← Акыда

Акыда · id 30197

سبيل الرشاد في هدي خير العباد

محمد تقي الدين الهلالي

Полный текст (2 277 стр.). Показаны 1786–1825 · переход к 1791.

стр. 1786

خير من أن يجمع العلم الكثير. قال أبو مطيع. قلت: فأخبرني عن فضل الفقه (١) قال: يتعلم الرجل الإيمان والشرائع والسنن والحدود واختلاف الأئمة». وذكر مسائل في الإيمان، ثم ذكر مسائل في القدر، ثم قال: فقلت: فما تقول فيمن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر فيتبعه على ذلك ناس فيخرج عن الجماعة هل ترى ذلك؟ قال: «لا» قلت: ولم وقد أمر الله تعالى رسوله ﷺ بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهو فريضة واجبة؟ فقال: «كذلك (٢) لكن ما يفسدون أكثر مما يصلحون من سفك الدماء واستحلال الحرام وذكر الكلام في قتال الخوارج والبغاة» إلى أن قال: قال أبو حنيفة: «ومن قال: لا أعرف ربي في السماء أم في الأرض؟ فقد كفر لأن الله تعالى يقول: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ وعرشه فوق سبع سموات» (٣). قلت: فإن قال: إنه على العرش ولكنه يقول: لا أدري العرش في السماء أم في الأرض؟ قال: هو كافر؛ لأنه أنكر أن يكون في السماء، لأنه تعالى في أعلى عليين، وأنه يدعى من أعلى لا من أسفل. وفي لفظ سألت أبا حنيفة عمن يقول: لا أعرف ربي في السماء أم في الأرض! قال: فقد كفر لأن الله يقول: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ وعرشه فوق سبع سموات، قال: فإنه يقول: على العرش استوى ولكنه لا يدري العرش في الأرض أو في السماء، قال: إذا أنكر أنه في السماء فقد كفر. وروي هذا عن شيخ الإسلام أبي إسماعيل الأنصاري في كتابه: «الفاروق» بإسناده (٤). قال شيخ الإسلام أبو العباس أحمد (٥) رحمه الله تعالى: «ففي هذا الكلام المشهور عن أبي حنيفة ﵀ عند أصحابه أنه كفر الواقف الذي يقول: لا أعرف ربي في السماء أم في الأرض؟ فكيف يكون الجاحد النافي الذي يقول: ليس في السماء ولا في الأرض. واحتج على كفره بقوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ وقال: وعرشه فوق سبع سموات وبين بهذا أن قوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ بين في أن الله (٦).

стр. 1787

فوق السموات فوق العرش وأن الاستواء على العرش» (١). ثم أردف ذلك بكفر من توقف في كون العرش في السماء أو في الأرض قال: لأنه أنكر أن يكون في السماء وأن الله في أعلى عليين، وأن الله يدعى من أعلى لا من أسفل واحتج بأن الله في أعلى عليين وأنه يدعى من أعلى لا من أسفل، وكل من هاتين الحجتين فطرية (٢) عقلية، فإن القلوب مفطورة على الإقرار بأن الله في العلو، وعلى أنه يدعى من أعلى لا من أسفل، وكذلك أصحابه من بعده كأبي يوسف وهشام بن عبيد الله الرازي كما روى ابن أبي حاتم وشيخ الإسلام بأسانيدهما أن هشام بن عبيد الله الرازي صاحب محمد بن الحسن قاضي الري حبس رجلًا في التجهم فتاب، فجيء به إلى هشام؛ ليمتحنه، فقال: الحمد لله على التوبة، فامتحنه هشام، فقال: «أتشهد (٣) أن الله على عرشه بائن من خلقه؟» فقال: أشهد أن الله على عرشه، ولا أدري ما بائن من خلقه، فقال: «ردوه إلى الحبس فإنه لم يتب» (٤). وسيأتي قول الطحاوي عند أقوال أهل الحديث. قول إمام دار الهجرة مالك بن أنس: ذكر أبو عمر ابن عبد البر في كتاب «التمهيد» بسنده إلى مالك بن أنس أنه قال: «الله في السماء، وعلمه في كل مكان لا يخلو منه مكان» قال: وقيل لمالك: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ كيف استوى؟ فقال مالك رحمه الله تعالى: «الاستواء معقول، وكيفيته مجهولة، وسؤالك عن هذا بدعة، وأراك رجل سوء» (٥). وكذلك أئمة أصحاب مالك من بعده، قال يحيى بن إبراهيم الطليطلي في كتاب «سير الفقهاء» - وهو كتاب جليل غزير العلم (٦) - بسنده إلى إبراهيم، قال:

стр. 1788

«كانوا يكرهون قول الرجل: يا خيبة الدهر، وكانوا يقولون: الله هو الدهر. وكانوا يكرهون قول الرجل: رغم أنفي الله، وإنما يرغم أنف الكافر، وكانوا يكرهون قول: لا والذي خاتمه على فمي، وإنما يختم على فم الكافر، وكانوا يكرهون قول الرجل: والله حيث كان أو إن الله بكل مكان، قال أصبغ وهو مستو على عرشه وبكل مكان علمه وإحاطته، وأصبغ من أجل أصحاب مالك وأفقههم». اهـ. ذكر قول أبي عمرو الطَّلَمَنْكي: قال في كتابه في «الأصول» (١): «أجمع المسلمون من أهل السنة على أن الله على عرشه بذاته» (٢) وقال في هذا الكتاب أيضًا: «أجمع أهل السنة على أنه تعالى استوى على عرشه على الحقيقة لا على المجاز» (٣) ثم ساق بسنده عن مالك قوله: «الله في السماء وعلمه في كل مكان» (٤) ثم قال في هذا الكتاب: «وأجمع المسلمون من أهل السنة على أن معنى قوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ﴾ [الحديد: ٤] ونحو ذلك من القرآن بأن ذلك علمه، وأن الله فوق السموات بذاته، مستو على عرشه كيف شاء» (٥) وهذا لفظه (٦) في كتابه. اهـ. قول الإمام الحافظ أبي عمر بن عبد البر إمام السنة في زمانه: قال في كتاب «التمهيد» في شرح (الحديث الثامن) لابن شهاب عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «ينزل ربنا في كل ليلة إلى سماء الدنيا، حين يبقى ثلث الليل الآخر، فيقول: من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له» (٧). هذا الحديث ثابت من جهة النقل، صحيح الإسناد لا يختلف أهل

стр. 1789

الحديث في صحته، وفيه دليل على أن الله في السماء على عرشه من فوق سبع سموات كما قالت الجماعة، وهو حجتهم على المعتزلة والجهمية في قولهم: إن الله في كل مكان وليس على العرش، والدليل على صحة ما قال أهل الحق في ذلك: قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾، وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِي وَلَا شَفِيعٍ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ﴾، وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ﴾، وقوله تعالى: ﴿إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا﴾، وقوله تبارك اسمه: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾، وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾، وقوله تعالى: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ﴾، وقوله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ وهذا من العلو، وكذلك قوله: ﴿الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ و ﴿الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ﴾ و ﴿رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ﴾ و ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ والجهمي يقول: إنه أسفل، وقوله تعالى: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ﴾، وقوله: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ والعروج هو الصعود، وقوله تعالى: ﴿يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾، وقوله تعالى: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾، وقوله تعالى: ﴿فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ﴾، وقوله تعالى: ﴿لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ (٢) مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ﴾ ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ والعروج هو الصعود، وأما قوله: ﴿أَأَمِنتُم مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ فمعناه من على السماء يعني على العرش، وقد يكون «في» بمعنى «على» ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ﴾ أي: على الأرض، وكذلك قوله تعالى: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾، وقوله تعالى: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾. وما كان مثله مما تلونا من الآيات في هذا الباب وهذه الآيات كلها واضحات في بطلان أقوال المعتزلة. وأما ادعاؤهم المجاز في الاستواء وقولهم في تأويل استوى فلا معنى له؛ لأنه غير ظاهر في اللغة؛ ومعنى الاستيلاء في اللغة المغالبة والله تعالى لا يغالبه أحد وهو الواحد الصمد، ومن حق الكلام أن يحمل على حقيقته، حتى تتفق الأمة أنه أريد به المجاز، إذ لا سبيل إلى اتباع ما أنزل إلينا من ربنا تعالى إلا على ذلك، وإنما يوجه كلام الله على الأشهر والأظهر من وجوهه ما لم يمنع من ذلك، ما يجب له التسليم، ولو ساغ ادعاء المجاز لكل مدع ما ثبت شيء من العبادات (١)، وجل الله أن يخاطب إلا بما

