← Акыда

Акыда · id 30197

سبيل الرشاد في هدي خير العباد

محمد تقي الدين الهلالي

Полный текст (2 277 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

لا إله غيره ولا رب سواه، فقوله: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ كقوله: هو «الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ» [الرعد: ٩] وهذه الآيات وما في معناها من الأحاديث الصحاح، الأجود فيها طريقة السلف الصالح أمروها كما جاءت من غير تكييف ولا تشبيه». قال (ك): «يقول تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ أي: لا تكرهوا أحدًا على الدخول في دين الإسلام، فإنه بين واضح جلي، دلائله وبراهينه لا يحتاج إلى أن يكره (١) على الدخول فيه، بل من هداه الله للإسلام وشرح صدره ونور بصيرته، دخل فيه على بينة، ومن أعمى الله قلبه وختم على سمعه وبصره، فإنه لا يفيده الدخول في الدين مكرهًا مقسورًا، وقد ذكروا أن سبب نزول هذه الآية في قوم من الأنصار (٢)، وإن كان حكمها عامًا، وقال ابن جرير، عن ابن عباس قال: «كانت المرأة تكون مقلاتًا (٣) فتجعل على نفسها إن عاش لها ولد أن تهوده»، فلما أجليت بنو النضير كان فيهم أبناء الأنصار، فقالوا: لا ندع أبناءنا، فأنزل الله : ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾. وقد رواه أبو داود والنسائي جميعًا عن بُندار به (٤)، وقال محمد بن إسحاق: عن ابن عباس قوله: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ قال: نزلت في رجل من الأنصار من بني سالم بن عوف يقال له: الحصين (٥) كان له ابنان نصرانيان، وكان هو رجلًا مسلمًا، فقال للنبي ﷺ : ألا أستكرههما فإنهما قد أبيا إلا النصرانية؟ فأنزل الله فيه ذلك (٦)، رواه ابن

стр. 212

جرير، وروى السدي نحو ذلك، وزاد «وكانا قد تنصرا على أيدي تجار قدموا من الشام يحملون زيتا (١) فلما عزما على الذهاب معهم، أراد أبوهما أن يستكرههما، وطلب من رسول الله ﷺ أن يبعث في آثارهما، فنزلت هذه الآية»، وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عمرو بن عوف، أخبرنا شريك عن أبي هلال عن أسق (٢) قال: كنت في دينهم مملوكا نصرانيا لعمر بن الخطاب، فكان يعرض علي الإسلام، فأبى، فيقول: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾. ويقول: يا أسق (٢) لو أسلمت لاستعنا بك على بعض أمور المسلمين (٣). وقد ذهب طائفة كثيرة من العلماء أن هذه محمولة على أهل الكتاب ومن دخل في دينهم قبل النسخ والتبديل، إذا بذلوا الجزية، وقال آخرون: بل هي منسوخة بآية القتال، وأنه يجب أن يدعى جميع الأمم إلى الدخول في الدين الحنيف دين الإسلام، فإن أبى أحد منهم الدخول (٤)، ولم ينقد له أو يبذل الجزية، قوتل حتى يقتل، وهذا معنى ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ (٥)، قال الله تعالى: ﴿سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ﴾ [الفتح: ١٦] وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التحريم: ٩] وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة: ١٢٣]. وفي الصحيح (٦): «عجب ربك من قوم يقادون إلى الجنة في السلاسل (٧)، وتصلح أعمالهم وسرائرهم، فيكونون من أهل

стр. 213

الجنة». فأما الحديث الذي رواه الإمام أحمد (١)، عن أنس أن رسول الله ﷺ قال لرجل: «أسلم» قال: «إني أجدني كارهًا»، قال: «وإن كنت كارهًا» فإنه ثلاثي صحيح، ولكن ليس من هذا القبيل، فإنه لم يكرهه النبي ﷺ على الإسلام، بل دعاه إليه، فأخبره أن نفسه ليست قابلة له، بل هي كارهة، فقال له: «أسلم وإن كنت كارهًا، فإن الله [يرزقك] (٢) حسن النية والإخلاص، وقوله: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ أي من خلع الأنداد والأوثان وما يدعو إليه الشيطان من عبادة كل ما يعبدون من دون الله ووحد الله وحده، وشهد أن لا إله إلا هو ﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ أي: فقد ثبت في أمره، واستقام على الطريقة المثلى، والصراط المستقيم (٣). قال محمد تقي الدين: قال علماء التوحيد: الطاغوت: مأخوذ من الطغيان، والطغيان مجاوزة الحد في الكفر والضلال والإضلال، ومنه الطاغوت، جاء في اللسان العرب (٤): قال الشعبي وعطاء ومجاهد: الجبت السحر، والطاغوت الشيطان، والكاهن وكل رأس في الضلال، قد يكون واحدًا»؛ قال تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾ [النساء: ٦٠]، وقد يكون جَمْعًا، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِنَ النُّورِ إلَى الظُّلُمَاتِ﴾. قال محمد تقي الدين: قال علماء التوحيد الطواغيت كثيرة، أولهم إيليس لعنه الله، ومن دعا الناس إلى عبادته أو عبادة غيره، ومن حكم بغير ما أنزل الله، والكاهن، والساحر، ويجب على كل مؤمن أن يكفر بجميع الطواغيت، فإن القلب مثل الإناء، فلا بد من تطهيره قبل حلول الإيمان فيه، فإن الإيمان بالطاغوت نجاسة تجب إزالتها من القلب ليمتلئ بالإيمان بالله تعالى، وسيأتي إن شاء الله في سورة النساء زيادة على هذا.

стр. 214

ثم قال (ك): «وقوله: ﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انفِصَامَ لَهَا﴾ أي: فقد (١) استمسك من الدين بأقوى سبب، وشبه ذلك بالعروة القوية التي لا تنفصم، هي في نفسها محكمة مبرمة قوية وربطها قوي شديد، ولهذا قال: ﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انفِصَامَ لَهَا﴾ الآية». قال مجاهد: العروة الوثقى: يعني الإيمان (٢)، وقال السدي: هو الإسلام (٣)، وقال سعيد بن جبير والضحاك: يعني لا إله إلا الله (٤)، وعن أنس بن مالك: العروة الوثقى: القرآن (٥)، وعن سالم بن أبي الجعد، قال: هو الحب في الله، والبغض في الله (٦)، وكل هذه الأقوال صحيحة، ولا تنافي بينها، وقال معاذ بن جبل في قوله: ﴿لَا انفِصَامَ لَهَا﴾ (٧) دون دخول الجنة» (٨). وقال الإمام أحمد بسنده إلى محمد بن قيس بن عبادة قال: «كنت في المسجد فجاء رجل في وجهه أثر من خشوع، فدخل (٩) فصلى ركعتين أوجز فيهما، فقال القوم: هذا رجل من أهل الجنة، فلما خرج اتبعته حتى دخل منزله، فدخلت معه فحدثته فلما استأنس، قلت له: إن القوم لما دخلت (١٠) المسجد قالوا: كذا وكذا، قال: سبحان الله، ما ينبغي لأحد أن يقول ما لا يعلم، وسأحدثك (١١)، إني رأيت رؤيا على عهد رسول الله ﷺ ، فقصصتها عليه، رأيت كأني (١٢) في روضة

стр. 215

خضراء، قال ابن عون (١): فذكر من خضرتها وسعتها، وفي وسطها عمود من حديد أسفله في الأرض وأعلاه في السماء، في أعلاه عروة، فقيل لي: اصعد عليه، فقلت: لا أستطيع. فجاءني منصف - قال ابن عون (١): هو الوصيف - فرفع ثيابي من خلفي فقال: اصعد فصعدت حتى أخذت بالعروة، فقال: استمسك بالعروة، واستيقظت وإنها لفي يدي، فأتيت رسول الله ﷺ فقصصتها عليه، فقال: «أما الروضة، فروضة الإسلام، وأما العمود فعمود الإسلام، وأما العروة فهي العروة الوثقى، أنت على الإسلام حتى تموت (٢)، قال: وهو عبد الله بن سلام. أخرجاه في «الصحيحين»». ثم قال (ك): «يخبر تعالى أنه يهدي من اتبع رضوانه سبل السلام، فيخرج عباده المؤمنين من ظلمات الكفر والشك والريب إلى نور الحق الواضح الجلي البين السهل المنير، وأن الكافرين إنما وليهم الشيطان (٣)، يزين (٤) لهم ما هم فيه من الجهالات والضلالات، ويخرجونهم، ويحيدون بهم عن طريق الحق إلى الكفر والإفك ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ ولهذا وحد تعالى لفظ النور، وجمع الظلمات لأن الحق واحد، والكفر أجناس كثيرة، وكلها باطلة كما قال: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٣] (٥) قال (ك): «هذا الذي حاج إبراهيم في ربه - وهو ملك بابل - نمرود بن كنعان قال مجاهد: «ملك الدنيا مشارقها ومغاربها أربعة: مؤمنان وكافران: المؤمنان سليمان بن داود، وذو القرنين، والكافران: نمرود، وبخت نصر (٦)، ومعنى قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ أي:

стр. 216

بقلبك يا محمد ﴿إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ﴾ أي: وجود ربه، وذلك أنه أنكر أن يكون (١) إله غيره، كما قال بعده فرعون لملئه ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص: ٣٨] وما حمله على (٢) الطغيان والكفر الغليظ والمعاندة الشديدة إلا تجبره وطول مدته في الملك (٣)، وكان (٤) طلب من إبراهيم دليلًا على وجود الرب الذي يدعو إليه. فقال إبراهيم: ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ أي: إنما الدليل على وجوده حدوث هذه الأشياء المشاهدة بعد عدمها، وعدمها بعد وجودها، وهذا دليل على وجود الفاعل المختار ضرورة؛ لأنها لم تحدث بنفسها، فلا بد لها من موجد أوجدها، وهو الرب الذي أدعو إلى عبادته (٥) لا شريك له، فعند ذلك قال الحاج وهو نمرود: أنا أُحْيي، وأُمِيتُ. قال قتادة ومحمد بن إسحاق والسدي وغير واحد: وذلك أني أوتى بالرجلين قد استحقا القتل، فأمر بقتل أحدهما فيقتل، وآمر بالعفو عن الآخر فلا يقتل، فذلك معنى الإحياء والإماتة، والظاهر - والله أعلم ـ، أنه ما أراد هذا لأنه ليس جوابًا لما قال إبراهيم، ولا في معناه؛ لأنه مانع لوجود الصانع، وإنما أراد أن يدعي لنفسه هذا المقام عنادًا ومكابرة، ويوهم أنه فاعل لذلك، وإنه هو الذي يحيي ويميت، كما اقتدى به فرعون في قوله: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص: ٣٨] ولهذا قال له إبراهيم لما ادعى هذه المكابرة: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ

стр. 217

فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ﴾ أي: إذا كنت كما تدعي من أنك تحيي وتميت، فالذي يحيي ويميت هو الذي يتصرف في الوجود، في خلق ذراته وتسخير كواكبه وحركاته، فهذه الشمس تبدو كل يوم من المشرق، فإن كنت إلهًا كما تدعي، [تحيي وتميت] (١)، فَأْتِ بها من المغرب، فلما علم عجزه وانقطاعه، وأنه لا يقدر على المكابرة في هذا المقام بهت أي أخرس، فلا يتكلم وقامت عليه الحجة، قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ أي: لا يلهمهم حجة ولا برهانًا، بل ﴿حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ [الشورى: ١٦] (٢) فوائد هذا الباب : الفائدة الأولى: قال محمد تقي الدين: كل من أشرك بالله وعبد غيره بدعاء، أو ذبح، أو نذر، أو استغاثة، أو استعانة، أو استعاذة، فيما لا يقدر عليه إلا الله، يأتي يوم القيامة مفلسًا يائسًا لا ينفعه أحد من الذين كان يتعلق بهم في الدنيا كشيوخ الطريقة، ولا يشفع له أحد؛ لأن المشرك بالله لا تنفعه شفاعة الشافعين، وإن كان هذا المشرك ابنًا لنبي كابن نوح، أو أيًا لنبي كآزر أبي إبراهيم، وهذا معنى قوله تعالى: ﴿لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ﴾ [البقرة: ٢٥٤]. الفائدة الثانية: قول عطاء بن دينار: الحمد لله الذي قال: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٥٤] ولم يقل: «الظالمون هم الكافرون» (٣)، قال محمد تقي الدين: الظلم نوعان: الظلم الأكبر والظلم الأصغر، فالظلم الأكبر: أن تصرف حق الله وهو العبادة إلى غير الله، وذلك هو الشرك الأكبر، فكل من ارتكب الظلم الأكبر، فهو من الكافرين، وأما الظلم الأصغر فهو أكل أموال الناس بالباطل، والاعتداء عليهم في أنفسهم وأعراضهم، فإن صاحب هذا لا يكون من الكافرين، إلا إذا استحل ذلك، ولو قال الله تعالى: والظالمون هم الكافرون، لكان كل ظالم كافرًا، ولو كان ظلمه صغيرًا. الفائدة الثالثة: قد رأيت من فضائلها ما فيه من الكفاية، وعلمت أنها أعظم آية في القرآن وهي كما قال ابن كثير: «تشتمل على عشر جمل» (٤).

стр. 218

الجملة الأولى: ﴿اللهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾، أي: لا معبود في الأرض ولا في السماء سواه، ومن عبد غيره صار من أعدائه، استوجب العذاب الدائم في الدنيا والآخرة، إن لم يتب من شركه. الجملة الثانية: ﴿الحَيُّ الْقَيُّومُ﴾، وحياته سبحانه هي الحياة الكاملة التي لم توهب ولم تُعط ولم تؤخذ من غيره، وليس لها بداية ولا نهاية، وليس لها حدود، و ﴿القَيُّومُ﴾، وفي قراءة عمر ﵁: (القيام) (١)، هو الذي يقوم به كل ما سواه من المخلوقين، وبدونه لا يقوم ولا يوجد، ولا يحفظ عليه وجوده إلا بالحي القيوم. الجملة الثالثة: ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾، وقد بين (ك) معنى السنة ومعنى النوم، وهما من لوازم البشر، ومن الدلائل على نقصهم، ولذلك لا يستطيع أحد منهم أن يدبر شؤون العالم، وقد علم الله سبحانه أن بعض البشر سيزعمون أنه يوجد رجل في كل زمان يسمى (القطب الفرد) ينوب عن الله تعالى في جميع مملكته ويدبر شؤونها، فلا تتحرك ذرة في العالم إلا بإذنه، انظر تفاصيل خبره في كتابي «الهدية الهادية إلى الطائفة التيجانية» (٢) فكذبهم الله تعالى بقوله: ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ فكيف يستطيع هذا (القطب) المزعوم أن يدبر شؤون العالم عند النوم، ونفي السنة والنوم، من نفي النقائص عن الحي القيوم. الجملة الرابعة: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾، ملكًا وخلقًا وعبيدًا متصرفًا فيهم، والمملوك المخلوق العبد، لا يكون إلهًا معبودًا أبدًا، ففيه ردّ على المشركين. الجملة الخامسة: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِندَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾، نفي للشفاعة الشركية التي يشفع الشافع فيها لدى المشفوع عنده؛ لأنه قريب، وله حق عليه كالوالد عند ولده، أو بالعكس، أو لأنه صديقه، أو قائد جيشه، أو وزيره الأعظم الذي يعينه على تدبير ملكه، والمشركون الجاهلون يظنون، بل يعتقدون أن شفاعة الشفعاء عند الله من هذا القبيل، وتعالى الله أن يشفع أحد عنده إلا بإذنه (٣).

стр. 219

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 220

الجملة السادسة: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ أي: هو محيط علمًا بجميع أمور العباد من الأزل إلى الأبد، ولا يتصف أحد بهذه الصفة سواه. الجملة السابعة: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾، أي: كل من سوى الله تعالى من المخلوقين لا يعلم من علم الله تعالى إلا ما علمه الله، وما سوى ذلك يخفى عليه، ويدعي كثير من المشركين في هذا الزمان أن النبي ﷺ يعلم كل ما يعلمه الله، وهذا كفر بإجماع المسلمين، وسيأتي - إن شاء الله - في (سورة الأنعام) بيانه، ويزعمون أن آلهتهم التي يسمونها بالأولياء تعلم الغيب، ﴿فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [المؤمنون: ٤١]. الجملة الثامنة: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾، قد تقدم بيان معناها بما لا يحتاج إلى مزيد. الجملة التاسعة: ﴿وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾، كل من وكل إليه حفظ شيء من

стр. 221

المخلوقين يثقل عليه، ويحتاج فيه إلى اهتمام وتعب، والله تعالى يحفظ السموات والأرض، يحفظ عليهما وجودهما، ويمدهما بكل ما تحتاجان إليه، ويحتاج إليه من فيهما دون أن يلحقه في ذلك أي مشقة أو تعب. الجملة العاشرة: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ وتقدم معنى العلو الثابت له تعالى، والعظيم الذي لا يماثله أحد في عظمته. الفائدة الرابعة: قوله تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾. اعلم أن من يدين بالإكراه لا ينتفع بذلك الدين؛ لأنه لم يؤمن به، ولا ينتفع أهل ذلك الدين به، بل يعيش بينهم جاسوسًا يتربص بهم الدوائر، أما حديث: «عجب ربك من قوم يقادون إلى الجنة بالسلاسل» (١). فهم لم يقودوهم ليدخلوهم في دين الإسلام كرهًا، وإنما قادوهم أسارى بأمر الله تعالى، وتطبيقًا لقواعد الحرب، فلما دخل أولئك الأسارى إلى بلاد الإسلام، رأوا نور الإسلام وأخلاقه وفضله، فانشرحت صدورهم، ودخلوا فيه باختيارهم، وكذلك حديث ثمامة بن أثال (٢): حين قبضت عليه خيل النبي ﷺ ، وربط إلى سارية من سواري المسجد ثلاثة أيام، فأطلق النبي ﷺ سراحه، ولم يكرهه على الإسلام، ولكن ما شاهده في المسجد من نور الإسلام وأخلاق الإسلام، أخذ بمجامع قلبه، فخرج إلى حائط من حوائط المدينة، فاغتسل، ورجع إلى النبي ﷺ ، وقال له: والله لقد جئت هذا البلد وما على وجه الأرض بلد أبغض إليَّ منه، والآن ما على وجه الأرض بلد أحب إليَّ منه، وقد جئتك وما على وجه الأرض أبغض إليَّ منك، والآن ما على وجه الأرض أحد أحب إلي منك، فمرني بأمرك؟ الحديث. والمسلمون في هذا الزمان هم أكبر مانع لغيرهم من الدخول في الإسلام، لعدم تمسكهم بالإسلام، وانحرافهم عن جادته، وبعدهم عن أخلاقه، حكى لي العالم السلفي عبد الكريم الصاعقة (٣) البغدادي ﵀: أنه كان جالسًا في سطح المسجد، وهو يرى صاحب

