← Акыда

Акыда · id 30197

سبيل الرشاد في هدي خير العباد

محمد تقي الدين الهلالي

Полный текст (2 277 стр.). Показаны 1716–1755 · переход к 1721.

стр. 1716

المحرفون تأويلًا، فتأويل نصوص المعاد والجنة والنار والميزان والحساب أسهل على أربابه من تأويلها، وتأويل كل نص تضمّنه القرآن والسنة كذلك، ولا يشاء مبطل على وجه الأرض أن يتأوَّل النصوص ويحرّفها عن مواضعها إلا وجد إلى ذلك من السبيل ما وجده متأول مثل هذه النصوص، وهذا الذي أفسد الدين والدنيا. وإضافة النظر إلى الوجه الذي هو محله في هذه الآية، وتعديته بأداة «إلى» الصريحة في نظر العين، وإخلاء الكلام من قرينة تدلُّ على أن المراد بالنظر المضاف إلى الوجه المعدى بإلى خلاف حقيقته وموضوعه، صريح في أنَّ الله أراد بذلك نظر العين التي في الوجه إلى نفس الرب ﷻ ؛ فإن النظر له عدة استعمالات بحسب صلاته وتعديه بنفسه. فإن عُدِّي بنفسه، فمعناه التوقف والانتظار، كقول تعالى: ﴿انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾ [الحديد: ١٣] وإنْ عُدِّي بـ (في) فمعناه التفكر والاعتبار، كقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف: ١٨٥] وإن عُدِّي بـ «إلى» فمعناه المعاينة بالأبصار، كقوله تعالى: ﴿انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ﴾ [الأنعام: ٩٩] فكيف إذا أضيف إلى الوجه الذي هو محل البصر؟ قال يزيد بن هارون: أنبأنا مبارك عن الحسن قال: «نَظَرَتْ إلى ربها ﵎، فنضرت (١) بنوره» (٢) فاسمع الآن أيها السني تفسير النبي ﷺ وأصحابه والتابعين وأئمة الإسلام لهذه الآية: قال ابن مردويه في «تفسيره» بسنده إلى عبد الله بن عمر (٣) قال: قال رسول الله ﷺ في قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢] قال: «من البهاء والحسن» ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ قال: «في وجه الله » (٤).

стр. 1717

وقال أبو صالح عن ابن عباس ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ (١) قال: «تنظر إلى ربها نظرًا» (٢) ثم حكي عن ابن عباس مثله، وهذا قول كُلِّ مفسر من أهل السنة والحديث. فصل وأما الأحاديث عن النبي ﷺ وأصحابه الدالة على الرؤية، فمتواترة، رواها عنه أبو بكر الصديق (٣) [وأبو هريرة] (٤) وأبو سعيد الخدري (٥) وجرير بن عبد الله البجلي (٦) وصهيب بن سنان الرومي (٧) وعبد الله بن مسعود الهذلي (٨) وعلي بن أبي طالب (٩) وأبو موسى الأشعري (١٠) وعدي بن حاتم الطائي (١١) وأنس بن مالك الأنصاري (١٢) وبريدة بن الحصيب (١٣)

стр. 1718

وأبو رزين العقيلي (١) وجابر بن عبد الله الأنصاري (٢) وأبو أمامة الباهلي (٣) وزيد بن ثابت (٤) وعمار بن ياسر (٥) وعائشة أم المؤمنين (٦) وعبد الله بن عمر، وعمارة بن رؤيبة (٧)، وسلمان الفارسي (٨)، وحذيفة بن اليمان (٩)، وعبد الله بن عباس (١٠).

стр. 1719

وعبد الله بن عمرو بن العاص (١) - وحديثه موقوف - وأبي بن كعب (٢)، وكعب بن عجرة (٣)، وفضالة بن عبيد (٤) - وحديثه موقوف - ورجل من أصحاب النبي ﷺ غير مسمى (٥)، فهاك سياق أحاديثهم من «الصحاح» و «المسانيد» و «السنن»، وتلقَّها بالقبول والتسليم وانشراح الصدر، لا بالتحريف والتبديل وضيق العطن، ولا تكذب بها، فمن كذب بها لم يكن إلى وجه ربه من الناظرين، وكان عنه يوم القيامة من المحجوبين. فصل فأما حديث أبي بكر الصديق، فقال الإمام أحمد بسنده إلى أبي بكر الصديق قال: أصبح رسول الله ﷺ ذات يوم، فصلى الغداة فجلس حتى إذا كان من الضحى ضحك رسول الله ﷺ ، ثم جلس مكانه حتى صلى الأولى والعصر والمغرب، كل ذلك لا يتكلم حتى صلى العشاء الأخيرة، ثم قام إلى أهله، فقال الناس لأبي بكر: ألا تسأل رسول الله ﷺ ما شأنه صنع اليوم شيئًا لم يصنعه قط؟ قال: فسأله فقال: «نعم، عرض علي ما هو كائن من الدنيا والآخرة، فجمع الأولون والآخرون في صعيد واحد، فقطع الناس بذلك حتى انطلقوا إلى آدم ﷺ والعرق يكاد يلجمهم، فقالوا: يا آدم أنت أبو البشر وأنت اصطفاك الله ، اشفع لنا إلى ربك. قال: لقد لقيت مثل الذي لقيتم، انطلقوا إلى أبيكم بعد أبيكم إلى نوح: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٣٣]. قالا: فينطلقون إلى نوح، فيقولون: اشفع لنا إلى ربك فأنت اصطفاك الله واستجاب لك في دعائك، ولم يَدَعْ على الأرض من الكافرين ديارًا،

стр. 1720

فيقول: ليس ذلكم عندي، انطلقوا إلى إبراهيم ﷺ ، فإن الله اتخذه خليلًا، فينطلقون إلى إبراهيم فيقول: ليس ذلكم عندى انطلقوا إلى موسى ﷺ فإن الله كلمه تكليمًا، فيقول موسى: ليس ذلك عندي، انطلقوا إلى عيسى ابن مريم ﵇؛ فإنه كان يبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى، فيقول عيسى: ليس ذلكم عندي، انطلقوا إلى سيد ولد آدم، انطلقوا إلى محمد ﷺ ، فليشفع لكم إلى ربكم . فينطلقون، فيأتي جبريل ربه ﵎، فيقول له الله : ائذن له وبشره بالجنة، فينطلق به جبريل ﵇ فيخر ساجدًا قدر جمعة، ويقول الله : ارفع رأسك، وقُل تسمع، واشفع تشفع، قال: فيرفع رأسه؛ فإذا نظر إلى وجه ربه خر ساجدًا قدر جمعة أخرى، فيقول الله : ارفع رأسك، وقل تسمع، واشفع تشفع، قال: فيذهب ليقع ساجدًا، فيخر جبريل بضبعيه، فيفتح الله عليه من الدعاء شيئًا لم يفتحه على بشر قط، فيقول: أي رب خلقتني سيد ولد آدم، ولا فخر، وأول من تنشق الأرض عنه يوم القيامة ولا فخر، حتى إنه ليرد علي الحوض أكثر مما بين صنعاء وأيلة، ثم يقال: ادعوا الصدّيقين فيشفعون، ثم يقال: ادعوا الأنبياء، قال: فيجيء النبي ومعه العصابة، والنبي ومعه الخمسة والستة، والنبي وليس معه أحد، ثم يقال: ادعوا الشهداء فيشفعون لمن أرادوا، قال: فإذا فعلت الشهداء ذلك. قال: يقول الله : أنا أرحم الراحمين، ادخلوا جنتي من كان لا يشرك بي شيئًا، قال: فيدخلون الجنة. قال: ثم يقول الله : انظروا في أهل النار، هل تلقون من أحد عمل خيرًا قط؟ قال: فيجدون في النار رجلًا فيقولون له: هل عملت خيرًا قط؟ فيقول: لا، غير أني كنت أسامح الناس في البيع، فيقول الله : اسمحوا لعبدي بسماحته إلى عبيدي، ثم يخرجون من النار رجلًا، فيقول له: هل عملت خيرًا قط؟ فيقول: لا. غير أني أمرت ولدي إذا مت فأحرقوني في النار، ثم اطحنوني حتى إذا كنت مثل الكحل، فاذهبوا بي إلى البحر، فاذْرُوني في الريح، فوالله لا يقدر علي رب العالمين أبدًا (١).

