← Акыда

Акыда · id 30197

سبيل الرشاد في هدي خير العباد

محمد تقي الدين الهلالي

Полный текст (2 277 стр.). Показаны 1751–1790 · переход к 1756.

стр. 1751

جاء، قال: ففتح فلما خلصت إذا يوسف، قال: هذا يوسف فسلم عليه، فسلَّمتُ عليه، فرد السلام ثم قال: مرحبًا بالأخ الصالح والنبي الصالح، ثم صعد حتى أتى السماء الرابعة، فاستفتح قيل: من هذا؟ قال: جبرائيل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد (١) أرسل إليه؟ قال: نعم، قيل: مرحبًا به ولنعم المجيء جاء، قال: ففتح فلما خلصت فإذا إدريس، قال: هذا إدريس فسلم عليه، فسلمت عليه، فرد السلام، ثم قال: مرحبًا بالأخ الصالح والنبي الصالح، قال: ثم صعد حتى أتى السماء الخامسة، فاستفتح قيل: من هذا؟ قال: جبرائيل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم مرحبًا به ولنعم المجيء جاء، قال: ففتح فلما خلصت فإذا هارون قال: هذا هارون فسلم عليه، قال: فسلمت عليه فرد السلام، ثم قال: مرحبًا بالأخ الصالح والنبي الصالح، ثم صعد حتى أتى السماء السادسة، فاستفتح قيل: من هذا؟ قال: جبرائيل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد؛ قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم، قال: مرحبًا به ولنعم المجيء جاء، ففتح فلما خلصت فإذا أنا بموسى، قال: هذا موسى فسلم عليه، فسلمت عليه، فرد السلام، ثم قال: مرحبًا بالأخ الصالح والنبي الصالح، قال: فلما تجاوزت بكي، فقيل: ما يبكيك؟ قال: أبكي؛ لأن غلامًا بعث بعدي يدخل الجنة من أمته أكثر مما يدخلها من أمتي، ثم صعد حتى أتى السماء السابعة فاستفتح، قيل: من هذا؟ قال: جبرائيل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم، قال: مرحبًا به ولنعم المجيء جاء، قال: ففتح فلما خلصت، فإذا إبراهيم، قال: هذا إبراهيم فسلم عليه، فسلمت فرد السلام، ثم قال: مرحبًا بالابن الصالح والنبي الصالح، قال: ثم رفعتُ إلى سدرة المنتهي. ثم رفع إلى البيت المعمور، قال: ثم فرضت علي الصلاة خمسين صلاة كل يوم، فرجعت فمررت على موسى، فقال: بم أمرت؟ قلت: بخمسين صلاة كل يوم، قال: إن أمتك لا تستطيع خمسين صلاة، وإني قد خبرت الناس قبلك وعالجت بني إسرائيل أشد المعالجة فارجع إلى ربك فسله التخفيف لأمتك، قال: فرجعت فوضع عني عشرًا. فرجعت إلى موسى فقال: بم أمرت؟ قال: بأربعين صلاة كل يوم؛ قال: إن أمتك لا تستطيع أربعين صلاة كل يوم، وإني قد خبرت الناس قبلك وعالجت بني إسرائيل أشد

стр. 1752

المعالجة فارجع إلى ربك فسله التخفيف لأمتك، فرجعت فوضع عني عشرًا أخر، فرجعت إلى موسى فقال: بم أمرت؟ قلت: بثلاثين صلاة كل يوم، قال: إن أمتك لا تستطيع ثلاثين صلاة كل يوم وإني قد خبرت الناس قبلك فعالجت بني إسرائيل أشد المعالجة فارجع إلى ربك فسله التخفيف لأمتك، فرجعت فوضع عني عشرًا أخر؛ فرجعت إلى موسى فقال: بم أمرت؟ قلت بعشرين صلاة كل يوم قال: إن أمتك لا تستطيع عشرين صلاة كل يوم وإني قد خبرتُ الناس قبلك وعالجت بني إسرائيل أشد المعالجة، فارجع إلى ربك فسله التخفيف لأمتك، قال: فرجعت فأمرت بعشر صلوات في كل يوم فرجعت إلى موسى، فقال: بم أمرت؟ قلت: بعشر صلوات كل يوم قال: إن أمتك لا تستطيع عشر صلوات كل يوم، وإني قد خبرت الناس قبلك وعالجت بني إسرائيل أشد المعالجة، فارجع إلى ربك فسله التخفيف لأمتك، فرجعت فأمرت بخمس صلوات كل يوم، فرجعت إلى موسى فقال بم أمرت قلت: أمرت بخمس صلوات كل يوم، فقال: إن أمتك لا تستطيع خمس صلوات كل يوم، وإني قد خبرت الناس قبلك وعالجت بني إسرائيل أشد المعالجة، قلت: قد سألت ربي حتى استحييت، ولكني أرضى وأسلم، فلما نفذت نادى مناد: قد أمضيت فريضتي وخففت عن عبادي» (١) متفق عليه» (٢). قال محمد تقي الدين: وحديث الإسراء من أعظم الأدلة التي لا يشك فيها من يؤمن بها؛ لأنه رواه جميع أهل الحديث، ودلّ عليه القرآن، قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾ [الإسراء: ١] وقال تعالى: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (١) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (٢) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤) عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (٥) ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى (٦) وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى (٧) ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (٨) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (٩) فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى (١٠) مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى (١١) أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى (١٢) وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنتَهَى (١٤) عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى (١٥) إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى (١٦) مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى (١٧) لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ [النجم: ١ - ١٨] فدل ذلك على أن الله تعالى فوق عرشه، وعلمه محيط بكل شيء. اهـ. قال الحافظ المتقن المحدث المفسر شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أبي

стр. 1753

بكر المعروف بابن قيم الجوزية الدمشقي المتوفى سنة ٧٥١ في كتابه «اجتماع الجيوش الإسلامية في غزو المعطلة والجهمية» ما نصه: «ومنها: قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِي وَلَا شَفِيعٍ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ (٤) يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (٥) ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [السجدة: ٤ - ٦] وتأمل ما في هذه الآيات من الرد على طوائف المعطلين والمشركين، فقوله: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ يتضمن إبطال قول الملاحدة القائلين بقدم العالم؛ وأنه لم يزل وأن الله سبحانه لم يخلقه بقدرته ومشيئته، ومن أثبت منهم وجود الرب جعله لازمًا لذاته أزلًا وأبدًا، غير مخلوق كما هو قول ابن سينا والنصير والطوسي وأتباعهما من الملاحدة الجاحدين، لما اتفق (١) عليه الرسل عليهم الصلاة والسلام، والكتب، وشهدت به العقول والفطر السليمة (٢)، وقول تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ يتضمن إبطال قول المعطلة والجهمية الذين يقولون: ليس على العرش سوى العدم، وأن الله ليس مستويًا على عرشه، ولا ترفع إليه الأيدي، ولا يصعد إليه الكَلِمُ الطيب، ولا رُفع المسيح ﵊ إليه، ولا عُرِجَ برسوله محمد ﷺ (٣)، ولا تعرج الملائكة والروح إليه، ولا ينزل من عنده جبرائيل ﵊ ولا غيره، ولا ينزل هو كل ليلة إلى السماء الدنيا، ولا يخافه عباده من الملائكة وغيرهم من فوقهم، ولا يراه المؤمنون في الدار الآخرة عيانًا بأبصارهم من فوقهم، ولا تجوز (٤) الإشارة إليه بالأصابع إلى فوق، كما أشار إليه النبي ﷺ في أعظم مجامعه في حجة الوداع، وجعل يرفع أصبعه إلى السماء وينكسها (٥) إلى الناس، ويقول: «اللهم اشهد» (٦). قال شيخ الإسلام (٧): وهذا كتاب الله من أوله إلى آخره وسنة رسوله ﷺ

стр. 1754

وكلام الصحابة (١) والتابعين، وكلام سائر الأئمة مملوء بما هو نص أو ظاهر في أن الله فوق كل شيء وأنه فوق العرش فوق السموات مستو على عرشه، مثل قوله تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠]، وقوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [آل عمران: ٥٥]، وقوله تعالى: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ [النساء: ١٥٨]، وقوله تعالى: ﴿مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ (٣) تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج: ٣ - ٤]، وقوله تعالى: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ﴾ [السجدة: ٥]، وقوله تعالى: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ [النحل: ٥٠]، وقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٩]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٥٤) ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [الأعراف: ٥٤ - ٥٥]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ [يونس: ٣] فذكر التوحيد (٢) في هذه الآية، وقوله تعالى: ﴿تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى (٤) الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٤، ٥]، وقوله تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ، وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا (٥٨) الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٨ - ٥٩]، وقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الحديد: ٤] فذكر عموم علمه، وعموم قدرته، وعموم إحاطته، وعموم رؤيته. وقوله تعالى: ﴿أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ﴾ [الملك: ١٧]، وقوله تعالى: ﴿تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٢]، وقوله تعالى: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ [الجاثية: ٢. الأحقاف: ٢]،

