← Акыда

Акыда · id 30197

سبيل الرشاد في هدي خير العباد

محمد تقي الدين الهلالي

Полный текст (2 277 стр.). Показаны 1821–1860 · переход к 1826.

стр. 1821

اتفقت الطوائف على قبوله وتعظيمه وإمامته، خلا جهمي أو معطل، قال في كتاب «إثبات صفة العلو»: «أما بعد: فإن الله تعالى وصف نفسه بالعلو في السماء، ووصفه بذلك رسوله خاتم الأنبياء ﵊، وأجمع على ذلك جميع العلماء من الصحابة الأتقياء، والأئمة من الفقهاء، وتواترت الأخبار في ذلك على وجه حصل به اليقين، وجمع الله عليه قلوب المسلمين، وجعله مغروزًا في طبائع (١) الخلق أجمعين، فنراهم (٢) عند نزول الكرب يلحظون السماء بأعينهم، ويرفعون عندها (٣) للدعاء أيديهم، وينتظرن مجيء الفرج من ربهم سبحانه، وينطقون بذلك بألسنتهم لا ينكر ذلك إلا مبتدع غال في بدعته، أو مفتون بتقليد (٤) واتباعه على ضلالته» (٥). وقال في «عقيدته» (٦): «ومن السنة قول النبي ﷺ : «ينزل ربنا إلى سماء الدنيا» (٧) وقوله ﷺ : «لله أفرح بتوبة عبده» (٨). وقوله ﷺ : «يعجب ربك»» (٩). إلى أن قال: «فهذا وما أشبهه مما صح سنده وعُدّلت رواته (١٠) نؤمن به ولا نرده ولا نجحده، ولا نعتقد فيه تشبيهه (١١) بصفات المخلوقين، ولا سمات (١٢)

стр. 1822

الْمُحَدِّثِينَ، بل نؤمن بلفظه ونترك التعرض لمعناه، قراءته تفسيره (١) ومن ذلك قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] وقوله تعالى: ﴿أَأَمِنتُم مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك: ١٦] وقول النبي ﷺ : «ربنا الله الذي في السماء» (٢) وقوله للجارية: «أين الله؟ قالت: في السماء، قال: «اعتقها إنها مؤمنة» (٣) رواه مالك بن أنس وغيره من الأئمة، وروى أبو داود في «سننه» أن النبي ﷺ قال: «إن بين سماء إلى سماء مسيرة كذا وكذا» وذكر الحديث إلى أن قال: «وفوق ذلك العرش، والله تعالى فوق ذلك» (٤) نؤمن بذلك ونتلقاه بالقبول من غير رد له ولا تعطيل ولا تشبيه ولا تأويل ولا نتعرض له بكيف، ولما سئل مالك بن أنس فقيل له: يا أبا عبد الله، ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] كيف استوى؟ فقال: «الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة». ثم أمر بالرجل، فأخرج» (٥). اهـ. قول إمام الشافعية في وقته - بل هو الشافعي الثاني - أبي حامد الإسفراييني، كان من كبار أئمة السنة المثبتين للصفات، قال: «مذهبي ومذهب الشافعي وجميع علماء الأمصار: أن القرآن كلام الله، ليس بمخلوق، ومن قال: مخلوق فهو كافر، وأن جبرائيل ﵇ سمعه من الله ، وحمله إلى محمد ﷺ ، وسمعه النبي ﷺ من جبرائيل، وسمعه الصحابة من محمد ﷺ ، وأن كل حرف منه كالباء والتاء كلام الله ليس بمخلوق». ذكره في كتابه في «أصول الفقه» ذكره عنه شيخ الإسلام في «الأجوبة المصرية».

стр. 1823

قال شيخ الإسلام: «وكان الشيخ أبو حامد يصرح بمخالفة القاضي أبي بكر بن الطيب في مسألة القرآن» (١). قال إمام الأئمة أبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة إمام السنة: «نؤمن بخبر الله سبحانه أن خالقنا مستو على عرشه لا نبدل كلام الله ولا نقول غير الذي قيل لنا، كما قالت الجهمية المعطلة: إنه استولى على عرشه لا استوى، فبدلوا قولًا غير الذي قيل لهم» (٢). وقال في كتاب «التوحيد»: «باب ذكر استواء خالقنا العلي الأعلى الفعال لما يشاء على عرشه وكان فوقه وفوق (٣) كل شيء عاليًا». ثم ساق الأدلة على ذلك من القرآن والسنة ثم قال: «باب الدليل على أن الإقرار بأن الله فوق السماء من الإيمان» (٤) ثم ساق حديث الجارية. اهـ. قول إمام الشافعية في وقته سعد بن علي الزنجاني. صرح بالفوقية بالذات، فقال: «وهو على (٥) عرشه بوجود ذاته». هذا لفظه وهو إمام في السنة له قصيدة فيها معروفة أولها: تَمَسَّكْ بِحَبْلِ اللهِ وَاتَّبِعِ الأَثَر … وَدَعْ عَنْكَ رَأْيًا لا يُلائِمُهُ خَبَرٌ (٦) وقال في شرح هذه القصيدة: «والصواب عند أهل الحق أن الله تعالى خلق السموات والأرض، وكان عرشه على الماء مخلوقًا قبل خلق السموات والأرض.

стр. 1824

ثم استوى على العرش بعد خلق السموات والأرض، على ما ورد به النص ونطق به القرآن، وليس معنى استوائه أنه ملكه واستولى عليه؛ لأنه كان مستوليًا عليه قبل ذلك وهو أحدثه؛ لأنه مالك جميع الخلائق ومستول عليها، وليس معنى الاستواء أيضًا أنه ماس العرش أو اعتمد عليه أو طابقه، فإن كل ذلك ممتنع في صفته جل ذكره، ولكنه مستو بذاته على عرشه بلا كيف، كما أخبر عن نفسه، وقد أجمع المسلمون على أن الله هو العلي الأعلى، ونطق بذلك القرآن بقوله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١] وأن الله علو الغلبة والعلو الأعلى من سائر وجوه العلو؛ لأن العلو صفة مدح عند كل عاقل، فثبت بذلك أن الله علو الذات وعلو الصفات وعلو القهر والغلبة، وجماهير المسلمين وسائر الملل قد وقع منهم الإجماع على الإشارة إلى الله جل ثناؤه من جهة الفوق في الدعاء والسؤال، فاتفاقهم بأجمعهم على الإشارة إلى الله سبحانه من جهة الفوق حجة، ولم يستجز أحد الإشارة إليه من جهة الأسفل ولا من سائر الجهات سوى جهة الفوق. وقال تعالى: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ [النحل: ٥٠]، وقال تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠]، وقال تعالى: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ [المعارج: ٤]، وأخبر عن فرعون أنه قال: ﴿يَاهَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (٣٦) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ [غافر: ٣٦ - ٣٧] وكان فرعون قد فهم من موسى أنه يثبت إلها فوق السماء حتى رام بصرحه أن يطلع إليه، واتهم موسى بالكذب في ذلك، ومخالفنا ليس يعلم أن الله فوقه بوجود ذاته فهو أعجز فهمًا من فرعون، وقد صح عن رسول الله ﷺ أنه سأل الجارية التي أراد مولاها عتقها: «أين الله»؟ قالت: في السماء وأشارت برأسها، وقال: «من أنا؟ قالت: أنت رسول الله. فقال: اعتقها فإنها مؤمنة» (١)، فحكم النبي ﷺ بإيمانها حين قالت: إن الله في السماء، وقال: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [السجدة: ٤] وقال تعالى: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ﴾ [السجدة: ٥] وذكر النبي ﷺ : «ما بين كل سماء إلى سماء وما بين السماء السابعة وبين العرش»، ثم قال: «الله فوق ذلك» (٢) وله أجوبة سئل عنها في السنة،

стр. 1825

فأجاب عنها بأجوبة أئمة السنة، وصدرها بجواب إمام وقته أبي العباس بن سريج (١). اهـ. قول الإمام أبي جعفر محمد بن جرير الطبري، الإمام في الفقه والتفسير والحديث والتاريخ واللغة والنحو والقرآن قال في كتاب «صريح السنة»: «وحسب المرء أن يعلم أن ربه هو الذي ﴿عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] فمن تجاوز إلى غير ذلك فقد خاب وخسر (٢) وقال في تفسيره الكبير» في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [السجدة: ٥] قال: «علا وارتفع» (٣)، وقال في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ [البقرة: ٢٩] عن الربيع بن أنس أنه يعني: «ارتفع» (٤)، وقال في قوله تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩] قال: «يجلسه معه على العرش» (٥) وقال في قوله : ﴿يَاهَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (٣٦) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ [غافر: ٣٦، ٣٧] يقول: «وإني لأظن موسى كاذبًا فيما يقول ويدعي أن له ربًا في السماء أرسله إلينا» (٦). وقال في كتاب «التبصير في معالم الدين»: «القول فيما إدراكه بيان وعلمه خبر من الصفات (٧)، وذلك نحو إخباره (٨) أنه سميع بصير وأن له يدين بقوله: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة: ٦٤]، وأن له وجهًا بقوله تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٢٧]، وأن له قدمًا، لقول النبي ﷺ : «حتى يضع

стр. 1826

رَبُّ العِزَّةِ فيها قَدَمُه (١)، وأنه يَضْحَكُ لقوله: «لَقِيَ اللهُ وهو يَضْحَكُ إليه» (٢)، وأنه يَهْبِطُ إلى سماءِ الدنيا بخبرِ النبي ﷺ بذلك (٣)، وأن له أُصْبُعًا بقول النبي ﷺ : «ما قَلْبٌ إلا وهو بين أُصْبُعَيْنِ من أصابع الرحمن» (٤). فإن هذه المعاني التي وُصِفَت (٥) ونظائرها مما (٦) وَصَفَ اللهُ به نفسه ورسوله مما لا تُدْرِكُ (٧) حقيقة علمه بالفِكْر (٨) والرؤيةِ لا يَكْفُرُ بالجهلِ بها أحدٌ إلا بعد انتهائِها إليه (٩) [فيجب عليه قبولها] (١٠). ذكر هذا عنه أبو يعلى في كتاب: «إبطال التأويل» (١١). قال الخطيب: «كان ابن جرير (١٢) أحد العلماء (١٣) يُحْكَمُ بقوله ويرجع إلى رأيه، وكان قد جمع من العلوم ما لم يشاركه فيه أحد من أهل عصره، وكان عارفًا بالقرآن (١٤)، بصيرًا بالمعاني، فقيهًا في أحكام القرآن، عالمًا بالسنن وطرقها.