стр. 1790

تفهمه العرب من معهود مخاطباتها مما يصح معناه عند السامعين، والاستواء معلوم في اللغة مفهوم، وهو العلو والارتفاع على الشيء والاستقرار والتمكن فيه، قال أبو عبيدة في قوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ قال: «علا، قال: وتقول العرب: استويت فوق الدابة واستويت فوق البيت، وقال غيره: استوى أي: استقر واحتج بقوله تعالى: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى﴾. انتهى شبابه واستقر فلم يكن في شبابه مزيد» (١). قال ابن عبد البر: «الاستواء الاستقرار في العلو، وبهذا خاطبنا الله تعالى في كتابه فقال: ﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ، ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ﴾ وقال تعالى: ﴿وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ﴾ وقال تعالى: ﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ﴾ وقال الشاعر: فأوردتهم ماء بفيفاء قفرة … وقد حلق النجم اليماني فاستوى (٢) وهذا لا يجوز أن يتأول فيه أحد: «استولى» لأن النجم لا يستولي، وقد ذكر النضر بن شميل - وكان ثقة مأمونًا جليلًا في علم الديانة واللغة - قال: حدثني الخليل - وحسبك بالخليل -، قال: أتيت أبا ربيعة الأعرابي - وكان من أعلم ما رأيت - فإذا هو على سطح، فسلمنا، فرد علينا السلام، وقال: استووا فبقينا متحيرين ولم ندر ما قال، فقال لنا أعرابي إلى جانبه إنه أمركم أن ترتفعوا، فقال الخليل: هو من قول الله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ﴾ فصعدنا إليه قال: وأما من نازع منهم بحديث يرويه عبد الله بن داود (٣) الواسطي بسنده إلى ابن عباس في قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ قال: [استولى] (٤) على جميع بريته فلا يخلو منه مكان»، فالجواب: أن هذا الحديث منكر، ونقلته مجهولون وضعفاء. فأما عبد الله بن داود الواسطي وعبد الوهاب بن مجاهد فضعيفان، وإبراهيم بن عبد الصمد مجهول لا يعرف، وهم لا يقبلون أخبار الأحاد العدول فكيف يسوغ لهم الاحتجاج بمثل هذا الحديث لو عقلوا وأنصفوا؟! أما سمعوا الله سبحانه حيث يقول: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَاهَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (٣٦) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّه

стр. 1791

كَذِبًَا، فدل على أن موسى ﵊ كان يقول: إلهي في السماء، وفرعون يظنه كاذبًا. وقال الشاعر: فسبحان من لا يقدر الخلق قدره … ومن هو فوق العرش فرد موحد مليك على عرش السَّمَاءِ مُهيمن … لعزته تعنو (١) الوجوه وتسجد وهذا الشعر لأمية بن أبي الصلت، وفيه يقول في وصف الملائكة: [وساجدهم لا يرفع الدهر رأسه … يعظم ربًا فوقه ويمجد] (٢) قال: فإن احتجوا بقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾ وبقوله تعالى: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ﴾ وبقوله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ﴾ وزعموا أن الله سبحانه في كل مكان بنفسه وذاته ﵎ جده. قيل: لا خلاف بيننا وبينكم وبين سائر الأمة أنه ليس في الأرض دون السماء بذاته، فوجب حمل هذه الآيات على المعنى الصحيح المجمع عليه، وذلك أنه في السماء إله معبود من أهل السماء وفي الأرض إله معبود من أهل الأرض، وكذا قال أهل العلم بالتفسير، وظاهر هذا التنزيل (٣) يشهد أنه على العرش، فالاختلاف في ذلك ساقط (٤)، وأسعد الناس به من ساعده الظاهر وأما قوله في الآية الأخرى: ﴿وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾ فالإجماع والاتفاق قد بين أن المراد أنه معبود من أهل الأرض، فتدبر هذا فإنه قاطع! ومن الحُجَّة أيضًا في أنه على العرش فوق السموات السبع: أن الموحدين أجمعين من العرب والعجم إذا كربهم (٥) أو نزلت بهم شدة رفعوا وجوههم إلى السماء، ونصبوا أيديهم رافعين مشيرين بها إلى السماء،

стр. 1792

ويستغيثون الله ربهم ﵎، وهذا أشهر وأعرف عند الخاصة والعامة من أن يحتاج فيه إلى أكثر من حكايته اضطراري (١)، وقد قال النبي ﷺ للأمة التي أراد مولاها عتقها إن كانت مؤمنة، فاختبرها رسول الله ﷺ بأن قال لها: «أين الله؟» فأشارت إلى السماء، ثم قال لها: «من أنا» قالت: «أنت رسول الله» قال: «أعتقها فإنها مؤمنة» (٢) فاكتفى رسول الله ﷺ منها برفع رأسها إلى السماء، واستغنى بذلك عما سواه». قال: «وأما احتجاجهم بقوله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾؛ فلا حجة لهم في ظاهر هذه الآية؛ لأن علماء الصحابة والتابعين الذين حملوا عنهم التأويل في القرآن قالوا في تأويل هذه الآية: «هو على العرش، وعلمه في كل مكان»، وما خالفهم في ذلك أحد يحتج بقوله، وذكر سنيد عن مقاتل بن حيان عن الضحاك بن مزاحم في قوله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾. قال: هو على عرشه وعلمه معهم أينما كانوا (٢)، قال: وبلغني عن سفيان الثوري مثله (٢). قال سنيد بسنده عن ابن مسعود قال: «الله فوق العرش، وعلمه في كل مكان لا يخفى عليه شيء من أعمالكم» (٣) ثم ساق من طريق يزيد بن هارون بسنده إلى ابن مسعود قال: «ما بين السماء إلى الأرض مسيرة خمسمائة عام، وما بين كل سماء إلى الأخرى خمسمائة عام، وما بين السماء السابعة إلى الكرسي مسيرة خمسمائة عام، وما بين الكرسي إلى الماء مسيرة خمسمائة عام، والعرش على الماء، والله فوق العرش ويعلم أعمالكم» (٤)» (٥) وذكر هذا الكلام أو قريبا منه في كتاب «الاستذكار» (٦). اهـ. قول الإمام مالك الصغير أبي محمد عبد الله بن أبي زيد القيرواني، قال في خطبته بـ «رسالته المشهورة»: (باب ما تنطق به الألسنة وتعتقده الأفئدة من واجب

стр. 1793

أمور الديانات): «ومن» (١) ذلك الإيمان بالقلب والنطق باللسان: أنَّ الله إله واحد، لا إله غيره، ولا شبيه له، ولا نظير له، ولا وَلَدَ له (٢)، ولا صاحبة له ولا شريك له، ليس لأوَّلِيَّتِهِ ابتداء، ولا لآخريته انقضاء، ولا يبلُغُ كُنْهَ صفته الواصفون، ولا يُحيط بأمره المتفكرون يعتبر المتفكرون بآياته، ولا يتفكرون في ماهية (٣) ذاته ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [وهو] (٤) العليم (٥) الخبير المُدبّر القدير السميع البصير العلي الكبير، وأنه فوق عرشه المجيد بذاته (٦)، وهو بكل (٧) مكان بعلمه (٨). وكذلك ذكر مثل هذا في «نوادره» (٩) وغيرها من كتبه (١٠)، وذكر في كتابه المفرد في السنة (١١) تقرير العلو واستواء الرب تعالى على عرشه بذاته أتم تقرير، فقال: فصل فيما اجتمعت عليه الأمة من أمور الديانة من السنن التي خلافها بدعة وضلالة إن الله له الأسماء الحسنى، والصفات العلى، لم يزل موصوفًا بجميع

стр. 1794

صفاته (١)، وهو سبحانه موصوف بأن له علمًا وقدرة وإرادة ومشيئة، أحاط علمًا بجميع ما بدأ قبل كونه، وفطر الأشياء بإرادته، وقوله: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢]، وإن كلامه صفة من صفاته، ليس بمخلوق فيبيد، ولا صفة لمخلوق فينفد، وأن الله كلم موسى ﵇ بذاته وأسمعه كلامه لا كلامًا قام في غيره، وأنه يسمع ويرى ويقبض ويبسط، وأن يديه مبسوطتان: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧]، وأن يديه غير نعمته في ذلك، وفي قوله سبحانه: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥]، وأنه يجيء يوم القيامة بعد أن لم يكن جائيًا والملك صفًا صفًا؛ لعرض الأمم وحسابها وعقابها وثوابها، فيغفر لمن يشاء، ويعذب (٢) من يشاء، وأنه يرضى (٣) ويحب التوابين، ويسخط على من كفر به ويغضب، فلا يقوم شيء لغضبه، وأنه فوق سماواته على عرشه دون أرضه، وأنه في كل مكان بعلمه، وأن الله سبحانه كرسيًا؛ كما قال : ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، وكما جاءت به الأحاديث أن الله سبحانه يضع كرسيه يوم القيامة لفصل القضاء، وقال مجاهد: «كانوا يقولون ما السموات والأرض في الكرسي إلا كحلقة ملقاة في فلاة من الأرض» (٤). وأن الله سبحانه يراه أولياؤه في المعاد بأبصارهم، ولا يضامون في رؤيته كما قال في كتابه وعلى لسانه رسول الله ﷺ : ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢، ٢٣] وقال رسول الله ﷺ في قول الله : ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦]: «وهو النظر إلى وجهه الكريم» (٥)، وأنه يكلم عباده يوم القيامة ليس بينه وبينهم واسطة ولا ترجمان، وأن الجنة والنار داران قد خلقتا أعدت الجنة للمؤمنين، والنار.