стр. 1755

وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَاهَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (٣٦) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ [غافر: ٣٦ - ٣٧] قال: أبو الحسن الأشعري [وقد احتج بهذه الآية على الجهمية] (١) فكذَّب فرعون موسى ﵇ في قوله: إن الله فوق السموات (٢). وسيأتي إن شاء الله تعالى حكاية كلامه بحروفه، وأما الأحاديث، فمنها: قصة المعراج وهي متواترة، وتجاوز النبي ﷺ السموات سماء سماء حتى انتهى إلى ربه تعالى، فقربه وأدناه، وفرض عليه الصلوات خمسين صلاة فلم يزل يتردد (٣) بين موسى ﵇ وبين ربه ﵎، ينزل من عند ربه تعالى إلى موسى، فيسأله: كم فرض عليك؟ فيخبره، فيقول: ارجع إلى ربك، فاسأله التخفيف، فيصعد إلى ربه فيسأله التخفيف (٤). وفي الصحيحين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «لما خلق الله الخلق، كتب في كتاب - فهو عنده فوق العرش -: إن رحمتي تغلب غضبي» وفي لفظ آخر: «كتب في كتابه على نفسه فهو موضوع عنده أن رحمتي تغلب غضبي» وفي لفظ «وهو (٥) عنده على العرش» وفي لفظ: «وهو مكتوب عنده فوق العرش (٦)، وهذه الألفاظ كلها في صحيح مسلم». وفي «صحيح البخاري» عن أبي موسى الأشعري قال: قام رسول الله ﷺ بخمس كلمات، فقال: «إن الله لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل الليل قبل النهار، وعمل النهار قبل الليل، حجابه النور، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه» (٧). وذكر - البخاري - في كتاب التوحيد في «صحيحه» حديث أنس (حديث الإسراء) وقال فيه: «ثم علا به - يعني: جبرائيل - فوق ذلك بما لا يعلمه إلا الله حتى جاوز (٨) سدرة المنتهى، ودنا الجبار رب العزة فتدلى، فكان قاب قوسين أو

стр. 1756

أدنى، فأوحى إلى عبده فيما أوحى إليه خمسين صلاة، ثم هبط حتى بلغ موسى، فاحتبسه فقال: يا محمد! ماذا عهد إليك ربك؟ قال: عهد إلي خمسين صلاة في كل يوم وليلة، قال: إنَّ أمتك لا تستطيع ذلك، فارجع فليخفف عنك ربك وعنهم، فالتفت النبي ﷺ إلى جبرائيل، كأنه يستشيره في ذلك، فأشار إليه جبرائيل أن نعم، إن شئت، فعلا إلى الجبار ﵎، فقال: وهو مكانه يا رب خفف عنا» (١)، وذكر الحديث. وفي «الصحيحين» عن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار ويجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر، ثم يعرج الذين باتوا فيكم فيسألهم ربهم - وهو أعلم - كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: تركناهم وهم يصلون، وأتيناهم وهم يصلون» (٢). ولما حكم سعد بن معاذ في بني قريظة بأن تقتل مقاتلتهم، وتسبى ذريتهم، وتغنم أموالهم، قال له النبي ﷺ : «لقد حكمت فيهم بحكم الملك من فوق سبعة أرقعة» (٣) وفي لفظ: «من فوق سبع سموات» (٤) وأصل القصة في «الصحيحين» وهذا السياق لمحمد بن إسحاق في «المغازي» (٥). وفي «الصحيحين» من حديث أبي سعيد قال: بعث علي بن أبي طالب إلى النبي ﷺ بذهيبة في أديم مقروض لم

стр. 1757

تحصل من ترابها، قال: فقسمها بين أربعة؛ بين عيينة بن بدر والأقرع بن حابس وزيد الخيل، والرابع إما علقمة وإما عامر بن الطفيل، فقال رجل من أصحابه: كنا نحن أحق بهذا من هؤلاء، فبلغ النبي ﷺ فقال: «ألا تأمنوني، وأنا أمين من في السماء، يأتيني خبر السماء مساء وصباحًا» (١). وفي «صحيح مسلم» عن معاوية بن الحكم السلمي قال: لطمت جارية لي فأخبرت رسول الله ﷺ ، فشق ذلك علي، فقلت: يا رسول الله أفلا أعتقها؟ قال: «بلى، ائتني بها» قال: فجئت بها رسول الله ﷺ ، فقال لها: «أين الله»؟ قالت: في السماء، قال: «فمن أنا» قالت: أنت رسول الله، قال: «اعتقها إنها مؤمنة» (٢). وفي «صحيح البخاري» عن أنس بن مالك قال: كانت زينب تفتخر على أزواج النبي ﷺ ، وتقول: «زوجكن أهاليكن، وزوجني الله من فوق سبع سموات» (٣). وفي «سنن أبي داود» من حديث جبير بن مطعم قال: جاء أعرابي إلى النبي ﷺ ، فقال: يا رسول الله نُهِكَت (٤) الأنفس وجاعت (٥) العيال، وهلكت (٦) الأموال، استسق ربَّك، فإنا نستشفع بالله عليه وبك على الله، فقال النبي ﷺ (٧): «سبحان الله، سبحان الله» (٨) فما زال (٩) يسبح حتى عرف ذلك في وجوه أصحابه، فقال: «أتدري ما الله إن شأنه أعظم من ذلك، إنه لا يستشفع به على أحد من خلقه، إنه لفوق سمائه على عرشه، وإنه عليه لهكذا، وإنه ليئط به أطيط الرحل بالراكب» (١٠).

стр. 1758

وفي «سنن أبي داود» أيضًا و «مسند الإمام أحمد» من حديث العباس بن عبد المطلب قال: كنت في البطحاء في عصابة، وفيهم رسول الله ﷺ ، فمرت سحابة فنظر إليها، وقال: «ما تسمّون هذه؟» قالوا: السحاب، قال: «والمزن» قالوا: والمزن، قال: «والعنان» قال: والعنان، قال: «هل تدرون ما بعد ما بين السماء والأرض؟» قالوا: لا ندري، قال: «إنَّ بعدَ ما بينهما إما واحدة أو اثنتان وثلاث وسبعون سنة، ثم السماء فوقها كذلك حتى عد سبع سموات ثم فوق السماء السابعة بحر بين أعلاه وأسفله مثل ما بين سماء إلى سماء، ثم فوق ذلك ثمانية أوعال بين أظلافهم وركبهم مثل ما بين سماء إلى سماء، وفوق ظهورهم العرش، أسفله وأعلاه مثل ما بين سماء إلى سماء، ثم الله فوق ذلك» زاد أحمد: «وليس يخفى عليه شيء من أعمال بني آدم» (١).

стр. 1759

وفي «سنن أبي داود» أيضًا عن فضالة بن عُبيد عن أبي الدرداء قال: سمعت رسول الله يقول: «من اشتكى منكم - أو: اشتكى أخ له - فليقل: ربنا الله الذي في السماء، تقدَّس اسمُك، أمرك في السماء والأرض كما رحمتك في السماء اجعل رحمتك في الأرض، اغفر لنا حوبنا وخطايانا، أنت رب الطيبين، أنزل رحمة من رحمتك، وشفاء من شفائك على هذا الوجع، فيبرأ» (١). وفي «مسند الإمام أحمد» عن أبي هريرة أن رجلًا أتى النبي ﷺ بجارية سوداء أعجمية فقال: يا رسول الله، إنَّ عليَّ رقبة مؤمنة، فقال لها رسول الله ﷺ : «أين الله؟» فأشارت بأصبعها السبابة إلى السماء، فقال لها: «من أنا؟» فأشارت بأصبعها إلى رسول الله ﷺ وإلى السماء؛ أي أنت رسول. فقال: «اعتقها فإنها مؤمنة» (٢). وفي «جامع الترمذي» عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله ﷺ قال: «الراحمون يرحمهم الله، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء» (٣) قال الترمذي حديث حسن صحيح. وفي «جامع الترمذي» أيضًا عن عمران بن حصين قال: قال رسول الله ﷺ : «يا حصين كم تعبد اليوم إلهًا قال أبي: سبعة؛ ستة في الأرض، وواحد في السماء قال: فأيهم تعدّ لرغبتك ورهبتك» قال:

стр. 1760

الذي في السماء. قال: «يا حصين أما إنك لو أسلمت لعلمتك كلمتين ينفعانك» قال: فلما أسلم حصين، قال: يا رسول الله علمني الكلمتين اللتين وعدتني، قال: «قل: اللهم ألهمني رشدي وأعذني من شر نفسي» (١). وفي «صحيح مسلم» عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «والذي نفسي بيده ما من رجل يدعو امرأته إلى فراشه فتأبى عليه، إلا كان الذي في السماء ساخطًا عليها حتى يرضى عنها زوجها» (٢). وروى الشافعي في «مسنده» من حديث أنس بن مالك قال: أتى جبرائيل بمرآة بيضاء فيها نكتة سوداء إلى النبي ﷺ ، فقال النبي ﷺ : «ما هذه يا جبرائيل؟ قال: هذه الجمعة فضّلت بها أنت وأمتك، فالناس لكم تبع اليهود والنصارى، ولكم فيها خير، وفيها ساعة لا يوافقها مؤمن يدعو الله بخير إلا أستجيب له، وهو عندنا يوم المزيد. فقال النبي ﷺ يا جبرائيل! وما يوم المزيد؟» فقال: إن ربك اتخذ في الجنة واديًا أفيح، فيه كتب من مسك، فإذا كان يوم الجمعة أنزل الله ﵎ ما شاء من ملائكته، وحوله منابر من نور عليها مقاعد النبيين، وحف تلك المنابر بمنابر من ذهب مكللة بالياقوت والزبرجد، عليها الشهداء والصديقون، ثم جاء أهل الجنة، فجلسوا من ورائهم على تلك الكتب، فيقول الله : أنا ربكم قد صدقتكم وعدي؛ فاسألوني أعطكم. فيقولون: ربنا نسألك رضوانك، فيقول: قد رضيت عنكم، ولكم ما تمنيتم، ولدي مزيد. فهم يحبون يوم الجمعة مما يعطيهم فيه ربهم من الخير، وهو اليوم الذي استوى فيه ربك على العرش، وفيه خلق آدم، وفيه تقوم الساعة (٣) ولهذا الحديث عدة طرق جمعها أبو بكر بن أبي داود في جزء. وفي (سنن ابن ماجه) من حديث جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : «بينما أهل الجنة في نعيمهم، إذ سطع لهم نور، فرفعوا رؤوسهم، فإذا الرب تعالى قد أشرف عليهم من فوقهم، فقال: السلام عليكم يا أهل الجنة. قال: وذلك قوله تعالى: ﴿سَلَامٌ قولًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ [يس: ٥٨] قال: فينظر إليهم وينظرون إليه، فلا يلتفتون إلى شيء من النعيم ما داموا ينظرون إليه، حتى يحتجب عنهم، ويبقى نوره وبركته عليهم في ديارهم» (٤) وفي «الصحيحين» من حديث أبي صالح عن

стр. 1761

أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب ولا يصعد إلى الله إلا الطيب، فإن الله يتقبلها بيمينه، ثم يربيها لصاحبها، كما يربي أحدكم فلوه حتى تكون مثل الجبل» (١). وفي «صحيح ابن حبان» عن أبي عثمان النهدي عن سلمان الفارسي عن النبي ﷺ قال: «إن ربكم حيي كريم، يستحيي من عبده إذا رفع إليه يديه أن يردهما صفرًا» (٢). وروى ابن وهب قال: أخبرني سعيد بن أبي أيوب عن زهرة بن معبد عن ابن عمر أخبره أنه سمع عقبة بن عامر يقول: قال رسول الله ﷺ : «من توضأ فأحسن وضوءه، ثم رفع نظره إلى السماء، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، فتحت له ثمانية أبواب الجنة (٣) يدخل من أيها شاء» (٤). وفي حديث الشفاعة الطويل عن أنس بن مالك عن النبي ﷺ قال: فأدخل على ربي ﵎ وهو على عرشه (٥). وذكر الحديث وفي بعض ألفاظ البخاري في «صحيحه»: «فأستأذن على ربي في داره فيؤذن لي عليه» (٦). قال عبد الحق في الجمع بين الصحيحين: «هكذا قال: «في داره» في المواضع الثلاث، يريد مواضع الشفاعات (٧) التي يسجد فيها ثم رفع رأسه». وروي عن ابن عمير الكندي عن علي أن رسول الله ﷺ حدث عن ربه قال: وعزتي وجلالي، وارتفاعي فوق عرشي، ما من أهل قرية ولا بيت ولا رجل (٨)

стр. 1762

ببادية كانوا على ما كرهت من معصيتي، فتحولوا عنها إلى ما أحببت من طاعتي، إلا تحولت لهم عما يكرهون من عذابي إلى ما يحبون من رحمتي (١). رواه ابن أبي شيبة في كتاب «العرش» وأبو أحمد العسال في كتاب «المعرفة» وصح عنه عن أبي هريرة بإسناد مسلم قال: قال رسول الله ﷺ : «إن لله ملائكة سيارة يتبعون مجالس الذكر، فإذا وجدوا مجلس ذكر جلسوا معهم، فإذا تفرقوا صعدوا إلى ربهم». وأصل الحديث في صحيح مسلم ولفظه: «فإذا تفرقوا صعدوا إلى السماء، فيسألهم الله وهو أعلم بهم: من أين جئتم؟ … » (٢) الحديث. وذكر الدارقطني في كتاب: «نزول الرب كل ليلة إلى سماء الدنيا» من حديث عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله ﷺ يقول: «ينزل الله كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر، فيقول: ألا عبد من عبادي يدعوني فأستجيب له، ألا ظالم لنفسه يدعوني فأفكه؛ فيكون كذلك إلى مطلع الصبح، ويعلو على كرسيه» (٣). وعن جابر بن سليم قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن رجلًا ممن كان قبلكم لبس بردين، فتبختر فنظر الله إليه من فوق عرشه؛ فمقته، فأمر الأرض فأخذته فهو يتجلجل فيها» (٤) رواه الدارمي عن سهل بن بكار

стр. 1763

أحد شيوخ البخاري وله شاهد في «صحيح البخاري» من حديث أبي هريرة (١). وعن عمران بن حصين قال: قال رسول الله ﷺ : «اقبلوا البشرى يا بني تميم قالوا: بشرتنا فأعطنا. قال: اقبلوا البشرى يا أهل اليمن، إذ لم يقبلها بنو تميم قالوا: قد بشرتنا فأقض لنا على هذا الأمر، كيف كان الله على العرش، وكان قبل كل شيء، وكتب في اللوح المحفوظ كل شيء يكون»، حديث صحيح أصله في البخاري (٢). وروى الخلال في «كتاب السنة» بإسناد صحيح على شرط البخاري عن قتادة بن النعمان قال: سمعت رسول الله ﷺ ، يقول: «لما فرغ الله من خلقه استوى على عرشه» (٣). وفي قصة وفاة النبي ﷺ من حديث جابر أن النبي ﷺ قال لعلي: «إذا أنا مت فاغسلني أنت، وابن عباس يصب الماء، وجبرائيل ثالثكما، وكفني في ثلاثة أثواب بيض جدد، وضعوني في المسجد؛ فإن أول من يصلي علي الرب من فوق عرشه» (٤)، وقد روى في حديث خطبة علي لفاطمة أن

стр. 1764

النبي ﷺ لما استأذنها قالت: يا أبت كأنك إنما ادخرتني لفقير قريش، فقال: «والذي بعثني بالحق نبيًا ما تكلمت بهذا حتى أذن الله فيه من السماء» فقالت: رضيت بالله وبما رضي الله لي (١). وفي «مسند الإمام أحمد» من حديث ابن عباس قصة الشفاعة الحديث بطوله مرفوعًا، وفيه: «فآتي الرب فأجده على كرسيه، أو سريره جالسًا» (٢). وعن أنس بن مالك قال: حدثنا رسول الله ﷺ قال: «يأتوني فأمشي بين أيديهم حتى آتي باب الجنة، وللباب (٣) مصراعان من ذهب، مسيرة ما بينهما خمسمائة عام» قال معبد: فكأني أنظر إلى أصابع أنس حين فتحها، يقول: مسيرة ما بينهما خمسمائة عام: «فأستفتح فيؤذن لي، فأدخل على ربي فأجده قاعدًا على كرسي العز، فأخر له ساجدًا» رواه خُشَيش بن أصرم النسائي (٤) (كذا) في «كتاب السنة له». وذكر عبد الرزاق عن ابن المسيب، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: «إن الله له ينزل إلى سماء الدنيا، وله في كل سماء كرسي، فإذا نزل إلى سماء الدنيا، جلس على كرسيه، ثم يقول: من ذا الذي يقرض غير عديم ولا ظلوم؟ من ذا الذي يستغفرني فأغفر له؟ من ذا الذي يتوب فأتوب عليه؟ فإذا كان

стр. 1765

عند الصبح، ارتفع فجلس على كرسيه (١) رواه أبو عبد الله في «مسنده»، وروي عن سعيد مرسلًا وموصلًا، قال الشافعي رحمه الله تعالى: «مرسل سعيد عندنا حسن» (٢).