стр. 1827

وصحيحها وسقيمها وناسخها ومنسوخها، عارفًا بأقوال الصحابة والتابعين (١)، في الأحكام (٢) والحلال والحرام» (٣). قال أبو حامد الإسفراييني: «لو سافر رجل إلى الصين، حتى يحصل له كتاب «تفسير محمد بن جرير» لم يكن كثيرًا» (٤). وقال ابن خزيمة: «ما أعلم على أديم الأرض أعلم من (ج)» (٥). وقال الخطيب: «سمعت علي بن عبد الله اللغوي يحكي أن (ج) مكث أربعين سنة يكتب في كل يوم منها أربعين ورقة» (٦). قلت: وكان له مذهب مستقل، له أصحاب عدة (٧) أبو الفرج المعافى بن زكريا منهم، ومن أراد معرفة أقوال الصحابة والتابعين في هذا الباب، فليطالع ما قاله عنهم في تفسير قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ﴾ [الأعراف: ١٤٣] وقوله: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ﴾ [الشورى: ٥] وقوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤] يتبين له أي الفريقين أولى بالله ورسوله الجهمية المعطلة أو أهل السنة والإثبات، والله المستعان. اهـ. قول الإمام أبي القاسم الطبري اللالكائي أحد أئمة أصحاب الشافعي في كتابه في «السنة» - وهو من أجل الكتب -: «سياق ما جاء (٨) في قوله : ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] وأن الله على عرشه في السماء». ثم ذكر قول من هذا قوله من الصحابة والتابعين والأئمة، قال: «هو قول عمر وعبد الله بن مسعود، وأحمد بن حنبل». وعد جماعة يطول ذكرهم ثم ساق الآثار

стр. 1828

في ذلك عن عمر وعلي وابن مسعود وعائشة وابن عباس وأبي هريرة وعبد الله بن عمرو وغيرهم (١). اهـ. قول الإمام محيي السنة الحسين بن مسعود البغوي قال في «تفسيره» - الذي هو شجى في حلوق الجهمية والمعطلة - في سورة الأعراف في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ قال الكلبي ومقاتل: استقر، وقال أبو عبيدة «صعد»، قال (٢): وأولت المعتزلة الاستواء بالاستيلاء، قال: وأمّا (٣) أهل السنة فيقولون: الاستواء على العرش صفة الله (٤) بلا كيف يجب على الرجل أن يؤمن بذلك (٥)، ويكل العلم فيه إلى الله تعالى». ثم حكى قول مالك: «الاستواء غير مجهول» (٦)، ومراد السلف بقولهم: بلا كيف، هو نفي للتأويل (٧)، فإنه التكييف الذي يزعمه أهل التأويل، فإنهم هم الذين يثبتون كيفية تخالف الحقيقة، فيقعون في ثلاثة محاذير: نفي الحقيقة، وإثبات التكييف بالتأويل، وتعطيل الرب تعالى عن صفته التي أثبتها لنفسه. وأما أهل الإثبات فليس أحد منهم يكيف ما أثبته الله تعالى لنفسه ويقول: كيفيته كذا وكذا، حتى يكون قول السلف - بلا كيف - ردًا عليه، وإنما ردوا على أهل التأويل الذي يتضمن التحريف والتعطيل تحريف اللفظ وتعطيل معناه اهـ. فصل في ذكر قول الإمام أحمد بن حنبل وأصحابه رحمهم الله تعالى قال الخلال في كتاب السنة بسنده إلى عبد الله بن أحمد قال: قيل لأبي: ربنا ﵎ فوق السماء السابعة على عرشه. بائن من خلقه. وقدرته وعلمه بكل مكان؟ قال: «نعم لا يخلو شيء من علمه» (٨). قال الخلال: وأخبرني عبد الملك بن عبد الحميد الميموني قال: سألت

стр. 1829

أبا عبد الله أحمد عمن قال: إن الله تعالى ليس على العرش؟ فقال: كلامهم كله يدور على الكفر. وروى الطبري الشافعي في كتاب: «السنة» له بإسناده عن حنبل قال: قيل لأبي عبد الله: معنى قوله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧] وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾ [الحديد: ٤] قال: «علمه محيط بالكل، وربنا على العرش بلا حد ولا صفة، وسع كرسيه السموات والأرض» (١). وقال أبو طالب: سألت أحمد بن حنبل قال: إن الله معنا وتلا قوله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧] قال: يأخذون بآخر الآية ويدعون أولها، هلا قرأت عليه: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾ [المجادلة: ٧] بالعلم معهم، وقال في قوله تعالى: ﴿وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق: ١٦] (٢). وقال المروزي (٣): قلت: لأبي عبد الله: إن رجلًا قال: أقول كما قال الله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧] أقول هذا ولا أجاوزه إلى غيره، فقال أبو عبد الله: «هذا كلام الجهمية»، فقلت له: فكيف نقول: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧] قال: «علمه في كل مكان وعلمه معهم»، قال: «أول الآية يدل على أنه علمه» وقال في موضع آخر: «وإن الله على فوق السماء السابعة، يعلم ما تحت الأرض السفلى، وأنه غير مماس لشيء من خلقه، هو ﵎ بائن من خلقه، وخلقه بالنون منه» (٤). وقال في كتاب: «الرد على الجهمية» الذي رواه عنه الخلال من طريق ابنه

стр. 1830

عبد الله قال: باب بيان ما أنكرت الجهمية (١) أن يكون الله تعالى على العرش وقال تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (٢)، قلنا لهم: ما (٣) أنكرتم أن يكون الله تعالى على العرش، وقد قال تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ فقالوا: هو تحت الأرض السابعة كما هو على العرش (٤)، وفي السموات والأرض وفي كل مكان (٥) وتلا: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ﴾ [الأنعام: ٣] قال أحمد: فقلنا: قد عرف المسلمون أماكن كثيرة ليس فيها من ذات الرب (٦) شيء، أجسامكم وأجوافكم والحشوش والأماكن القذرة ليس فيها من ذات الرب تعالى (٧) شيء، وقد أخبرنا الله أنه في السماء فقال: ﴿أَأَمِنتُم مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ (١٦) أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا﴾ [الملك: ١٦، ١٧] ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر: ١٠] ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [آل عمران: ٥٥] ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ [النساء: ١٥٨] ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ [النحل: ٥٠] (٨). ذكر هذا الكلام كله أبو بكر الخلال في كتاب «السنة» الذي جمع فيه نصوص أحمد وكلامه، وعلى منواله جمع البيهقي في كتابه الذي سماه «جامع النصوص» من كلام الشافعي، وهما كتابان جليلان لا يستغني عنهما عالم، وخطبة كتاب أحمد بن حنبل: «الحمد لله الذي جعل في كل زمان فترة من الرسل عليهم الصلاة والسلام بقايا من أهل العلم، يدعون من ضل إلى الهدى، ويَصْبِرُون منهم على الأذى، يُحيُون بكتاب الله الموتى، ويُبصرون بنور الله تعالى

стр. 1831

أهل العمى، فكم من قتيل لإبليس قد أحيوه، وكم من ضال تائه قد هَدَوْهُ، فما أحسن أثرهم على الناس، و [ما] (١) أقبح أثر الناس عليهم، ينفون عن كتاب الله تعالى تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين، الذين عقدوا أَلْوِيَة البدعة، وأطلقوا عنان الفتنة، فهم مختلفون في الكتاب، مخالفون للكتاب، مجمعون على مخالفة الكتاب، يقولون على الله تعالى وفي الله تعالى وفي كتاب الله تعالى بغير علم، يتكلمون بالمتشابه من الكلام، ويخدعون الجهال (٢) بما يشبهون عليهم، فنعوذ بالله من فتن المضلين». ثم قال: (باب بيان ما ضلَّتْ فيه [الجهمية] (٣) الزنادقة من متشابه القرآن) ثم تكلم على قوله تعالى: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾ [النساء: ٥٦] قال: قالت الزنادقة: «فما بال جلودهم التي عصت قد احترقت وأبدلهم الله جلودًا غيرها، فلا نرى إلا أن الله يعذب جلودًا بلا ذنب يقول (٤): ﴿جُلُودًا غَيْرَهَا﴾ فشكوا في القرآن وزعموا أنه متناقض فقلنا (٥): إن قَوْل الله : ﴿بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾ ليس يعني (٦) جلودًا أخرى غير جلودهم، وإنما يعني بتبديلها (٧) تجديدها لأن جلودهم إذا نضجت جددها الله». ثم تكلم على آيات من مشكل القرآن، ثم قال: «وإن مما أنكرت الجهمية الضلال أن الله على على العرش استوى، وقد قال تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ وقال تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٩]». ثم ساق أدلة القرآن، ثم قال: ووجدنا كل شيء أسفل مذمومًا، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ وقال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنَا أَرِنَا اللَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الْأَسْفَلِينَ﴾.

