← Акыда

Акыда · id 30197

سبيل الرشاد في هدي خير العباد

محمد تقي الدين الهلالي

Полный текст (2 277 стр.). Показаны 1856–1895 · переход к 1861.

стр. 1856

فِي نَعِيمِهِمْ إِذْ سَطَعَ لَهُمْ نُورٌ مِنْ فَوْقِهِمْ (١)، وَحَدِيثُ الْأَوْعَالِ الَّذِي فِيهِ: «وَالْعَرْشُ فَوْقَ ذَلِكَ وَاللَّهُ فَوْقَ الْعَرْشِ» (٢)، وَحَدِيثُ: «إِنَّ اللَّهَ لَيَضْحَكُ إِلَى ثَلَاثَةٍ» (٣). وَغَيْرُهَا مِنَ الْأَحَادِيثِ. اهـ. قَوْلُ الْحَافِظِ أَبِي بَكْرٍ الْآجُرِّيِّ، إِمَامُ عَصْرِهِ فِي الْحَدِيثِ وَالْفِقْهِ: قَالَ فِي كِتَابِهِ «الشَّرِيعَةِ» (٤): (بَابُ التَّحْذِيرِ مِنْ مَذْهَبِ الْحُلُولِيَّةِ): «الَّذِي (٥) يَذْهَبُ إِلَيْهِ أَهْلُ الْعِلْمِ أَنَّ اللَّهَ عَلَى عَرْشِهِ فَوْقَ سَمَوَاتِهِ، وَعِلْمُهُ مُحِيطٌ بِكُلِّ شَيْءٍ قَدْ أَحَاطَ بِجَمِيعِ مَا خَلَقَ فِي السَّمَوَاتِ الْعُلَى، وَبِجَمِيعِ مَا خَلَقَ فِي سَبْعِ أَرَضِينَ، تُرْفَعُ إِلَيْهِ أَعْمَالُ الْعِبَادِ، فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَمَا مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧]؟ قِيلَ لَهُ: عِلْمُهُ مَعَهُمْ، وَاللَّهُ عَلَى عَرْشِهِ، وَعِلْمُهُ مُحِيطٌ بِهِمْ، كَذَا فَسَّرَهُ أَهْلُ الْعِلْمِ، وَالْآيَةُ تَدُلُّ (٦) أَوَّلُهَا وَآخِرُهَا عَلَى أَنَّهُ الْعِلْمُ وَهُوَ عَلَى عَرْشِهِ، هَذَا قَوْلُ الْمُسْلِمِينَ» (٧). اهـ. قَوْلُ الْحَافِظِ أَبِي الشَّيْخِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ حَيَّانَ الْأَصْبَهَانِيِّ: قَالَ فِي كِتَابِ «الْعَظَمَةِ»: «ذِكْرُ عَرْشِ الرَّبِّ ﵎ وَكُرْسِيِّهِ وَعَظَمَةِ (٨) خَلْقِهِمَا، وَعُلُوُّ الرَّبِّ ﷻ فَوْقَ عَرْشِهِ» (٩). ثُمَّ سَاقَ كَثِيرًا مِنْ أَحَادِيثِ هَذَا الْبَابِ بِإِسْنَادِهِ.

стр. 1857

قول الحافظ زكريا بن يحيى الساجي إمام أهل البصرة: قال أبو عبد الله بن بطة: حدثنا أبو الحسن أحمد بن زكريا بن يحيى الساجي قال: قال أبي: «القول في السنة التي رأيتُ عليها أصحابنا أهل الحديث الذين لقيناهم: إن الله تعالى على عرشه في سمائه، يقرب من خلقه كيف شاء، … » (١) ثم ذكر بقية الاعتقاد، ذكره الشيخ أبو إسحاق الشيرازي في طبقات الفقهاء وقال: «أخذ عن الربيع والمزني، وله كتاب «اختلاف الفقهاء» وكتاب «علل الحديث» وهو شيخ أبي الحسن الأشعري في الفقه والحديث» (٢). ذكر ما حكاه أبو نصر السِّجْزي عن أهل الحديث: قال: «وأئمتنا كالثوري ومالك وابن عيينة وحماد بن زيد والفضيل وأحمد وإسحاق متفقون على أن الله فوق العرش بذاته، وأن علمه بكل مكان» (٣). قول الإمام أبي عثمان إسماعيل بن عبد الرحمن الصابوني، إمام أهل الحديث والفقه في وقته: قال في رسالته المشهورة في «السنة»: «وإن الله فوق سماواته (٤) على عرشه [بائن من خلقه]» (٥) ثم ساق بإسناده عن ابن المبارك أنه قال: نعرف ربنا ﵎ بأنه فوق سبع سماواته على عرشه، بائن من خلقه، ولا نقول كما قالت

стр. 1858

الجهمية أنه ههنا في (١) «الأرض» (٢). ثم قال بسنده إلى ابن خزيمة قال: «من لم يقر بأن الله على عرشه (٣) فوق سبع سمواته فهو كافر بربه حلال الدم يستتاب، فإن تاب وإلا ضربت عنقه، وألقي على بعض المزابل حتى لا يتأذى به المسلمون ولا المعاهدون بنتن رائحة جيفته، وكان ماله فيئًا، ولا يرثه أحد من المسلمين؛ إذ المسلم لا يرث الكافر ولا الكافر يرث المسلم» (٤). اهـ. قول عبد الله بن مسعود قال (خ): في كتاب «خلق أفعال العباد» قال ابن مسعود في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ [البقرة: ٢٩] وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [السجدة: ٤] قال: «العرش على الماء، والله فوق العرش، وهو يعلم ما أنتم عليه» (٥). اهـ. قول مجاهد وأبي العالية: روى البيهقي من طريق شبل عن أبي نجيح عن مجاهد في قوله تعالى: ﴿وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ [مريم: ٥٢] قال: «بين السماء السابعة وبين العرش سبعون ألف حجاب، فما زال يقرب موسى حتى صار بينه وبينه حجاب، فلما رأى مكانه، وسمع صريف القلم، قال: ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ﴾ (٦)». وقال (خ) في «صحيحه»: قال أبو العالية: «اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ: ارتفع» (٧)، وقال مجاهد: «اسْتَوَى: علا على العرش» (٨)، وقال مجاهد في قوله تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ﴾ [مريم: ٥٩] قال: «هم في هذه الأمة يتراكبون كما تتراكب الحمر والأنعام في الطرق، ولا يستحيون في الأرض، ولا يخافون الله في السماء» (٩) رواه ابن الهيثم بن خلف الدوري في كتاب «تحريم اللواط». اهـ.

стр. 1859

قول قتادة: روى عثمان الدارمي عنه في كتاب «النقض»: «قالت بنو إسرائيل: يا رب أنت في السماء ونحن في الأرض، فكيف لنا أن نعرف رضاك وغضبك؟ قال: إذا رضيت عنكم استعملت عليكم خياركم، وإذا غضبت عليكم استعملت عليكم شراركم» (١). قول سعيد بن جبير: روي عنه من طرق قال: «قحط الناس في زمن ملك من ملوك بني إسرائيل، فقال الملك: ليرسلنَّ الله علينا السماء أو لنؤذينَّه، فقال جلساؤه: فكيف تقدر وهو في السماء؟ فقال: أقتل أولياءه، فأرسل الله عليهم السماء» (٢). قول الحسن البصري: ذكر الشيخ موفَّق الدين بن قدامة المقدسي في كتابه «إثبات صفة العلو» عنه بإسناد صحيح قال: «سمع يونس ﵇ تسبيح الحصا والحيتان فجعل يسبح، وكان يقول في دعائه: «يا سيدي في السماء مسكنك، وفي الأرض قدرتك وعجائبك، إلهي في الظلمات الثلاث حبستني». فلما كان تمام الأربعين وأصابه الغم ﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧]» (٣). اهـ. قول بشر بن عمر شيخ إسحاق، عن جملة ممن لقيهم من المفسرين: قال إسحاق بن راهويه: أخبرنا بشر بن عمر قال: «سمعت غير واحد من المفسرين، يقول: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾: ارتفع» (٤). اهـ.

стр. 1860

قول عباس القمي: وإن لم يكن من المشهورين بالتفسير، روى ابن أبي شيبة في كتاب «العرش» بإسناد صحيح عنه قال: بلغني أن داود كان يقول في دعائه: «اللهم أنت ربي تعاليت فوق عرشك، وجعلت خشيتك على من في السموات والأرض» (١). اهـ. قول محمد بن إسحاق الإمام في الحديث والتفسير والمغازي: قال: «بعث الله ملكًا من الملائكة إلى بختنصر قال: هل تعلم يا عدو الله كم بين السماء والأرض؟ قال: لا، قال: بين السماء والأرض مسيرة خمسمائة سنة، وغلظها مثل ذلك، وذكر الحديث، إلى أن ذكر حملة العرش قال: وفوقهم العرش عليه ملك الملوك ﵎، أي عدو الله! فأنت تطلع إلى ذلك، ثم بعث الله عليه البعوضة؛ فقتلته» (٢). رواه أبو الشيخ في كتاب «العظمة» بإسناد جيد إلى ابن إسحاق. اهـ. قول أبي عبد الله القرطبي المالكي: صاحب «التفسير» المشهور قال في قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾: هذه مسألة الاستواء، وللعلماء فيها كلام وذكر قول المتكلمين الذين يقولون: إذا وجب تنزيه الباري عن الحيز فمن ضرورة ذلك تنزيهه عن الجهة، فليس بجهة فوق عندهم؛ لما يلزم من الحيز والمكان من الحركة والسكون والتغيير والحدوث، قال: «هذا قول المتكلمين»، ثم قال: «وقد كان السلف الأوّل لا يقولون بنفي الجهة ولا ينطقون بذلك، بل نطقوا هم والعامة (٣) بإثباتها الله كما نطق كتابه وأخبرت به رسله، ولم ينكر أحد من السلف الصالح أنه استوى على عرشه حقيقة (٤)، وإنما جهلوا كيفية الاستواء،

стр. 1861

فإنه لا تعلم حقيقته كما قال مالك (١): الاستواء معلوم ـ، يعني في اللغة - والكيف مجهول، والسؤال عن هذا بدعة» (٢). هذا لفظه. اهـ. أقوال أئمة اللغة العربية الذين يحتج بقولهم فيها : ذكر قول أبي عبيدة معمر بن المثنى: ذكر البغوي عنه في «معالم التنزيل» في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ [البقرة: ٢٩٠] قال أبو عبيدة: صعد وحكاه عنه (ع) عند قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ﴾ [الفرقان: ٥٩] (٣). قول يحيى بن زياد الفراء إمام أهل الكوفة: قال في قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] «أي: صعد؛ قاله ابن عباس قال: فهو كقول الرجل كان قاعدًا فاستوى قائمًا، وكان قائمًا فاستوى قاعدًا» (٤) ذكره البيهقي عنه في «الأسماء والصفات» قلت: مراد الفراء اعتدال القائم والقاعد في صعوده على الأرض. اهـ. قول أبي العباس ثعلب: «روى الدارقطني عن إسحاق الكاذي (٥) قال: سمعت أبا العباس ثعلبًا يقول: ﴿اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ علا: واستوى الوجه: اتصل، واستوى الفم: امتلأ، واستوى زيد وعمرو: تشابها في فعلهما (٦)، هذا الذي نعرف من كلام العرب» (٧). اهـ.