стр. 1766

وعن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا جمع الله الخلائق حاسبهم، فيميز بين أهل الجنة وأهل النار، وهو في جنته على عرشه (١)». قال محمد بن عثمان الحافظ: هذا حديث صحيح، وعن جابر بن سليم قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن رجلا ممن كان قبلكم لبس بردين، فنظر الله إليه من فوق عرشه، فمقته فأمر الأرض فأخذته (٢)» حديث صحيح. وروى عبد الله بن بكر السهمي وذكر سنده إلى عبد الله بن عمر ﵄ قال: كنا جلوسا ذات يوم بفناء رسول الله ﷺ ، إذ مرت بنا امرأة من بنات رسول الله ﷺ ، فقال رجل من القوم: هذه ابنة رسول الله ﷺ ، فقال أبو سفيان: ما مثل محمد في بني هاشم إلا كمثل ريحانة في وسط الزبل، فسمعته تلك المرأة، فأبلغته رسول الله ﷺ ، فخرج رسول الله ﷺ أحسبه قال: مغضبا - فصعد على منبره، وقال: «ما بال أقوال تبلغني عن أقوام، إن الله خلق سبع سموات، فاختار العليا، فأسكنها من شاء من خلقه، وخلق أرضين سبعا، فاختار السكنى فيها من خلقه، واختار خلقه فاختارني بني آدم، فاختار العرب، فاختار مضر، فاختار قريشا، فاختار بني هاشم، فاختارني، فلم أزل من خيار في خيار، ألا من أحب قريشا (٣) فبحبي أحبهم، ومن أبغض قريشا فببغضي أبغضهم (٤)». وروى الإمام أحمد من حديث ابن أبي ذئب بسنده إلى أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «إن الميت تحضره الملائكة، فإذا كان الرجل الصالح، قالوا: اخرجي أيتها النفس الطيبة، كانت في الجسد الطيب، اخرجي حميدة، وأبشري بروح وريحان ورب غير غضبان، فلا يزال يقال لها ذلك حتى ينتهي بها إلى السماء التي فيها الله تعالى، وإذا كان الرجل السيء؛ قالوا: اخرجي أيتها النفس

стр. 1767

الخبيثة، كانت في الجسد الخبيث، اخرجي ذميمة وأبشري بحميم وغساق، وآخر من شكله أزواج. فلا يزال يقال لها ذلك حتى تخرج، ثم يعرج بها إلى السماء، فيستفتح لها فيقال: من هذا؟ فيقال: فلان، فيقال: لا مرحبًا بالنفس الخبيثة كانت في الجسد الخبيث، ارجعي ذميمة، فإنه لا يفتح لك أبواب السماء، فترسل من السماء ثم تصير إلى القبر (١). وروى الإمام أحمد في مسنده من حديث البراء بن عازب قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في جنازة رجل من الأنصار، وانتهينا إلى القبر ولم يلحد، فجلس رسول الله ﷺ وجلسنا حوله كأن على رؤوسنا الطير، وفي يده عود ينكت به الأرض، فرفع رأسه، فقال: «استعيذوا بالله من عذاب القبر» مرتين أو ثلاثًا ثم قال: «إن العبد المؤمن إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة، نزل إليه ملائكة من السماء، بيض الوجوه، كأن وجوههم الشمس، معهم كفن من أكفان الجنة وحنوط من حنوط الجنة، حتى يجلسوا منه مد البصر، ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه، فيقول: أيتها النفس الطيبة، اخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان، قال: فتخرج فتسيل كما تسيل القطرة من السقاء، فيأخذها فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يأخذوها فيجعلوها في ذلك الكفن، وفي ذلك الحنوط، ويخرج منها كأطيب نفحة مسك على وجه الأرض، قال: فيصعدون بها فلا يمرون على ملأ من الملائكة إلا قالوا: ما هذه الروح الطيبة؟ فيقولون: فلان ابن فلان، بأحسن أسمائه التي كانوا يسمونه في الدنيا، حتى ينتهوا إلى سماء الدنيا، فيستفتحون له، فيشيعه من كل سماء مقربوها إلى السماء التي تليها، حتى ينتهوا بها إلى السماء السابعة، فيقول الله تعالى: اكتبوا كتاب عبدي في عليين، وأعيدوه إلى الأرض، فإني منها خلقتهم وفيها أعيدهم ومنها أخرجهم تارة أخرى.

стр. 1768

قال: «فتعاد روحه في جسده، فيأتيه ملكان؛ فيجلسانه فيقولان له: من ربك؟ فيقول: ربي الله. فيقولان: ما دينك؟ فيقول: ديني الإسلام فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هو رسول الله. فيقولان له: وما علمك؟ فيقول: قرأت كتاب الله وآمنت به وصدقت. فينادي مناد من السماء: أن صدق عبدي فأفرشوه من الجنة، وألبسوه من الجنة، وافتحوا له بابًا إلى الجنة. قال: فيأتيه من روحها وطيبها ويفسح له في قبره مد البصر، قال: ويأتيه رجل من أحسن الناس وجهًا، حسن الثياب، طيب الرائحة، فيقول: أبشر بالذي يسرك، فهذا يومك الذي كنت توعد. فيقول له: من أنت؟ فوجهك وجه الذي يأتي بالخير، فيقول: أنا عملك الصالح، فيقول: رب أقم الساعة حتى أرجع إلى أهلي ومالي» (١). وذكر الحديث وهو صحيح صححه جماعة من الحفاظ.

стр. 1769

وقال عثمان بن سعيد الدارمي الإمام الحافظ أحد أئمة الإسلام بسنده إلى ابن عباس: أن رسول الله ﷺ قال: «لما أسري بي مررت برائحة طيبة، فقلت: يا جبرائيل ما هذه الرائحة الطيبة؟ قال: هذه رائحة ماشطة ابنة فرعون وأولادها، كانت تمشطها فوقع المشط من يدها، فقالت: بسم الله تعالى، فقالت ابنته: أبي! قالت: لا، ولكن ربي ورب أبيك الله، فقالت: أخبر بذلك أبي. قالت: نعم، فأخبرته فدعا بها، فقال: من ربك هل لك رب غيري؟ قالت: ربي وربك الله الذي في السماء. فأمر بنقرة من نحاس فأحميت، ثم دعا بها وبولدها فألقاهما فيها» (١)، وساق الحديث بطوله وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «كان ملك الموت يأتي الناس عيانًا؛ فأتى موسى فلطمه، فذهب بعينه، فعرج إلى ربه، فقال: بعثتني إلى موسى فلطمني، فذهب بعيني، ولولا كرامته عليك لشققت عليه، فقال: ارجع إلى عبدي فقل له: فليضع يده على ثور فله بكل شعرة توارت بيده سنة يعيشها، فأتى فبلغه ما أمره به، فقال: ما بعد ذلك، قال: الموت، قال: الآن، فشمه شمة قبض روحه فيها، ورد الله على ملك الموت بصره (٢) هذا حديث صحيح وشاهده في الصحيحين» (٣).

стр. 1770

وقال أيضا: بسنده إلى أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «لما ألقي إبراهيم في النار، قال: اللهم إنك في السماء واحد وأنا في الأرض واحد أعبدك» (١). وعن ابن عباس يرفعه: «عجبت من ملكين نزلا يلتمسان عبدا في مصلاه، كان يصلي فيه فلم يجداه، فعرجا إلى الله فقالا: يا ربنا عبدك فلان كنا نكتب له من العمل، فوجدناه قد حبسته في حبالك، فقال: اكتبوا لعبدي عمله الذي كان يعمل» رواه ابن أبي الدنيا (٢)، وله شاهد في البخاري (٣). وفي حديث عبد الله بن أنيس الأنصاري الذي رحل إليه جابر بن عبد الله من المدينة إلى مصر حتى سمع منه، وقال له: بلغني أنك تحدث بحديث في القصاص عن رسول الله ﷺ لم أشهده وليس أحد أحفظ له منك، قال: نعم، سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الله يبعثكم يوم القيامة حفاة عراة غرلا بهما، ثم يجمعكم ثم ينادي وهو قائم على عرشه» (٤) وذكر الحديث، احتج به أئمة أهل السنة؛ أحمد بن حنبل وغيره.