стр. 222

دكان من تجار الصابئة يسمع القرآن من الإذاعة، فجاءه شخص من المحسوبين على الإسلام، فقال له: لماذا تسمع القرآن وأنت صابئ؟ فقال له: لأني أحبه. فقال: إذا كنت تحب القرآن فما يمنعك من الإسلام؟ فقال: منعني من الإسلام أنت وأمثالك؛ يعني: أنه يكره أن يدخل في دين الإسلام وينضم إلى أدعياء الإسلام، لفساد أخلاقهم، وعدم تطبيقهم لأحكام الإسلام وأخلاقه وآدابه. الفائدة الخامسة: قوله تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآية، اعلم أن الجهال وأصحاب الأغراض الفاسدة من زنادقة المتصوفة وجهلتهم حرفوا معنى ولي الله، فزعموا أن ولي الله هو الذي ينظر بعين بصيرته إلى الحقيقة، والحقيقة عندهم هي أصل الدين، والشريعة إنما هي ظواهر شرعت للعامة، أما الولي فلا يتقيد بها، فيتبع الحقيقة، قالوا: وكثيرا ما تكون الحقيقة مخالفة للشريعة، كالخلوة بالأجنبية مثلا، فإنهم يحلونها للولي، وإن حرمها الشرع، ويضربون لذلك مثلا بقصة موسى والخضر، ويزعمون أن الخضر كان مطلعا على الحقيقة؛ لأنه كان من الأولياء، وموسى لم يكن مطلعا على الحقيقة لأنه كان رسولا نبيا يتبع ما يوحى إليه، فخرق السفينة وقتل الغلام كان محرما في شريعة موسى من الذنوب الكبائر، ولكن الخضر كان يعرف الحقيقة، وأن ذلك ليس محرما، بل فيه خير وصلاح، فلما أخبر الخضر موسى بحقيقة ذلك، سلم له أمره، ولم يعترض عليه (١)، فكذلك ينبغي للمسلمين إذا رأوا وليا معروفا عند العامة بالولاية، أو

стр. 223

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 224

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 225

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 226

مُدَّعيًا لها، يرتكب شيئًا من المحرمات كالزنا وشرب الخمر، لا ينبغي لهم أن يعترضوا عليه، وأشاعوا ذلك بين جهال المسلمين، حتى استقر في أذهانهم وألفوه، وينشدون من أشعارهم قول بعضهم (١): وكُن عنده كالميت عند مُغَسِّل … يقلبه ما شاء وهو مطاوع ويقولون: من قال لشيخه: لم؟ لا يفلح أبدًا، ويقولون: إذا رأيت امرأة جميلة دخلت على شيخك، فقم سخن الماء ليغتسل، وإياك أن تظن به إلا خيرًا، وفي كتاب الإبريز في مناقب الشيخ عبد العزيز الدباغ (٢) لمؤلفه أحمد بن مبارك اللمطي المغربي هذه الحكاية: زعم أن شيخه رواها له، قال: قال ﵁: كان لأحد الشيوخ مريد مخلص، وطالت خدمته بإخلاص وتعظيم، فأراد أن يمتحنه ليعطيه الولاية إذا نجح في الامتحان فقال له: يا فلان: أتحبني؟ قال: نعم أحبك بدون حد فقال: أرأيت لو أمرتك بأمر أتطيعني؟ فقال: يا سيدي لا يمكن أن أعصي أمرك أبدًا، فقال: لو قلت لك: اذهب الآن إلى والدك واضرب عنقه وأتني برأسه أتفعل ذلك؟ فقال له: سوف ترى، وذهب في الحال إلى بيت أبيه فوجده يجامع أمه، فقطع رأسه وجاءه به في مخلاة، ووضعه أمامه، فقال له

стр. 227

الشيخ: ما هذا؟ فقال المريد: هذا الذي أمرت به، فقال: ما أمرتك بشيء؟ وإنما سألتك سؤالا؟ فقال له: إن كلامك عندي كله حق، ليس فيه تأويل ولا مجاز، وهذا رأس أبي أمامك، فغضب عليه وقال له: كيف ترتكب هذا الجرم العظيم لمجرد سؤال ألقيته عليك؟ فأعاد عليه قوله من أن كلامه عنده لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، ما كنت أظنك غبيا إلى هذا الحد، هات القنديل، فلما جاء المريد بالقنديل، وأخرج الرأس من المخلاة، وجده رأس نصراني كان يزني بأمه، فعلم بذلك الشيخ من طريقة علم الغيب، وأراد أن يصيد عصفورين بحجر واحد، الأول: امتحان مريده هل بلغ من طاعته إلى الحد الذي يستحق أن يمنح الولاية، والثاني: أن يقتل ذلك النصراني الذي هتك حرمة والدته عقابا له، ويحكون من أمثال هذه الحكاية كثيرا ليضلوا الناس، ويعطلوا العمل بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، انظر كتابي «الهدية الهادية، إلى الطائفة التيجانية» (١). وهذه الحكاية الملعونة يبرأ منها الله ورسوله، وجميع المسلمين الذين يعرفون ما هو الإسلام، سواء كانوا صوفية أو فقهاء، أو أهل حديث، فقد قال الجنيد ﵀ وهو سيد الطائفة: «أمرنا هذا - يغني التصوف - مبني على أربعة أمور، أولها: اتباع السنة، والوقوف عند حدود الشريعة، وثانيها: أكل الحلال، وثالثها: كف الأذى، ورابعها: حمل الأذى». وقال: «إذا رأيتم الرجل يطير في السماء، أو يمشي على الماء، فلا تعتبروه شيئا، حتى تنظروا إلى تمسكه بالكتاب والسنة» (٢)، وقد ألف الإمام أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية كتابا سماه «الفرقان بين أولياء الرحمان وأولياء الشيطان» (٣). وحكى لي الثقة الصادق السيد محمد المؤذن، وكان من أعيان تطوان

стр. 228

المتمسكين بالسنة بعدما دعوت الناس إليها من سنة إحدى وستين وثلاثمائة وألف إلى سنة ست وستين وثلاثمائة وألف، حكى: إن مجذوبًا - «المجذوب» عندهم: هو الذي فَقَد عقله، وصار يمشي عريانًا، ولا يتقيد بشيء من العبادة ولا من المروءة، وهذا عندهم معظم من كبار الأولياء الذين جذبهم الحق إلى حضرة محبته لهم بدون عبادة، ويقسمون الأولياء إلى مجذوب وسالك. فالسالك: هو الذي يسلك الطريقة والشريعة، ويؤدي الواجبات والنوافل حتى يصل إلى الولاية على يد شيخ من شيوخ المتصوفة - أخبرني أن مجذوبًا ومجذوبة كانا في مدينة تطوان يمشيان في الأسواق عريانين، ويتكلمان بكلام لا يفهم، وفي يوم من الأيام وثب المجذوب على المجذوبة في وسط السوق، فأضجعها وزنا بها، والناس ينظرون، ولم يستطع أحد أن ينبس ببنت شفة، بل أخذهم رعب وخوف عظيم، وتأولوا ذلك على أن أمرًا عظيمًا سيحدث، وبعد ذلك بأيام، انهزم الجيش المغربي أمام الإسبانيين حتى دخل الإسبانيون تطوان واستولوا عليها، ففسر الناس ذلك الزنا الذي وقع بين المجذوب والمجذوبة باستيلاء الإسبانيين على تطوان، فهل مثل هؤلاء مسلمون حقًا يرضى الله دينهم وعقيدتهم وينصرهم على أعداء الإسلام؟ ألا لا، ثم لا، فالله تعالى يقول: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر: ٥١]. وقال تعالى في سورة الصافات: ﴿وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [الصافات: ١٧٣] ومن بلغ في الجهل بالإسلام إلى ذلك الحد فحاشا لله أن يكون من المؤمنين، وأن يستحق النصر على الكافرين، والله يبين لنا معنى من هم أولياؤه بيانًا شافيًا وافيًا، وقال تعالى في سورة يونس: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٦٣) لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [يونس: ٦٢ - ٦٤] فأخبر سبحانه أن الإيمان والتقوى شرط في ولايته، وأن أولياءه لهم علامات، منها البشرى في الحياة الدنيا، بالنصر والتأييد والاستقامة، والاجتماع على كلمة الحق والجهاد في سبيل الله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إلى غير ذلك، ولذلك قال هنا سبحانه: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي: يتولاهم دائمًا ﴿يُخْرِجُهُم مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ في حياتهم الدنيا وفي الآخرة. ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ﴾ أي: الشياطين