стр. 1721

فقال الله له: لم فعلت ذلك؟ قال: من مخافتك، قال: فيقول الله : انظر إلى ملك أعظم ملك فإن لك مثله وعشرة أمثاله. قال: فيقول: أتسخر بي وأنت الملك؟ قال: وذلك الذي ضحكت منه من «الضحى» (١). فصل وأما حديث أبي هريرة وأبي سعيد، ففي «الصحيحين» من حديث أبي هريرة أن ناسًا قالوا: يا رسول الله، هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فقال رسول الله ﷺ : «هل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر؟» قالوا: لا يا رسول الله. قال: «هل تضارون في رؤية الشمس ليس دونها سحاب؟» قالوا: لا. قال: «فإنكم ترونه كذلك، يجمع الله الناس يوم القيامة، فيقول: من كان يعبد شيئًا فليتبعه، فيتبع من كان يعبد الشمس الشمس، ويتبع من كان يعبد القمر القمر، ويتبع من كان يعبد الطواغيت الطواغيت، وتبقى هذه الأمة فيها منافقوها، فيأتيهم الله تعالى في صورة غير صورته التي يعرفون، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: نعوذ بالله منك، هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا، فإذا جاء ربنا عرفناه، فيأتيهم الله ، في صورته - التي يعرفون، فيقول: أنا ربكم. فيقولون: أنت ربنا، فيتبعونه، ويضرب الصراط بين ظهراني = (١١/ ٤٠٩ - ٤١١ و ٣/ ٢٢٩). ولبقية فوائد هذا الحديث ينظر كتابي «من قصص الماضين» (ص ٢٤٤ - ٢٤٦).

стр. 1722

جهنم، فأكون أنا وأمتي أول من يجيز، ولا يتكلم يومئذ إلا الرسل، ودعوى الرسل - يومئذ - اللهم سلم سلم! وفي جهنم كلاليب مثل شوك السعدان، هل رأيتم السعدان؟». قالوا: نعم يا رسول الله. قال: «فإنها مثل شوك السعدان، غير أنه لا يعلم قدر عظمها إلا الله ، يخطف الناس بأعمالهم، فمنهم الموبق بعمله، ومنهم المجاز حتى ينجوا (١)، فإذا فرغ الله من القضاء بين العباد وأراد أن يُخرج برحمته من أراد من أهل النار أمر الملائكة أن يخرجوا من النار من كان لا يشرك بالله شيئًا، ممن أراد الله أن يرحمه، ممن يقول: لا إله إلا الله، فيعرفونهم بأثر السجود، وتأكل النار من ابن آدم كل شيء إلا أثر السجود، حرم الله على النار أن تأكل أثر السجود، فيخرجون من النار قد امتُحِشُوا، فَيُصَبُّ عليهم ماء الحياة، فينبتون كما تنبت الحِبَّةُ في حميل السيل، ثم يفرغ الله من القضاء بين العباد، ويبقى رجل مقبل بوجهه على النار، وهو آخر أهل الجنة دخولًا الجنة، فيقول: أي رب، اصرف وجهي عن النار، فإنه قد قشبني ريحها وأحرقني ذكاؤها. فيدعو الله ما شاء أن يدعوه، ثم يقول الله ﵎: هل عسيت إن فعلت ذلك أن تسأل غيره، فيقول: لا أسألك غيره، فيعطي ربه من عهود ومواثيق ما شاء الله، فيصرف الله وجهه عن النار، فإذا أقبل على الجنة ورآها سكت ما شاء الله أن يسكت، ثم يقول: أي رب قدمني إلى باب الجنة، فيقول الله: أليس قد أعطيت عهودك ومواثيقك لا تسألني غير الذي أعطيتك؟ ويلك يا ابن آدم ما أغدرك. فيقول: أي رب، فيدعو الله حتى يقول له: فهل عسيت أن أعطيتك ذلك أن تسألني غيره؟ فيقول: لا وعزتك، فيعطي ربه ما شاء من عهود ومواثيق، فيقدمه إلى باب الجنة، فإذا قام على باب الجنة، انفهقت له الجنة فرأى ما فيها من الخير والسرور، فسكت ما شاء الله أن يسكت، ثم يقول: أي رب، أدخلني الجنة. فيقول الله ﵎ له: أليس قد أعطيت عهودك، ومواثيقك أن لا تسألني غير ما أعطيت، ويلك يا ابن آدم ما أغدرك، فيقول: أي رب لا أكون أشقى خلقك فلا يزال يدعو الله حتى يضحك الله منه، فإذا ضحك الله منه، قال: ادخل الجنة، فإذا دخلها، قال الله له: تمن، فيسأل ربه ويتمنى حتى إن الله ليذكره فيقول: تمن كذا وكذا، حتى إذا انقطعت به الأماني قال الله : «ذلك لك ومثله معه».