стр. 1832

[فصلت: ٢٩] ثم قال: «ومعنى قوله تعالى: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ﴾ [الأنعام: ٣] يقول هو: إله من في السموات وإله من في الأرض وهو على العرش، وقد أحاط عِلْمه بما دون العرش لا يخلو من علمه (١) مكان، ولا يكون علم الله تعالى في مكان دون مكان، وذلك (٢) قوله: ﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق: ١٢]. قال الإمام أحمد: «ومن الاعتبار في ذلك لو أن رجلًا كان في يده قدح من قوارير وفيه شيء (٣) كان نظر (٤) ابن آدم قد أحاط بالقدح من غير أن يكون ابن آدم في القدح، فالله سبحانه - وله المثل الأعلى - قد أحاط بجميع ما خلق (٥) [وقد علم كيف هو وما هو] (٦) من غير أن يكون في شيء مما خلق» (٧) قال: «وخصلة أخرى: لو أن رجلًا بنى دارًا بجميع مرافقها، ثم أغلق بابها (٨)، كان لا يخفى عليه كم بيتًا في داره، وكم سعة كل بيت، من غير أن يكون صاحب الدار في جوف الدار، فالله سبحانه (٩) قد أحاط بجميع ما خلق، وقد علم كيف هو وما هو، [وله المثل الأعلى] (٤) وليس هو في شيء مما خلق» (١٠). قال الإمام أحمد: «ومما (١١) تأولت الجهمية من قول الله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧]، فقالوا: إن الله معنا وفينا، فقلنا لهم، لم قطعتم الخبر من أوله؟ إن الله تعالى يقول: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ [المجادلة: ٧]؛ يعني:

стр. 1833

علمه فيهم، ﴿أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [المجادلة: ٧] ففتح الخبر بعلمه وختمه بعلمه. قال الإمام أحمد: «وإذا أردت أن تعلم أن الجهمي كاذب على الله حين زعم أنه في كل مكان ولا يكون في مكان دون مكان، فقل له: فحين خلق الشيء خلقه في نفسه أو خارجًا عن نفسه، فإنه يصير إلى أحد ثلاثة أقاويل (١): إن زعم أن الله تعالى خلق الخلق في نفسه كفر، حين زعم أن الجن والإنس والشياطين وإبليس في نفسه، وإن قال: خلقهم خارجًا عن نفسه ثم دخل فيهم كفر أيضًا، حين زعم أنه دخل في كل مكان وَحُشُ وقذر (٢)، وإن قال: خلقهم خارجًا عن نفسه ثم لم يدخل فيهم، رجع عن قوله كله أجمع وهو قول أهل السنة». قال أحمد: بيان ما ذكر في القرآن ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾ [الحديد: ٤] على وجوه، قوله تعالى لموسى وهارون ﵇: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه: ٤٦] يقول: في الدفع عنكما، وقال: ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ، لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: ٤٠]؛ يعني: في الدفع عنا، وقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: ١٤٩]؛ يعني في النصرة لهم على عدوهم، وقوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ﴾ [محمد: ٣٥]؛ يعني في النصرة لكم على عدوكم، وقال تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ﴾ [النساء: ١٠٨]؛ يعني: يقول بعلمه فيهم، وقوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء: ٦٢] يقول: بالعَوْنِ على فرعون. فلما ظهرت الحجة على الجهمي بما ادعى على الله سبحانه أنه مع خلقه قال: هو في كل شيء غير مماس لشيء ولا مباينًا له (٣)، فقلنا له: فإذا كان غير مباين للشيء أهو مماس له؟ قال: لا، قلنا: فكيف يكون في كل شيء غير مماس لشيء ولا مباينًا لشيء (٤)؟ فلم يُحسن الجواب، فقال: بلا كيف ليخدع الجهال بهذه الكلمة ويُمَوِّهَ عليهم، ثم قلنا لهم: إذا كان يوم القيامة أليس إنما تكون الجنة والنار والعرش والهواء؟ فقال: بلى، فقلنا: وأين يكون ربنا؟ قال: يكون

стр. 1834

في كل شيء، كما كان حيث كانت الدنيا، قلنا: ففي مذهبكم إن ما كان من الله تعالى على العرش فهو على العرش، وما كان من الله تعالى في الجنة، فهو في الجنة وما كان من الله تعالى في النار فهو في النار، وما كان منه في الهواء، فهو في الهواء، فعند ذلك تبين للناس كذبهم على الله». قال أحمد: «وقلنا للجهمية حين زعمتم أن الله تعالى في كل مكان، قلنا: أخبرونا عن قول الله تعالى: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ﴾ [الأعراف: ١٤٣] كان في الجبل بزعمكم؟ فلو كان فيه كما تزعمون لم يكن تجلى له، بل كان سبحانه على العرش، فتجلى لشيء لم يكن فيه، ورأى الجبل شيئًا لم يكن رآه قط قبل ذلك». قال أحمد: «وقلنا للجهمية: الله نور، فقالوا: هو نور كله. فقلنا لهم: قال الله : ﴿وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا﴾ [الزمر: ٦٩] فقد أخبر جل ثناؤه أن له نورًا، وقلنا لهم: أخبرونا حين زعمتم أن الله سبحانه في كل مكان وهو نور، فَلِمَ لَمْ يضيء البيت المظلم بلا سراج؟ وما بال السراج إذا دخل البيت المظلم يضيء؟! فعند ذلك تبين للناس كذبهم على الله تعالى». قال الإمام أحمد: «كان جهم وشيعته كذلك دعوا الناس إلى المتشابه من القرآن والحديث؛ فَضَلُّوا وأضلوا بكلامهم كثيرًا، وكان فيما بلغنا عن الجهم - عدو الله - أنه كان من أهل خراسان وكان صاحب خصومات وشر وكلام، وكان أكثر كلامه في الله تعالى، فلقي أناسًا من الكفار يقال لهم: السُّمَنِية فعرفوا الجهم فقالوا له: نكلمك فإن ظهرت حجتنا عليك دخلت في ديننا، وإن ظهرت حجتك علينا دخلنا في دينك، فكان مما كلَّموا به جهمًا قالوا: ألست تزعم أن لك إلهًا؟ قال الجهم: نعم، قالوا له: فهل رأت عينك إلهك؟ قال: لا، قالوا: فهل شممت له رائحة؟ قال: لا، قالوا: فهل وجدت له حسًا؟ قال: لا، قالوا: فهل وجدت له مجسًا؟ قال: لا، قالوا: فما يدريك أنه إله؟ قال: فتحير الجهم ولم يدر أربعين يومًا، ثم إنه استدرك حجة من جنس حجة زنادقة النصارى - لعنهم الله -. وذلك أن زنادقة النصارى لعنهم الله تعالى زعموا أن الروح التي في عيسى ابن مريم روح الله من ذات الله، فإذا أراد أن يحدث أمرًا دخل في بعض خلقه فتكلم على لسانه فيأمر بما يشاء وينهى عما يشاء، وهو روح غائب عن الأبصار، فاستدرك الجهم حجة مثل هذه الحجة، فقال للسُّمَني: تزعم أن فيك روحًا،

стр. 1835

قال: نعم، قال: فهل رأيت روحك؟ قال: لا، قال: فهل سمعت كلامه؟ قال: لا، قال: فهل وجدت له مَجَسًا أو حسًا؟ قال: لا، قال: فكذلك الله لا يرى له وجه ولا يُسمَع له صوت ولا يشم له رائحة وهو غائب عن الأبصار ولا يكون في مكان دون مكان. ووجد ثلاث آيات في القرآن من المتشابه: قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ﴾ [الأنعام: ٣] ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ [الأنعام: ١٠٣] فبنى أصل كلامه على هؤلاء الآيات، وتأول القرآن على غير تأويله، وكذب بأحاديث النبي ﷺ ، وزعم أن مَنْ وصف الله تعالى بشيء مما وصف به نفسه في كتابه أو حدث عنه النبي ﷺ كان كافرًا أو كان من المُشبّهة، فأضلَّ بشرًا كثيرًا، وتبعه على قوله رجال من أصحاب عمرو بن عبيد وأصحاب فلان (١)، ووضع دين الجهمية، فإذا سألهم الناس عن قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]: ما تفسيره؟ يقولون: ليس كمثله شيء من الأشياء، هو تحت الأرض السابعة كما هو على العرش، لا يخلو منه مكان، ولا هو في مكان دون مكان، ولا يتكلم ولا يكلم (٢) ولا ينظر إليه أحد لا في الدنيا ولا في الآخرة، ولا يوصف ولا يعرف بصفة (٣)، ولا له غاية ولا منتهى ولا يُدرك بعقل، وهو وجه كله، وهو علم كلُّه، وهو سمع كلُّه، وهو بصرٌ كلُّه، وهو نورٌ كلّه، وهو قدرةٌ كله، لا يوصف بوصفين مختلفين، وليس بمعلوم ولا معقول، وكل ما خطر بقلبك أنه شيء تعرفه فهو على خلافه. فقلنا لهم: فمن تعبدون؟ قالوا: نعبد من يدبر أمر هذا الخلق: قلنا: فالذي يُدَبِّر أمر هذا الخلق لا يعرف بصفته. قالوا: نعم، قلنا: قد عرف المسلمون أنكم لا تثبتون شيئًا، إنما تدفعون عن أنفسكم الشُّنْعَة بما تظهرون، ثم قلنا لهم: هذا الذي يدبر هو الذي كلم موسى، قالوا: لم يَتَكلَّم؛ ولا يتكلم لأن الكلام لا يكون إلا بجارحة، والجوارح منفية عن الله ، فإذا سمع الجاهل قولهم ظن أنهم من أشد الناس تعظيمًا الله سبحانه، ولم يعلم أن كلامهم إنما