стр. 1862

قول أبي عبد الله محمد بن الأعرابي: قال ابن عرفة (١) في كتاب «الرد على الجهمية»: حدثنا داود بن علي قال: كنا عند ابن الأعرابي فأتاه رجل، فقال: ما معنى قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] قال: «هو على عرشه كما أخبر»، فقال: يا أبا عبد الله إنما معناه: استولى، فقال: «اسكت، لا يقال: استولى على الشيء ويكون له مصادفًا (٢) إلا إذا غلب أحدهما» (٣)، قيل: استولى، كما قال النابغة (٤): إلا لِمِثْلِكَ أَوْ مَنْ أنتَ سابقهُ … سَبْقَ الجواد إذا استولى على الأمد (٥) قال محمد بن النضر: سمعت ابن الأعرابي صاحب اللغة يقول: أرادني ابن أبي داود أن أطلب له في بعض لغات العرب ومعانيها ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]؛ بمعنى استولى، فقلت له: «والله ما يكون هذا ولا وجدته» (٦). قول الخليل بن أحمد شيخ سيبويه: ذكر أبو عمر بن عبد البر في «التمهيد» قال الخليل بن أحمد: «استوى إلى السماء: ارتفع إلى السماء» (٧). اهـ. قول إبراهيم بن محمد بن عرفة النحوي المعروف بنفطويه: له كتاب في «الرد على الجهمية» أنكر فيه أن يكون استوى بمعنى استولى، وحكى فيه عن ابن

стр. 1863

الأعرابي ما قدمنا حكايته عنه، ثم قال: وسمعت داود بن علي يقول: كان المريسي يقول سبحان ربي الأسفل، وهذا جعل من قائله ورد لنص الكتاب إذ يقول الله: ﴿أَأَمِنتُم مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك: ١٦] (١) رحمه والله، لقد لين القول في المريسي صاحب هذا التسبيح، لقد كان جديرًا بما هو أليق به من التجهم" (٢). أقوال الزهاد والصوفية أهل الاتباع وسلفهم: قول ثابت البناني شيخ الزهاد: قال محمد بن عثمان في «رسالته»: صح عنه أنه قال: «كان داود يطيل الصلاة ثم يركع، ثم يرفع رأسه إلى السماء، ثم يقول: إليك رفعت رأسي نظر العبيد إلى أربابها، يا ساكن السماء» (٣). ورواه اللالكائي بإسناد صحيح عنه، ورواه الإمام «حم» أيضًا في كتاب «الزهد»، فهذا الرفع إن كان في الصلاة فهو منسوخ في شرعنا، وإن كان بعد الصلاة؛ فهو جائز كرفع اليدين في الدعاء إلى الله . اهـ. قول الفضيل بن عياض: قال الأثرم في كتاب «السنة» بسنده إلى الفضيل بن عياض قال: «ليس لنا أن نتوهم في الله كيف وكيف؛ لأن الله وصف نفسه فأبلغ، فقال: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١ - ٤] فلا صفة أبلغ مما وصف الله به نفسه، وكذا النزول والضحك والمباهاة والاطلاع، كما شاء أن ينزل، وكما شاء أن يباهي، وكما شاء أن يطلع، وكما شاء أن يضحك، فليس لنا أن نتوهم كيف وكيف، وإذا قال لك الجهمي: أنا أكفر برب ينزل (٤) عن مكانه، فقل أنت: أنا أؤمن برب يفعل ما يشاء». وقد ذكر هذا الكلام الأخير عن الفضيل (خ) في كتاب

стр. 1864

«خلق الأفعال» فقال: وقال الفضيل بن عياض: «إذا قال لك الجهمي … » (١) (فذكره) قول يحيى بن معاذ الرازي قال: «الله تعالى على العرش، بائن من خلقه، قد أحاط بكل شيء علمًا، وأحصى كل شيء عددًا، ولا يشك في هذه المقالة إلا جهمي ردئ ضليل، وهالك مرتاب، [يقول] (٢): يمزج الله بخلقه، ويخلط الذات بالأقذار والأنتان» (٣). قول عطاء السلمي: (٤) ثبت أنه كان لا يرفع رأسه إلى السماء حياء من الله (٥)، ومن هذا نهي النبي ﷺ المصلي عن رفع بصره إلى السماء (٦)، تأدبًا مع الله وإطراقًا بين يديه وإجلالًا له، كما يقف العبيد بين يدي الملوك، ولا يرفعون رؤوسهم إليهم إجلالًا لهم، وإذا ضم هذا إلى رفع الأيدي في الرغبات والرهبات، وتوجّه القلوب إلى العلو، دون اليمنة واليسرة والخلف والأمام، أفاد العلم بأن هذا فطرة الله التي فطر الناس عليها. اهـ. قول أبي عبيدة الخواص: (٧) ذكر أبو نعيم وابن الجوزي عنه: «أنه مكث كذا وكذا سنة، لم يرفع رأسه إلى السماء حياء من الله» (٨). اهـ. قول ذي النون المصري: روى أبو الشيخ في كتاب «العظمة» بإسناده عنه قال: «أشرقت لنوره السموات، وأنار بوجهه الظلمات، وحجب جلاله عن العيون، وناجاه على عرشه ألسنة الصدور» (٩).

стр. 1865

قول الحارث بن أسد المحاسبي: قال: وأما قوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ [الأنعام: ٦١] ﴿أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك: ١٦] ﴿إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٤٢] فهذه وغيرها مثل قوله: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر: ١٠] توجب أنه فوق العرش، فوق الأشياء كلها متنزّه عن الدخول في خلقه، لا يخفى عليه منهم خافية؛ لأنه أبان في هذه الآيات أنه أراد به نفسه (١) فوق عباده، لأنه قال: ﴿أَأَمِنتُم مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ﴾ [الملك: ١٦]؛ يعني: فوق العرش، والعرش على السماء؛ لأن من كان فوق كل شيء على السماء في السماء، وقد قال: ﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾ [التوبة: ٢] أي: على الأرض لا يريد الدخول في جوفها». اهـ. قول أبي جعفر الهمذاني (٢) الصوفي: ذكر محمد بن طاهر المقدسي محدث الصوفية في كتابه عنه أنه حضر مجلس أبي المعالي الجويني، وهو يقول: كان الله ولا عرش، وهو الآن على ما كان عليه وكلامًا من هذا المعنى، فقال: يا شيخ دعنا من ذكر العرش، أخبرنا عن هذه الضرورة التي نجدها في قلوبنا، فإنه ما قال عارف قط: يا الله إلا وجد من قلبه ضرورة بطلب العلو ولا يلتفت يمنة ولا يسرة، فكيف ندفع هذه الضرورة عن قلوبنا؟ قال: فصرخ أبو المعالي ولطم على رأسه وقال: «حيّرني الهمذاني حيّرني الهمذاني (٣)». اهـ. قول الإمام العارف معمر بن أحمد الأصبهاني شيخ الصوفية في أواخر المائة الرابعة: قال في «رسالته»: «أحببت أن أوصي أصحابي بوصية من السنة، وموعظة من الحكمة، وأجمع ما كان عليه أهل الحديث والأثر وأهل المعرفة والتصوف من المتقدمين والمتأخرين». قال فيها: «وإن الله استوى على عرشه بلا كيف، ولا تشبيه، ولا تأويل، والاستواء معقول، والكيف مجهول، وإنه بائن

стр. 1866

من خلقه والخلق بائنون منه بلا حلول ولا ممازجة ولا اختلاط ولا ملاصقة؛ لأنه الفرد البائن من الخلق، الواحد الغني عن الخلق، وأن الله سميع بصير عليم خبير يتكلم ويرضى ويسخط ويضحك ويعجب ويتجلى لعباده يوم القيامة ضاحكًا، وينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا كيف شاء، فيقول: «هل من داع فأستجيب له؟ هل من تائب فأتوب عليه؟ حتى يطلع الفجر» (١)، ونزول الرب إلى السماء بلا كيف ولا تشبيه ولا تأويل، فمن أنكر النزول أو تأول فهو مبتدع ضال (٢). اهـ. قول الشيخ الإمام العارف قدوة العارفين عبد القادر الجيلاني: قال في كتاب «تحفة المتقين وسبيل العارفين» في (باب اختلاف المذاهب في صفة الله وفي ذكر اختلاف الناس في الوقف عند قوله: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٧] إلى أن قال: «والله تعالى بذاته على (٣) العرش، علمه محيط بكل مكان، والوقف عند أهل الحق على قوله: ﴿إِلَّا اللَّهُ﴾ وقد رُوِيَ ذلك عن فاطمة بنت رسول الله ﷺ ، وهذا الوقف حسن لمن اعتقد أن الله بذاته على العرش، ويعلم ما في السموات والأرض» إلى أن قال: «ووقف جماعة من منكري استواء الرب على قوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ﴾ [طه: ٥] وابتدؤوا بقوله: ﴿اسْتَوَى (٥) لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [طه: ٦] يريدون بذلك نفي الاستواء الذي وصف به نفسه، وهذا خطأ منهم لأن الله تعالى استوى على العرش بذاته». وقال في كتابه «الغنية»: «أما معرفة الصانع بالآيات والدلالات على وجه الاختصار، فهو أن تعرف وتتيقن أن الله واحد أحد». إلى أن قال: «وهو بجهة العلو مستو على العرش، محتو على الملك محيط علمه بالأشياء، ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠]، ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ [السجدة: ٥]، ولا يجوز وصفه بأنه في كل مكان، بل يقال: إنه في السماء على العرش استوى، قال الله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] وساق آيات وأحاديث».