стр. 1771

وروى الحارث بن أبي أسامة في «مسنده» بسنده عن معاذ بن جبل عن النبي ﷺ قال: «إن الله ليكره في السماء أن يخطأ أبو بكر في الأرض» (١) ولا تعارض بين هذا الحديث وبين قول النبي ﷺ له في حديث الرؤيا: «أصبت بعضا وأخطأت بعضا» (٢) لوجهين؛ أحدهما: إن الله يكره تخطئة غيره من آحاد الأمة (٣) لا تخطئة الرسول ﷺ له في أمر ما، فإن الحق والصواب مع رسول الله ﷺ قطعا بخلاف غيره من الأمة، فإنه إذا أخطأ (٤) الصديق لم يتحقق أن الصواب معه، بل ما تنازع الصديق وغيره في أمر ما إلا وكان الصواب مع الصديق. الثاني: إن التخطئة هنا نسبة إلى الخطأ العمد الذي هو الإثم، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا﴾ [الإسراء: ٣١] لا من الخطأ الذي هو ضد العلم والتعمد، والله أعلم. وروى أبو نعيم بسنده إلى ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : «إن العبد ليشرف على حاجة من حاجات الدنيا، فيذكره الله من فوق سبع سموات، فيقول: ملائكتي إن عبدي هذا قد أشرف على حاجة من حاجات الدنيا، فإن فتحتها له فتحت له بابا إلى النار» (٥) الحديث. وفي «مسند الإمام أحمد» من حديث أسامة بن زيد قال: قلت يا رسول الله ما أراك تصوم من شهر من الشهور ما تصوم من شعبان؟ قال: «ذلك شهر يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان، وهو شهر ترفع فيه الأعمال إلى رب العالمين ، فأحب أن يرفع عملي وأنا صائم» (٦). وقال أبو بكر بن أبي شيبة بسنده إلى حسان بن ثابت أنه أنشد النبي ﷺ :

стр. 1772

شَهِدتُ بإذن الله أن محمدًا … رسولُ الذي فوق السموات مِنْ عَلُ وأن أخا الأحقاف إذ قام فيهم (١) … يقول بذات (٢) الله فيهم ويعدل وأن أبا يحيى ويحيى كلاهما … له عَمَلٌ من ربه (٣) مُتَقَبَّلُ (٤) قال شيخ الإسلام، وذكر سنده إلى ابن عباس، إن اليهود أتو النبي ﷺ فسألوه عن خلق السموات والأرض … فذكر حديثًا طويلًا قالوا: ثم ماذا يا محمد، قال: ثم استوى على العرش قالوا: أصبت يا محمد لو أتممت، ثم استراح، فغضب غضبًا شديدًا، فأنزل الله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ (٥) [ق: ٣٨]. فصل فيما حفظ عن أصحاب رسول الله ﷺ والتابعين والأئمة الأربعة وغيرهم من ذلك قول أبي بكر الصديق: قال أبو بكر بن أبي شيبة بسنده عن ابن عمر قال: لما قبض رسول الله ﷺ قال أبو بكر: أيها الناس إن كان محمد إلهكم فإن

стр. 1773

محمدًا قد مات، وإن كان الله إلهكم الذي في السماء، فإن إلهكم لم يمت، ثم تلا: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ [آل عمران: ٣٤٤] حتى ختم الآية (١). وقال البخاري في «تاريخه» بسنده إلى ابن عمر قال: لما قبض النبي ﷺ دخل أبو بكر فانكب عليه وقبل جبهته، وقال: «بأبي أنت وأمي طبت حيًا وميتًا، وقال: من كان يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله في السماء حي لا يموت» (٢). وفي «صحيح البخاري» من حديث سهل بن سعد الساعدي: «إن رسول الله ﷺ ذهب إلى بني عمرو بن عوف، ليصلح بينهم، فحانت الصلاة فجاء المؤذن إلى أبي بكر … » فذكر الحديث، وفيه: «إن رسول الله ﷺ أشار إلى أبي بكر، أن امكث مكانك، فرفع أبو بكر يديه، فحمد الله على ما أمره به رسول الله ﷺ ثم استأخر» (٣) فذكره اهـ. قول عمر بن الخطاب: قال إسماعيل عن قيس قال: «لما قدم عمر الشام استقبله الناس، وهو على بعيره فقالوا: يا أمير المؤمنين لو ركبت برذونًا ليلقاك عظماء الناس ووجوههم، فقال عمر: ألا أراكم ههنا، إن الأمر من ههنا، وأشار بيده إلى السماء» (٤). وقال عثمان بن سعيد الدارمي بسنده إلى أبي يزيد المدني (٥)

стр. 1774

قال: لقيت امرأة عمر بن الخطاب يقال لها: خولة بنت ثعلبة، وهو يسير مع الناس، فاستوقفته فوقف لها ودنا منها وأصغى لها حتى قضيت حاجتها وانصرفت، فقال له رجل: يا أمير المؤمنين حبست رجالًا من قريش على هذه العجوز! قال: «ويْلك تدري من هذه» قال: لا، قال: «هذه امرأة سمع الله شكواها من فوق سبع سموات هذه خولة بنت ثعلبة، والله لو لم تنصرف عني إلى الليل ما انصرفت حتى تقضي حاجتها، إلا أن تحضرني صلاة فأصليها، ثم أرجع إليها حتى تقضي حاجتها» (١). وقال خليد بن دعلج عن قتادة قال: خرج عمر بن الخطاب من المسجد ومعه جارود العبدي، فإذا بامرأة برزة على ظهر الطريق، فسلم عليها عمر فردت ﵇، وقالت: إيهًا يا عمر! عهدتك يا عمر وأنت تُسمى عميرًا في سوق عكاظ، تزع الصبيان بعصاك، فلم تذهب الأيام حتى سميت عمر، ولم تذهب الأيام حتى سميت أمير المؤمنين، فاتق الله في الرعية، واعلم أنه من خاف الوعيد قرب عليه البعيد، ومن خاف الموت خشي الفوت، فقال الجارود: لقد اجترأت أيتها المرأة على أمير المؤمنين، فقال عمر: «دعها، أما تعرفها؟! هذه خولة بنت حكيم التي سمع الله شكواها من فوق سبع سموات» (٢). وقال ابن عبد البر: «وحدثنا (٣) من وجوه عن عمر بن الخطاب: أنه خرج ومعه الناس، فمر بعجوز فاستوقفته، فوقف لها وجعل يحدثها وتحدثه، فقال

стр. 1775

رجل: يا أمير المؤمنين حبست الناس على هذه العجوز، قال: ويحك تدري من هذه؛ هذه امرأة سمع الله شكواها من فوق سبع سموات … (١) الحديث. قول عبد الله بن مسعود: قال الدارمي بسنده إلى ابن مسعود قال: «ما بين السماء الدنيا والتي تليها خمسمائة عام، وبين كل سماء مسيرة خمسمائة عام، وبين السماء السابعة وبين الكرسي خمسمائة عام، وبين الكرسي إلى الماء مسيرة خمسمائة عام، والعرش على الماء، والله تعالى فوق العرش، وهو يعلم ما أنتم عليه» (٢). وروى الأعمش عن خيثمة عنه: «إن العبد ليهم بالأمر من التجارة والإجارة، حتى إذا تيسر له نظر الله إليه من فوق سبع سموات، فيقول للملك: اصرفه عنه، فيصرفه عنه» (٣). اهـ. قول عبد الله بن عباس: ذكر عبد الله بن أحمد بن حنبل في كتاب «السنة» من حديث سعيد (٤) بن جبير [عنه] قال: «تفكروا في كل شيء ولا تفكروا في ذات الله، فإن بين السموات السبع إلى كرسيه سبعة آلاف نور وهو فوق ذلك» (٥).