стр. 1795

للكافرين، الجاحدين، ولا يفنيان (١). والإيمان بالقدر خيره وشره، وكل ذلك قد قدره ربنا وأحصاه علمه، وأن مقادير الأمور بيده، ومصدرها عن قضائه، تفضل على من أطاعه فوفقه وحبّب الإيمان إليه، وزينه في قلبه، فيسره له، وشرح له صدره، ونور له قلبه (٢) ﴿وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُضِلٍّ﴾ [الزمر: ٣٧]، وخذل من عصاه وكفر به فأسلمه (٣)، وأضله: ﴿وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا﴾ [الكهف: ١٧]، وكل ينتهي إلى سابق علمه، لا تخصيص (٤) لأحد عنه، وأنّ الإيمان قول باللسان (٥) وعمل بالجوارح، يزيد (٦) بالطاعة، وينقص بالمعصية نقصًا عن حقائق الكمال (٧)، ولا قول إلا بعمل، ولا عمل ولا قول (٨) إلا بنية، ولا نية (٩) إلا بموافقة السنة، وأنه لا يكفر أحد من أهل القبلة بذنب وإن كان كبيرًا، ولا يحبط الإيمان غير الشرك بالله تعالى، كما قال سبحانه: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]، وأن على العباد حفظة يكتبون أعمالهم، كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠) كِرَامًا كَاتِبِينَ (١١) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ (١٢)﴾ [الإنفطار: ١٠ - ١٢]، وقال تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٨]. وأن ملك الموت يقبض الأرواح كلها باذن الله تعالى متى شاء، كما قال تعالى: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ [السجدة: ٣٢] وأن الخلق ميتون بأجالهم، فأرواح أهل السعادة باقية منعّمة (١٠) إلى يوم القيامة (١١)، وأرواح أهل …

стр. 1796

الشقاء في سِجِّين معذبة إلى يوم القيامة (١)، وأن الشهداء أحياء عند ربهم يرزقون، وأن عذاب القبر حق، وأن المؤمنين يفتنون في قبورهم ويضغطون ويسئلون (٢)، ويثبت الله منطق من أحب تثبيته، وأنه ينفخ في الصور، فيصعق من في السماوات ومن في الأرض (٣)، والألسنة والأيدي والأرجل التي تشهد عليهم يوم القيامة على من تشهد عليه منهم، وينصب (٤) الموازين لوزن أعمال العباد، فأفلح من ثقلت موازينه، وخاب وخسر من خفت موازينه، ويؤتون صحائفهم، فمن أوتي كتابه بيمينه فسوف يحاسب (٥) حسابًا يسيرًا، ومن أوتي كتابه (٦) بشماله فأولئك يصلون سعيرًا، وأن الصراط جسر مورود، يجوزه العباد بقدر أعمالهم، فناجون متفاوتون في سرعة النجاة عليه من نار جهنم وقوم أوبقتهم أعمالهم فيها يتساقطون، وأنه يخرج من النار من في قلبه شيء من الإيمان، وأن الشفاعة لأهل الكبائر من المؤمنين، ويخرج من النار بشفاعة رسول الله ﷺ قوم من أمته بعد أن صاروا فيها حممًا، يطرحون (٧) في نهر الحياة، فينبتون كما تنبت الحبة في حميل السيل، والإيمان بحوض رسول الله ﷺ ترده أمته لا يظمأ من شرب منه، ويذاد عنه من غير وبدل. والإيمان بما جاء من خبر الإسراء بالنبي ﷺ إلى السماوات على ما صحت به الروايات، وأنه ﷺ رأى من آيات ربه الكبرى، وبما ثبت من خروج الدجال، ونزول عيسى ابن مريم ﵊ حكمًا عدلًا، يقتل الدجال (٨)، وبالآيات التي بين يدى الساعة من طلوع الشمس من المغرب، وخروج الدابة، وغير ذلك مما صحت به الروايات ونصدّق بما جاءت عن الله تعالى في كتابه،

стр. 1797

وثبت (١) عن رسول الله ﷺ من أخباره (٢)، ونوجب العمل بمحكمه (٣) ونؤمن ونقر بمشكله (٤) ومتشابهه، ونكل ما غاب (٥) مَن عَنْ حَقِيقَةِ تَفْسِيرِهِ إِلَى اللهِ تَعَالَى، وَاللهُ يَعْلَمُ تَأْوِيلَ الْمُتَشَابِهِ مِنْ كِتَابِهِ، وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ: آمَنَّا بِهِ، [وَكُلُّ مَا غَابَ عَنَّا مِنْ حَقِيقَةِ تَفْسِيرِهِ] (٦) ﴿كُلٌّ مِنْ عِندِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران: ٧]. وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَعْلَمُونَ مُشْكِلَهُ وَلَكِنَّ الأَوَّلَ قَوْلُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَعَلَيْهِ يَدُلُّ الْكِتَابُ، وَأَنَّ أَفْضَلَ الْقُرُونِ قَرْنُ الصَّحَابَةِ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ (٧)، وَأَنَّ أَفْضَلَ الأُمَّةِ بَعْدَ نَبِيِّهَا أَبُو بَكْرٍ ثُمَّ

стр. 1798

عمر (١) ثم علي، وقيل: ثم عثمان وعلي، ويكف (٢) عن التفضيل بينهما، روي ذلك عن مالك، وقال: ما أدركت أحدًا أقتدي به يفضل أحدهما على صاحبه، فرأى الكف عنهما، ورُوي عنه القول الأول (٣) وهو قول أهل

стр. 1799

الحديث (١) - ثم بقية العشرة، ثم أهل بدر من المهاجرين ومن (٢) الأنصار، ومن جميع الصحابة على قدر الهجرة والسابقة والفضيلة، وكل من صحبه ولو ساعة أو رآه ولو مرة، فهو بذلك أفضل من التابعين، والكفُّ عن ذكر أصحاب رسول الله ﷺ إلا بخير ما يُذكرون به، وأنهم أحق أن ننشر (٣) محاسنهم، ونلتمس لهم أفضل مخارجهم (٤)، ونظن بهم أحسن المذاهب. قال النبي ﷺ : «لا تؤذوني في أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبًا، ما بلغ مُدّ أحدهم ولا نصيفه» (٥) وقال ﷺ : «إذا ذكر أصحابي فأمسكوا» (٦). قال أهل العلم: لا يذكرون إلا بأحسن ذكر، والسمع والطاعة لأئمة المسلمين. وكل من ولي أمر

стр. 1800

المسلمين عن رضى أو غلبة واشتدت وطأته من بر أو فاجر، فلا يخرج عليه، جار أو عدل، ونغزو معه العدو، ونحج معه البيت، ودفع الصدقات إليهم مجزية إذا طلبوها، ونصلي خلفهم الجمعة والعيدين؛ قاله (١) غير واحد من العلماء (٢). وقال مالك: لا نصلي خلف المبتدع منهم إلا أن نخافه، فنصلي، واختلف في الإعادة (٣). ولا بأس بقتال من دافعك من الخوارج واللصوص من المسلمين وأهل الذمة عن نفسك ومالك والتسليم لنصوص الكتاب والسنة (٤) لا تعارض برأي ولا تدافع بقياس، وما تأوله منها السلف الصالح تأولناه، وما عملوا به عملناه، وما تركوا (٥) تركناه، ويسعنا أن نمسك عما أمسكوا (٦)، ونتبعهم فيما بينوا، ونقتدي بهم فيما استنبطوه ورأوه في الحوادث، ولا نخرج من جماعتهم فيما اختلفوا فيه أو في تأويله، وكل ما ذكر (٧) فهو قول أهل السنة وأئمة الناس في الفقه والحديث، على ما بيناه، وكله قول مالك، فمنه منصوص من قوله ومنه معلوم من مذهبه. قال مالك: قال عمر بن عبد العزيز: سَنَّ رسول الله ﷺ وولاة الأمر من بعده سننًا، الأخذ بها تصديق لكتاب الله تعالى، واستكمال لطاعته، وقوة على دين الله تعالى، ليس لأحد تبديلها ولا تغييرها، ولا النظر فيما خالفها، من اهتدى بها هدي، ومن استنصر بها نُصر، ومن تركها واتبع غير سبيل المؤمنين ولاه الله ما تولى وأصلاه جهنم وساءت مصيرًا. قال مالك: أعجبني عزم عمر ﵁ في ذلك (٨).

стр. 1801

وقال في «مختصر المدونة» (١): «وأنه تعالى فوق عرشه بذاته فوق سبع سمواته، دون أرضه ﵀ ما كانه أصلبه في السنة وأقومه بها! قول الإمام أبي بكر محمد بن موهب (٢) المالكي شارح «رسالة ابن أبي زيد» من المشهورين بالفقة والسُنّة، قال في «شرحه للرسالة»: «ومعنى (فوق) و (علا) واحد عند (٣) جميع العرب، وفي كتاب الله تعالى وسنة رسوله الله ﷺ تصديق (٤) ذلك، [وهو] قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ﴾ [الفرقان: ٥٩]، وقال تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، وقال تعالى في وصف خوف الملائكة: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [النحل: ٥٠]، وقال تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠] ونحو ذلك كثير. وقال رسول الله ﷺ للأعجمية: «أين الله؟» فأشارت إلى السماء (٥)، ووصف النبي ﷺ أنه عرج به من الأرض إلى السماء، ثم من سماء إلى سماء إلى سدرة المنتهى، ثم إلى ما فوقها، حتى لقد قال: «سمعت صريف

