أي: بشد (٣) أيديهم إلى أعناقهم (٤) أسارى في الدنيا ومسحوبين إلى النار في الآخرة ﴿وَلُعِنُوا﴾ أي: أبعدوا عن الرحمة فلا يوفقون للتوبة ﴿بِمَا قَالُوا﴾ من الكلمة الشنيعة التي لا تصح في حق الله حقيقة ولا مجازًا ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ أي: بأنواع العطايا المختلفة. وتثنية (٥) «اليد» مبالغة في الرد ونفي البخل عنه تعالى وإثباتًا لغاية الجود، فإن غاية ما يبذله السخي من ماله أن يعطيه بيده (٦) ﴿يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ تأكيد لما قبله، منبه على أن إنفاقه تابع لمشيئته المبنية على الحكم، التي عليها يدور المعاش والمعاد. وههنا مباحث: الأول: ما زعمه الزمخشري ومن تابعه - من أن إثبات اليد لا يصح حقيقة له تعالى (٧) - فإنه نزغة كلامية اعتزالية. قال الإمام ابن عبد البر في «شرح الموطأ»: «أهل السنة مجمعون على الإقرار بالصفات الواردة كلها في القرآن والسنة، والإيمان بها، وحملها على

стр. 1691

الحقيقة لا على المجاز، إلا أنهم لا يكيفون شيئًا من ذلك، ولا يحدون فيه صفة محصورة، وأما أهل البدع الجهمية والمعتزلة كلها، والخوارج، فكلهم ينكرونها ولا يحملون (١) شيئًا منها على الحقيقة، ويزعمون أن من أقر بها شبه (٢)، وهم عند من أقر بها (٣) نافون للمعبود والحق فيما قاله القائلون بما نطق به كتاب الله وسنة رسوله، وهم أئمة الجماعة» (٤). وقال القاضي أبو يعلى في كتاب «إبطال التأويل»: «لا يجوز ردُّ هذه الأخبار (٥) ولا التشاغل بتأويلها (٦)، والواجب حملها على ظاهرها، وأنها صفات الله (٧)، لا تُشبّه بسائر الموصوفين بها من الخلق، ولا يعتقد (٨) التشبيه فيها»، ثم قال: «ويدل (٩) على إبطال التأويل، أن الصحابة ومن بعدهم من التابعين، حملوها على ظاهرها ولم يتعرضوا لتأويلها ولا صرفها عن ظاهرها، ولو (١٠) كان التأويل سائغًا لكانوا إليه أسبق، لما فيه من إزالة التشبيه ورفع الشبهة» (١١). وقال الإمام أبو الحسن الأشعري رحمه الله تعالى في كتاب «الإبانة» في (باب الكلام في الوجه والعينين والبصر واليدين) وذكر الآيات في ذلك، ورد على المتأولين بكلام طويل لا يتسع هذا الموضع لحكايته، مثل قوله: «فإن سئلنا: أتقولون: الله يدان (١٢)؟ قيل: نقول ذلك، وقد دلنا عليه (١٣) قوله: ﴿يَدُ اللهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح: ١٠] وقوله (١٤): ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥] وروي عن

стр. 1692

النبي ﷺ (١) أنه قال: «إن الله مسح ظهر آدم بده فاستخرج منه ذريته» (٢). وقد جاء في الخبر المأثور عن النبي ﷺ : «إن الله خلق آدم بيده، وكتب التوراة بيده، وغرس شجرة طوب بده» (٣)، وليس يجوز في لسان العرب ولا في عادة أهل الخطاب، أن يقول القائل: عملت كذا بيدي، ويعني به النعمة، وإذا كان الله إنما خاطب العرب بلغتها وما يجري في مفهومها في كلامها، ومعقولًا في خطابها، وكان لا يجوز في خطاب أهل اللسان (٤) أن يقول القائل: فعلتُ بيدي، ويعني به: النعمة، بطل (٥) أن يكون معنى قوله : ﴿بِيَدَيَّ﴾ النعمة (٦)، وذكر كلامًا طويلًا في تقرير هذا ونحوه. وقال القاضي أبو بكر الباقلاني في كتاب «الإبانة» له، ونصه: [عن مسلم بن يسار الجهني، أن عمر بن الخطاب سئل عن هذه الآية: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي

стр. 1693

آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ فقال عمر: سمعت رسول الله ﷺ سئل عنها، فقال رسول الله ﷺ «إن الله خلق ءادم، ثم مسح ظهره بيمينه، فاستخرج منه ذرية، فقال: خلقت هؤلاء للجنة وبعمل أهل الجنة يعملون، ثم مسح ظهره فاستخرج منه ذرية، فقال: خلقت هؤلاء للنار، وبعمل أهل النار يعملون». فقال رجل: يا رسول الله، ففيم العمل؟ فقال رسول الله ﷺ : «إن الله إذا خلق العبد للجنة استعمله بعمل أهل الجنة حتى يموت على عمل من أعمال أهل الجنة، فيدخله الجنة، وإذا خلق العبد للنار استعمله بعمل أهل النار حتى يموت على عمل من أعمال أهل النار، فيدخله به النار] (١). «فإن قال: فما الدليل على أن الله وجهًا ويدًا؟ قيل له: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٢٧] وقوله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥] فأثبت لنفسه وجهًا ويدًا. فإن قال: فما أنكرتم أن يكون وجهه ويده جارجة إذ كنتم لا تعقلون وجهًا ويدًا إلا جارحة؟ قلنا: لا يجب هذا (٢) - إذ لم نعقل حيًا عالمًا قادرًا إلا جسمًا - أن نقضي نحن وأنتم بذلك على الله سبحانه. قلنا لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] (٣). وقال الشيخ تقي الدين في «الرسالة المدنية»: «مذهب أهل الحديث وهم السلف من القرون الثلاثة (٤) ومن سلك سبيلهم من الخلف: إن هذه الأحاديث تُمر كما جاءت ويؤمن بها وتُصدق وتصان عن تأويل يفضي إلى تعطيل، وتكييف يفضي إلى تمثيل، وقد أطلق غير واحد ممن حكى إجماع السلف - منهم الخطابي - مذهب السلف أنها تجري على ظاهرها مع نفي الكيفية والتشبيه عنها، وذلك أن الكلام في الصفات فرع عن (٥) الكلام في الذات، يحتذى حذوه (٦) ويتبع فيه مثاله، فإذا كان إثبات الذات إثبات وجود لا إثبات كيفية، فكذلك إثبات الصفات إثبات وجود لا إثبات كيفية» (٧). اهـ.