стр. 229

يُخْرِجُونَهُم مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ. الفائدة السادسة: محاجة إبراهيم لنمرود، ملك بابل: هي من الآيات الدالة على توحيد الربوبية، وآية الكرسي نفسها، مشتملة على توحيد العبادة في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ وعلى توحيد الربوبية فيما بعد ذلك. الباب الثامن عشر قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٢]. قال (ك): «قال أبو عبد الرحمن النسائي بسنده عن ابن عباس، قال: كانوا يكرهون أن يرضخوا لأنسابهم من المشركين، فسألوا، فرخص لهم» (١). قال محمد تقي الدين: الرضخ: هو العطاء القليل، وفي هذا الزمان قلب معناه جهال الكتاب، فصاروا يقولون: رضخ له، يعني أذعن وخضع له، وهذا زمان محنة اللغة العربية وشقائها بالمتكلمين بها، وفي هذا الحديث دليل على جواز الإحسان إلى الكافر إذا كان قريبًا، وكذلك إذا كان بعيدًا، قال تعالى في سورة الممتحنة: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٨) إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الممتحنة: ٨، ٩]. فعلى هذا يجوز الإحسان إليه. ثم قال (ك): بسنده (٢) إلى ابن عباس عن النبي ﷺ : «إنه كان يأمر بأن لا يتصدق إلا على أهل الإسلام، حتى نزلت هذه الآية: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ﴾ إلى آخرها، فأمر بالصدقة بعدها على كل من سألك من كل دين» (٣).

стр. 230

قال محمد تقي الدين وهذا كله في صدقة التطوع، أما الزكاة المفروضة فقد بين الله تعالى من تصرف لهم في سورة التوبة، فلا يعطاها الفقير الكافر إلا إذا كان من المؤلفة قلوبهم، لقول النبي ﷺ في حديث معاذ حينما بعثه إلى اليمن: «ثم أخبرهم أن الله قد افترض عليهم صدقة، تؤخذ من أغنياءهم فترد على فقراءهم» (١)، أي على فقراء المسلمين، وقوله تعالى: ﴿وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنفُسِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٧٢] كقوله: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ﴾ [الجاثية: ١٥] وقوله تعالى: ﴿وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللهِ﴾ [البقرة: ٢٧٢]. قال عطاء الخراساني: يعني إذا أعطيت لوجه الله، فلا عليك ما كان عمله، وهذا معنى حسن، وحاصله: إن المتصدق إذا تصدق ابتغاء وجه الله، فقد وقع أجره على الله، ولا عليه في نفس الأمر لمن أصاب ألِبَرٌ أو لفاجرٍ، أو مستحق (٢) أو غيره، وهو مثاب على قصده ومستند (٣) هذا تمام الآية: ﴿وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٢] والحديث المخرج في «الصحيحين» (٤) من طريق أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : «قال رجل: لأتصدقن الليلة بصدقة، فخرج بصدقته فوضعها بيد زانية، فأصبح الناس يتحدثون: تصدق على زانية! فقال: اللهم لك الحمد على زانية، لأتصدقن الليلة بصدقة، فوضعها في يد غني! فأصبحوا يتحدثون: تصدق على غني، فقال: اللهم لك الحمد على غني، لأتصدقن الليلة بصدقة، فخرج فوضعها في يد سارق، فأصبحوا يتحدثون: تصدق على سارق، فقال: اللهم لك الحمد على زانية، وعلى غني، وعلى سارق، فأتي فقيل له: أما صدقتك فقبلت، أما الزانية فلعلها أن تستعف بها عن زناها، ولعل الغني يعتبر فينفق مما أعطاه الله، ولعل السارق أن يستعف بها عن سرقته». قال محمد تقي الدين: قد علمنا سبب نزول هذه الآية وما فيها من الأحكام المقدسي في «المختارة» (١٠/ ٧٦ - ٧٧) رقم (٦٨، ٦٩) -، والبزار (٢١٩٣ - زوائده)، والحاكم (٢/ ٢٨٥ و ٤/ ١٥٦ - ١٥٧)، والبيهقي (٤/ ١٩١)، وإسناده صحيح، وعزاه السيوطي في «الدر المنثور» (٢/ ٨٦) لابن مردويه.

стр. 231

والحكم، وهناك أمر آخر لم يذكر من قبل، وهو أن هداية القلوب ليست واجبة على النبي ﷺ ولا هي مقدورة له، قال تعالى في سورة القصص: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [القصص: ٥٦]. فهداية النبي ﷺ للبشر، إنما هي تبليغه إياهم ما أمر بتبليغه قولًا وعملًا على أحسن وجه، وقد فعل ذلك، وبلغ الرسالة، وأدى الأمانة، وجاهد في الله حق جهاده، وعبد الله حتى أتاه اليقين، صلوات الله وسلامه عليه، ولكن الضلال المتصوفة يزعمون: أن الشيخ الكامل يتصرف في قلب مريده وينقله من الضلال إلى الهدى، وبنظرة واحدة ينظرها إليه يصير وليًا، وفي «جواهر المعاني» و «كتاب الرماح» زعموا: أن الشيخ التيجاني قال لهم: «قال لي سيد الوجود ﷺ : بعون ربي أكون معك يوم الاثنين ويوم الجمعة، فكل من رآك في هذين اليومين، وقال: أشهد بأني رأيتك، يدخل الجنة بلا حساب ولا عقاب» (١). فلم يقتصر على رؤية الشيخ للمريد وهدايته له بالنظر، حتى جعلوا كل من رأى الشيخ يدخل الجنة بلا حساب ولا عقاب، ألم يعلموا أن أبا طالب عم النبي ﷺ كان يرى النبي ﷺ ويراه كل يوم لمدة طويلة، وكان النبي ﷺ حريصًا على هدايته وإنقاذه من النار ودعاه إلى الإسلام جهده فلم يستجب، ومات كافرًا، فحزن عليه النبي ﷺ ، فأنزل الله تعالى عليه: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [القصص: ٥٦]، فقال النبي ﷺ : «لأستغفرن لك ما لم أنه عنك» (٢)، فأنزل الله تعالى في سورة التوبة: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (١١٣) وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾ [التوبة: ١١٣، ١١٤].

стр. 232

سورة آل عمران الباب الأول بسم الله الرحمن الرحيم ﴿الم (١) الله لا إله إلا هو الحي القيوم (٢) نزل عليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه وأنزل التوراة والإنجيل (٣) من قبل هدى للناس وأنزل الفرقان إن الذين كفروا بآيات الله لهم عذاب شديد والله عزيز ذو انتقام (٤) إن الله لا يخفى عليه شيء فِي الأرض ولا فِي السماء (٥) هو الَّذِي يصوركم فِي الأرحام كيف يشاء لا إله إلا هو العزيز الحكيم (٦)﴾ [آل عمران: ١ - ٦] قال (ك): «قد ذكرنا الحديث الوارد في أن اسم الله الأعظم في هاتين الآيتين: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، و ﴿الم (١) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [آل عمران: ١، ٢]، عند تفسير آية الكرسي وقد تقدم الكلام على قوله: ﴿الم﴾ في أول سورة البقرة بما أغنى عن إعادته، وتقدم (١) الكلام على قوله: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: ٢٥٥] في تفسير آية الكرسي. وقوله تعالى: ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾ [آل عمران: ٣] يعني نزل عليك القرآن يا محمد بالحق، أي: لا شك فيه ولا ريب، بل هو منزل من عند الله (٢)، ﴿أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ١٦٦]، وقوله: ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [آل عمران: ٣] أي: من الكتب المنزلة قبله من السماء على عباد الله الأنبياء، فهي تصدق (٣) بما أخبرت به وبشرت في قديم الزمان، وهو يصدقها لأنه طابق ما أخبرت به وبشرت من الوعد من الله بإرسال