стр. 1776

وفي «مسند الحسن بن سفيان» و «كتاب عثمان بن سعيد الدارمي» من حديث عبد الله بن أبي مليكة أنه حدثه ذكوان قال: استأذن ابن عباس على عائشة وهي تموت، فقال: «كنت أحب نساء النبي ﷺ ولم يكن رسول الله ﷺ يحب إلا طيبا، وأنزل الله براءتك من فوق سبع سموات، جاء بها الروح الأمين، فأصبح ليس مسجد من مساجد الله يذكر فيها إلا وهو يتلى فيها آناء الليل وآناء النهار؟» (١). وذكر الطبري (٢) في «شرح السنة» من حديث سفيان عن أبي هشام، عن مجاهد قال: قيل لابن عباس: إن أناسا يكذبون بالقدر. قال: «يكذبون بالكتاب لئن أخذت شعر أحدهم لأنصونه (٣) إن الله كان على عرشه قبل أن يخلق شيئا فخلق الخلق فكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة، فإنما يجري الناس على أمر قد فرغ منه» (٤). وقال إسحاق بن راهويه أخبرنا إبراهيم بن الحكم بن أبان عن أبيه عن عكرمة في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ﴾ [الأعراف: ١٧] قال ابن عباس ﵄: «لم يستطع أن يقول: من فوقهم علم أن الله من فوقهم» (٥). اهـ.

стр. 1777

قول عائشة: قال الدارمي بسنده إلى عائشة قالت: «وايم الله! إني لأخشى لو كنتُ أحبُّ قتله لقتلته - تعني عثمان - ولكن علم الله من فوق عرشه أني لم أحب قتله» (١). اهـ. قول زينب بنت جحش أم المؤمنين في «الصحيحين» من حديث أنس قال: كانت زينب تفتخر على أزواج النبي ﷺ ، وتقول: «زوجكن أهاليكن، وزوجني الله من فوق سبع سموات» (٢). وفي لفظ غيرهما: كانت تقول: «زوجنيك الرحمن من فوق عرشه، كان جبرائيل السفير بذلك، وأنا ابنة عمتك». اهـ (٣). قول أبي أمامة الباهلي: قال أبو أمامة الباهلي: «لعن الله إبليس وأخرجه من سمواته وأخزاه، قال: رب أخزيتني ولعنتني وطردتني عن سمواتك وجوارك! فوعزتك لأغوين خلقك ما دامت الأرواح في أجسادهم! فأجابه الرب ﵎، فقال: وعزتي وجلالي وارتفاعي على عرشي، لو أن عبدي أذنب حتى ملأ الأرض خطايا، ثم لم يبق من عمره إلا نفس واحد فندم على ذنوبه لغفرتها، وبدلت سيئاته كلها حسنات وقد روى هذا المتن مرفوعًا (٤). قول الصحابة كلهم: قال يحيى بن سعيد الأموي في «مغازيه» بسنده إلى عدي بن عميرة قال: «خرجت مهاجرًا إلى النبي ﷺ … » فذكر قصة طويلة، وقال فيها: «فإذا هو ومن معه يسجدون على وجوههم، ويزعمون أن إلههم في السماء، فأسلمت وتبعته» (٥).

стр. 1778

ذِكرُ أَقوَالِ التَّابِعِينَ: قول (١) مسروق ﵀ قال علي بن الأقمر: كان مسروق إذا حدَّث عن عائشة قال: حدثتني الصديقة بنت الصديق، حبيبة حبيب الله ﷺ ، المبرأة من فوق سبع سموات. اهـ (٢). قول عكرمة: قال سلمة بن شعيب بسنده إلى عكرمة قال: بينما رجل مستلق على متنه في الجنة، فقال في نفسه لم يحرك شفتيه: لو أن الله يأذن لي لزرعت في الجنة، فلم يعلم إلا والملائكة على أبواب جنته، قابضين على أكفهم فيقولون: سلام عليك، فاستوى قاعدًا، فقالوا له: يقول لك ربك: تمنيت شيئًا في نفسك قد علمه وقد بعث معنا هذا البذر، يقول لك: ابذر فألقى يمينًا وشمالًا وبين يديه وخلفه، فخرج أمثال الجبال على ما كان تمنى وزاد، فقال له الرب من فوق عرشه: كل يا ابن آدم، فإن ابن آدم لا يشبع (٣). قول قتادة رحمه الله تعالى: قال الدارمي بسنده إلى قتادة قال: «قالت بنو إسرائيل: يا رب أنت في السماء ونحن في الأرض، فكيف لنا أن نعرف رضاك وغضبك؟ قال: إذا رضيت استعملت عليكم خياركم، وإذا غضبت عليكم استعملت شراركم» (٤).

стр. 1779

قول سليمان التيمي: قال ابن أبي خيثمة في «تاريخه» (١) بسنده إلى سليمان التيمي قال: «لو سئلت: أين الله؛ لقلت في: السماء» (٢). قول كعب الأحبار: قال الليث بن سعد بسنده إلى عطاء بن يسار قال: أتى رجل كعبًا وهو في نفر، فقال: يا أبا إسحاق حدثني عن الجبار، فأعظم القوم قوله، فقال كعب: «دعوا الرجل فإن كان جاهلًا تعلم، وإن كان عالمًا ازداد علمًا» ثم قال كعب: «أخبرك أن الله خلق سبع سموات ومن الأرض مثلهن، ثم جعل ما بين كل سماءين كما بين سماء الدنيا والأرض، وكثفهن مثل ذلك، ثم رفع العرش فاستوى عليه فوقه» (٣). وقال نعيم بن حماد بسنده عن كعب قال: قال الله في التوراة: «أنا فوق عبادي، وعرشي فوق جميع خلقي، وأنا على عرشي (٤) أدبر أمور عبادي، لا يخفى عليَّ شيء من أمر عبادي في سمائي ولا أرضي، وإليَّ مرجع خلقي فأنبئهم بما خفي عليهم من علمي، أغفر لمن شئت منهم بمغفرتي، وأعاقب من شئت بعقابي». اهـ (٥).

стр. 1780

قول مقاتل: ذكر البيهقي في «الأسماء والصفات» عن بكر بن معروف عن مقاتل: «بلغنا - والله أعلم - في قوله : ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ﴾ الأول: قبل كل شيء، والآخر: بعد كل شيء، والظاهر: فوق كل شيء، والباطن: أقرب من كل شيء، وإنما يعني القرب بعلمه وقدرته، وهو فوق عرشه، وهو بكل شيء عليم» (١). وبهذا الإسناد عنه في قوله تعالى: ﴿إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ﴾ يقول بعلمه وذلك قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ فيعلم نجواهم ويسمع كلامهم ثم ينبئهم يوم القيامة بكل شيء وهو فوق عرشه وعلمه معهم» (٢). اهـ. قول الضحاك: روى بكر بن معروف عن مقاتل بن حيان عنه: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ﴾ قال: «هو الله على العرش وعلمه معهم» (٣). قول التابعين جملة: روى البيهقي بإسناد صحيح إلى الأوزاعي قال: «كنا والتابعون متوافرون نقول: إن الله تعالى جل ذكره فوق عرشه، ونؤمن بما وردت السنة به من

стр. 1781

صفاته (١) قال شيخ الإسلام: «وإنما قال الأوزاعي ذلك بعد ظهور جهم المنكر لكون الله فوق عرشه والنافي لصفاته؛ ليعرف الناس أن مذهب السلف كان بخلاف قوله» (٢) وقال أبو عمر بن عبد البر في «التمهيد»: «وعلماء الصحابة والتابعين الذين حمل عنهم التأويل، قالوا في تأويل قوله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ﴾: هو على العرش وعلمه في كل مكان وما خالفهم أحد في ذلك يحتج به» (٣). قول الحسن: روى أبو بكر الهذيلي عن الحسن رحمه الله تعالى قال: «ليس شيء عند ربك من الخلق أقرب إليه من إسرافيل وبينه وبين ربه سبعة حجب، كل حجاب مسيرة خمسمائة عام، وإسرافيل، دون هؤلاء ورأسه تحت العرش ورجلاه في تخوم السابعة» (٤). اهـ. قول مالك بن دينار: ذكر أبو العباس السراج بسنده إلى جعفر قال: سمعت مالك بن دينار يقول: «إنَّ الصديقين إذا قرئ عليهم القرآن طربت قلوبهم إلى الآخرة، ثم يقول: خذوا فيقرؤون، ويقول: اسمعوا إلى قوله الصادق من فوق عرشه» (٥) وكان مالك بن دينار وغيره من السلف يذكرون هذا الأثر: «ابن آدم خيري إليك نازل، … وشرك إليَّ صاعد، أتحبَّب إليك بالنعم، وتتبغض إلي بالمعاصي، ولا يزال ملك كريم قد عرج إليَّ منك بعمل قبيح» (٦). اهـ.