стр. 1694

ويرحم الله الإمام يحيى الصَّرْصَرِي الأنصاري (١) حيث يقول من قصيدة: إن المقال بالاعتزال لَخِطَةٌ … عمياء حلّ بها الغواة المُرد هجموا على سبل الهدى بعقولهم … ليلًا فعاثوا في الديار وأفسدوا صم إذا ذكر الحديث لديهم … نفروا كأن لم يسمعوه وعربدوا (٢) واضرب لهم مثل الحمير إذا رأت … أسد العرين فهن منه شرد (٣) إلى أن قال: يدعون من تبع (٤) الحديث مشبّهًا … هيهات ليس مشبّهًا مَنْ يُسند لكنه يروي الحديث كما أتى … . من غير تأويل ولا يستأود الثاني: روى الإمام أحمد والشيخان (٥) في معنى الآية عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «إن يمين الله ملأى لا يغيضها نفقة سحاء الليل والنهار، أرأيتم ما أنفق منذ خلق السموات والأرض، فإنه لم يغض ما في يميته، وكان عرشه على الماء، وفي يده الأخرى الغيض - أو القبض - يرفع ويخفض». وقال: يقول الله تعالى: أنفق أنفق عليك (٦). وفي «تفسير الجلالين» ما نصه: ﴿وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُم مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ من القرآن ﴿طُغْيَانًا وَكُفْرًا﴾ لكفرهم به ﴿وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ فكل فرقة منهم تخالف الأخرى ﴿كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ﴾ أي: الحرب النبي ﷺ : ﴿أَطْفَأَهَا اللّهُ﴾ أي: كلما أرادوه ردهم ﴿وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا﴾ أي: مفسدين بالمعاصي ﴿وَاللّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ بمعنى أنه يعاقبهم (٧). اهـ.

стр. 1695

سورة الأنعام الباب الأول قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ، وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام: ١٨]. قال المحقق محمد صديق حسن القنوجي في تفسير هذه الآية: «القهر: الغلبة، والقاهر: الغالب، وأقهر الرجل: إذا صار مقهورًا ذليلًا». ومن الأول قوله: ﴿وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ﴾ [الأعراف: ١٢٧] ومن الثاني: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ﴾ [الضحى: ٩] قيل: معنى «فَوْقَ» فوقية الاستعلاء بالقهر والغلبة عليهم، لا فوقية المكان، كما تقول: السلطان فوق رعيته، أي: بالمنزلة والرفعة، وقيل: هو صفة الاستعلاء الذي تفرد به سبحانه، فهو عليّ الذات، وسمي الصفات، وقال (ع): «معنى القاهر: المتعبد خلقه العالي عليهم، وإنما قال: ﴿فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ لأنه تعالى وصف نفسه بقهره إياهم، ومن صفة كل قاهر شيئًا أن يكون مُستَعْليًا عليه» (١). اهـ. أي: استعلاء يليق به، وقيل: هو القاهر مستعليًا أو غالبًا، ذكره أبو البقاء (٢) والمهدوي، وفي القهر معنى زائد (٣) ليس في القدرة وهو: منع غيره عن بلوغ المراد، ﴿وَهُوَ الْحَكِيمُ﴾ في أمره ﴿الْخَبِيرُ﴾ بأفعال عباده» (٤). فصل قال محمد تقي الدين: إن صفة العلو والفوقية ثابتة لله تعالى، فهو فوق عرشه المجيد، بائن من خلقه، والجهمية حرمهم الله تعالى من إثبات هذه الصفة؛

стр. 1696

لفساد عقولهم، فإنهم يقيسون الله تعالى على أنفسهم، ويزعمون أن الفوقية تستلزم الجهة وأن الجهة تستلزم التحيز، وفي ذلك تشبيه الله بخلقه ﴿مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (٧٤) وسيأتي من الرد عليهم في سورة الأعراف - إن شاء الله - ما يدحض باطلهم، ويفضح ترهاتهم، وبالله التوفيق. الباب الثاني قوله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام: ١٠٣] قال (ك): فيه أقوال للأئمة من السلف: أحدها: لا تدركه في الدنيا وإن كانت تراه في الآخرة، كما تواترت به الأخبار عن رسول الله ﷺ من غير طريق ثابت في «الصحاح» و «المسانيد» و «السنن» كما قال مسروق: عن عائشة أنها قالت: «من زعم أن محمدًا ﷺ أبصر ربه فقد كذب - وفي رواية: على الله - فإن الله تعالى قال: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾» رواه ابن أبي حاتم (١)، وثبت في «الصحيح» وغيره عن عائشة من غير وجه (٢). عن يحيى بن معين قال: سمعت إسماعيل بن عُليَّة يقول في قول الله: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ قال: هذا في الدنيا، وذكر هشام بن عبد الله (٣) أنه قال نحو ذلك (٤). وقال آخرون من المعتزلة بمقتضى ما فهموه من الآية، إنه لا يُرى في الدنيا ولا في الآخرة، فخالفوا أهل السنة والجماعة في ذلك، مع ما ارتكبوه من الجهل بما دلّ عليه كتاب الله وسنة رسوله. أما الكتاب، فقوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:

стр. 1697

٢٢، ٢٣]، وقال تعالى في الكافرين: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥] قال الإمام الشافعي: فدل هذا على أن المؤمنين لا يحجبون عنه ﵎ (١) وأما السنة، فقد تواترت الأخبار عن أبي سعيد وأبي هريرة (٢) وأنس (٣) وجرير (٤) وصهيب (٥) وبلال وغير واحد من الصحابة (٦) عن النبي ﷺ أن المؤمنين يرون الله في الدار الآخرة في العرصات، وفي روضات الجنات، جعلنا الله تعالى منهم بمنه وكرمه آمين. وقال آخرون: لا منافاة بين إثبات الرؤية ونفي الإدراك، فإن الإدراك أخص من الرؤية، ولا يلزم من نفي الأخص انتفاء الأعم. وقال آخرون: الإدراك أخص من الرؤية وهو الإحاطة، قالوا: ولا يلزم من عدم الإحاطة عدم الرؤية، كما لا يلزم من عدم إحاطة العلم عدم العلم، قال تعالى: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه: ١١٠] وفي «صحيح مسلم»: «لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك» (٧) ولا يلزم منه عدم الثناء فكذلك هذا، وعن عكرمة أنه قيل له: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ قال: ألست ترى السماء؟ قال: بلى! قال: أكلها ترى (٨)؟ وقال سعيد بن أبي عروبة عن قتادة في الآية: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾: وهو أعظم من أن تدركه الأبصار. وقال (ج) بسنده إلى عطية العوفي في قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ قال: هم ينظرون إلى الله لا تحيط أبصارهم به من عظمته، وبصره