стр. 1867

ثم قال: «وينبغي إطلاق صفة الاستواء من غير تأويل، وأنه استواء الذات على العرش». ثم قال: وكونه على العرش مذكور في كل كتاب أنزل على كل نبي أرسل بلا كيف هذا نص كلامه في «الغنية» (١). اهـ. قول شيخ الإسلام أبي إسماعيل عبد الله الأنصاري: صاحب كتاب «منازل السائرين» و «الفاروق» و «ذم الكلام» وغيره، صرح في كتابه بلفظ الذات في العلو وأنه استوى بذاته على عرشه، قال: «ولم تزل أئمة السلف تصرح بذلك» (٢) ومن أراد معرفة صلابته (٣) في السنة والإثبات فليطالع كتابيه «الفاروق» و «ذم الكلام». اهـ. قول شيخ الصوفية والمحدثين أبي نعيم صاحب كتاب «حلية الأولياء»: قال في عقيدته: «وإن الله سميع بصير عليم خبير، يتكلم ويرضى ويسخط ويضحك ويعجب، ويتجلى لعباده يوم القيامة ضاحكًا، وينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا كيف يشاء، فيقول: هل من داع فأستجيب له؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ هل من تائب فأتوب عليه؟ حتى يطلع الفجر» (٤). ونزول الرب تعالى إلى سماء الدنيا بلا كيف

стр. 1868

ولا تشبيه ولا تأويل، فمن أنكر النزول أو تأول فهو مبتدع ضال، وسائر الصفوة العارفين على هذا». ثم قال: «وإن الله استوى بلا كيف ولا تشبيه ولا تأويل، فالاستواء معقول والكيف مجهول، وإنه سبحانه بائن من خلقه بالنون منه بلا حلول ولا ممازجة ولا اختلاط ولا ملاصقة؛ لأنه البائن الفرد من الخلق والواحد الغني عن الخلق»، وقال أيضًا: «طريقنا طريق السلف المتبعين للكتاب والسنة وإجماع الأمة» وساق ذكر اعتقادهم، ثم قال: «ومما اعتقدوه أن الله في سمائه دون أرضه» (١) وساق بقيته. اهـ. أقوال أئمة الكلام من أهل الإثبات المخالفين للجهمية والمعتزلة والمعطلة : قول الإمام أبي محمد عبد الله بن سعيد بن كُلَّاب إمام الطائفة، كان من أعظم أهل الإثبات للصفات والفوقية وعلو الله على عرشه، منكرًا لقول الجهمية، وهو أول من عُرف عنه إنكار قيام الأفعال الاختيارية بذات الرب تعالى، وأن القرآن معنى قائم بالذات، وهو أربع معان، ونصر طريقته أبو العباس القلانسي، وأبو الحسن الأشعري، وخالفه في بعض الأشياء، ولكنه على طريقته في إثبات الصفات والفوقية وعلو الله على عرشه، كما سيأتي حكاية كلامه بألفاظه. قال ابن كُلَّاب في بعض كتبه: «وأخرج من الأثر والنظر من قال: إن الله سبحانه لا داخل العالم ولا خارجه» حكاه عنه شيخ الإسلام في عامة كتبه (٢)، وحكى عنه أبو الحسن الأشعري أنه كان يقول: «إن الله مستو على عرشه» كما قال: وإنه فوق كل شيء هذا لفظ حكاية الأشعري عنه، وحكى عنه أبو بكر بن فورك فيما جمعه من مقالاته في كتاب «المجرد»: «وأخرج من النظر والخبر قول من قال: لا هو في العالم ولا خارجه، فنفاه نفيًا مستويًا؛ لأنه لو قيل له: صفه بالعدم، ما قدر أن يقول أكثر من هذا، ورد أخبار الله نصًا، وقال في ذلك ما لا يجوز في نص ولا معقول، وزعم أن هذا هو التوحيد الخالص، والنفي الخالص عندهم هو الإثبات الخالص، وهم عند أنفسهم قياسيون».

стр. 1869

قال: «وإن قالوا: هذا إفصاح منكم بخلو الأماكن منه وانفراد العرش به، قيل: إن كنتم تعنون خلو الأماكن من تدبيره وأنه غير عالم بها فلا، وإن كنتم، تريدون خلوه من استوائه عليها كما استوى على العرش فنحن لا نحتشم أن نقول: استوى الله على العرش، ونحتشم أن نقول: استوى على الأرض، واستوى على الجدار، وفي صدر البيت. قال ابن كلاب: يقال لهم أهو فوق ما خلق؟ فإن قالوا: نعم، قيل لهم: ما تعنون بقولكم فوق ما خلق؟ فإن قالوا: بالقدرة والعزة، قيل لهم: ليس هذا سؤالنا، وإن قالوا: المسألة خطأ، قيل لهم: أفليس هو فوق؟ فإن قالوا: نعم، ليس هو فوق، قيل لهم: وليس هو تحت؟ فإن قالوا: لا فوق ولا تحت، أعدموه؛ لأن ما كان لا تحت ولا فوق عدم، وإن قالوا: هو تحت وهو فوق، قيل لهم: فيلزم أن يكون تحت وفوق ثم بسط الكلام في استحالة نفي المباينة والمماسة عنه بالعقل، وأن ذلك يلحقه بالعدم المحض». ثم قال: «ورسول الله ﷺ وهو صفوة الله من خلقه وخيرته من بريته أعلمهم (١) بالأين واستصوب قول القائل: إنه في السماء، وشهد (٢) بالإيمان عند ذلك، وجههم بن صفوان وأصحابه لا يجيزون الأين بزعمهم ويحيلون القول به» قال: «ولو كان خطأ؛ لكان رسول الله ﷺ أحق بالإنكار له، وكان ينبغي أن يقول لها: لا تقولي ذلك فتوهمي أنه محدود، وأنه في مكان دون مكان، ولكن قولي: إنه في كل مكان؛ لأنه هو الصواب دون ما قُلْتِ، كلا؛ فلقد أجازه رسول الله ﷺ مع علمه بما فيه، وأنه من الإيمان، بل الأمر الذي يجب به الإيمان، لقائله ومن أجله شهد لها بالإيمان حين قالته، وكيف يكون الحق في خلاف ذلك، والكتاب ناطق بذلك وشاهد له؟ ولو لم يشهد لصحة مذهب الجماعة في هذا خاصة إلا ما ذكرناه من هذه الأمور، لكان فيه ما يكفي، كيف وقد غُرس في بنية (٣) الفطرة ومعارف الأميين من ذلك ما لا شيء أبين منه ولا أوكد؛ لأنك لا تسأل أحدًا من الناس عربيًا ولا عجميًا ولا مؤمنًا ولا كافرًا فتقول: أين ربك؟ إلا قال: في

стр. 1870

السَّمَاء إن (١) أفصح، أو أومأ بيده أو أشار بطرفه إن كان لا يُفْصِح، ولا يشير إلى غير ذلك من أرض ولا سهل ولا جبل، ولا رأينا أحدًا إذا عَنَّ له دُعاء إلا رافعًا يديه إلى السماء، ولا وجدنا أحدًا غير الجهمية يُسْأل عن ربه فيقول: في كل مكان كما يقولون، وهم يدعون أنهم أفضل الناس كلهم، فتاهت العقول، وسقطت الأخبار، واهتدى جهم وخمسون رجلًا معه نعوذ بالله من مُضِلات الفتن» هذا آخر كلامه. اهـ. قول أبي الحسن علي بن إسماعيل الأشعري، إمام الطائفة الأشعرية : نذكر كلامه فيما وقفنا عليه من كتبه كـ «الموجز» (٢) و «الإبانة» و «المقالات» وما نقله عنه أعظم الناس انتصارًا له الحافظ أبو القاسم بن عساكر في الكتاب الذي سماه «تبيين كذب المفتري فيما نسب إلى أبي الحسن الأشعري». ذكر قوله في كتاب «الإبانة في أصول الديانة »: قال أبو القاسم ابن عساكر: إذا كان أبو الحسن (٣) مستصوب (٤) المذهب عند أهل العلم بالمعرفة والانتقاد فوافقه (٥) في أكثر ما يذهب إليه أكابر العباد، ولا يقدح في معتقده غير أهل الجهل والعناد، فلا بد أن نحكي عنه معتقده على وجهه بالأمانة، ونتجنب أن نزيد فيه أو ننقص منه تركًا للخيانة، لتعلم حقيقة حاله في صحة عقيدته في أصول الديانة، فاسمع ما ذكره في كتابه (٦) الذي سماه «بالإبانة»، فإنه قال: «الحمد لله [الأوحد] (٧) الواحد، العزيز الماجد، المتفرد بالتوحيد، المتمجد بالتمجيد، الذي لا تبلغه صفات العبيد، وليس له مثل (٨) ولا

стр. 1871

نَديد، وهو المبدئ المعيد (١)، جلَّ عن اتخاذ الصاحبة والأبناء (٢)، وتقدَّس عن ملامسة النساء (٣)، فليس له عزة تنال، ولا حد تضرب فيه الأمثال (٤)، لم يزل بصفاته أولًا قديرًا، ولا يزال عالمًا خبيرًا، سبق (٥) الأشياء علمه، ونفذت فيها إرادته، فلم تعزب عنه خفيات الأمور، ولم يغيّره سوالف وصرف (٦) الدهور، ولم يلحقه في خلق شيء مما خلق كلال ولا تعب ولا مسه لغوب ولا نصب، خلق الأشياء بقدرته ودبرها بمشيئته، وقهرها بجبروته، وذلّلها بعزته، فذل لعظمته المتكبرون، واستكان لعظم (٧) ربوبيته المتعظمون، وانقطع دون الرسوخ في علمه الممترون (٨)، وذلت له الرقاب، وحارت في ملكوته فطر (٩) ذوي الألباب، وقامت بكلمته السماوات السبع، واستقرت الأرض المهاد وثبتت الجبال الرواسي، وجرت الرياح اللواقح، وسار في جو السماء السحاب، وقامت على حدودها البحار، وهو إله قاهر (١٠) يخضع له المتعزّزون، ويخشع له المترفعون، ويدين طوعًا وكرهًا له العالمون، نحمده كما حمد نفسه، وكما هو عند ربنا له أهل (١١)، ونستعينه استعانة من فوَّض إليه أمره (١٢)، وأقرَّ أنه لا ملجأ ولا منجى منه (١٣) إلا إليه، ونستغفره استغفار مقر بذنبه معترف بخطيئته، ونشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، إقرارًا بوحدانيته، وإخلاصًا لربوبيته، وأنه العالم بما تُبطنه الضمائر، وتنطوي عليه السرائر، وما تخفيه النفوس، وما تجري به البحار (١٤) وما تواري الأسرار (١٥) ﴿وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ﴾ [الرعد: ٨]».