стр. 1782

قول ربيعة بن عبد الرحمن شيخ مالك بن أنس قال يحيى بن آدم عن أبيه عن ابن عيينة قال: سئل ربيعة عن قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ قال: «الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، ومن الله تعالى الرسالة، وعلى الرسول ﷺ البلاغ، وعلينا التصديق». اهـ (١). قول عبد الله بن الكواء: ذكر الحافظ أبو القاسم ابن عساكر في «تاريخه» عن هشام بن سعد قال: قدم عبد الله بن الكواء على معاوية، فقال له: أخبرني عن أهل البصرة قال: يقاتلون معًا ويدبرون شتى قال: فأخبرني عن أهل الكوفة قال: أنظر الناس في صغيرة، وأوقعهم في كبيرة، قال: فأخبرني عن أهل المدينة قال: أحرص الناس على الفتنة وأعجزهم عنها، قال: فأخبرني عن أهل الموصل قال: قلادة وليدة فيها من كل شيء خرزة قال: فأخبرني عن أهل مصر قال: لقمة آكل، قال: فأخبرني عن أهل الجزيرة قال: كناسة بين مدينتين، قال: فأخبرني عن أهل الشام قال: جند أمير المؤمنين لا أقول فيهم شيئًا، قال: لتقولن. قال: أطوع الناس لمخلوق وأعصاهم لخالق ولا يحسبون للسماء ساكنًا (٢). اهـ.

стр. 1783

قول تابعي التابعين: ذكر قول عبد الله بن المبارك: روى الدارمي والحاكم والبيهقي وغيرهم بأصح إسناد إلى علي بن الحسن بن شقيق قال: سمعت عبد الله بن المبارك يقول: «نعرف ربنا بأنه فوق سبع سموات على العرش استوى، بائن من خلقه، ولا نقول كما قالت الجهمية. وفي لفظ آخر: قلت: كيف نعرف ربنا؟ قال: في السماء السابعة على عرشه، ولا نقول كما قالت الجهمية» (١). وقال الدارمي بسنده إلى ابن المبارك قال: قيل له: كيف نعرف ربنا قال: «بأنه فوق السماء السابعة على العرش بائن من خلقه» (٢). قول الإمام عثمان بن سعيد الدارمي: قال الإمام عثمان بن سعيد الدارمي «ومما يحقق قول ابن المبارك قول رسول الله ﷺ للجارية: «أين الله» ليمتحن بذلك إيمانها، فلما قالت: «في السماء» قال: «اعتقها فإنها مؤمنة» (٣). والآثار في ذلك عن رسول الله ﷺ كثيرة والحجج متظاهرة، والحمد لله على ذلك» (٤). ثم ساقها الدارمي. وذكر ابن خزيمة: عن ابن المبارك: أنه قال له رجل: يا أبا عبد الرحمن قد خفت من كثرة ما أدعو على الجهمية، قال: «لا تخف فإنهم يزعمون أن إلهك الذي في السماء ليس بشيء» (٥)، وصح عن ابن المبارك أنه قال: «إنا نستطيع أن نحكي كلام اليهود والنصارى، ولا نستطيع أن نحكي كلام الجهمية». اهـ (٦).

стр. 1784

قول الأوزاعي: قال أبو عبد الله الحاكم: أخبرني محمد بن علي الجوهري وذكر سنده إلى الأوزاعي أنه قال: كنا والتابعون متوافرون نقول: إن الله تعالى ذكره فوق العرش ونؤمن بما وردت به السنة (١) وهذا الأثر يدخل في حكاية مذهبه ومذهب التابعين فلذلك ذكرناه في الموضعين. اهـ. قول حماد بن زيد: قال إمام الأئمة محمد بن إسحاق بن خزيمة بسنده إلى حماد بن زيد أنه قال: «الجهمية إنما يحاولون أن يقولوا: ليس في السماء شيء (٢). قال شيخ الإسلام: (وهو) (٣) الذي كانت الجهمية يحاولونه (٤) قد صرح به المتأخرون منهم، وكان ظهور السنة وكثرة الأئمة في عصر أولئك يحول بينهم وبين التصريح به، فلما بعد العهد وخفيت السنة وانقرضت الأئمة صرحت الجهمية النفاة بما كان سلفهم يحاولونه، ولا يتمكنون من إظهاره» (٥). اهـ. قول سفيان الثوري: قال معدان سألت سفيان الثوري عن قوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ﴾ قال: «علمه» (٦).

стр. 1785

قول وهب بن جرير: قال الأثرم بسنده إلى وهب بن جرير يقول: «إنما تريد الجهمية إنه ليس في السماء شيء» (١)، قال: وقلت لسليمان بن حرب: أي شيء كان يقول حماد بن زيد في الجهمية؟ فقال: «كان يقول إنما يريدون أنه ليس في السماء شيء» (٢) اهـ. ذكر أقوال الأئمة الأربعة : قول الإمام أبي حنيفة: قال البيهقي بسنده إلى نوح بن أبي مريم؛ أبي عصمة يقول: كنا عند أبي حنيفة أول ما ظهر إذ جاءته امرأة من ترمذ كانت تجالس جهمًا، فدخلت الكوفة فقيل لها: إن ههنا رجلًا قد نظر في المعقول، يقال له: أبو حنيفة، فأتته فقالت: أنت الذي تعلم الناس المسائل وقد تركت دينك؛ أين إلهك الذي تعبده؟ فسكت عنها ثم مكث سبعة أيام لا يجيبها ثم خرج إلينا وقد وضع كتابًا: «إن الله في السماء دون الأرض» فقال له رجل: أرأيت قول الله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾ قال: «هو كما تكتب للرجل: إني معك وأنت عنه غائب» (٣) قال البيهقي: «لقد أصاب أبو حنيفة فيما نفى عن الله تعالى وتقدس من الكون في الأرض وفيما ذكر من تأويل الآية، وتبع مطلق السمع في قوله: إن الله في السماء» (٤). قال شيخ الإسلام وفي كتاب «الفقه الأكبر» المشهور عند أصحاب أبي حنيفة الذي رواه بإسناده عن أبي مطيع البلخي الحكم بن عبد الله قال: سألت أبا حنيفة عن الفقه الأكبر؟ قال: «لا تكفر أحدًا بذنب ولا تنف أحدًا من (٥) الإيمان وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك وما أخطأك لم يكن ليصيبك ولا تتبرأ من أحد من أصحاب رسول الله ﷺ ولا توال أحدًا دون أحد وأن ترد أمر عثمان وعلي إلى الله تعالى». قال أبو حنيفة: «الفقه الأكبر في الدين خير من الفقه في العلم، ولأن يتفقه الرجل كيف يعبد ربه

стр. 1786

خير من أن يجمع العلم الكثير. قال أبو مطيع. قلت: فأخبرني عن فضل الفقه (١) قال: يتعلم الرجل الإيمان والشرائع والسنن والحدود واختلاف الأئمة». وذكر مسائل في الإيمان، ثم ذكر مسائل في القدر، ثم قال: فقلت: فما تقول فيمن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر فيتبعه على ذلك ناس فيخرج عن الجماعة هل ترى ذلك؟ قال: «لا» قلت: ولم وقد أمر الله تعالى رسوله ﷺ بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهو فريضة واجبة؟ فقال: «كذلك (٢) لكن ما يفسدون أكثر مما يصلحون من سفك الدماء واستحلال الحرام وذكر الكلام في قتال الخوارج والبغاة» إلى أن قال: قال أبو حنيفة: «ومن قال: لا أعرف ربي في السماء أم في الأرض؟ فقد كفر لأن الله تعالى يقول: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ وعرشه فوق سبع سموات» (٣). قلت: فإن قال: إنه على العرش ولكنه يقول: لا أدري العرش في السماء أم في الأرض؟ قال: هو كافر؛ لأنه أنكر أن يكون في السماء، لأنه تعالى في أعلى عليين، وأنه يدعى من أعلى لا من أسفل. وفي لفظ سألت أبا حنيفة عمن يقول: لا أعرف ربي في السماء أم في الأرض! قال: فقد كفر لأن الله يقول: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ وعرشه فوق سبع سموات، قال: فإنه يقول: على العرش استوى ولكنه لا يدري العرش في الأرض أو في السماء، قال: إذا أنكر أنه في السماء فقد كفر. وروي هذا عن شيخ الإسلام أبي إسماعيل الأنصاري في كتابه: «الفاروق» بإسناده (٤). قال شيخ الإسلام أبو العباس أحمد (٥) رحمه الله تعالى: «ففي هذا الكلام المشهور عن أبي حنيفة ﵀ عند أصحابه أنه كفر الواقف الذي يقول: لا أعرف ربي في السماء أم في الأرض؟ فكيف يكون الجاحد النافي الذي يقول: ليس في السماء ولا في الأرض. واحتج على كفره بقوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ وقال: وعرشه فوق سبع سموات وبين بهذا أن قوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ بين في أن الله (٦).