стр. 1723

قال أبو سعيد: «وعشرة أمثاله معه». قال عطاء بن يزيد وأبو سعيد الخدري مع أبي هريرة: لا يرد عليه من حديثه شيئًا حتى إذا حدث أبو هريرة: قال: «إن الله قال لذلك الرجل: ومثله معه». قال أبو سعيد: «وعشرة أمثاله معه يا أبا هريرة. قال أبو هريرة: ما حفظت إلا قوله: «ذلك لك ومثله معه». قال أبو سعيد أشهد أني حفظت من رسول الله ﷺ قوله: «ذلك لك وعشرة أمثاله». قال أبو هريرة: وذلك الرجل آخر أهل الجنة دخولًا الجنة» (١). وفي «الصحيحين» أيضًا عن أبي سعيد الخدري: إن ناسًا في زمن رسول الله ﷺ قالوا: يا رسول الله، هل نرى ربنا يوم القيامة؟ قال رسول الله ﷺ نعم: هل تضارون في رؤية الشمس بالظهيرة صحوًا ليس معها سحاب؟ وهل تضارون في رؤية البدر ليس دونه سحاب؟ قالوا: لا يا رسول الله، قال: «ما تضارون في رؤيته ﵎ يوم القيامة إلا كما تضارون في رؤية أحدهما، إذا كان يوم القيامة أذن مؤذن: لتتبع كل أمة ما كانت تعبد، فلا يبقى أحد كان يعبد غير الله من الأصنام والأنصاب إلا يتساقطون في النار، حتى إذا لم يبق إلا من كان يعبد الله من بر وفاجر وغبر أهل الكتاب (٢)، فتدعى اليهود فيقال لهم: ما كنتم تعبدون؟ قالوا: كنا نعبد عزير ابن الله، فقال: كذبتم ما اتخذ الله من صحابة ولا ولد، فماذا تبغون؟ قالوا: عطشنا يا ربنا فاسقنا، فيشار إليهم ألا تَرِدُون، فيحشرون إلى النار كأنها سراب يحطم بعضها بعضًا، فيتساقطون في النار. ثم تدعى النصارى، فيقال لهم: ما كنتم تعبدون؟ قالوا: كنا نعبد المسيح ابن الله، فيقال لهم: كذبتم ما اتخذ الله من صاحبة ولا ولد، فيقال لهم: ماذا تبغون؟ فيقولون: عطشنا يا ربنا فاسقنا، قال: فيشار إليهم ألا تردون فيحشرون إلى جهنم كأنها سراب يحطم بعضها بعضًا، فيتساقطون في النار، حتى إذا لم يبق إلا من كان يعبد الله من بر وفاجر، أتاهم رب العالمين في أدنى صورة من التي

стр. 1724

رأوه فيها. قال: فما تنتظرون؟ لتتبع كل أمة ما كانت تعبد. قالوا: يا ربنا فارقنا الناس في الدنيا أفقر ما كنا إليهم ولم نصاحبهم. فيقول: أنا ربكم فيقولون: نعوذ بالله منك، لا نشرك بالله شيئًا - مرتين أو ثلاثًا - حتى أن بعضهم ليكاد أن ينقلب. فيقول: هل بينكم وبينه آية تعرفونه بها؟ فيقولون: نعم، فيكشف عن ساقه، فلا يبقى من كان يسجد الله من تلقاء نفسه إلا أذن الله له بالسجود، ولا يبقى من كان يسجد اتقاء ورياء إلا جعل الله ظهره طبقة واحدة، كلما أراد أن يسجد خرَّ على قفاه، ثم يرفعون رؤوسهم، وقد تحول في صورته التي رأوه فيها أول مرة، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: أنت ربنا. ثم يُضْرَبُ لهم الجسر على جهنم وتحلّ الشفاعة». قيل: يا رسول الله وما الجسر؟ قال: «دحض مزلة فيه خطاطيف وكلاليب وكحسكة (١) تكون بنجد فيها شويكة يقال لها: السعدان، فيمر المؤمنون كطرف العين، وكالبرق، وكالريح، وكالطير، وكأجاويد الخيل والركاب فناج، مسلم ومخدوش مرسل، ومكدوس في نار جهنم، حتى إذا خلص المؤمنون من النار، فوالذي نفسي بيده ما من أحد منكم بأشد مناشدة في استيفاء الحق من المؤمنين الله تعالى يوم القيامة لإخوانهم الذين في النار، يقولون: ربنا كانوا يصومون معنا، ويصلون، ويحجون، فيقال لهم: أخرجوا من عرفتم، فتحرم صورهم على النار، فيخرجون خلقًا كثيرًا قد أخذت النار إلى أنصاف سوقهم (٢)، إلى ركبهم فيقولون: ربنا ما بقي فيها أحد ممن أمرتنا». فيقول: ارجعوا [ارجعوا] (٣) فمن وجدتم في قلبه مثقال نصف دينار من خير فأخرجوه، فيُخرجون خلقًا كثيرًا، ثم يقولون ربنا لم نذر فيها ممن أمرتنا أحدًا … ثم يقول: ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال ذرة من خير فأخرجوه، فيخرجون خلقًا كثيرًا، ثم يقولون: ربنا لم نذر فيها خيرًا قط.

стр. 1725

وكان ائبو سعيد الخدري يقول: «إن لم تصدقوني بهذا الحديث، فاقرأوا إن شئتم ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٤٠]. فيقول الله : «شفعت الملايئكة وشفع النبيون وشفع الموئمنون؛ ولم يبق إلا ائرحم الراحمين، فيقبض قبضة من النار، فيخرج منها قومًا لم يعملوا خيرًا قط، قد عادوا حممًا فيلقيهم في نهر في ائفواه الجنة يقال له: نهر الحياة، فيخرجون كما تخرج الحبة في حميل السيل، ألا ترونها تكون إلى الحجر ائو إلى الشجر ما يكون منها إلى الشمس، ائصفر وأخيضر وما يكون منها إلى الظل يكون ائبيض» فقالوا: يا رسول الله كأنك كنت ترعى بالبادية. قال: «فيخرجون كاللؤلؤ في رقابهم الخواتيم، يعرفون (١) ائهل الجنة. فيقول ائهل الجنة: هؤلاء عتقاء الله الذين أدخلهم الله الجنة بغير عمل عملوه، ولا خير قدموه، ثم يقول: ادخلوا الجنة، فما رأيتموه فهو لكم. فيقولون: ربنا أعطيتنا ما لم تعط أحدًا من العالمين. فيقول: لكم عندي أفضل من هذا فيقولون ربنا، وأي شيء أفضل من هذا؟ فيقول تعالى: رضائي فلا أسخط عليكم بعده أبدًا». اهـ (٢). فصل وأما حديث: جرير بن عبد الله، ففي الصحيحين» أنه قال: كنا جلوسًا مع النبي ﷺ ، فنظر إلى القمر ليلة أربع عشرة، فقال: «إنكم سترون ربكم عيانًا كما ترون هذا لا تضامون في رؤيته، فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل الغروب فافعلوا ثم قرأ قوله: ﴿وَسَبِّحْ (٣) بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ [ق: ٣٩] (٤). رواه جماعة عنه منهم زيد ابن أبي أنيس وجوده، فقال: «فستعاينون ربكم- كما تعاينون هذا القمر». وأبو شهاب الخياط، وقال: سترون ربكم عيانًا»، وذكر جماعة وقال:

стр. 1726

وكل هؤلاء شهدوا على إسماعيل ابن أبي (١) خالد. ومضى إلى أن قال: «فكأنك تسمع رسول الله ﷺ وهو يقوله، ويبلغه لأمته ولا شيء أقر لأعينهم منه، وشهدت الجهمية والفرعونية والرافضة والقرامطة والباطنية وفروخ الصابئة والمجوس واليونان بكفر من اعتقد ذلك، وأنه من أهل التشبيه والتجسيم وتابعهم على ذلك كل عدو للسنة وأهلها، والله تعالى ناصر كتابه، وسنة رسوله، ولو كره الكافرون» (٢). قال محمد تقي الدين: ثم ذكر ابن القيم ﵀ عن كل واحد من الصحابة المذكورين حديثًا مماثلًا لما تقدم في المعنى بعض هذه الأحاديث مبسوط، وبعضها مختصر، ولولا خوف السامة من القارئ والمستمع لذكرتها كلها، فمن شاء استيفاءها؛ فليراجعها في المصدر المذكور. الباب الثالث قوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٨] قال (): يقول تعالى متوعدًا للكافرين به والمخالفين لرسله والمكذبين آياته والصادين عن سبيله: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ﴾ وذلك كائن يوم القيامة ﴿أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا﴾ وذلك قبل يوم القيامة كائن من أمارات الساعة وأشراطها، كما قال (خ) في تفسير هذه الآية بسنده عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها فإذا رآها الناس آمن من عليها»، فذلك حين ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ﴾ (٣): وذكر بسنده عن أبي هريرة أيضًا قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها».