стр. 1872

وَسَاقَ خُطْبَتَهُ الطَّوِيلَةَ، بَيَّنَ فِيهَا مُخَالَفَةَ الْمُعْتَزِلَةِ لِكِتَابِ اللهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ ﷺ وَإِجْمَاعَ الصَّحَابَةِ، إِلَى أَنْ قَالَ فِيهَا: «وَدَفَعُوا أَنْ يَكُونَ اللهُ وَجْهَ مَعَ قَوْلِهِ: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٢٧]، وَأَنْكَرُوا أَنْ يَكُونَ اللهُ يَدَانِ (١) مَعَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥] وَأَنْكَرُوا أَنْ يَكُونَ اللهُ عَيْنَانِ (٢) مَعَ قَوْلِهِ: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ [القمر: ١٤] وَكَقَوْلِهِ: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ [طه: ٣٩] وَنَفَوْا مَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ (٣) ﷺ مِنْ قَوْلِهِ: «إِنَّ اللهَ يَنْزِلُ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا» (٤) إِلَخْ. وَأَنَا ذَاكِرٌ ذَلِكَ [إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى] (٥) بَابًا بَابًا (٦)، وَبِهِ الْمَعُونَةُ وَالتَّأْيِيدُ، وَمِنْهُ التَّوْفِيقُ وَالتَّسْدِيدُ، فَإِنْ قَالَ (٧) قَائِلٌ: قَدْ أَنْكَرْتُمْ قَوْلَ الْمُعْتَزِلَةِ وَالْقَدَرِيَّةِ وَالْجَهْمِيَّةِ وَالْحَرُورِيَّةِ وَالرَّافِضَةِ وَالْمُرْجِئَةِ، فَعَرِّفُونَا قَوْلَكُمُ الَّذِي تَقُولُونَ (٨)، وَدِيَانَتَكُمُ الَّتِي بِهَا تَدِينُونَ؟ قِيلَ لَهُ: قَوْلُنَا الَّذِي بِهِ نَقُولُ (٩) وَدِيَانَتُنَا الَّتِي بِهَا نَدِينُ: (١٠) التَّمَسُّكُ بِكِتَابِ اللهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ (١١) ﷺ ، وَمَا رُوِيَ عَنِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَأَئِمَّةِ الْحَدِيثِ، وَنَحْنُ بِذَلِكَ مُعْتَصِمُونَ، وَبِمَا كَانَ عَلَيْهِ (١٢). أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ - نَضَّرَ اللهُ وَجْهَهُ، وَرَفَعَ دَرَجَتَهُ، وَأَجْزَلَ مُثُوبَتَهُ - قَائِلُونَ، وَلِمَنْ خَالَفَ قَوْلَهُ مُخَالِفُونَ (١٣)؛ لِأَنَّهُ الْإِمَامُ الْفَاضِلُ وَالرَّئِيسُ الْكَامِلُ، الَّذِي أَبَانَ اللهُ بِهِ الْحَقَّ، عِنْدَ ظُهُورِ الضَّلَالِ (١٤)، وَأَوْضَحَ بِهِ الْمِنْهَاجَ وَقَمَعَ بِهِ بِدَعَ الْمُبْتَدِعِينَ وَزَيْغَ الزَّائِغِينَ، وَشَكَّ الشَّاكِّينَ، فَرَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِ مِنْ إِمَامٍ مُقَدَّمٍ، وَكَبِيرٍ (١٥) مُعَظَّمٍ (١٦)، وَعَلَى جَمِيعِ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ». وَجُمْلَةُ قَوْلِنَا أَنْ (١٧) نُقِرَّ بِاللهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَمَا جَاءَ مِنْ عِنْدِ اللهِ وَمَا

стр. 1873

رواه الثقات عن رسول الله ﷺ ، لا نرد من ذلك شيئًا، وأن الله إله واحد أحد (١)، فرد صمد [لا إله غيره] (٢) لم يتخذ صاحبة ولا ولدًا، وأن محمدًا عبده ورسوله (٣)، وأن الجنة حق والنار حق ﴿وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [الحج: ٧] وأن الله تعالى مستو (٤) على عرشه كما قال تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] وأن له وجهًا (٥) كما قال تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٢٧] وأن له يدين (٥) كما قال تعالى: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥] وكما قال تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة: ٦٤]. وأن له عينين (٦) بلا كيف، كما قال تعالى: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ [القمر: ١٤] وأن من زعم أن اسم (٧) الله غيره كان ضالًا، وأن الله عِلْمًَا كما قال تعالى: ﴿أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ [النساء: ١٦٦] وكما قال تعالى: ﴿وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ﴾ [فاطر: ١١] [ونثبت الله قوة كما قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾] (٨) [فصلت: ١٥]، ونثبت الله السمع والبصر، ولا ننفي ذلك كما نفته المعتزلة والجهمية (٩)، ونقول: إن [القرآن] (٢) كلام الله غير مخلوق، وإنه لم يخلق شيئًا، إلا وقد قال له: كن فيكون (١٠). وإنه لا يكون في الأرض شيء من خير وشر إلا ما شاء الله، وأن الأشياء تكون بمشيئة الله سبحانه، وأن أحدًا لا يستطيع أن يفعل شيئًا قبل أن يفعله، وأن

стр. 1874

لَا يَسْتَغْنِي (١) عَنِ اللهِ، وَلَا نَقْدِرُ عَنِ الْخُرُوجِ مِنْ عِلْمِ اللهِ، وَأَنَّهُ لَا خَالِقَ إِلَّا اللهُ، وَأَنَّ أَعْمَالَ الْعِبَادِ (٢) مَخْلُوقَةٌ لِلَّهِ، مَقْدُورَةٌ [لَهُ] (٣) كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٦]. وَأَنَّ الْعِبَادَ لَا يَقْدِرُونَ أَنْ يَخْلُقُوا شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ﴾ [فاطر: ٣] وَكَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ [النحل: ٢٠] وَكَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ﴾ [النحل: ١٧] وَكَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (٣٥) أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [الطور: ٣٥، ٣٦] وَهَذَا فِي كِتَابِ اللهِ كَثِيرٌ. وَأَنَّ اللهَ وَفَّقَ الْمُؤْمِنِينَ لِطَاعَتِهِ، وَلَطَفَ بِهِمْ، وَنَظَرَ لَهُمْ (٤) وَأَصْلَحَهُمْ وَهَدَاهُمْ، وَأَضَلَّ الْكَافِرِينَ وَلَمْ يَهْدِهِمْ، وَلَمْ يَلْطُفْ بِهِمْ بِالْإِيمَانِ، كَمَا زَعَمَ أَهْلُ الزَّيْغِ وَالطُّغْيَانِ، وَلَوْ لَطَفَ بِهِمْ وَأَصْلَحَ كَانُوا صَالِحِينَ (٥)، وَلَوْ هَدَاهُمْ كَانُوا (٦) مُهْتَدِينَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٨]. وَأَنَّ اللهَ يَقْدِرُ أَنْ يُصْلِحَ الْكَافِرِينَ، وَيَلْطُفَ بِهِمْ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ، وَلَكِنَّهُ أَرَادَ أَنْ يَكُونُوا كَافِرِينَ كَمَا عَلِمَ، وَأَنَّهُ خَذَلَهُمْ وَطَبَعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ، وَأَنَّ الْخَيْرَ وَالشَّرَّ بِقَضَاءِ اللهِ وَقَدَرِهِ، وَأَنَا نُؤْمِنُ بِقَضَاءِ اللهِ وَقَدَرِهِ، [وَ] (٣) خَيْرِهِ وَشَرِّهِ، [وَ] (٣) حُلْوِهِ وَمُرِّهِ، وَنَعْلَمُ إِنْ مَا أَصَابَنَا لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَنَا، وَمَا أَخْطَأَنَا لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَنَا (٧)، وَأَنَا لَا نَمْلِكُ لِأَنْفُسِنَا نَفْعًا وَلَا ضَرًّا (٨)، إِلَّا مَا شَاءَ اللهُ (٩)، وَإِنَّا لَنُلْجِئُ أُمُورَنَا (١٠) إِلَى اللهِ، وَنُثْبِتُ الْحَاجَةَ وَالْفَقْرَ فِي كُلِّ وَقْتٍ إِلَيْهِ.