стр. 1836

يؤول إلى ضلالة وكفر (١). قال الخلال: «كتب هذا الكتاب من خط عبد الله وكتبه عبد الله من خط أبيه، وصححه شيخ الإسلام» (٢) ومضى إلى أن قال: «فإنه امتحن بالجهمية وجميع المتقدمين من أصحابه على مثل منهاجه في ذلك، وإن كان بعض المتأخرين منهم من يدخل في نوع من البدعة التي أنكرها الإمام أحمد، ولكن الرعيل الأول من أصحابه كلهم وجميع أئمة الحديث قولهم قوله». اهـ. أقوال أئمة أهل الحديث الذين رفع الله تعالى منارهم في العالمين وجعل لهم لسان صدق في الآخرين ذكر قول إمامهم وشيخهم الذي روى له كل محدث (أبو هريرة). روى الدارمي عنه في كتاب «النقض» بإسناد جيد قال: «لما ألقي إبراهيم في النار، قال: اللهم إنك في السماء واحد، وأنا في الأرض واحد أعبدك» (٣). اهـ. ذكر قول إمام الشام في وقته أحد أئمة الدنيا الأربعة أبي عمرو الأوزاعي. روى البيهقي عنه في «الصفات» أنه قال: «كنا والتابعون متوافرون نقول: إن الله فوق عرشه، ونؤمن بما وردت به السنة من صفاته» (٤) وقد تقدم حكاية ذلك عنه. قول إمام أهل الدنيا في وقته عبد الله بن المبارك. وقد صح عنه صحة قريبة من التواتر أنه قيل له: بماذا نعرف ربنا؟ قال: بأنه فوق سمواته على عرشه، بائن من خلقه (٥). ذكره البيهقي، وقبله الحاكم، وقبله الدارمي عثمان وقد تقدم. اهـ. قول حماد بن زيد إمام وقته. تقدم عنه قوله: «الجهمية إنما يحاولون أن يقولوا: ليس في السماء شيء» (٦) وكان من أشد الناس على الجهمية.

стр. 1837

قول يزيد بن هارون قال عبد الله ابن الإمام أحمد في كتاب «السنة» بسنده إلى يزيد بن هارون قال: «من زعم أن الرحمن على العرش استوى على خلاف ما تقرر (١) في قلوب العامة فهو جهمي» (٢). قال شيخ الإسلام: «والذي تقرر في قلوب العامة هو ما فطر الله تعالى عليه الخليقة من توجّهها إلى ربها تعالى عند النوازل والشدائد والدعاء والرغبات إليه تعالى نحو العلو، لا يلتفتون يمنة ولا يسرة، من غير موقف وقفهم عليه، ولكن فطرة الله التي فطر الناس عليها، وما من مولود إلا وهو يولد على هذه الفطرة حتى يجهمه وينقله إلى التعطيل من يقيض له». اهـ. قول عبد الرحمن بن مهدي: وروى عنه غير واحد بإسناد صحيح أنه قال: «إن الجهمية أرادوا أن ينفوا أن الله كلَّم موسى، وأن يكون على العرش، أرى أن يستتابوا فإن تابوا وإلا ضربت أعناقهم» (٣). قال علي بن المديني: «لو حلفتُ، لحلفت بين الركن والمقام أني ما رأيت أعلم من عبد الرحمن بن مهدي» (٤).

стр. 1838

قول سعيد بن عامر الضبعي إمام أهل البصرة على رأس المائتين. روى ابن أبي حاتم عنه في كتاب «السنة» أنه ذكر عنده الجهمية فقال: «هم شر قولًا من اليهود والنصارى، وقد أجمع أهل الأديان مع المسلمين على أن الله على العرش، وقالوا هم: ليس على العرش شيء» (١). اهـ. قول عباد بن العوام أحد أئمة الحديث بواسط قال: «كلمت بشرًا المريسي وأصحابه فرأيت آخر كلامهم يقولون: ليس في السماء شيء، أرى والله أنه لا يناكحون ولا يوارثون» (٢). اهـ. قول عبد الله بن مسلمة القعنبي: شيخ البخاري ومسلم رحمهما الله تعالى قال بيان (٣) بن أحمد: كنا عند القعنبي فسمع رجلًا من الجهمية يقول: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ﴾ استولى، فقال القعنبي: «من لا يؤمن أن الرحمن على العرش استوى كما تقرر في قلوب العامة فهو جهمي» (٤). قال البخاري محمد بن إسماعيل في كتاب «خلق أفعال العباد» عن يزيد بن هارون مثله سواء (٥) وقد تقدم. اهـ. قول علي بن عاصم (٦) شيخ الإمام أحمد رحمهما الله تعالى صح عنه أنه قال: «ما الذين قالوا: إن الله سبحانه ولدًا، أكفر من الذين قالوا: إن الله سبحانه لم يتكلم». وقال: «احذروا من المريسي وأصحابه، فإن كلامهم الزندقة وأنا

стр. 1839

كَلَّمْتُ أستاذهم فلم يُثبت أن في السماء إلها (١) حكاه عنه غير واحد ممن صنف في السنة، وقال يحيى بن عاصم بن علي بن عاصم: كنت عند أبي، فاستأذن عليه المريسي فقلت له: يا أبت مثل هذا يدخل عليك! فقال: وما له؟ فقلت: إنه يقول: إن القرآن مخلوق، ويزعم أن الله معه في الأرض … وكلامًا ذكرته، فما رأيته اشتد عليه - مثل ما اشتد عليه - قوله: إن القرآن مخلوق، وقوله: «إن الله معه في الأرض (٢) ذكر هذين الأثرين عنه عبد الرحمن بن أبي حاتم في كتاب «الرد على الجهمية». اهـ. قول وهب بن جرير رحمه الله تعالى: صح عنه أنه قال: «إياكم ورأي جهم، فإنهم يحاولون أنه ليس في السماء شيء، وما هو إلا من وحي إبليس، وما هو إلا الكفر» (٣)، حكاه محمد بن عثمان الحافظ في «رسالته في السنة». وقال البخاري رحمه الله تعالى في كتاب خلق أفعال العباد»: وقال وهب بن جرير: «الجهمية الزنادقة إنما يريدون أنه ليس على العرش استوى» (٤). اهـ. قول عاصم بن علي: شيخ البخاري أحد الأئمة الحفاظ الثقات حدث عن شعبة وابن أبي ذئب والليث رحمهم الله تعالى قال الخطيب: «وجه المعتصم من يحزر مجلسه في جامع الرصافة، وكان عاصم يجلس على سطح الرحبة ويجلس الناس في الرحبة وما يليها، فعظم الجمع مرة جدًا حتى قال: أربع عشرة مرة حدثنا الليث بن سعد، والناس لا يسمعون لكثرتهم، فحزر المجلس فكان عشرين ومائة ألف رجل» (٥). قال يحيى بن معين فيه: هو سيد المسلمين، قال عاصم: ناظر جهميًا فتبين

стр. 1840

من كلامه أنه اعتقد أن ليس في السماء رب (١). قال شيخ الإسلام: «كان الجهمية يدورون على ذلك (٢) ولم يكونوا يصرحون به، لوفور السلف والأئمة وكثرة أهل السنة فلما بعد العهد وانقرض الأئمة صرح أتباعهم بما كان أولئك يشيرون إليه ويدورون حوله». قال: «وهكذا ظهرت البدع كلما طال الأمر وبعد العهد اشتد أمرها وتغلظت» (٣) قال: «وأول بدعة ظهرت في الإسلام بدعة القدر والإرجاء، ثم بدعة التشيع إلى أن انتهى الأمر إلى الاتحاد والحلول وأمثالهما» (٤). قول الإمام عبد العزيز بن يحيى الكناني صاحب الشافعي رحمهما الله تعالى له كتاب في «الرد الجهمية»، قال فيه: «باب قول الجهمية إن معنى استوى: استولى، من قول العرب: استوى الفاطمي (٥) على مصر، يريدون استولى عليها، قال: فيقال له: هل يكون خلق من خلق الله أتت عليه مدة ليس بمستول عليه؟ فإذا قال: لا، قيل له: فمن زعم ذلك فهو كافر، فيقال له: يلزمك أن تقول: إن العرش أتت عليه مدة ليس الله بمستول عليه، وذلك لأنه أخبر أنه سبحانه خلق العرش قبل السموات والأرض ثم استوى عليه بعد خلقهن، فيلزمك أن تقول: المدة التي كان العرش (٦) قبل خلق السموات والأرض ليس الله تعالى بمستول عليه فيها» ثم ذكر كلامًا طويلًا في تقرير العلو والاحتجاج عليه. اهـ. ذكر قول جرير بن عبد الحميد شيخ إسحاق بن راهويه وغيره من الأئمة قال: «كلام الجهمية أوله عسل وآخره سم، وإنما يحاولون أن يقولوا: ليس في السماء إله» (٧). رواه ابن أبي حاتم في كتاب «الرد على الجهمية». اهـ.