стр. 1727

وفي لفظ: «فإذا طلعت ورآها الناس آمنوا أجمعون، وذلك حين لا ينفع نفسًا إيمانها لم تكن آمنت من قبل» ثم قرأ هذه الآية (١)، هكذا روي هذا الحديث من هذين الوجهين ومن الوجه الأول أخرجه بقية الجماعة في كتبهم (٢) إلا الترمذي. اهـ (٣). قال محمد تقي الدين: وقد تقدم الكلام في سورة البقرة على صفة الإتيان والمجيء، وما في معناهما بما يشفي ويكفي، والحمد لله رب العالمين. اهـ.

стр. 1728

سورة الأعراف الباب الأول قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٥٤] «قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ قال مجاهد وأحمد بن حنبل وابن عباس والضحاك: إنها من أيام الله التي قال فيها: ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ [الحج: ٤٧]» (١)، وقد يطلق اليوم على المدة الطويلة من الزمان، كما قال تعالى: ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج: ٤]، وكما قال تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٤] أي: يوم الجزاء وهو مدة طويلة، وقال تعالى: ﴿يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ [الإنفطار: ١٩]، فاليوم هنا معناه الزمان! وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ قال (ك): «فللناس في هذا المقام مقالات كثيرة جدًا، ليس هذا موضع بسطها، وإنما نسلك (٢) في هذا المقام مذهب السلف الصالح: مالك والأوزاعي والثوري والليث بن سعد والشافعي وأحمد (٣) وإسحاق بن راهويه وغيرهم من أئمة المسلمين، قديمًا وحديثًا، وهو: إمرارها كما جاءت من غير تكييف ولا تشبيه ولا تعطيل، والظاهر المتبادر إلى أذهان المشبهين منفي عن الله، فإن الله لا يشبهه شيء من خلقه ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] بل الأمر كما قال الأئمة منهم: نعيم بن

стр. 1729

حماد الخزاعي شيخ البخاري قال: «من شبه الله بخلقه كفر، ومن جحد ما وصف الله به نفسه فقد كفر» وليس فيما وصف الله به نفسه ولا رسوله تشبيه، فمن أثبت الله تعالى ما وردت به الآيات الصريحة والأخبار الصحيحة على الوجه الذي يليق بجلال الله، ونفى عن الله تعالى النقائص، فقد سلك سبيل الهدى» (١). قال محمد تقي الدين: أفتتح هذه المعركة في إثبات علو الله تعالى باسم الله الواحد الأحد، وبه أستعين على كل جهمي معطل أن يمنحنا النصر والظفر على تطهير القلوب والألسنة من عقيدة المعطلين نفاة الصفاة الذين لا يعرفون معبودهم فيجردونه من الصفات حتى يصير عدمًا، وأبدأ بما تضمنه «كتاب العلو» (٢) للحافظ النقاد شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان الدمشقي الشهير بالذهبي المولود سنة ٦٧٣ والمتوفى سنة ٧٤٨. الآيات الدالة على علو الله تعالى قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ [النساء: ١٢٢]؟ [وقال]: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤] وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ [هود: ٧] وقال تعالى في وصف كتابه العزيز: ﴿تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى (٤) الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٤ - ٥] وقال تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ﴾ [الفرقان: ٥٩]. إلى غير ذلك من آيات الاستواء، وقال تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت: ١١] وقال تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٩] وقال تعالى: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ [السجدة: ٥] وقال تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر: ١٠] وقال تعالى: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [آل عمران: ٥٥] وقال تعالى: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (١٥٧) بَلْ

стр. 1730

رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ [النساء: ١٥٧] وقال تعالى في الملائكة: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ [النحل: ٥٠] وقال تعالى: ﴿أَأَمِنتُم مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ (١٦) أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا﴾ [الملك: ١٦، ١٧] وقال تعالى: ﴿ذِي الْمَعَارِجِ (٣) تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ [المعارج: ٣، ٤] وقال تعالى: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَاهَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (٣٦) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ [غافر: ٣٦، ٣٧] إلى غير ذلك من نصوص القرآن العظيم جل منزله وتعالى قائله. فإن أحببت يا عبد الله الإنصاف، فقف مع نصوص القرآن والسنن ثم انظر ما قال الصحابة والتابعون وأئمة التفسير في هذه الآيات، وما حكوه من مذاهب السلف، فإما أن تنطق بعلم، وإما أن تسكت بحلم، ودع المراء والجدال، فإنَّ المراء في القرآن كفر (١). كما نطق بذلك الحديث الصحيح، وسترى أقوال

стр. 1731

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1732

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1733

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1734

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1735

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1736

الأئمة في ذلك على طبقاتهم بعد سرد الأحاديث النبوية. جمع الله قلوبنا على التقوى (١)، فإننا على أصل صحيح، وعَقْد متين، من أن الله تقدس اسمه لا مثل له، وأن إيماننا بما ثبت من نعوته كإيماننا بذاته المقدسة (٢) عن الأشباه من غير أن نتعقل الماهية، فكذلك القول في صفاته نؤمن بها ونعقل وجودها، ونعلمها في الجملة من غير أن نشبهها أو نمثلها (٣) بصفات خلقه، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا، فالاستواء - كما قال مالك الإمام وجماعة -: معلوم والكيف مجهول (٤). ١ - فمن الأحاديث الواردة المتواترة (٥) في العلو: حديث معاوية بن الحكم السلمي قال: كانت لي غنيمة (٦) بين أحد والجوانية فيها جارية لي، فاطلعتها ذات يوم، فإذا الذئب قد ذهب منها بشاة - وأنا رجل من بني آدم - فأسفت، فصككتها، فأتيت النبي ﷺ فذكرت ذلك له، فعظم ذلك عليَّ، فقلت: يا رسول الله أفلا أعتقها؟ قال: «ادعها» فدعوتها، فقال لها: «أين الله؟» فقالت: في السماء، قال: من أنا؟ قالت: أنت رسول الله، قال: «أعتقها فإنها مؤمنة» هذا حديث صحيح.