стр. 233

محمد صلى الله عليه (١) وسلم (٢)، وقوله: ﴿وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ﴾ [آل عمران: ٣] أي: على موسى بن عمران ﴿وَالإنجيل﴾ [آل عمران: ٣] أي على عيسى ابن مريم ﵉ ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ [آل عمران: ٤] أي: من قبل هذا القرآن ﴿هُدًى لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ٤] (٣) في زمانهما ﴿وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ﴾ [آل عمران: ٤] وهو الفارق بين الهدى والضلال، والحق والباطل والغي والرشاد بما يذكره الله تعالى من الحجج والبينات (٤) والدلائل الواضحات والبراهين القاطعة (٥)، ويبينه ويوضحه ويفسره ويقرره ويرشده إليه [ينبهه] (٦) عليه من ذلك، وقال قتادة والربيع بن أنس: «الفرقان ههنا: القرآن» (٧). واختار ابن جرير (٨) أنه مصدر ههنا لتقدم ذكر القرآن في قوله تعالى: ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾ [آل عمران: ٣] وهو القرآن (٩) وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ الله﴾ [آل عمران: ٥] أي: جحدوا بها وأنكروها وردوها بالباطل ﴿لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ [آل عمران: ٥] أي: يوم القيامة ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ﴾ [آل عمران: ٥] أي: منيع الجناب عظيم السلطان ﴿ذُو انتِقَامٍ﴾ [آل عمران: ٥] أي: ممن كذب بآياته وخالف رسله الكرام وأنبياءه العظام. ثم قال (ك): «يخبر تعالى أنه يعلم غيب السموات والأرض، لا يخفى عليه شيء من ذلك: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [آل عمران: ٦] أي: يخلقكم [في الأرحام كما يشاء] (١٠)، من ذكر وأنثى، وحسن وقبيح، وشقي وسعيد ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران: ٦] أي: هو الذي خلق، وهو

стр. 234

المستحق للألوهية] (١) وحده لا شريك له، وله العزة التي لا ترام والحكمة والأحكام، وهذه الآية فيها (٢) تصريح بأن عيسى ابن مريم عبد مخلوق كما خلق الله سائر البشر؛ لأن الله صوره في الرحم، وخلقه كيف يشاء، فكيف يكون إلهًا كما زعمته النصارى (٣)، وقد تقلب في الأحشاء، وتنقل من حال إلى حال، كما قال تعالى: ﴿يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ﴾ [الزمر: ٦]» (٤). قال محمد تقي الدين: ابتدأ الله هذا الكلام بقوله: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [آل عمران: ٢] فنزه نفسه عن الشرك لينزه عباده عنه، وختمه بقوله: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران: ٦] وذكر فيما بينهما إنزال الكتب من السماء «هدى» ورحمة للمؤمنين، وأخبر أن الذين كفروا بهذه الكتب وبمن جاء بها لهم عذاب شديد، يعني في الدنيا والآخرة، كما قال تعالى في سورة الرعد: ﴿لَهُمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَقُّ وَمَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ﴾ [الرعد: ٣٤] أخبر سبحانه أنه العزيز الذي لا يغالب، ومن تمسك بطاعته وتوحيده ضمن له العزة الأبدية، وأخبر سبحانه أنه ذو انتقام من المرتدين والجاحدين، وأخبر ومن دلائل ربوبيته أنه ﴿لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾، وأنه يخلق عباده ويصورهم في الأرحام كيف يشاء، فكيف تصرف الوجوه إلى غيره؟! وكيف يتوجه الداعي بدعائه إلى سواه؟! ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [آل عمران: ٨]. الباب الثاني قال الله تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٨) إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (١٩) فَإِنَّ

стр. 235

حاجوك فقل أسلمت وَجْهِيَ لله ومن اتبعن وقل للذين أوتوا الكتاب وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فإن أسلموا فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما عليك البلاغ والله بصير بالعباد﴾ [آل عمران: ١٨ - ٢٠] قال (ك): «شهد تعالى - وكفى به شهيدا، وهو أصدق الشاهدين وأعدلهم، وأصدق القائلين أنه لا إله إلا هو أي: المنفرد بالألوهية لجميع الخلائق، وأن الجميع عبيده وخلقه وفقراء إليه وهو الغني عما سواه، كما قال تعالى: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ﴾ [النساء: ١٦٦] الآية. ثم قرن شهادة ملائكته وأولي العلم بشهادته فقال: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ﴾ وهذه خصوصية عظيمة للعلماء في هذا المقام ﴿قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾ منصوب على الحال، وهو في جميع الأحوال، كذلك لا إله إلا هو تأكيد لما سبق ﴿الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ العزيز الذي لا يرام جناب عظمته وكبريائه] (١)، الحكيم في أقواله وأفعاله وشرعه وقدره، وقال الإمام أحمد (٢) بسنده عن الزبير بن العوام: قال: سمعت النبي ﷺ وهو بعرفة يقرأ هذه الآية: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران: ١٨] وأنا على ذلك من الشاهدين يا رب» (٣). وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩] إخبار منه تعالى (٤) بأنه لا دين عنده يقبل (٥) من أحد سوى الإسلام، وهو اتباع الرسل فيما بعثهم الله به في كل حين، حتى ختموا بمحمد ﷺ ؛ الذي سد جميع الطرق إليه إلا من جهة محمد ﷺ ، فمن لقي الله بعد بعثة النبي ﷺ بدين (٦) على غير شريعته

стр. 236

فليس بمتقبَّل؛ كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٨٥] الآية، وقال في هذه الآية مخبرًا بانحصار الدين المتقبل منه عنده في الإسلام: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَام﴾ وذكر ابن جرير أن ابن عباس قرأ: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ «أَنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامَ» (١)، أي: شهد هو والملائكة وأولو العلم من البشر، بأن الدين عند الله الإسلام (٢)، ثم أخبر تعالى بأن الذين أوتوا الكتاب (٣) إنما اختلفوا بعد ما قامت (٤) الحجة بإرسال الرسل إليهم، وإنزال الكتب عليهم، فقال: ﴿وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ أي: بغى بعضهم على بعض، فاختلفوا في الحق لتحاسدهم وتباغضهم وتدابرهم، فحمل بعضهم بغض البعض الآخر على مخالفته في جميع أقواله وأفعاله، وإن كانت حقًا، ثم قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾، أي: من جحد ما أنزل الله في كتابه ﴿فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ أي: فإن الله سيجازيه على ذلك، ويحاسبه على تكذيبه، ويعاقبه على مخالفته كتابه. ثم قال تعالى: ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ﴾ أي: جادلوك في التوحيد ﴿فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ﴾ أي: فقل أخلصت عبادتي الله وحده لا شريك له، ولا ند له، ولا ولد له، ولا صاحبة له ﴿وَمَنِ اتَّبَعَنِ﴾ أي: على ديني، يقول: كمقالتي، كما قال تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف: ١٠٨] ثم قال تعالى: آمرًا [عبده] (٥) ورسوله

стр. 237

محمدا ﷺ أن يدعو إلى طريقته ودينه والدخول في شرعه وما بعثه الله به إلى الكتابيين من الصليبيين (١) والأميين من المشركين، فقال تعالى: ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ وَالأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ البَلَاغُ﴾، أي: والله عليه حسابهم، وإليه مرجعهم ومآبهم، وهو الذي يهدي من يشاء ويضل من يشاء، وله الحكمة [البالغة] (٢) والحجة الدامغة (٣)، ولهذا قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالعِبَادِ﴾ (٤). قال محمد تقي الدين: في هذه الباب فوائد، الأولى: إن الله وملائكته وأهل العلم بالله من جميع الأديان التي شرعها الله، وهي في الحقيقة دين واحد وهو الإسلام، يشهدون أن لا معبود بحق إلا الله، وكل من عبد من دونه - ولو كان نبيا، ولو كان ملكا، ولو كان شهيدا، ولو كان صديقا - فعبادته باطلة، ومن عبده فهو من أهل النار خالدا فيها أبدا، إن لم يتب قبل موته. الفائدة الثانية: إن الله كرر قوله: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾، مرتين في موضع واحد للتوكيد. الفائدة الثالثة: قوله: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلَامُ﴾ المراد بالإسلام هنا توحيد الله تعالى بالقلب والجوارح، وتوجيه الوجه له لا شريك له، والإسلام هنا يشمل الإيمان بالقلب واللسان والعمل. الفائدة الرابعة: قوله تعالى: ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ وَالأُمِّيِّينَ﴾ يعني بالذين أوتوا الكتاب: اليهود والنصارى، وبالأميين: المشركين، أأسلمتم؟ أي: وحدتم الله تعالى في ربوبيته وعبادته وأسمائه وصفاته، واتباع من بعث إليكم من رسله، فإن أسلموا، أي: وحدوا الله تعالى على هذه الصفة، فقد اهتدوا إلى الحق، وإن أعرضوا عن هذا الإسلام، فحسابهم وعقابهم على الله، وليس عليك يا محمد إلا البلاغ، والله بصير بالعباد أي: عليم بأحوالهم، وسيجزيهم عليها إن خيرا فخير، وإن شرا فشر.