стр. 1841

ذِكرُ قول عبد الله بن الزبير الحميدي أحد شيوخ النبل، شيخ البخاري إمام أهل الحديث والفقه في وقته، وهو أول رجل افتتح به البخاري «صحيحه». قال: «وما نطق به القرآن والحديث، مثل: قوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة: ٦٤]، ومثل: قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧] وما أشبه هذا من القرآن والحديث لا نزيد فيه ولا نفسره، ونقف على ما وقف عليه القرآن والسنة، ونقول: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] ومن زعم (١) غير هذا فهو معطل (٢) جهمي» (٣). وليس مقصود السلف بأن من أنكر لفظ القرآن يكون جهميًا مبتدعًا، فإنه يكون كافرًا زنديقًا، وإنما مقصودهم من أنكر معناه وحقيقته (٤). قول نعيم بن حماد الخزاعي أحد شيوخ النبل شيخ البخاري. قال في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾ [الحديد: ٤]: معناه: لا يخفى عليه خافية بعلمه (٥)، قال البخاري: سمعته يقول: «من شبه الله تعالى بخلقه فقد كفر، ومن أنكر ما وصف الله به نفسه فقد كفر، وليس ما وصف الله تعالى به نفسه ولا رسوله ﷺ تشبيهًا» اهـ (٦). قول عبد الله بن أبي جعفر الرازي: قال صالح بن الضريس جعل عبد الله بن أبي جعفر الرازي يضرب قرابة له بالنعل على رأسه يرى رأي جهم، ويقول: «لا،

стр. 1842

حتى يقول: الرَّحمن على العرش استوى بائن من خلقه» (١) ذكره عبد الرَّحمن بن أبي حاتم في كتاب «الرد على الجهمية». اهـ. قول الحافظ أبي معمر القطيعي (٢) ﵀ ذكر ابن أبي حاتم عنه أنه قال: «آخر كلام الجهمي أنه ليس في السَّماء إله» (٣). اهـ. قول بشر بن الوليد وأبي يوسف رحمهما الله تعالى: روى ابن أبي حاتم قال: جاء بشر بن الوليد إلى أبي يوسف فقال له: تنهاني عن كلام بشر المريسي (٤) وعليّ الأحول وفلان يتكلمون، فقال: وما يقولون؟ قال: يقولون: إن الله في كل مكان، فبعث أبو يوسف، وقال: عليَّ بهم فانتهوا إليه، وقد قام (٥) بشر فجيء بعليّ الأحول والشيخ الآخر، فنظر أبو يوسف إلى الشيخ وقال: لو أن فيك موضع أدب لأوجعتك، وأمر به إلى الحبس وضرب عليّ الأحول وطوّف به (٦) وقد استتاب أبو يوسف بشرًا المريسي لما أنكر أن يكون الله فوق عرشه، وهي قصة مشهورة ذكرها عبد الرَّحمن ابن أبي حاتم وغيره، وأصحاب أبي حنيفة المتقدمون على هذا. قال محمد بن الحسن: «اتفق الفقهاء كلهم من المشرق إلى المغرب على الإيمان بالقرآن والأحاديث التي جاءت بها الثقات عن الرَّسول ﷺ في صفات الرب ، من غير تفسير ولا وصف ولا تشبيه، فمن فسر شيئًا من ذلك فقد خرج مما كان عليه النبي ﷺ وفارق الجماعة، فإنهم لم يصفوا ولم يفسروا، ولكن آمنوا (٧) بما في الكتاب والسنة، ثم سكتوا، فمن قال بقول جهم فقد فارق

стр. 1843

الجماعة؛ لأنه وصفه بصفة لا شيء» (١). وقال محمد رحمه الله تعالى أيضًا في الأحاديث التي جاءت أن الله تعالى يهبط إلى سماء الدنيا ونحو هذا: «هذه الأحاديث قد رواها الثقات، فنحن نرويها ونؤمن بها ولا نفسرها» (٢) ذكر ذلك عنه أبو القاسم اللالكائي، وهذا تصريح منه بأن من قال بقول جهم فقد فارق جماعة المسلمين، وقد ذكر الطحاوي في اعتقاد أبي حنيفة وصاحبيه رحمهم الله تعالى ما يوافق هذا وأنهم أبرأ الناس من التعطيل والتجهم، وقال في عقيدته المعروفة: «وأنه تعالى محيط بكل شيء وفوقه، وقد أعجز عن الإحاطة خلقه» (٣) اهـ. قول سفيان بن عيينة رحمه الله تعالى: ذكر الثعلبي عنه في «تفسيره» قال ابن عيينة: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ صعد. اهـ (٤). قول خالد بن سليمان أبي معاذ البلخي أحد الأئمة رحمه الله تعالى. روى عبد الرحمن بن أبي حاتم عنه بإسناده قال: «كان جهم على معبر ترمذ، وكان فصيح اللسان لم يكن له علم ولا مجالسة أهل العلم، فكلمه السمنية، فقالوا: صف لنا ربك الذي تعبده، فدخل البيت لا يخرج ثم خرج إليهم بعد أيام، فقال: هو هذا الهواء مع كل شيء، وفي كل شيء، ولا يخلو منه شيء، قال أبو معاذ: كذب عدو الله، إن الله في السماء على العرش، كما وصف نفسه» (٥).

стр. 1844

وهذا صحيح عنه وأول من عُرِف عنه في هذه الأمة أنه نفى (١) أن يكون الله فوق (٢) سماواته على عرشه هو جهم بن صفوان، وقبله الجعد بن درهم، ولكن الجهم هو الذي دعا إلى هذه المقالة وقررها وعنه أُخِذَت، فروى ابن حاتم وعبد الله بن أحمد في كتابيهما في «السنة» عن شجاع بن أبي نصر أبي نعيم البلخي - وكان قد أدرك جهمًا - قال: كان لجهم صاحب يكرمه ويقدمه على غيره، فإذا هو قد وقع به فصيح به وبدر به، وقيل له: لقد كان يكرمك، قال: إنه قد جاء منه ما لا يُحتمل، بينما هو يقرأ طه والمصحف في حجره، فلما أتى على هذه الآية ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] فقال: لو وجدت السبيل إلى أن أحُكَّها من المصحف لفعلت، فاحتملت هذه، ثم إنه بينما هو يقرأ آية إذ قال: ما أظرف محمدًا حين قالها، ثم بينما هو يقرأ ﴿طس (١)﴾ القصص والمصحف في حجره إذ مر بذكر موسى ﵊، فدفع المصحف بيديه ورجليه، وقال: «أي شيء هذا ذكره هاهنا؟ فلم يتم ذكره» (٣). فهذا شيخ النافين لعلوّ الرب على عرشه ومباينته من خلقه، وذكر ابن أبي حاتم عنه بإسناده عن الأصمعي قال: قدمت امرأة جهم، فقال رجل عندها: الله على عرشه فقالت: محدود على محدود، فقال الأصمعي: «هي كافرة بهذه المقالة» (٤). أما (٥) هذا الرجل وامرأته فما أولاه بأن يصلى ﴿نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ (٣) وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾. اهـ. قول إسحاق بن راهويه إمام أهل المشرق، نظير أحمد رحمهما الله تعالى قال حرب بن إسماعيل الكرماني صاحب أحمد: قلت لإسحاق بن راهويه:

стр. 1845

قول الله : ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧] كيف تقول فيه؟ قال: «حيث ما كنت فهو أقرب إليك من حبل الوريد، وهو بائن من خلقه» ثم قال: «وأعلى كل شيء من ذلك وأثبته قول الله ﷺ : ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]» (١). وقال الخلال في كتاب «السنة» بسنده إلى إسحاق بن راهويه قال الله : ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] «إجماع أهل العلم أنه فوق العرش استوى ويعلم كُلَّ شيء في (٢) أسفل الأرض السابعة، وفي قعور البحار ورؤوس الجبال وبطون الأودية وفي كل موضع، كما يعلم ما في السموات السبع، وما دون الأرض، أحاط بكل شيء علمًا ولا يسقط من ورقة إلا يعلمها، ولا حبة في ظلمات الأرض، إلا قد عرف ذلك كله وأحصاه، لا يعجزه معرفة شيء عن معرفة غيره» (٣). وقال السراج: سمعت إسحاق بن راهويه يقول: «دخلت يومًا على طاهر بن عبد الله وعنده منصور بن طلحة، فقال لي منصور: يا أبا يعقوب! تقول: إن الله ينزل كل ليلة، قلت له: ونؤمن به إذا أنت لا تؤمن أن الله في السماء، لا تحتاج أن تسألني، فقال طاهر: ألم أنهك عن هذا الشيخ» (٤). ذكر قول حافظ الإسلام يحيى بن معين رحمه الله تعالى: روى ابن بطة عنه في «الإبانة» بإسناده قال: «إذا قال لك الجهمي: كيف ينزل؟ فقل: كيف يصعد؟» (٥). اهـ.