стр. 1737

رواه جماعة من الثقات (١) عن يحيى بن أبي كثير عن هلال بن أبي ميمونة

стр. 1738

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1739

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1740

عن عطاء بن يسار عن معاوية السلمي، أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي وغير واحد من الأئمة في تصانيفهم يمرونه كما جاء، ولا يتعرضون له بتأويل ولا تحريف. عن عطاء بن يسار قال: حدثني صاحب الجارية نفسه قال: كانت لي جارية ترعى .. الحديث، وفيه: «فمد النبي ﷺ يده إليها وأشار إليها مستفهمًا: «مَنْ في السماء»؟ قالت: الله، قال: «فمن أنا»، قالت: أنت رسول الله، قال: «أعتقها فإنها مسلمة» (١) (٢). قال محمد تقي الدين: ثم ذكر الحافظ الذهبي روايات عديدة لهذا الحديث، وأحاديث أخرى في معناه، تركت ذكرها حبًا للاختصار. شرح بعض كلمات هذا الحديث : ١ - فَأَسِفْتُ: أي غَضِبْتُ. فصكَكْتُها: أي ضربتها بيدي على وجهها. وقد جاء مصرحًا به في بعض الروايات: «فلطمت وجهها» (٣).

стр. 1741

٢ - قوله: «وأنا رجل من بني آدم فغضبت كما يغضبون». قال محمد تقي الدين في هذا الحديث السؤال عن الله تعالى بأين، ومنعه الخوارج وسائر الفرق المعطلة كالمعتزلة والمتأخرين من الأشعرية، وزعموا أن من سأل عن الله بأين فهو مجسم، واختلفوا في كفره وفسقه ومعصيته، فيلزمهم نسبة ذلك إلى نبي الله الذي جاءنا بالإيمان، فقبح الله علمًا يفضي إلى مثل هذا، وفيه إقرار النبي ﵊ بأن الله في السماء، وأنكرته المعطلة، واختلفوا في كفر معتقده، فياويلهم! ماذا جنوا على أنفسهم بسبب جهلهم وعمى بصائرهم، فنعوذ بالله من الخذلان. اهـ. الحديث الثاني: حديث جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ قال في خطبته يوم عرفة: «ألا هل بلغت؟» فقالوا: نعم - يرفع أصبعه إلى السماء وينكسها إليهم - ويقول: «اللهم اشهد» أخرجه مسلم (١) (٢) قال محمد تقي الدين: ماذا تقول المعطلة في إشارة النبي ﷺ بأصبعه إلى السماء عند قوله: «اللهم اشهد» فهل كان يشير إلى العدم كما تعتقدون، فبعضكم يقول: إن الله لا داخل العالم ولا خارجه. فالإشارة إليه عندكم مستحيلة، وقد أشار إليه النبي ﷺ وأشارت إليه الجارية، وأقرها على ذلك رسول الله ﷺ ، والنبي وأصحابه على حق؛ فأنتم إذًا على باطل. اهـ. «الحديث الثالث: عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، ويجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر، ثم يرجع إليه الذين باتوا فيكم فيسألهم وهو أعلم بهم كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: أتيناهم وهم يصلون، وتركناهم وهم يصلون» متفق عليه (٣)» (٤). قال محمد تقي الدين نزول الملائكة من عند الله بأمره تعالى إلى الأرض ورجوعهم إلى الله، وذكرهم ما شاهدوه من صلاة المصلين، على أي شيء يدل هذا؟ هل يمكن أن يدل على أن الله في كل مكان، أو أنه تعالى لا داخل العالم ولا خارجه؟ كلا! ثم كلا! وهل الفِرَقُ المعطلة تعرف الله أحسن مما يعرفه رسوله

стр. 1742

وأصحابه والتابعون والأئمة المجتهدون وأئمة الحديث؟ كلا! والله إن المعطلين لفي ضلال مبين. فيا حسرتهم يوم القيامة ويا ندامتهم حين يجيء الله تعالى لفصل القضاء، ويعلمون أنهم كانوا كاذبين، فتعالى الله عن قولهم علوا كبيرا. اهـ. «الحديث الرابع: رواه الحافظ الذهبي بسنده وسرد رجاله إلى أبي رزين العقيلي، قال: قلت: يا رسول الله، أين كان ربنا قبل أن يخلق السماوات والأرض؟ قال: كان في عماء، ما فوقه هواء، وما تحته هواء، ثم خلق العرش ثم استوى عليه» (١) رواه الترمذي وابن ماجه، وإسناده حسن. ورواه إسحاق بن راهويه عن عبد الصمد بن عبد الوارث عن حماد وعنده: «ثم كان العرش فارتفع على عرشه» قال أبو عبيد: «العماء: الغمام» (٢). الحديث الخامس: عن عمرو بن دينار، عن أبي قابوس، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، أن رسول الله ﷺ قال: «الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء» أخرجه (د) و (ت) وصححه (٣).

стр. 1743

قال محمد تقي الدين: ما المراد بقول النبي ﷺ : «يرحمكم من في السماء؟» هل يملك الرحمة أحد غير الله تعالى؟ كلا! إنه هو العزيز الرحيم العلي الكريم، وذلك مصداق قول الله تعالى في سورة الملك: ﴿أَأَمِنتُم مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ (١٦) أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ﴾ [الملك: ١٦، ١٧] فأنت ترى أن الآيتين والحديث يدلان دلالة واضحة على أن الله في السماء فوق العرش، والعرش أعلى المخلوقات وأعظمها، وهو غني عن العرش، والعرش فقير إليه، فيا أيها المعطلون توبوا من التعطيل، وآمنوا بما جاء في التنزيل، واتبعوا السلف واحذروا التلف، والله يهدينا وإياكم إلى صراط مستقيم. اهـ. «الحديث السادس: عن أبي الأحوص عن أبي إسحاق عن جرير سمع النبي ﷺ يقول: «من لم يرحم من في الأرض لم يرحمه من في السماء» (١) رواته ثقات.

стр. 1744

الحديث السابع: عن أنس أن زينب بنت جحش كانت تفخر على أزواج النبي ﷺ تقول: زَوَّجَكُنَّ أهاليكُنَّ وزوَّجني الله من فوق سبع سماوات، ولفظ عيسى (١) أنها قالت للنبي ﷺ : «زوجنيك الرحمن من فوق عرشه» هذا حديث صحيح أخرجه البخاري (٢)» (٣). قال محمد تقي الدين: فإذا قال الجهمي: إن كون إرادة التزويج أو فعله وقع في السماء لا يدل على أن الله فوق سبع سموات. فجوابه: إن إرادة الله وفعله عامان في جميع الأشياء في الأرض والسماء، وإنما أرادت زينب أن الله فوق سبع سماوات وأن تزويجها كان عنده، كما فهمه أئمة الحديث واحتجوا به على أن الله في السماء، أما الجهمية فإنهم أهل حدث وليسوا من أهل الحديث. اهـ. «الحديث الثامن: عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ : «ألا تأمنوني، وأنا أمين من في السماء؟ يأتيني خبر السماء صباحًا ومساءً» متفق عليه (٤)» (٥). قال محمد تقي الدين: وهذا الحديث صريح ينزل على رؤوس المعطلين صاعقة تحرقهم ولا حيلة لهم في تحريفه. اهـ.