стр. 238

الباب الثالث قال الله تعالى: ﴿إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون (٥٩) الحق من ربك فلا تكن من الممترين (٦٠) فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنت الله على الكاذبين (٦١) إن هذا لهو القصص الحق وما من إله إلا الله وإن الله لهو العزيز الحكيم (٦٢) فإن تولوا فإن الله عليم بالمفسدين (٦٣) قل ياأهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون (٦٤)﴾ [آل عمران: ٥٩ - ٦٤] قال (ك): يقول جل وعلا: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ﴾ في قدرة الله حيث خلقه من غير أب ﴿كَمَثَلِ آدَمَ﴾ حيث خلقه (١) من غير أب ولا أم، بل ﴿خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ فالذي خلق آدم من غير أب قادر على أن يخلق عيسى بطريق الأولى والأحرى، وإن جاز ادعاء البنوة في عيسى لكونه مخلوقا من غير أب فيجوز (٢) في آدم بالطريق الأولى، ومعلوم بالاتفاق أن ذلك باطل، فدعواه (٣) في عيسى أشد بطلانا وأظهر فسادا، ولكن الرب ﷻ أراد أن يظهر قدرته لخلقه حين خلق آدم لا من ذكر ولا من أنثى (٤)، ولهذا قال تعالى في سورة مريم: ﴿وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ﴾ [مريم: ٢١] وقال هنا (٥): ﴿الحق من ربك فلا تكونن من الممترين (٦٠)﴾، أي هذا هو القول الحق في عيسى الذي لا محيد عنه ولا صحيح سواه، وماذا بعد الحق إلا الضلال، ثم قال تعالى أمرا رسوله أن يباهل من عاند الحق في أمر عيسى بعد ظهور البيان: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ

стр. 239

الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ﴾ [آل عمران: ٦١] أي نحضرهم (١) في حال المباهلة: ﴿ثُمَّ نَبْتَهِلْ﴾ أي نلتعن ﴿فَنَجْعَل لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾ أي منا ومنكم. وكان (٢) سبب نزول المباهلة وما قبلها من أول السورة إلى هنا في وفد نجران: إن النصارى لما قدموا فجعلوا يحاجون في عيسى ويزعمون فيه ما يزعمون من البنوة والإلهية، فأنزل الله صدر هذه السورة ردًا عليهم كما ذكره الإمام محمد بن إسحاق بن يسار وغيره. قال ابن إسحاق في «سيرته» المشهورة وغيره (٣): وقدم على رسول الله ﷺ وفد نصارى نجران ستون راكبًا، فيهم أربعة عشر رجلًا من أشرافهم، يؤول أمرهم إليهم، وفيهم (٤) العاقب، واسمه: عبد المسيح، والسيد، وهو الأيهم، وأبو حارثة بن علقمة أخو بكر بن وائل». اهـ. وذكر ابن كثير بقية أسمائهم بالتفصيل، تركت ذكرها اختصارًا، ثم قال (ك): «وكان أميرهم (٥) وذا رأيهم وصاحب مشورتهم، والذي لا يصدرون إلا عن رأيه، [و] السيد وكان صاحب رحلتهم (٦) ومجتمعهم، [و] أبو حارثة ابن علقمة وكان أسقفهم (٧) وصاحب مدارستهم، وكان رجلًا من العرب من بني بكر بن وائل، ولكنه تنصر فعظمته الروم وملوكها وشرفوه، وبنوا له الكنائس (٨)، وأخدموه لما [يعلمونه] (٩) من صلابته في دينهم، وقد كان يعرف أمر رسول الله ﷺ وصفته وشأنه بما (١٠) علمه من الكتب المتقدمة (١١)، ولكن حمله ذلك (١٢) على الاستمرار

стр. 240

في النصرانية، لما يرى من تعظيمه فيها، وجاهه (١) عند أهلها. ذكر محاجتهم للنبي ﷺ - وقد (٢) قدموا على النبي (٣)، فدخلوا عليه مسجده حين صلى العصر، عليهم ثياب الحبرات: [جباب] (٤) وأردية، [من رجال] (٥) بني الحارث بن كعب، قال: يقول (٦) من رآهم من أصحاب النبي ﷺ : ما رأينا بعدهم وفدًا مثلهم، وقد حانت صلاتهم، فقاموا في مسجد رسول الله ﷺ (٧)، فقال رسول الله ﷺ : «دعوهم» صلوا إلى المشرق، قال: فكلم رسول الله ﷺ منهم أبا حارثة بن علقمة والعاقب عبد المسيح والسيد الأيهم وهم من النصرانية [على دين التثليث] (٨)، يقولون: هو الله، ويقولون: هو ولد الله، ويقولون: هو ثالث ثلاثة، تعالى الله عن قولهم علوًا كبيرًا (٩) فهم يحتجون في قولهم: هو الله، بأنه كان يحيي الموتى، ويبرئ الأكمه والأبرص والأسقام، ويخبر بالغيوب، ويخلق من الطين كهيئة الطير (١٠) ينفخ فيه فيكون [طائرًا] (١١) وذلك كله بأمر الله، وليجعله الله آية للناس، ويحتجون في قولهم بأنه ابن الله، يقولون: لم يكن له أب يعلم، وقد تكلم في المهد بشيء لم يصنعه أحد من بني آدم قبله، ويحتجون على قولهم بأنه ثالث ثلاثة، بقول الله تعالى: فعلنا، وأمرنا، وخلقنا، وقضينا، فيقولون: لو كان واحدًا ما قال إلا: فعلت، وأمرت، وقضيت وخلقت، ولكنه هو عيسى ومريم، تعالى الله وتقدس وتنزه عما يقول الظالمون والجاحدون علوًا كبيرًا، وفي كل ذلك من قولهم قد نزل القرآن، فلما كلمه الحبران، قال لهما رسول الله ﷺ :

стр. 241

«أسلما»، قالا: «قد أسلمنا»، قال: «إنكما لم تسلما، فأسلما»، قالا: «بلى قد أسلمنا قبلك»، قال: «كذبتما، يمنعكما من الإسلام ادعاؤكما الله ولدًا، وعبادتكما الصليب، وأكلكما الخنزير»، قالا: فمن أبوه يا محمد؟ فصمت رسول الله ﷺ عنهما فلم يجبهما، فأنزل الله في ذلك من قولهم واختلاف أمرهم من سورة آل عمران إلى بضع وثمانين آية منها (١)، ثم تكلم ابن إسحاق على تفسيرها إلى أن قال: «فلما أتى رسول الله ﷺ الخبر من الله، والفصل من القضاء بينه وبينهم، وأمر بما أمر به من ملاعنتهم إن ردوا ذلك عليه [دعاءهم] (٢) إلى ذلك، فقالوا: يا أبا القاسم! دعنا ننظر في أمرنا ثم نأتيك بما نريد (٣) أن نفعل فيما دعوتنا إليه، ثم انصرفوا عنه، ثم خلوا بالعاقب، وكان ذا رأيهم فقالوا: يا عبد المسيح ماذا تر؟! فقال: والله يا معشر النصارى لقد عرفتم أن محمدًا [نبي] (٤) مرسل، ولقد جاءكم بالفصل (٥) من خبر صاحبكم، ولقد علمتم أنه ما لاعن قوم نبيًا قط فبقي كبيرهم ولا نبت صغيرهم، وإنه الاستئصال منكم إن فعلتم، فإن كنتم أبيتم إلا الف دينكم والإقامة على ما أنتم عليه من القول في صاحبكم، فوادعوا الرجل وانصرفوا إلى بلادكم، فأتوا النبي ﷺ فقالوا: يا أبا القاسم قد رأينا أن لا نلاعنك ونتركك (٦) ونرجع على ديننا، ولكن ابعث معنا رجلًا من أصحابك ترضاه لنا يحكم بيننا في أشياء اختلفنا فيها في أحوالنا (٧)، فإنكم عندنا رضا، قال محمد بن جعفر، فقال رسول الله ﷺ : ائتوني العشية أبعث معكم القوي الأمين»، فكان عمر بن الخطاب ﵁ يقول: ما أحببت الإمارة قط حبي إياها يومئذ رجاء أن أكون صاحبها، فرحت إلى الظهر مهجرًا فلما صلى رسول الله ﷺ الظهر سلم ثم نظر عن يمينه وشماله فجعلت أتطاول له ليراني فلم يزل (٨) ببصره،

стр. 242

حتى رأى أبا عبيدة بن الجراح، فدعاه، فقال: «اخرج معهم؛ فاقض بينهم بالحق فيما اختلفوا فيه»، قال عمر: فذهب بها أبو عبيدة ﵁ (١). هذه القصة رواها البخاري ومسلم وغيرهما باختصار وشيء من الزيادة (٢). وأخرج البخاري بسنده عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ قال: «لكل أمة أمين، وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح» (٣). ثم قال (ك) بعد كلام طويل تركته اختصارًا: ثم قال الله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ﴾ أي: هذا الذي قصصناه عليك يا محمد في شأن عيسى، هو الحق الذي لا معدل عنه ولا محيد، ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٦٢) فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ (٤) عن هذا إلى غيره ﴿فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ﴾ أي: من عدل عن الحق إلى الباطل، فهو المفسد، والله عليم به وسيجزيه على ذلك شر الجزاء، وهو القادر الذي لا يفوته شيء سبحانه وبحمده، ونعوذ به من حلول نقمته» (٥). ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ﴾ الآية. هذا الخطاب يعم أهل الكتاب من اليهود والنصارى ومن جرى مجراهم: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ﴾ (٦) [إلى] (٧) عدل ونصف، ونستوي نحن وأنتم فيها، ثم فسرها بقوله: ﴿أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ﴾ لا وثنًا ولا صليبًا ولا صنمًا ولا طاغوتًا ولا نارًا ولا شيئًا، بل نفرد العبادة الله وحده لا شريك له، وهذه دعوة جميع الرسل،