стр. 1787

فوق السموات فوق العرش وأن الاستواء على العرش» (١). ثم أردف ذلك بكفر من توقف في كون العرش في السماء أو في الأرض قال: لأنه أنكر أن يكون في السماء وأن الله في أعلى عليين، وأن الله يدعى من أعلى لا من أسفل واحتج بأن الله في أعلى عليين وأنه يدعى من أعلى لا من أسفل، وكل من هاتين الحجتين فطرية (٢) عقلية، فإن القلوب مفطورة على الإقرار بأن الله في العلو، وعلى أنه يدعى من أعلى لا من أسفل، وكذلك أصحابه من بعده كأبي يوسف وهشام بن عبيد الله الرازي كما روى ابن أبي حاتم وشيخ الإسلام بأسانيدهما أن هشام بن عبيد الله الرازي صاحب محمد بن الحسن قاضي الري حبس رجلًا في التجهم فتاب، فجيء به إلى هشام؛ ليمتحنه، فقال: الحمد لله على التوبة، فامتحنه هشام، فقال: «أتشهد (٣) أن الله على عرشه بائن من خلقه؟» فقال: أشهد أن الله على عرشه، ولا أدري ما بائن من خلقه، فقال: «ردوه إلى الحبس فإنه لم يتب» (٤). وسيأتي قول الطحاوي عند أقوال أهل الحديث. قول إمام دار الهجرة مالك بن أنس: ذكر أبو عمر ابن عبد البر في كتاب «التمهيد» بسنده إلى مالك بن أنس أنه قال: «الله في السماء، وعلمه في كل مكان لا يخلو منه مكان» قال: وقيل لمالك: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ كيف استوى؟ فقال مالك رحمه الله تعالى: «الاستواء معقول، وكيفيته مجهولة، وسؤالك عن هذا بدعة، وأراك رجل سوء» (٥). وكذلك أئمة أصحاب مالك من بعده، قال يحيى بن إبراهيم الطليطلي في كتاب «سير الفقهاء» - وهو كتاب جليل غزير العلم (٦) - بسنده إلى إبراهيم، قال:

стр. 1788

«كانوا يكرهون قول الرجل: يا خيبة الدهر، وكانوا يقولون: الله هو الدهر. وكانوا يكرهون قول الرجل: رغم أنفي الله، وإنما يرغم أنف الكافر، وكانوا يكرهون قول: لا والذي خاتمه على فمي، وإنما يختم على فم الكافر، وكانوا يكرهون قول الرجل: والله حيث كان أو إن الله بكل مكان، قال أصبغ وهو مستو على عرشه وبكل مكان علمه وإحاطته، وأصبغ من أجل أصحاب مالك وأفقههم». اهـ. ذكر قول أبي عمرو الطَّلَمَنْكي: قال في كتابه في «الأصول» (١): «أجمع المسلمون من أهل السنة على أن الله على عرشه بذاته» (٢) وقال في هذا الكتاب أيضًا: «أجمع أهل السنة على أنه تعالى استوى على عرشه على الحقيقة لا على المجاز» (٣) ثم ساق بسنده عن مالك قوله: «الله في السماء وعلمه في كل مكان» (٤) ثم قال في هذا الكتاب: «وأجمع المسلمون من أهل السنة على أن معنى قوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ﴾ [الحديد: ٤] ونحو ذلك من القرآن بأن ذلك علمه، وأن الله فوق السموات بذاته، مستو على عرشه كيف شاء» (٥) وهذا لفظه (٦) في كتابه. اهـ. قول الإمام الحافظ أبي عمر بن عبد البر إمام السنة في زمانه: قال في كتاب «التمهيد» في شرح (الحديث الثامن) لابن شهاب عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «ينزل ربنا في كل ليلة إلى سماء الدنيا، حين يبقى ثلث الليل الآخر، فيقول: من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له» (٧). هذا الحديث ثابت من جهة النقل، صحيح الإسناد لا يختلف أهل

стр. 1789

الحديث في صحته، وفيه دليل على أن الله في السماء على عرشه من فوق سبع سموات كما قالت الجماعة، وهو حجتهم على المعتزلة والجهمية في قولهم: إن الله في كل مكان وليس على العرش، والدليل على صحة ما قال أهل الحق في ذلك: قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾، وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِي وَلَا شَفِيعٍ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ﴾، وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ﴾، وقوله تعالى: ﴿إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا﴾، وقوله تبارك اسمه: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾، وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾، وقوله تعالى: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ﴾، وقوله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ وهذا من العلو، وكذلك قوله: ﴿الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ و ﴿الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ﴾ و ﴿رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ﴾ و ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ والجهمي يقول: إنه أسفل، وقوله تعالى: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ﴾، وقوله: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ والعروج هو الصعود، وقوله تعالى: ﴿يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾، وقوله تعالى: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾، وقوله تعالى: ﴿فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ﴾، وقوله تعالى: ﴿لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ (٢) مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ﴾ ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ والعروج هو الصعود، وأما قوله: ﴿أَأَمِنتُم مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ فمعناه من على السماء يعني على العرش، وقد يكون «في» بمعنى «على» ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ﴾ أي: على الأرض، وكذلك قوله تعالى: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾، وقوله تعالى: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾. وما كان مثله مما تلونا من الآيات في هذا الباب وهذه الآيات كلها واضحات في بطلان أقوال المعتزلة. وأما ادعاؤهم المجاز في الاستواء وقولهم في تأويل استوى فلا معنى له؛ لأنه غير ظاهر في اللغة؛ ومعنى الاستيلاء في اللغة المغالبة والله تعالى لا يغالبه أحد وهو الواحد الصمد، ومن حق الكلام أن يحمل على حقيقته، حتى تتفق الأمة أنه أريد به المجاز، إذ لا سبيل إلى اتباع ما أنزل إلينا من ربنا تعالى إلا على ذلك، وإنما يوجه كلام الله على الأشهر والأظهر من وجوهه ما لم يمنع من ذلك، ما يجب له التسليم، ولو ساغ ادعاء المجاز لكل مدع ما ثبت شيء من العبادات (١)، وجل الله أن يخاطب إلا بما

стр. 1790

تفهمه العرب من معهود مخاطباتها مما يصح معناه عند السامعين، والاستواء معلوم في اللغة مفهوم، وهو العلو والارتفاع على الشيء والاستقرار والتمكن فيه، قال أبو عبيدة في قوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ قال: «علا، قال: وتقول العرب: استويت فوق الدابة واستويت فوق البيت، وقال غيره: استوى أي: استقر واحتج بقوله تعالى: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى﴾. انتهى شبابه واستقر فلم يكن في شبابه مزيد» (١). قال ابن عبد البر: «الاستواء الاستقرار في العلو، وبهذا خاطبنا الله تعالى في كتابه فقال: ﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ، ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ﴾ وقال تعالى: ﴿وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ﴾ وقال تعالى: ﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ﴾ وقال الشاعر: فأوردتهم ماء بفيفاء قفرة … وقد حلق النجم اليماني فاستوى (٢) وهذا لا يجوز أن يتأول فيه أحد: «استولى» لأن النجم لا يستولي، وقد ذكر النضر بن شميل - وكان ثقة مأمونًا جليلًا في علم الديانة واللغة - قال: حدثني الخليل - وحسبك بالخليل -، قال: أتيت أبا ربيعة الأعرابي - وكان من أعلم ما رأيت - فإذا هو على سطح، فسلمنا، فرد علينا السلام، وقال: استووا فبقينا متحيرين ولم ندر ما قال، فقال لنا أعرابي إلى جانبه إنه أمركم أن ترتفعوا، فقال الخليل: هو من قول الله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ﴾ فصعدنا إليه قال: وأما من نازع منهم بحديث يرويه عبد الله بن داود (٣) الواسطي بسنده إلى ابن عباس في قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ قال: [استولى] (٤) على جميع بريته فلا يخلو منه مكان»، فالجواب: أن هذا الحديث منكر، ونقلته مجهولون وضعفاء. فأما عبد الله بن داود الواسطي وعبد الوهاب بن مجاهد فضعيفان، وإبراهيم بن عبد الصمد مجهول لا يعرف، وهم لا يقبلون أخبار الأحاد العدول فكيف يسوغ لهم الاحتجاج بمثل هذا الحديث لو عقلوا وأنصفوا؟! أما سمعوا الله سبحانه حيث يقول: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَاهَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (٣٦) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّه
следующие страницы →