стр. 1698

محيط بهم، فذلك قوله: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ (١) وقوله: ﴿وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ أي: يحيط بها ويعلمها على ما هي عليه؛ لأنه خلقها كما قال تعالى: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك: ١٤] (٢). قال المحقق محمد صديق حسن القنوجي ﵀ في «فتح البيان» عند تفسير هذه الآية ما نصه: «﴿لَا تُدْرِكُهُ﴾ أي: لا تراه ﴿الْأَبْصَارُ﴾ جمع بصر، وهو حاسة النظر، أي: القوة الباصرة، وقد يقال للعين من حيث إنها محلها، أي: الحاسة، وإدراك الشيء عبارة عن الوصول إليه والإحاطة به، قال الزجاج: «أي لا يبلغ كنه حقيقته» (٣) فالأبصار ترى الباري عز اسمه، ولا تحيط به، كما أن القلوب تعرفه ولا تحيط به، قال سعيد بن المسيب: «لا تحيط به الأبصار» وقال ابن عباس: «كلت أبصار المخلوقين عن الإحاطة به». فالمنفي هو هذا الإدراك لا مجرد الرؤية، فقد ثبتت الأحاديث المتواترة (٤) تواترًا لا شك فيه، ولا شبهة، ولا يجهله إلا من يجهل السنة المطهرة جهلًا عظيمًا، والحاصل أنه لا متمسك فيه لمنكري الرؤية على الإطلاق، وأيضًا قد تقرر في علم البيان والميزان أن رفع الإيجاب الكلي سلب جزئي، فالمعنى لا تدركه بعض الأبصار وهي أبصار الكفار، هذا على تسليم أن نفي الإدراك يستلزم نفي الرؤية الخاصة، والآية من سلب العموم لا من عموم السلب، والأول يخلفه الجزئية؛ والتقدير: لا تدركه كل الأبصار بل بعضها وهي أبصار المؤمنين، والمصير إلى أحد الوجهين متعين لما عرفناك من تواتر الرؤية في الآخرة واعتضادها بقوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾. وقد تشبث قوم من أهل البدع - وهم الخوارج والمعتزلة وبعض المرجئة - بظاهر هذه الآية، ولا

стр. 1699

يستتب ذلك مع ما (١) تقدمت الإشارة إليه، على أن مورد الآية التمدح وهو يوجب (٢) ثبوت الرؤية، إذ نفي إدراك (٣) ما تستحيل رؤيته لا تمدح فيه؛ لأن كل ما لا يرى لا يدرك، وإنما التمدح بنفي الإدراك مع تحقق الرؤية، فكانت الحجة لنا عليهم، ولو أمعنوا النظر فيها؛ لاغتنموا التفصي (٤) عن عهدتها، ومن ينفي الرؤية يلزمه نفي كونه تعالى معلومًا موجودًا والكلام في ذلك يطول جدًا، وقد أطال (٥) الحافظ ابن القيم ﵀ في «حادي الأرواح» في إثبات الرؤية ورد المنكرين لها (٦)، والشوكاني في «البغية» في مسألة الرؤية (٧) بما لا مزيد عليه ومضى إلى أن قال: ﴿وَهُوَ اللَّطِيفُ﴾ أي: الرفيق بعباده، يقال: لطف فلان بفلان، أي: رفق به، واللطف في العمل الرفق فيه، واللطف من الله تعالى: التوفيق والعصمة، وألطفه بكذا: إذا أبره (٨) والملاطفة المبارة وهكذا (٩) قال الجوهري وابن فارس (١٠)، و ﴿الْخَبِيرُ﴾ المختبر لكل شيء بحيث لا يخفى عليه شيء (١١). وقال تعالى في سورة الأعراف [الآية: ١٤٣]: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾. قال (ك): يخبر تعالى عن موسى ﵇ أنه لما جاء لميقات الله تعالى حصل له التكليم من الله، سأل الله تعالى أن ينظر إليه فقال: ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ

стр. 1700

إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي﴾ وقد أشكل حرف «لَنْ» ههنا على كثير من العلماء؛ لأنها موضوعة لنفي التأبيد، فاستدل به المعتزلة على نفي الرؤية في الدنيا والآخرة (١)، وهذا أضعف الأقوال؛ لأنه قد تواترت الأحاديث عن رسول الله ﷺ بأن المؤمنين يرون الله في الدار الآخرة، كما سنوردها عند قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢، ٢٣] وقوله تعالى إخبارًا عن الكفار: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥] وقيل: إنها لنفي التأبيد في الدنيا، جمعًا بين هذه الآية وبين الدليل القاطع على صحة الرؤية في الدار الآخرة، وقيل: إن هذا الكلام في هذا المقام كالكلام في قوله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام: ١٠٣] وقد تقدم ذلك في الأنعام، وفي الكتب المتقدمة! إن الله تعالى قال لموسى ﵇: «يَامُوسَى إِنَّهُ لَنْ يرَانِي (٢)

стр. 1701

أحد إلا مات، ولا يابس إلا تدهده». ولهذا قال تعالى: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾. وروى الإمام أحمد في «مسنده» بسنده عن أنس بن مالك عن النبي ﷺ في قوله: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ﴾ قال: «هكذا»؛ يعني: أنه أخرج طرف الخنصر، قال أحمد: أرانا معاذ فقال له حميد الطويل: ما تريد إلى هذا يا أبا محمد (١)؟ قال: فضرب صدره ضربة شديدة وقال: مَنْ أنت يا حميد (٢)؟ وما أنت يا حميد (٢)؟ يحدثني به أنس بن مالك عن النبي ﷺ تقول (٣): ما تريد إليه؟ ورواه الترمذي وقال: «حديث حسن صحيح غريب» ورواه الحاكم في «المستدرك» وقال: «على شرط مسلم ولم يخرجاه» وصححه الخلال أيضًا (٤). وعن ابن عباس في قول الله تعالى: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ﴾ قال: ما تجلى منه إلا قدر الخنصر ﴿جَعَلَهُ دَكًّا﴾ قال: ترابًا ﴿وَخَرَّ مُوسَى﴾ قال: مغشيًا عليه رواه (ج) (٥) (٦).

стр. 1702

وقال تعالى في سورة القيامة الآية: ٢٢: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢، ٢٣]. قال (ك): «وقوله تعالى (١): ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾ (٢) من النضارة أي: حسنة بهية مشرقة مسرورة ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ أي: تراه عيانًا، كما رواه البخاري رحمه الله تعالى في صحيحه»: «إنكم سترون ربكم عيانًا» (٢). وقد ثبتت (٣) رؤية المؤمنين لله في الدار الآخرة في الأحاديث الصحاح من طرق متواترة عند أئمة الحديث لا يمكن دفعها ولا منعها، كحديث أبي سعيد وأبي هريرة وهما في «الصحيحين» أن أناسًا قالوا: يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فقال: «هل تضارون في رؤية الشمس والقمر ليس دونهما سحاب؟» قالوا: لا. قال: «فإنكم ترون ربكم كذلك» (٤). وفي «الصحيحين» عن جرير قال: نظر رسول الله ﷺ إلى القمر ليلة البدر فقال: «إنكم ترون ربكم كما ترون هذا القمر، فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وصلاة قبل غروبها فافعلوا» (٥). وفي أفراد مسلم عن صهيب عن النبي ﷺ قال: «إذا دخل أهل الجنة الجنة، قال: يقول الله تعالى: تريدون شيئًا أزيدكم؟ فيقولون: ألم تبيض وجوهنا؟ ألم تدخلنا الجنة وتنجنا من النار؟ قال: فيكشف الحجاب، فما أعطوا شيئًا أحب إليهم من النظر إلى ربهم وهي الزيادة. ثم تلا هذه الآية ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦] (٦). وفي أفراد مسلم عن جابر في حديث: «إن الله يتجلى للمؤمنين يضحك» (٧)؛ يعني: في عرصات القيامة، ففي هذه الأحاديث أن المؤمنين ينظرون إلى ربهم في العرصات، وفي روضات الجنات». قال (ك): «ولولا خشية الإطالة لأوردنا الأحاديث بطرقها وألفاظها من الصحاح والحسان والمسانيد والسنن، ولكن ذكرنا ذلك مفرقًا في مواضع من هذا التفسير وبالله التوفيق» (٨).