стр. 1875

ونقول: إن القرآن كلام الله غير مخلوق، وإن من قال بخلق القرآن كان كافرًا (١)، وندين أن الله (٢) يُرى بالأبصار يوم القيامة (٣)، كما يُرى القمر ليلة البدر، ويراه المؤمنون كما جاءت [به] (٤) الروايات عن رسول الله ﷺ (٥)، ونقول إن الكافرين (٦) إذا رآه المؤمنون محجوبون (٧)، كما قال تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥]. وأن موسى ﵇، سأل الله الرؤية في الدنيا. وأن الله تجلى للجبل فجعله دكًّا، [وخر موسى صعقًا] (٣)، وأعلم (٨) بذلك موسى أنه لا يراه في الدنيا، ونرى (٩) أن لا نُكفّر أحدًا من أهل القبلة بذنب يرتكبه، كالزنا والسرقة وشرب الخمر، كما دانت بذلك الخوارج، وزعموا أنهم بذلك كافرون (١٠) ونقول: إن من عمل كبيرة من الكبائر (١١) وما أشبهها مستحلًا لها (١٢) كان كافرًا، [إذا كان غير معتقد لتحريمها] (١٣)، ونقول: إن الإسلام أوسع من الإيمان، وليس كل إسلام إيمانًا، وندين (١٤) بأن الله تعالى يقلب القلوب وأن القلوب بين أصبعين (١٥) من أصابعه (١٦)، وأنه يضع السموات على أصبع والأرضين على أصبع (١٧)، كما جاءت الرواية عن رسول الله ﷺ (١٨). وندين بأن لا تُنْزِل أحدًا من الموحدين (١٩) المتمسكين بالإيمان جنةً ولا

стр. 1876

نارًا، إلا من شهد له رسول الله ﷺ بالجنة، ونرجو الجنة للمذنبين، ونخاف عليهم أن يكونوا من أهل النار معذبين، ونقول: إن الله يخرج من النار قومًا بعد ما امتحشوا (١) بشفاعة محمد ﷺ (٢)، ونؤمن بعذاب القبر، ونقول: إن الحوض والميزان حق (٣)، والصراط حق، والبعث بعد الموت حق، وأن الله يوقف العباد بالموقف (٤)، ويحاسب المؤمنين، وأن الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص، ونسلم للروايات (٥) الصحيحة في ذلك عن رسول الله ﷺ التي رواها الثقات عدلًا عن عدل حتى تنتهى (٦) الرواية إلى رسول الله ﷺ . وندين بحب السلف الذين اختارهم الله لصحبة نبيه ﷺ ، ونثني عليهم بما أثنى الله عليهم ونتولاهم (٧)، ونقول: إن الإمام (٨) بعد رسول الله أبو بكر (٩)، وأن الله أعز به الدين، وأظهره على المرتدين، وقدَّمه المسلمون للإمامة كما قدمه رسول الله ﷺ للصلاة (١٠)، ثم عمر بن الخطاب، ثم عثمان بن عفان - نضر الله وجهه ـ، [وأن الذين قتلوه] (١١) قتلوه ظلمًا وعدوانًا، ثم علي ابن أبي طالب، فهؤلاء الأئمة بعد رسول الله ﷺ خلافتهم خلافة النبوة، ونشهد للعشرة بالجنة (١٢)، الذين شهد لهم رسول الله ﷺ (١٣)، ونتولى سائر أصحاب رسول الله ﷺ (١٤)، ونكف عما شجر بينهم، وندين الله أن الأئمة الأربعة راشدون (١٥) مهديون فضلاء، لا يوازيهم غيرهم في الفضل (١٦).

стр. 1877

ونصدق جميع الروايات التي رواها (١) أهل النقل من النزول إلى السماء الدنيا، وأن الرب تعالى يقول: «هل من سائل؟ هل من مستغفر؟» (٢) وسائر ما نقلوه وأثبتوه خلافًا لما قاله أهل الزيغ والتعطيل (٣)، ونعول فيما اختلفنا فيه على كتاب الله وسنة رسوله (٤) وإجماع المسلمين، وما كان في معناه، فلا نبتدع في دين الله بدعة لم يأذن الله بها، ولا نقول على الله ما لا نعلم، ونقول: إن الله يجيء يوم القيامة، كما قال تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر: ٢٢] وأن الله يقرب من عباده كيف شاء، كما قال تعالى: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق: ١٦] وكما قال تعالى: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (٨) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ [النجم: ٨، ٩]. ومن ديننا أن نصلي الجمعة والأعياد (٥)، خلف كل بر وفاجر [وغيره، وكذلك بشروط الصلوات الخمس بالجماعات] (٦)، كما روي عن عبد الله بن عمر أنه كان يصلي خلف الحجاج (٧)، وأن المسح على الخفين (٨) في الحضر والسفر خلافًا لمن أنكر ذلك. ونرى الدعاء للأئمة (٩) المسلمين بالصلاح والإقرار بإمامتهم، وتضليل من رأى الخروج عليهم، إذا ظهر منهم ترك الاستقامة، وندين بترك (١٠) الخروج عليهم (١١) وترك القتال في الفتنة، ونقر بخروج الدجال كما جاءت به الرواية عن رسول الله ﷺ (١٢)، ونؤمن بعذاب القبر، ومنكر ونكير ومساءلتهما للمدفونين (١٣) في قبورهم. ونصدق بحديث

стр. 1878

المعراج (١)، ونصحح كثيرًا من الروايات في المنام، وأن لذلك تأثيرًا. ونرى الصدقة عن موتى المسلمين [المؤمنين] (٢) والدعاء لهم، ونؤمن أن (٣) الله ينفعهم بذلك، ونصدق بأن في الدنيا سحرة (٤)، وأن السحر كائن موجود في الدنيا. وندين بالصلاة على من مات من أهل القبلة: مؤمنهم (٥) وفاجرهم وتوارثهم. ونقر أن الجنة والنار مخلوقتان، وأن من مات أو قتل، فبأجله مات أو قتل، وأن الأرزاق من قبل الله يرزقها الله عباده حلالًا وحرامًا، وأن الشيطان يوسوس للإنسان، ويشككه ويخبطه (٦)، خلافًا لقول المعتزلة والجهمية، كما قال الله : ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ [البقرة: ٢٧٥] وكما قال تعالى: ﴿مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ (٤) الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (٥) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾ [الناس: ٤ - ٦]. ونقول: إن الصالحين يجوز أن يخصهم الله بآيات يظهرها عليهم. وقولنا في أطفال المشركين أن الله يؤجج نارًا في الآخرة (٧) ثم يقول لهم: اقتحموها كما جاءت الرواية بذلك (٨). وندين بأن الله تعالى يعلم ما العباد عاملوه (٩)، وإلى ما هم صائرون، وما يكون (١٠) وما لا يكون أن لو كان كيف كان يكون، وبطاعة الأئمة ونصيحة المسلمين ونرى مفارقة كل داعية لبدعة (١١)، ومجانبة أهل

стр. 1879

الأهواء، وسنحتج لما ذكرناه من قولنا، وما بقي منه، وما (١) لم نذكره بابًا بابًا (٢). قلت (٣): «ثم ذكر الأبواب إلى أن قال: (باب الاستواء) (٤)؟ وإن قال قائل: ما تقولون في الاستواء؟ قيل له: إن الله مستو (٥) على عرشه (٦) كما قال تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ وقال تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠] وقال تعالى: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ [النساء: ١٥٨] وقال تعالى حكاية عن فرعون: ﴿يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَاهَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَل لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ [غافر: ٣٦، ٣٧] كذب (٧) موسى في قوله: إن الله فوق السموات، وقال الله : ﴿أَأَمِنتُم مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ﴾ [الملك: ١٦] فالسموات فوقها العرش، فلما كان العرش فوق السموات (٨) وكان كل ما علا فهو سماء (٩)، وليس إذا قال: ﴿أَأَمِنتُم مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ يعني جميع السموات، وإنما أراد العرش الذي هو على (١٠) السموات، [ألا ترى] (١١) أنه ذكر السموات فقال: ﴿وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا﴾ [نوح: ١٦] ولم يرد أنه يملأهن جميعًا (١٢)، ورأينا المسلمين جميعًا يرفعون أيديهم إذا دعوا نحو السماء؛ لأن الله تعالى مستو على العرش الذي هو فوق السموات، فلولا أن الله تعالى على العرش لم يرفعوا أيديهم نحو العرش».

стр. 1880

ثم قال: «ومن دعاء أهل الإسلام (١) إذا هم رغبوا إلى الله تعالى (٢) يقولون (٣): يا ساكن العرش، ومن خلفهم يقولون (٤): لا والذي احتجب بسبع، وقد قال قائلون من المعتزلة والجهمية والحرورية: أن معنى استوى استولى (٥) وملك وقهر، وأن الله في كل مكان، وجحدوا أن يكون الله على عرشه، كما قال أهل الحق، وذهبوا في الاستواء إلى القدرة، فلو كان كما قالوا (٦) كان لا فرق بين العرش والأرض السابعة؛ لأن الله قادر على كل شيء والأرض (٧)، فالله قادر عليها وعلى الحشوش (٨)، فلو كان (٩) مستويا على العرش بمعنى الاستيلاء [لجاز أن يقال: إن الله] (٧) مستو (١٠) على الأشياء كلها (١١) ولم يجز عند أحد من المسلمين أن يقول: إن الله مستو على الحشوش والأخلية (١٢)، فبطل أن يكون الاستواء على العرش الاستيلاء (١٣)» (١٤) ثم بسط الأدلة على هذه المسألة من الكتاب والسنة والعقل، ولولا خشية الإطالة لسقناها بألفاظها (١٥).