стр. 1745

«الحديث التاسع: عن أبي هريرة أن رسول الله قال: «والذي نفسي بيده ما من رجل يدعو امرأته إلى فراشه، فتأبى عليه إلا كان الذي في السماء ساخطًا عليها، حتى يرضى عنها زوجها» أخرجه (م)» (١) (٢). قال محمد تقي الدين من الذي سخط عليها وهو في السماء؟ أتستطيعون أن تقولوا: سخط أمره؟ أو سخطت قدرته؟ فقد فضحكم الله، فاتركوا التستر بالباطل، ولا تحاولوا ستر الشمس بالغربال، أتكفرون بالذي في السماء؟ وقد آمن به الرسول ﷺ وأهل القرون المفضلة؟ ارجعوا إلى الحق، فإن الرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل. اهـ. «الحديث العاشر: عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «لما أُلقي إبراهيم ﵇ في النار قال: اللهم إنك واحد في السماء وأنا في الأرض واحد أعبدك» (٣) هذا حديث حسن الإسناد. رواه جماعة عن إسحاق» (٤). قال محمد تقي الدين: جميع الأنبياء والرسل يعتقدون أن الله في السماء كما رأينا في هذا الحديث، وكما حكى الله تعالى عن فرعون أنه قال لوزيره: ﴿يَاهَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (٣٦) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى﴾ [غافر: ٣٦، ٣٧] يفهم من هذا أن فرعون سأل موسى عن إلهه الذي يدعو إليه، فأخبره أنه في السماء، فظن بجهله أن وزيره وقومه يستطيعون أن يبنوا بناء يصل إلى السماء التي فيها الله تعالى.

стр. 1746

«الحديث الحادي عشر: عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «إن الميت تحضره الملائكة فإذا كان الرجل الصالح قالوا: اخرجي أيتها النفس الطيبة كانت في الجسد الطيب، أبشري بروح وريحان، ورب غير غضبان، فلا يزال يقال لها ذلك؛ حتى تخرج، ثم يعرج بها إلى السماء، فستفتح لها فيقال: من هذا؟ فيقال: فلان، فيقال: مرحبًا بالنفس الطيبة، فلا يزال يقال لها ذلك حتى ينتهى بها إلى السماء التي فيها الله تعالى (١)، وذكر الحديث رواه «هم» في مسنده» والحاكم في «مستدركه» وقال: هو على شرط (و)» (٢). قال محمد تقي الدين: لا جرم أن المعطل الذي لا يؤمن بهذا الحديث وما في معناه، لا تفتح له أبواب السماء لروحه ولا تصل إلى السماء السابعة، ولا يقول الله تعالى للملائكة: اكتبوا كتاب عبدي في عليين، بل يكتب كتابها في سجين. اهـ. «الحديث الثاني عشر: عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : «بينا أهل الجنة في نعيمهم، إذ سطع لهم نور، فرفعوا رؤوسهم، فإذا الرب ﷻ قد أشرف عليهم من فوقهم، فقال: السلام عليكم يا أهل الجنة، فذلك قوله : ﴿سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ [يس: ٥٨] (٣)» أخرجه (ج) في باب ما أنكرت الجهمية».

стр. 1747

«الحديث الثالث عشر: عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب - ولا يصعد إلى الله إلا طيب - فإنه يتقبلها بيمينه، ويُربِّيها لصاحبها حتى تكون مثل الجبل» (١) هذا حديث صحيح أخرجه (غ)» (٢). قال محمد تقي الدين: وماذا يقول الجهمي في هذا الحديث الذي يدل على صعود الصدقة إلى الله تعالى، فيأخذها بيمينه، أيؤمن به أم يكفر به؟ فإن آمن به فقد فاز وربح، وإن كفر به فتعسًا له. اهـ. «الحديث الرابع عشر: عن أبي موسى الأشعري، قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يُرفع إليه عمل الليل قبل النهار، وعمل النهار قبل الليل، حجابه النور، ولو كشفه لأحرقت سُبْحاتُ وجهه كل شيء أدركه بصره» (٣). أخرجه (و)» (٤). قال محمد تقي الدين: إذا كان الله بزعمكم بذاته في كل مكان، أو: لا داخل العالم ولا خارجه، كما يقول بعضكم! فلماذا يرفع إليه العمل. اهـ. «الحديث الخامس عشر: روى الذهبي عن عمران بن حصين أن رسول الله ﷺ قال: لأبي عمران بن حصين: «كم تعبد اليوم إلهًا»؟ فقال: ستة في الأرض، وواحد في السماء. قال: «فأيهم تعده لرغبتك ورهبتك؟» قال: الذي في السماء، قال: «يا حصين أما إنك لو أسلمت علمتك كلمتين ينفعانك» فلما أسلم قال: يا رسول الله علمني الكلمتين؟ قال: «قل: اللهم ألهمني رشدي، وأعذني من شر نفسي» (٥).

стр. 1748

قال محمد تقي الدين: عقيدة هذا الرجل في زمان كفره أن الله في السماء، أحسن من عقيدة كثير من الذين يدعون الإسلام على أنه أسلم بعد ذلك، وترك عبادة الآلهة التي في الأرض ووحد الإله الذي في السماء. «الحديث السادس عشر: روى الإمام أبو عبد الله الشافعي مرفوعًا فقال في «مسنده»: أخبرنا إبراهيم بن محمد حدثني موسى بن عبيدة، حدثني أبو الأزهر معاوية بن إسحاق بن طلحة عن عبد الله بن عمير أنه سمع أنس بن مالك ﵁ يقول: أتى جبرائيل ﵊ بمرآة بيضاء فيها نكتة سوداء إلى رسول الله ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : ما هذه؟ فقال: هذه الجمعة فضّلت بها أنت وأمتك، فالناس لكم فيها تبع اليهود والنصارى، ولكم فيها خير ولكم فيها ساعة لا يوافقها مؤمن يدعو الله تعالى فيها بخير إلا استجيب له، وهو عندنا يوم المزيد، قال ﷺ : يا جبريل وما يوم المزيد؟ قال ﵇: إن ربك ﵎ اتخذ في الفردوس (١) واديًا أفيح فيه كُتب المسك، فإذا كان يوم الجمعة (٢) أنزل تعالى ما شاء من ملائكته، وحوله منابر من نور عليها مقاعد النبيين (٣)، وحفت تلك المنابر من ذهب مكللة بالياقوت والزبرجد عليها الشهداء والصديقون، فجلسوا من ورائهم على تلك الكتب، فيقول الله : أنا ربكم قد صدقتكم وعدي، فسلوني أعطكم، فيقولون: ربنا نسألك رضوانك. فيقول: قد رضيت عنكم ولكن عليّ ما تمنيتم ولدي مزيد، فهم يحبون يوم الجمعة لما يعطيهم فيه ربهم ﵎ من الخير، وهو اليوم الذي استوى فيه ربكم على العرش، وفيه خلق آدم وفيه تقوم الساعة» (٤). هكذا أورده الإمام الشافعي ﵀ في كتاب