стр. 1802

الأقلام». ولما فرضت الصلاة جعل كلما هبط من مكانه تلقاه موسى ﵇ في بعض السموات، وأمره بسؤال التخفيف عن أمته، فرجع صاعدًا مرتفعًا إلى الله يسأله حتى انتهت إلى خمس صلوات (١)، وسنذكر تمام كلامه قريبًا إن شاء الله تعالى. اهـ. قول الإمام أبي القاسم عبد الله بن خلف المقرئ الأندلس: قال في (الجزء الأول) من كتاب «الاهتداء لأهل الحق والاقتداء» من تصنيفه من «شرح الملخص» للشيخ أبي الحسن القابسي بسنده إلى أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «ينزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر، فيقول: من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له» (٢): في الحديث دليل على أنه تعالى في السماء على العرش، فوق سبع سموات (٣) كما قال أهل العلم، ودليل قولهم أيضًا من القرآن قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِي وَلَا شَفِيع﴾ [السجدة: ٤] وقوله تعالى: ﴿إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا﴾، وقوله تعالى: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ﴾ [السجدة: ٥]، وقوله تعالى: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ [المعارج: ٤]، وقوله تعالى لعيسى ﵊: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [آل عمران: ٥٥]، وقوله تعالى: ﴿لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ (٢) مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ (٣) تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ [المعارج: ٢ - ٤]، والعروج هو الصعود. وقال مالك بن أنس: «الله (٤) في السماء، وعلمه في كل مكان، لا يخلو من علمه مكان يريد - والله أعلم - بقوله: «في السماء»: على السماء، كما قال تعالى: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: ٧١]، وكما قال تعالى: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك: ١٦] أي: مَنْ على السماء، يعني: على العرش، وكما قال تعالى: ﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ﴾ أي: على الأرض، وقيل لمالك: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ﴾

стр. 1803

اسْتَوَى [طه: ٥] كيف استوى؟ قال مالك لقائله: استواؤه معقول، وكيفيته مجهولة، وسؤالك عن هذا بدعة، وأراك رجل سواء» (١). قال أبو عبيدة في قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] أي: علا. قال: «وتقول العرب: استويت فوق الدابة وفوق البيت» (٢). وكل ما قدمت دليل واضح في إبطال قول من قال بالمجاز في الاستواء، وأن استوى بمعنى استولى؛ لأن الاستيلاء في اللغة المغالبة، وأنه لا يغالبه أحد، ومن حق الكلام أنه يحمل على حقيقته، حتى تتفق الأمة أنه أريد به المجاز، إذ لا سبيل إلى اتباع ما أنزل إلينا من ربنا إلا على ذلك، وإنما يوجه كلام الله تعالى على الأشهر والأظهر من وجوهه، ما لم يمنع ذلك ما يوجب له التسليم، ولو ساغ ادعاء المجاز لكل مدع ما ثبت شيء من العبادات، وجل الله تعالى أن يخاطب إلا بما تفهمه العرب من معهود مخاطباتها، مما يصح معناه عند السامعين، والاستواء معلوم في اللغة، وهو: العلو والارتفاع والتمكن (٣). ومن الحجة أيضًا في أن الله على العرش فوق السموات السبع: إن الموجودين (٤) أجمعين إذا كربهم أمر رفعوا وجوههم إلى السماء، يستغيثون الله ربهم. وقوله ﷺ للأمة التي أراد مولاها أن يعتقها: «أين الله»؟ فأشارت إلى السماء، ثم قال لها: «من أنا؟» قالت: أنت رسول الله، قال: «اعتقها؛ فإنها مؤمنة» (٥). فاكتفى رسول الله ﷺ منها برفع رأسها إلى السماء، ودل (٦) على ما قدمناه أنه على العرش (٧)، والعرش فوق السموات السبع. ودليل قولنا أيضًا: قول أمية ابن أبي الصلت في وصف الملائكة ما نصه: وساجدُهم لا يَرفعُ الدَّهرُ رأسَه … يَعْظُمُ ربًا فَوْقَه ويُمَجَّدُ فسبحانَ مَنْ لا يَقْدرُ الخلق قدره … ومَنْ هو فوق العرش فرد موحد

стр. 1804

مَلِيكٌ عَلَى عَرْشِ السَّمَاءِ مُهَيْمِنٌ … لِعِزَّتِهِ تَعْنُو الوُجُوهُ وَتَسْجُدُ (١). وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَاهَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (٣٦) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى﴾ [غافر: ٣٦]. فدل على أن موسى ﵊ كان يقول: إلهي في السماء، وفرعون يظنه كاذبًا، فإن احتج أحد علينا فيما قدمناه وقال: لو كان كذلك لأشبه المخلوقات، لأنه (٢) ما أحاطت به الأمكنة واحتوته فهو مخلوق؛ فشيء لا يلزم، ولا معنى له؛ لأنه تعالى ليس كمثله شيء من خلقه، ولا يُقاس بشيء من بريته، ولا يدرك بقياس، ولا يقاس بالناس، كان قبل الأمكنة، وكذلك يكون (٣) بعدها، لا إله إلا هو، خالق كل شيء لا شريك له. وقد اتفق المسلمون وكل ذي لب أنه لا يعقل كائن إلا في مكان، وما ليس في مكان فهو عدم، وقد صح في العقول وثبت بالدلائل أنه كان في الأزل لا في مكان، وليس بعدم (٤)، فكيف يقاس على شيء من خلقه أو يجري بينهم وبينه (٥) تمثيل أو تشبيه؟! تعالى (٦) عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا (٧). قول الإمام أبي عبد الله محمد بن أنيس المالكي المشهور بابن أبي زَمَنِين: قال في كتابه الذي صنفه في «أصول السنة»: (باب الإيمان بالعرش): ومن قول أهل السنة: «إن الله خلق العرش واختصه بالعلو والارتفاع فوق جميع ما خَلَق، ثم استوى عليه كيف شاء، كما أخبر عن نفسه في قوله : ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] (٨)، وفي قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا﴾ [الحديد: ٤]». وذكر حديث.

стр. 1805

أبي رزين العقيلي وقد تقدّم (١). ثم ذكر الآثار في ذلك إلى أن قال: (باب الإيمان بالحجب). قال: «ومن أقوال أهل السنة: إن الله تعالى بائن من خلقه، محتجب عنهم بالحجب، تعالى الله عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا﴾» إلى أن قال: (باب الإيمان بالنزول)، قال: «ومن قول أهل السنة: إن الله ينزل إلى سماء الدنيا» وذكر حديث النزول (٢)، ثم قال: «وهذا الحديث يُبيّن أن الله تعالى على عرشه في السماء دون الأرض، وهو أيضًا بين في كتاب الله تعالى وتقدس، وفي غير ما حديث عن رسول الله ﷺ قال الله : ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ﴾ [السجدة: ٥]، وساق الآيات في العلو، وذكر من طريق مالك قول النبي ﷺ : «أين الله؟» ثم قال: «والحديث في مثل هذا كثير» (٣). اهـ. قول القاضي عبد الوهاب: إمام المالكية بالعراق، من كبار أهل السنة، صرح بأن الله استوى على عرشه بذاته (٤) نقله شيخ الإسلام عنه، في غير موضع من كتبه (٥)، ونقله عنه القرطبي في شرح الأسماء والصفات (٦). اهـ. ذكر قول الإمام محمد بن إدريس الشافعي: قال الإمام ابن الإمام عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي بسنده إلى أبي عبد الله محمد بن إدريس الشافعي قال: «القول في السنة التي أنا عليها، ورأيت أصحابنا عليها أهل الحديث الذين رأيتهم وأخذت عنهم مثل سفيان ومالك وغيرهما: الإقرار بشهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وأن الله تعالى على عرشه في سمائه، يقرب من خلقه كيف شاء، وإن الله تعالى ينزل إلى سماء الدنيا كيف شاء» (٧).

стр. 1806

قال عبد الرحمن: «ثنا يونس بن عبد الأعلى قال: سمعت أبا عبد الله محمد بن إدريس الشافعي يقول - وقد سئل عن صفات الله وما يؤمن به -، فقال: «لله تعالى أسماء وصفات جاء بها كتابه وأخبر بها نبيه أمته، لا يسع أحدًا من خلق الله قامت عليه الحجة ردها؛ لأن القرآن نزل بها، وصح عن رسول الله القول بها فيما روى عنه العدول، فإن خالف ذلك بعد ثبوت الحجة عليه فهو كافر، أما قبل ثبوت الحجة عليه فمعذور بالجهل؛ لأن علم ذلك لا يدرك بالعقل ولا بالرؤية والفكر، ولا يكفر بالجهل بها أحد، إلا بعد انتهاء الخبر إليه بها، ونثبت هذه الصفات وننفي عنه التشبيه كما نفى التشبيه عن نفسه، فقال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾» (١) [الشورى: ١١]. وصح عن الشافعي أنه قال: خلافة أبي بكر الصديق حق قضاها الله في سمائه، وجمع عليها، قلوب عباده ومعلوم أن المقضي في الأرض والقضاء فعله المتضمن لمشيئته وقدرته» (٢). وقال في خطبة «رسالته»: «الحمد لله الذي هو كما وصف نفسه، وفوق ما يصفه به خلقه» (٣)، فجعل صفاته سبحانه إنما تتلقى بالسمع. وقال يونس بن عبد الأعلى: قال محمد بن إدريس الشافعي: «الأصل قرآن وسنة، فإن لم يكن فقياس عليهما، وإذا اتصل الحديث عن رسول الله ﷺ وصح الإسناد منه فهو سنة، والإجماع أكبر من الخبر الفرد، والحديث على ظاهره. وإذا احتمل المعاني فما أشبه منها ظاهره فهو أولاها به». قال الخطيب في «الكفاية» بسنده إلى يونس بن عبد الأعلى … فذكره (٤). قول صاحبه إمام الشافعية في وقته أبي إبراهيم إسماعيل بن يحيى المزني في «رسالته في السنة» التي رواها أبو طاهر السلفي عنه بإسناده، ونحن نسوقها كلها بلفظها: «بسم الله الرحمن الرحيم، عصمنا الله وإياكم بالتقوى، ووفقنا وإياكم لموافقة الهدى، أما بعد:

стр. 1807

فإنك (١) سألتني أن أوضح لك من السنة أمرًا تقصر (٢) نفسك على التمسك به، وتدرأ به عنك شبه الأقاويل، وزيغ محدثات الضالين، فقد (٣) شرحت لك منها منهاجًا موضحًا (٤) لم آل نفسي وإياك فيه نُصحًا، بدأت فيه بحمد الله ذي الرشد والتسديد: الحمد لله أحق ما بدئ به (٥) وأولى من شكر، وعليه أثني [وهو] (٦) الواحد الصمد (٧) ليس له صاحبة ولا ولد جَلَّ عن المثل، ولا (٨) شبيه له ولا عديل، السميع البصير العليم الخبير المنيع الرفيع، عال على عرشه (٩)، وهو دان بعلمه من خلقه، أحاط علمه بالأمور وأنفذ (١٠) في خلقه سابق المقدور، ويعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، فالخلق عاملون بسابق علمه، ونافذون لما خلقهم له من خير وشر، لا يملكون لأنفسهم نفعًا من الطاعات (١١)، ولا يجدون إلى صرف المعصية عنها دفعًا، خلق الخلق بمشيئته من (١٢) غير حاجة كانت به، فخلق الملائكة جميعًا لطاعته، وجبلهم على عبادته فمنهم، ملائكة بقدرته للعرش حاملون، وطائفة منهم حول عرشه يسبحون، وآخرون بحمده يقدسون. واصطفى منهم رسلًا إلى رسله، وبعض مدبرون لأمره، ثم خلق آدم بيده وأسكنه جنته، وقبل ذلك للأرض خلقه ونهاه عن شجرة قد نفذ قضاؤه عليه بالأكل منها (١٣)، ثم ابتلاه بما نهاه عنه منها، ثم سلّط عليه عدوه فأغواه عليها، وجعل أكله (١٤) إلى الأرض سببًا، فما وجد إلى ترك الأكل منها (١٥) سبيلًا، ولا عنه لها مذهبًا، ثم خلق للجنة من ذريته أهلًا، فهم بأعمالها بمشيئته عاملون،

стр. 1808

وبقدرته وبإرادته ينفذون، وخلق من ذريته للنار أهلًا، فخلق لهم أعينًا لا يبصرون بها، وآذانًا لا يسمعون بها، وقلوبًا لا يفقهون بها، فهم بذلك عن الهدى محجوبون، [وهم] (١) بأعمال أهل النار السابق (٢) قدره يعملون، والإيمان قول وعمل (٣)، وهما شيئان (٤) ونظامان وقرينان لا يُفرّق (٥) بينهما؛ لا إيمان إلا بعمل، ولا عمل إلا بإيمان، والمؤمنون في إيمان متفاضلون (٦)، وبصالح الأعمال هم متزايدون، ولا يخرجون من الإيمان بالذنوب (٧)، ولا يكفرون بركوب كبيرة ولا عصيان، ولا يوجب لمحسنهم (٨) غير (٩) ما أوجب له النبي ﷺ ، ولا يشهد (١٠) على مسيئهم بالنار. والقرآن كلام الله ومن الله (١١)، وليس بمخلوق فيبيد، [وكلمات الله] (١٢) وقدرة الله ونعته (١٣) وصفاته كاملات (١٤) غير مخلوقات، دائمات أزليات (١٥) ليست بمحدثات فتبيد، ولا كان ربنا ناقصًا فيزيد، جلت صفاته عن شبه المخلوقين (١٦)، وقصرت عنه أنظار (١٧) الواصفين، قريب بالإجابة عند السؤال، بعيد بالبعد (١٨) لا ينال عال على عرشه، بائن من خلقه، موجود ليس بمعدوم ولا مفقود (١٩)، والخلق ميتون بآجالهم عند نفاد أرزاقهم وانقطاع آثارهم، ثم هم بعد الضغط (٢٠).

стр. 1809

في القبور مسؤولون (١)، وبعد البلى منشورون، ويوم القيامة إلى ربهم محشورون، وعند (٢) العرض عليه محاسبون بحضرة الموازين، ونشر صحف الدواوين، أحصاه الله ونسوه في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، فالله (٣) يلي الحكم بينهم بعدله بمقدار القائلة (٤) في الدنيا، وهو أسرع الحاسبين، كما بدأه لهم من شقاوة (٥) وسعادة يومئذ يعودون، فريق في الجنة وفريق في السعير، وأهل الجنة يومئذ يتنعمون (٦)، وبصنوف اللذات يتلذذون، وبأفضل الكرامة (٧) يحبرون، فهم حينئذ إلى ربهم ينظرون لا يمارون في النظر إليه ولا يشكون، فوجوههم بكرامته ناضرة، وأعينهم بفضله إليه ناظرة في نعيم مقيم ﴿لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ﴾ [الحجر: ٤٨] ﴿أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوا وَعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ﴾ [الرعد: ٣٥]. وأهل الجحد عن ربهم يومئذ لمحجوبون (٨)، وفي النار لمسجرون (٩) ﴿لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ﴾ [المائدة: ١٠]، ﴿لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُم مِنْ عَذَابِهَا﴾ [فاطر: ٣٦] إلا (١٠) من شاء الله إخراجه من الموحدين منها (١١). والطاعة لأولي الأمر فيما كان عند الله مرضيًا، واجتناب ما كان (١٢) مسخطًا، وترك الخروج عند تعديهم وجورهم والتوبة إلى الله على كيما يعطف بهم على رعيتهم، والإمساك عن تكفير أهل القبلة والبراءة منهم فيما أحدثوا ما لم يبتدعوا ضلالة (١٣)، فمن ابتدع منهم ضلالة (٤) كان على أهل القبلة خارجًا ومن الدين مارقًا، ويتقرب إلى الله بالبراءة منه ويهجر ويتجنب (١٤).

стр. 1810

ويقال (١) بفضل خليفة رسول الله ﷺ (٢)، ثم عمر (٣)، فهما وزيرا رسول الله ﷺ وضجيعاه (٤)، ثم عثمان ثم علي (٥) ﵃ أجمعين، ثم الباقين من العشرة، الذين أوجب لهم رسول الله ﷺ الجنة، ويخلص لكل واحد (٦) منهم من المحبة بقدر الذي أوجبه له (٧) رسول الله ﷺ من (٨) التفضيل ثم (٩) لسائر أصحابه من بعدهم رضوان الله عنهم (١٠). ويقال بفضلهم ويذكرون بمحاسن أفعالهم، ويمسك (١١) عن الخوض فيما شجر بينهم، وهم (١٢) خيار أهل الأرض بعد نبيهم، اختارهم الله (١٣) وجعلهم (١٤) أنصارًا لدينه، فهم أئمة الدين وأعلام المسلمين (١٥)، ولا تترك (١٦) حضور صلاة الجمعة وصلاة (١٧) مع بر هذه الأمة وفاجرها (١٨) ما كان من البدعة بريًا (١٩)، والجهاد مع كل إمام عدل أو جائر، والحج وإقصار الصلاة في الأسفار والتخيير (٢٠) فيه بين

стр. 1811

الصيام والإفطار (١) هذه مقالات (٢) اجتمع عليه الماضون الأولون من أئمة الهدى، وبتوفيق الله اعتصم بها التابعون قدوة ورضًا، وجانبوا التكلف فيما كفوا، فسُدّدوا بعون الله ووفقوا، لم يرغبوا عن الاتباع فيقصروا ولم يجاوزوا (٣) فيعتدوا، فنحن بالله واثقون، وعليه متوكلون، وإليه في اتباع آثارهم راغبون (٤). اهـ المقصود منه بلفظه. قول إمام الشافعية في وقته أبي العباس بن سريج: قال رحمه الله تعالى: «حرام على العقول أن تمثل الله ، وعلى الأوهام أن تحده، وعلى الظنون أن تقع (٥) عليه، وعلى الضمائر أن تتعمق، وعلى النفوس أن تفكر، وعلى الأفكار أن تحيط، وعلى الألباب أن تصف إلا ما وصف به نفسه في كتابه أو على لسان رسوله ﷺ ، وقد صح وتقرر واتضح عند جميع أهل الديانات والسنة والجماعة من السلف الماضين والصحابة والتابعين من الأئمة المهديين (٦) الراشدين المشهورين إلى زماننا هذا، أن جميع الآي الواردة عن الله تعالى في ذاته وصفاته والأخبار الصادقة الصادرة عن رسول الله ﷺ في الله وفي صفاته التي صححها أهل النقل، وقبلها النقاد الأثبات؛ يجب على المرء المسلم المؤمن الموفق (٧) الإيمان بكل واحد منها كما ورد، وتسليم أمره إلى الله كما أمر، وذلك مثل قوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ﴾ [البقرة: ٢١٠] وقوله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر: ٢٢] وقوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] وقوله تعالى: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧] ونظائرها مما نطق به القرآن، كالفوقية، والنفس، واليدين، والسمع، والبصر، والكلام، والعين، والنظر، والإرادة، والغضب، والمحبة والكراهة، والعناية، والقرب، والبعد، والسخط، والاستحياء، والدنو كقاب قوسين أو أدنى، وصعود الكلام الطيب إليه، وعروج