стр. 1703

فصل قال محمد تقي الدين: إن المتناظرين في معاني آيات الكتاب العزيز يغفلون عن حقيقة لو انتبهوا لها لتركوا كثيرًا من جدالهم، وهذه الحقيقة هي أن الله سبحانه لو كتب القرآن في كتاب وألقاه إلينا بلا رسول؛ لأمكن أن تختلف الفهوم فيما تدل عليه آياته حين يتوهم التعارض في آيتين مثلًا، كآية ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ وآية ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ ولكن الله أنزل هذا القرآن على رجل من البشر، وأمره أن يبينه لنا، فقال تعالى في سورة النحل الآية ٤٤: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٤٤] فجاءنا النبي ﷺ بهذا القرآن ومثله معه (١) من وحي السنة، وبقي معنا ثلاثًا وعشرين سنة، نسأله ويجيبنا، ويبين لنا بأقواله وأفعاله مسائل الاعتقاد ومسائل العبادة ومسائل المعاملات ومسائل الأخلاق، فإذا توهم متوهم تعارض آيتين كالآيتين المتقدم ذكرهما، ثم جاءت السنة ووضحت لنا المعنى الذي يريده ربنا سبحانه كل التوضيح لم يبق مجال للجدال، ولكن المصيبة كل المصيبة هي أن قومًا قرؤوا القرآن ودرسوا علوم العربية وأهملوا السنة، فالتبس عليهم الأمر، وأخذوا يضربون القرآن بعضه ببعض، فمسألة الرؤية وضحها النبي ﷺ كل التوضيح، فلم يبق فيها إلا الإيمان أو التكذيب، ومن زعم أنه يؤمن بالقرآن ويرفض السنة فهو كاذب زندق، فأين في القرآن تفصيل الصلاة والزكاة والصوم والحج والمعاملات والحدود وسائر مسائل الشريعة؟ فأكثر الخلاف سببه الجهل بالسنة، إما جهلًا تامًا، كجهل الخوارج والمعتزلة ومتأخري الأشعرية وجهلة المتصوفة، وإما أن يكون العالم من السلف مُقِلًا في الحديث؛ لأنه لم يجمع بحذافيره إلا بعد زمانه، أو لم يرحل في طلبه، واقتصر على ما سمعه من أهل بلده، أو كان ضعيف الحفظ، ولكن هؤلاء المقلدين من أئمة أهل السنة كلهم صرحوا وأعلنوا أن الحديث إذا صح بخلاف ما أفتوا به فإنهم راجعون عنه، وقائلون بالحديث الصحيح، قال الإمام الشيخ أحمد بن إبراهيم بن عيسى الشرقي في «شرحه لنونية ابن القيم» (الجزء الثاني) (٥٦٧): (فصل: في رؤية أهل الجنة ربهم ونظرهم إلى وجهه الكريم):

стр. 1704

«ويرونه سبحانه من فوقهم … رؤيا (١) العيان كما يرى القمران هذا تواتر عن رسول الله لم … ينكره إلا فاسد الإيمان وأتى به القرآن تصريحا وتع … ريضا هما بسياقه نوعان وهي الزيادة قد أتت في يونس تفسيره (٢) قد جاء بالقرآن ورواه عنه مسلم بـ «صحيحه» يروي صهيب ذابلا كتمان وهو المزيد كذاك فسره أبو بكر هو الصديق ذو الإيقان وعليه أصحاب الرسول وتابعو … هم بعدهم تبعية الإحسان (٣) ذكر الناظم رحمه الله تعالى في هذا الفصل رؤية أهل الجنة ربهم ﵎ بأبصارهم جهرة كما يرى القمر، وقد اتفق عليها الأنبياء والمرسلون وجميع الصحابة والتابعين وأئمة الإسلام وأنكرها أهل البدع، كالجهمية والمعتزلة والباطنية والرافضة» (٤). وقال في (ص ٥٧٨) ما نصه: «والمنحرفون في باب رؤية الرب ﵎ نوعان: أحدهما: من يزعم أنه يرى في الدنيا ويحاضر ويسامر. والثاني: من يزعم أنه لا يرى في الآخرة البتة، ولا يكلم عباده، وما أخبر به الله ورسوله وأجمع عليه الصحابة والأئمة يكذب الفريقين، وبالله التوفيق: والله لولا رؤية الرحمن في الـ … جنات ما طابت لذي العرفان أعلى النعيم نعيم رؤية وجهه … وخطابه في جنة الحيوان وأشد شيء في العذاب حجابه … سبحانه عن ساكني النيران وإذا رآه المؤمنون نسوا الذي … هم فيه مما نالت العينان (٥) وقال الإمام الحافظ شمس الدين أبو عبد الله محمد ابن أبي بكر المعروف بابن قيم الجوزية في (ج ٣) (٦) من كتابه «حادي الأرواح» (ص ٥٢) ما نصه:

стр. 1705

( الباب الخامس والستون: في رؤيتهم ربهم ﵎ [بأبصارهم جهرة كما يرى القمر ليلة البدر] (١) وتجليه لهم ضاحكًا إليهم ): هذا الباب أشرف أبواب الكتاب، وأجلها قدرًا، وأعلاها خطرًا، وأقرُّها لعيون أهل السنة والجماعة، وأشدُّها على أهل البدعة والضلالة، وهي الغاية التي شمر إليها المشمرون، وتنافس فيها المتنافسون، وتسابق إليها المتسابقون، ولمثلها فليعمل العاملون، إذا ناله أهل الجنة نسوا ما هم فيه من النعيم، وحرمانه والحجاب عنه لأهل الجحيم أشد عليهم من عذاب الجحيم، اتفق عليها الأنبياء والمرسلون وجميع الصحابة والتابعون وأئمة الإسلام على تتابع القرون، وأنكرها أهل البدع المارقون والجهمية المتهوكون، والفرعونية المعطلون، والباطنية الذين هم من جميع الأديان منسلخون، والرافضة الذين هم بحبال (٢) الشيطان متمسكون، ومن حبل الله منقطعون، وعلى مسبة أصحاب رسول الله عاكفون، وللسنة وأهلها محاربون، ولكل عدو الله ورسوله ودينه مسالمون، وكل هؤلاء عن ربهم محجوبون، وعن بابه مطرودون، أولئك حزب (٣) الضلال وشيعة اللعين وأعداء الرسول وحزبه، وقد أخبر الله سبحانه عن أعلم الخلق به في زمانه، وهو كليمه ونجيّه وصفيه من أهل الأرض أنه سأل ربه تعالى النظر إليه، فقال له ربه ﵎: ﴿لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾ [الأعراف: ١٤٣] وبيان الدلالة من هذه الآية من وجوه عديدة: أحدها: إنه لا يظن بكليم الرحمن ورسوله الكريم عليه أن يسأل ربه ما لا يجوز عليه، بل هو من أبطل الباطل وأعظم المحال، وهو عند فُروخ اليونان والصابئة والفرعونية بمنزلة أن يسأله أن يأكل ويشرب وينام ونحو ذلك مما يتعالى الله عنه، فيا لله العجب (٤)! كيف صار أتباع الصابئة والمجوس والمشركين عباد الأصنام وفروخ الجهمية والفرعونية أعلم بالله تعالى من موسى بن عمران، وبما يستحيل عليه، ويجب له، وأشد تنزيهًا له منه؟!

стр. 1706

الوجه الثاني: إن الله لم ينكر عليه سؤاله، ولو كان محالا لأنكره عليه؛ ولهذا لما سأل إبراهيم الخليل ربه ﵎ أن يريه كيف يحيي الموتى لم ينكر عليه، ولما سأل عيسى ابن مريم ربه إنزال المائدة من السماء لم ينكر سؤاله، ولما سأل نوح ربه نجاة ابنه أنكر عليه سؤاله وقال: ﴿إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٤٦) قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [هود: ٤٦، ٤٧]. الوجه الثالث: إنه أجابه بقوله: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ ولم يقل: إني لست بمرثي (١)، ولا تجوز رؤيتي؛ والفرق بين الجوابين ظاهر لمن تأمله، وهذا يدل على أنه يرى، ولكن موسى (٢) قواه رؤيته في هذه الدار؛ لضعف قوة البشر فيها عن رؤيته تعالى بوضحه. الوجه الرابع: وهو قوله: ﴿وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي﴾ فأعلمه أن الجبل مع قوته وصلابته لا يثبت لتجليه له في هذه الدار، فكيف بالبشر الضعيف الذي خلق من ضعف؟ الوجه الخامس: إن الله قادر على أن يجعل الجبل مستقرا مكانه، وليس هذا بممتنع في مقدوره، بل هو ممكن، وقد علق به الرؤية، ولو كانت محالا في ذاتها لم يعلقها بالممكن في ذاته، ولو كانت الرؤية محالا، لكان نظير (٣) أن يقول: إن استقر الجبل فسوف آكل وأشرب وأنام، فالأمران عندكم سواء. الوجه السادس: قوله ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾ وهذا من أبين الأدلة على جواز رؤيته ﵎، فإنه إذا جاز أن يتجلى (٤) للجبل الذي هو جماد لا ثواب له ولا عقاب، فكيف يمتنع أن يتجلى لأنبيائه ورسله وأوليائه في دار كرامته ويريهم نفسه؟ فأعلم موسى أن الجبل إذا لم يثبت لرؤيته في هذه الدار، فالبشر أضعف. الوجه السابع: إن ربه قد كلمه منه إليه، وخاطبه وناجاه

стр. 1707

وناداه، ومَنْ جاز عليه التكلّم والتكليم وأن يسمع مخاطبه كلامه معه بغير واسطة، فرؤيته أولى بالجواز، ولهذا لا يتم إنكار الرؤية إلا بإنكار التكليم، وقد جمعت هذه الطوائف بين إنكار الأمرين فأنكروا أن يكلم أحدًا ويراه (١) أحد، ولهذا سأله موسى النظر إليه لما أسمعه كلامه وعلم نبي الله جواز رؤيته من وقوع خطابه وتكليمه، فلم يخبره باستحالة ذلك عليه، ولكن أراه أن ما سأله لا يقدر على احتماله كما لم يثبت الجبل لتجليه، وأما قوله تعالى: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ فإنما يدل على النفي في المستقبل، ولا يدلُّ على دوام النفي، ولو قيدت بالتأبيد فكيف إذا أُطلقت؟ قال تعالى: ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا﴾ [البقرة: ٩٥] مع قوله تعالى: ﴿وَنَادَوْا يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ [الزخرف: ٧٧]. فصل الدليل الثاني: قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ﴾ [البقرة: ٢٢٣] وقوله تعالى: ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ﴾ [الأحزاب: ٤٤] وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ﴾ [الكهف: ١١] وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٢٤٩] وأجمع أهل اللسان على أن اللقاء متى نُسِبَ إلى الحي السليم من العمى والمانع اقتضى المعاينة والرؤية، ولا ينتقض هذا بقوله تعالى: ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ﴾ [التوبة: ٧٧] فقد دلت الأحاديث الصحيحة الصريحة على أن المنافقين يرونه تعالى في عرصات القيامة، بل والكفار أيضًا كما في «الصحيحين» من حديث التجلّي (٢)، وسيمر بك عن قريب إن شاء الله تعالى. وفي هذه المسألة ثلاثة أقوال لأهل السنة: أحدها: - أن لا يراه إلا المؤمنون. والثاني: يراه جميع أهل الموقف مؤمنهم وكافرهم ثم يحتجب عن الكفار فلا يرونه بعد ذلك. الثالث: يراه المنافقون دون الكفار. والأقوال الثلاثة في مذهب «حم» وهي لأصحابه، وكذلك الأقوال الثلاثة بعينها لهم في تكليمه لهم، ولشيخنا في ذلك مصنف مفرد (٣)، وحكى فيه الأقوال الثلاثة وحجج أصحابها، وكذا قوله :

стр. 1708

﴿يَاأَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ﴾ [الإنشقاق: ٦] إن عاد الضمير على العمل، فهو رؤيته في الكتاب مسطورًا مثبتًا، وإن عاد على الرب، فهو لقاؤه الذي وَعَدَ به. فصل الدليل الثالث: قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢٥) لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [يونس: ٢٥، ٢٦] فالحسني: الجنة، والزيادة: النظر إلى وجهه الكريم (١)، كذلك فسرها رسول الله ﷺ الذي أنزل عليه القرآن فالصحابة من بعده، كما روى «م» في «صحيحه» بسنده إلى صهيب قال: قرأ رسول الله ﷺ : ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ قال: «إذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار نادى مناد: يا أهل الجنة! إن لكم عند الله موعدًا ويريد أن ينجز كموه فيقولون: ما هو؟ ألم يثقل موازيننا؟ ويبيض وجوهنا، ويدخلنا الجنة، ويزحزحنا عن النار؟ فيكشف الحجاب، فينظرون الله، فما أعطاهم شيئًا أحب إليهم من النظر إليه، وهي الزيادة» (٢). وقال الحسن بن عرفة بسنده إلى أنس قال: سئل رسول الله ﷺ عن هذه الآية: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ قال: «﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا﴾ العمل في الدنيا ﴿الْحُسْنَى﴾ وهي: الجنة، والزيادة، وهي: النظر إلى وجه الله» (٣) قال (ج) بسنده إلى كعب بن عجرة عن النبي ﷺ في قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا

стр. 1709

الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ قال: «الزيادة النظر إلى وجه الرحمن ﷻ » (١) وقال (ج) بسنده إلى أبي بن كعب قال: سألت رسول الله ﷺ عن الزيادة في كتاب الله قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ قال: «الحسنى الجنة، والزيادة النظر إلى وجه الله » (٢). وقال أسد السنة بسنده إلى أبي تميمة الهجيمي أنه سمع أبا موسى يحدث أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «يَبعَثُ اللهُ يوم القيامة مناديًا ينادي: يا أهل الجنة - بصوت يسمع أولهم وآخرهم - إن الله وعدكم الحسنى وزيادة، فالحسنى الجنة، والزيادة النظر إلى وجه الله » (٣) (٤). «وأما الصحابة»: فقال (ج): بسنده إلى أبي بكر الصديق: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ قال: «النظر إلى وجه الله الكريم» (٥) وبهذا الإسناد عن أبي إسحاق عن مسلم بن نُذَير (٦) عن حذيفة ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ قال: «النظر

стр. 1710

إلى وجه ربهم (١)، وقال بسنده إلى أبي موسى الأشعري قال: «إذا كان يوم القيامة، يبعث الله تعالى إلى أهل الجنة مناديًا ينادي: هل أنجزكم الله ما وعدكم؟ فينظرون إلى ما أعد الله لهم من الكرامة، فيقولون: نعم. فيقول: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ النظر إلى وجه الرحمن » (٢). وقال عبد الله بن المبارك بسنده إلى أبي موسى الأشعري أنه خطب الناس في جامع البصرة وقال: «إن الله يبعث يوم القيامة ملكًا إلى أهل الجنة، فيقول: يا أهل الجنة، هل أنجزكم الله ما وعدكم؟ فينظرون فيرون الحلي والحلل والأنهار والأزواج المطهرة، فيقولون: نعم، قد أنجزنا الله ما وعدنا، ثم يقول الملك: هل أنجزكم الله ما وعدكم؟ ثلاث مرات، فلا يفقدون شيئًا مما وعدوا، فيقولون: نعم، فيقول: قد بقي لكم شيء، إن الله يقول: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ ألا إن الحسنى الجنة، والزيادة النظر إلى وجه الله تعالى» (٣). وفي «تفسير أسباط بن نصر» بسنده إلى ابن مسعود: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ﴾ قال: «أما الحسنى فالجنة، وأما الزيادة فالنظر إلى وجه الله، وأما القتر فالسواد» (٤). وقال عبد الرحمن بن أبي ليلى وعامر ابن سعد وإسماعيل بن عبد الرحمن السدي والضحاك بن مزاحم وعبد الرحمن بن سابط.

стр. 1711

وأبو إسحاق السبيعي وقتادة (١) وسعيد بن المسيب (٢) والحسن البصري (٣) وعكرمة مول ابن عباس ومجاهد بن جبر (٤): الحسنى الجنة والزيادة النظر إلى وجه الله تعالى، وقال غير واحد من السلف في الآية: ﴿وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ﴾: بعد النظر إليه، والأحاديث عنهم بذلك صحيحة، ولما عطف سبحانه الزيادة على الحسنى التي هي الجنة، دل على أنه أمر آخر وراء الجنة، وقدر زائد عليها، ومَنْ فسر الزيادة بالمغفرة والرضوان، فهو من لوازم رؤية الرب ﵎. فصل الدليل الرابع: قوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥] ووجه الاستدلال بها أنه جعل من أعظم عقوبة الكفار كونهم

стр. 1712

محجوبين عن رؤيته واستماع (١) كلامه، فلو لم يره المؤمنون ولم يسمعوا كلامه كانوا أيضًا محجوبين عنه، وقد احتج بهذه الحجة الشافعي نفسه وغيره من الأئمة، فذكر الطبراني (٢) وغيره عن المزني قال: سمعت الشافعي يقول في قوله : ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾: فيها دليل على أن أولياء الله يرون ربهم يوم القيامة (٣). وقال الحاكم بسنده إلى الربيع بن سليمان قال: حضر محمد بن إدريس الشافعي، وقد جاءته رقعة من الصعيد فيها: ما تقول في قول الله ﷺ : ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾؟ فقال الشافعي: «لما حجب هؤلاء في السخط، كان في ذلك دليل على أن أولياءه يرونه في الرضى». قال الربيع: فقلت: يا أبا عبد الله، وبه تقول؟ قال: نعم، وبه أدين الله، ولو لم يتيقن محمد بن إدريس أنه يرى الله لما عَبَدَ الله (٤). رواه الطبراني في «شرح السنة» من طريق الأصم أيضًا. وقال أبو زرعة الرازي: سمعت أحمد بن محمد بن الحسين يقول: سئل محمد بن عبد الحكم: هل يرى الخلق كلهم ربهم يوم القيامة المؤمنون والكفار؟ فقال محمد (٥): وسئل الشافعي عن الرؤية فقال: يقول الله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ ففي هذا دليل على أن المؤمنين لا يحجبون عن الله . فصل الدليل الخامس: قوله ﷻ : ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ [ق: ٣٥] قال الطبراني (٦): قال علي بن أبي طالب وأنس بن مالك: هو النظر إلى وجه الله ، وقاله من التابعين زيد بن وهب وغيره (٧).