стр. 1749

الجمعة من «الأم» وله طرق عن أنس بن مالك ﵁». قال محمد تقي الدين: وهذا الحديث واضح قراءته شرحه، فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر. اهـ. «الحديث السابع عشر: عن سعد بن أبي وقاص أن النبي ﷺ قال لسعد بن معاذ: «لقد حكمت فيهم بحكم الملك من فوق سبع سموات» (١) هذا حديث صحيح أخرجه (ن)». قال محمد تقي الدين: تقدم الكلام على مثله في حديث زينب. «الحديث الثامن عشر: وفي الصحيح لـ (خ) من حديث قتادة عن أنس عن

стр. 1750

النبي ﷺ قال: «فأستأذن على ربي في داره؛ فيُؤذن لي عليه» (١). وأخرجه أبو أحمد العسال (٢) في كتاب «المعرفة» بإسناد قوي عن ثابت عن أنس وفيه: «فآتي باب الجنة فيفتح لي، فأتي ربي ﵎ وهو على كرسيه أو سريره، فأخر له ساجدًا» وذكر الحديث (٣). قال محمد تقي الدين: وهذا الحديث أيضًا صريح في أن الله فوق عرشه، اللهم اشهد علينا بأننا آمنا به، فيا ويل من كذب به وأنكر معناه اهـ. «الحديث التاسع عشر: روى (و) بسندهما عن أنس [أن مالك] (٤) بن صعصعة أن النبي ﷺ حدثه عن ليلة (٥) أسري به [قال]: «بينما أنا في الحطيم - وربما قال: قال قتادة في الحجر - مضطجع إذ أتاني آت … » فذكر الحديث، وفيه قال: ثم أتيت بدابة دون البغل وفوق الحمار، أبيض يقع خطوه عند انقضاء (٦) طرقه، قال: فحملت عليه فانطلق بي جبرائيل حتى أتى بي السماء الدنيا، فاستفتح فقيل: من هذا؟ قال: جبرائيل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد. قيل: أو قد أرسل إليه؟ قال: نعم، فقيل: مرحبًا به ولنعم المجيء جاء. قال: ففتح، فلما خلصت إذا فيها آدم، قال: هذا أبوك فسلم عليه، فسلَّمتُ عليه، فرد السلام، ثم قال: مرحبًا بالابن الصالح والنبي الصالح، ثم صعد حتى أتى السماء الثانية فاستفتح، قيل: من هذا؟ قال: جبرائيل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم، قيل: مرحبًا به ولنعم المجيء جاء، قال: ففتح، فلما خلصت فإذا يحيى وعيسى وهما ابنا الخالة؛ قال: هذا يحيى وعيسى فسلم عليهما، فسلمت فردا السلام، وقالا: مرحبًا بالأخ الصالح والنبي الصالح، ثم صعد بي السماء الثالثة فاستفتح، فقيل: من هذا؟ قال: جبرائيل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم، قيل: مرحبًا به ولنعم المجيء

стр. 1751

جاء، قال: ففتح فلما خلصت إذا يوسف، قال: هذا يوسف فسلم عليه، فسلَّمتُ عليه، فرد السلام ثم قال: مرحبًا بالأخ الصالح والنبي الصالح، ثم صعد حتى أتى السماء الرابعة، فاستفتح قيل: من هذا؟ قال: جبرائيل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد (١) أرسل إليه؟ قال: نعم، قيل: مرحبًا به ولنعم المجيء جاء، قال: ففتح فلما خلصت فإذا إدريس، قال: هذا إدريس فسلم عليه، فسلمت عليه، فرد السلام، ثم قال: مرحبًا بالأخ الصالح والنبي الصالح، قال: ثم صعد حتى أتى السماء الخامسة، فاستفتح قيل: من هذا؟ قال: جبرائيل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم مرحبًا به ولنعم المجيء جاء، قال: ففتح فلما خلصت فإذا هارون قال: هذا هارون فسلم عليه، قال: فسلمت عليه فرد السلام، ثم قال: مرحبًا بالأخ الصالح والنبي الصالح، ثم صعد حتى أتى السماء السادسة، فاستفتح قيل: من هذا؟ قال: جبرائيل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد؛ قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم، قال: مرحبًا به ولنعم المجيء جاء، ففتح فلما خلصت فإذا أنا بموسى، قال: هذا موسى فسلم عليه، فسلمت عليه، فرد السلام، ثم قال: مرحبًا بالأخ الصالح والنبي الصالح، قال: فلما تجاوزت بكي، فقيل: ما يبكيك؟ قال: أبكي؛ لأن غلامًا بعث بعدي يدخل الجنة من أمته أكثر مما يدخلها من أمتي، ثم صعد حتى أتى السماء السابعة فاستفتح، قيل: من هذا؟ قال: جبرائيل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم، قال: مرحبًا به ولنعم المجيء جاء، قال: ففتح فلما خلصت، فإذا إبراهيم، قال: هذا إبراهيم فسلم عليه، فسلمت فرد السلام، ثم قال: مرحبًا بالابن الصالح والنبي الصالح، قال: ثم رفعتُ إلى سدرة المنتهي. ثم رفع إلى البيت المعمور، قال: ثم فرضت علي الصلاة خمسين صلاة كل يوم، فرجعت فمررت على موسى، فقال: بم أمرت؟ قلت: بخمسين صلاة كل يوم، قال: إن أمتك لا تستطيع خمسين صلاة، وإني قد خبرت الناس قبلك وعالجت بني إسرائيل أشد المعالجة فارجع إلى ربك فسله التخفيف لأمتك، قال: فرجعت فوضع عني عشرًا. فرجعت إلى موسى فقال: بم أمرت؟ قال: بأربعين صلاة كل يوم؛ قال: إن أمتك لا تستطيع أربعين صلاة كل يوم، وإني قد خبرت الناس قبلك وعالجت بني إسرائيل أشد