стр. 1812

الملائكة والروح إليه، ونزول القرآن منه، ونداءه الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وقوله للملائكة، وقبضه، وبسطه، وعلمه، ووحدانيته، وقدرته، ومشيئته، وصمدانيته (١)، وفردانيته، وأوليته، وآخريته، وظاهريته، وباطنيته، وحياته، وبقاءه، وأزليته، وأبديته، ونوره وتجليه، والوجه، وخلق آدم ﵇ بيده، ونحو قوله تعالى: ﴿أَأَمِنتُم مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ﴾ [الملك: ١٦] وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾ [الزخرف: ٨٤] وسماعه من غيره وغيره منه (٢)، وغير ذلك من صفاته المتعلقة به المذكورة في الكتاب المنزل (٣) على نبيه ﷺ ، وجميع ما لفظ به المصطفى ﷺ من صفاته، كغرسه جنته (٤) الفردوس بيده، وشجرة طوبى بيده، وخط التوراة بيده، والضحك، والتعجب، ووضعه القدم (٥) على النار، فتقول: قط قط، وذكر الأصابع، والنزول كل ليلة إلى سماء الدنيا، وليلة الجمعة، وليلة النصف من شعبان، وليلة القدر، وكغيرته وفرحه بتوبة العبد، واحتجابه بالنور، وبرداء الكبرياء، وأنه ليس بأعور، وأنه يعرض عما يكره ولا ينظر إليه، وأن كلتا يديه يمين، واختيار آدم قبضة (٦) اليمنى، وحديث القبضة، وله كل يوم كذا وكذا نظرة في اللوح المحفوظ، وأنه يوم القيامة يحثو ثلاث حثيات من جهنم، فيدخلهم الجنة، ولما خلق آدم ﵊ مسح ظهره بيمينه فقبض قبضة، فقال: هؤلاء للجنة؟ ولا أبالي أصحاب اليمين، وقبض قبضة أخرى وقال: هذه للنار ولا أبالي أصحاب الشمال (٧). ثم ردهم في صلب آدم وحديث القبضة التي يخرج بها من النار قوما لم يعملوا خيرا قط، عادوا حمما، فيلقون في نهر من الجنة يقال له: نهر الحياة (٨) وحديث: «خلق آدم على صورته» (٩) وقوله: «لا تقبحوا الوجه؛ فإن الله خلق آدم على صورة

стр. 1813

الرحمن) (١) وإثبات الكلام بالحرف والصوت وباللغات وبالكلمات وبالسور، وكلامه تعالى لجبريل، والملائكة، ولملك الأرحام، وللرحم، ولملك الموت، ولرضوان، ولمالك، ولآدم، والموسى، ولمحمد ﷺ [وللشهداء] (٢)، وللمؤمنين (٣) عند الحساب، وفي الجنة، ونزول القرآن إلى سماء الدنيا، وكون القرآن في المصاحف، وما أذن الله لشيء كإذنه لنبي يتغنى بالقرآن، وقوله: «الله أشد أذنًا لقارئ القرآن من صاحب القينة إلى قينته» (٤). وأن الله سبحانه يحب العطاس، ويكره التثاؤب، وفرغ الله من الرزق والأجل، وحديث ذبح الموت ومباهات الله تعالى، وصعود الأقوال والأرواح إليه، وحديث معراج الرسول ﷺ ببدنه، ونفسه (٢)، ونظره إلى الجنة والنار وبلوغه العرش (٥) إلى أن لم يكن بينه وبين الله تعالى إلا حجاب العزة، وعَرْض الأنبياء (٦) عليه وعليهم أفضل الصلاة والسلام، وعرض أعمال الأمة عليه. وغير هذا مما صح عنه ﷺ من الأخبار المتشابهة، الواردة في صفات الله سبحانه ما بلغنا وما لم يبلغنا مما صح عنه، اعتقادنا فيه وفي الآي (٧) المتشابهة في القرآن أن نقبلها ولا نردها ولا نتأولها بتأويل المخالفين ولا نحملها على تشبيه المشبهين، ولا نزيد عليها، ولا ننقص منها ولا نفسرها ولا نكيفها ولا نترجم عن صفاته بلغة غير العربية!! ولا نشير إليها بخواطر القلوب ولا بحركات الجوارح، بل نطلق ما أطلقه الله ، ونفسر ما فسره النبي ﷺ وأصحابه

стр. 1814

والتابعون والأئمة المرضيون من السلف المعروفين بالدين والأمانة، ونجمع على ما أجمعوا عليه، ونمسك عن ما أمسكوا عنه، ونسلم الخبر الظاهر، والآية الظاهرة (١) تنزيلها، لا نقول بتأويل المعتزلة والأشعرية والجهمية والملحدة والمجسمة والمشبهة والكرامية والمكيفة (٢)، بل نقبلها بلا تأويل، ونؤمن بها بلا تمثيل، ونقول: الإيمان بها واجب، والقول بها سنة، وابتغاء تأوليها بدعة» (٣) اهـ. قول الإمام حجة الإسلام أبي أحمد بن الحسين الشافعي: المعروف بابن الحداد في «عقيدته»: قال ﵀: «إنه سبحانه مستو على عرشه، وفوق جميع خلقه، كما أخبر في كتابه وعلى ألسنة رسله، من غير تشبيه ولا تعطيل ولا تحريف ولا تأويل، وكذلك كل ما جاء من الصفات، نمره كما جاء من غير مزيد عليه، ونقتدي في ذلك بعلماء السلف الصالح رضوان الله تعالى عليهم أجمعين». قول الإمام إسماعيل بن محمد بن الفضل التيمي صاحب كتاب «الترغيب والترهيب» وكتاب «الحجة في المحجة ومذهب أهل السنة» وكان إمامًا للشافعية في وقته رحمه الله تعالى. وجمع له أبو موسى المديني مناقب لجلالته. قال في كتاب «الحجة»: «(باب في بيان استواء الله على عرشه): قال الله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] وقال في آية أخرى: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [البقرة: ٢٥٥] وقال: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ (٤) [البقرة: ٢٥٥] وقال تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١] قال أهل السنة: فوق السموات لا يعلوه خَلْق من خلقه، ومن الدليل على ذلك أن الخلق يشيرون إلى السماء بأصابعهم، ويدعونه ويرفعون إليه رؤسهم وأبصارهم، وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ [الأنعام: ٦١] وقال تعالى: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ (١٦) أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ﴾

стр. 1815

نَذِير [الملك: ١٦، ١٧] والدليل على ذلك من النصوص التي فيها نزول الرحمن» (١). فصل (٢) في بيان أن العرش فوق السموات، وأن الله فوق العرش . ثم ذكر حديث أبي هريرة الذي في البخاري: «لما قضى الله الخلق كتب في كتاب فهو عنده فوق العرش: أن رحمتي غلبت غضبي» (٣). وبسط الاستدلال على ذلك بالسنة ثم قال: قال علماء السنة: إن الله على عرشه بائن من خلقه، وقالت المعتزلة: هو بذاته في كل مكان، وقالت الأشعرية: الاستواء عائد إلى العرش، قال: ولو كان كما قالوا؛ لكانت القراءة برفع العرش، فلما كانت بخفض العرش دل على أنه عائد إلى الله ، قال: وقال بعضهم: استوى بمعنى استولى، قال الشاعر: قد استوى بشر على العراق … من غير سيف ودم مهراق (٤) والاستيلاء لا يوصف به إلا من قدر على الشيء بعد العجز عنه، والله تعالى لم يزل قادرًا على الأشياء، ومستوليًا عليها، ألا ترى أنه لا يوصف بشر بالاستيلاء على العراق، إلا وهو عاجز عنه قبل ذلك، ثم حكى أبو القاسم عن ذي النون المصري أنه قيل له: ما أراد الله سبحانه بخلق العرش؟ قال: أراد أن لا يتيه قلوب العارفين (٥)، قال: وروي عن ابن عباس في تفسير قوله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧] قال: «هو على عرشه، وعلمه في كل مكان» (٦)، ثم ساق الاحتجاج بالآثار إلى أن قال: «وزعم هؤلاء أن معنى الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه: ٥] أي: ملكه، وأنه لا اختصاص له بالعرش أكثر مما له بالأمكنة، وهذا إلغاء (٧) لتخصيص العرش وتشريفه.

стр. 1816

وَقَالَ أهل السنة: خلق الله تعالى السموات، وكان عرشه مخلوقًا قبل خلق السموات والأرض، ثم استوى على العرش بعد خلق السموات والأرض ما ورد به النص، وليس معناه: المماسة به، هو مستو على عرشه بلا كيف كما أخبر عن نفسه. قال: «وزعم هؤلاء أنه لا يجوز الإشارة إلى الله سبحانه بالرؤوس والأصابع إلى فوق، فإن ذلك يوجب التحديد. وقد أجمع المسلمون أن الله هو العلي الأعلى، ونطق بذلك القرآن، فزعم هؤلاء أن ذلك بمعنى علو الغلبة لا علو الذات، وعند المسلمين أن الله علو الذات وعلو الصفات وعلو القهر والغلبة، وفي منعهم الإشارة إلى الله من جهة الفوق خلاف منهم لسائر الملل؛ لأن جماهير المسلمين وسائر الملل قد وقع منهم الإجماع على الإشارة إلى الله من جهة الفوق في الدعاء والسؤال، واتفاقهم بأجمعهم على ذلك حجة، ولم يستجز أحد الإشارة إليه من جهة الأسفل، ولا من سائر الجهات سوى جهة الفوق، وقال تعالى: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوقِهِم﴾ [النحل: ٥٠] وقال تعالى: ﴿إِلَيهِ يَصعَدُ الكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر: ١٠] وقال تعالى: ﴿تَعرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيهِ﴾ [المعارج: ٤] وأخبر تعالى عن فرعون أنه قال: ﴿يَاهَامَانُ ابنِ لِي صَرحًا لَعَلِّي أَبلُغُ الْأَسبَابَ (٣٦) أَسبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى﴾ [غافر: ٣٦ - ٣٧] فكان فرعون قد فهم من موسى ﵊ أنه يثبت إلهًا فوق السماء، حتى رام بصرخه أن يطلع إليه، واتهم موسى ﵊ بالكذب في ذلك. والجهمية لا تعلم أن الله فوقها بوجود ذاته فهم أعجز فهمًا من فرعون بل أضل، وقد صح عن النبي ﷺ أنه سأل الجارية التي أراد مولاها عتقها: «أين الله»؟ قالت: في السماء، وأشارت برأسها إلى السماء، وقال: «من أنا»؟ فقالت: أنت رسول الله، فقال: «اعتقها فإنها مؤمنة» (١)، فحكم النبي ﷺ بإيمانها حين قالت: إن الله في السماء، وحكم الجهمي بكفر من يقول ذلك (٢). هذا كله كلام أبي القاسم رحمه الله تعالى. اهـ.