стр. 1881

وقال الأشعري في كتاب «الأمالي»: (باب القول في الأماكن): زعمت المعطلة (١) أن الله بكل مكان، على معنى الصنع والتدبير، واختلف أصحاب الصفات في ذلك، فقال أبو محمد عبد الله بن كلاب: إن الله لم يزل لا في مكان، وهو اليوم لا في مكان، وقال آخرون منهم: إنه مستو على عرشه، بمعنى أنه عال عليه، كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ [الأنعام: ٦١] وقال تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] فامتدح نفسه بأنه على العرش استوى، بمعنى أنه علا عليه، وعلمنا أنه لم يزل عاليًا رفيعًا، قبل خلق الأشياء، وقبل خلق العرش الذي هو عالٍ عليه سبحانه وبحمده». ذكر كلامه في كتابه الكبير في إثبات الصفات وقد ذكر ترجمة هذا الكتاب في كتابه الذي سماه «العمدة في الرؤية» (٢) فقال: وألفنا كتابًا كبيرًا في الصفات، تكلمنا على أصناف المعتزلة والجهمية المخالفين لنا في نفيهم علم الله تعالى وقدرته، وسائر صفاته، وعلى أبي الهذيل، ومعمر النظام، وفي فنون كثيرة من فنون الصفات في إثبات الوجه واليدين، وفي إثبات استواء الرب سبحانه على العرش. ثم ساق مضمونه. اهـ. قول القاضي أبي بكر الطيب الباقلاني الأشعري: قال في كتاب «التمهيد في أصول الدين» وهو من أشهر كتبه: فإن قال قائل: فهل تقولون: إن الله في كل مكان، قيل: معاذ الله، بل هو مستو على العرش كما أخبر في كتابه فقال ﷺ : ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] وقال تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠] وقال: ﴿أَأَمِنتُم مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ﴾ [الملك: ١٦] ولو كان في كل مكان، لكان في جوف الإنسان، وفي فمه، وفي الحشوش، وفي المواضع التي يرغب عن ذكرها تعالى (٣) عن ذلك. ولو كان في كل مكان، لوجب أن يزيد بزيادة الأمكنة إذا خلق منها ما لم

стр. 1882

يكن خلقه، وينقص بنقصانها إذا بطل منها ما كان واضحًا (١)، وأن يرغب إليه نحو الأرض وإلى وراء ظهورنا عن أيماننا وعن شمائلنا، وهذا قد أجمع المسلمون على خلافه وتخطئة قائله». ثم قال في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾ [الزخرف: ٨٤]: المراد أنه إله عند أهل السماء، وإله عند أهل الأرض، كما تقول العرب: فلان نبيل مطاع في المصرين، أي: عند أهلهما، وليس يعنون أن ذات المذكور بالحجاز والعراق موجودة. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل: ١٢٨]؛ يعني بالحفظ والنصر والتأييد، ولم يرد أن ذاته معهم تعالى، وقوله تعالى: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه: ٤٦] محمول على هذا التأويل، وقوله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧]؛ يعني: أنه عالم بهم وبما خفي من سرهم ونجواهم، وهذا إنما يستعمل كما ورد به القرآن، فلذلك لا يجوز أن يقاس (٢) على هذا أن الله بمدينة السلام ودمشق (٣)، وأنه مع الثور والحمار، وأنه مع الفساق ومع المتوجهين إلى حلوان (٤) قياسًا على قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوا﴾ [النحل: ١٢٨]، فوجب أن يكون التأويل على ما وصفناه، ولا يجوز أن يكون معنى استوائه على العرش هو استيلاؤه، كما قال الشاعر: قد استوى بشر على العراق (٥)؛ لأن الاستيلاء: «القدرة (٦)، والله تعالى لم يزل قادرًا قاهرًا مقتدرًا، وقوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى﴾ [الفرقان: ٥٩] يقتضي استفتاح هذا الوصف بعد أن لم يكن قبل (٧) ما قالوه». ثم قال: «باب فإن قال قائل: ففصلوا لي صفات ذاته من صفات أفعاله

стр. 1883

لأعرف ذلك. قيل له: صفات ذاته هي التي لم يزل ولا يزال موصوفًا بها، وهي: الحياة والعلم والقدرة والسمع والبصر والكلام، والإرادة والبقاء والوجه واليدان والعينان والغضب والرضى، وصفات أفعاله (١)، هي: الخلق والرزق والعدل والإحسان والفضل (٢) والإنعام والثواب والعقاب والحشر والنشر، وكل صفة لم تكن قبل فعله لها موجودة» (٣) ثم ساق الكلام في الصفات. اهـ. قول الحسين بن أحمد الأشعري المتكلم من متكلمي أهل الحديث صاحب «جامع الكبير» و «الصغير» في أصول الدين. قال في «جامعه الصغير»: «فإن قيل: ما الدليل على أن الله على العرش بذاته؟ قلنا: قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ﴾ [الفرقان: ٥٩]؛ فإن قالوا: فإن العرب يقولون: استوى فلان على بلد كذا وكذا استولى عليه وقهر هنا (٤)، قلنا: لأصحابنا عن هذا أجوبة: أحدها: لو كان استوى بمعنى استولى لم يكن لتخصيصه العرش بالاستواء معنى؛ لأنه مستول على كل شيء غيره، فكان يجوز أن يقال: الرحمن على الجبل استوى، وهذا باطل. الثاني: أن العرب لا تدخل ثم إلا لمستقبل (٥) سيكون، والله تعالى لم يزل قاهرًا قادرًا مستوليًا على الأشياء، فلم يكن بزعمهم لقوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الفرقان: ٥٩] معنى. الثالث: أن الاستواء بمعنى الاستيلاء لا يكون عند العرب إلا بعد أن يكون ثم مغالب يغالبه، فإذا غلبه وقهره، قيل: قد استولى عليه، فلما لم يكن مع الله مغالب لم يكن معنى استوائه على العرش استيلاء وغلبة (٦)، وصح أن استواءه عليه هو علوه وارتفاعه عليه بلا حد ولا كيف ولا تشبيه». ثم ذكر الخليل بن أحمد وابن الأعرابي أن الاستواء في اللغة هو العلو والرفعة؛ لأنهم يقولون: استوت الشمس إذا تعالت، واستوى الرجل على ظهر

стр. 1884

دابته، إذا علا عليها، وقوله تعالى: ﴿وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ﴾ [هود: ٤٤] أي: ارتفعت عليه، وقوله تعالى: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى﴾ [القصص: ٤] ارتفع عن حال النقصان إلى حال الكمال، وقولهم: استوى أمر فلان أي: ارتفع وعلا عن الحال التي كان عليها من الضعف وسوء الحال، وساق الكلام. اهـ. ذكر قول الإمام فخر الدين الرازي في آخر كتابه وهو كتاب «أقسام اللذات» (١) الذي صنفه في آخر عمره، وهو كتاب مفيد، ذكر فيه أقسام اللذات وبين أنها ثلاثة أقسام: الحسية (٢)، كالأكل والشرب والنكاح واللباس، واللذة الحالية الوهمية: كلذة الرئاسة والأمر والنهي والترفع ونحوها، واللذة العقلية كلذة العلوم والمعارف، وتكلم على كل واحد من هذه الأقسام إلى أن قال: «وأما اللذة العقلية فلا سبيل إلى الوصول إليها والتعلق بها، فلهذا السبب نقول: يا ليتنا بقينا على العدم الأول، وليتنا ما شهدنا هذا العالم وليت النفس لم تتعلق بهذا البدن»، وفي هذا المعنى قلت: نهاية إقدام العقول عقال … وأكثر سعي العالمين ضلال وأرواحنا في وحشةٍ من جسومنا … وحاصل دنيانا أذى ووبال ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا … سوى أن جمعنا فيه قيل وقالوا وكم قد رأينا من رجال ودولة … فبادوا جميعًا مسرعين زالوا وكم مِنْ جِبال قد عَلَتْ شرفاتها … رجال فزالوا والجبال جبال واعلم أن بعد التوغل في المضايق، والتعمق في الاستكشاف عن أسرار هذه الحقائق، رأيت الأصوب الأصح (٣) في هذا الباب طريقة القرآن العظيم والفرقان الكريم، وهو ترك التعمق، والاستدلال بأقسام أجسام السموات والأرضين على وجود رب العالمين، ثم المبالغة في التعظيم من غير خوض في التفاصيل، فاقرأ في التنزيل قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ﴾ [محمد: ٣٨]، وقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]، وقوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ

стр. 1885

اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] وأقرأ في الإثبات قوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، وقوله تعالى: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ [النحل: ٥٠]، وقوله تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾، وقوله تعالى: ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ وعلى هذا القانون فقس (١). وختم الكتاب. اهـ. قول متكلم السنة إمام الصوفية في وقته أبي العباس أحمد بن محمد المظفري المختار الرازي، صاحب كتاب «فرع الصفات في تقريع نفاة الصفات»، وهو على صغر حجمه، كتاب جليل، غزير العلم. قال فيه بعد حكاية مذاهب الناس: «وقالت الحنابلة وأصحاب الظواهر والسلف من أهل الحديث: إن الله على العرش» ثم قال: «أما حجة المثبتين؛ فمن حيث الكتاب والسنة وإجماع الصحابة والمعقول». ثم ذكر حجج القرآن والسنة، ثم حكى كلام الصحابة إلى أن قال: «ثم إن الصحابة اختلفوا في النبي ﷺ : هل رأى ربه ليلة المعراج أم لا؟ واختلافهم في الرؤية في تلك الليلة، اتفاق منهم على أن الله على العرش؛ لأن المخالفين لا يفرقون بين الأرض والسماء بالنسبة إلى ذاته، وهم فرقوا حيث اختلفوا في إحداهما دون الأخرى». قلت: مراده أنهم إنما اختلفوا في رؤيته لربه ليلة أسري به، فجاوز السبع الطباق، ولولا أنه على العرش لكان لا فرق في الرؤية نفيًا ولا إثباتًا بين تلك الليلة وغيرها، ثم قال: «وأما المعقول فمن وجوه خمسة: أحدها: إطباق الناس كافة، وإجماع الخلق عامة من الماضين والغابرين والمؤمنين والكافرين على رفع الأيدي إلى السماء عند السؤال والدعاء، بخلاف السجود، فإنه تواضع متعارف، بخلاف التوجه إلى الكعبة فإنه تعبد غير معقول، أما رفع الأيدي بالسؤال نحو المسؤول فأمر معقول متعارف». قال: «ومن نظر في قصص الأنبياء وأخبار الأوائل القدماء وأبناء الأمم الماضية والقرون الخالية اتضحت له هذه المعاني واستحكمت له هذه المباني» ثم أقر (٢) العلو وساق شبه النفاة ونقضها نقض من يقلع غروسها كل القلع رحمه الله تعالى. اهـ.