стр. 1846

قول الإمام حافظ أهل المشرق وشيخ الأئمة عثمان بن سعيد الدارمي كله: قال فيه أبو الفضل القراب (١): «ما رأيت مثل عثمان بن سعيد الدارمي ولا رأى عثمان مثل نفسه، أخذ الأدب عن ابن الأعرابي، والفقه عن البويطي، والحديث عن يحيى بن معين وعلي ابن المديني» (٢)، وأثنى عليه أهل العلم، صاحب كتاب «الرد على الجهمية» و «النقض على بشر المريسي» وقال في كتابه: «النقض على بشر»: «وقد اتفقت الكلمة من المسلمين أن الله تعالى فوق عرشه فوق سمواته لا ينزل قبل يوم القيامة [لعُقُوبَةَ أَحَد مِنْ خَلْقِهِ] (٣) إلى الأرض، ولم يشكوا أنه ينزل يوم القيامة ليفصل بين عباده ويحاسبهم ويثيبهم وتشقق السموات يومئذ لنزوله، وينزل الملائكة تنزيلا: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١٧] كما قال الله به سبحانه ورسوله ﷺ ، فلما لم يشك المسلمون أن الله لا ينزل إلى الأرض قبل يوم القيامة لشيء من أمور الدنيا، علموا يقينا أن ما يأتي الناس من العقوبات إنما هو أمره وعذابه، فقوله: ﴿فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُم مِنَ الْقَوَاعِدِ﴾ [النحل: ٢٦] إنما هو أمره وعذابه (٤)» (٥). وقال: «علمه بهم من فوق العرش (٦) محيط، وبصره فيهم نافذ، وهو بكماله فوق عرشه والسموات، ومسافة (٦) بينهن (٧) وبينه وبين خلقه في الأرض فهو كذلك معهم، خامسهم وسادسهم، وإنما يعرف فضل الربوبية وعظم القدرة بأن الله من فوق عرشه، ومع بعد المسافة بينه وبين الأرض يعلم ما في الأرض» (٧). وقال في موضع آخر من الكتاب: «والقرآن كلام الله، وصفة من

стр. 1847

صفاته، خرج منه كما شاء أن يخرج، والله بكلامه وعلمه وقدرته وسلطانه وجميع صفاته غير مخلوق وهو بكماله على عرشه» (١). وقال في موضع آخر وذكر حديث البراء بن عازب الطويل في شأن الروح وقبضها ونعيمها وعذابها وفيه: «فيصعد بروحه حتى ينتهى بها إلى السماء التي فيها الله ، فيقول الله : اكتبوا كتاب عبدي في عليين في السماء السابعة، وأعيدوه إلى الأرض». وذكر الحديث (٢) ثم قال: «وفي قوله: ﴿لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ﴾ [الأعراف: ٤٠] دلالة ظاهرة أن الله تعالى فوق السموات؛ لأنه لو لم يكن فوق السماء لما عرج بالأرواح والأعمال إلى السماء، ولما غلقت أبواب السماء عن قوم وفتحت لآخرين» (٣). وقال في موضع آخر: «وقد بلغنا أن حملة العرش حين حملوا العرش وفوقه الجبار ﷻ في عزته وبهائه ضعفوا عن حمله واستكانوا وجثوا على ركبهم، حتى لقنوا: لا حول ولا قوة إلا بالله، فاستقلوا به بقدرة الله وإرادته». ثم ساق بإسناده عن معاوية بن صالح: «أول ما خلق الله حين كان عرشه على الماء حملة العرش. فقالوا: ربنا لم خلقتنا؟ فقال: خلقتكم لحمل عرشي، فقالوا: ربنا ومن يقوى على حمل عرشك، وعليه جلالك وعظمتك ووقارك؟ فقال لهم: إني خلقتكم لذلك، قال: فيقول ذلك مرارًا، قال: فقولوا: لا حول ولا قوة إلا بالله» (٤). وقال في موضع آخر: «ولكنّا نقول: رب عظيم، وملك كبير، نور السموات والأرض، وإله السموات والأرض، على عرش عظيم مخلوق (٥) فوق السماء السابعة دون ما سواها من الأماكن، من لم يعرفه بذلك كان كافرًا به وبعرشه» (٦). وقال في موضع آخر في حديث حصين «كم تعبد»؟: «فلم ينكر النبي ﷺ على حصين (٧) إذ عرف أن إله العالمين في السماء، كما قال (٨) النبي ﷺ ،

стр. 1848

فحصين قبل إسلامه كان أعلم بالله الجليل من المريسي وأصحابه، مع ما ينتحلون من الإسلام، إذ ميز بين الإله الخالق الذي في السماء، وبين الآلهة والأصنام المخلوقة التي في الأرض قال: وقد اتفقت الكلمة من المسلمين والكافرين أن الله سبحانه في السماء وعرفوه (١) بذلك إلا المريسي (٢) وأصحابه، حتى الصبيان الذين لم يبلغوا الحنث (٣). وقال: «في قول رسول الله ﷺ للأمة: «أين الله» (٤)؟: تكذيب لمن يقول: هو في كل مكان، وأن الله لا يوصف بأين، بل يستحيل أن يقال: أين هو؟ والله فوق سماواته بائن من خلقه، فمن لم يعرفه بذلك لم يعرف إلهه الذي يعبده» (٥). وكتاباه من أجل الكتب المصنفة في السنة وأنفعها، وينبغي لكل طالب سنة مراده الوقوف على ما كان عليه الصحابة والتابعون والأئمة أن يقرأ كتابيه، وكان شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ يوصي بهذين الكتابين أشد الوصية، ويعظمهما جدًا، وفيهما من تقرير التوحيد والأسماء والصفات بالعقل والنقل ما ليس في غيرهما. قول قتيبة بن سعيد الإمام الحافظ، أحد أئمة الإسلام، وحفاظ الحديث، من شيوخ الأئمة الذين تجملوا (٦) بالحديث عنه: قال أبو العباس السراج: سمعت قتيبة بن سعيد يقول: «هذا قول الأئمة في الإسلام والسنة والجماعة نعرف ربنا سبحانه بأنه في السماء السابعة على عرشه، كما قال تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، وقال موسى بن هارون حدثنا قتيبة بن سعيد قال: نعرف ربنا في السماء السابعة على عرشه، كما قال تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]» (٧). اهـ.

стр. 1849

قَولُ عبدِ الوهّابِ (١) الورّاقُ أحدُ الأئمّةِ الحفّاظِ أثْنى عليه الأئمةُ، وقيلَ للإمامِ أحمدَ ﵀: مَنْ نسألُ بعدكَ؟ فقالَ: عبدُ الوهّابِ، وهو من شيوخ النُّبْلِ. قالَ عبدُ الوهّابِ - وقد روى حديثَ ابنِ عبّاسٍ «ما بينَ السّماءِ السّابعةِ إلى كُرسيهِ سبعةُ آلافِ نورٍ وهو فوقَ ذلكَ (٢)» -: «ومن زعمَ أنّ اللهَ هاهنا فهو جهمي خبيثٌ، إنَّ اللهَ فوقَ العرشِ، وعلمُهُ محيطٌ بالدّنيا والآخر» (٣) صحّ ذلكَ عنهُ، حكاهُ عنهُ محمدُ بنُ عثمانَ في رسالتِهِ في «الفوقيةِ» وقالَ: «ثقةٌ حافظٌ» روى عنهُ أبو داودَ والترمذيُّ والنّسائيُّ ماتَ سنةَ خمسينَ ومائتينِ. اهـ. قولُ خارجةَ بنِ مُصْعَبٍ رَحِمَهُ اللهُ تعالى: قالَ عبدُ اللهِ بنُ أحمدَ في كتابِ «السنةِ» بسندهِ إلى خارجةَ بنِ مُصْعَبٍ يقولُ: «الجهميّةُ كفّارٌ، أبلغْ نساءهُمْ أنّهُمْ طوالقُ، لا يحللنَ لهم، لا تعودوا مرضاهم، ولا تشهدوا جنائزهمْ، ثم تلا ﴿طه﴾ إلى قولِهِ تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]» (٤). قولُ إمَامَي أهلِ الحديثِ أبي زُرْعَةَ وأبي حَاتِمٍ رَحِمَهُمَا اللهُ تعالى: قالَ عبدُ الرحمنِ بنُ أبي حاتمٍ: سألتُ أبي وأبا زُرْعَةَ عن مذهبِ أهلِ السّنةِ في أصولِ الدّينِ، وما أدركا عليهِ أئمةَ العلمِ في ذلكَ؟ فقالا: «أدركنا العلماءَ في جميعِ الأمصارِ: حجازًا وعراقًا وشامًا ويمنًا، فكانَ من مذهبهمْ: الإيمانُ قولٌ وعملٌ، يزيدُ وينقصُ، والقرآنُ كلامُ اللهِ تعالى غيرُ مخلوقٍ بجميعِ جهاتهِ، والقدرُ خيرٌ، وشرُّهُ من اللهِ ، وخيرُ هذهِ الأمةِ بعدَ نبيِّهَا أبو بكرٍ الصّديقُ، ثم عمرُ بنُ

стр. 1850

الخطاب، ثم عثمان بن عفان، ثم علي بن أبي طالب، وأن الله عَلَى عَرشه، بائن من خلقه، كما وصف نفسه في كتابه، وعلى لسان رسوله ﷺ بلا كيف، أحاط بكل شيء علمًا ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾، وأنه سبحانه يرى في الآخرة، يراه أهل الجنة بأبصارهم ويسمعون كلامه كيف شاء كما شاء، والجنة حق والنار حق وهما مخلوقتان لا يفنيان أبدًا، ومن زعم أن القرآن مخلوق فهو كافر بالله العظيم كفرًا ينقل عن الملة، ومن شك في كفره ممن يفهم ولا يجهله فهو كافر، ومن وقف في القرآن فهو جهمي (١)، ومن قال لفظي بالقرآن مخلوق، فهو جهمي» (٢). قال أبو حاتم: «والقرآن كلام الله، وعلمه وأسماؤه وصفاته أمره ونهيه ليس بمخلوق بجهة من الجهات، ونقول: إن الله على عرشه بائن من خلقه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] (٣). ثم ذكر عن أبي زرعة رحمه الله تعالى أنه سئل عن تفسير قول تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] فغضب وقال: تفسيرها كما تقرأ، هو على العرش استوى، وعلمه في كل مكان، ومن قال غير ذلك فعليه لعنة الله» (٤) وهذان الإمامان إماما أهل الدين وهما من نظراء الإمام (حم) و (خ) رحمهم الله تعالى. اهـ. قول حرب الكرماني: صاحب أحمد وإسحاق رحمهم الله تعالى، وله مسائل جليلة عنهما. قال يحيى بن عمار بسنده إلى حرب بن إسماعيل قال: «والماء فوق السماء السابعة، والعرش على الماء، والله على العرش» (٥).