стр. 1752

المعالجة فارجع إلى ربك فسله التخفيف لأمتك، فرجعت فوضع عني عشرًا أخر، فرجعت إلى موسى فقال: بم أمرت؟ قلت: بثلاثين صلاة كل يوم، قال: إن أمتك لا تستطيع ثلاثين صلاة كل يوم وإني قد خبرت الناس قبلك فعالجت بني إسرائيل أشد المعالجة فارجع إلى ربك فسله التخفيف لأمتك، فرجعت فوضع عني عشرًا أخر؛ فرجعت إلى موسى فقال: بم أمرت؟ قلت بعشرين صلاة كل يوم قال: إن أمتك لا تستطيع عشرين صلاة كل يوم وإني قد خبرتُ الناس قبلك وعالجت بني إسرائيل أشد المعالجة، فارجع إلى ربك فسله التخفيف لأمتك، قال: فرجعت فأمرت بعشر صلوات في كل يوم فرجعت إلى موسى، فقال: بم أمرت؟ قلت: بعشر صلوات كل يوم قال: إن أمتك لا تستطيع عشر صلوات كل يوم، وإني قد خبرت الناس قبلك وعالجت بني إسرائيل أشد المعالجة، فارجع إلى ربك فسله التخفيف لأمتك، فرجعت فأمرت بخمس صلوات كل يوم، فرجعت إلى موسى فقال بم أمرت قلت: أمرت بخمس صلوات كل يوم، فقال: إن أمتك لا تستطيع خمس صلوات كل يوم، وإني قد خبرت الناس قبلك وعالجت بني إسرائيل أشد المعالجة، قلت: قد سألت ربي حتى استحييت، ولكني أرضى وأسلم، فلما نفذت نادى مناد: قد أمضيت فريضتي وخففت عن عبادي» (١) متفق عليه» (٢). قال محمد تقي الدين: وحديث الإسراء من أعظم الأدلة التي لا يشك فيها من يؤمن بها؛ لأنه رواه جميع أهل الحديث، ودلّ عليه القرآن، قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾ [الإسراء: ١] وقال تعالى: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (١) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (٢) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤) عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (٥) ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى (٦) وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى (٧) ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (٨) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (٩) فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى (١٠) مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى (١١) أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى (١٢) وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنتَهَى (١٤) عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى (١٥) إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى (١٦) مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى (١٧) لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ [النجم: ١ - ١٨] فدل ذلك على أن الله تعالى فوق عرشه، وعلمه محيط بكل شيء. اهـ. قال الحافظ المتقن المحدث المفسر شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أبي

стр. 1753

بكر المعروف بابن قيم الجوزية الدمشقي المتوفى سنة ٧٥١ في كتابه «اجتماع الجيوش الإسلامية في غزو المعطلة والجهمية» ما نصه: «ومنها: قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِي وَلَا شَفِيعٍ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ (٤) يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (٥) ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [السجدة: ٤ - ٦] وتأمل ما في هذه الآيات من الرد على طوائف المعطلين والمشركين، فقوله: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ يتضمن إبطال قول الملاحدة القائلين بقدم العالم؛ وأنه لم يزل وأن الله سبحانه لم يخلقه بقدرته ومشيئته، ومن أثبت منهم وجود الرب جعله لازمًا لذاته أزلًا وأبدًا، غير مخلوق كما هو قول ابن سينا والنصير والطوسي وأتباعهما من الملاحدة الجاحدين، لما اتفق (١) عليه الرسل عليهم الصلاة والسلام، والكتب، وشهدت به العقول والفطر السليمة (٢)، وقول تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ يتضمن إبطال قول المعطلة والجهمية الذين يقولون: ليس على العرش سوى العدم، وأن الله ليس مستويًا على عرشه، ولا ترفع إليه الأيدي، ولا يصعد إليه الكَلِمُ الطيب، ولا رُفع المسيح ﵊ إليه، ولا عُرِجَ برسوله محمد ﷺ (٣)، ولا تعرج الملائكة والروح إليه، ولا ينزل من عنده جبرائيل ﵊ ولا غيره، ولا ينزل هو كل ليلة إلى السماء الدنيا، ولا يخافه عباده من الملائكة وغيرهم من فوقهم، ولا يراه المؤمنون في الدار الآخرة عيانًا بأبصارهم من فوقهم، ولا تجوز (٤) الإشارة إليه بالأصابع إلى فوق، كما أشار إليه النبي ﷺ في أعظم مجامعه في حجة الوداع، وجعل يرفع أصبعه إلى السماء وينكسها (٥) إلى الناس، ويقول: «اللهم اشهد» (٦). قال شيخ الإسلام (٧): وهذا كتاب الله من أوله إلى آخره وسنة رسوله ﷺ

стр. 1754

وكلام الصحابة (١) والتابعين، وكلام سائر الأئمة مملوء بما هو نص أو ظاهر في أن الله فوق كل شيء وأنه فوق العرش فوق السموات مستو على عرشه، مثل قوله تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠]، وقوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [آل عمران: ٥٥]، وقوله تعالى: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ [النساء: ١٥٨]، وقوله تعالى: ﴿مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ (٣) تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج: ٣ - ٤]، وقوله تعالى: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ﴾ [السجدة: ٥]، وقوله تعالى: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ [النحل: ٥٠]، وقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٩]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٥٤) ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [الأعراف: ٥٤ - ٥٥]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ [يونس: ٣] فذكر التوحيد (٢) في هذه الآية، وقوله تعالى: ﴿تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى (٤) الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٤، ٥]، وقوله تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ، وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا (٥٨) الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٨ - ٥٩]، وقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الحديد: ٤] فذكر عموم علمه، وعموم قدرته، وعموم إحاطته، وعموم رؤيته. وقوله تعالى: ﴿أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ﴾ [الملك: ١٧]، وقوله تعالى: ﴿تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٢]، وقوله تعالى: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ [الجاثية: ٢. الأحقاف: ٢]،

стр. 1755

وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَاهَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (٣٦) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ [غافر: ٣٦ - ٣٧] قال: أبو الحسن الأشعري [وقد احتج بهذه الآية على الجهمية] (١) فكذَّب فرعون موسى ﵇ في قوله: إن الله فوق السموات (٢). وسيأتي إن شاء الله تعالى حكاية كلامه بحروفه، وأما الأحاديث، فمنها: قصة المعراج وهي متواترة، وتجاوز النبي ﷺ السموات سماء سماء حتى انتهى إلى ربه تعالى، فقربه وأدناه، وفرض عليه الصلوات خمسين صلاة فلم يزل يتردد (٣) بين موسى ﵇ وبين ربه ﵎، ينزل من عند ربه تعالى إلى موسى، فيسأله: كم فرض عليك؟ فيخبره، فيقول: ارجع إلى ربك، فاسأله التخفيف، فيصعد إلى ربه فيسأله التخفيف (٤). وفي الصحيحين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «لما خلق الله الخلق، كتب في كتاب - فهو عنده فوق العرش -: إن رحمتي تغلب غضبي» وفي لفظ آخر: «كتب في كتابه على نفسه فهو موضوع عنده أن رحمتي تغلب غضبي» وفي لفظ «وهو (٥) عنده على العرش» وفي لفظ: «وهو مكتوب عنده فوق العرش (٦)، وهذه الألفاظ كلها في صحيح مسلم». وفي «صحيح البخاري» عن أبي موسى الأشعري قال: قام رسول الله ﷺ بخمس كلمات، فقال: «إن الله لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل الليل قبل النهار، وعمل النهار قبل الليل، حجابه النور، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه» (٧). وذكر - البخاري - في كتاب التوحيد في «صحيحه» حديث أنس (حديث الإسراء) وقال فيه: «ثم علا به - يعني: جبرائيل - فوق ذلك بما لا يعلمه إلا الله حتى جاوز (٨) سدرة المنتهى، ودنا الجبار رب العزة فتدلى، فكان قاب قوسين أو
следующие страницы →