стр. 243

قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥]. قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦] ثم قال تعالى: ﴿وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ وقال ابن جريج: يعني يطيع بعضنا بعضًا في معصية الله، وقال عكرمة: يسجد بعضنا لبعض ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ أي: فإن تولوا عن هذا النصف وهذه الدعوة فاشهدوا أنتم على استمراركم على الإسلام الذي شرعه الله لكم (١). ذكر (ك) حديث البخاري عن ابن عباس (٢) عن أبي سفيان بن حرب حين دخل على قيصر ملك الروم وما جرى بينه وبينه من الأسئلة والأجوبة، وذكر كتاب النبي ﷺ إلى هرقل عظيم الروم نصه: «بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم، سلام على من اتبع الهدى، وأما بعد، فأسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين، فإن توليت [فإن] (٣) عليك إثم الأريسيين، و ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ (١). انتهى كلام ابن كثير. قال محمد تقي الدين: ينبغي أن أثبت هنا بقية حديث ابن عباس الذي رواه البخاري في كتاب بدء الوحي من صحيحه»؛ لأن الأسئلة التي سألها هرقل أبا سفيان والأجوبة التي أجاب بها، ثم الاستدلال الذي استنبط هرقل من أجوبة أبي سفيان، في ذلك كله حجج عقلية قاطعة يسلّمها كل منصف في كل زمان ومكان، على أن نبينا محمدًا ﷺ صادق مصدق، قامت به الحجج على جميع أهل الأرض، قال البخاري في صحيحه (٤) بسنده إلى ابن عباس: «أخبره أن أبا سفيان بن حرب أخبره أن هرقل أرسل إليه في ركب من قريش، وكانوا تجارًا بالشام في المدة التي كان رسول الله ﷺ مادّ فيها أبا سفيان وكفار قريش، فأتوه وهم بإيلياء فدعاهم في مجلسه وحوله عظماء الروم ثم دعاهم ودعا بترجمانه، فقال: أيكم أقرب نسبًا بهذا الرجل الذي يزعم أنه نبي؟ فقال أبو سفيان: فقلت: أنا أقربهم نسبًا، فقال: أدنوه مني وقرّبوا أصحابه فاجعلوهم عند ظهره، ثم قال

стр. 244

لترجمانه: قل لهم: إني سائل هذا [عن هذا] (١) الرجل، فإن كذبني فكذبوه، فوالله لولا الحياء من أن يأثروا عليَّ كذبًا لكذبت عنه، ثم كان أول ما سألني عنه أنه قال: كيف نسبه فيكم؟ قلت: هو فينا ذو نسب، قال: فهل قال هذا القول فيكم (٢) أحد قط قبله؟ قلت: لا، قال: فهل كان من آبائه من ملك؟ قلت: لا، قال: فأشراف الناس يتبعونه أم ضعفاؤهم؟ فقلت: بل ضعفاؤهم، قال: أيزيدون أم ينقصون؟ قلت: بل يزيدون قال: فهل يرتد أحد منهم سَخْطة لدينه بعد أن يدخل فيه؟ قلت: لا، قال: فهل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ قلت: لا، قال: فهل يغدر؟ قلت: لا ونحن منه في مدة لا ندري ما هو فاعل فيها، قال: ولم يمكنني (٣) كلمة أدخل فيها شيئًا غير هذه الكلمة، قال: فهل قاتلتموه؟ قلت: نعم، قال: فكيف كان قتالكم إياه؟ قلت: الحرب بيننا وبينه سجال، ينال منا وننال منه، قال: ماذا يأمركم؟ قلت: يقول: اعبدوا الله (٤) ولا تشركوا به شيئًا واتركوا ما يقول آباؤكم، ويأمرنا بالصلاة والصدقة (٥) والعفاف والصلة. فقال للترجمان، قل له: سألتك عن نسبه، فذكرت أنه فيكم ذو نسب، فكذلك الرسل تبعث في نسب قومها، وسألتك: هل قال أحد منكم هذا القول؟ فذكرت أن لا، فقلت: لو كان أحد قال هذا القول قبله لقلت: رجل يتأسى بقول قيل قبله، وسألتك هل كان من آبائه من ملك؟ فذكرت أن لا، قلت: فلو كان من آبائه من ملك [لقلت] (٦): رجل يطلب ملك أبيه، وسألتك: هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ فذكرت أن لا، فقد أعرف أنه لم يكن ليذر الكذب على الناس ويكذب على الله، وسألتك: أشراف الناس اتبعوه أم ضعفاؤهم؟ فذكرت أن ضعفاءهم اتبعوه، وهم أتباع الرسل، وسألتك: أيزيدون أم ينقصون؟ فذكرت أنهم يزيدون، وكذلك أمر الإيمان حتى يتم وسألتك: أيرتدَّ أحد منهم (٧) سَخْطة لدينه بعد أن يدخل فيه، فذكرت أن لا، وكذلك الإيمان حينما (٨) تخالط

стр. 245

بشاشته القلوب، وسألتك: هل يغدر؟ فذكرت أن لا، وكذلك الرسل لا تغدر، وسألت: بما يأمركم؟ فذكرت أنه يأمركم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا، وينهاكم عن عبادة الأوثان، ويأمركم بالصلاة والصدقة (١) والعفاف، فإن كان ما تقول حقًا فسيملك موضع قدمي هاتين، وقد كنت أعلم أنه خارج لم أكن أظن أنه منكم، فلو أني أعلم أني أخلص إليه لتجشمت لقاءه، ولو كنت عنده لغسلت عن قدميه (٢)، ثم دعا بكتاب رسول الله ﷺ الذي بعث به دحية إلى عظيم بصرى فدفعه إلى هرقل فقرأ فإذا فيه … »، فذكر كتاب النبي ﷺ إلى هرقل المتقدم ذكره مع اختلاف قليل في اللفظ. قال محمد تقي الدين في هذا الباب فوائد: الأولى: المباهلة، لما أقام النبي ﷺ الحجج القاطعة على أن الله واحد لا شريك له في إلهيته ولا في ربوبيته ولا في أسمائه ولا في صفاته في محاجته لوفد نجران، وظهرت عليهم حجج الله على أن عيسى عبد الله وليس ابن الله وليس هو الله وليس ثالث ثلاثة كما يزعمون؛ ركبوا رؤوسهم وعاندوا؛ فأمر الله نبيه ﷺ أن يباهلهم، ومعنى المباهلة (٣): أي يخرج كل فريق من الفريقين المتخاصمين أعز الناس إليه في الفضاء خارج البلد، فيدعو كل فريق منهما الله تعالى أن يلعن المبطل ويهلكه، ولم يستطع وفد نجران مباهلة النبي ﷺ ؛ لعلمهم أنه رسول الله حقًا إلى جميع أهل الأرض، فاختاروا أن يعطوا الجزية ويدخلوا تحت حكم حاكم مسلم، مع أنهم كانت عندهم قوة عظيمة للقتال، وقد تقدم أن عدد المقاتلين منهم كان مائة وعشرين ألف مقاتل، ولم يكن عند النبي ﷺ في ذلك الوقت مثل هذا العدد ولا عُشره، فإن النبي ﷺ حين توجه إلى فتح مكة في السنة الثامنة للهجرة كان جيشه مؤلفًا من عشرة آلاف مقاتل، هذه معجزة عظيمة للنبي ﷺ يقر بها كل منصف. الفائدة الثانية: اختلف الأئمة المتقدمون في جواز دخول الكافر المسجد (٤)، وفي هذا الخبر دليل على أن الراجح جواز دخوله إن أذن له أولو

стр. 246

الأمر من المسلمين، وكذلك في حديث ثمامة بن أثال الذي أسرته خيل النبي ﷺ ، فإن النبي ﷺ أمر بإدخاله المسجد وربطه في إحدى سواريه، وقد تقدم ذلك (١). الفائدة الثالثة: من سماحة الإسلام التي جاء بها النبي ﷺ أنه سمح لهم أن يؤدوا صلاتهم في مسجده ﵊. الفائدة الرابعة: هجرهم وعدم رد النبي ﷺ ، والتحدث معهم حين تكبروا ولبسوا ثياب الحرير وخواتم الذهب، فأظهر لهم بذلك أن عملهم ذلك محرم في شريعة المسيح، وفي شريعة الإسلام، وإن فاعله يجب هجره إن وجد إليه سبيل. الفائدة الخامسة: احتجاج وفد نجران على التثليث، بأن الله تعالى يقول: فعلنا، وأمرنا، وخلقنا، وقضينا، دليل على جهلهم بلغتهم العربية أو تجاهلهم، فإن الضمير في فعلنا ونفعل لا ينحصر في المتكلم ومعه غيره، بل يستعمل كذلك في كلام المعظم نفسه، والله تعالى عظيم يعظم نفسه ويعظمه الصالحون من خلقه، إلا أنهم لا يعظمونه بخطاب الجمع مراعاة لجانب التوحيد، وهذا واضح. الفائدة السادسة: حب عمر ﵁ أن يُرْسَلَ أميرًا مع وفد نجران لم يكن لغرض دنيوي، ولكن لما سمع النبي ﷺ يخبرهم أنه سيرسل معهم القوي الأمين، أحب أن يكون هو الموصوف بذلك، وإن فاتته هذه فله مناقب وفضائل أعظم منها، فهو أفضل الناس بعد أبي بكر الصديق باتفاق أهل السنة والجماعة. الفائدة السابعة: معنى الرب، هو المربي بنعمه، فكل من اعتقد فيه المشركون أنه يعطيهم الأولاد، أو يجعل الأم التي لا يعيش لها ولد يعيش أولادها، وتطول أعمارهم أو يأتي بالنصر على الأعداء، وهو غائب أو ميت، أو يقتل بهيمته من لا يخضع بعبادته، أو يمرضهم أو يعطي المطر، أو يحفظ المزروعات، أو يقضي الدين، أو يشفي المريض، أو ينور القلوب، ويخرجها من الضلال إلى الهدى إلى غير ذلك، فهو أحد أربابهم، فإن قال المشركون من أهل هذا الزمان: إنهم لا يسألون ذلك من المخلوقين! فإنَّ الموحدين كلهم وغير الموحدين من اليهود والنصارى والمشركين يكذبونهم، ودونك بعض الأدلة: قال أحد المشركين من أهل المغرب يطلب النصر على الفرنسيين من الإمام إدريس بن