стр. 1713

فصل الدليل السادس: قوله جَل: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ [الأنعام: ١٠٣] والاستدلال بهذا أعجب، فإنه من أدلة النفاة، وقد قرر شيخنا وجه الاستدلال به أحسن تقرير وألطفه، وقال لي: أنا ألتزم أنه لا يحتج مبطل بآية أو حديث صحيح على باطله إلا وفي ذلك الدليل ما يدل على نقيض قوله، فمنها هذه الآية، وهي على جواز الرؤية أدل منها على امتناعها، فإن الله سبحانه إنما ذكرها في سياق المدح (١)، ومعلوم أن المدح إنما يكون بالأوصاف الثبوتية. وأما العدم المحض فليس بكمال ولا يمدح به، وإنما يمدح الرب ﵎ بالعدم إذا تضمن أمرًا وجوديًا كتمدحه بنفي السنة والنوم المتضمن كمال القيومية، ونفي اللغوب والإعياء المتضمن كمال القدرة، ونفي الشريك والصاحبة والولد والظهير المتضمن كمال ربوبيته وإلهيته وقهره، ونفي الأكل والشرب المتضمن كمال توحيده وغناه عن خلقه، ونفي الظلم المتضمن كمال عدله وعلمه وغناه، ونفي النسيان وعزوب شيء عن علمه المتضمّن كمال علمه وإحاطته، ونفي المثل المتضمن لكمال ذاته وصفاته. ولهذا لم يتمدح بعدم محض لا يتضمن أمرًا ثبوتيًا (٢)، فإن المعدوم يشارك الموصوف في ذلك العدم، ولا يوصف الكامل بأمر يشترك (٣) هو والمعدوم فيه، فلو كان المراد بقوله: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ أنه لا يرى بحال، لم يكن في ذلك مدح ولا كمال؛ لمشاركة المعدوم له في ذلك، فإن العدم الصرف لا يُرى ولا تُدركه الأبصار والرب ﷻ يتعالى أن يمدح بما يشاركه فيه العدم المحض، فإذا المعنى أنه يُرى ولا يُدرك ويُحاط به، كما كان المعنى في قوله: ﴿وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ﴾ [يونس: ٦١] أنه يعلم كل شيء. وفي قوله: ﴿وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ [ق: ٣٨] أنه كامل القدرة.

стр. 1714

وفي قوله: ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٩] أنه كامل العدل. وفي قوله: ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٥] أنه كامل القيومية. فقوله: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ [الأنعام: ١٠٣] يدخل على غاية عظمته وأنه أكبر من كل شيء، وأنه لعظمته لا يُدرك بحيث يُحاط به. فإن الإدراك هو الإحاطة بالشيء، وهو قدر زائد على الرؤية، كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (٦١) قَالَ كَلَّا﴾ [الشعراء: ٦١ - ٦٢] فلم ينف موسى الرؤية ولم يريدوا بقولهم: ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾، إنا المرئيون، فإن موسى صلوات الله وسلامه عليه نفى إدراكهم إياهم بقوله ﴿كَلَّا﴾ وأخبر الله سبحانه أنه لا يخاف دركهم، بقوله: ﴿وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا (١) إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى﴾ [طه: ٧٧]. فالرؤية والإدراك كل منهما يوجد مع الآخر وبدونه، فالرب تعالى يرى ولا يدرك، كما يُعلم ولا يُحاط به. وهذا هو الذي فهمه الصحابة والأئمة من الآية. قال ابن عباس: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ لا تحيط به الأبصار (٢). وقال قتادة: هو أعظم من أن تدركه الأبصار (٣). وقال عطية (٤): ينظرون إلى الله، ولا تحيط أبصارهم به من عظمته، وبصره محيط بهم، فذلك قوله تعالى: ﴿وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام: ١٠٣] (٥) فالمؤمنون يرون ربهم ﵎ بأبصارهم عيانًا ولا تدركه أبصارهم، بمعنى أنه لا تحيط به، إذ كان غير جائز أن يوصف الله بأن شيئًا يحيط به وهو بكل شيء محيط، وهكذا يسمع كلام من يشاء من خلقه ولا يحيطون بكلامه، وهكذا يعلم الخلق ما علمهم ولا يحيطون بعلمه (٦). ونظير هذا: استدلالهم على نفي الصفات بقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ

стр. 1715

شيءٌ﴾ [الشورى: ١١] وهذا من أعظم الأدلة على كثرة صفات كماله ونعوت جلاله، وأنها لكثرتها وعظمتها وسعتها لم يكن له مَثَلُ فيها، وإلا فلو أُريد بها نفي الصفات، لكان العدم المحض أولى بهذا المدح منه، مع أن جميع العقلاء إنما يفهمون من قول القائل: فلان لا مثل له (١)، وليس له نظير، ولا شبه، ولا مثل، أنه قد يتميز عن الناس بأوصاف ونعوت لا يشاركونه فيها، وكلما كثرت أوصافه ونعوته فات أمثاله وبَعُدَ عن مشابهة أضرابه، فقوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ من أدل شيء على كثرة نعوته وصفاته، وقوله: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ من أدل شيء على أنه يُرى ولا يُدْرَك. وقوله: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الحديد: ٤] من أدل شيء على مباينة الرب لخلقه، فإنه لم يخلقهم في ذاته، بل خلقهم خارجًا عن ذاته، ثم بان عنهم باستوائه على عرشه، وهو يعلم ما هم عليه فيراهم، وينفذهم بصره، ويحيط بهم علمًا وقدرة وإرادة وسمعًا وبصرًا، فهذا معنى كونه سبحانه معهم أينما كانوا. وتأمل حُسْنَ هذه المقابلة لفظًا ومعنى بين قوله: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ [الأنعام: ١٠٣] فإنه سبحانه لعظمته يتعالى أن تدركه الأبصار وتحيط به، وللطفه (٢) وخبرته يدرك الأبصار فلا تخفي عليه، فهو العظيم في لطفه، اللطيف في عظمته، العالي في قربه، القريب في علوه، الذي ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾. فصل الدليل السابع: قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢ - ٢٣] وأنت إذا أجرت هذه الآية من تحريفها عن مواضعها، والكذب على المتكلم بها سبحانه فيما أراده منها، وجدتها منادية نداء صحيحًا (٣) أن الله سبحانه يُرى عيانًا بالأبصار يوم القيامة، وإن أبيت إلا تحريفها الذي يُسميه

стр. 1716

المحرفون تأويلًا، فتأويل نصوص المعاد والجنة والنار والميزان والحساب أسهل على أربابه من تأويلها، وتأويل كل نص تضمّنه القرآن والسنة كذلك، ولا يشاء مبطل على وجه الأرض أن يتأوَّل النصوص ويحرّفها عن مواضعها إلا وجد إلى ذلك من السبيل ما وجده متأول مثل هذه النصوص، وهذا الذي أفسد الدين والدنيا. وإضافة النظر إلى الوجه الذي هو محله في هذه الآية، وتعديته بأداة «إلى» الصريحة في نظر العين، وإخلاء الكلام من قرينة تدلُّ على أن المراد بالنظر المضاف إلى الوجه المعدى بإلى خلاف حقيقته وموضوعه، صريح في أنَّ الله أراد بذلك نظر العين التي في الوجه إلى نفس الرب ﷻ ؛ فإن النظر له عدة استعمالات بحسب صلاته وتعديه بنفسه. فإن عُدِّي بنفسه، فمعناه التوقف والانتظار، كقول تعالى: ﴿انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾ [الحديد: ١٣] وإنْ عُدِّي بـ (في) فمعناه التفكر والاعتبار، كقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف: ١٨٥] وإن عُدِّي بـ «إلى» فمعناه المعاينة بالأبصار، كقوله تعالى: ﴿انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ﴾ [الأنعام: ٩٩] فكيف إذا أضيف إلى الوجه الذي هو محل البصر؟ قال يزيد بن هارون: أنبأنا مبارك عن الحسن قال: «نَظَرَتْ إلى ربها ﵎، فنضرت (١) بنوره» (٢) فاسمع الآن أيها السني تفسير النبي ﷺ وأصحابه والتابعين وأئمة الإسلام لهذه الآية: قال ابن مردويه في «تفسيره» بسنده إلى عبد الله بن عمر (٣) قال: قال رسول الله ﷺ في قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢] قال: «من البهاء والحسن» ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ قال: «في وجه الله » (٤).