стр. 1851

قُلتُ: هذا لَفظُهُ في «مَسائِلِهِ»، وحَكاهُ إجماعًا لأهلِ السُّنةِ من سائِرِ أهلِ الأعصار. اهـ. قولُ إمامِ أهلِ الحديثِ عليِّ بنِ المَدينيِّ شيخِ البُخاريِّ، بل شيخِ الإسلامِ رَحِمَهُ اللهُ تَعالى: قال (خ): «عليُّ ابنُ المَدينيِّ سَيِّدُ المُسلمينَ» قيلَ له: ما قولُ الجماعةِ في الاعتقاد؟ قال: يُثبتون الكلامَ والرؤيةَ، ويقولون: إنَّ اللهَ تَعالى على العرشِ استوى، فقيلَ له: ما تقولُ في قولهِ تَعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧]، فقال: اِقرؤوا أوَّلَ الآيةِ يعني بالعلمِ - لأنَّ أوَّلَ الآيةِ ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾ (١) [المجادلة: ٧]. قال (٢) (خ) في كتاب «خلق أفعالِ العباد»: وقال ابنُ المَدينيِّ: «القرآنُ كلامُ اللهِ غيرُ مخلوقٍ، من قال إنَّهُ مخلوقٌ فهو كافرٌ لا يُصلَّى خَلْفَهُ» (٣). قولُ سُنَيدِ بنِ داودَ شيخِ البُخاريِّ رَحِمهُما اللهُ تعالى: قال أبو حاتمٍ الرازيُّ عن موسى الطرسوسيِّ (٤) قال: قُلتُ لسُنَيدِ بنِ داودَ: وهو على عرشِهِ بائنٌ من خَلقِهِ؟ قال: نَعمْ، ألم تَسمعْ قولهُ تَعالى: ﴿وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ﴾ (٥) [الزمر: ٧٥]؟. اهـ. قولُ إمامِ أهلِ الإسلامِ مُحمدِ بنِ إسماعيلَ البُخاريِّ رَحِمَهُ اللهُ تَعالى: قال في كتابِ التوحيدِ في «صحيحهِ» بابُ قولِ اللهِ : ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ [هود: ٧] ﴿وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [التوبة: ١٢٩] قال أبو العاليةِ: ﴿اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ ارتفع ﴿فَسَوَّاهُنَّ﴾ خلقهنَّ (٦)، وقال مجاهد: «اسْتَوَى

стр. 1852

علا الله عَلَى الْعَرْشِ (١)» ثم ساق (خ) حديث زينب بنت جحش أنها كانت تفتخر على نساء رسول الله ﷺ فتقول: «زوجكن أهاليكن، وزوجني الله من فوق سبع سموات» (٢). ثم قال: «(باب قول الله تعالى: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ [هود: ٧]) ثم ذكر بعض أحاديث الفوقية، ثم قررها بترجمة أخرى، فقال: (باب قول الله تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر: ١٠] وقوله تعالى: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ [المعارج: ٤]) ثم ساق في ذلك أحاديث في إثبات صفة الفوقية، ثم قال: (باب قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢ - ٢٣]) ثم ذكر الأحاديث الدالة على إثبات الرؤية في الآخرة، ثم قال: (باب قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ﴾ [سبأ: ٢٣]) قال (خ) ﵀: «ولم يقولوا (٣): ماذا خلق ربكم» (٤)؟ ثم ذكر حديث أبي سعيد: «فينادي بصوت» (٥) وحديث عبد الله بن أنيس وعلقه (٦): «فيناديهم بصوت يسمعه من بَعُدَ كما يسمعه من قرب: أنا الملك أنا الديان» (٧) ومقصوده أن هذا النداء يستحيل أن يكون مخلوقًا، فإن المخلوق لا يقول: أنا

стр. 1853

الملك أنا الديان، فالمنادي بذلك هو الله القائل: أنا الملك أنا الديان. اهـ. قول مسلم بن الحجاج: يعرف قوله في السنة من سياق الأحاديث التي ذكرها ولم يتأولها ولم يذكر لها تراجم كما فعل (خ)، ولكن سردها بلا أبواب، ولكن تعرف التراجم من ذكره للشيء مع نظيره، فذكر في (كتاب الإيمان) كثيرًا من أحاديث الصفات، كحديث الإتيان يوم القيامة، وما فيه من التجلي، وكلام الرب لعباده ورؤيتهم إياه (١) وذكر حديث الجارية (٢) وأحاديث النزول (٣) وذكر حديث: «إن الله يمسك السموات على أصبع، والأرضين على أصبع» (٤) وحديث: «يأخذ الجبار سماواته وأرضه بيده» (٥) وأحاديث الرؤية (٦)، وحديث: «حتى وضع الجبار فيها قدمه» (٧). وحديث: «المقسطون عند الله على منابر من نور عن يمين الرحمن، وكلتا يديه يمين» (٨). وحديث: «ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء» (٩)؟ وغيرها من أحاديث الصفات، محتجًا بها، وغير مؤول لها، ولو لم يكن معتقدًا لمضمونها لفعل بها ما فعل المتأولون حين ذكرها (١٠).

стр. 1854

قول حماد بن هناد البوشنجي الحافظ: أحد أئمة الحديث في وقته، ذكر شيخ الإسلام الأنصاري فقال: قرأت على أحمد بن منصور: أخبركم جدكم بسنده إلى حماد بن هناد البوشنجي (١)، قال: «هذا ما رأينا عليه أهل الأمصار وما دلت عليه مذاهبهم فيه، وإيضاح منهاج العلماء، [وطرق الخلفاء] (٢)، وصفة السنة وأهلها أن الله فوق السماء السابعة على عرشه، بائن من خلقه، وعلمه وقدرته وسلطانه بكل مكان (٣) [فقال: نعم] (٢). قول أبي عيسى الترمذي: قال في «جامعه» لما ذكر حديث أبي هريرة: «الو أدلى أحدكم بحبل لهبط على الله» (٤)، قال: «معناه» (٥) لهبط على علم الله، قال: وعلم الله وقدرته وسلطانه في كل مكان، وهو على العرش كما وصف نفسه في كتابه» (٦). وقال في حديث أبي هريرة: «إن الله يقبل الصدقة ويأخذها بيمينه» (٧): قال غير واحد من أهل العلم في هذا الحديث وما يشبهه من الصفات ونزول الرب ﵎ إلى سماء الدنيا، قالوا: قد ثبتت (٨) الروايات في هذا، ونؤمن

стр. 1855

به ولا نؤوّله ولا نقول: كيف، هكذا روي عن مالك وابن عيينة وابن المبارك أنهم قالوا في هذه الأحاديث: «أمروها بلا كيف». قال: «وهذا قول أهل العلم من أهل السنة والجماعة، وأما الجهمية فأنكرت هذه الروايات وقالوا: هذا تشبيه، وقد ذكر الله تعالى في غير موضع من كتابه اليد والسمع والبصر، فتأولت الجهمية هذه الآيات وفسروها على غير ما فسر أهل العلم، وقالوا: إن الله لم يخلق آدم بيده، وإنما معنى اليد ههنا القوة، فقال (١) إسحاق بن راهويه: إنما يكون التشبيه إذا قال: يد كيدي، ومثل يدي، أو سمع كسمعي فهذا تشبيه وأما إذا قال كما قال يد وسمع وبصر فلا يقول كيف، ولا يقول: مثل سمعي ولا كسمعي، فهذا لا يكون تشبيهًا عنده قال الله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾» (٢). هذا كله كلامه، وقد ذكره عنه شيخ الإسلام أبو إسماعيل الأنصاري في كتابه «الفاروق» بإسناده وكذلك من تأمل تبويب ابن ماجه في (السنة والرد على الجهمية) في أول كتابه وتبويب أبي داود فيما ذكر في (الجهمية والقدرية) وسائر أئمة أهل الحديث علم مضمون قولهم، وأنهم كلهم على طريقة واحدة، وقول واحد، ولكن بعضهم بَوّب وترجم ولم يزد على الحديث غير التراجم والأبواب، وبعضهم زاد التقرير وإبطال قول المخالف، وبعضهم سرد الأحاديث ولم يترجم لها، وليس فيهم من أبطل حقائقها وحرفها عن مواضعها، وسمى تحريفها تأويلًا، كما فعلته الجهمية، بل الذي بين أهل الحديث والجهمية من الحرب أعظم مما بين عسكر الكفر وعسكر الإسلام. وابن ماجه (٣) قال في أول «سننه» (باب ما أنكرت الجهمية) ثم روى أحاديث الرؤية (٤)، وحديث: «أين كان ربنا» (٥)، وحديث جابر: «بينما أهل الجنة