стр. 247

عبد الله المدفون في زرهون من بلاد المغرب، لما حاصر الفرنسيون مدينة فاس: أمولاي يا إدريس يا ابن نبينا … وملجأ هذا القطر في العسر واليسر تكنفنا الأسد الضراة وإننا … على خطر إن لم تُغِثْنا على الفور والله تعالى يقول: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾. الثاني: من عادة التيجانيين إذا فرغوا من قراءة «الوظيفة» أن ينشدوا هذه الأبيات بلسان واحد: يا أحمد التيجاني يا نور القلوب … أما ترى ما نحن فيه من كروب أما ترى الضيم الذي أصابا … وأنت غوث لم تزل مجابا العَجَلَ العَجَلَ بالإغاثه … يا من له كل العُلا وراثة ومن عادة الدرقاويين إذا فرغوا من قراءة (الحفيظة) أن ينشدوا بلسان واحد: تَشَفَّعْ يا رسول الله فينا … فما نرجو الشفاعة من سواكا أغث يا خير خلق الله قومًا … ضعافًا ظلهم أبدًا لواكا وأسرع في إغاثتنا فإنا … نرى المولى يسارع في رضاكا انظر آخر كتاب: «الهدية الهادية إلى الطائفة التيجانية» (١) وكذلك كتاب: «الإبريز في مناقب الشيخ عبد العزيز الدباغ» وكتاب: «الطبقات الكبرى» (٢) للشعراني وسائر كتب المتصوفة المتأخرين، فإنها مشحونة بالأدلة على أن مشركي هذا الزمان اتخذوا المخلوقين أربابًا من دون الله، وهذا خلاف الإسلام الذي جاء به جميع الرسل، وخاتمهم وأفضلهم محمد رسول الله ﷺ وعليهم السلام، وهذه الآية حُجَّة على كل مشرك من الأولين والآخرين، وقوله تعالى: ﴿وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا﴾ يعم جميع الأشياء من أهل السموات والأرض، لو كان المشركون يعقلون؛ لكفتهم هذه الآية. الفائدة الثامنة: قوله: «في المدة التي كان رسول الله ﷺ ماد فيها أبا سفيان وكفار قريش»، معنى مادهم فيها أي تصالح معهم على المهادنة وترك المحاربة عشر سنين في غزوة الحديبية، فنقضت قريش هذه المعاهدة بعد مدة قليلة، فتوجه

стр. 248

النبي ﷺ إلى فتح مكة بعشرة آلاف مقاتل، وفتحها سنة ثمان للهجرة. الفائدة التاسعة: قال أبو سفيان: «ونحن منه في مدة لا ندري ما هو فاعل فيها»، يعني: لقد وقعت بيننا وبينه معاهدة صلح وهدنة، لا ندري أيحافظ على المعاهدة أم يغدر، قال أبو سفيان: كنت حريصًا على أن أتنقص محمدًا ﷺ ، ولكنني خفت أن يكذبني أصحابي فلم أجد فرصة أدخل فيها شيئًا من التنقص والتشكيك إلا هذه الكلمة، يؤيده قوله فيما سبق: «فوالله لولا الحياء من أن يأثروا عني كذبًا لكذبت عنه». الفائدة العاشرة: أول شيء بدأ به أبو سفيان في الجواب عما يأمر به النبي ﷺ قوله: يقول: «اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا، واتركوا ما كان يعبد آباؤكم»، فبدأ بالتوحيد الذي هو أول ما دعا إليه النبي ﷺ وأعظمه، وهو الأصل العظيم الذي يبنى عليه الإسلام، فمن جاء به وبمتممه وهو شهادة أن محمدًا رسول الله، ومات على ذلك، يرجى له الخير وإن قصر في بعض الأعمال، ومن لم يجئ به لا ينفعه عمل. الفائدة الحادية عشرة: قول هرقل لأبي سفيان: «إن كان ما تقول حقًا فسيملك موضع قدمي هاتين»، يعني: إنْ كنتَ صادقًا فيما وصفت به هذا النبي، فإنه سينتصر هو ومن اتبعه من أمته علينا نحن معشر الروم، وعلى جميع أعدائه، وسيخرجوننا من بلاد الشام. قال محمد تقي الدين: وكذلك وقع، فإن عمر ﵁ أخرجهم من بلاد الشام، وسكنها المسلمون. الباب الرابع قال الله تعالى: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٦٥) هَاأَنتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٦٦) مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٦٧) إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ٦٥ - ٦٨].

стр. 249

قال (ك): «ينكر ﵎ على اليهود والنصارى (١) محاجتهم في إبراهيم الخليل ﵇، ودعوى كل طائفة منهم أنه كان منهم كما قال محمد بن إسحاق بن يسار حدثني محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت عن عكرمة أو سعيد بن جبير عن (٢) ابن عباس ﵁ قال: اجتمعت نصارى نجران، وأحبار يهود، عند رسول الله ﷺ فتنازعوا عنده، فقالت الأحبار: ما كان إبراهيم إلا يهوديًا، وقالت النصارى: ما كان إبراهيم إلا نصرانيًا، فأنزل الله تعالى: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ﴾ (٣) الآية أي: كيف تدعون أيها اليهود أنه كان يهوديًا وقد كان زمنه قبل أن تنزل التوارة على موسى، وكيف تدعون أيها النصارى أنه كان نصرانيًا وإنما حدثت النصرانية بعد زمنه بدهر، ولهذا قال تعالى: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ (٤) ثم قال تعالى: ﴿هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾ الآية، هذا الكلام على من حاج (٥) فيما لا علم له به، فإن اليهود والنصارى تحاجوا في إبراهيم بلا علم، ولو تحاجوا فيما بأيديهم منه علم مما يتعلق بأديانهم التي شرعت لهم إلى حين بعثة محمد ﷺ لكان أولى بهم، وإنما تكلموا فيما لا يعلمون، فأنكر الله عليهم ذلك، وأمرهم برد ما لا علم لهم به إلى عالم الغيب والشهادة، الذي يعلم الأمور على حقائقها وجلياتها (٦)، ولهذا قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ ثم قال تعالى: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا﴾ أي: متحنفًا عن الشرك، قاصدًا إلى الإيمان ﴿وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ وهذه الآية كالتي تقدمت في سورة البقرة: ﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا﴾ [البقرة: ١٣٥] ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ يقول

стр. 250

تعالى: أحق الناس بمتابعة إبراهيم الخليل، الذين اتبعوه (١) وهذا النبي، يعني محمدًا ﷺ والذين آمنوا من أصحابه المهاجرين والأنصار، ومن تبعهم بعدهم، وروى الترمذي وسعيد بن منصور والبزار وغيرهم عن ابن مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لكل نبي ولاية من النبيين، فإن وليي منهم أبي وخليل ربي إبراهيم ﵇ (٢). ثم قرأ: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: ولي جميع المؤمنين برسله» (٣). الباب الخامس قال الله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللهِ وَلَكِن كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩) وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُم بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٧٩، ٨٠]. قال (ك): قال محمد بن إسحاق، بسنده عن ابن عباس قال: قال أبو رافع القرظي حين اجتمعت الأحبار من اليهود والنصارى من أهل نجران عند رسول الله ﷺ ودعاهم إلى الإسلام: أتريد يا محمد أن نعبدك كما تعبد النصارى عيسى ابن مريم؟ فقال رجل من أهل نجران نصراني - يقال له: الرئيس -: أَوَ: ذاك تريد منا يا محمد وإليه تدعونا؟ أو كما قال فقال رسول الله ﷺ : «معاذ الله أن نعبد غير الله، أو أن نأمر بعبادة غير الله، ما بذلك بعثني، ولا بذلك أمرني» (٤).
следующие страницы →