стр. 1717

وقال أبو صالح عن ابن عباس ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ (١) قال: «تنظر إلى ربها نظرًا» (٢) ثم حكي عن ابن عباس مثله، وهذا قول كُلِّ مفسر من أهل السنة والحديث. فصل وأما الأحاديث عن النبي ﷺ وأصحابه الدالة على الرؤية، فمتواترة، رواها عنه أبو بكر الصديق (٣) [وأبو هريرة] (٤) وأبو سعيد الخدري (٥) وجرير بن عبد الله البجلي (٦) وصهيب بن سنان الرومي (٧) وعبد الله بن مسعود الهذلي (٨) وعلي بن أبي طالب (٩) وأبو موسى الأشعري (١٠) وعدي بن حاتم الطائي (١١) وأنس بن مالك الأنصاري (١٢) وبريدة بن الحصيب (١٣)

стр. 1718

وأبو رزين العقيلي (١) وجابر بن عبد الله الأنصاري (٢) وأبو أمامة الباهلي (٣) وزيد بن ثابت (٤) وعمار بن ياسر (٥) وعائشة أم المؤمنين (٦) وعبد الله بن عمر، وعمارة بن رؤيبة (٧)، وسلمان الفارسي (٨)، وحذيفة بن اليمان (٩)، وعبد الله بن عباس (١٠).

стр. 1719

وعبد الله بن عمرو بن العاص (١) - وحديثه موقوف - وأبي بن كعب (٢)، وكعب بن عجرة (٣)، وفضالة بن عبيد (٤) - وحديثه موقوف - ورجل من أصحاب النبي ﷺ غير مسمى (٥)، فهاك سياق أحاديثهم من «الصحاح» و «المسانيد» و «السنن»، وتلقَّها بالقبول والتسليم وانشراح الصدر، لا بالتحريف والتبديل وضيق العطن، ولا تكذب بها، فمن كذب بها لم يكن إلى وجه ربه من الناظرين، وكان عنه يوم القيامة من المحجوبين. فصل فأما حديث أبي بكر الصديق، فقال الإمام أحمد بسنده إلى أبي بكر الصديق قال: أصبح رسول الله ﷺ ذات يوم، فصلى الغداة فجلس حتى إذا كان من الضحى ضحك رسول الله ﷺ ، ثم جلس مكانه حتى صلى الأولى والعصر والمغرب، كل ذلك لا يتكلم حتى صلى العشاء الأخيرة، ثم قام إلى أهله، فقال الناس لأبي بكر: ألا تسأل رسول الله ﷺ ما شأنه صنع اليوم شيئًا لم يصنعه قط؟ قال: فسأله فقال: «نعم، عرض علي ما هو كائن من الدنيا والآخرة، فجمع الأولون والآخرون في صعيد واحد، فقطع الناس بذلك حتى انطلقوا إلى آدم ﷺ والعرق يكاد يلجمهم، فقالوا: يا آدم أنت أبو البشر وأنت اصطفاك الله ، اشفع لنا إلى ربك. قال: لقد لقيت مثل الذي لقيتم، انطلقوا إلى أبيكم بعد أبيكم إلى نوح: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٣٣]. قالا: فينطلقون إلى نوح، فيقولون: اشفع لنا إلى ربك فأنت اصطفاك الله واستجاب لك في دعائك، ولم يَدَعْ على الأرض من الكافرين ديارًا،

стр. 1720

فيقول: ليس ذلكم عندي، انطلقوا إلى إبراهيم ﷺ ، فإن الله اتخذه خليلًا، فينطلقون إلى إبراهيم فيقول: ليس ذلكم عندى انطلقوا إلى موسى ﷺ فإن الله كلمه تكليمًا، فيقول موسى: ليس ذلك عندي، انطلقوا إلى عيسى ابن مريم ﵇؛ فإنه كان يبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى، فيقول عيسى: ليس ذلكم عندي، انطلقوا إلى سيد ولد آدم، انطلقوا إلى محمد ﷺ ، فليشفع لكم إلى ربكم . فينطلقون، فيأتي جبريل ربه ﵎، فيقول له الله : ائذن له وبشره بالجنة، فينطلق به جبريل ﵇ فيخر ساجدًا قدر جمعة، ويقول الله : ارفع رأسك، وقُل تسمع، واشفع تشفع، قال: فيرفع رأسه؛ فإذا نظر إلى وجه ربه خر ساجدًا قدر جمعة أخرى، فيقول الله : ارفع رأسك، وقل تسمع، واشفع تشفع، قال: فيذهب ليقع ساجدًا، فيخر جبريل بضبعيه، فيفتح الله عليه من الدعاء شيئًا لم يفتحه على بشر قط، فيقول: أي رب خلقتني سيد ولد آدم، ولا فخر، وأول من تنشق الأرض عنه يوم القيامة ولا فخر، حتى إنه ليرد علي الحوض أكثر مما بين صنعاء وأيلة، ثم يقال: ادعوا الصدّيقين فيشفعون، ثم يقال: ادعوا الأنبياء، قال: فيجيء النبي ومعه العصابة، والنبي ومعه الخمسة والستة، والنبي وليس معه أحد، ثم يقال: ادعوا الشهداء فيشفعون لمن أرادوا، قال: فإذا فعلت الشهداء ذلك. قال: يقول الله : أنا أرحم الراحمين، ادخلوا جنتي من كان لا يشرك بي شيئًا، قال: فيدخلون الجنة. قال: ثم يقول الله : انظروا في أهل النار، هل تلقون من أحد عمل خيرًا قط؟ قال: فيجدون في النار رجلًا فيقولون له: هل عملت خيرًا قط؟ فيقول: لا، غير أني كنت أسامح الناس في البيع، فيقول الله : اسمحوا لعبدي بسماحته إلى عبيدي، ثم يخرجون من النار رجلًا، فيقول له: هل عملت خيرًا قط؟ فيقول: لا. غير أني أمرت ولدي إذا مت فأحرقوني في النار، ثم اطحنوني حتى إذا كنت مثل الكحل، فاذهبوا بي إلى البحر، فاذْرُوني في الريح، فوالله لا يقدر علي رب العالمين أبدًا (١).
следующие страницы →