стр. 1856

فِي نَعِيمِهِمْ إِذْ سَطَعَ لَهُمْ نُورٌ مِنْ فَوْقِهِمْ (١)، وَحَدِيثُ الْأَوْعَالِ الَّذِي فِيهِ: «وَالْعَرْشُ فَوْقَ ذَلِكَ وَاللَّهُ فَوْقَ الْعَرْشِ» (٢)، وَحَدِيثُ: «إِنَّ اللَّهَ لَيَضْحَكُ إِلَى ثَلَاثَةٍ» (٣). وَغَيْرُهَا مِنَ الْأَحَادِيثِ. اهـ. قَوْلُ الْحَافِظِ أَبِي بَكْرٍ الْآجُرِّيِّ، إِمَامُ عَصْرِهِ فِي الْحَدِيثِ وَالْفِقْهِ: قَالَ فِي كِتَابِهِ «الشَّرِيعَةِ» (٤): (بَابُ التَّحْذِيرِ مِنْ مَذْهَبِ الْحُلُولِيَّةِ): «الَّذِي (٥) يَذْهَبُ إِلَيْهِ أَهْلُ الْعِلْمِ أَنَّ اللَّهَ عَلَى عَرْشِهِ فَوْقَ سَمَوَاتِهِ، وَعِلْمُهُ مُحِيطٌ بِكُلِّ شَيْءٍ قَدْ أَحَاطَ بِجَمِيعِ مَا خَلَقَ فِي السَّمَوَاتِ الْعُلَى، وَبِجَمِيعِ مَا خَلَقَ فِي سَبْعِ أَرَضِينَ، تُرْفَعُ إِلَيْهِ أَعْمَالُ الْعِبَادِ، فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَمَا مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧]؟ قِيلَ لَهُ: عِلْمُهُ مَعَهُمْ، وَاللَّهُ عَلَى عَرْشِهِ، وَعِلْمُهُ مُحِيطٌ بِهِمْ، كَذَا فَسَّرَهُ أَهْلُ الْعِلْمِ، وَالْآيَةُ تَدُلُّ (٦) أَوَّلُهَا وَآخِرُهَا عَلَى أَنَّهُ الْعِلْمُ وَهُوَ عَلَى عَرْشِهِ، هَذَا قَوْلُ الْمُسْلِمِينَ» (٧). اهـ. قَوْلُ الْحَافِظِ أَبِي الشَّيْخِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ حَيَّانَ الْأَصْبَهَانِيِّ: قَالَ فِي كِتَابِ «الْعَظَمَةِ»: «ذِكْرُ عَرْشِ الرَّبِّ ﵎ وَكُرْسِيِّهِ وَعَظَمَةِ (٨) خَلْقِهِمَا، وَعُلُوُّ الرَّبِّ ﷻ فَوْقَ عَرْشِهِ» (٩). ثُمَّ سَاقَ كَثِيرًا مِنْ أَحَادِيثِ هَذَا الْبَابِ بِإِسْنَادِهِ.

стр. 1857

قول الحافظ زكريا بن يحيى الساجي إمام أهل البصرة: قال أبو عبد الله بن بطة: حدثنا أبو الحسن أحمد بن زكريا بن يحيى الساجي قال: قال أبي: «القول في السنة التي رأيتُ عليها أصحابنا أهل الحديث الذين لقيناهم: إن الله تعالى على عرشه في سمائه، يقرب من خلقه كيف شاء، … » (١) ثم ذكر بقية الاعتقاد، ذكره الشيخ أبو إسحاق الشيرازي في طبقات الفقهاء وقال: «أخذ عن الربيع والمزني، وله كتاب «اختلاف الفقهاء» وكتاب «علل الحديث» وهو شيخ أبي الحسن الأشعري في الفقه والحديث» (٢). ذكر ما حكاه أبو نصر السِّجْزي عن أهل الحديث: قال: «وأئمتنا كالثوري ومالك وابن عيينة وحماد بن زيد والفضيل وأحمد وإسحاق متفقون على أن الله فوق العرش بذاته، وأن علمه بكل مكان» (٣). قول الإمام أبي عثمان إسماعيل بن عبد الرحمن الصابوني، إمام أهل الحديث والفقه في وقته: قال في رسالته المشهورة في «السنة»: «وإن الله فوق سماواته (٤) على عرشه [بائن من خلقه]» (٥) ثم ساق بإسناده عن ابن المبارك أنه قال: نعرف ربنا ﵎ بأنه فوق سبع سماواته على عرشه، بائن من خلقه، ولا نقول كما قالت

стр. 1858

الجهمية أنه ههنا في (١) «الأرض» (٢). ثم قال بسنده إلى ابن خزيمة قال: «من لم يقر بأن الله على عرشه (٣) فوق سبع سمواته فهو كافر بربه حلال الدم يستتاب، فإن تاب وإلا ضربت عنقه، وألقي على بعض المزابل حتى لا يتأذى به المسلمون ولا المعاهدون بنتن رائحة جيفته، وكان ماله فيئًا، ولا يرثه أحد من المسلمين؛ إذ المسلم لا يرث الكافر ولا الكافر يرث المسلم» (٤). اهـ. قول عبد الله بن مسعود قال (خ): في كتاب «خلق أفعال العباد» قال ابن مسعود في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ [البقرة: ٢٩] وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [السجدة: ٤] قال: «العرش على الماء، والله فوق العرش، وهو يعلم ما أنتم عليه» (٥). اهـ. قول مجاهد وأبي العالية: روى البيهقي من طريق شبل عن أبي نجيح عن مجاهد في قوله تعالى: ﴿وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ [مريم: ٥٢] قال: «بين السماء السابعة وبين العرش سبعون ألف حجاب، فما زال يقرب موسى حتى صار بينه وبينه حجاب، فلما رأى مكانه، وسمع صريف القلم، قال: ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ﴾ (٦)». وقال (خ) في «صحيحه»: قال أبو العالية: «اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ: ارتفع» (٧)، وقال مجاهد: «اسْتَوَى: علا على العرش» (٨)، وقال مجاهد في قوله تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ﴾ [مريم: ٥٩] قال: «هم في هذه الأمة يتراكبون كما تتراكب الحمر والأنعام في الطرق، ولا يستحيون في الأرض، ولا يخافون الله في السماء» (٩) رواه ابن الهيثم بن خلف الدوري في كتاب «تحريم اللواط». اهـ.

стр. 1859

قول قتادة: روى عثمان الدارمي عنه في كتاب «النقض»: «قالت بنو إسرائيل: يا رب أنت في السماء ونحن في الأرض، فكيف لنا أن نعرف رضاك وغضبك؟ قال: إذا رضيت عنكم استعملت عليكم خياركم، وإذا غضبت عليكم استعملت عليكم شراركم» (١). قول سعيد بن جبير: روي عنه من طرق قال: «قحط الناس في زمن ملك من ملوك بني إسرائيل، فقال الملك: ليرسلنَّ الله علينا السماء أو لنؤذينَّه، فقال جلساؤه: فكيف تقدر وهو في السماء؟ فقال: أقتل أولياءه، فأرسل الله عليهم السماء» (٢). قول الحسن البصري: ذكر الشيخ موفَّق الدين بن قدامة المقدسي في كتابه «إثبات صفة العلو» عنه بإسناد صحيح قال: «سمع يونس ﵇ تسبيح الحصا والحيتان فجعل يسبح، وكان يقول في دعائه: «يا سيدي في السماء مسكنك، وفي الأرض قدرتك وعجائبك، إلهي في الظلمات الثلاث حبستني». فلما كان تمام الأربعين وأصابه الغم ﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧]» (٣). اهـ. قول بشر بن عمر شيخ إسحاق، عن جملة ممن لقيهم من المفسرين: قال إسحاق بن راهويه: أخبرنا بشر بن عمر قال: «سمعت غير واحد من المفسرين، يقول: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾: ارتفع» (٤). اهـ.

стр. 1860

قول عباس القمي: وإن لم يكن من المشهورين بالتفسير، روى ابن أبي شيبة في كتاب «العرش» بإسناد صحيح عنه قال: بلغني أن داود كان يقول في دعائه: «اللهم أنت ربي تعاليت فوق عرشك، وجعلت خشيتك على من في السموات والأرض» (١). اهـ. قول محمد بن إسحاق الإمام في الحديث والتفسير والمغازي: قال: «بعث الله ملكًا من الملائكة إلى بختنصر قال: هل تعلم يا عدو الله كم بين السماء والأرض؟ قال: لا، قال: بين السماء والأرض مسيرة خمسمائة سنة، وغلظها مثل ذلك، وذكر الحديث، إلى أن ذكر حملة العرش قال: وفوقهم العرش عليه ملك الملوك ﵎، أي عدو الله! فأنت تطلع إلى ذلك، ثم بعث الله عليه البعوضة؛ فقتلته» (٢). رواه أبو الشيخ في كتاب «العظمة» بإسناد جيد إلى ابن إسحاق. اهـ. قول أبي عبد الله القرطبي المالكي: صاحب «التفسير» المشهور قال في قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾: هذه مسألة الاستواء، وللعلماء فيها كلام وذكر قول المتكلمين الذين يقولون: إذا وجب تنزيه الباري عن الحيز فمن ضرورة ذلك تنزيهه عن الجهة، فليس بجهة فوق عندهم؛ لما يلزم من الحيز والمكان من الحركة والسكون والتغيير والحدوث، قال: «هذا قول المتكلمين»، ثم قال: «وقد كان السلف الأوّل لا يقولون بنفي الجهة ولا ينطقون بذلك، بل نطقوا هم والعامة (٣) بإثباتها الله كما نطق كتابه وأخبرت به رسله، ولم ينكر أحد من السلف الصالح أنه استوى على عرشه حقيقة (٤)، وإنما جهلوا كيفية الاستواء،
следующие страницы →