стр. 1886

قول ابن رشد الحفيد في علو الله تعالى: قال ابن القيم في «الجيوش الإسلامية» (ص ١٣٠) ما نصه: قال في كتابه «منهاج الأدلة»: «(القول في الجهمية): وأما هذه الصفة فلم يزل أهل الشريعة في أول الأمر يثبتونها الله سبحانه حتى نفتها المعتزلة ثم تبعهم على نفيها متأخرو الأشعرية، كأبي المعالي، ومن اقتدى بقوله، فظواهر (١) الشرع كلها تقتضي إثباتها الله تعالى (٢) مثل قوله سبحانه: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، وقوله تعالى: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [البقرة: ٢٥٥] وقوله تعالى (٣): ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ﴾ [السجدة: ٥] وقوله تعالى: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ [المعارج: ٤]، وقوله تعالى: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك: ١٦] إلى غير ذلك من الآيات التي إن سُلّط التأويل عليها عاد الشرع كله متأولًا (٤)، وإن قيل فيها: إنها من المتشابهات عاد الشرع كله متشابهًا؛ لأن الشرائع كلها مبنية على أن الله في السماء، وأن منها تنزيل (٥) الملائكة بالوحي إلى النبيين، وأن من السماء نزلت الكتب، وإليها كان الإسراء بالنبي ﷺ حتى قرب من سدرة المنتهى». قال: «وجميع الحكماء قد اتفقوا على أن الله والملائكة في السماء، كما اتفقت جميع الشرائع على ذلك، والشبهة التي قادت نفاة الجهة إلى نفيها هي أنهم اعتقدوا أن إثبات الجهة يوجب إثبات المكان وإثبات المكان، يوجب إثبات الجسمية». قال: «ونحن نقول: إن هذا كله غير لازم فالجهة (٦) غير المكان» (٧). قال محمد تقي الدين: ثم شرح ابن رشد ذلك بكلام طويل، لا يفهمه عامة القراء، ثم قال: «فهذا كله يظهر للعلماء الراسخين في العلم».

стр. 1887

قال: «فقد ظهر لك من هذا، أن إثبات الجهة واجب بالشرع والعقل، وأنه الذي جاء به الشرع، وأثنى عليه، فإن إبطال هذه القاعدة إبطال للشرائع، … » ثم ساق تقرير ذلك إلى آخره، فهذا كلام فيلسوف الإسلام الذي هو أَخْبَرُ بمقالات الفلاسفة والحكماء، وأكثر اطلاعًا عليها من ابن سينا، ونقلًا لمذاهب الحكماء، وكان لا يرضى بنقل ابن سينا ويخالفه نقلًا وبحثًا. فصل قال محمد تقي الدين: قد أطلت في هذا الباب؛ لأنه أهم أبواب آيات الصفات، فإن كل من اعتقد علو الله تعالى واستواءه على عرشه وبينونته من خلقه لا يرد شيئًا من الصفات، ومن سوء الحظ أن نفي هذه الصفة الكريمة قد شاع في بلاد المسلمين منذ أزمنة متطاولة، فعامتهم يقولون: الله في كل مكان بذاته، وخاصتهم تقول: لا داخل العالم ولا خارجه، ولا في أي جهة من الجهات الست؛ لأن المعتزلة والخوارج والمتأخرين من الأشعرية نجحوا في تضليل الناس وإبعادهم عن الإيمان بعلو الله تعالى وكونه فوق خلقه فالحمد لله الذي هدانا لهذا، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله.

стр. 1888

سورة التوبة الباب الأول قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [التوبة: ٦] قال (ك): يقول تعالى لنبيه صلوات الله وسلامه عليه: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ﴾ [من] (١) الذين أمرتك بقتالهم وأحللت لك استباحة نفوسهم وأموالهم، و ﴿اسْتَجَارَكَ﴾ أي: استأمنك، فأجبه إلى طلبه ﴿حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾، أي: القرآن تقرأه عليه، وتذكر له شيئًا من [أمر] (١) الدين تقيم به عليه حجة الله ﴿ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾ أي: وهو آمن مستمر الأمان، حتى يرجع إلى بلاده وداره ومأمنه ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ﴾ أي: إنما شرعنا أمان مثل هؤلاء، ليعلموا دين الله وتنتشر دعوة الله في عباده. وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد في تفسير هذه الآية قال: «إنسان يأتيك ليسمع (٢) ما تقول، وما أنزل عليك، فهو آمن حتى يأتيك فتسمعه (٣) كلام الله، وحتى يبلغ مأمنه حيث جاء» (٤). ولهذا (٥) كان رسول الله ﷺ يعطي الأمان من جاءه مسترشدًا أو في رسالة،

стр. 1889

كما جاء يوم الحديبية جماعة من الرسل من قريش، منهم: عروة بن مسعود، ومكرز بن حفص، وسهيل بن عمرو وغيرهم (١)، واحدًا بعد واحد، يترددون في القضية بينه وبين المشركين، فرأوا من إعظام المسلمين رسول الله ﷺ ما بهرهم، وما لم يشاهدونه (١) عند ملك ولا قيصر، فرجعوا إلى قومهم وأخبروهم بذلك، وكان ذلك وأمثاله من أكبر أسباب هداية أكثرهم (٢)، ولهذا أيضًا لما قدم رسول مسيلمة الكذاب على رسول الله ﷺ قال (٣): «أتشهد أن مسيلمة رسول الله؟ قال: نعم، فقال رسول الله ﷺ : «لولا أن الرسل لا تقتل لضربت عنقك» (٤). وقد قيض الله له ضرب العنق في إمارة ابن مسعود على الكوفة، وكان يقال له: ابن النواحة، ظهر عنه في زمان ابن مسعود أنه يشهد لمسيلمة بالرسالة، فأرسل إليه ابن مسعود، فقال له: «إنك الآن لست في رسالة، وأمر به فضربت عنقه» (٥) لا رحم الله ولعنه. والغرض أن من قدم من دار الحرب إلى دار الإسلام، في أداء رسالة أو تجارة أو طلب صلح أو مهادنة أو حمل جزية أو نحو ذلك من الأسباب، وطلب من الإمام أو نائبه أمانًا، أعطي أمانًا ما دام مترددًا في دار الإسلام، وحتى يرجع إلى مأمنه ووطنه؛ لكن قال العلماء: لا يجوز أن يمكن من الإقامة في دار الإسلام سنة، ويجوز أن يمكن من إقامة أربعة أشهر، وفيما بين ذلك فيما زاد على أربعة أشهر ونقص عن سنة قولان عن الإمام الشافعي وغيره من العلماء ﵏» (٦). اهـ. قال القاسمي في «تفسيره»: «استدل بهذه الآية من ذهب إلى أن كلام الله بحرف وصوت قديمين، وهم الحنابلة ومن وافقهم (٧) قالوا: لأن منطوق الآية يدل على أن كلام الله يسمعه الكافر والمؤمن والزنديق والصديق، والذي يسمعه جمهور الخلق ليس إلا هذه الحروف والأصوات، فدل ذلك على أن كلام الله ليس إلا هذه الحروف.

стр. 1890

والأصوات، والقول بأن كلام الله شيء مغاير لها باطل؛ لأن رسول الله ﷺ ما كان يشير بقوله: ﴿كَلَّمَ اللهُ﴾ إلا لها، وقد اعترف الرازي بقوة هذا، للإزام من خالف فيه، وقد مضى لنا في قوله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤] (١). وقال في «تفسيره» عند قوله تعالى: ﴿وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤] أي: في السور المكية ﴿وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ﴾ (٢) أي: لم نسمعهم (٣) لك في القرآن، وقد أحصى بعض المدققين أنبياء اليهود والنصارى ورسلهم فوجد عددهم لا يتجاوز الخمسين، وروي في عدتهم أحاديث تكلم في أسانيدها، منها حديث أبي ذر: «إن الأنبياء مائة ألف وأربعة وعشرون ألفا، والرسل ثلاثمائة وثلاثة عشر» (٤)، صححه ابن حبان، وخالفه ابن الجوزي فذكره في «موضوعاته» واتهم به إبراهيم بن هشام، وقد تكلم فيه غير واحد ﴿وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾؛ يعني: خاطبه مخاطبة من غير واسطة؛ لأن تأكيد (كلم) بالمصدر يدل على تحقيق الكلام، وأن موسى ﵇ سمع كلام الله بلا شك؛ لأن أفعال المجاز لا تؤكد بالمصادر، فلا يقال: أراد الحائط (٥) إرادة، قال الفراء: «العرب تسمي كل ما يوصل إلى الإنسان كلاما، بأي طريق وصل، ولكن لا تحققه بالمصدر، وإذا حقق بالمصدر لم يكن إلا حقيقة الكلام» (٦)، فدل قوله تعالى: ﴿تَكْلِيمًا﴾ على أن موسى قد سمع كلام الله حقيقة من غير واسطة، قال بعضهم: «كما أن الله تعالى خص موسى ﵇ بالتكليم وشرفه به، ولم يكن ذلك قادحا في نبوة غيره من الأنبياء، فكذلك إنزال التوراة عليه جملة واحدة لم يكن قادحا في نبوة من أنزل عليه كتابه منجما من الأنبياء»، كذا في «اللباب» (٧).