стр. 1817

قول الإمام أبي عمرو عثمان بن أبي الحسن بن الحسين السُّهْرَوَرْدي (١) الفقيه المحدث من أئمة أصحاب الشافعي من أقران البيهقي وأبي عثمان الصابوني وطبقتهما، له «كتاب في أصول الدين» قال في أوله: «الحمد لله الذي اصطفى الإسلام على الأديان، وزين أهله بزينة الإيمان، وجعل السنة عصمة أهل الهداية، ومجانبتها أمارة أهل الغواية، وأعز أهلها بالاستقامة، ووصل عزَّهم بالقيامة، وصلى الله على محمد وسلم وعلى آله أجمعين، وبعده: فإن الله تعالى لما جعل الإسلام ركن الهدى، والسنة سبب النجاة من الردى ولم يجعل لمن ابتغى غير الإسلام دينًا هاديًا، ولا من انتحل غير السنة نحلة ناجيًا، جمعتُ أصول السنة الناجي أهلها، التي لا يسع الجاهل نكرها ولا العالم جهلها ومن سلك غيرها من المسالك فهو في أودية البدع هالك … » إلى أن قال: «ودعاني إلى جمع هذا المختصر في اعتقاد السنة على مذهب الشافعي وأصحاب الحديث - إذ هم أمراء العلم وأئمة الإسلام - قول النبي ﷺ : «تكون البدع في آخر الزمان محنة، فإذا كان كذلك فمن كان عنده علم فليظهره، فإن كاتم العلم يومئذ ككاتم ما أنزل الله على نبيه محمد ﷺ » … » (٢). ثم ساق الكلام في الصفات إلى أن قال: «فصل: ومن صفاته ﵎: فوقيته واستواؤه على عرشه بذاته كما وصف نفسه في كتابه وعلى لسان رسوله ﷺ بلا كيف، ودليله (٣) قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ﴾ [الفرقان: ٥٩] وقوله تعالى في خمسة مواضع: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤] وقوله تعالى في قصة عيسى ﵇: ﴿وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [آل عمران: ٥٥] … » وساق آيات العلو ثم قال: «وعلماء الأمة وأعيان الأمة (٤) من السلف لم يختلفوا في أن الله سبحانه مستو على عرشه، وعرشه فوق سبع سمواته» (٥). ثم ذكر كلام عبد الله بن المبارك:

стр. 1818

«نعرف ربنا بأنه فوق سبع سمواته على عرشه بائن من خلقه» (١). وساق قول ابن خزيمة: «من لم يقر بأن الله تعالى فوق عرشه قد استوى فوق سبع سمواته فهو كافر (٢)». اهـ. بإسناده من كتاب «معرفة علوم الحديث» ومن كتاب «تاريخ نيسابور» للحاكم. ثم قال: «وإمامنا في الأصول والفروع أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي رحمه الله تعالى احتج في كتابه «المبسوط» على المخالف في مسألة إعتاق الرقبة المؤمنة في الكفارة وأن الرقبة الكافرة لا يصح التكفير بها (٣) بخبر معاوية بن الحكم السلمي، وأنه أراد أن يعتق الجارية السوداء عن الكفارة، وسأل النبي ﷺ ليعرف أنها مؤمنة أم لا؟ فقال لها: أين ربك؟ فأشارت إلى السماء - إذ كانت أعجمية - فقال لها: من أنا؟ فأشارت إليه وإلى السماء، تعني: أنك رسول الله الذي في السماء، فقال: «اعتقها فإنها مؤمنة» (٤)، فحكم رسول الله ﷺ بإسلامها وإيمانها لما أقرت بأن ربها في السماء، وعرفت ربها بصفة العلو والفوقية»، هذا لفظه. اهـ. قول إمام الشافعية في وقته الإمام أبي بكر محمد بن محمود بن سورة التميمي فقيه نيسابور: قال رَحِمَهُ اللهُ تعالى: «لا أصلي خلف من ينكر الصفات، ولا يقر بأن الله تعالى فوق عرشه بائن من خلقه». اهـ. ذكر أقوال جماعة من أتباع الأئمة الأربعة ممن يقتدى بأقوالهم سوى ما تقدم:

стр. 1819

قال أبو بكر محمد بن موهب (١) المالكي شارح «رسالة ابن أبي زيد»: قد تقدم ذكره عند ذكر أصحاب مالك، وحكينا بعض كلامه في «شرحه» ونحن نسوقه بعبارته. قال: «وأما قوله: «أنه فوق عرشه المجيد بذاته» فإن معنى فوق وعلا عند جميع العرب واحد، وفي كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ تصديق ذلك» ثم ساق الآيات في إثبات العلو، وحديث الجارية، إلى أن قال: «وقد تأتي «في» في لغة العرب بمعنى فوق، وعلى ذلك قوله تعالى: ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا﴾ [الملك: ١٥] يريد فوقها، وعليه كذلك (٢) قوله تعالى: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ﴾ [طه: ٧١] يريد عليها، وقال تعالى: ﴿أَأَمِنتُم مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ﴾ [الملك: ١٦] الآيات قال أهل التأويل العالمون بلغة العرب: يريد فوقها، وهو قول مالك مما فهمه (٣) عن جماعة ممن أدرك من التابعين مما فهموه عن الصحابة (٤)، مما فهموه عن النبي ﷺ أن الله في السماء بمعنى فوقها وعليها، فلذلك قال الشيخ أبو محمد: «أنه فوق عرشه المجيد بذاته ثم (٥) بين أن علوه على عرشه إنما هو بذاته؛ لأنه بائن عن جميع خلقه بلا كيف، وهو في كل مكان من الأمكنة المخلوقة بعلمه لا بذاته، إذا لا تحويه الأماكن لأنه أعظم منها، وقد كان ولا مكان ولم يحل بصفاته عما كان، إذ لا تجري عليه الأحوال، لكن علوه في استوائه على عرشه هو عندنا بخلاف ما كان قبل أن يستوي على العرش؛ لأنه قال: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الحديد: ٤] و ﴿ثُمَّ﴾ أبدًا لا يكون إلا لاستئناف فعل يصير (٦) بينه وبين ما قبله فسحة … »، إلى أن قال: وقوله: ﴿عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] عند أهل السنة على غير الاستيلاء والقهر والغلبة والملك الذي ظنته (٧) المعتزلة ومن قال بقولهم أنه بمعنى الاستيلاء، وبعضهم يقول: إنه على المجاز دون الحقيقة».

стр. 1820

قال: «ويبيّن سوء تأويلهم في استوائه على عرشه على غير ما تأولوه من الاستيلاء وغيره ما قد علمه أهل العقول (١) أنه لم يزل مستوليًا على جميع مخلوقاته بعد اختراعه لها، وكان العرش وغيره في ذلك سواء، فلا معنى لتأويلهم بإفراد العرش بالاستواء الذي هو في تأويلهم الفاسد استيلاء وملك وقهر وغلبة». قال: «وكذلك بيّن أيضًا أنه على الحقيقة بقول : ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلا﴾ [النساء: ١٢٢]؛ فلما رأى المنصفون إفراد ذكره بالاستواء على عرشه بعد خلق سمواته وأرضه وتخصيصه بصفة الاستواء علموا أن الاستواء هنا غير الاستيلاء ونحوه، فأقروا بصفة الاستواء على عرشه وأنه على الحقيقة لا على المجاز؛ لأنه الصادق في قيله، ووقفوا عن تكييف ذلك إذ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ من الأشياء، وقد تقدم قول القاضي عبد الوهاب إمام المالكية بالعراق: أن الاستواء استواء الذات على العرش، وأنه قول أبي الطيب الأشعري حكاه عنه عبد الوهاب نصًا، وأنه قول الأشعري بنفسه صرح به في بعض كتبه، وأنه قول الخطابي وغيره من الفقهاء والمحدثين ذكر ذلك كله الإمام أبو بكر الحضرمي في رسالته التي سماها بـ «الإيماء إلى مسألة الاستواء فمن أراد الوقوف عليها فليقرأها وقد تقدم قول أبي عمر بن عبد البر وعلماء الصحابة والتابعين الذين حمل عنهم التأويل قالوا في تأويل قوله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧] أنه على العرش، وعلمه في كل مكان (٢)، وما خالفهم في ذلك أحد يحتج بقوله، وأهل السنة مجمعون على الإقرار بالصفات الواردة كلها في القرآن والسنة والإيمان بها، وحملها على الحقيقة لا على المجاز، إلا أنهم لا يكيفون شيئًا من ذلك ولا يحدون فيه صفة محصورة، وأما أهل البدع الجهمية والمعتزلة كلها والخوارج فكلهم ينكرها (٣) فيما قاله القائلون بما نطق به كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ وهم أئمة الجماعة» (٤). اهـ. قول شيخ الإسلام موفق الدين أبي محمد عبد الله بن أحمد المقدسي الذي

стр. 1821

اتفقت الطوائف على قبوله وتعظيمه وإمامته، خلا جهمي أو معطل، قال في كتاب «إثبات صفة العلو»: «أما بعد: فإن الله تعالى وصف نفسه بالعلو في السماء، ووصفه بذلك رسوله خاتم الأنبياء ﵊، وأجمع على ذلك جميع العلماء من الصحابة الأتقياء، والأئمة من الفقهاء، وتواترت الأخبار في ذلك على وجه حصل به اليقين، وجمع الله عليه قلوب المسلمين، وجعله مغروزًا في طبائع (١) الخلق أجمعين، فنراهم (٢) عند نزول الكرب يلحظون السماء بأعينهم، ويرفعون عندها (٣) للدعاء أيديهم، وينتظرن مجيء الفرج من ربهم سبحانه، وينطقون بذلك بألسنتهم لا ينكر ذلك إلا مبتدع غال في بدعته، أو مفتون بتقليد (٤) واتباعه على ضلالته» (٥). وقال في «عقيدته» (٦): «ومن السنة قول النبي ﷺ : «ينزل ربنا إلى سماء الدنيا» (٧) وقوله ﷺ : «لله أفرح بتوبة عبده» (٨). وقوله ﷺ : «يعجب ربك»» (٩). إلى أن قال: «فهذا وما أشبهه مما صح سنده وعُدّلت رواته (١٠) نؤمن به ولا نرده ولا نجحده، ولا نعتقد فيه تشبيهه (١١) بصفات المخلوقين، ولا سمات (١٢)

стр. 1822

الْمُحَدِّثِينَ، بل نؤمن بلفظه ونترك التعرض لمعناه، قراءته تفسيره (١) ومن ذلك قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] وقوله تعالى: ﴿أَأَمِنتُم مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك: ١٦] وقول النبي ﷺ : «ربنا الله الذي في السماء» (٢) وقوله للجارية: «أين الله؟ قالت: في السماء، قال: «اعتقها إنها مؤمنة» (٣) رواه مالك بن أنس وغيره من الأئمة، وروى أبو داود في «سننه» أن النبي ﷺ قال: «إن بين سماء إلى سماء مسيرة كذا وكذا» وذكر الحديث إلى أن قال: «وفوق ذلك العرش، والله تعالى فوق ذلك» (٤) نؤمن بذلك ونتلقاه بالقبول من غير رد له ولا تعطيل ولا تشبيه ولا تأويل ولا نتعرض له بكيف، ولما سئل مالك بن أنس فقيل له: يا أبا عبد الله، ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] كيف استوى؟ فقال: «الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة». ثم أمر بالرجل، فأخرج» (٥). اهـ. قول إمام الشافعية في وقته - بل هو الشافعي الثاني - أبي حامد الإسفراييني، كان من كبار أئمة السنة المثبتين للصفات، قال: «مذهبي ومذهب الشافعي وجميع علماء الأمصار: أن القرآن كلام الله، ليس بمخلوق، ومن قال: مخلوق فهو كافر، وأن جبرائيل ﵇ سمعه من الله ، وحمله إلى محمد ﷺ ، وسمعه النبي ﷺ من جبرائيل، وسمعه الصحابة من محمد ﷺ ، وأن كل حرف منه كالباء والتاء كلام الله ليس بمخلوق». ذكره في كتابه في «أصول الفقه» ذكره عنه شيخ الإسلام في «الأجوبة المصرية».

стр. 1823

قال شيخ الإسلام: «وكان الشيخ أبو حامد يصرح بمخالفة القاضي أبي بكر بن الطيب في مسألة القرآن» (١). قال إمام الأئمة أبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة إمام السنة: «نؤمن بخبر الله سبحانه أن خالقنا مستو على عرشه لا نبدل كلام الله ولا نقول غير الذي قيل لنا، كما قالت الجهمية المعطلة: إنه استولى على عرشه لا استوى، فبدلوا قولًا غير الذي قيل لهم» (٢). وقال في كتاب «التوحيد»: «باب ذكر استواء خالقنا العلي الأعلى الفعال لما يشاء على عرشه وكان فوقه وفوق (٣) كل شيء عاليًا». ثم ساق الأدلة على ذلك من القرآن والسنة ثم قال: «باب الدليل على أن الإقرار بأن الله فوق السماء من الإيمان» (٤) ثم ساق حديث الجارية. اهـ. قول إمام الشافعية في وقته سعد بن علي الزنجاني. صرح بالفوقية بالذات، فقال: «وهو على (٥) عرشه بوجود ذاته». هذا لفظه وهو إمام في السنة له قصيدة فيها معروفة أولها: تَمَسَّكْ بِحَبْلِ اللهِ وَاتَّبِعِ الأَثَر … وَدَعْ عَنْكَ رَأْيًا لا يُلائِمُهُ خَبَرٌ (٦) وقال في شرح هذه القصيدة: «والصواب عند أهل الحق أن الله تعالى خلق السموات والأرض، وكان عرشه على الماء مخلوقًا قبل خلق السموات والأرض.

стр. 1824

ثم استوى على العرش بعد خلق السموات والأرض، على ما ورد به النص ونطق به القرآن، وليس معنى استوائه أنه ملكه واستولى عليه؛ لأنه كان مستوليًا عليه قبل ذلك وهو أحدثه؛ لأنه مالك جميع الخلائق ومستول عليها، وليس معنى الاستواء أيضًا أنه ماس العرش أو اعتمد عليه أو طابقه، فإن كل ذلك ممتنع في صفته جل ذكره، ولكنه مستو بذاته على عرشه بلا كيف، كما أخبر عن نفسه، وقد أجمع المسلمون على أن الله هو العلي الأعلى، ونطق بذلك القرآن بقوله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١] وأن الله علو الغلبة والعلو الأعلى من سائر وجوه العلو؛ لأن العلو صفة مدح عند كل عاقل، فثبت بذلك أن الله علو الذات وعلو الصفات وعلو القهر والغلبة، وجماهير المسلمين وسائر الملل قد وقع منهم الإجماع على الإشارة إلى الله جل ثناؤه من جهة الفوق في الدعاء والسؤال، فاتفاقهم بأجمعهم على الإشارة إلى الله سبحانه من جهة الفوق حجة، ولم يستجز أحد الإشارة إليه من جهة الأسفل ولا من سائر الجهات سوى جهة الفوق. وقال تعالى: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ [النحل: ٥٠]، وقال تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠]، وقال تعالى: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ [المعارج: ٤]، وأخبر عن فرعون أنه قال: ﴿يَاهَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (٣٦) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ [غافر: ٣٦ - ٣٧] وكان فرعون قد فهم من موسى أنه يثبت إلها فوق السماء حتى رام بصرحه أن يطلع إليه، واتهم موسى بالكذب في ذلك، ومخالفنا ليس يعلم أن الله فوقه بوجود ذاته فهو أعجز فهمًا من فرعون، وقد صح عن رسول الله ﷺ أنه سأل الجارية التي أراد مولاها عتقها: «أين الله»؟ قالت: في السماء وأشارت برأسها، وقال: «من أنا؟ قالت: أنت رسول الله. فقال: اعتقها فإنها مؤمنة» (١)، فحكم النبي ﷺ بإيمانها حين قالت: إن الله في السماء، وقال: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [السجدة: ٤] وقال تعالى: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ﴾ [السجدة: ٥] وذكر النبي ﷺ : «ما بين كل سماء إلى سماء وما بين السماء السابعة وبين العرش»، ثم قال: «الله فوق ذلك» (٢) وله أجوبة سئل عنها في السنة،

стр. 1825

فأجاب عنها بأجوبة أئمة السنة، وصدرها بجواب إمام وقته أبي العباس بن سريج (١). اهـ. قول الإمام أبي جعفر محمد بن جرير الطبري، الإمام في الفقه والتفسير والحديث والتاريخ واللغة والنحو والقرآن قال في كتاب «صريح السنة»: «وحسب المرء أن يعلم أن ربه هو الذي ﴿عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] فمن تجاوز إلى غير ذلك فقد خاب وخسر (٢) وقال في تفسيره الكبير» في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [السجدة: ٥] قال: «علا وارتفع» (٣)، وقال في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ [البقرة: ٢٩] عن الربيع بن أنس أنه يعني: «ارتفع» (٤)، وقال في قوله تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩] قال: «يجلسه معه على العرش» (٥) وقال في قوله : ﴿يَاهَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (٣٦) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ [غافر: ٣٦، ٣٧] يقول: «وإني لأظن موسى كاذبًا فيما يقول ويدعي أن له ربًا في السماء أرسله إلينا» (٦). وقال في كتاب «التبصير في معالم الدين»: «القول فيما إدراكه بيان وعلمه خبر من الصفات (٧)، وذلك نحو إخباره (٨) أنه سميع بصير وأن له يدين بقوله: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة: ٦٤]، وأن له وجهًا بقوله تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٢٧]، وأن له قدمًا، لقول النبي ﷺ : «حتى يضع
следующие страницы →