стр. 1891

تنبيه: يحسن في هذا المقام إيراد عقيدة السلف الكرام في مسألة الكلام فإنها من أعظم مسائل الدين، وقد تحيرت فيها آراء أهل الأهواء من المتقدمين والمتأخرين، واضطربت فيها الأقوال، وكثرت بسببها الأهواء، وأثارت فتنًا وجلبت محنًا، وكم سجنت إمامًا، وبكت أقوامًا، وتشعبت فيها المذاهب، واختلفت فيها المشارب، ولم يثبت إلا قول أهل السنة والجماعة، المقتفون (١) لأثر الرسول ﷺ وصحابته الكرام، فنقول: قال شيخ الإسلام تقي الدين ابن تيمية عليه رحمة الرحيم السلام في كتابه إلى جماعة العارف عدي بن مسافر ما نصه: فصل ومن ذلك الاقتصاد في السنة واتباعها كما جاءت بلا زيادة ولا نقصان، مثل الكلام في القرآن وسائر الصفات، فإن مذهب سلف الأمة وأهل السنة: أن القرآن كلام الله منزل غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود، هكذا قال غير واحد من السلف، روي عن سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار - وكان من التابعين الأعيان -، قال: ما زلت أسمع الناس يقولون ذلك، القرآن الذي أنزله الله على رسوله هو هذا القرآن الذي يقرؤه المسلمون، ويكتبونه في مصاحفهم، وهو كلام الله لا كلام غيره، وإن تلاه العباد وبلغوه بحركاتهم وأصواتهم، فإن الكلام لمن قاله مبتدئًا، لا لمن قاله مبلغًا مؤديًا، قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦] وهو القرآن في المصاحف، كما قال تعالى: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (٢١) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [البروج: ٢١، ٢٢]. وقال تعالى: ﴿يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً (٢) فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ [البينة: ٢ - ٣]، وقال: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ﴾ [الواقعة: ٧٧ - ٧٨]، والقرآن كلام الله بحروفه ونظمه ومعانيه، كل ذلك يدخل في القرآن وفي كلام الله، وإعراب الحروف هو من تمام الحروف، كما قال النبي ﷺ : «من قرأ القرآن فأعربه فله بكل حرف عشر حسنات (٢)، وقال أبو بكر وعمر: حفظ إعراب القرآن أحب

стр. 1892

إلينا من حفظ بعض حروفه» (١). ثم قال ﵀: «والتصديق بما ثبت عن النبي ﷺ أن الله يتكلم بصوت (٢) وينادي آدم ﵇ بصوت (٣)، إلى أمثال ذلك من الأحاديث (٤)، فهذه الجملة كان عليها سلف الأمة وأئمة السنة، وقال أئمة السنة: القرآن كلام الله تعالى غير مخلوق، حيث تلي، وحيث كتب، فلا يقال لتلاوة العبد بالقرآن: إنها مخلوقة (٥)؛ لأن ذلك يدخل فيه القرآن المنزل، ولا يقال: غير مخلوقة؛ لأن ذلك يدخل فيه أفعال العباد، ولم يقل قط أحد من أئمة السلف: إن أصوات العباد بالقرآن قديمة، وبه أنكروا على من قال: «لفظ العبد بالقرآن غير مخلوق» وأما من قال: إن المداد قديم - فهذا من أجهل الناس وأبعدهم عن السنة. قال الله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ [الكهف: ١٠٩]، فأخبر أن المداد يكتب به كلماته، وكذلك من قال: «ليس القرآن في المصحف، وإنما في المصحف مداد وورق وحكاية وعبارة». فهو مبتدع ضال، بل القرآن الذي أنزله الله على محمد ﷺ هو ما بين الدفتين، والكلام في المصحف على الوجه الذي يعرفه الناس، له خاصة يمتاز بها عن سائر الأشياء.

стр. 1893

وكذلك من زاد على السنة، فقال: إن ألفاظ العباد وأصواتهم قديمة، فهو مبتدع ضال، كمن قال: إن الله لا يتكلم بحرف ولا صوت، فإنه أيضًا مبتدع منكر للسنة، وكذلك من زاد وقال: إن المداد قديم - فهو ضال، كمن قال: ليس في المصاحف كلام الله، وأما من زاد على ذلك من الجهال الذين يقولون: إن الورق والجلد والوتد وقطعة من الحائط كلام الله، فهو بمنزلة من يقول: ما تكلم الله بالقرآن ولا هو كلامه، هذا الغلو من جانب الإثبات يقابل التكذيب من جانب النفي، وكلاهما خارج عن (١) السنة والجماعة. وكذلك إفراد الكلام في النقطة والشكلة (٢) بدعة، نفيًا وإثباتًا، وإنما حدثت هذه البدعة من مائة سنة أو أكثر بقليل، فإن من قال: إن المداد الذي تنقط به الحروف وتشكل به قديم، فهو ضال جاهل. ومن قال: إن إعراب حروف القرآن ليس من القرآن فهو ضال مبتدع، بل الواجب أن يقال: هذا القرآن العربي هو كلام الله، وقد دخل في ذلك حروفه وإعرابه (٣)، كما دخلت معانيه، ويقال: وما بين اللوحين جميعه كلام الله، فإن كان المصحف منقوطًا مشكولًا أطلق على ما بين اللوحين جميعه إنه كلام الله، وإن كان غير منقوط ولا مشكول، كالمصاحف القديمة التي كتبها الصحابة، كان أيضًا ما بين اللوحين هو كلام الله، فلا يجوز أن تلقى الفتنة بين المسلمين بأمر محدث ونزاع لفظي لا حقيقة له، ولا يجوز أن يحدث في الدين ما ليس منه» (٤). وسئل رحمه الله تعالى عن رجلين تباحثا فقال أحدهما: القرآن حروف وصوت (٥)، وقال الآخر: ليس ذلك من القرآن. فما الصواب في ذلك؟ فأجاب: «الحمد لله رب العالمين، هذه المسألة يتنازع فيها كثير من الناس، ويخلطون الحق بالباطل، فالذي قال: إن القرآن حرف وصوت، إن (٦) أراد بذلك.

стр. 1894

أن هذا القرآن الذي يقرؤه المسلمون (١) هو كلام الله، الذي نزل به الروح الأمين على محمد خاتم النبيين والمرسلين، وأن جبرائيل سمعه من الله، والنبي ﷺ سمعه من جبرائيل، والمسلمون سمعوه من النبي ﷺ كما قال تعالى: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ [النحل: ١٠٢] وقال: ﴿وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ [الأنعام: ١١٤] فقد أصاب في ذلك. فإن هذا مذهب سلف الأمة وأئمتها، والدلائل على ذلك كثيرة من الكتاب والسنة والإجماع، ومن قال: إن القرآن العربي لم يتكلم الله به وإنما هو كلام جبرائيل أو غيره، عبر به عن المعنى القائم بذات الله، كما يقول ذلك ابن كلاب والأشعري ومن وافقهما، فهو قول باطل من وجوه كثيرة، فإن هؤلاء يقولون: إنه معنى واحد قائم بالذات، وإن معنى التوراة والإنجيل والقرآن واحد، وإنه لا يتعدد ولا يتبعض، وإنه إن عبر عنه بالعربية كان قرآنًا، وبالعبرانية كان توراة، وبالسريانية كان إنجيلًا، فيجعلون معنى آية الكرسي، وآية الدين، ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، وَ ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾، والتوراة والإنجيل وغيرهما معنى واحدًا، وهذا قول فاسد بالعقل والشرع، وهو قول أحدثه ابن كلاب لم يسبقه إليه غيره من السلف، وإن أراد قائل بالحرف والصوت، أن الأصوات المسموعة من القرآن (٢)، والمداد الذي في المصاحف قديم أزلي أخطأ وابتدع، وقال ما يخالف العقل والشرع، فإن النبي ﷺ قال: «زينوا القرآن بأصواتكم» (٣). فبين أن الصوت صوت القارئ والكلام كلام البارئ، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦] فالقرآن الذي يقرؤه المسلمون كلام الله لا كلام غيره، كما ذكر الله ذلك. وفي «السنن» عن جابر بن عبد الله أن النبي ﷺ كان يعرض نفسه على الناس في الموقف فقال: «ألا رجل يحملني إلى قومه؟ فإن قريشًا قد منعوني أن أبلغ كلام ربي» (٤). وقالوا لأبي بكر الصديق لما قرأ عليهم: ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ [الروم: ١، ٢] هذا كلامك أم كلام صاحبك؟ فقال: «ليس بكلامي ولا كلام صاحبي،

стр. 1895

ولكنه كلام الله تعالى (١). والناس إذا بلغوا كلام النبي ﷺ ، كقوله: «إنما الأعمال بالنيات» (٢) يعلمون أن الحديث الذي يسمعونه حديث النبي ﷺ تكلم به بصوته وبحروفه ومعانيه، والمحدث بلغه عنه بصوت نفسه لا بصوت النبي ﷺ ، فالقرآن أولى أن يكون كلام الله، إذ بلغته الرسل عنه، وقرأه الناس بأصواتهم، والله تكلم بالقرآن، بحروفه ومعانيه بصوت نفسه، ونادى موسى بصوت نفسه، كما ثبت بالكتاب والسنة وإجماع السلف، وصوت العبد ليس هو صوت الرب، ولا مثل صوته، فإن الله ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله. وقد نص أئمة الإسلام أحمد ومن قبله من الأئمة، على ما نطق به الكتاب والسنة: من أن الله ينادي بصوت، وأن القرآن كلامه، تكلم بحرف (٣) وصوت، ليس منه شيء كلامًا لغيره لا جبرائيل ولا غيره، وأن العباد يقولونه بأصوات أنفسهم وأفعالهم، فالصوت المسموع من العبد صوت القارئ والكلام كلام البارئ، وكثير من (٤) الخائضين في هذه المسألة لا يميز بين صوت العبد وصوت الرب، بل يجعل هذا هو هذا، فينفيهما جميعًا ويثبتهما جميعًا، فإذا نفى الحرف والصوت، نفى أن يكون القرآن العربي كلام الله، وأن يكون مناديًا لعباده بصوته، وأن يكون القرآن الذي يقرؤه المسلمون كلام الله، كما نفى أن يكون صوت العبد صفة الله، ثم جعل كلام الله المتنوع شيئًا واحدًا، لا فرق بين القديم والحادث وهذا مصيب في هذا الفرق دون ذلك (٥). الثاني، الذي فيه نوع من الإلحاد والتعطيل؛ حيث جعل كلام الله المتنوع شيئًا واحدًا لا حقيقة له عند التحقيق، وإذا أثبت جعل صوت الرب هو صوت العبد أو سكت عن التمييز بينهما، مع قوله: إن الحروف متعاقبة في الوجود مقترنة في الذات، قديمة أزلية الأعيان. فجعل عين صفة الرب تحل في العبد، ويتحد بصفته فقال في نوع من الحلول
следующие страницы →